(ومن مات وعليه دين وأوصى بثُلُثِه؛ فإنه يُبدَأ من تركته بكفنِه وحنوطه ومؤنة دفنه بالمعروف، ثم يُقضَى دَينُه، ثم يُصرَف ثُلثه في وجوهه، ثم يكون ما بقي بعد ذلك لورثته على كتاب الله ﷿).
ت: لأنه في حياته إذا فلس يُقدَّم ضرورته وسترته على الغرماء، وتُترك له ثياب جسده، فكذلك في موته، ولأنَّ صيانة الميت وسترته حق الله تعالى لا يجوز تركه.
ولو أوصى بأن لا يُكفّن ولا يُدفن لم يكن له ذلك، ولو لم يكن ذلك في ملكه وجَبَ على المسلمين ذلك.
ولأنَّ رسول الله ﷺ أمر بتكفين قتلى أحد في ثيابهم (^١)، ولم يسأل عن ورثتهم ولا ديونهم.
ولأنَّ الدين لما كان من رأس المال فما قدّم على الدين أولى برأس المال. وقال رسول الله ﷺ: «الدين مقدم على الوصايا» (^٢).
والإجماع عليه (^٣).
_________________
(١) أخرجه من حديث ابن عباس: أحمد في «مسنده» رقم (٢٢١٧)، وأبو داود في «سننه» رقم (٣١٣٤).
(٢) أخرجه بنحوه من حديث علي: أحمد في «مسنده» رقم (١٠٩١)، وابن ماجه في «سننه» رقم (٢٧١٥).
(٣) «الجامع» (١٩/ ٧٧٢).
[ ٦ / ٢٨٤ ]
وإنما بُدِّيَ الدين على الوارث لأنَّ الدين أُخِذ عِوَضُه، بخلاف غيره.
قال ابن يونس: فإن كان الدين لمن لا يجوز إقراره له ورث، وكانت الوصايا في ثُلُثِ ما بقي؛ لأنه لمَّا مَنَعت منه التهمة بقيت الوصايا على ما أراده الميت (^١)؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١].
ص: (وله أن يوصي بثلثه وبمن يلي عليه من صغار ولده).
ت: إن أطلق فقال: فلان وصيي، أو وصيتي إلى فلانٍ؛ كان وصِيًّا على كل شيء يوصي به، من ثلثه وأولاده.
وقال الشافعي: لا تجوز الوصيَّةُ المطلقة.
لنا: أنَّ الإطلاق يُقصد به العموم، حتى لا يختص بشيء.
وكذلك قال الشافعي: ترك الاستفصال يقوم مقام العموم في المقال.
وإن قال: وصيّي على شيء مخصوصٍ؛ اختصت الوصية به، أو: وصيّي حتى يقدم فلان فيكون وصيا؛ جاز.
قال ابن يونس: ينبغي إذا مات قبل قدومه يكون هذا وصيا؛ لأنه جعله وصيا حالة غيبته، وقد دامت غيبته.
ص: (الوصية بالنكاح جائزة، كالوصية بالمال).
وقد تقدَّم تقريره في كتاب النكاح.
_________________
(١) «الجامع» (١٩/ ٧٧٢).
[ ٦ / ٢٨٥ ]
[وللوصي] (^١) أن يوصِيَ بما جُعِل إليه من الوصية إذا لم يمنعه الموصي من ذلك.
ت: قال الشافعي: ليس له ذلك، فإن أذن له فله قولان.
لنا: أنه حق له، فيوصي فيه، كالأصل.
ص: (يجوز أن يعفو عن القاتل عمدًا، ولا يجوز عن القاتل خطًا، إلا أن يحمل [الثُّلُثُ] (^٢) ديته).
ت: لأنَّ الواجب في العمد القصاص لا المال، كما لو عفا عن قاذفه، كان القاتل حرا أو عبدًا.
قاله ابن القاسم (^٣).
ومنعه أشهب في العبد إلا في ثلثه؛ لأنَّ قتل العبد مالٌ، إلا أن يشاء أولياء الحرّ قتله، فإن شاؤوا أن لا يقتلوه فيصير مالًا، ويُجعل في الثلث الأقل من قيمة العبد أو دية المقتول، فإن جاوز العبدُ الثَّلُثَ سقط عنه محمل الثلث، وخُيّر سيده في فدائه بما بقي من الدية أو إسلامه (^٤).
وقتل الخطأ مالٌ لا يُتصرَّف فيه إلا في الثُّلُث.
_________________
(١) في (ت): (وللرجل).
(٢) في (ز): (ثلث)، وفي (ت) خرم، والتصويب من «التذكرة» (٩/ ٤٤٨).
(٣) نقله عنه في «النوادر» (١١/ ٥٧٨).
(٤) بنصه عنه في «النوادر» (١١/ ٥٧٨ - ٥٧٩).
[ ٦ / ٢٨٦ ]
ص: (إن أوصى لرجل بوصية فقتله الموصى له خطأ؛ لم تسقط وصيته، أو عمدا بطلت وصيته، إلا أن يوصي له بعد علمه بقتله).
ت: لا تسقط في الخطأ، وتكون في المال دون الدية، كمن قتل وارثه خطًا فإنه يرث من المال دون الدية؛ لئلا يكون كالدافع لنفسه الدية، أو كأنه لم يؤد شيئًا أو وَدَى أقل مما لزمه.
وإن قتله عمدًا فكقتل الوارث مورثه عمدًا، لا يرث من المال ولا من الدية، إن مات مكانه ولم تُغيَّر الوصية، أو عاش ولم يعلم أنه ضاربه، أو علم ولم تكن الوصية بكتاب، فإن كانت بكتاب فعَلِمَ وأقرَّ الوصيَّةَ جازت، كما لو أوصى بعد الجناية.
وإن أوصى له بعد أن ضربه خطًا فهي في المال والدية.
قال ابن المواز: علِمَ أم لا، ولا يتهم الضارب هاهنا أنه أراد استعجال الوصية، وإن كانت الجناية عمدًا فهي في المال دون الدية (^١)؛ لأنَّ قبول الدية مالٌ لم يعلم، فلا تدخل فيه الوصايا.
ص: ([إذا أوصى لجماعة بوصايا، فمات واحد منهم] (^٢) قبل موت الموصي، علم بموته أم لا؛ فثلاث روايات:
إحداهن: أنه يحاص أهل الوصايا بوصيته، فتكون لورثة الموصي دون الموصى له.
_________________
(١) بنصه عنه في «الجامع» (١٩/ ٧٦٠)، وانظر: «النوادر» (١٢/ ٥٧٥).
(٢) في (ت): (ص: إذا مات واحدٌ من الموصَى لهم).
[ ٦ / ٢٨٧ ]
والثانية: أنَّ وصيَّته بطَلَت، ولا يحاصُّ بها أربابَ الوصايا.
والثالثة: إن علم بها لم يحاصص أربابَ الوصايا، وإلا حاصَّهم).
ت: وجهُ الأولى: أنه إنما تملك الوصية بموت الموصي، فقد بطلت، فتكون لورثة الموصي.
وجه الثانية: أنها لما بطلت وجب ألا يحاصَّ بها، كما لو أوصى لرجل بعبد ولآخرين بوصايا، فمات العبد [أنَّ لبقية الموصى] (^١) لهم ثلث ما بقي، ولا يحاصُّون بقيمة العبد، وكأن الموصي لم يوص إلا بما بقي من الوصايا.
وجه الثالثة: أنه إذا علم أقرَّ الوصية لمن بقي من أهل الوصايا، فلا يحاصون، وإذا لم يعلم [فهو] (^٢) لم يُرد أن يكون لهم جميع المال الموصى به؛ فيحاصُّون.
ص: (لا يوصي بأكثر من الثلث إلا بإذن الورثة).
ت: لقوله ﵇: «إن الله جعل لكم ثلث أموالكم عند منقضى أعماركم؛ زيادة في أعمالكم» (^٣).
وفي مسلم: أنَّ رجلًا أعتق ستة أعبد له عند موته، لا مال له غيرهم، فأسهم رسول الله ﷺ، فأعتق اثنين وأرق أربعة (^٤).
_________________
(١) في (ز): (أن للموصى).
(٢) في (ز): (بهم).
(٣) أخرجه من حديث أبي هريرة: ابن ماجه في (سننه) رقم (٢٧٠٩)، والبيهقي في «سننه الكبرى» (٦/ ٢٦٩).
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» رقم (١٩٨٢٦)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٣٣٥).
[ ٦ / ٢٨٨ ]
فإذا أذِنَ الوارث فقد أسقط حقَّه، فإن أجازه بعضُهم جاز نصيبه خاصةً.
ص: (إن استأذن ورثته وهو مريضٌ في أكثر من الثلث فأذِنوا؛ فلا رجعة لهم، وإن أذنوا وهو صحيحٌ فلهم الرجوع فيما زاد على الثلث).
ت: إذنُهم في الصحة كإذن الأجنبي يصير وارثا؛ لأنه لا حَجْرَ لهم حينئذ، وكما لو ترك الشفعة قبل البيع، وعفو الولي عمن سيقتل أو عمن سيقذفه.
ولأنَّ هذا كله ترك ما لم يجب.
قال الباجي: إن أذِنُوا في الصحة بسبب غزو أو سفر فروايتان؛
إحداهما: ليس لهم الرجوع؛ لأنَّ هذه حالة [خوف] (^١)، كالمرض.
وثانيتهما: لهم الرجوع (^٢)؛ لأنه صحيح.
ولا خلاف في الإجازة بعد الموت.
وإن أجاز في المرض مَن ليس في عياله لزمه؛ لأنَّ الحجر في المرض إنما كان لحقهم وقد أسقطوه، وكإسقاط الشفعة بعد البيع، أو القود بعد وجوبه.
فإن لم يكن المريض أنفَذَ ذلك فللوارث الرجوع؛ لأنه لم يفت بالتنفيذ.
وإن كان في عياله، كولد احتلم، أو ابنة، أو زوجة، أو ابن عم كان محتاجا إليه، فخاف إن منعه وصح أضرَّ به؛ فلهؤلاء الرجوع إذا ظُنَّ أَنَّ إجازتهم خوفٌ،
_________________
(١) في (زت): (سفر)، والتصويب من التذكرة.
(٢) انظر: «المنتقى» (٨/ ١٤١).
[ ٦ / ٢٨٩ ]
سواء تبرَّعوا بذلك ابتداءً أو سُئِلوا؛ لأنهم يخشون إن لم يبادروا أن يمنعهم رِفدَه، فيبادرون قبل أن يبتدئهم، ولا رجوع لهم إن أجازوا بعد الموت إذا كانوا مرضِيِّين.
ولا يجوز إذن البكر والابن السفيه.
ص: (لا يوصي بأكثر من ثلثه من لا وارث له).
ت: للحديث المتقدم.
ولأن بيت المال وارث، كما يعقِلُ يرث.
وقيل: له ذلك (^١)؛ لعدم الوارث.
وقاله علي، وابن مسعود ﵄ (^٢).
وعن ابن القاسم: له التصدُّق بماله كلِّه، إلا أن يكون الوالي مثل عمر بن عبد العزيز؛ فيدفع له (^٣).
ص: (إن أوصى بأكثر من ثُلثه فورثته بالخيار في إجازة ما زاد على الثلث ورَدَّه، فإن أجاز بعضهم جاز نصيبه خاصةً).
ت: لأن الزائد حقهم.
_________________
(١) انظر: «التبصرة» (٧/ ٣٦٠١).
(٢) ذكره عنهما أشهب كما في «الجامع» (١٩/ ٧٦٩).
(٣) بنصه عنه في «الجامع» (١٩/ ٧٦٩).
[ ٦ / ٢٩٠ ]
ص: (ولا وصيَّة لوارث من ثُلُثِ ولا غيرِه، إلا أن يجيزه الورثة).
ت: قال رسول الله ﷺ في الدارقطني: «لا تجوز الوصية لوارث، إلا أن يشاء الورثة» (^١).
ولقوله ﷺ في حَجَّة الوداع: «إنَّ الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصيَّة لوارث» (^٢).
ص: (إن أوصى بعتق معيَّن ووصايا، وضاق الثلث؛ قدّم العتق، وتُقدَّم الزكاة عليه؛ لأنها واجبة.
وقال عبد الملك: يقدَّم على الزكاة؛ لأنَّ حرمته ثبتت في البدن، وحرمة البدن آكد من حرمة المال).
ت: قضى رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر بتقديم العتق على الوصايا (^٣).
ولأنه يُكمَّل على من ابتدأ، بخلاف غيره.
وقال محمد بن مسلمة: إنَّ العتق المبتل في المرض مقدم على الزكاة؛ لأنه يقدر على الرجوع عن وصيته بالزكاة، ولا يرجع في العتق.
وقدم مالك الزكاة لوجوبها، فتقدم على التطوع، وتُقدَّم الزكاة على كل وصية، إلا التدبير في الصحَّة؛ لعجزه عن الرجوع فيه، وتُقدّم الزكاة على
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «سننه الكبرى» رقم (١٢٥٣٥).
(٢) أخرجه من حديث أبي أمامة: أحمد في «مسنده» رقم (٢٢٢٩٤)، وأبو داود في «سننه» رقم (٢٨٧٠)، وابن ماجه في «سننه» رقم (٢٧١٣).
(٣) بنصه عنهما في «الجامع» (١٩/ ٧٧٤).
[ ٦ / ٢٩١ ]
التدبير في المرض.
ص: (تقدم الزكاة على الكفَّارة).
ت: لأنها وجبت ابتداءً، والكفارة وجبت بفعل من الإنسان، والمتأصل أقوى، ولها بدل، وهو الصوم، ولا بدل للزكاة، كانت زكاة مال أو ماشية أو حرث أو فطر.
والمشهور تقديم زكاة [المال] (^١) على زكاة [الفطر] (^٢)؛ لوجوبها بالقرآن، وزكاة الفطر وجبت بأخبار الآحاد.
وقال عبد الملك: زكاة الفطر وغيرها سواء؛ لأنهما زكاتان.
وعن أشهب: لا تُقدَّم الزكاة على الوصايا (^٣)؛ لأن وجوبها لا يُعلم إلا من قول الموصي، فصارت كالوصايا.
ص: (الكفارات والنذور مبدأة على الوصايا، ويقدم الآكد فالآكد).
ت: أول ما يُبدأ في الثلث: المدبَّر في الصحة على العتق الواجب وغيره؛ لتعذر الرجوع فيه، وغيره له الرجوع فيه إلا المبتل في المرض ليس له
_________________
(١) في (ز): (الفطر .. المال)، ومحو في (ت)، والتصويب من التذكرة (٩/ ٤٦١)، وهو ما يقتضيه السياق.
(٢) انظر: «الجامع» (١٩/ ٧٨٢).
(٣) بنصه عنه في «الجامع» (١٩/ ٧٨٩).
[ ٦ / ٢٩٢ ]
الرجوع فيه (^١).
وفي المدبَّر في الصحَّة، وصداق المنكوحة في المرض إذا بنى بها ثلاثة أقوال لمالك (^٢):
يُقدم المدبر؛ لتقدمه في الصحة وعدم الحجر.
يُقدَّم الصداق؛ لشبهه بالمعاوضات، ولو صح لكان من رأس المال، بخلاف المدير.
والثالث: يتحاصان؛ لتعارض المدركين.
ثم الزكاة؛ لأنها إنما تُعلم من جهته، وقد يكون كاذبًا، وهما ثابتان بالبينة، والتدبير له طالب معين، والزكاة للمساكين (^٣).
وتقدم الزكاة على عتق الظهار والقتل (^٤)؛ لأن لهما بدلا، وهو الصوم.
ثم هذان العتقان لا يُقدَّم أحدهما على صاحبه؛ لاستوائهما في العدد والبدل، فما ناب الظهار أطعم به، أو القتل شارك به في رقبته.
وقيل: يُقدم عتق القتل؛ لأنه لا بدل له من المال، وعتق الظهار له بدل من المال، وهو الإطعام (^٥).
وقيل: يُقرَع بينهما؛ لأنه لا يُجزئ عتق بعض رقبة، فيُقرع ليصح العتق
_________________
(١) بتمامه من قول مالك في «الجامع» (١٩/ ٧٨٢).
(٢) هذه الأقوال بنصها في «الجامع» (١٩/ ٧٨٢).
(٣) بتمامه في «الجامع» (١٩/ ٧٨٨ - ٧٨٩).
(٤) «الجامع» (١٩/ ٧٨٩).
(٥) بنحوه في «الجامع» (١٩/ ٧٨٩).
[ ٦ / ٢٩٣ ]
لأحدهما؛ لأنه ليس مقدما حقيقةً (^١).
ثم كفارة اليمين (^٢)؛ للتخيير فيها بين ثلاثة، بخلاف الظهار والقتل لا تخيير فيهما.
ثم كفارة الوطء في رمضان؛ لأنها واجبة بأخبار الآحاد، بخلاف كفّارة اليمين؛ لأنها واجبة بإيجاب الله تعالى.
ثم كفارة الإطعام في رمضان؛ لأنها باجتهاد العلماء لا بالنصوص (^٣).
ثم المبتل والمدبر في المرض (^٤).
ثم الموصى بعتقه بعينه؛ لأنَّ له الرجوع فيها، والموصى أن يُشترى فيُعتَقَ وهو بعينه، أو يُعتَقَ إلى أجل قريب كالشهر، أو على مال يعجله، فيُبدى المبتل والمدبر والمبتل في المرض على هؤلاء؛ لأنَّ له الرجوع فيهم، والمدبر والمبتل في المرض لا رجوع له فيهم.
ثم المعتق بعد موته بسنةٍ؛ لأنه قد يهلك قبل السنة فلا يحصل عتق، وهؤلاء عتقهم ناجز (^٥).
ثم الموصى أن [يكاتب] (^٦)، أو على مالٍ؛ فلم يُعجله؛ لأنَّ المعتق إلى
_________________
(١) بنصه في «الجامع» (١٩/ ٧٨٩).
(٢) «الجامع» (١٩/ ٧٨٩).
(٣) «الجامع» (١٩/ ٧٩٠).
(٤) «الجامع» (١٩/ ٧٩٠).
(٥) ما سلف بتمامه في «الجامع» (١٩/ ٧٩٠).
(٦) في (ز): (كانت)، ومحو في (ت)، والتصويب من «الجامع» (١٩/ ٧٨٣ و٧٩٠)، و«التذكرة». (٩/ ٤٦٤)
[ ٦ / ٢٩٤ ]
سنةً قد نُجَّزه، ولا يُتوقَّع فيه عجز، بخلافهما، فإن بَعُدَ أَجلُ عِتقه - كعشر سنين - تحاصوا؛ لكثرة الغرر، وتوقع عدم العتق (^١).
قال ابن أبي زيد: النذر مقدم على المبتل والمدبر في المرض (^٢)؛ لأنه ألزمه نفسه في الصحة (^٣) فلا ينقصه من قدره ما يأتي في المرض.
وقال [ابن مناس (^٤)] (^٥): المبتل والمدبّر مقدم (^٦)؛ لأنَّ النذر وإن كان في الصحة غير أنه فرط فيه حتى أوصى به، فأشبه الوصايا، والعتق مقدم على الوصايا.
ثم الوصية بعتق عبدٍ غير معيَّن، وبالمال، وبالحج (^٧).
وقيل: المعتق بغير عينه مقدَّم على الحج (^٨).
وقدم النذر على هذه؛ لأنه لا يستطيع إبطاله (^٩).
وقدمت الرقبة غير المعينة على الحجِّ في أحد القولين؛ لأنه عمل بدني، وقد كُره أن يعمل أحد عن أحد (^١٠).
_________________
(١) بتمامه في «الجامع» (١٩/ ٧٩٠ - ٧٩١).
(٢) بنصه عنه في «الجامع» (١٩/ ٧٨٣).
(٣) انظر: «الجامع» (١٩/ ٧٩١).
(٤) أبو موسى عيسى بن مناس القيرواني، من فقهاء إفريقية وكبرائها، مقدم بها، انظر ترجمته: «ترتيب المدارك» (٢/ ٦٢٤).
(٥) كذا في (ز)، وغير واضحة في (ت)، والمثبت عبارة «الجامع» (١٩/ ٧٨٣ و٧٩١) في موضعين، و«التذكرة» (٩/ ٤٦٥).
(٦) انظر مذهبه «الجامع» (١٩/ ٧٨٣).
(٧) بتمامه في «الجامع» (١٩/ ٧٨٣).
(٨) هذا قول ابن القاسم، انظره «الجامع» (١٩/ ٧٨٣).
(٩) بتمامه في «الجامع» (١٩/ ٧٩١).
(١٠) بنصه في «الجامع» (١٩/ ٧٩١).
[ ٦ / ٢٩٥ ]
ص: (العتق غير المعين الواجب من نذر أو كفَّارة يمين أو قتل مقدَّم على الوصايا، وإن كان تطوعا ففيها - فيما أظنُّ - روايتان:
إحداهما: أنه مبدى.
والأخرى: أنه وسائر الوصايا سواء).
ت: لأنَّ رسول الله ﷺ أمر بتبدية العتق على الوصايا، وقياسًا على العتق المعيَّن.
أو يقال: هو وصيةٌ بمال، بخلاف الواجب من العتق، فإنه يقدم على الوصايا؛ لأنها تبرع.
ص: (وصية الصبي المميز جائزة).
ت: لم يختلف مالك وأصحابه في ذلك.
وقال أبو حنيفة: لا تجوز (^١).
لنا: أن عمر ﵁ أجاز وصية صبي يفاع ابن عشر سنين قيمتها ثلاثون ألفًا (^٢).
قال الباجي: التفاعُ ابن عشر سنين إلى اثنتي عشرة سنة (^٣).
وأجاز أبان بن عثمان وصيَّةَ جارية بنت ثمان سنين أو تسع.
قال مالك: إذا بلغ عشر سنين أو أقلَّ بالشيء اليسير، وأصاب وجه
_________________
(١) «المنتقى» (٨/ ٩١).
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» رقم (١٥٢٨)، وعبد الرزاق في «مصنفه» رقم (١٦٤١٠).
(٣) «المنتقى» (٨/ ٩١).
[ ٦ / ٢٩٦ ]
الوصية (^١)؛ جازت.
وعنه: إذا أثغَرَ وأُمر بالصلاة وأُدِّب عليها (^٢).
وقال عبد الملك: إذا كان مراهقًا جازت وصيته؛ لأنه عارف بوجوه القُرب، كالبالغ (^٣)، ولأن الفقر مأمون عليه بعد الموت.
قال الباجي: ومَن لا يميِّز لا تجوز وصيته بإجماع العلماء (^٤)، وليس وصيَّةُ الصبي كعتقه وتبرعاته في حياته؛ لأنه يُخشَى عليه منها الفقر، ولا فقر بعد الموت.
قال مالك: لا يجوز تدبير غير البالغ.
والفرق: أنه لازم بخلاف الوصية (^٥).
ص: (تجوز وصيَّةُ السفيه المحجور عليه إذا كان عقله صحيحًا).
ت: لأنا لا نخاف عليه الفقر بسبب الوصية، وكذلك المجنون إذا كان يفيق أحيانًا، فأوصى حينئذ، ومَن لا يعقل لا تَنفُذُ وصيته.
ص: (الوصية للمرأة والعبدِ جائزة، وعبد نفسه وعبد غيره سواء).
ت: تشترط فيه الأمانة على ما يولى عليه، وقدرته عليه، ورضا سيده،
_________________
(١) «المدونة» (١٠/ ١٦٥).
(٢) «البيان والتحصيل» (١/ ٤٩٣)، و«النوادر» (١/ ٢٦٨)، و«التبصرة» (٧/ ٣٥٩٤).
(٣) «التبصرة» (٧/ ٣٥٩٤).
(٤) بتمامه في «المنتقى» (٨/ ٩٢).
(٥) بنصه في «المنتقى» (٨/ ٩٢).
[ ٦ / ٢٩٧ ]
وأن يؤمَن على ما في يد عبده.
ومنعه الشافعي.
لنا: أنَّ المصلحة حاصلة، فتجوز؛ قياسًا على الحر، وكانت عائشة ﵂ وصيَّةً على بنات أخيها عبد الرحمن (^١).
قال مالك: وأوصى عمر بن الخطاب لابنته حفصة بتنفيذ ﵃ تركته (^٢).
ولأنَّ المصلحة حاصلة منها، كالرجل.
فإن أوصى لامرأته فتزوجت:
قال مالك: إن كانت لا بأس بحالها لم تكشف؛ لأنها على الأمانة، وإن خيف منها كُشِفت (^٣).
فإن قال: فإن تزوجت فانزعوا الولد منها، فإن أرادت الزواج وعزلتهم في مكان عندها مع خادم ونفقة؛ فهي أولى، وإلا نُزعوا (^٤)؛ لأنَّ الميت لم يقل: إن تزوجت لا وصية لها.
ص: (الوصية [إلى الكافر] (^٥) والفاسق باطلة).
ت: لا يوصى إلى غير عدلٍ، ويُعزل إن وقع، وليس للرجل تفويض.
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» رقم (٥٩٧).
(٢) بنصه في «النوادر» (١١/ ٢٨٤).
(٣) «النوادر» (١١/ ٢٨١).
(٤) «النوادر» (١١/ ٢٨١).
(٥) في (ز): (للكافر)، وخرم في (ت)، والمثبت من «التذكرة» (٩/ ٤٧٠).
[ ٦ / ٢٩٨ ]
ماله لمن لا يوثق به؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ [النساء: ٥]، فكيف مال غيره؟!
قال ابن القاسم في «العتبيَّة»: إلا أن يكون الكافر أباه أو أخاه فتجوز (^١).
قال ابن المواز: لا يوصي لصبيٍّ أو ضعيفٍ أو معتوه؛ لأنه ليس من أهل النظر، وجوز أشهب وابن القاسم المحدود في القذف إذا كانت فلتةً، وهو ممن يُرضَى حاله، وكان يومَ حُدَّ غير مسخوط، بخلاف حد الزنا والسرقة والخمر؛ لأن هذه لا يقع فيها إلا بعيد عن [الورع، إلا أن يتوب ويُعرف فضله] (^٢).
وتجوز وصية الذميِّ للذمي؛ لأنه على ملته.
ص: (مَنْ قَبل وصيةً [لم يجز له تركها بعد قبولها] (^٣)، إلا أن يعجز، أو له عذر).
ت: قال الشافعي: له الرجوع.
لنا: أنه فعل خير ألزمه نفسه، فلا يجوز له تركه، كالحج والعمرة، ويجوز مع الأعذار ترك الواجب.
قال أشهب: إن قَبلَها في حياته فله ردُّها؛ لقدرة الموصي على الاستبدال.
وإن بدا منه بعد الموت من التصرف ما يدلُّ على القبول، أو قبل؛ امتنع الرد.
_________________
(١) «البيان والتحصيل» (١٢/ ٤٧٧).
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من (ز) وغير واضح في (ت)، والمستدرك من «التذكرة» (٩/ ٤٧٣) مختصرا.
(٣) في (ت): (لم يجز له الرجوع عنها).
[ ٦ / ٢٩٩ ]
وإن ردَّها في الحياة أو بعد الموت فليس له قبولها بعد ذلك (^١).
ص: (للموصي الرجوعُ في الوصية في مرضه وصحته، إلا التدبير).
ت: وكذلك ما بتل، قاله ابن الموَّاز؛ لأنه تصرُّف لازم، كالبيع والشراء.
وأما الوصية فلو لزِمَت لزهد الناس في الإيصاء؛ لتجويزهم الصحة، فيذهب مالهم عليهم، فجعلت جائزة لذلك.
ص: (الإقرار لغير الوارث لازم، وللوارث باطل إذا كان متهما، وإلا جاز).
ت: إقراره لزوجته لم يُعرف له إليها انقطاع، وله ولد من غيرها؛ جائز (^٢)، أو عُرف بمودتها، وبينه وبين ولدِهِ شَرٌّ فيمتنع.
قال مالك: غير الزوجة لا يُلحق بها في الانقطاع إليه أو المودة.
وإقرار المرأة بقبض صداقها من زوجها في مرضها لا يجوز، إلا أن يكون لها ولد من غيره، وبينها وبين الزوج شَرٌّ (^٣).
فإن ورثه أخوه أو أبناؤه امتنع إقراره لبعضهم.
والفرق: أن أنسابهم لا تنقطع، بخلاف الزوجة تنقطع بالموت والطلاق ونحوه، فالتهمة للوارث أقوى.
_________________
(١) «النوادر» (١١/ ٢٧٩).
(٢) انظر: «النوادر» (١١/ ٥٨٣).
(٣) انظر: «النوادر» (١١/ ٥٨٢).
[ ٦ / ٣٠٠ ]
ويجوز إقراره لمن يرثه من عصَبَته، أو لمن يرثه بالولاء إذا كان له ابنة؛ لانتفاء التهمة؛ لأنه لا يتهم أن يُقر لعصبته دون ابنته.
ولا يجوز إقراره لأحد ولديه إذا لم تكن له زوجة، إذا لم تُعلم منزلتهما عنده.
وإذا كان صغيرًا أو كبيرا لم يُصدق في إقراره للصغير.
أو كبيرين - بارا وعاقًا - لم يجز للبار، ويجوز للعاق (^١).
ومتى قامت بينة على الدين قُضي به.
ولو أقر لابنته وله عصَبَةٌ؛ امتنع (^٢)؛ لأنه يتهم أن يكون ذلك وصيَّةً لأحد الورثة، ويُحكم بالعوائد في هذا وأحوال الناس بالاجتهاد.
ص: (إقراره لصديقه الملاطف عند الموت فيه روايتان:
إحداهما: أنه باطل لا يجوز من رأس مال ولا ثُلث.
والأخرى: أنه جائز من ثلثه).
لأنه إن بطل كان وصيَّةً.
ت: يجوز للملاطف بشرطين: أن لا يكون عليه دين لأجنبي، وأن يكون ورثته أولادًا ذكورًا، أو ذكورا وإناثًا.
واختلف إن كانوا إناثًا، أو عصَبَةً أو أبوين، بالجواز والسقوط:
_________________
(١) بمعناه في «النوادر» (١١/ ٥٨٥)، وبنصه في «التبصرة» (١٠/ ٥٥٦٤).
(٢) انظر: «التبصرة» (١٠/ ٥٥٦٥).
[ ٦ / ٣٠١ ]
قال اللخمي: والجواز أحسن؛ لأنَّ إقراره على العصبة إقرار على الميت، إلا أن تكون هناك تهمة في الصديق أن يرده للبنت (^١).
قال ابن القاسم: إن كانوا أبوين أو عصبة؛ بطل (^٢)، فسوى بين الأبوين والعصبة.
ووجه أنه لا يكون من الثلث: أنه لم يرد به الثلث (^٣).
وأجازه في الموازية؛ لأنه لا يتهم أن [يُقِر] (^٤) عن أبويه إلى صديقه.
قال ابن شعبان: إن صح بعد ذلك صحةً بيّنةً ثم مات؛ ثبت ذلك عليه؛ لأنه لم يُخرجه مخرج الوصية، وقد زال المانع من البتل.
ص: (إذا أوصى لرجل بثلث ولآخر بثلثه، ولم يرجع عن إحدى الوصيتين، ولم يُجز الورثة؛ جُعِلَ الثلث بينهما نصفين).
لاستوائهما في أصل الوصية.
أو لأحدهما ثلثه ولآخر نصفه؛ فالثلث بينهما على خمسة أسهم، لصاحب الثُّلُثِ سهمان، ولصاحب النصف ثلاثة أسهم.
ت: إن أجاز الورثة وهم ولدان؛ فأقلُّ مالٍ له نصفٌ وثُلُثٌ صحيح: ستَّةٌ، يُخرج للوصيتين خمسة، ويبقى سهم للولدين، لا ينقسم، يُضرب الستة
_________________
(١) «التبصرة» (١٠/ ٥٥٦٢).
(٢) انظر: «النوادر» (١١/ ٥٨٥).
(٣) بنحوه في «الجامع» (١٩/ ٧٦٧).
(٤) في (ز): (يَفِرَّ).
[ ٦ / ٣٠٢ ]
في اثنين، تكون اثنا عشر، لصاحب النصف ستة، ولصاحب الثلث أربعة، ولكلّ ولد واحد.
وإن لم يجيزوا أخذت ثُلُثَ الستة ونصفها، وذلك خمسة، تجعلها ثُلُثَ مال، هو خمسة عشر، فللموصى له بالنصف ثلاثة، وللآخر اثنان، ولكل ولد خمسة.
ص: (إن أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بربعه، ولم يُجز الورثة؛ فالثلث بينهما على سبعة، لصاحب الثُّلُثِ أربعة، وللآخر ثلاثة، وإن أوصى له بربع ماله، ولآخَرَ بسُدُسِه؛ فالثلث بينهما على خمسةِ أسهم، لصاحب الربع ثلاثة، ولصاحب السدس اثنان).
ت: لأنَّ مَخرج الثُّلُثِ من ثلاثة، والربع من أربعة، وثلاثة في أربعة اثنا عشر، وهو المال الذي له ثلث وربع، فيُعطى لهما.
ومخرج الربع من أربعة، والسُّدُس من ستة، ويتفقان بالأنصاف، فاضرب نصف أحدهما في كامل الآخر يحصل اثنا عشر، لهما رُبع وسدس يأخذانه.
ص: (إن أوصى بمثل نصيب ابنه، وله ابن واحد، فقد أوصى له بماله كله، فإن أجازه الولد وإلا أخذ الثلث، أو اثنان؛ فقد أوصى له بنصف ماله، فإن أجازا وإلا أخذ الثلث، أو ثلاثة بنين؛ فقد أوصى له بثُلُثِ ماله، أو أربعة بنين؛ فربع ماله، ووصيته بنصيب ابنه أو مثل نصيب ابنه سواء).
ت: وقال أهل الفرائض: إن أوصى بنصيب أحد ولده وهم ثلاثة؛ أُعطِيَ الربع؛ لأنَّ المقصود أن يكون مثلهم، فإذا أخَذَ الثُّلُثَ فقد فضله عليهم، وإذا أخذ
[ ٦ / ٣٠٣ ]
الربع ساواهم.
وقاله ابن أبي أويس من أصحابنا، وأبو حنيفة.
لنا: أن نصيب أحدهم الثلث، فيُعطى الثلث.
فإن قال: أنزلوه منزلةَ أحَدِ ولدي، أو: اجعلوه كأحدهم؛ فله الربع قولًا واحدًا؛ لأن معناه: اجعلوه منزلة ولد زائد معهم.
فإن أوصى بمثل نصيب أحد ولده، ولا ولد له، ومات ولم يولد له:
قال ابن القاسم: لا شيء للموصى له؛ لأنه علق على أمر معدوم؛ لأنه لا شيء يُفرَض لولده حتى يكون له مثل، فكما لا شيء للولد لا شيء له.
فإن هلك بعض أولاده:
قال أشهب: له مثل نصيب أحدهم يوم موت الموصي، وكذلك إن زادوا؛ لأن الوصية إنما تُستحَقُّ بعد الموت.
ص: (له بنون وبنات، وأوصى بمثل نصيب أحد ولده، ولم يبين؛ جُعِل المال بين الورثة بالسوية، وأُعطِي مثل أحدهم، ثم يقتسمون على فرائضهم).
ت: لأنه ليس أحدهما أولى من الآخر، فسوي بينهم لأنه الوسط.
وقال عبد الملك: نصف نصيب ذكر ونصف نصيب أنثى (^١)، كالخنثى.
قال ابن المواز: إن قال: مثل نصيب أحد ولدي، وله أبوان وزوجةٌ؛ عُزل
_________________
(١) بنصه عنه في «التبصرة» (٧/ ٣٦٨٣).
[ ٦ / ٣٠٤ ]
نصيب الزوجة والأبوين، ويُعطَى مثل نصيب الولد بعد ذلك، ثم يُجمع المال فيُقسم على الفرائض (^١).
وإن قال: مثل نصيب أحد ورثتي؛ عُدَّ الورثة كلُّهم، فإن كانوا عشرةً أُعطِيَ العشر (^٢)، ثم يُقسم ما بقي.
فإن قال: بجزء من مالي، أو سهم من مالي: فقيل: الثمن؛ لأنه أقلُّ سهم في الفرائض ذكره الله تعالى.
وقيل: سهم مما تنقسم عليه الفريضة، قلت أو كثرت، وعليه جُلُّ أصحاب مالك (^٣).
ص: (إن أوصى لرجل بجزء من ماله، ولآخر بدنانير أو دراهم مسماة، وضاق الثلث، فثلاث روايات: يقدم أهل التجزئة). لقوتها؛ لأنه لو أوصى له بألف درهم فتلف المال إلا ألف؛ لم يستحق إلا ثلثها، أو بجزء من ماله استحقه بعد التلف، فيكون له ربع الباقي إن أوصى له بالربع.
وقيل: تقدم التسمية.
لأنه نص على مقدارها فتكون اكد.
والرواية الثالثة: يتحاصون.
_________________
(١) بتمامه في «التبصرة» (٧/ ٣٦٨٤) من غير عزو لابن المواز.
(٢) بنحوه عن مالك في «التبصرة» (٧/ ٣٦٨٤).
(٣) انظر: «النوادر» (١١/ ٥٥٠).
[ ٦ / ٣٠٥ ]
لتعارض المدركين، أو لتساوي اللفظين، وإليه رجع مالك.
ص: (إن أوصى بمعين فتلف بطلت الوصية).
كالبيع والإجارة إذا وقعا على معين، فإن بقي بعضه أخذه إذا حمله الثلث.
وإن أوصى بثيابه وله ثياب يوم وصيته، فباع ثيابه، واستخلف غيرها؛ فهي للموصى له، إلا أن يُسمِّي الأولى بأعيانها.
لأنَّ الوصية إنما تُعتبر عند الموت، فكأنه قال: ما أموت عنه من الثياب، والمقصود حبس الموصى به دون عينه، فإن عين بطلت الوصية [بتلفه] (^١)؛ لتعذّر دفعه.
وإن أوصى بثلثه فهو فيما يعلمه دون ما لم يعلمه.
لأن المجهول لا يُقصد.
ت: تدخل الوصايا فيما يكتسبه بعد الوصية، وما يَحدُثُ له مما علم به؛ لأنَّ المكاسب غالبة على الناس، بخلاف الميراث والهبة ونحوها لا تدخل الوصايا فيها؛ لعدم الشعور بها تحققا ولا غالبًا.
وقد قال ﵇: «لا يحلُّ مالُ امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه» (^٢).
فإن علم بها قبل الموت وسكت دخلت فيه الوصايا؛ لأن التقرير كالإنشاء.
وما أيس منه - كالآبق والشارد - قال مالك: تدخل فيه الوصايا (^٣)؛ لعلمه بأصله.
_________________
(١) في (ز): (بنقله)، والمثبت من (ت).
(٢) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ١٤٣).
(٣) «النوادر» (١١/ ٣٩٧).
[ ٦ / ٣٠٦ ]
فإن قيل له: غرقت سفينتك، أو مات عبدك واشتهر ذلك ثم ظهر كذب ذلك وسلامتهما بعد موته؛ نقل عبد الحق روايتين (^١)؛ نظرًا للآيس، أو العلم بأصلهما.
ص: (في خروج المدبر مما لا يعلم به، كالدين، أو يختص بالمعلوم، كالوصية، روايتان).
ت: الأولى المشهور؛ لتعذَّر الرجوع فيه، بخلاف الوصية، وحرمة العتق أقوى من الوصايا.
والفرق بين المدبر في الصحة والمدبر في المرض على أحد الأقوال: أنَّ في الصحة يُتوقع حصول الأموال في المستقبل، بخلاف المريض، فإن صح ثم مات كان كالمُدبَّر في الصحة.
ص: (إذا أوصى بعبد فهل يتبعه ماله، كالعتق؟).
لأنه إخراج مال بغير عوض.
أو لا يتبعه.
كالبيع والهبة والصدقة؛ لأنه نقل من ملك إلى ملك.
(روايتان.
فإن أوصى بعبد من عبيده، وهم جماعة مختلفة قيمتهم؛ فله جزء منهم، إن كانوا عشرةً فعشرهم، وإن كانوا خمسةً فله خُمسهم).
لتقابل الدعاوى بين الأعلى والأدنى، بين الورثة والموصى له، فالعدل
_________________
(١) انظر: «النوادر» (١١/ ٣٩٧).
[ ٦ / ٣٠٧ ]
جزء شائع، ولا يُحمل على الأقل؛ استصحابًا لملك الموصي في الأعلى، لاحتمال أن يكون أراد الأعلى، والوصية مقدمة على الميراث.
فإن كانوا عشرة فماتوا إلا اثنين، وله مالٌ غيرُهما، فله نصفهما إن حَمَلَه الثلث، وإلا فله ثلث العبدين، فإن أوصى بعشر عبيد فله عشر الباقين.
ت: إذا أوصى بعبد من عبيده، فماتوا إلا واحدا أخذه إن حمله الثلث، وما هلك قبل جمع المال كما هلك قبل الموت، والوصية إنما يُقصد بها ما يخرُج من الثلث بعد.
وإنما كان له عشرهم إذا كانوا عشرةً ونصفهم إذا كانوا اثنين؛ لأنهم لما كانوا عشرة فلا بد له من عبد كامل؛ لأنَّ لفظ الموصي يقتضي ذلك، والورثة شركاؤه، فيقرع بينهم، والقرعة تُسقِط حكم العدد لاختلاف القيمة، فلم يبق إلا التسمية، فمن بقي بعد الموت كأنهم لا عبيد لهم غيرهم.
وأما الموصى له بعشر العبيد شريك للورثة فيهم بالنماء بينهما والخُسران، كسائر الشركاء، فلو لم يبق إلا عبد كان له عشره.
قاله ابن القاسم.
وقال عبد الملك: أوصى بعبد من عبيده أو بعشره سواء، إنما له عُشْرُ مَنْ بقي؛ لأنه لما لم يعيّن فقد قصد الشركة.
ص: (إن أوصى له بنفقة عمرِه، عُمّر تمام سبعين سنة بما مضى من عُمُرِه، وقد قيل: تسعين سنة وأخرج له بقدر ما بقي، وأنفق عليه، فإن مات قبل
[ ٦ / ٣٠٨ ]
ذلك رجع الباقي لورثة الموصي، أو أهل الوصايا إن لم يستوفوا وصاياهم، وإن عاش حتى نفدت نفقته لم يرجع بشيء).
لأنه حكم [نفَذَ] (^١).
وقال أشهب: يرجع على أهل الوصايا، ويجتهد له في باقي عمره.
ت: النفقة مطلقة ومقيدة، والمقيدة إما بالسنين، أو بحياة المنفق عليه، فتحمل المطلقة على الحياة، والمقيَّدة بالسنين على تلك السنين.
وعن مالك في التعمير: سبعين (^٢).
واختاره ابن القاسم (^٣)؛ لقوله ﵇: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين» (^٤)، ولأنَّ غير ذلك نادر.
وقال عبد الملك: تسعين (^٥)؛ لأنه غالب النهاية.
والضرورة تدعو للتعمير؛ حتى يُعلَم مقدار حصته من الثلث، فإذا مات قبل ذلك لا شيء لورثته؛ لأنَّ الموصي إذا أراد أن ينفق عليه شيئًا فشيئًا لحفظ بنيته، لا تمليك مال، فيرجع للوصايا؛ لأنه سبب نقصها بالحصاص.
ووجه أشهب أنه اجتهاد قطع بخطئه، فيُنقض.
_________________
(١) في (ت): (تقرر).
(٢) بنصه عنه في «النوادر» (٥/ ٢٥٠).
(٣) وهو اختيار أصبغ أيضًا، صرح به عنهما في «النوادر» (٥/ ٢٥٠).
(٤) أخرجه من حديث أبي هريرة: الترمذي في «سننه» رقم (٣٨٦٤)، وابن ماجه في «سننه» رقم (٤٢٣٦).
(٥) نقله عنه في «النوادر» (٥/ ٢٥٠).
[ ٦ / ٣٠٩ ]
ولأنه يُرَدُّ الفاضل إذا مات، فيرجع في العجز، ويرجع على كل أحدٍ بما ينوبه، ولا يتبع المليء بالمعسر.
وإن وجد بعض الورثة مليئًا رجَعَ عليه فيما بيده بفضلة الثلث، ويرجع هو على الورثة بما يصيبهم أن لو كانوا أملياء.
ص: (إذا أوصى بمصباح في مسجد ونحوه مما يتأبد، وبوصايا؛ حوصص للمصباح بالثلث، وللوصايا بقدرها).
ت: قاله ابن القاسم (^١).
وقال أشهب: يُحاص لما يتأبد بالمال كلّه (^٢).
وللخلاف فائدتان:
إحداهما: أنَّ الوصية إذا كانت لجميع المال خُيّر الورثة بين الإجازة والرد، فإن أجازوا كانت الإجازة بجميع المال، وإن لم يجيزوا كانت الوصايا في الثلث، وعلى القول الآخر أنها في الثلث، لا خيرة للورثة.
وثانيهما: أنَّ الحصاص بجملة المال يحصل لما يتأبد أكثر مما يحصل له إذا حوصص له بالثلث، مثال ذلك: أن يوصي بعشرة لرجل ولمجهول، والمالُ ستون.
فعند ابن القاسم يقسم الثلث ثلاثة، للمجهول اثنان.
_________________
(١) انظر: «النوادر» (١١/ ٥٦٩).
(٢) نقله عنه في «النوادر» (١١/ ٥٧٠).
[ ٦ / ٣١٠ ]
وعند أشهب يُقسم على ستة؛ لصاحب العشرة جزء من ستة، والباقي للمجهول.
فإن اجتمع مجهولان:
قال عبد الملك: يُضرب للمجهولات كلّها بالثلث؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ لو انفرد لحكم له بالثلث، فإذا اجتمعوا قُسِم بينهم.
وقال بعض الفقهاء: يُنظر لما يحتاج المصباح في كل ليلة، وراوية الماء الذي يُستَقى في كل يوم، فيُقسم الثلث على قدر ذلك، وقيل: يُقسم بينهما نصفين.
ص: (المريض المخُوف عليه ممنوع من الهبة والصدقة وإخراج المال بغير عوض، إلا في ثلثه، وما وهب أو تصدَّقَ في مرضه فهو موقوف على موته أو صحته؛ في ثلثه إن مات، فإن صح فمن رأس ماله، ولا يجوز له الرجوع فيه، إلا أن يريد به الوصية.
وله البيع والشراء، ويأكل ويكتسي، والمريض بالجذام ونحوه من المرض المتطاول كالصحيح، لا يُمنع من التبرع إلا أن يشتد ويُخاف عليه).
ت: المخوف كالحُمَّى الحادة، والسّل وذات الجنب، فيُحجَرُ عليه فيما لا يحتاجه من النفقة والتداوي وأجرة الطبيب ونحوه؛ لأنَّ ضرورته مقدمة على الميراث؛ لأنها مقدمة على الغرماء في الحياة مع المعاوضة، فالوارث أولى.
ويُحجر عليه في التبرعات؛ لأنه ضياع مال على الوارث، والمريض المخُوفُ مظنَّةُ الموت، فأوجب الحجر؛ لحديث الصدّيق في الهبة.
[ ٦ / ٣١١ ]
ويُخرج التبرع من الثلث؛ لقوله ﵇: «إنَّ الله جعل لكم ثُلُثَ أموالكم عند موتكم؛ زيادةً في أعمالكم» (^١).
ولأن رجلا أعتق ستة أعبد في مرضه لا يملك غيرهم، «فأقرع بينهم رسول الله ﷺ، فأعتق ثُلُثَهم وأرقَّ ثُلثيهم» (^٢).
فإذا زال الحجر نفَذ من رأس المال؛ لزوال المانع. ويُمنع الرجوع لأنها لازمة، بخلاف الوصايا. وغير المخوف لا يُخشَى منه الموت يُلحق بالصحة.
ص: (الحامل في ستَّةِ كالمريض المخُوفِ عليه، وكذلك المحبوس في القتل، والزاحف في الصف).
ت: خلافا لأبي حنيفة والشافعي في إجازة تصرفاتهم، واشتراطهم في الحامل الطَّلق وتقدم المحبوس للقتل والزاحف للبراز.
لنا: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَت دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]؛ قيل في التفسير: لما بلغت ستة أشهر.
ولأن الستة حالة يصح فيها الوضع ويصحبها المرض غالبًا والثَّقَلُ والألم.
ولقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣]؛ يريد أسبابه وعلامته، فجعل سبب الموت موتا، وتجويز الخلاص للمحبوس كتجويز العافية للمريض.
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٢٨٨).
(٢) سبق تخريجه، انظر: (٦/ ٢٨٨).
[ ٦ / ٣١٢ ]
ص: (ومن أوصى بوصيتين فأكثر جازت، إلا أن يُبطِلَ بعضها).
ت: إن أجازها الوارث، وإلا تحاصُّوا، وتجديد الوصايا لا يدل على الرجوع عن السابق، إلا أن يدل دليل عليه، كما لو أوصى بعتق عبدٍ ثم أوصى به لرجلٍ، فهو للثاني، أو أوصى به لرجل ثم أوصى بعتقه عتق؛ لأنَّ الثاني ناسخ.
وقال أشهب: الحريَّة أولى، قدَّمها أو أخرها؛ لأنَّ العتق يقدم على الوصايا إذا اجتمعت.
ص: (إن أوصى لرجل بدنانير متساوية في موضعين، ولم يُبطل أحدهما ولا جمعهما له، فله أحدهما).
وكذلك قال ابن المواز؛ فإنَّ الظاهر أنه تكرار لفظ.
أو أحدهما أكثر فله الأكثر.
لأن في لفظها فائدة زائدة.
أو بنوعين مختلفين - في موضع واحد أو موضعين - فله الوصيتان.
لأنه ليس تكرارا، لاختلاف المعنى.
ت: قال عبد الملك ومطرف: إذا استويا عشرةً وعشرةً فله الوصيتان، كانتا بكتاب أو بكتابين (^١)؛ لأنَّ الأصل عدم التأكيد والتكرار.
قال ابن القاسم ومالك: إذا كانت إحداهما أكثرَ أُعطيها (^٢)؛ لأنها المتيقن،
_________________
(١) بنصه عنهما في «التبصرة» (٧/ ٣٦٧٨).
(٢) «النوادر» (١١/ ٣٤٣)، و«التبصرة» (٧/ ٣٦٧٧).
[ ٦ / ٣١٣ ]
تقدم أو تأخر.
وقال علي بن زياد: إذا تأخر الأكثر أخذه، أو تقدم أخذهما (^١)؛ لأنه زاد في الأول الثاني.
وقال عبد الملك: إن كانتا بكتابين فله أكثرهما، تقدمت أو تأخرت، أو في كتاب واحد وقدَّم الأكثر كانت له، أو تأخر أخذه وحده (^٢)؛ لأنَّ تقدم الأكثر يدلُّ على قصد نفعه وزيادة الأقلّ عليه، وإذا تأخر كأنه تقلل الأولى فزاده فيها.
وأما بكتابين فالغالب أنه نسي الأولى، وإلا لكان أشار للجمع بينهما، فكان له الأكثر؛ عدلًا بين الورثة [وبينه] (^٣)؛ لأنَّ المقدم إن كان القليل فقد زاده، أو الكثير فيُحتمل إرادة الجمع بينهما، فكان العدل أن يُعطى الأكثر.
وأما النوعان المختلفان؛ قال ابن يونس: لا خلاف أنَّ له الوصيتين إن حملهما الثلث.
ص: (إن أوصى له بمئة، ولآخر بخمسين، وللثالث بمثل أحدهما ولم يبين؛ فعن مالك: له نصف الأولى ونصف الثانية).
لعدم الترجيح.
(وعنه: مثل الآخرة).
_________________
(١) «النوادر» (١١/ ٣٤٤)، و«التبصرة» (٧/ ٣٦٧٧).
(٢) «النوادر» (١١/ ٣٤٤)، و«التبصرة» (٧/ ٣٦٧٧ - ٣٦٧٨).
(٣) في (ت): (والموصى).
[ ٦ / ٣١٤ ]
[لأنها الأقرب، فيرجع إليها الكلام] (^١).
(وقال أشهب: الأقل منهما لأنه [المتيقن] (^٢».
فإن قال: لفلان مائة، ولفلان خمسون، فقيل له: وفلان؟ فقال: له مثله، ولم يعلم من أراد:
قال مالك: يعطى نصف الأولى ونصف الآخرة (^٣).
وقال أشهب: مثل الآخرة (^٤)؛ لأنه الأقرب فيعود عليه الضمير.
وقال أشهب أيضا: الأقل (^٥).
* * *
_________________
(١) في (ت): (لأنه الأقرب، فيعود عليه الضمير).
(٢) في (ت): (المتعين).
(٣) بنصه عنه في «المختصر الكبير» (ص ٣٧٣).
(٤) نقله عنه في «المختصر الكبير» (ص ٣٧٣).
(٥) نقله عنه في «المختصر الكبير» (ص ٣٧٣).
[ ٦ / ٣١٥ ]