(مَنْ التقط لقطة ذات بالٍ عرَّفها سنةً، فإن جاء طالبها فعرفها بعلامتها دفعها له، وإن مضت سنة ولم يأت لها طالبٌ؛ فإن شاء أنفقها، أو تصدق بها، أو حبَسَها حتى يأتي ربُّها، فإن تلفت لم يضمنها).
* ت: سأل رجل رسول الله ﷺ عن اللقطة فقال ﵇: «اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنةً، فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنك بها»، قال: فضالة الغنم؟ فقال: «هي لك، أو لأخيك، أو الذئب»، قال: فضالة الإبل؟ قال: «ما لك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها، ترِدُ الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها» (^١).
وفي بعض طرقه: «عرفها سنةً، ثم اعرف وكاءَها وعفاصها، ثم استنفقها، فإن جاء ربها فأدها إليه»، في «الصحيحين» (^٢).
يلزم ملتقطها دفعها لربها إذا عرَفَ عِفاصها ووكاءها والعدد، وهو معنى أمره ﵇ بمعرفة العفاص والوكاء، وإلا فلا فائدة فيه إذا لم يقض عليه بذلك.
زاد ابن شعبان والسُّكة إن كانت دنانير، وإن كانت دراهم فالوزن والسُّكة (^٣).
_________________
(١) أخرجه من حديث زيد بن خالد الجهني: البخاري في صحيحه رقم (٢٤٢٧)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٥٠٠).
(٢) أخرجه بهذا اللفظ من حديث زيد بن خالد الجهني: البخاري في «صحيحه» رقم (٢٤٣٦)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٤٩٩).
(٣) بنصه عن ابن شعبان في «التبصرة» (٦/ ٣١٩٧).
[ ٦ / ١٤٦ ]
وقال أشهب: يكفي العفاص والوكاء دون العدد، والعفاصُ والعدد دون الوكاء، والوكاء وحده (^١).
وقيل: لا بُدَّ من العفاص والوكاء، ويحلف، فإن نَكَل لم يدفع له (^٢).
ويدفع له بوصف السكة والعدد؛ لأنَّ السِّكَةَ أمر باطن لا يعرفه إلا المالك.
فإن أخطأ ثم أصاب لم يدفع له؛ لأنَّ ذلك تخمين.
والعفاصُ: الرباط، والوكاء ما فيه اللقطة من خِرقةٍ وغيرها.
وقيل: بالعكس، وإن وصَفَ العِفاصَ والوِكاءَ ونكل عن اليمين؛ لم يأخذها وإن عاد، إلى أن يحلف.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا بد من البينة.
لنا: أنه أُمِرَ في الحديث المتقدم بالدفع من غير بينة، واكتفي بمعرفة الصفات للضرورة، كما جازت شهادة النساء وغير ذلك للضرورة، ولو احتاج الناس إلى الإشهاد على شدّ أموالهم أدى ذلك إلى عدم انتفاعهم بها.
احتجوا بالقياس على ما إذا ادعى المال في يد السارق، فإنه لا تُقبل فيه الصفات، مع تعذر الإشهاد كما ذكرتم.
ولأنه يجوز أن يكون سمع الصفات من المالك.
والجواب عن الأول: أنَّ السارق منكر مدع لنفسه، فقَوِيَ أمره، والملتقط
_________________
(١) بتمامه عن أشهب في «النوادر» (١٠/ ٤٧١)، و«التبصرة» (٦/ ٣١٩٧ - ٣١٩٨).
(٢) انظر: «النوادر» (١٠/ ٤٧١)، و«التبصرة» (٦/ ٣١٩٧ - ٣١٩٨).
[ ٦ / ١٤٧ ]
لا يدعي لنفسه شيئًا، فلم تتعلق بالمال دعوى معارضة للطالب.
ولو لم يدع السارق لنفسه؛ جاز دفع المال بالعلامة.
وقد قاله مالك في قطاع الطريق إذا ادعى ما في أيديهم قوم من دفع علامة ذلك من عفاص وعدد دفع إليه بغير بينة كاللقطة (^١).
وعن الثاني: أن الظاهر خلافه.
فإن ادعاها رجلان واتفقت صفاتهما اقتسماها بعد أيمانهما، فإن نكل أحدهما أخذها الحالف (^٢).
قال أشهب: فإن نكلا لم تُدفَع إليهما (^٣).
فإن وصف أحدهما الباطن - من العدد والسِّكَّة - والآخَرُ الظاهر - العفاص والوكاء:
قيل: يُقدم صاحب الظاهر؛ للحديث (^٤).
وقيل: يقتسمانها (^٥)؛ لأنَّ الباطن أقوى، فلا أقل من المساواة.
وقال مالك: لا أُحِبُّ له أكلها بعد السنة، وليحبسها، أو يتصدق بها (^٦)؛ لأن تعاهدها يشق عليه، ويخير صاحبها إذا أتى بين الثواب أو تغريم الملتقط.
_________________
(١) «المدونة» (١١/ ١٧٦).
(٢) انظر: «النوادر» (١٠/ ٤٧٢).
(٣) بنصه عن أشهب في «التبصرة» (٦/ ٣١٩٨).
(٤) بنصه في «التبصرة» (٦/ ٣١٩٩) من غير نسبة.
(٥) نقله في «التبصرة» (٦/ ٣١٩٩) من غير عزو.
(٦) «المختصر الكبير» (ص ٢٧٣)، و«التبصرة» (٦/ ٣٢٠٠).
[ ٦ / ١٤٨ ]
قاله عمره ﵁.
قال ابن القصار: ويُكره أكلها، غنيًّا كان أو فقيرًا (^١).
وقال ابن شعبان: له أكلها إن كان غنيًّا بمثلها (^٢).
وقال ابن وهب: للفقير أكلها إن كانت قليلةً (^٣).
قال الأبهري: ويتصدق الغني بقيمتها إن احتاج للانتفاع بها (^٤)؛ لأنَّ الغني لا ينتفع بمال الفقراء، كالزكاة والكفارة.
وإن تلفت في يده فلا ضمان؛ لأنه أمين، وقبضه لمنفعة غيره، كالوديعة.
* * *
* ص: (إن وجد لقطة لمن يعرفه فلا بأس بأخذها).
ليسر إيصالها.
(وإن لم يعرفه فلا بأس بتركها).
[لبعدِ] (^٥) رَدَّها.
(وذات البال أخذها أحسن).
لأن الأيدي تمتد إليها.
_________________
(١) بنصه عنه في «التبصرة» (٦/ ٣٢٠٠).
(٢) بتمامه عنه في «التبصرة» (٦/ ٣٢٠٠).
(٣) «البيان والتحصيل» (١٥/ ٣٧٣).
(٤) بتمامه عنه في «شرحه على المختصر الكبير» (٢/ ٤٠٨).
(٥) في (ت): (لتعذر).
[ ٦ / ١٤٩ ]
* ت: قال مالك في «العتبية»: لا أُحِبُّ أخذها إلا أن يكون لها قدر (^١).
وإن لم يقو عليها ووجد من يثق به دفعها له؛ لأنَّ حفظ الأموال فرض كفاية؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، بخلاف الوديعة لا يعطيها لغيره؛ لأن صاحبها لم يرض بأمانة غيره.
ولأنها غير شاقة؛ لعدم التعريف.
قال ابن شعبان: ينبغي ترك اللقطة (^٢)؛ لأن ابن عمر كان يفعله.
* * *
* ص: (ما يفسد بتركه كالطعام ولا يبقى مثله، فلا بأس أن يتصدق به أو يأكله إن احتاج إليه، ولا يضرب له أجلا، ويضمنه).
* ت: الصدقة به أولى، كَثُرَ أو قَلَّ، ولم يؤقت مالك في تعريفه وقتا.
قال الأبهري: عندي يضمن ما له قيمة عند التلف، بخلاف الماشية في الفلاة، فإنها لا قيمة لها (^٣).
قال مطرف: إن تصدق به لم يضمنه؛ لأنَّ إمساكه يُفسده، وإن أكله ضمنه؛ لا نتفاعه به وإن قل، إلا أن يكون في السفر [حيث لا ناس] (^٤) فيكون كشاة الفلاة، وأكله حينئذ أفضل من طرحه، فإن كان مما يبقى ضمِنَه، أكَلَه أو تصدَّق به (^٥).
_________________
(١) «البيان والتحصيل» (١٥/ ٣٥٨).
(٢) بنصه عنه في «التبصرة» (٦/ ٣١٩٤).
(٣) انظر: «شرح المختصر الكبير» (٢/ ٤٢٢).
(٤) في (ز): (حيث الإياس)، وعبارته في «النوادر» (١٠/ ٤٧٠): (وحيث لا بأس بأكله).
(٥) «النوادر» (١٠/ ٤٧٠).
[ ٦ / ١٥٠ ]
قال بعض المتأخرين: ينبغي تعريفه قدر ما يُؤمَن فساده.
* * *
* ص: (يُعرِّفُ اللقطة في الموضع الذي أصيبت فيه، ويذكرها لمن يقرب من موضعها).
* ت وأقرب المواضع إليه، وعلى أبواب المساجد، وحيث يظن مالكها؛ لأن صاحبها يطلبها في الموضع الذي ضاعت فيه وما قارَبَه.
قال مالك: ولا ينبغي أن يريها لأحد، ولا يُسميها، وليقل: من يعرف دنانير؟ لئلا يؤدي إلى أن يأخذها غير ربها، ويُعرّفها بين اليومين والثلاثة، ولا يلزمه أن يدع صنعته لها (^١).
ولا تُعرَّف في المسجد بل على أبواب المساجد (^٢)؛ لأن رسول الله ﷺ سمع رجلا ينشد لقطةً في المسجد فقال: «لا وجدت» (^٣).
أما ذكرها من غير رفع صوت فيجوز، كالحديث في المسجد؛ لأنَّ رفع الصوت يؤذي الناس.
* * *
* ص: (إن ردها لمكانها فلا شيء عليه، إلا أن يكون أخذها بنية حفظها، فيضمنها إن ردها).
_________________
(١) بنصه عنه في «النوادر» (١٠/ ٤٧١).
(٢) «النوادر» (١٠/ ٤٦٨).
(٣) جزء من حديث بريدة الأسلمي، أخرجه أحمد في «مسنده» رقم (٢٣٠٤٤)، ومسلم في «صحيحه» رقم (١٢٦٢).
[ ٦ / ١٥١ ]
* ت: إن ردها من ساعته فلا شيء عليه، [أو بعد طول] (^١) ضَمِنَ.
وقال أشهب: لا يضمن وإن طال، وإنما عليه يحلف: لقد رَدَّها (^٢)، كما يُصدَّق المودع في الرد، أو لما تسلّف من الوديعة.
ووجه التفرقة: أنَّ ربها قد يكون رجع في طلبها فلم يجدها، فيكون أتلفها عليه، بخلاف القرب.
ووجه قول ابن الجلاب: أن قصده لحفظها حق التزمه لربها، فيجب الوفاء به، فإن ردَّها ضَمِنَ؛ لِردّها للغرر بعد الحفظ.
* * *
* ص: (إن أنفقها العبد قبل السنة فهي جناية في رقبته).
لأنه لم يُؤذن له في التصرُّف قبل السنة، أو بعدها فدين في ذمته؛ لإباحة التصرُّف حينئذ؛ للحديث المتقدم، ودين العبد في ذمته.
(ولا يأخذ البعير من الصحراء، ويَضمُّ الشاةَ إلى غنمه أو إلى قرية إن كان بقربها، فإن لم يجد ما يضمها إليه أكلها وضمنها).
لانتفاع بها.
(وقيل: لا ضمان عليه).
لأنها مستهلكة في هذه الحالة.
* ت: لما سُئل رسول الله ﷺ عن ضالة الإبل فقال: «ما لك ولها؟ دعها،
_________________
(١) في (ز): (وإن بعد الطول).
(٢) «النوادر» (١٠/ ٤٧٣).
[ ٦ / ١٥٢ ]
معها حذاؤها وسقاؤها، تردُّ الماء وتأكل الشجر، حتى يجدها ربُّها»، وقال في الشاة: «خذها، إنما هي لك أو لأخيك أو للذئب» (^١).
فإن أخذ ضالة الإبل عرفها سنةً، ولا يأكلها ولا يبيعها، فإن لم يأتِ؛ خلَّى سبيلها في الموضع الذي وجدها فيه؛ للأمن عليها.
أما الشاة توجد بالبعد من العمران وحده، أو مع من لا حاجة له في شرائها؛ فهي له، فإن نقلها للحاضرة بعد ذبحها فله أكلها.
قال أصبغ: وإن كان غنيا، ولا يضمن؛ لأنها مستهلكة في هذه الحالة (^٢).
ولقوله ﵇: «هي لك أو لأخيك أو للذئب» (^٣).
فإن أتى مالكها وهي في يده فهو أحقُّ، وعليه أجرة نقلها.
قال الأبهري: والبقرة كالشاة (^٤).
ويشهد لعدم الضمان قوله ﵇ في التمرة: «لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها» (^٥)، فلم يجعل المانع إلا الصدقة، وأن المستهلكات لا تندرج في قوله ﵇: «لا يحِلُّ مالُ امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه» (^٦).
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ١٤٦).
(٢) انظر: «النوادر» (١٠/ ٤٧٨).
(٣) سبق تخريجه، انظر: (٦/ ١٤٦).
(٤) انظر: «شرح المختصر الكبير» (١/ ٤١٦).
(٥) أخرجه من حديث أنس: البخاري في (صحيحه) رقم (٢٤٣١)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٢٤٧٨).
(٦) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ١٤٣).
[ ٦ / ١٥٣ ]
فإن قَدِمَ بالشاة حيَّةً عرفها، كاللُّقطة، أو في رُفقة تشتريها باعها ووقف ثمنها لصاحبها، فإن أكلها ضمنها.
قال مالك: ويحبسها مع غنمه سَنَةً، وله حلابها، ولا يضمنه، وإن ذبحها قبل السَّنة ضمنها، وإن خاف عليها لم يضمنها إلا أن يقدر على بيع لحمها (^١)، وكذلك إن كان بقُرب قرية.
قال الأبهري: وصوفها ولبنها مثلها؛ لأنه مُلكُ غيره (^٢)، ويأكل من نسلها ولبنها بقدر قيامه عليها إن كان محتاجًا، كالحكام والأئمة يأخذون من أموال المسلمين بقدر حاجتهم، وكقَيِّم اليتيم.
* * *
_________________
(١) بتمامه في «النوادر» (١٠/ ٤٧٨)، و«التبصرة» (٦/ ٣٢٠٧ - ٣٢٠٨).
(٢) بنصه في «شرح المختصر الكبير» (٢/ ٤١٨).
[ ٦ / ١٥٤ ]