[ ٢ / ٦١١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
صلَّى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا
كتاب الرد بالعيب
قال القاضي أبو محمَّد ﵁: ومن ابتاع سلعة على السلامة فظهر (^١) بها عيب يوجب الرد، فهو بالخيار بين أن يرد ويرجع بالثمن، شاء البائع أو أبى، أو يمسك، ولا شيء له: أرش ولا غيره، إلَاّ أن يبذل له البائع الأرش. ولا يلزم في الأرش بذله ولا أخذه بالتراضي (^٢) ما دام رد العين ممكنًا.
قال الإِمام ﵀: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة، منها أن يقال:
١ - ما الدليل على تحريم البيع بالعيب؟
٢ - وهل يمنع التدليس من صحَّة البيع؟
٣ - وما حكم العيب إذا اطلع عليه المشتري؟
٤ - وهل تختلف العقود في الرد بالعيب؟
فالجواب عن السؤال الأوَّل أن يقال: أمَّا الغش والتدليس في البياعات فمحرَّم. والدليل عليه من الكتاب والسنَّة وإجماع الأمَّة.
فأما الكتاب فقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. (^٣) فإذا باع سلعة وكتم ما بها، فقد أخذ ما زاد من الثمن،
_________________
(١) في غ: نوج.
(٢) في غ والغاني: ولا يلزم يدل الأرش ولا أخذه إلَاّ بالتراضي.
(٣) سورة النساء: ٢٩.
[ ٢ / ٦١٣ ]
وهي سليمة، على ثمنها معيبة. وفي الصحيح أنَّه ﵇ قال: "لا تصرُّوا الإبل" (^١) الحديث. فنهى عن التصرية، وهي ترك اللبن في الضرع ليعظم جرمه في العين، فيعتقد المشتري أنَّ ذلك عادتها في الحلاب، فيزيد في الثمن لأجل هذا التدليس. وقد خرج مسلم في صحيحه أنَّه ﵇ مرَّ بصبرة طعام فأدخل يده فيها فنال أصابعه بلل، فقال: ما هذا؟ فقال: يا رسول الله أصابته السماء، فقال: هلَاّ جعلتموه على وجه الصبرة حتَّى يراه الناس، من غشَّ فليس منَّا. (^٢) وقد ذكر في الحديث أنَّه أوحي إليه: بأن أدخل يدك فيها، فبالغ - ﷺ - في التغليظ في المنع من الغش حتَّى أورد كلامًا ظاهره إخراج الغاش من الدين.
وقد اختلف الناس في تأويل هذا الحديث، وهو قوله ﵇: "من غشَّنا فليس منَّا" على خمسة أقوال. فمنهم من قال: المراد به أنَّ من غشَّ فليس على ديننا. قال ابن داوود: هذا غلط لأنَّ الغاش ليس بكافر.
وهذا الذي قدح به ابن داوود في هذا التأويل بعض الناس إلى أن حمل الحديث على أنَّ المراد به: من غشَّنا مستحلا لغشنا، وهذا لا شكَّ أنَّه يكفر به الغاش؛ لأنَّ استحلال ذلك مع أنَّ الشرع حرَّمه تكذيب للشرع، ومن كذَّب الشرع فهو كافر. وكان يقال في المذاكرة، فيصير هذا الإستدراك قولًا ثانيًا.
وقد قيل: إنَّه ليس مثلنا. وطعن ابن داوود في هذا التأويل، وقال: النبي ﵇ لا مثل له. هذا الذي طعن به ضعيف، لأنَّه صدق في أن النبي لا مثل له منا في نبوَّته وعصمته وشرفه عند الله تعالى، وليس المراد بقول هؤلاء:
ليس مثلنا في ذلك، وإنَّما المراد ليس مثلنا في تحريم ما يحرم وتحليل ما يحل والكف عن المحرَّمات.
وقيل: المراد ليس منا في فعلنا وسنَّتنا. وأنكر ابن داوود هذا أيضًا، وقال: الغش غير الغاش، وإنَّما ذكر في الحديث الغاش لا فعل الغاش. وهذا
_________________
(١) مسلم: إكمال الإكمال ١٨٤:٤.
(٢) مسلم: إيمان: ح١٦٤ - أبو داود بيوع: ٥٠.
[ ٢ / ٦١٤ ]
أيضًا قد يجاب عنه، قد يراد بهذا التأويل: الكناية عن الغاش.
وقيل المراد: ليس هو على مثل فعلنا وسنَّتنا. وهذا الذي اختاره ابن داوود لأجل ما قدَّمه من القدح في التأويلات التي ذكرناها.
وقد ذكر ابن حبيب من أصحاب مالك أنَّ المراد ليس مثلنا ولا على سنتنا. فأنت ترى ابن حبيب كيف استسهل الجمع بين تأويلين مما قدمنا، وهما نفي المثلية والإتباع على الفعل، فدلَّ على أنَّ المراد بهذين متقارب. وإنَّما المقصود ليس على سنَّتنا ولا متبع لنا. كما حكي في الكتاب العزيز عن إبراهيم ﵇: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. (^١)
ومعلوم أنَّ مراد إبراهيم صلوات الله عليه بقوله: "فإنَّه مني لما أي على سنَّتي وطريقتي وهديي. وكذلك قوله ﵇: "من غشَّ فليس منَّا" المراد به على سنتنا وهدينا.
ومما يدل أيضًا على تحريم التدليس ما رواه عقبة ابن عامر الجهني أنَّه ﵇ قال: "لا يحل لمسلم أن يبيع من أخيه بيعابه عيب إلَاّ أن يبينه" (^٢). وقال أيضًا ﵇ في المتبايعين: "إن صدقا وبيَّنا بورك لها وإن سكتا وكتما محقت بركة بيعهما" (^٣). وأمَّا الإجماع فليس بين المسلمين خلاف في تحريم الغش والتدليس في البياعات.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: إذا ثبت تحريم الغش والتدليس في البياعات لأجل ما قدَّمناه من الأدلَّة، فإن البيع إذا وقع على ذلك لم يمنع من صحَّته وانعقاده. ولا يكون البيع فاسدًا يفسخ وإن رضي به المتبايعان. هذا مذهب فقهاء الأمصار.
ومن الناس من ذهب إلى أنَّ البيع يفسد بذلك، وقرَّر أن التدليس لما ورد
_________________
(١) سورة إبراهيم: ٣٦.
(٢) ابن ماجة: تجارات ج: ٤٥.
(٣) فتح الباري ٥: ٢١٦ - وأخرجه مسلم والترمذي وأحمد.
[ ٢ / ٦١٥ ]
الشرع بتحريمه، صار البائع قد عقد بيعًا منهيًا عنه محرمًا عليه. والنهي يدل على فساد المنهي عنه عند بعض أهل الأصول. وهذه الطريقة التي استند إليها من صار إلى هذا المذهب.
وقد أجيب عن هذا بأنَّ النَّهي إنَّما يدل على فساد المنهي عنه إذا كان النهي لحق الله تعالى، وأمَّا إذا كان لحق الخلق، فإنَّه لا يدل على فساد العقد، والنهي عن التدليس لحق الخلق وكون المشتري لا يحل ظلمه وأخذ ماله بالباطل، فلم يقتض هذا النهي فساد العقد.
وهذا الذي ذكرناه عن ذهاب أصحاب هذه الطريقة إلى اعتبار النهي، هل يتعلَّق بحق الله سبحانه أو بحق الخلق؟ قد ينتقض عليهم بغاصب غصب سلعة فباعها فأراد ربها لما مكن منها أن يجيز البيع، فإنَّ المشهور عندنا من المذهب أنَّ ذلك له. وحكى ابن شعبان قولًا ثانيًا: أنَّه يفسخ، ولا يمكن رب السلعة المغصوبة من إجازة البيع. وهذا لأن هؤلاء اعتقدوا أنَّ هذا إذا اشتراه منه كان منهيًا عنه، اقتضى ذلك فساد العقد. ولكن قد يقال في هذا: إنَّ الغصب لو علم به المشتري لم يمكن رب السلعة من إجازة ذلك وإمضائه، لكون المشتري قد دخل على غرر وهو ترقب إمضاء رب السلعة للبيع أو رده، كما قيل في أحد القولين عندنا في هذا. والعيب لو علم به المشتري ولم يكن (^١) فعل البائع منهيًا عنه إذا علم أنَّ المشتري قد علم به، ولا يتعلَّق بعقده خيار لغيره، فيكون العقد فيه غرر.
ومن آكد ما يدل على أنَّ التدليس لا يمنع من صحَّة البيع حديث النهي عن التصرية فإنَّه ﵇ قال: "لا تصروا الإبل فمن اشتراها فهو بخير النظرين إن شاء أن يمسكها وإن شاء أن يردها وصاعا من تمر" (^٢) الحديث المشهور. فنصَّ ها هنا على أنَّ المشتري له الإستمساك بالبيع الذي دلس البائع فيه بالعيب.
_________________
(١) هكذا في النسختين ولعلَّ الصواب: لم يكن (بحذب. واو العطف).
(٢) فتح الباري ج٥ ص٢٦٥/ ٢٧٣.
[ ٢ / ٦١٦ ]
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: حكم المبيع إذا اطلع فيه على عيب فخير المشتى بين الرضا بالمبيع معيبًا ولا يسترد من الثمن شيئًا، أو يرد المبيع ويأخذ جميع الثمن على ما اقتضاه حديث المصراة. وسنعتذر عن ذكر الصالح في موضعه، إن شاء الله تعالى. وأيضًا فإن المشتري لا يلزمه أن يأخذ معيبا، وقد نقد الثمن في سليم من العيب، لأنَّ ذلك تجارة لم يرض بها.
وكذلك لا يلزم المشتري إذا بذل البائع له قيمة العيب قبول ذلك منه لأنَّه لم يرض إلَاّ بشراء سليم من العيب. وكذلك أيضًا لا يجبر البائع على دفع قيمة العيب لأنَّه لم يرض أن يبيع إلَاّ بالثمن الذي أخذه فلا يلزمه البيع بأقل منه.
فإن قيل: قد قلتم في استحقاق الأقل من المبيع إذا كان جملة عدد: إنَّ البيع منعقد في الأكثر، ويرجع المشتري بما استحق، فهلَاّ كان حكم العيب كذلك، لأنَّه جزء ذهب من المبيع كما ذهب الجزء بالاستحاق؟ قيل: استحقاق ثوب من عشرة أثواب لا يعيب الثياب الباقية ولا يزهد في المقصود منها. وإذا اشترى ثوبًا فوجد قطعًا أو خرقًا، فإنَّ ذلك الجزء الذاهب، وإن اختص بمحله، فإنَّه يسري إلى جملة الثوب، وكأنَّ العيب وجد في كل جزء منه، فصار المقصود من المبيع لم يحصل، فأشبه استحقاق الأكثر من العدد في المبيع. فإذا علم أنَّ الحكم مع قيام المبيع وكونه لم يتغيَّر تخيير المشتري من الرد وأخذ الثمن، أو يتمسك بالمبيع ولا شيء له، فإنَّ التراضي على أخذ الأرش وهو قيمة العيب جائز. قال القاضي أبو محمَّد في غير هذا: خلافًا لمن منعه.
والذي أشار إليه بأنَّه معه هو الشافعي، لأنَّه منع من ذلك. منع من أخذ عوض عما ثبت للشفيع عن إسقاطه ما له من التخيير في الأخذ بالشفعة أو إسقاطها على مالًا يأخذه، لأنَّه يقدر أنَّ التخيير المستحق في مثل هذا ليس بمال فيصح أن يعاوض عنه بمال. وخالفه ابن شريح من أصحابه فاجاز التراضي على أخذ الأرش، كما يجوز الترانحي على إسقاط القصاص، لكون ذلك مما يرجع إلى م الذي بعض الأحوال.
[ ٢ / ٦١٧ ]
وهذا الذي أشار إليه القاضي أبو محمَّد في غير كتابه هذا من أنَّ مذهبنا جواز التراضي على أخذ الأرش، ومذهب غيرنا المنع منه، يجب عندي أن يفصل القول فيه إذا قصد إلى حكايته المذهب. فيقال: إن علم المتبايعان بمقدار قيمة العيب قبل التراضي به، فإنَّ هذا لا يمنع، ولا يتصوَّر فيه وجه يوجب المنع منه، لارتفاع الجهالة مع هذا التراضي، ويقدر أنَّهما استأنفا عقدا ثانيا بثمن معلوم. وأمَّا إن تراضيا على الرجوع بقيمة العيب، وهما غير عارفين بقيمته، فإنَّ هذا يجري عندي على القولين في مسألة استحقاق أكثر الصفقة المبيعة، كمشتري عشر ثباب استحق منها ثمانية، فإنَّ المشهور من المذهب منع المشتري من الاستمساك بالثوبين الباقيين بمقدار حصتهما، لكون ذلك كابتداء عقد بثمن مجهول. وأجاز له لك في كتاب ابن حبيب وكذلك التراضي بأخذ الأرش مع كون المشتري قادرًا على أن يرد المبيع المعيب ويسترجع الثمن المعلوم الذي دفع، فعدوله عن ذلك، كاستئناف عقد بثمن مجهول، فبمنع على المذهب المشهور.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: العقود ثلاثة
١ - عقد معاوضة مبني على المكايسة كالبيع المحض، فهذا يثبت فيه الرد بالعيب.
٢ - وعقد طريقه الصلة المحضة كالهبة والصدقة، وهذا لا يتصوَّر فيه حكم الرد بالعيب، إذ لا عوض له يرتجعه بالرد بالعيب.
وعقد ظاهرة المكارمة وباطنه المعاوضة كالهبة المقصود بها طلب المكافأة، فهذا نبسط القول فيه في كتاب الهبات، إن شاء الله تعالى.
وحكى القاضي إسماعيل، ﵁ عبد الملك ابن الماجشون أنَّ الموهوب لا يرد الهبة بالعيب. وقاله المغيرة إلَاّ في العيب المفسد. وكأنَّ من ذهب إلى هذا يقدر أنَّ الموهوب إنَّما قبل الهبة ليبذل أكثر من قيمتها، فإذا لم يكن قصد الموهوب المكافأة بالقيمة بل بأكثر منها، لم يكن له مقال، لأنَّ سبب وجوب الرد بالعيب ما يؤدي إلى الانتقاص ممَّا دخل عليه المشتري.
قال القاضي أبو محمَّد. ﵁: وحدوث عيب عند المشتري ليس
[ ٢ / ٦١٨ ]
بفوت يمنع الرد. وهو بالخيار. إن شاء رده وما نقصه العيب عنده، وإن شاء تمسك به وأخذ الأرش.
قال الإِمام ﵀ يتعلَّق بهذا الفصل خمسة أسئلة. منها أن يقال:
١ - ما أقسام العيوب الحادثة عند المشتري؟
٢ - وما حكم كل قسم منها؟
٣ - وما وجه إسقاط مطالبة المشري بالعيب اليسير إذا حدث عنده؟
٤ - وما الدليل على ما ذكره القاضي أبو محمَّد من تخيير المشتري؟
٥ - وهل بي سقط التخيير بإسقاط البائع طلب قيمة العيب الحادث؟
فالجواب عن السؤال الأوَّل أن يقال: العيوب الحادثة عند المشتري على ثلاثة أقسام:
عيب يسير ومثله في المدونة بالحمى والصداع والرمد والكي والدماميل.
وأشار إلى كل عيب محتقر لا يؤثر كبير نقص في، الثمن. وقد خولف في أحد ما مثل به وهو الحمى. فرأى سحنون أئَّها ليست من العيوب اليسيرة التي يعفى عنها. وأشار بعض الأشياخ إلى أنَّ مراد ابن القاسم الحمَّى اللطيفة التي يقرب زوالها وانقشاعها. وكذلك الرمد يختلف حاله. وذهب ابن كنانة إلى التوقف عن الرد للمبيع حتَّى ينكشف حال المرض، هل يموت العبد أو يفيق؟ وهو اختيار بعض أشياخي فيما ذكره ابن القاسم في المدونة في الرمد والحمى. وفي رواية ابن القاسم أنَّ المرض لا يمنع من الرد إلَاّ أن يكون مخوفا. وبالجملة فإنَّ مرجع الاختلاف والاضطراب في هذه المسائل راجع إلى ما يغلب على ظن الفقيه: من كون العيب الحادث يبطل الغرض المقصود فيمنع من الرد ويوجب قيمة العيب، أو لا يبطل الغرض المقصود فيثبت الخيار بين الرد وغرامة قيمة العيب الحادث، أو التمسك وأخذ قيمة العيب القديم، فيما غلب على ظنه من هذه الأحوال حكم للعيب بحكم ما قيل فيها. (^١)
_________________
(١) لم يُذكر القسمان الثاني والثالث.
[ ٢ / ٦١٩ ]
والجواب كن السؤال الثاني أن يقال: أمَا العيب اليسير الحادث عند المشتري، فالحكم أن يعفى، ولا يلزم المشتري غرامته إذا اختار الرد.
وأمَّا العيب الذي ينقص من الثمن مما له مقدار وبال، ولكنَّه لا يبطل الغرض المقصود من المبيع، فإنَّ مذهب مالك رضي النه عنه أنَّ المشتري بالخيار بين أن يرد المبيع وقيمة العيب الحادث عنده، أو يتمسَّك ويأخذ قيمة العيب الذي كان عند البائع.
وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنَّ المشتري لا حقَّ له في رد المبيع، وإنَّما حقه أخذ قيمة العيب الذي كان عند البائع.
وظاهر مذهب أبي ثور أن ذلك لا يمنع الرد كما قاله مالك وإن (^١) رد ما نقص عنده، لكنَّه إن أمسك، لم يأخذ قيمة العيب خلافًا لما حكيناه عن مالك ﵁.
وذكر الطحاوي أنَّه قد خالف بعض من تقدَّم ومن تأخَّر في حكم العيب الحادث، فقال عطاء: لا عهدة بعد الموت. وقال محمَّد بن شجاع: لا مطالبة للمشتري بالعيب القديم قال: وهو القياس، لأنَّ العيب ليس بمثمون، ولو كان مثمونًا لأخذ قيمة العيب مع قيام المبيع. فأشار إلى أنَّ الحكم الرد بالعيب القديم. ولكن إذا رد المبيع على البائع، على حسب ما أخذه منه، فإذا لم يمكنه ذلك، لم يمكن من رده، وإذا لم يمكن من رده، بطل حقه في القيام به.
وهذه جملة المذاهب في هذا القسم.
وأمَّا حكم العيب الذي يبطل الغرض المقصود فإنِّه يمنع من الرد، لكون الرد لعين المبيع يكون في معنى المستحيل. وإذا امتنع، كان من حقه أن يطلب ثمن الجزء الذي عاوض عليه ولم يدفعه البائع.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: أمَّا وجه العفو للمشتري عن غرامة
_________________
(١) هكذا في النسختين: ولعلَّ الثواب حذف الواو.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
العيب اليسير الحادث عنده، فإنَّ الأبهري أشار إلى أن هذا الحكم إنَّما يختص بعيب حدث عنده لا يؤثر نقصًا بشرط أن يكون النقص يسيرًا. وقال بعض المتأخرين: إنَّما كان الأمر هكذا لأنَّ العيب من جهة البائع. فإن كان عالمًا به، فقد دلس وفعل ما لا يحل، وظلم والظالم أحق أن يحمل عليه. فإن لم يعلم، فإنَّه مفرط. إذ لم يكشف عن العيب قبل أن يبيع، والمفرط كالمتعمد في هذا المعنى، مع كون الغالب حدوث هذه العيوب اليسيرة، فيقدر البائع كالعاقد على أن يتجاوز عن المشتري فيها.
ومال بعض المتأخرين إلى أن لا يعفى للبائع عن العيب اليسير إذا اطلع عليه المشتري، ولا فرق بين البائع والمشتري في هذا.
وقد أشرنا نحن إلى ما قيل من الفرق بينهما من كون البائع مدلسًا ومفرطًا، فوجب أن يحمل عليه.
ومال بعض أشياخي إلى أنَّه لا يصفح للمشتري عن ذلك إذا لم يكن البائع مدلسًا، لأنَّه يرى المدلس ظالمًا يحمل عليه بخلاف من لا يدلس.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: أمَّا ما ذكرناه عن محمَّد بن شجاع فقد وجَّهناه.
وأمَّا ما ذكرناه عن أبي ثور فإنَّه يحتج بحديث المصراة. وقد قال فيه - ﷺ -: "فمن ابتاعها فهو بخير النظرين إمَّا أمسكها أو رد وصاعًا من تمر" (^١) الحديث المشهور. فقدر ما حلب المشتري كالنقص الحادث عنده، فرد عوضه وجعل له الإمساك من غير غرامة يطالب بها البائع.
والإنفصال عن هذا الذي قال أنَّ الذي احتلبه المشتري ليس كالعيب الحادث عنده، وإنَّما هو لبن فيه حق البائع، وهو ما كان حين العقد، وفيه حق للمشتري، وهو ما كان بعد العقد، لا يتميَّز هذا من هذا، فجعل ﵇ عوض اللبن الذي من حق البائع مع الشاة. فأفاته قبل الرد.
_________________
(١) فتح الباري ج٥ ص٢٦٥/ ٢٧١
[ ٢ / ٦٢١ ]
وأمَّا سبب الخلاف بين مالك والشافعي فإنه يلتفت فيه إلى تغليب أحد الضررين. فالبائع يلحقه الضرر إذا رد عليه ما باعه وقد تغيَّر، وعوض النقص ليس هو عين النقص، فكأن المردود ليس بعين ما باع. وكذلك المشتري يلحقه الضرر إذا أمسك المعيب وغرم (^١) عوض النقص لأنَّه لم يدخل على ذلك. فإذا تقابل الضرران، رُجِّحَ أحدهما على الآخر.
فرجَّح مالك جنبة المشتري بما قدَّمناه من كون البائع متعمدًا للتدليس أو مفرطًا في ترك الكشف عن العيب، فكان أولى بأن يحمل عليه فترد سلعته إليه.
ورأى الشافعي وأبو حنيفة أن البائع يريد استدامة العقد، والمشتري إذا أراد الرد فقد أراد فسخه، واستصحاب انعقاد البيع أولى من إحداث حكم آخر، وهو فسخه، ألا ترى أنَّ العنين إذا ضرب له الأجل فقال: وطئت. وقالت المرأة: لم يطأ، فإن مالكًا لا يصدقها، لمَّا كانت تحاول فسخ العقد والزوج يحاول استدامته.
وأجيب عن هذا التشبيه بأنَّ الزوج إذا قال: وطئت، فإنَّه لم يسلم العيب الذي ترد به المرأة النكاح. ومسئلتنا في عيب اتفق عليه المتبايعان. ألا ترى أنَّ الزوج إذا طلق وقال: كنت ارتجعت، فإنه لا يصدق، وإن كان يدعي ما يستديم العقد، لمَّا كان الطلاق وانقضاء العدَّة قد ثبت، وهو يحاول رفع ما ثبت من ذلك.
وأمَّا حديث المصراة، فإنَّ المخالف يقول فيه: ما فعله المشتري إنَّما هو استعلام العيب. والحادث المفتقر إليه في استعلام العيب لا يؤثر بخلاف ما حدث مما لاتعلَّق له بالكشف عن العيب.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: إذا حاول المشتري الذي حدث عنده عيب رد المبيع لعيب قديم، فلا قدرة للبائع أن يصده عن ذلك. وإن حاول
_________________
(١) أي: أخذ المشتري غرامة النقص.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
التمسك بالمبيع ومطالبة البائع بقيمة العيب القديم فقال البائع: أنا أحط عنك قيمة العيب الحادث عندك، فلا يكون لك الخيار إلَاّ في التمسك، ولا مطالبة لك علي أوتردَّ علىَّ ولا شيء على ولا شيء عليك. كما لو اطلعت على عيب كان عندي ولم يحدث عندك عيب، فإنَّك لا تمكن من مطالبتي بقيمة العيب.
فإسقاط غرامة العيب الحادث عندك يصيره كما لم يحدث عندك فإنَّه يمكن من ذلك في المشهور من المذهب.
وحكى ابن مزين عن عيسى ابن دينار أنَّه لا يقبل هذا من البائع، بل يبقى المشتري على خياره بين أن يردَّ ويأخذ ما نقص أو يمسك ويأخذ قيمة العيب. ولم يقدر أنَّ علَّة إثبات التخيير للمشتري ما توجَّه عليه من غرامة. ألا ترى أنَّه قد قيل في إحدى الروايتين في الحيوان الهزيل إذا سمن: إنَّه يرده، إن شاء، أو يمسك ويأخذ قيمة العيب وإن لم تتوتجَّه عليه غرامة. وهذا التشبيه ضعيف لأنَّ الخسارة للسمن كالغرامة لأخذ قيمة العيب. وقد قال بعض الأشياخ إنَّ مذهب عيسى يقتضي تمكين المشتري من المطالبة بقيمة العيب وإن لم يحدث عنده عيب لأنَّ البائع لمّا أسقط عن المشتري غرامة ما حديث عنده، صار كمن لم يحدث عنده شيء. وهذا قد ينفصل عنه بأنَّ تخير المشتري حق له قد ثبت، وإن كانت علَّته الغرامة التي تلحقه مرتفعة، فرفع الغرامة بعد أن استقرَّ حكمها كما قيل في المسائل التي ترتفع عللها ولا يرتفع حكمها على ما سيبسط في أصول الفقه.
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب قبل هذا: فإن فات، لم يكن له إلَاّ الأرش. والفوت هو ما لا يمكن الرد معه إمَّا لتلف المبيع كالموت والزمانة والهرم الذي لا يبقى معه انتفاع به، وإمَّا لتلف الملك كالعتق والتدبير والاستيلاد والكتابة، وفي بيعه خلاف. والصحيح أنَّه فوت يوجب الأرش. والإباق فوت.
قال الإِمام ﵀ يتعلَّق بهذا الفصل اثنا عشر سؤالًا. منها أن يقال:
١ - ما أقسام التغير الحادث عند المشتري على التفصيل. ٢ - ما يتوقَّع
[ ٢ / ٦٢٣ ]
منها مثل تغير الأسواق.٣ - والاختلاف بنقص. مثل تغيرها بزيادة؟ ٤ - ومثل تغير البدن بزيادة ومثل تغيره بنقص أو زيادة؟ ٥ - ومثل ولادة الأمة؟ (^١) ٦ - وما الحكم في تلف الملك بالبيع؟ ٧ - وما حكم المعيب إذا عاد إلى يد مشتريه؟ ٨ - وما حكم تكرار البيع فيه بتدليس وغير تدليس؟ ٩ - وما حكم المشتري إذا باع بعض المبيع؟ ١٠ - وما حكم وطء الأمة المبيعة؟ ١١ - وما حكم رهن العبد المعيب وإجارته؟ ١٢ - وما حكم العيب في بعض الصفقة؟
فالجواب عن السؤال الأوَّل أن يقال: التغيير الحادث عند المشتري على قسمين: تغيير من ناحية القيمة، وتغيير من ناحية العين والتغيير من ناحية القيمة على قسمين: زيادة من ناحية القيمة، وزيادة من ناحية الجسم.
والتي من ناحية القيمة على قسمين أيضًا: زيادة من ناحية السوق، وزيادة من ناحية لا تشاهد في الجسم.
ولكل واحد من هذه الأقسام حكم وفروع يسيرة.
فأمَّا حكم الزيادة من ناحية القيمة، فإنه لم يختلف عندنا في أنَّها لا تأثير لها. ولا تغير ما قلناه في حكم العيب المطلع عليه من كون المشتري بالخيار إمَّا أن يتمسَّك ولا شيء له، وإمَّا أن يرد ولا شيء عليه.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: أمَّا التغيير من ناحية السوق، فقد ذكرنا أنَّه لا تأثير له. ومال بعض الأشياخ إلى اعتباره. وقد اعتبر أهل المذهب في البيع الفاسد تغيير السوق وجعله أهل المذهب فوتًا يمنع من فسخ البيع الفاسد. وما ذلك إلَاّ لأجل الضرر اللاحق بالفسخ، لكون السوق إذا زاد، أضرَّ بالمشتري فسخ البيع، وإذا نقص، أضرَّ ذلك بالبائع لكونه ترجع إليه سلعته وهو يخسر فيها. فجعل حوالة الأسواق فوتًا على الإطلاق، لمَّا تساوى هذا الضرر بين البائع والمشتري، فعدل بينهما بأن جعل تغير السوق بزيادة أو نقص فوتًا في حقهما جميعًا. وكان مقتضى التعليل الذي أشرنا إليه أن يكون الفوت في حق
_________________
(١) الأسئلة (٣) (٤) (٥) هي على معنى الإستفهام بدون ذكر أداته.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
المشتري إذا زادت الأسواق وفي حق البائع خاصة إذا نقصت الأسواق. لكن لما تساوى الإمكان في الزيادة والنقصان من الطرفين جميعًا جعل ذلك حكمًا عامًا.
وقد أشار المتقدمون إلى الفرق بين البيع الفاسد والرد بالعيب، فإنَّ البيع الفاسد دخل فيه المتعاقدان، ولا مزية لأحدهما فيه على الآخر. والعيب من جهة البائع؛ لأنِّه إن تعمَّد، كان مدلسًا. وإن لم يتعقَّد، كان مقصرًا إذ لم يكشف عن العيب قبل أن يبيع، فلم يكن لاعتبار التدليس من غير جهته معنى، مع كونه مدلسًا أو مقصرًا. وإذا لم يعتبر ذلك من جهته، لم يعتبر أيضًا من المشتري زيادة السوق عدل أبي نهما.
وأمَّا إن كان تغير القيمة ليس من ناحية السوق لأمر أثر في البدن لحدوث سرقة العبد أو زناه أو إباقه عند المشتري، فإن هذا وإن نقص من ثمنه، فقد قال ابن حبيب: لا مطالبة على المشتري إذا ردَّ بالعيب بقيمة هذا العيب الحادث عنده. وأنكر أشياخنا مذهبه هذا ورأوه خلاف الأصول. وحاول بعضهم إثبات خلاف في هذا، فأشار ما رآه (^١) ابن القاسم في المستخرجة من أن مشتري جارية اطلع فيها على عيب بعد أن أزوجها وولدت، أنَّه إن اختار ردَّها بالعيب، لم يرد قيمة عيب النكاح الحادث عنده، وقدر هذا المتأول أنَّه إنَّما قال ذلك لكون عيب النكاح نقصًا في القية لم يؤثر في العين، فأشبه حوالة السوق. وهذا عندي قد يعتذر عنه بأنَّه ذكر في الرواية أنَّ الأمة ولدت، ويمكن أن يكون ولدها جبر عيب النكاح ومحا أثر نقصه، فلم يتوجه لأجل ذلك على المشتري غرامة، كما سنحكيه عن المدونة بعد هذا في جبر عيب النكاح بقيمة الولد. وإنَّما يبعد هذا التأول الذي تأولناه كونه لم يقيد الجواب كما قيَّده في المدونة باعتبار قيمة الولد، هل يجبر عيب النكاح؟ فلهذا أطلق الجواب ولم يقيده. وقد روى محمَّد ابن صدقة في المدنية عن مالك فيمن اشترى أمة فأزوجها ثُمَّ اطلع على عيب، أنَّه له أخذ قيمة العيب أو ردَّا مع ما نقص النكاح. وهذا الذي قاله هو أصل
_________________
(١) هكذا في النسختين ولعلَّ الصواب: فأشار إلى .
[ ٢ / ٦٢٥ ]
المذهب لمَّا لم يكن ها هنا ولد حادث يجبر به.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: أمَّا تغير القيمة بزيادة من ناحية السوق، فقد تكلَّمنا عليه. وأمَّا تغيرها بزيادة من ناحية تعلم صناعات، فإنَّ المشهور من المذهب أن من اشترى عبدًا فعلَّمه صناعة زاد بها ثمنه، أو جارية علَّمها صناعة زاد بها ثمنها، فإنَّ المشتري إذا اطلع على عيب لم يكن له أخذ قيمة العيب لأجل هذه الزيادة، بل يخير بين الرد ولا شيء عليه (^١) أو الإستمساك ولا شيء له. هذا هو المنصوص في المذهب. وحاول الأشياخ فيه تخريج خلاف. فقال بعضهم: قد وقع في الموّازيّة فيمن اشترى عبدًا فأعتقه وعليه دين فردَّ السلطان عتقه وباعه عليه في الدين، ثم أيسر المديان ثم أعسر، فاطلع المشتري من السلطان على عيب قديم كان عند البائع، أنَّ للمشتري أخذ قيمة العيب، لأنَّه إن ردَّه بالعيب أعتق على المديان المبيع عليه العبد لأجل ما حدث له من اليسر. وإذا أعتق عليه وقد صار معسرًا، لم يجد مشتريه عنده ما يأخذ منه الثمن، فكان تخوف هذه الخسارة عذرًا له يوجب له أخذ قيمة العيب. وكذلك خسارة ما أنفق عليه المشتري من أجرة في تعليم صناعة. وهذا يجاب عنه بأن يقال: العذر في مسألة ابن الموّاز كون المشتري لمَّا اختار الرد تضمَّن الردَّ المطالبة بالثمن، وهذا لا يجد ثمنًا، فلم يلزمه تسليم المثمون من غير أخذ ثمنه. وما أنفق من أجرة في تعليم صنعة لا تعلق له بالرد ولا بالثمن، فلهذا لم يكن للمشتري فيه مقال.
وحاول بعض أشياخي أن يخرج خلافًا في المسألة مما وقع في المبسوط من أنَّ من تزوَّج امرأة، وأصدقها خادما، وعلمتها صناعة أن فيها أجرة، فطلقها الزوج قبل البناء ووجب له ارتجاع نصف الأمة، أنَّه يجب عليه غرم نصف الأجرة، فلمَّا أوجب على الزوج غرامة ما أنفقته الزوجة التي هي مشترية (^٢) للأمة، فكذلك يجب أيضًا للمشتري عبدا فردَّه بعيب أن يكون له مقال فيما أنفق.
_________________
(١) هكذا في النسختين، [ولا شيء له].
(٢) في التعبيربـ (مشترية) تجوّز.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
وهذا الذي قاله شيخنا فيه نظر أيضًا عندي، لأنَّه قد قيل في أحد القولين: إنَّ الزوجة إذا اغتلت الجارية، التي هي الصداق، ثمَّ طلَّقها الزوج، أنه يرجع عليه ابن صف ما أغتلت، لأجل أنَّه يقدر أن نصف الصداق لم ينتقل عن ملكه، وإئَّما يستقر لها ملك جميعه إذا دخل بها. والمشتري المطلع على عيب لا يرد الغلَّة باتفاق لكون ملكه مستقرًا. فهذا التعقب الذي يظهر لي في التخريجين جميعًا. وإن كان ما ذكرته من التعقب على تخريج شيخي أظهر من التعقب الآخر على غيره.
وأشار بعض الأشياخ أنَّ هذا ينبني على ما ذكره ابن حبيب من كون الإباق الحادث عند المشتري لا مطالبة عليه بقيمته لكونه عيبًا لم يؤثر في الخلق بل في الأخلاق. فكذلك المطالبة في هذه الزيادة لا تجب لكونها ليست بزيادة في الجسم.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: إذا اشترى حيوانًا عبدًا أو دابَّة وهو سمين فهزل أو عجف، أو هزيل أو أعجف فسمن، فإنَّ المذهب اضطرب في ذلك.
فذكر ابن حبيب أنَّ ذلك فوت.
وذكر عن مالك أنَّ ذلك ليس بفوت.
وذكر عن ابن القاسم أنَّه يرى الهز الذي ذلك فوتًا ولا يرى السمن فوتًا.
وفي الموّازية أنَّه إذا عجفت الدابة التي اشتراها، فإنَّ المشتري بالخيار بين أن يرد ويرد ما نقص العجف، أو يمسك ويأخذ قيمة العيب.
وفي الموّازية أيضًا أنَّ الأمة إذا سمنت يردها ولا شيء له أو يمسكها ولا شيء له.
وذهب ابن مسلمة إلى أنَّ العجف فوت يوجب أخذ قيمة العيب ولا يمكن المشتري من الرد. وكذلك ذكر في المدونة في صغير كبر أو كبير هرم، أنَّ ذلك
[ ٢ / ٦٢٧ ]
فوت والحكم فيه أخذ قيمة العيب.
وذكر أيضًا أنَّه بالخيار في الصغير إذا كبر بين أن يرده ولا شىء له، أو يمسكه ويأخذ قيمة العيب.
وذكر أيضًا في الهرم أنَّه يرده ويرد ما نقص.
وذكر في الموازية أنَّ من اشترى أمة مريضة فصحَّت، أو هزيلة فسمنت، أو سمينة فهزلت، أنَّ ذلك لا تأثير له، وهو بالخيار بين أن يمسك ولا شيء له أو يرد.
وجميع هذا يرجع إلى اختلاف في شهادة بعادة، هل هذه الأمور تؤثر تأثيرًا يغير المقصود، ويصير المبيع كأنَّه ليس بالعين المبيعة، فيكون ذلك فوتًا يوجب أخذ قيمة العيب، أو لا يكون ذلك تغييرًا مؤثرًا فيسقط حكمه، أو مؤثرًا تأثيرًا له بال لم يغيو المقصود فيكون بالخيار.
وقد علم أنَّ المذهب أنَّ تكليف المشتري غرامة قيمة عيب حدث عنده عذر له وإضرار به يوجب له أخذ قيمة العيب. وأمَّا خسارته سمنا أو إنفاقًا على صغير كبر، فإنَّ هذا فيه الإضطراب الذي حكيناه.
وقد ذهب بعض الأشياخ إلى أنَّ ما يؤدي من قبالة السلطان على شراء ما يشترى، أنَّ ذلك عذر للمشتري يوجب له أخذ قيمة العيب إذا شاء. وخرَّجه بعض الأشياخ على ما قدمناه من أداء إجارة على تعليم العبد صناعة. وقد قيل في الغاصب إذا نقل ما أدى عليه ثمنًا من طعام وشبهه، فإن ذلك يوجب له حقًا في أن لا يؤخذ منه عين الطعام، على ما سنبيِّنه في كتاب الغصب إن شاء الله تعالى.
وهكذا قال بعض الأشياخ إنَّه إذا حمل سلعة ثقيلة اشتراها وأدَّى في العمل إجارة، أنَّ ذلك يوجب تمكينه من أخذ قيمة العيب إذا شاء ذلك، لئلَاّ يخسر ما أدَّاه من أجرة العمل.
وبعض أشياخي يخرج فيه اختلافًا على حسب ما ذكرناه. وقد روى أبو قرة
[ ٢ / ٦٢٨ ]
عن مالك فيمن اشترى سلعة فنقلها وأدَّى في نقلها أجرة، أن له أخذ قيمة العيب من البائع، إذ القيمة (^١) بالموضع الذي نقلها إليه.
وعلى هذا الكلام في تغير البدن بنقص. فالمشهور من المذهب أنَّ الشلل والعمى ومصير العبد مقعدًا ليس بفوت يوجب أخذ قيمة العيب. بل المشتري بالخيار بين أن يرد ويردَّ ما نقص، أو يمسك ويأخذ قيمة العيب. ورأى ابن مسلمة أنَّ هذا فوت يمنع الرد ويوجب أخذ قيمة العيب. وكذلك رأى قطع ذنب البغلة المركوبة أو الفرس المركوب.
وهذا كلّه اختلاف في شهادة بعادة. والمعتبر ما قدَّمناه من ذهاب المقصود بالمبيع أو بقائه.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: إذا اشترى أمة فأزوجها، ثُمَّ اطلع على عيب قديم، قد تقدَّم كلامنا على العيب من ناحية نقص النكاح، وأشرنا إلى ماوقع من الإضطراب عليه، وأن بعض المتأخرين أشار إلى إسقاط الغرامة عن المشتري لأجل عيب النكاح؛ لأنَّه رآه كعيب من ناحية الأخلاق. وقد قدَّمنا عن ابن حبيب أنَّه لا يرى ما حدث من عيب من ناحية الخلق، لا من ناحية الخلْق، يوجب على المتشري غرامة.
ويتعلَّق هذا التأويل بما وقع في المستخرجة من رواية ابن القاسم فيمن أزوج أمة فولدت ثمَّ اطلع على عيب قديم، أنَّ له أن يرد ولا شيء عليه، أو يمسك ولا شيء له. وقلنا نحن: يحتمل أن يكون مراد ابن القاسم أنَّ الوالد يجبر عيب النكاح. ألا ترى أنَّه قد وقع لمالك في المدوّنة أنَّ المشتري بالخيار بين أن يمسك ويأخذ قيمة العيب، أو يرد ويرد ما نقص. ولكن هذا الذي وقع في المدنية أنَّ الأمة ولدت. وأجاب عن ذلك على مقتضى الأصل. وحاول بعض الأشياخ تخريج قول على النقيض من هذا، وقال: إنَّما لم يجعل في المدوّنة إنكاح الأمة فوتًا يوجب أخذ قيمة العيب ويمنع من الرد مع ما نقص بناء على
_________________
(١) هكذا في النسختين ولعل الصواب إذا لقيه.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
قوله إنَّ العمى والشلل والقطع ليس بفوت يمنع من الرد. وقد ذكرنا عن ابن مسلمة أنَّه يرى ذلك فوتًا يمنع من الرد ويوجب أخذ قيمة العيب. وينبغي أن يكون إنكاح الأمة كذلك لأنَّه يتلف المقصود منها، لا سيَّما إن كانت سريَّة، لأنَّ الغرض من السريَّة وطؤها، وقد امتنع لسبب التزويج. وإن كانت من الوخش فتردّد الزوج إلى دار سيدها يقتضي التمكين من وطئها مما يعظم الضرر فيه، فوجب أن يكون ذلك فوتًا.
فأنت ترى كيف بالغ بعضهم في تحقيره حتَّى لم يجعل له تاثيرًا، وبالغ بعضهم في تعظيمه حتَّى جعله فوتًا يمنع من الرد.
فإذا تقرَّر هذا وثبت أنَّ المشهور من المذهب تمكين المشتري من رد الأمَّة وما نقص منها عيب النكاح، فإنَّها إن كانت ولدت من هذا النكاح فردَّها على سيدها بالعيب القديم فإنَّه لا يمكن البائع الذي ردَّت عليه من فسخ هذا النكاح لكونه عقد بوجه جائز. ولكنَّه في المدونة اعتبر قيمة الولد، هل في قيمته ما يجبر به عيب النكاح؟ فيرتفع هذا العيب ويكون المشتري بالخيار بين أن يردَّها بالعيب القديم ولا شيء عليه، أو يمسك ولا شيء له، كما لو لم يحدث عنده عيب. وذكر سحنون في المدونة أنَّ غيره لا يجبر عيب النكاح بقيمة الولد، كما لا يجبره بالنماء الحادث فيها. وقد اشتهر عن الشيخ أبي القاسم السيوري أنَّه كان يذهب إلى أنَّ الولد غلة، كاللبن والصوف. وإذا كان كذلك كان الولد للمشتري. ويعتضد بهذا الذي وقع في المدوّنة من قوله إنَّ المشتري يجبر به عيب النكاح. فلولا أنَّه له كما تكون الغلات ما جبر به ما لزمه من عيب النكاح، وأدَّاه في غرامة وجبت للبائع عليه. وهذا الذي يشير إليه مما يصعب الانفصال عنه من ناحية الفقه. لكن من ناحية ما يؤدي إليه من تناقض في الرواية يسهل الانفصال عنه. وذلك أنَّه في هذه الرواية أوجب رد الولد وجبر به عيب النكاح.
وعيب النكاح إنَّما يلزم فيه قيمة، ولا يلزم فيه أن يدفع المشتري عرضًا بغير اختياره. ولا يلزم البائع أيضًا قبول عرض عن دنانير وجبت له على المشتري إلَاّ باختياره. وها هنا جعل الحكم ردّ عين الولد، وهذا يقتضي أنَّه أنزل الولد
[ ٢ / ٦٣٠ ]
منزلة بعض أعضائها، فلهذا أوجب ردَّه معها. وبعض أعضائها لا يكون غلة، ألا ترى أنَّ ولد المدبرة مدبر والمعتقة معتق والمكاتبة مكاتب وولد الأمة عبد وإن كان أبوه حرًا. وهذا يقتضي أن يكون حكمه حكم أحد أعضائها. وأيضًا فإنَّه أوجب رد الولد وإن كانت قيمته أضعاف ما لزم المشتري من قيمة عيب النكاح. فلو كان الولد للمشتري كما تكون الغلة له، لم يخرج من يده ما فضل من قيمة عيب النكاح.
وقد اعتذر بعض أشياخي عن هذه الرواية بأنَّه إنَّما راعى نفي الضرر. فإذا رجع إلى البائع مثل ما دفع من غير خسارة عليه، لم يكن له مقال. فإذا لحقته خسارة، كان له مقال. كما قيل فيمن باع عبدًا ثمَّ اطَّلع على عيب قديم وقد أخذ في العبد مثل الثمن الذي يرجع به على البائع لو ردَّ عليه بالعيب: أنَّه لا مقال له.
وهذا الإعتذار يلزمه على مقتضاه أن يجبر عيب النكاح بنماء الجارية في بدنها حتَّى يكون هذا النماء يزيد في قيمتها ما يجبر به عيب النكاح، لكون الضرر أيضًا قد ارتفع على حسب ما ارتفع بجبران الولد قيمة عيبها.
والذي يظهر لي من الاعتذار طريقة أخرى، لولا أنَّه وقع أيضًا في الرواية ما يعارضها. وذلك أنَّ الولد إذا أخذه البائع، وهو زيادة على ما كان باعه، فإنَّ هذه الزيادة لولا هذا النقص الذي هو عيب النكاح لم يحصل البائع (^١). فمن البعيد أن يأخذ زيادة ويرضى بها ويقدر أنَّها لم تكن إلَاّ على ملكه ثمَّ يطلب عوض جنايتها وما كان سببًا في وجودها، فإنَّ هذا كالمتناقض. وهذا عذر واضح. ولكن مقتضاه ألَاّ يجبر الولد عيبًا آخر حدث بالمشتري ليس هو عيب النكاح. وقد وقع في الموازية أنَّه يجبر به عيبًا آخر حدث عنده ليس هو عيب النكاح. فإن لم نقل بهذا الذي ذكر ابن المواز كان اعتذارًا عما وقع في هذه الرواية اعتذارًا صحيحًا.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: للبائع.
[ ٢ / ٦٣١ ]
وهذا الذي ذكره من العذر يكون انفصالًا عمَّا احتجَّ به أشهب على ابن القاسم من مباينته الولد على النماء كجزء من جسمها حسًا وحقيقة، فهو كأحد أعضائها، ولم يكن من أمر طلب البائع أن يعطي عوضه. وهذا الذي ناقض به أشهب ابن القاسم قد وقع في رواية أيضًا التزامه. وذكر في كتاب الوديعة من المدونة أنَّ ابن القاسم روى عن مالك أنَّه يجبر عيب النكاح بزيادة قيمتها.
وحملوا ذلك على أنَّ المراد زيادة قيمتها من ناحية نماء بدنها. وهكذا رواه ابن شعبان في مختصره عن مالك. ولا يلزم على هذا المذهب أن يجبر عيب النكاح بزيادة سوقها من ناحية انتقال الأسعار لا من ناحية نماء البدن، لأنَّ التقويم إنَّما يكون في العيوب أخذًا لقيمتها أو ردًا معتبرًا يوم الصفقة، وما كانت تساوي حينئذ يوم العقد، فلا معنى لاعتبار زيادة السوق بعد ذلك في جبران عيب النكاح.
وإذا قلت بمذهب ابن القاسم في جبران عيب النكاح بقيمة الولد، فإنَّ صفة هذا الجبر أن يقال: ما قيمة هذه الأمة يوم الصفقة وهي سالمة؟ فيقال: مائة دينار. ثُمَّ يقال: ما قيمتها بعيب التدليس؟ فيقال: ثمانون. ثُمَّ يقال: ما قيمتها بعيب التدليس وعيب النكاح على أنَّ معها ولدها. فإن قيل: ثمانون، فقد علمنا أنَّ النكاح لم يؤثر نقصًا لأجل الولد. وإن قيل: قيمتها سبعون، فقد علمنا أنَّه أثر نقصًا، فيطالب بمقدار هذا النقص الذي كان عن النكاح بنسبته من الثمن على حسب ما يأتي بيانه في تقويم العيوب إن شاء الله تعالى.
ولمَّا ذكرنا عن الشيخ أبي القاسم السيوري ما انفرد به عن أهل المذهب من كون الولد غلة عنده. وذكرنا تعلقه بما وقع في هذه المسألة، فلنذكر تعلقه بما وقع في مسألة أخرى. وذلك أنَّه ذكر ابن الموّاز عن مالك أنَّه إذا باع أمة فأزوجها المشتري فولدت عنده فباع الولد، أنَّ البائع، إذ فلس هذا المشتري، فأراد ارتجاع ما باع (^١)، فإنَّه يأخذ الأمة ولا مطالبة له بما أخذ المشتري في ثمن
_________________
(١) أي لأنَّه لم يقبض الثمن.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
ولدها. قال: لأنَّ الولد غلَّة، بخلاف أن يرد الأمة بعيب وقد باع ولدها، فإنَّه يرد ما أخذ من ثمن ولدها. فأنت تراه كيف نصَّ ها هنا على أنَّ الولد غلة، ولكنَّه لم يطرد هذا في رد الأمَّة بعيب. وكان مقتضى هذا الذي قال أيضًا ألا يرد أيضًا ثمن الولد إذا باعه ورد أمَّه بعيب.
وقد حاول بعض المتأخرين اعتذارًا عن هذا بأنَّ من مُكّن من الرد بالعيب فإنَّه له أخذ جميع الثمن. فإذا كان قادرًا على أن يردَّ هذه الأمة ويأخذ جميع الثمن، فإنَّه يحاسب بما أخذ من ثمن الولد، لأنَّ هذا الردَّ والنقص باختياره.
وفي التفليس البائع هو المختار لرد هذا البيع وارتجاع الأمَّة، فلا يحاسب المشتري بما أخذ في ولدها.
وهذا الفرق كما تراه لا يروح (^١) ما أشرنا إليه من المناقضة الذي يقتضيها الولد بأنَّ الولد غلة.
وأشير أيضًا إلى فرق آخر وهو أنَّ الأصل في التفليس ألَاّ يرد البائع ما عقده على نفسه من البيع. لكن أوجب الخروج عن هذا الأصل ورود الحديث بذلك، وهو قوله - ﷺ - (من أدرك ماله بعينه فهو أحق به) (^٢) الحديث المشهور.
فلعل استحقاق البائع رد المبيع في التفليس يكون ما باعه باقيًا بعينه. والولد إذا بيع فليس هو عين ما باعه البائع. ولو قرَّر أنَّه كعضو من أمه. فهذا العضو ليس ما نصًا (^٣) ولا موجود، فبقي حكمه على مقتضى الأصل، لكون الحديث الناقل عن هذا ليس دليل الخطاب فيه إلَاّ أنَّ للبائع حقا إذا لم يكن ما باع موجودًا، ورد الولد إذا بيعت أمُه أو ردَّ ثمنه، لم يرد حديث يمنع من رد ثمن الولد. فلمَّا وجب عين رد الولد (٣)، وجب رد ثمنه.
وأشير أيضًا إلى فرق آخر وهو أنَّ البائع ليس له في التفليس أن يحاص
_________________
(١) هكذا في النسختين.
(٢) الموطأ: حديث ١٩٧٩: ٢: ٢٠٩.
(٣) هكذا في النسختين.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
بثمن الأم وثمن الولد إذا اختار الحصاص، لأنَّه ليس له إلَاّ ثمن واحد وهو ثمن الأمة. فلمَّا لم يكن له إذا اختار الحصاص المحاصة بثمنه، فكذلك لا يكون له إذا اختار ترك الحصى وجعل (^١) ما عقد من البيع أن يطالب بثمن الولد.
هذه الفروق التي يمكن أن يقال في هذا. ولكن التحقيق يقتضي إذا قيل: إنَّ الولد غلة، أن يكون الحكم ألَاّ يرد الولد في عيب ولا تدليس، وإن كان قائمًا بعينه، فأحرى ألَاّ يرد ثمنه. وإن قيل: إنّه ليس بغلة، بل كعضو منها، أن يكون يرد الولد في الجميع، وإذا وجب رد عينه، وجب رد ثمنه.
ويتضح وجوب الثمن في الرد بالعيب وفي التفليس قد يقال فيه ما أشرنا إليه من الفروق، وجميعها لا يكاد يسلم من مناقضة وممانعة فلمَّا كان ما ذكرناه عن كتاب ابن الموّاز من أوضح ما يتعلَّق به الشيخ أبو القاسم السيوري لذكره أنَّ الولد غلَّة، دعا هذا بعض أشياخي إلى أن قال: لم يرد أنَّه غلَّة على الحقيقة في سائر أحكام الغلة، ولكنه أراد أن الأمة إذا ردَّها في التفليس بعينها قدَّر كأنَّ الولد لم يكن لمَّا رجعت بعينها على كمالها، كما لو أصابتها موضحة فأخذ أرش الموضحة وردَّها على بائعها ولم تشنها الموضحة، ولا نقصتها، فإنَّه لا يرد ما أخذ من أرش الموضحة لمَّا ردَّ عين المبيع سالمة. ومقتضى هذا الذي قال شيخنا من التعليل ألَاّ يرد الولد، وإن كان باقيًا، لكونه إذا ردَّ أمَّه دونه فقد ردَّها على الكمال، فلا يجب رد الولد، وهو قد جعل قولهم: إنَّ الولد يرد، فغير ماح أن يستقرَّ من هذا الذي قالوه في ثمن الولد كون الولد غلَّة.
فإذا تقرَّر هذا، فإنَّ هذا الولد إذا كان قائمًا هو وأمه لم ينص على خلاف في المذهب في أنه يرد مع أمه، إلَاّ ما أشرنا إلى ما خرَّجه الشيخ أبوالقاسم السيوري. وقد أشار غيره إلى تخريجه مما رواه عبد الرحمان ابن دينار عن ابن كنانة فيمن اشترى أمة حاملًا فولدت فأخذ ولدها، أنَّه إذا لم يختر أخذ قيمة العيب واختار ردَّها، أنَّه يرد معها ما نقص من ثمنها لأجل ما كان يرجى من
_________________
(١) هكذا ولعلها وحصل.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
ولادتها. فلم يعتبر كون الولد كعضو منها استحقَّ البائع عليه رده بعينه، فإذا أتلفه، كانت عليه قيمته، بل راعى ما يكون من النقص من ناحية ما يرجو من ولادتها. وأشار أيضًا إلى إجرائه على الخلاف في السمن، وقد تقدَّم ذكرنا الخلاف فيه لمَّا كان السمن غير متفصل من الأمة، والولد كأنَّه غير منفصل منها لمَّا لم تَجز التفرقة بينهما.
وهذا الولد لو مات وبقيت أمه، لكان الحكم تخيير المشتري في رد أمه وما نقصها النكاح، أو التمسك وأخذ قيمة العيب، ويقدر الولد كأنَّه لم يخلق.
وهذا أيضًا قد يقال فيه إذا قدَّرتموه كعضو من أعضائها وجزء منها، ولهذا أوجبتم رده بعينه على البائع. فإذا مات وهو في يد المشتري، اقتضى ذلك أيضًا أن يرد قيمته كما يرد قيمة يدها لو شلَّت عنده. قيل: اليد إذا شلت عنده، وجب رد قيمتها إذا اختار الرد لأنَّ لها حصَّة من أصل الثمن. فلو ماتت الأم خاصَّة وبقي الولد وحده، فالظاهر أنَّ المذهب على قولين: مذهب ابن القاسم أنَّ الواجب قيمة العيب، ومذهب أشهب أنَّ البائع مخيَّر بين أن يعطي قيمة العيب أو يمنع من ذلك، ويخيَّر المشتري بين أن يتمسَّك بالولد ولا يسترد من الثمن شيئًا، أو يرد عليه الولد ويرد البائع جميع الثمن.
فكأن ابن القاسم قدَّر أنَّ الولد في حكم التبع وكجزء منها، فإذا ذهب المتبوع وهو الأم، صار التابع وهو الولد في حكم الذاهب أيضًا، ووجوده كلا وجود، ولو ماتا جميعًا، لكان الحكم أخذ قيمة العيب. وكذلك إذا ماتت الأم وقدَّرنا أنَّ الولد الباقي كالميت بحكم كونه تبعًا لأمه.
وكأنَّ أشهب قدَّر أنَّه كمبيع ذهب بعض أجزائه عند المشتري وبقيت منه أجزاء، فتكون الأجزاء الباقية إذا رضي البائع بها، يأخذها على أن يغرم المشتري قيمة ما ذهب عنده، كان ذلك من حقه إلا أن يشاء المشتري التمسك بها، ولا يرد عمَّا قلناه من كون المذهب المشهور أنَّ البائع إذا أسقط عن المشتري غرامة ما ذهب عنده، صار المبيع كأئَّه لم يذهب عند المشتري منه
[ ٢ / ٦٣٥ ]
شيء، فإنَّما يكون له أن يقبل بجميع الثمن أو يرد ويأخذ جميع الثمن. وقد كنَّا حكينا عن عيسى أنَّه لم يمكن البائع من هذا، وأبقى المشتري على خياره في أن يأخذ قيمة العيب. فإن قيل: فإلكم ذكرتم عن أشهب أنَّه يرى بتمكين البائع من أن يؤدي قيمة العيب، فإن لم يفعل مُكن إذًا من ارتجاع الولد وردَّ جميع الثمن، إلَاّ أن يرضى المشتري بالتمسك.
والحكم في عيب حدث عند المشتري أن يكون هو المبدَّأ بالتخيير، ولا يبدأ البائع بأن يعطي قيمة العيب. وفي مسألة الولد بدأ أشهب بتخيير البائع.
قيل: إنَّ الفوت ربَّما كان في حق البائع والمشتري إذا لم يمكن رد العين، كمن اشترى أمة فاطَّلع على عيب بها بعد موتها، فليس إلَاّ قيمة العيب. وقد يكون الفوت في حقِّ المشتري خاصَّة، كمن اشترى أمة فشلت يدها عنده، فيكون المشتري مخيرًا بين أن يقدرها كالفائتة ويأخذ قيمة العيب، أو يقدرها كمن لم تفت فيردها ويرد معها ما نقص العيب الحادث عنده على ما سننبه عليه بعد هذا. فيمكن أن يكون أشهب قدَّر هذا كالفوت في حقَّ البائع خاصَّة.
وقد ذهب بعض المتأخرين إلى أنَّ ابن القاسم غير مخالف لأشهب في هذه المسألة. واعتقد هذا لأجل أنَّه قد أورد في المدونة في باب بعد هذه المسألة، فقال: يأخذ المشتري قيمة العيب إلَاّ أن يشاء البائع أن يسترد الولد خاصَّة ويرد جميع الثمن، فيعود التخيير للمشتري في أن يقبل منه هذا، أو يتمسك بالولد ولا مطالبة له بقيمة العيب. فقدَّر هذا أن الجواب الأوَّل وقع مطلقًا ووقع بعد ذلك مقيدًا، فيجب رد المطلق إلى المقيد.
وأنكر غيره من المتأخرين هذا الإعتقاد، وقال: قد قال سحنون عقيب هذا: هذا مذهب أشهب. وهذا ينفي إضافة هذا المذهب لابن القاسم.
وأجاب غيره عن هذا بأنَّ المراد بقوله: هذا مذهب أشهب. أي إنَّ هذا الذي قاله ابن القاسم مثل مذهب أشهب. ولو بيعت الأم دون الولد لجرى الأم فيها على هذا الذي ذكرناه من اختلاف ابن القاسم وأشهب.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
فعلى طريقة ابن القاسم الذاهب إلى أن الولد الباقي كالمعدوم، إذا عدمت هي يكون الحكم في هذا كالحكم لو باعاهما جميعًا، الأم والولد، فإنه لا مقال له.
وعلى مذهب أشهب الذي يراه كجزء ذهب من المبيع، وهي جزء آخر، إن باعها بأقلَّ من الثمن وأراد البائع أن يرد الثمن كله ويسترجع الولد، كان ذلك له إن يشأ المشتري أن يستمسك بالولد ولا مطالبة له بالعيب. وأمَّا إن باع الولد خاصَّة فإنَّ له ردَّ أمه بالعيب، ويقدر أنَّه لمَّا ردَّ أمَّه بالعيب، انتقض العقد الذي كان بينهما، وإذا انتقض في الولد. ولا سبيل إلى نقض عقد المشتري فيه، فوجب أن يطالبه أن يردَّ الثمن الذي أخذ فيه. وقال أصبغ بأن يرد من ثمن الولد قيمته، وكأنَّه باعه مع أمِّه مولودًا. وكأنَّه قدَّر أنَّ ردَّ قيمته كرد عينه، وما كان من نماء أو زيادة فله.
ولو قتلت الأم دون الولد، لجرى الأمر فيها أيضًا على هذا الذي بيَّناه من الإختلاف في كون الولد كالعدم، وإن كان باقيًا أو يقدر كبعض من المبيع بقي وذهب بعض آخر.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال: أمَّا إذا فات المبيع المعيب ببيع المشتري له، فإنَّه إن باعه عالمًا بعيبه، فلا خفاء يكون ذلك رضي منه بالعيب وإسقاطًا لحقه في القيام به. وأمَّا إن باعه، وهو لم يطلع على العيب، فإنَّ المذهب في هذا على روايات.
أحدها ما روي عن مالك، ﵁، من كون المشتري لا مقال له إذا باع. وإلى هذا ذهب ابن القاسم واعتلَّ بأنَّ المشتري إن كان علم بالعيب قبل أن يبيع، فقد رضي به، وإن كان لم يعلم، فإنَّه لم يحط من أجله من الثمن.
فإذا لم يلحقه ضرر من ناحية العيب في الغبن لأنِّها خرجت من يده، ولا في الثمن لأنَّه لم يبخس، لأجل العيب، منه شيء سقط مقاله. وهذا اختيار ابن الموّاز أيضًا. وبه قال الشافعي. واختلف أصحابه في تعليل هذا. فقال بعضهم:
إنَّما قال هذا لأجل أنَّ المشتري قد استدرك الظلامة. وهذا إشارة إلى ما ذكرناه
[ ٢ / ٦٣٧ ]
من تعليل ابن القاسم من كون المشتري لم يبخس لأجل العيب شيء.
وقال بعضهم: إنَّما العلَّة في ذلك كون المشتري لم ييأس من الرد لجواز أن يرجع المبيع إليه فيرده على بائعه.
وروي عن مالك أنَّ المشتري يعتبر ما حصل في يده من الثمن، فإن كان الذي حصل له مثل الثمن الذي دفع فأكثر، فلا مقال له، لأنَّه لم يبع وقضينا له بالرد، لم يكن له سوى الرجوع بالثمن. والذي يقضى له بالرجوع به قد حصل في يديه. فكأنَّه ردَّ بالعيب وارتجع الثمن.
وإن كان الثمن الذي باع به أقل مما اشتراه هو به، كان البائع مخيرًا بين أن يكمل له الثمن. فإذا أكمله له، سقط مقاله لأجل ما قدَّمناه. وإن لم يكمله له أعطاه قيمة العيب من الثمن الذي قبض منه، لأنَّه يقول قد فاتت العين المبيعة المعيبة ولا قدرة لك على ردها، فلا يكون لك إلَاّ قيمة العيب، كما لو ماتت في يدك. وهذا أيضًا فيه إشارة ممَّا كنَّا قلَّمناه من كون الفوت يقدَّر في حق البائع خاصَّة. فإن شاء البائع ها هنا أن يجعل ما باعه المشتري كالفائت أعطى قيمة العيب. وإن شاء أن يجعله كالقائم، أكمل له بقيَّة الثمن. هذا مذهب أشهب، وهو اختيار ابن حبيب.
وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: يقضي للمشتري بقيمة العيب.
وقدَّر أن ذلك كالفوت في حقَّهما جميعًا كالحكم في الموت. وهو اختيار محمَّد ابن عبد الحكم وأضاف ذلك إلى موطإ مالك، فقال: قد قال مالك في موطئه: إذا فات المبيع بشيء من وجوه الفوت. وهذا المذهب هو اختيار أبي محمَّد عبد الوهاب. فقد ينفصل عن تعليل ابن القاسم بأنَّ المشتري الأوَّل يمكن أن يكون غير البائع، أو حال السوق بزيادة، فرأى المشتري العيب فحطَّ لأجله من الثمن ولم يعلم المشتري الأول أنَّ الذي اشترى منه حطَّ من الثمن شيئًا لأجل عيب رآه، ولو كان المبيع سالمًا لبذل له المشتري أكثر ممَّا عقده عليه من الثمن.
فالضرر لم ينتف عن المشتري. وبهذا أيضًا يتعقَّب مذهب أشهب من اعتباره
[ ٢ / ٦٣٨ ]
حصول الثمن موفرًا في يد المشتري الأوَّل، لأنَّه يقول: إنَّ ما حصل في يدي مثل ما دفعت للبائع لأجل معرفتي بالتجارة وبالأسواق وبزيادتها وجهل الذي باع مني بذلك. فلا يحسب له هذه الزيادة، وسببها لم يكن منه، بل إنَّما كان مني.
فهذا يقتضي كون البيع فوتًا يوجب قيمة العيب. وإذا وضح مأخذ مذهب ابن القاسم وهو كون المشثري الذي باع هذا المبيع لم يلحقه ضرر من جهة العيب، فيقال على هذا التعليل: إنَّه متى لحقه الضرر، كان له القيام بالعيب، مثل أن يفوت المبيع عند المشتري الثاني فيرجع على المشتري الأوَّل بقيمة العيب، فيصير المشتري الأوَّل قد لحقه الضرر من ناحية العيب، فيكون له أن يطالب البائع بما غرم له، لأنَّه إذا طالبه بما غرم، ارتفع الضرر عنه. إلَاّ أن يكون قيمة العيب من الثمن الذي اشترى به الأوَّل أقل مقدارًا من هذا الذي أخذه المشتري الثاني من المشتري الأوَّل، فيكون من حق البائع أن يغرم له هذا، ولا يلزم أن يعطيه ما غرم هو، لأنَّه قد يكون حال السوق بزيادة أو غبن المشتري منه.
فكانت قيمة العيب من الثمن الثاني أكثر من قيمة العيب من الثمن الأوَّل. قال ابن الموّاز إلَاّ أن يكون إكمال الثمن أقل من هذين فلا يلزم البائع إلَاّ إكمال الثمن؛ لأنَّه إذا أكمله سقط مقال المشتري لأرتفاع الضرر عنه لأجل العيب. وإن الثمن لو عاد إليه كما دفعه، لم يبخسه العيب شيئًا. فلهذا قلنا: إن البائع عليه الأقل من ثلاثة أشياء. إمَّا ما غرمه المشتري منه، أو قيمة العيب من الثمن الذي قبض، أو ما بقي على المشتري من خسارة من الذي دفع البائع.
وقد أشار بعض أشياخي إلى أنَّ هذا التخيير بين هذه الوجوه الثلاثة هو مذهب ابن القاسم. وأشار غيره إلى أنَّ ذلك إنَّما يستقيم على مذهب أشهب الذي قدَّمناه عنه. واحتجَّ هذا المتأوَّل بما وقع في العتبيَّه لابن القاسم فيمن اشترى عبدًا به عيب فباعه ثمَّ علم بالعيب وقد حدث عند المشتري عيب اختار أن يغرم البائع منه وهو المشتري الأوَّل قية العيب، أنَّ هذا المشتري الأوَّل إذا غرم للمشتري الآخر قيمة العيب رجع هذا الأوسط على الأوَّل بقيمة العيب.
فلم يلتفت إلى ما كان بين الأوسط والآخر. وهو أيضًا لا يعتبر تغير الأسواق في
[ ٢ / ٦٣٩ ]
مثل هذا إذا قام المشتري بالعيب بعد أن باع وهو لم يعلم به. ألا تراه يقول، فيمن اشترى عبدًا به عيب لم يعلم به فقتل العبد في يديه فأخذ من القاتل قيمة العبد، فإنَّه يرجع بقيمة العيب على من باع. ولم يلتفت إلى القيمة المأخوذة في القتل، هل مثل الثمن فأكثر، فلا يكون له مطالبة بقيمة العيب لحصول الثمن الذي دفعه في يديه موفرًا. خلافًا لأشهب الذاهب في هذا إلى أنَّ القيمة المأخوذة عن القتل إذا كانت مثل الثمن فأكثر، فلا رجوع للمشتري بقيمة العيب، طردًا لأصله الذي قدَّمناه عنه.
وبعض أشياخي الذي حمل ما ذكره ابن الموّاز من التخيير بين الثلاثة أوجه يعد ما قاله ابن القاسم في مسألة القتل كالمناقض لما ذكره ابن المواز من التخيير في الأوجه الثلاثة. وقد يؤكد في نفسه ما تأوَّله على ابن المواز من أنه ساق ما ذكره من التخيير عن ابن القاسم كونه يذهب فيمن باع ولم يعلم بالعيب إلى مذهب ابن القاسم في أنَّ المشتري لا مقال له لما قدَّمناه من التعليل. وقد نقل ها هنا أنَّ ابن القاسم إنَّما يذهب إلى سقوط مقال المشتري إذا لم ينله ضرر من جهة هذا العيب. فإذا ناله الضرر بأن خوصم فيه وحوكم وأغرمه المشتري منه قيمة هذا العيب، فقد انتقض في هذا الجزء المبيع لمَّا أخذت قيمته فيما بين المشتري الأوَّل والثاني. فكذلك انتقض البيع في هذا الجزء وفيما بين المشتري الأوَّل والبائع الأول الذي (^١) منه، فيرجع بالقيمة على حسب ما ذكره في العتبيَّة كما قدَّمناه عنه. أو يعود الأمر إلى التخيير لأجل ما ذكرناه من التعليل لكل وجه من الأوجه الثلاثة المخيَّر فيها.
وذكرت عن بعض أشياخي أنَّه ناقض ابن القاسم في مسألة القتل بما ذكره ابن المواز من التخيير بين الأوجه الثلاثة. وأنَّ مقتضى التخيير فيها أنَّ المشتري إذا حصل في يديه مثل الثمن فأكثر، فلا مقال له.
وكنت قدَّمت عن الشافعيَّة اختلافًا في تعليل ما ذهبوا إليه من كون
_________________
(١) هكذا في النسختين: وفي الكلام سقط.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
المشتري إذا باع فلم يعلم بالعيب، فإنَّه لا مقال له، أنَّ منهم من قال: العلَّة في ذلك كون المشتري استدرك الظلامة. وأشار بهذا إلى ما بسطه ابن القاسم من التعليل من كون المشتري لم يبخس لأجل العيب. ومنهم من علَّل بأنَّه لم يويس من رد المبيع المعيب، فإذا أمكن رده على المشتري الذي باعه، لم يمكن الآن من القيام بالعيب. بخلاف عتق المشتري للعبد المعيب لأنَّ العتق يقتضي الإياس من الرد. فقد يقال أيضًا على هذا التعليل: إنَّ القتل يقتضي الإياس من الرد بخلاف الطلب بقيمة العيب والعبد قائم لم يفت. وعلى هذا الأسلوب من التعليل يجري الأمر في هذا المشتري إذا باع وهو عالم بالعيب معتقدًا أنه حدث عنده، ثمَّ علم أنَّه كان عند البائع، فإنَّ له مطالبة الذي باع منه بقيمة العيب من الثمن الذي دفعه أو إكمال الثمن. وسقط الوجه الثالث لكونه لم يغرم لمن يشتري منه شيئًا إذا باع وبين العيب.
وكذلك إن وكَّل وكيلًا على البيع فباع الوكيل وبيَّن العيب معتقدًا أنَّ الذي وكَّله حدث العيب عنده، فإنَّ التخيير الذي ذكرنا ها هنا مأخوذ ممَّا تقدَّم بيانه.
ولو توجَّه للمشتري الآخر على المشتري الطلب بقيمة العيب لفوت المبيع في يديه فألفاه مفلسًا فأراد أن يرجع بما وجب له على البائع الأوَّل إذا كان هو الأقل (^١) من الثلاثة الأوجه التي يجب للمشتري الأوَّل على من باع منه، فقيل يمكن من ذلك. كما يمكن من ذلك لو استحقَّ المبيع من يديه لكون البائع الأوَّل غريمًا لغريمه، فما وجب له على غريمه كان له أخذه، إذا فقد غريمه، من غريم غريمه. وقيل لا يمكن من ذلك. لأنَّ هذا الوجوب لم يتيقَّن لإمكان أن يكون المشتري الأوَّل راضيًا بالعيب. وهذا يبسط في موضعه إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال السابع أن يقال: إذا اشترى معيبًا باعه قبل أن يعلم بالعيب ثُمَّ عاد إليه، فإنَّ هذا ممَّا اختلف الناس فيه.
فذكر الطحاوي أنَّ أبا حنيفة لم يمكنه من رد هذا المعيب على من باعه،
_________________
(١) كذا في النسختين.
[ ٢ / ٦٤١ ]
ولو ردَّه عليه المشترى منه بعيب.
وذكر عن أبي يوسف أنَّه يمكن من رده على الذي باعه منه إذا ردَّ عليه بعيب.
واختار الطحاوي ألَاّ يمكن من الرد إلَاّ أن يرجع إليه باختياره من غير أمر وجب عليه، فإنَّه يمكن من الرد.
والمذهب عندنا تمكينه من الرد على أي حال، عاد ذلك إليه بعسب ردَّ به عليه أو بميراث أو هبة.
وتردَّد بعض المتأخرين من الأشياخ في النظر في هذا لأجل أنَّ ابن القاسم إنَّما علَّل منع من اشترى معيبًا، ثُمَّ باعه قبل أن يعلم بالعيب، من القيام بالعيب، لكونه لم يلحقه ضرر من أجل هذا العيب، ولا بخس في الثمن لأجله شيئًا على حسب ما قدَّمنا بيانه. ومقتضى هذا ألَاّ يمكن من الردِّ إذا اشتراه لأنَّ هذا ملك مستأنف والبيع الأوَّل باق على حاله لم يلحقه فيه ضرر لأجل العيب.
فأشار إلى التردد ما بين المذهب وما حكيناه عن أبي حنيفة.
فإذا تقرَّر أنَّ المذهب تمكينه من الردِّ إذا اشتراه، فإنَّ ابن حبيب ذكر أنَّه لا يمكن من الرد إذا اشتراه بشرط إن لم يكن خاصم فيه قبل أن يشتريه، فحكم القاضي عليه بمذهب ابن القاسم وأنَّه لا مقال له لانتفاء الضرر عنه كما بيناه. فأمَّا إن خاصم فقضي عليه بأن لا مقال له، فإنَّه إن اشتراه، لن يمكن من الرد لكون القضيَّة نفذت بسقوط حقه في هذا.
وأنكر الشيخ أبو محمَّد ابن أبي زيد هذا فقال: هذا بعيد من أصولهم. فإن قيل: لم قال الشيخ أبو محمَّد ابن أبي زيد هذا بعيد من أصولهم، وقد ذكر في المدوّنة في نكاح فسد لكونه انعقد بغير ولي فرفع إلى قاض يرى جوازه فأقرَّه، أنَّ هذا الحكم لا يفسخه غيره. وقدَّر أنَّ الترك ها هنا والإقدار على الفعل كاستئناف فعل؟ قيل: القاضي إذا حكم بإجازة هذا النكاح، فإنَّه قضى بذلك قضيَّة مؤبَّدة غير معلقة بشرط ولا علَّة. والقاضي إذا قضى بمنع هذا من المطالبة
[ ٢ / ٦٤٢ ]
بالعيب، فإنَّما ذلك لكون رد المبيع المعيب لا يمكنه، فإذا أمكنه ذلك، سقط الحكم لكونه معلقًا بشرط وعلَّة، فإذا زال ذلك، زال الحكم. وقد قال في المدونة: لا يمكن من خصام من باع منه، فإن اشتراه فله الرد. وقد يقتضي هذا أنَّ له الرد، وإن اشتراه عالمًا بالعيب مع كونه لما اشتراه عالمًا بالعيب مسقطًا لحقه في القيام به على هذا الذي اشتراه غير عالم بالعيب.
ولو كان هذا المبيع المعيب باعه من اشتراه فتداولته الأملاك فاشتراه مشتريه الأوَّل من مشتريه الآخر، فقد ذكر في المدوَّنة أنَّ لهذا الذي اشتراه أولًا ممن اشتراه آخرًا، أن يرد، على من اشتراه منه آخرًا. ووقع في بعض روايات المدوَّنة: له أن يرد عليه. وظاهر هذا الضمير عند بعض المتأخرين أنَّه يعود على من اشتراه منه أولًا.
وقد تعقب هو وغيره من الأشياخ رده على الأوَّل بأن ردَّه على الآخر يتضح ما قرَّرناه. وردَّه على الأوَّل إنَّما يتضح لو وقع التراد من واحد على آخر حتى ينتهي الأمر إلى هذا المشتري الأوَّل. فإذا انتهى إليه لحقه الضرر، فكان من حقِّه الرد. فإذا لم يقع التراد وعلم أنَّ في هؤلاء الجماعة المشترين من مراده ترك الرد إذا كان من حسن النظر له عند نفسه ألَاّ يرد لخسارة تلحقه في ذلك، ومنهم من يختار الرد لكون الرد أنفع. وهذا الإمكان لو خرج إلى الوجود وخرج أحدهم بأنَّه قد التزم هذا المبيع المعيب بعينه وقطع التراجع حتَّى لا يصل الرد إلى المشتري الأوَّل، لسقط حق المقال في هذا العيب لكون المبيع لم يرجع إليه على حسب ما قدَّمناه من مذهب ابن القاسم. وهذا يقتضي ألَاّ يمكن من
الرد على الأوَّل.
وقد رأى بعض أشياخي أنَّ هذا قد يجيء على القولين في مسألة كتاب البيوع الفاسدة. وهي إذا اشترى سلعة شراء فاسدًا ثمَّ باعها بيعًا صحيحًا ثمَّ اشتراها، أن في ذلك قولين، أحدهما: قد ارتفع حكم الفوت لمَّا عادت السلعة إلى يديه ولم يحل سوقها، فيقدر كأنَّها لم تخرج من يديه. والقول الآخر: إنَّ
[ ٢ / ٦٤٣ ]
ذلك يمنع من الرد لاختلاف الأملاك واختلاف العهد. فكذلك ينبغي عنده أن يخرج الخلاف ها هنا.
وهذا التخريج عندي فيه نظر. وذلك أنَّ الفسخ في البيع الفاسد حق لله سبحانه لا يسقط تراضي (^١) المتبايعين على إسقاطه. والرد بالعيب يجوز الرضى به، ويسقط الحق إذا رضي مشتريه به. وقد ذكرنا إمكان رضي أحد هؤلاء الجماعة به، وإذا رضي به سقط مقال من كان قبله، فيسقط مقال المشتري الأوَّل لأجل هذا على حسب ما ذكرنا أنَّ بعض المتأخرين نَّبه عليه، مع كون هذه المسألة متصورة في التراجع ما بين ثلاثة أشخاص في البيع الفاسد.
ونحن نذكر حكم التراجع بينهم في العيب، وهو أنَّ يشتري رجل سلعة معيبة ثُمَّ يبيعها قبل علمه بالعيب ويبيعها أيضًا من اشتراها منه من رجل آخر، فإنَّ هذا المشتري الآخر له أن يرد على الأوسط. فإذا ردَّ عليه كان الأوسط (^٢) أن يرد على الأوَّل إذا لم يعلم بالعيب قبل أن يبيعها، لأنَّه إذا علم به ودلس به على المشتري الآخر، صار رضي منه بالعيب، وإذا لم يعلم، لم يكن راضيًا بالعيب، فكان له الرد على من باع منه وهو الآخر، وله الرد على الأوَّل لرجوع السلعة إليه، على حسب ما قدَّمناه وذكرنا اختلاف الناس فيه، لكون المبيع لمَّا انتقض البيع فيه بينه وبين الآخر، صار كأنَّه لم يبع، وهو إذا لم يبع فظهر له عيب قام به. وإذا تداولت السلعة أملاك كثيرة، أمكن أن يكون أحدهم لا يختار نقض البيع على حسب ما نبَّهنا عليه ممَّا تعقَّبه قوم من الأشياخ على المذهب. ولو أنَّ هذا الأوسط اشتراه من الآخر بأكثر من الثمن الذي باعه، فإنَّه إذا اختار ردَّه على الأوَّل لم يكن له مطالبة الآخر بشيء، لأنَّه لمَّا كان قادرًا على الرد عليه واسترجاع ما زاد عنده من الثمن فعدل عن ذلك إلى الرجوع إلى الأوَّل، فكأنَّه رضي بإمضاء البيع من الآخر.
_________________
(١) هكذا في النسختين ولعلَّ الصواب: بتراضي.
(٢) هكذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: للأوسط.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
ولو تصوَّرت مسألة في رجلين بأن كانت عند رجل سلعة فباعها من رجل ثمَّ اشتراها منه فظهر فيها عيب قديم لم يعلما به، فإنَّ هذا المشتري الذي كان هو البائع الأوَّل من حقه أن يردها على هذا الذي اشتراها منه، لكن إذا كان الثمنان في البيعتين متساويين، (^١) فلا فائدة في هذا التراد، لأنَّه إذا باعها الأوَّل بعشرة ثُمَّ اشتراها من مشتريها منه بعشرة فردَّها بالعيب على هذا المشتري الآخر وطالبه بعشرة، كان من حق هذا أيضًا أن يردها عليه ويطالبه بعشرة، فيتقاصان وتبقى السلعة في يد من هي في يديه الآن وهو البائع الأوَّل. ولو كان اشتراها البائع الأوَّل بأقل من الثمن الذي باعها به، لكان من حق هذا البائع الثاني أن يطالبه ببقيَّة الثمن الذي دفع إليه، لأن من حقه لمَّا ظهر العيب أن يرد عليه وقد صارت السلعة قد ردَّت إليه بالشراء، أو كأنَّها ردَّت إليه بالعيب (^٢) وإذا ردَّت إليه بالعيب، طولب بالثمن.
وقد حاول بعض أشياخي أن يخرج في هذا اختلافًا من اختلاف عبد الملك وابن القاسم في امرأة خالعت زوجها بمال دفعته إليه، فبعد الخلع ظهر لها أنَّ بالزوج عيبًا يوجب لها الخروج من عصمته وردَّ نكاحه بهذا العيب. فقال ابن الماجشون لها أن ترجع عليه بما دفعته إليه. وقال ابن القاسم لا رجوع لها عليه. وسبب هذا الاختلاف أنَّ ابن الماجشون يرى أنَّها لمَّا أرادت التخلص منه، ولم تقدر عليه إلَاّ ببذل عوض في ظاهر الأمر، وكانت في باطنه قادرة عليه من غير دفع عوض، كان لها ارتجاع ما دفعت من العوض، لأنَّها لو علمت بالحكم وأنَّها قادرة على التخلص، لم تبذل له عوضًا على ذلك.
ورأى ابن القاسم أنَّها لمَّا دفعت ذلك باختيارها، مع إمكان رضاها بالعيب، لم يكن لها ارتجاع ما دفعت. فكذلك ها هنا لا يختار أن يكون هذا البائع الآخر لمَّا رضي أن يعيدها على بائعها بخسارة، وهو قادر على ألَاّ يخسر ويرد عليه بالعيب ويأخذ
_________________
(١) في النسختين: متساويان.
(٢) هكذا، ويبدو أن النص قد حرف ولعلَّ الصواب، وقد صارت السلعة وقد كأنَّها ردت
[ ٢ / ٦٤٥ ]
جميع ما دفع إليه من غير خسارة، فإنَّه لا يمكن من طلب هذه الخسارة، كما لا تمكن المختلعة من طلب ما خسرت بسبب الخلع. ويقدَّر على هذا المذهب أنَّ رجوعها بحكم الشراء ملك ثان محقق يستأنف من غير خلاف، وردَّها بالعيب إعادة لها على الملك الأول على أحد الطريقتين عندنا في كون الرد بالعيب نقضًا من أصله. وقد كنَّا أشرنا إلى ما قاله المخالف في أن اشتراءها لا يوجب تمكينه من الرد بالعيب، وما أشار إليه قوم من الأشياخ في تصحيح هذا المذهب وترددهم فيه.
لكن قد يقال عندي في الاعتذار عن ابن القاسم: إنَّ طريقة الأعواض في الخلع بخلاف طريقة الأعواض في البيع، ألا ترى أنَّها لو خالعت بخمر أو خنزير فأبطلنا ذلك ونقضناه أو بغير ذلك ممَّا يتملَّك ويجب نقضه، فإنَّا إذا نقضنا هذه المعاوضة لم ترد إلى الزوج، مع علمنا بأنَّه إنَّما ترك سبيلها وباع منها منافع بضعها بما بذلته له، ثُمَّ مع هذا حكم عليه برد ما أخذه عوضًا عن ذلك، ولم يمكَّن هو من ارتجاع ما دفعه عوضًا عن ذلك لحرمة الفرج، ولكون الطلاق إذا وقع وبانت الزوجة، لم يحل التراضي على التراجع واستباحة الوطء من غير شروطه الشرعيَّه. ولو تصوَّر مثل هذا في البيع المحض بأن باع إنسان عبده بخمر أو خنزير أو بجنين في بطن أمِّه فنقضنا البيع، ورددنا ما في يديه، لكان من حقِّه أن يرتجع عبده الذي عاوض به عن هذا. وكأنَّ هذه الحقوق ماليَّه إبطال أحد العوضين إبطال للآخر. (^١) والخلع ليس من الحقوق المالية المحضة، ولهذا أجيز وأمضي عقده بغرر وما (^٢) لا يجوز في عقود البياعات. فهذا يمكن أن يكون انفصالًا عمَّا ألزمه بعض أشياخي.
وهذا الذي صوَّرناه في مسألة العيب من ترادد هذا البيع ما بين هذين الرجلين محمله على أنَّ العيب تحقَّق قدمه. ولو كان مشكوكًا فيه هل هو قديم
_________________
(١) هكذا في النسختين، وما يقتضحه النص: ولأنَّ هذه الحقوق مالية فإبطال
(٢) هكذا في النسختين ولعلَّ الصواب: بما.
[ ٢ / ٦٤٦ ]
كان عند البائع الأوَّل أو حدث عند المشتري، لجرت فروع هذا على ما سنؤصله في حكم العيب المشكوك فيه.
وهو أنَّ العيب ربَّما أوجب ردَّ المبيع بعينه أو طلب بعض الثمن، وكلا الأمرين لا يثبت إلَاّ بيقين، وأمَّا مع الشك، فلا تجب غرامة ولا ينتقض عقد بيع. فمن طلب غرامة أو طلب نقض بيع، فهو المدعي وعليه البيِّنة، والآخر مدَّعى عليه فالقول قوله مع يمينه. ولهذا قال ابن الموّاز في هذه المسألة: إذا كان العيب مشكوكًا فيه، واشترى السلعة البائع الأوَّل بأقَّل، فالقول قوله في أنَّ العيب لم يكن عنده، لأنَّ المشتري منه يقول له: العيب كان عندك، فمن حقي أن أردَّ السلعة عليك، وها هي في يديك، فادفع إليَّ بقيَّة الثمن.
ولو اشتراها على هذا الذي ذكره ابن الموّاز بأكثر ممَّا باعها به، لكان هو الطالب لردها على البائع الآخر ليستردَّ منه ما زاده على الثمن بعد أن دفعه راضيًا به، ونحن على شك هل العيب كان عنده أو عند هذا المطلوب؟ فالقول قول المطلوب أيضًا لأنَّه تلزمه (^١) غرامة بالشك.
وهذا إذا كان الطلب في تقديم أحدهما للآخر.
وأمَّا إن تصوَّر الطلب منهما جميعًا، هذا في غرامة مال واسترجاعه، وهذا في حل عقد، فإنَّهما يحلفان جميعًا لما قلَّمناه من أنَّ الغرامة لا تكون بالشك، ولا ينحل أيضًا العقد بالشك.
ولو صوَّرنا الشك في هذا العيب في ثلاثة أحوال، وهي إمكان كونه عند البائع الأوَّل قبل أن يبيعه، أو عنده بعد أن اشتراه، أو حدث عند المشتري منه، وكان الاشتراء بأقل من الثمن، تحالفا جميعًا على حسب ما صوَّرناه.
وكذلك لو كان بأكثر، فإنَّه يجري على ما قدَّمناه من كون المخاصمة في طلب غرامة أو حل عقد أو فيهما جميعًا.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: لا تلزمه.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
والجواب عن السؤال الثامن أن يقال: إذا اشترى عبدًا آبقًا دلس البائع بإباقه فباعه المشتري، وهو لا يعلم بإباقه، فأبق عند الثالث فهلك بسبب إباقه، فها هنا حكم التبعيض المختلف بأنَّ البيعة الأولى التي دلس فيها بالإباق يجب على بائعها رد الثمن الذي قبض، والبيعة الثانية لم يدلس بائعها، فتجب قيمة العيب بهلاك المبيع. فها هنا اختلف المذهب في هذا، لمَّا اجتمع هذان الأمران المختلف حكمهما. فالأصل أن يرجع الثالث على الثاني بقيمة العيب، لأنَّ الأوسط الذي باع من الثالث لم يدلَّس فإنَّما عليه قيمة العيب. والأوَّل حكمه مع الثاني إذا وجب له القيام عليه أن يأخذ منه جميع الثمن.
هذا حكم كل واحد مع صاحبه على الإنفراد. فإذا اجتمع الثلاثة أشخاص، فقال ابن القاسم يؤخذ جميع الثمن من الأوَّل فيدفع إلى الثالث، إلَاّ أن يزيد هذا الثمن المقبوض من الأوَّل على ما دفعه الثاني من الثمن وعقد به، فإنَّ هذه الزيادة تكون للأوسط، لكون الآخر قد رجع إليه جميع الثمن الذي دفع، فالزيادة عليه لا حقَّ له فيها. أو يكون الثمن الذي يأخذ الأوَّل نقص عن قيمة العيب من الثمن الذي دفعه الثالث، فإنَّ من حق الثالث أن يرجع بتمام قيمة العيب على الأوسط الذي باع منه. كما كان ذلك من حقه لو انفرد. فكأنَّ ابن القاسم قدَّر في هذا أنَّ الثالث، وإن لم يدلس عليه من باشره بالبيع، فإنَّ المدلس على من باع منه يقدَّر مدلسًا عليه. وحكم من دلس عليه ها هنا أن يرجع بجميع الثمن. ويؤكد عنده كون الأول كالمدلس على الثالث، أنَّ الثالث يقول له: لو أعلمت الأوسط الذي باع مني بالإباق لأعلمني به، فلم أشتر هذا العبد منه، وإن لم يعلمني به، كان به مدلسًا علي، فأنت سبب في إتلاف الثمن علي. ومتلف الشيء بسبب يقتضيه بلا بدٍ كمتلفه بمباشرة، فلهذا قضي على البائع الأوَّل برد الثمن كلِّه وإعطاء الثالث ما لم يكن أكثر مما دفع الثالث أو أقلَّ من قيمة عيبه من ثمنه.
وذكر أصبغ أنَّ الثمن إذا أخذ من الأوَّل، دفع منه إلى الثالث قيمة العيب الذي يستحقه على الثاني لو انفرد به، وسلَّم. بقيته إلى الأوسط. فإما أخذ جميعه
[ ٢ / ٦٤٨ ]
من الأوَّل، كما قدَّمناه من التعليل، وإما اقتصاره، في هذه الرواية على ألَاّ يعطى منه الثالث إلَاّ قيمة العيب خاصَّة. فلأجل أنَّ الثالث لم يدلس عليه من باع منه، ولا يقدَّر أنَّ الأول كالمدلس عليه، لأنَّه وإنْ كان كالسبب في هذا، فإنَّ السبب إذا ضعف لا يؤثر، وإذا قوي أثَّر. وهو فيما بين الأوَّل والثاني. فلهذا وجب رد الأوَّل على الثاني ما قبض منه وهو ضعيف فيما بين الأوَّل والثالث، فلهذا لم يجب أن يرد على الثالث جميع ما دفع.
واختار ابن الموّاز مذهبًا ثالثًا وهو كون الأوَّل لم يضر الثاني بتدليس، فصار تدليسه لا تأثير له، على حسب ما علَّلناه في مذهب ابن القاسم فيمن باع عبدًا معيبًا فباعه مشتريه قبل أن يعلم بالعيب ثمَّ علم به، فإنَّه لا رجوع له على من باع منه، لكون هذا العيب لم يلحق المشتري منه ضرر لمَّا باع، على حسب ما قدَّمنا بيانه، فكذلك ها هنا لمَّا باع الأوسط ولم يبخس لأجل العيب شيء فيسقط حكم التدليس فيما بينه وبين البائع. وهذا الأوسط لمَّا باع هو غير مدلس أيضًا. فالتدليس لا يتصوَّر ها هنا. لكن كنَّا قدَّمنا في المسألة التي مثلنا بها ها هنا فيمن باع عبدًا اشتراه معيبًا أنه لا مقال له عند ابن القاسم ألَاّ (^١) يفوت العبد في يد مشتريه الثاني، فإنَّ المشتري الأوَّل إذا رجع عليه المشتري الآخر بقيمة العيب رجع هو أيضًا على من باع منه بما غرم من ذلك للحوق الضرر له بهذه الغرامة، أو بإكمال الثمن الذي دفعه أو قيمة العيب من الثمن الذي دفعه أيضًا، يرجع بالأقل من هذه الثلاثة أوجه على حسب ما قدَّمنا بيانه وتعليله. وكذلك يجب أن يكون للثالث أن يرجع ها هنا على الأوَّل المدلس بما كان يرجع به عليه الثاني إذ طالبه الثالث بالواجب في هذا، وهو الأقل ممَّا يغرمه الأوَّل للثالث ممَّا غرم الثالث، أو إكمال رأس ماله أو قيمة العيب من ثمنه. وكأنَّ ابن المواز قدَّر أنَّ حكم التدليس قد ارتفع لما بيَّناه، فلا يكون للأوسط في العيب مقال، إلَاّ أن يلحقه ضرر منه. فإذا لحقه الضرر أزيح ذلك الضرر بما يدفعه، وهو أحد هذه الوجوه الثلاثة.
_________________
(١) هكذا في النسختين ولعل الصواب إلا أن.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
ويقدح في المذهبين المتقدمين اللذين تضمَّنا إيجاب غرامة الأوَّل وجميع ما قبض، بأنَّ هذا الأوسط قد أخذ عوضًا عن هذا العبد الذي دلس عليه ودفع إليه جميع ما هو عوض إلَاّ الجزء الذي دلس به؛ لأنَّ ماله رجوع بقيمة ذلك.
وأمَّا أن يجتمع له أخذ عوض ما اشتراه ودلس عليه به بالرجوع بثمنه، فإنَّ هذا خلاف مقتضى الأصول وخارج عمَّا يجب في أحكام التدليس.
والجواب عن السؤال التاسع أن يقال: إذا اشترى عبدًا به عيب فباع نصفه قبل أن يعلم بعيبه، فإنَّ هذا النصف المبيع يجري حكم العيب فيه على ما قدَّمناه من الإختلاف في بيع ما بيع قبل أن يعلم بعيبه. فمذهب ابن القاسم أن لا مقال له فيه. ومذهب أشهب أنَّه يرجع بالأقل ممَّا نقص قبضه فيه كما دفعه فيه أو قيمة نصف العيب في هذا النصف، وعلى المذهب الثالث يرجع بقيمة العيب على الإطلاق. وأمَّا النصف الثاني يبدَّأ بالتخيير فيه بين أن يدفع نصف قيمة العيب المختص بهذا النصف الباقي، فيسقط مقال المشتري فيه، أو يقبله من المشتري بعيب الشركة والتبعيض الذي ذكره، فيكون المشتري مخير أبي ن أن يقبل هذا النصف بجميع الثمن، أو يرده ويأخذ نصف الثمن.
وكأنَّه يرى أن حكم الفوت إذا أوجب التخيير جعل التخيير في جنبة من لحقه الضرر. فإذا كان المشتري هو الذي يلحقه الضرر بغرامة تلزمه إذا ردَّ لكونه حدث عنده نقص، كان مخير أبي ن الرد والإمساك وأخذ قيمة العيب. وإن كان الضرر في الرد يختص بالبائع. كان البائع هو المبدَّأ بالخيار، فله أن يعطي نصف قيمة العيب ويمنع المشتري من الرد لأجل ما يلحقه من الضرر.
ولو قضينا للبائع بهذا فدفع نصف قيمة العيب ثمَّ ردَّ هذا النصف المبيع على المشتري الأوَّل الذي باعه، فإنَّ الأشياخ اختلفوا إذا دّعا (^١) أحدهما إلى نقض هذا الحكم ورد نصف قيمة العيب، وتخيير المشتري بين أن يقبل بجميع الثمن أو يرد. فمنهم من ذهب إلى أن ذلك حكم مضى ولا يرد. ومنهم من
_________________
(١) هكذا في النسختين ولعل الصواب إذا دعا.
[ ٢ / ٦٥٠ ]
ذهب إلى أنَّ هذا حكم إنَّما أمضي لعلة وهو ضرر البائع بالتبعيض، فإذا ارتفعت العلَّة، وجب ارتفاع هذا الحكم الذي تعلق بها.
وأشار بعضهم إلى أنَّ هذا نحو ما قدَّمناه من الاختلاف. وما حكيناه عن ابن حبيب من كون القاضي إذا منع المشتري لمَّا باع من القيام بالعيب ثمَّ استرجع المبيع، أنَّه لا يرده. وذكرنا عن الشيخ أبي محمَّد ابن أبي زيد قال: هذا بعيد من أصولهم، فكذلك ها هنا. وقد يقال: بل هذه المسألة آكد، لأجل أنَّ الذي ذكرناه ممَّا استبعده الشيخ أبو محمَّد كأنَّه قضيَّة وقعت بإقرأر وترك، وهذه وقعت لغرامة وفعل فيجب أن تكون آكد.
ولو أنَّ المشتري لهذا العبد لم يبع نصفه ولكن تصدَّق بالنصف، فإنَّ هذا النصف المتصدق به يجب للمتصدق أخذ قيمة عيب هذا النصف كما لو تصدَّق بجميع العبد. وأمَّا النصف الآخر فإنَّه يحكم فيه بما ذكرناه من تخيير البائع بين أن يعطي قيمة نصف العيب المختص بهذا النصف، أو يمتنع فيخيَّر المشتري بين رده وقبوله لأجل ما قدَّمناه من التعليل هكذا. وروى عيسى عن ابن القاسم وقال عيسى عنه أيضًا: إنَّ للبائع التخيير إليه إذا زاد الثمن زيادة بينة، قال: أنا أختار أن نبيع نصف قيمة العيب في النصف المتصدق به. كأنَّه قدَّر أنَّ هذا البائع لمَّا باع، وهو يعلم أنَّ المشتري منه يمكن أن يبيع كلَّ المبيع أو يبيع نصفه بأن التراضي بعيب التبعيض، فلا يقدم في التخيير.
وأما الفوت من ناحية الصدقة، فإنَّه لا يختلف فيه أنَّ من اشترى عبدًا ثمَّ تصدَّق به أو وهبه، فإنَّ له قيمة العيب لكونه خرج عن ملكه ولا يمكن رده، مع كونه لم يستدرك الظلامة بأن أخذ عن العيب ولا عن جهة العبد عوضًا.
وقد تتوزع في الهبة لو كانت من المشتري لهذا العبد المعيب على ولد له يمكن اعتصار هذه الهبة منه، فقيل: ليس له أخذ قيمة العيب لما كان قادرًا على ارتجاع العبد إلى ملكه من غير اختيار الموهوب، فكأنَّه على هذا التقدير لم يخرج عن يده ولا عن ملكه. والعبد إذا لم يخرج عن يده ولا تغيَّر في نفسه، فإنه لا يمكن من أخذ قيمة العيب. إلى هذا ذهب الشيخ أبو القاسم ابن الكاتب.
[ ٢ / ٦٥١ ]
وعلى تعليله لو كان ذلك صدقة لا يمكن اعتصارها لكان لهذا المشتري المتصدق أخذ قيمة العيب، لكونه غير قادر على ارتجاعه إلى ملكه، لكون الصدقة لا تعتصر. وذهب ابن حبيب إلى أنَّه يأخذ قيمة العيب إذا وهب لابنه لكونه الآن قد خرج عن ملك المشتري، وقدرتُه على أن يرتجعه إلى ملكه لا يثبت بها حكم مارجع إلى ملكه.
وقد اشتهر ما تقتضيه أصول المذهب من الاختلاف فيمن قدر أن يملك، هل يعد كالمالك أم لا؟ وهذا الذي نحن فيه جار على الخلاف في هذا الأصل.
فإذا تقرَّر أن الهبة توجب أخذ القيمة للعيب إذا كانت هبة لا تعتصر، فالعتق أيضًا أولى بذلك، وبكونه فوتًا يوجب أخذ قيمة العيب، لكون الملك قد خرج به من يد المشتري خروجًا لا يأخذ عنه عوضًا، ولا استدرك به الظلامة، وهو ميؤوس من رجوعه إلى الملك. فكان أحرى بكونه فوتًا. ولا اعتبار ها هنا لحصول الثواب عن العتق، وتقديره عوضًا جعل له، لأنَّ هذا العوض ليس من جنس ما أخذه منه البائع هو المقصود في التعاوض بالأملاك. مع كون الرقية السالمة من العيب أكثر أجرًا في العتق من الرقبة المعيبة. فمقدار العيب لم يحصل عنه عوض لا من ناحية أعواض الدنيا ولا من أعواض الآخرة. وإن كان ربَّما حصل عوض الآخرة من ناحية نيّه المعتق. فكذلك الكتابة هي أيضًا فوت لأنَّها في معنى العتق، فأجري عليها حكم العتق ها هنا. ولا أعتبار بما يأخذ من المكاتب من عوض، لأنَّ النجوم ليست بدين ثابت مستقر في ذمَّة المكاتب.
فالعوض الذي دفع للبائع قد حصل له، والعوض الذي يأخذ هو من المكاتب لم يحصل له ولا هو مستقر في الذمَّة. وكون المكاتب يرتجى عجزه وعوده إلى الملك لا يمنع من كون الكتابة فوتًا يوجب الرجوع بقيمة العيب؛ لأنَّا إنما نعلِّل البيع على مذهب ابن القاسم بأنَّه قد استدرك الظلامة، على ما تقدَّم بيانه، وها هنا لم يستدركها، كما بيَّناه، مع كونه غير قادر على التصرُّف في المكاتب، فصار ذلك العتق في تمكينه من طلب قيمة العيب. لكن هذا المكاتب لو عجز بعد ما أخذ مشتريه الذي كاتبه قيمة العيب لأجل كون الكتابة فوتًا، فإن بعض
[ ٢ / ٦٥٢ ]
الأشياخ قال: هذا حكم مضى لا ينقض. ويمكن (^١) من أراد نقضه وارتجاع قيمة العيب من ذلك.
وكذلك لو مرض المشتري وبلغ بموجبه السياق حتَّى وجبت قيمة العيب ثمَّ صحَّ العبد، فإنَّ ذلك أيضًا حكم قد مضى. وهذا قد قدَّمنا نحن اختلاف الأشياخ في مسألة لمَّا تكلَّمنا على من باع نصف عبد اشتراه واختار البائع أخذ قيمة العيب ثمَّ رجع النصف الآخر إلى المشتري، فما ذكرناه يجري ها هنا.
والجواب عن السؤال العاشر أن يقال: اختلف الناس فيمن اشترى أمة فوطئها، ثمَّ اطلع على عيب كان عند البائع، ولم يعلم به حتَّى وطئ، فمذهب مالك أنَّ ذلك ليس بفوت يوجب أخذ قيمة العيب. هذا المشهور عنه وعن أصحابه. لكن إن كانت الأمة بكرًا فافتضها، أنَّه يخيَّر بين أن يأخذ قيمة العيب لأجل ما يلحقه من الغرامة، أو يرد الأمَّة ويرد ما نقصها الافتضاض. وقال بعض المتأخرين: إنَّما ينقصها الافتضاض إذا كانت علية، وأمَّا إن كانت من الوخش، فإنَّ الافتضاض لا ينقصها. وهذا الذي قاله إن ثبت له من جهة العادة، فلا بدَّ من تقييد المسألة بما أشار إليه من كون الافتضاض يوجب التخيير في العليات دون الوخش. وأمَّا الافتضاض للوخش فكوطء الثيبات الذي لا يوجب التمكين من أخذ قيمة العيب. ولهذا قال الشافعي من كون وطء الثيِّب ليس بفوت ولا يوجب أخذ قيمة العيب. لكن لو كان ذلك في الأبكار فكان ذلك عيبًا فيهن لكان الحكم ما قدَّمناه عنه في حكم حدوث عيب عند المشتري وقد اطَّلع على عيب.
وذكر ابن حبيب عن ابن نافع وابن وهب وأصبغ أنَّهم يرون الوطء فوتًا يوجب أخذ قيمة العيب.
ولهذا قال أبو حنيفة ويذكر ذلك عن علي بن أبي طالب، ﵁، ذكره ابن حبيب وذكره بعض البغداديين من أصحابنا، ومن أصحاب الشافعي عن علي ﵁. وبه قال الليث وابن شهاب. وذهب عمر بن الخطَّاب رضي
_________________
(١) هكذا في النسختين ولعل الصواب ولا يُمَكَّن.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
الله عنه، إلى أنَّه ليس بفوت، كما ذهبنا إليه في الثياب (^١) وفصَّلنا القول فيه في الأبكار، ولكنَّه يوجب، مع تمكين الواطىء من الرد، غرامة صداق مثل الأمة.
وبه قال ابن أبي ليلى.
وذكر سحنون ﵁ عن بعض من ذهب إلى أنَّه ليس بفوت أنه يرد في الشيب نصف عشر قيمتها، وفي البكر عشر قيمتها. هذا جملة الخلاف في هذه المسألة. وأمَّا الذاهبون إلى أنَّ ذلك فوت يمْنع من الرد، فإنَّهم قد يذهبون لذلك أخذا بحماية الذريعة لمَّا كانت الفروج لا يحلُّ استباحتها إلَاّ بنكاح أو ملك يمين. وملك اليمين ها هنا قد بطل لأجل الرد بالعيب، وانحلَّ البيع من أصله، فحصل (^٢) الوطء كأنَّه في غير ملك ولا نكاح ها هنا. فوجب أن يتلافى هذا بإيجاب الصداق حتَّى يقدَّر بأنَّه وطئ بحكم استباحة النكاح.
واستبعد آخرون هذا التعليل لمَّا كان العيب من سبب البائع ولم يكن للمشتري فيه مدخل، والوطء حصل من المشتري بحكم الملك، لو شاء لأبقاه في يده على التأييد، فلا يلزمه عوض عنه، وإنَّما يقدر سقوط ملكه الآن لمَّا اختار ردَّه، لا سيَّما إذا قلنا: إنَّ الردَّ بالعيب كابتداء بيع. ولا معنى لحماية الذريعة لأجل أنَّ الذريعة إنَّما تجب في أمر دخل المتعاقدان فيه مدخلًا واحدًا، فيُتصوَّر إتَّهامُهما على التحيل على ما لا يحل، وعارية الفروج وإباحة الوطء.
بغير عوض دخل فيه مالك الأمة وواطئها. وها هنا لم يدخل الواطىء على هذا، فيبعد أن يظنَّ به أنَّه واطأ مالك الأمة على أن يزن له الثمن ثمَّ يرد بالعيب عليه ويظهر أنَّه لم يعلم به.
وقد كان بعض أشياخي يعلل في هذا أن الوطء إذا حصل على وجه يمنع من إباحة وطء الأمة لمن يملكها، أو يمنعه من التصرف فيها بحكم الملك التصرف المطلق، أنَّه يوجب على الواطىء إغرام القيمة، على ما سنبيَّنه في
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: الثيبات.
(٢) هكذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: فحصول.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
وطء أحد الشريكين أمة مشتركة بين الواطىء أو بين رجل آخر.
وقد احتجَّ بعض من ذهب إلى أنَّ الوطء ليس بفوت بأنَّ الأمَّة لو كانت ذات زوج فوطئها الزوج، فإنَّ وطأه لا يكون فوتًا. وهذا قد يجاب عنه بأنَّ استحقاق هذا الوطء كان عن عوض، وهذا أمر لم يُستحق بمجرد عقد شراء الأمة، فكان هذا بخلاف وطء مشتريها له الذي لم يُستبح إلَاّ بالعقد الذي قد فُسخ ورُدَّ بالعيب.
وقد أشار بعض أصحاب الشافعي إلى ضعف هذا الفرق، ورأى أنَّ ما يحدث عند المشتري من نقص بحكمه، وإن اقتضاه العقد. ومثَّل هذا بمن اشترى عبدًا سارقًا توجَّه عليه قطع يده في السرقة، ولكنَّه لم يقطع حتَّى اشتراه، فإنَّه إذا قطع عند المشتري، كان ذلك نقصًا مانعًا من ردِّه، وإن قدَّر أنَّ البائع كأنَّه باع العبد واستثنى هذه اليد كما يقدَّر في مشتري أمة ذات زوج أنَّ وطء الزوج كالمستثنى حين العقد.
وهذا الذي قاله في قطع هذا العبد السارق قد لا يسلمه أصحابنا، ويرون أنَّ للمشتري ردَّه بالعيب من غير غرامة لأرش اليد، لأن المشتري لم يدفع عنها عوضًا، فيكون له الطلب بقيمة هذا الجزء الذي قطع. وكذلك لا يكون للبائع المطالبة بأرش هذا الجزء الذي قطع عند المشتري، لأنه لم يملكه المشتري ولا عاوضه عليه، ويطالب (^١) به المشتري إذا ردَّ.
وقد اختلف الأشياخ المتأخرون من أصحابنا فيمن اشترى عبدًا به ورم، لم يعلم به، فزاد الورم عند المشتري، ثُمَّ اطلع عليه، هل على المشتري إذا ردَّ بالعيب أن يغرم قيمة ما زاد في هذا الورم أم لا؟ قال الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمان لا غرامة عليه. لأنَّه إنَّما ردَّ هذا المبيع لأجل العيب الذي نقصه/ بهذا الورم، فإذا كان الورم هو سبب الرد، ولأجله مُكَّنَ المشتري من حل العقد، فلا يطالب بغرامة هذه الزيادة. فإن كان البائع لم
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: فيطالب.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
يدلس بهذا الورم لأجل أنَّه لمَّا كان أصل الورم عنده قُدر كان نماءه عند المشتري كان عنده.
وخالفه غيره من الأشياخ في هذا، ورأى أنَّ المشتري مطالب بغرامة هذه الزيادة لما حدث عنده، والبائع لم يدلس بها، لأنَّه إذا دلَّس بها لم يطالب بعهدة هذا الورم، ولا بما كان عنه، كما لا يطالب بموت العبد من عيب دلَّس به، وإذا لم يدلس فإنَّ المشتري ضامن لجميع الأجزاء التي دفع إليه. فما ذهب منها طالب به كما يطالب بالجملة. وزيادة الورم تقدَّر كأجزاء ذهبت من العبد لفساد الجسم بهذا الورم.
فأنت ترى ما قاله الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمان من أنَّ المشتري لا يغرم هذه الزيادة، وإن لم تشترط عليه ولا علمْ بها هو ولا البائع منه، فكيف بهذا العبد المشترط أنَّه سارق قد حكم بقطع يده، فقد صار الدخول بهذا الشرط يدفع الطلب بهذا النقص بخلاف الورم الذي لم يعلم به البائع ولا المشتري.
والجواب عن السؤال الحادي عشر أن يقال: اختلف المذهب فيمن اشترى عبدًا فرهنه أو أجَّره، ثمَّ اطَّلع على عيب كان عند البائع.
فذهب ابن القاسم إلى أنَّ الردَّ بالعيب لمَّا امتنع لأجل حق المرتهن والمتسأجر بهذا العبد بقي حكم الرد للعبد الذي استحقَّه المشتري على الوقف.
فمتى رجع إلى يده، ردَّه إلى من باعه منه.
وذهب أشهب إلى أنَّه إذا لم يخلصه من الرهن معجلًا ولا من الإجارة، فإنَّه يحكم له بقيمة العيب. واختار ابن حبيب مذهب أشهب إذا بَعُد أمد تخليصه من الإجارة أو من الرهن. ومذهبَ ابن القاسم إذ قرب زمن تخلصه كالشهر ونحوه.
فكأنَّ ابن القاسم رأى أنَّ الحكم الرد بهذا العيب. فإذا لم يمكنه ذلك لما تعلَّق به من حق بقي الأمر موقوفًا، فإذا أمكنه الرد، حكم له بما تقرَّر من حقَّه في ذلك، لأنَّ المنع من الرد إنَّما كان لعلَّة، فإذا زالت زال حكمها، كما لو باعه
[ ٢ / ٦٥٦ ]
المشتري، فإنَّه عند ابن القاسم لا مقال له، فمتى ردَّ عليه، كان له رده على البائع، على حسب ما قدَّمناه فيما سلف، لا سيَّما والعبد المبيع خرج من ملكه ثمَّ عاد إليه، وهذا لم يخرج من ملكه بالإجارة والرهن، ولكنَّه حال بينه وبين الرد مانع، فأشبه اطلاعه على عيب في سلعة اشتراها وقد غابت عن يده، فلم يمكنه الرد الآن.
وكأنَّ أشهب قدَّر أنَّه لمَّا منع من التصرُّف في العبد الآن، صار ذلك كموت العبد في يده، أو خروجه عن يده بصدقة أو هبة أو كالكتابة التي توجب له أخذ قيمة العيب لمَّا منع من التصرُّف في العبد، وإن كان ممكنًا رجوعه إلى يده، لعجز العبد عن أداء الكتابة. وترجَّح ابن حبيب في هذا ورأى أنَّ أمد التخلص لهذا العبد إذا طال صار ما عقد فيه كعقد الهبة والصدقة، وإذا قصر صار كأنَّه يمكن رده الآن.
وقد أشار بعض الأشياخ إلى أنَّ تكليف مشتري العبد النظر في (^١) فكأنَّه قبل حلول أجل الدين يوجب له أخذ قيمة العيب، لأجل ما يتوجَّب عليه من غرامة دين لم يحلَّ عليه، فصار ذلك عذرًا له في تمكينه من طلب قيمة العيب، كما يمكن من ذلك إذا حدث عنده نقص لا يمكن به الرد إلَاّ مع غرامة قيمة النقص.
والجواب عن السؤال الثاني عشر أن يقال: أمَّا التبعيض للعقد من ناحية تعدّد من باع واشترى، فإنَّه:
إنَّ تعدَّد من ناحية من باع، مثل أن يبيع رجلان عبدًا لرجل واحد هو شركة بينهما، فإنَّ المشتري إذا اطَّلع على عيب فأراد أن يردَّ على أحدهما النصف الذي باعه منه ويمسك نصيب الآخر، فإن ذلك له، وتقدَّر الصفقة الواحدة ها هنا كصفقتين.
وأمَّا إن كان التعدد من ناحية المشتري، مثل أن يشتري رجلان عبدًا من
_________________
(١) هكذا في النسختين، والكلام غير واضح، والظاهر أنَّ في النص نقصًا.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
بائع واحد، فأراد أحدهما الرد وأراد الآخر أن يمسك، فإنَّ في هذا روايتين عن مالك. إحداهما أنَّ المشتري يمكن من ذلك. وبه قال الشافعي ومحمد بن الحسن وأبو يوسف. والرواية الأخرى رواها أشهب عنه أنَّه لا يمكن من ذلك.
وبه قال أبو حنيفة. وسبب هذا الإختلاف النظر في هذه الصفقة والعقد الواحد هل يقدر كصفقتين وعقدين أو كصفقة واحدة وعقد واحد.
فمن قدَّره كصفقتين، مكَّن أحد الشريكين من رد نصيبه، وإن لم يرد شريكه.
ومن رآه كصفقة واحدة، لم يمكنه من الرد.
فيحتج من رآه كصفقتين بأنَّ التعدد إذا كان من ناحية البائع، كما مثلَّنا به في المسألة الأولى، أنَّ الصفقة تعد كصفقتين، ولهذا مكن المشتري الواحد أن يردَّ على أحد البائعين. وكذلك إذا كان التعدد من ناحية من اشترى.
وأجيب عن هذا القياس بأنَّ التعدُّد إذا كان من جهة من باع، فإنَّ المشتري لعبد من رجلين إذا ردَّ على أحدهما نصف العبد وهو جميع ما اشتراه منه، هل يلحق هذا البائع مضرَّة في تبعيض صفقته إذ لا علاقة بينه وبين شريكه في هذا وملكه يتبعض عليه. وإذا كان التعدد من جهة من اشترى، فإنَّ أحد المشتريين لهذا العبد إذا ردَّ نصيبه على بائعه هو رجل واحد تبعَّضت عليه صفقته، والتبعيض إضرار به، فوجب أن يكون من حقِّه الامتناع من هذا الضرر.
ويؤكِّد كون العقد الواحد صفقتين أيضًا أنَّ كلَّ واحد من المشتريين مختص بحكمه في العهدة والمطالبة بما عليه من الثمن، إلى غير ذلك من أحكام العقود. وكذلك يجب أن يخصَّ حكمه في العيب ويكون ذلك صفقتين.
ومن يرى ذلك كالصفقة الواحدة يقول: لو باع رجل من رجلين عبدين، فأراد أحدهما أن يقبل أحد العبدين المتساويين، وأراد الآخر ردَّ العقد، فإنَّه لا يمكن مَنْ قَبِلَ أحد العبدين من هذا القبول. وهذا يقتضي كون الصفقة ها هنا واحدة لا تقدَّر كصفقتين، إذ لو قدَّرت كذلك، لمكن هذا من أخذ أحد
العبدين.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
وأجيب عن هذا أيضًا بأنَّ هذا البائع لو باع منهما عبدين صفقة، فكأنَّه إنَّما باع من كلِّ واحد نصف عبد من كلِّ واحد من العبدين، فليس لأحد المشتريين أن يتحكَّم على البائع ويجمع هذين النصفين في عبد واحد. وقد كنَّا قدَّمنا الكلام على مسألة من اشترى عبدًا فباع نصفه ثمَّ اطلع على عيب، وذكرنا أنَّ ابن القاسم قال هناك: إنَّ البائع يبدَّأ بالتخيير بأن يغرم نصف قيمة العيب في النصف الباقي في يد المشتري لما يلحقه من الضرر في التبعيض عليه.
وقد يقال ها هنا أيضًا: إن من حق البائع أن يغرم لأحد الشريكين قيمة ما يخص به من العيب لأجل ما يلحقه من ضرر التبعيض.
وقد احتجَّ من نصر إحدى الروايتين من تمكين أحد المشتريين، بأنَّ البائع لمَّا عقد من رجلين، وقد علم أنَّه يختلف اختيارهما، صار كالراضي بعيب التبعيض.
وقد يقال ها هنا: إنَّ البائع لما جوَّز أيضًا أن يبيع المشتري منه نصف العبد الذي اشتراه، لم يطلع على ما يوجب له الرد فدخل على التبعيض. لكن قد يقال: هذا التجويز والإمكان من مقتضى العقد في أصله، والمشتريان عبدًا من رجل واحد قد تضمَّن أصل العقد تمكين كل واحد منهما من اختياره لعلم البائع بتعددهما، فهذا ممَّا ينظر فيه.
وأمَّا إن كان التبعيض من ناحية المبيع مثل أن يوجد العيب في بعض ما بيع دون بعض، فإنَّه لا يخلو أن يكون ذلك في أحد مبيعين بيعا أو في واحد من أعداد بيعت. ثمَّ لا يخلو هذان القسمان من أن يكون جنس المبيع ممَّا لا يكال ولا يوزن، أو ممَّا يكال ويوزن، وهو طعام أو غير طعام.
فأمَّا إن كان البيع اثنين، مثل أن يبيع عبدين، وجد العيب بأحدهما دون الآخر، فإنَّه إن كانا متكافئين ينوب كل واحد منهما نصف الثمن، فإنَّه لا يمكن المشتري إلَاّ من رد المعيب خاصَّة، ويلزمه العقد في العبد السالم لأنَّ العقد
[ ٢ / ٦٥٩ ]
صحيح لازم. والموجب لرد (^١) العيب، والعيب مختص بأحدهما، فيجب أن يختص الرد به.
وكذلك إن تفاوتت قيمة العبدين فكان العيب موجودًا بأدناهما، فإنَّه لا يمكن المشتري من ردِّ الآخر الذي هو سالم من العيب بما ذكرناه من التَّعليل.
وإن كان العيب موجودًا بالأعلى منهما، فإن للمشتري أن يردَّ السالم الذي هو أدناهما لما يلحقه من الضرر باقتصاره في العقد على الأدنى، وانفساخ العقد في الأعلى الذي هو وجه صفقته والغرض المقصود منهما.
وإن كان المبيع أعدادًا مثل أن يبيع عشر ثياب فيجد العيب في أقلها، فإنَّه لا يمكن من رد أكثرها. وإن وجد العيب في أكثرها، فإنَّه يمكن من ردَّ أقلها.
وذكر أشهب في المدونة فيمن اشترى عشر شياه، فوجد تسعة منها غير ذكيَّة، أو عشر قلال خلا فوجد تسعة منها خمرًا، أنَّه يلزمه العاشر الذي يصح عقد البيع فيه.
وهذا قد يسبق إلى النفس منه أنَّه يرى أنَّ من اشترى عبدين فوجد العيب بأعلاهما، أنه يلزمه الأدنى الذي هو الأقل في الصفقة، كما لزمه ها هنا العاشر من القلال أو الشياه.
لكن بعض المتأخِّرين أشار إلى منع هذا التخريج، وقصر الخلاف بينه وبين ابن القاسم على أنَّ ذلك ممَّا ينقسم، والعشرة المذكورة أعداد يصح انقسامها، فلهذا قال فيها أشهب ما ذكرناه عنه، والعبدان اللذان تختلف قيمتهما لا يصح انقسامهما، فلهذا لم يُلزم الأدنى منهما إذا وجد به عيب أو استحق.
وأشار غيره من أشياخنا إلى هذه الطريقة أيضًا في ارتفاع الخلاف بين أشهب وبين ابن القاسم في هذا بأنَّ العبدين يقصد في عقد الشراء كون الأدنى منهما تبعًا للأعلى. فإذا بطل المقصود بطل العقد. والذي ذكره في الشياه
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: للرد.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
والقلال محمله على أنَّ القلال والشياه متساوية أو متقاربة، ففقد أكثرها لا يبطل غرض المشتري في بقيَّتها. هذا هو الحكم من ناحية المشتري وما يتعلَّق له بالعقد من حق. ويستوي في هذا الحكم جميع أجناس المبيع الذي قدَّمنا تفصيلها. وإن اختلف في تحديد الأقل والاكثر فيها.
وأما النظر في هذا العقد من ناحية البائع، فإنَّه إذا لم يتوجه للمشتري الرد بجميع ما وقع علي العقد، لكون المعيب قليلًا، فإنَّه إن وافقه البائع على هذا (^١) الذي هو الحكم من جهة المشتري لم يتغيَّر ما قدَّمناه من الجواب. وإن خالفه، وقال: إذا قصرت على الإستمساك بالأدنى أضرَّ ذلك بي، لكون السالم من الصفقة يحمل المعيب. فإنَّه إن كان المعيب طعامًا مكيلًا أو موزونًا، فإنَّ من حق البائع أن يمنع المشتري من التبعيض، ويطالبه بأن يمسك الجميع، السالم والمعيب، أو يرد الجميع. وكذلك إن كان المبيع مِمَّا يكال ويوزن ولكنَّه ليس بطعام كالحرير والكتان، فإنَّ الحكم فيه كالحكم في الطعام في كون البائع من حقِّه أن يمنع من التبعيض. وإنَّما يختلف المكيل والموزون إذا كانا طعامًا أو حريرًا أو كتانًا في تحديد الأقل، فإنَّ الطعام الثلث فيه كثير في الإستحقاق ومن اشترى مائة قفير قمحًا فاستحق ثلثها، فإنَّ له عند ابن القاسم ردَّ بقيتها، بخلاف من اشترى مائة ثوب فاستحقَّ ثلثها أو نصفها، فإنَّ ما لم يستحق منها لازم للمشتري. والعلَّة عنده في ذلك أنَّ الطعام يرغب في شرائه جملة، في مقتضى العادة، فكان ذهاب الثلث منه في حكم الكثير المُذهب لقصد المشتري. ولو كان الذاهب منه يسيرًا كالخمس، فإنَّه لا مقال له لقلَّة الضرر بالتبعيض بهذا المقدار.
وذهب أشهب إلى المساواة بين الطعام وغيره ورآه كالعروض في تحديد الأقل والأكثر، وإنَّ استحقاق النصف منه لا يوجب للمشتري ردَّ الباقي الذي لم يستحق. ولو كان المبيع حريرًا أو كتانًا وشبه ذلك مما يكال ويوزن، فإنَّه
_________________
(١) بياض بمقدار كلمة، ولعللها: الأستمساك.
[ ٢ / ٦٦١ ]
يعتبر الأقل فيه والاكثر بحسب ما يعتبر في العروض في حكم الاستحقاق.
وكأنَّ العلَّة التي ذكرناها في الرغبة في شراء الجملة مختصَّة بالطعام دون العروض التي تكال أو توزن.
ولو كان العيب الموجود في الطعام يختص بقدر لا مقال له فيه، فإنَّ الشيخ أبا محمَّد ابن أبي زيد منع ها هنا أن يكون للبائع مقالًا في التبعيض، ورأى أنَّ من حق المشتري أن يرد هذا المعيب خاصَّة لقلَّة ثمنه، فيخفَّ الضرر ها هنا بالبائع من ناحية التبعيض، بخلاف ماله قدر وبال. وقد قدَّر بعض الأشياخ هذا الذي أشار إليه ابن أبي زيد بعشرة أرادب من مائة أردب.
ولو كان الطعام لم يبع على الكيل والوزن وبيع صبرًا، وهو جنس واحد، لجرى مجرى الطعام المكيل والموزون فيما ذكرناه من أحكام العيب الموجود ببعض الصبر، وأحكام تحديد القلَّة والكثرة.
وقد جعل ابن المواز الطعام الجزاف، بخلاف ما قلناه في المكيل، في أنَّ استحقاق النصف منه لا يوجب للمشتري مقالًا في الباقي. قاله في مسألة من باع صبرتين أو حملين واستحقَّ أحدهما. والقياس ألَاّ فرق بين مكيل الطعام وجزافه إذا كانت الرغبة في شراء جملته أشد. فلو كانت مختلفة كشعير وقمح، لجرت مجرى العروض، لكون كل صبرة الغرض منها غير الغرض من الأخرى.
وأمَّا إذا كان المبيع عروضًا مثل أن يبيع عبدين فيوجد العيب بأدناهما.
فيريد المشتري ردَّه خاصَّة ويمنعه من ذلك البائع ويعتل بأنَّ المعيب والسالم يحمل بعضهما بعضًا، فإنَّه لا مقال للبائع في ذلك، بخلاف ما ذكرناه في الطعام.
ورأى بعض أشياخنا أنَّه لا فرق بين العروض في هذا والطعام. وذكر أنَّ الدّاودي ذكر أنَّ العيب إذا وجد ببعض الصفقة، فإنَّ للبائع أن يمنع من التبعيض، كان العيب في أكثرها أو أقلَّها. وتعلَّق أيضًا بما وقع في المدوَّنة من أنَّ المشتري إذا وجد في صفقته ما يضر به في أكثر عدده ووزنه وكيله فأراد أن يمسك السالم بحصَّته من الثمن، فليس له ذلك. وقدَّر أنَّ للبائع فيه مقالًا في أن
[ ٢ / ٦٦٢ ]
يحمل السالمُ المعيب كون السالم هو الأقل، فأحرى أن يكون للبائع مقالًا في أن يحمل الأكثر هو السالم عيب أقل الصفقة إذا كان هو المعيب. ويتعلَّق بذكر الموزون والمكيل مطلقًا من غير تخصيص بأن يكون طعامًا. وقد قدَّمنا عن غيره أنَّ الموزون والمكيل يحمل بعضها بعضًا في العيب، بخلاف العروض.
وإذا توجَّه للمشتري ردَّ الأقل لبطلان أكثر الصفقة، فإن أراد الإمساك ورضي ببطلان غرضه في الاستحقاق، فإنَّه يمكن من ذلك إذا كان الذي يتمسَّك به معلومًا مقداره من الثمن بأن يكون المبيع وقع على قيل أو وزن، فإنَّه يعلم إذا استحقَّ من ذلك أكثر أجزائه ما يختص بالجزء الذي يستحق. فأمَّا إن كان ممَّا لا يعلم مقداره، كاستحقاق أعلى عبدين فيها، فإنَّه يمنع من الإستمساك بالعبد الأدنى الذي لم يستحق عند ابن القاسم، لأنَّه لمَّا ملك ردَّه صار استمساكه به كابتداء اشترائه بثمن مجهول، لأنَّه لا يستمسك به على (^١) أنَّ ثمنه مقدار ما يختص به من ثمن جميع الصفقة وذلك مجهول.
وأجاز ذلك ابن حبيب وقدَّر أنَّه لمَّا لم يختر المشتري ردَّ ما بقي في يديه، فإنَّ استمساكه به بحكم العقد الأوَّل الذي كان ثمن العبدين جميعًا فيه معلومًا، ولم تضر الجهالة في أصل العقد بما ينوب كلَّ واحد من العبدين لمَّا كانا لمالك واحد، فكذلك لا تضر هذه الجهالة الواقعة بعد صحَّة العقد، لأن العقد لم ينحلَّ بالرد. ألا ترى أنَّ هذا العبد الذي لم يستحق لو مات في يد مشتريه، كان ضمانه منه لكون البيع فيه منعقدًا حتَّى يردَّه المشتري.
وقد يجري هذا الخلاف على الاختلاف الذي ذكرناه في جمع سلعتين لرجلين. وقد ذكرنا سبب الخلاف في موضعه.
وقد قيل إنَّ مقتضى ما يشير إليه أشهب ما ذهب إليه ابن حبيب ها هنا. لكون أشهب أجاز في مسألة المدونة فيمن اشترى طوقًا ذهبًا فأصاب به عيبًا أن يصالح عن العيب على دراهم مؤخَّرة. وقدَّر أنَّ الطوق لمَّا لم يُردَّ بالعيب، صار
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: إلَاّ على.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
ما دفع من الدراهم المؤجَّلة إنَّما هو عوض عن ترك المخاصمة لا كاستئناف عقد يتصوَّر فيه الربا. وذكر أيضًا أشهب في من غصبت له أمة فولدت الأمة فباع الغاصب بعض أولادها، أنَّ لمن غصبت منه بيع (^١) ما بيع من أولادها دون ما سواهم مع كونه قادرًا على أن يستردَّ الجميع أو يأخذ ثمن الجميع، فقد وقع منه التبعيض للعقد بثمن مجهول. وقد وقع في الموّازيّة فيمن اشترى عبدين فوجد بكل واحد منهما عيبًا، فإنَّ له رد أحد العبدين والتمسك بالآخر. وهو إذا تسمك بعد قدرته على رده، فإنَّما تمسَّك به على أن يكون عوضه ما ينوبه من الثمن الذي دفعه عن جميع العبدين فلم يعتبر هذا لما كان أصل العقد عليهما صحيحًا، وإنَّما حدثت هذه الجهالة بعد صحَّة العقد ووجبت الأحكام فيها كما ذكرناه من رد أو إمضاء.
وقد ذكر في المدوَّنة فيمن باع شاتين مذبوحتين فوجد إحداهما غير ذكيَّه، أنَّ ذلك بمنزلة الطعام إذا بيع فاستحقَّ بعضه فإنَّ له ردَّ الذكيَّة، على حسب ما قدَّمناه في الطَّعام في استحقاق بعضه، وله أن يتمسَّك بالذكيَّة بحصَّتها من الثمن. وقد كنَّا قدَّمنا من أصله أنَّه إذا قدر على الرد، منع من الإستمساك بثمن مجهول. وقد قال يبيح لا يعجبني قوله: له أن يحبسها، فأشار إلى أنَّه خالف أصله في هذا. لكن الشيخ أبو محمَّد ابن أبي زيد استدرك هذا الجواب بان قال محمَّد (^٢) ما قال على أنَّ هاتين الشاتين بيعتا على الوزن وهما متقاربتان في السمن. فإذا استمسك بالذكيَّه، فقد استمسك بثمن معلوم، لكون الموزون إذا استحقَّ بعض أجزائه، كان ثمن الأجزاء الباقية معلومًا، فلا يمنع مانع من جواز الإستمساك بها. وهكذا تأوَّل الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمان هذه المسألة على أنَّ البيع وقع على الوزن. وأنكر أبو القاسم ابن الكاتب هذا التأويل ورأى أنَّ ظاهر الكلام في المدوَّنة يقتضي بيعها جزافًا لكونه اقتصر على كونهما مذبوحتين. وظاهر ذلك أنَّهما لم يسلخا وأنَّ رأسيهما باقيان، فلهذا عرفت
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: إمضاء بيع.
(٢) هكذا في النسختين ولعلَّ الصواب محمل ما قال.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
الذكيَّة منهما. فإذا كانتا كذلك، فالبيع عقد على شخصيهما على ما هما عليه دون وزنهما مع كونهما يختلفان غالبًا في اختلاف الأجرام والسمن اختلافًا يوجب التقسيط للثمن والتقويم لهما. وقد حاول ابن القصَّار أن يخرج من هذه المسألة قولًا آخر في المذهب في صفقة جمعت حلالًا وحرامًا. أنَّ البيع يصح في حلالها دون حرامها. ويقدَّر العقد ها هنا كعقدين منفردين. وكان مقتضى المعروف من المذهب ها هنا ألَاّ يمكن هذا من الإستمساك بالشاة الذكيَّة، لكونها وإن كانت حلالًا، يجوز بيعها على انفرادها، فإنَّ مضامتها في البيع إلى شاة غير ذكيَّة يوجب فساد العقد كله في الذَّكيَّة وغير الذكيَّة. كما قال في المدوَّنة في كتاب النكاح فيمن عقد على أم وابنتها. وللأم زوج لم يعلم به العاقد، فإنَّ النكاح يفسخ في المرأتين جميعًا، وإن كانت البنت يجوز العقد عليها منفردة في مستقبل الأمر، لا سيَّما مع كون العقد على (^١) يؤثر في البنت لكون الأم ذات زوج، وذات الزوج العقد عليها كالعدم.
خلافًا لما أشار إليه بعض الأشياخ من التفرقة بين المسألتين لكون العقد على البنت يؤثر في العقد على الأم ويقدح فيه لتعلق تحريم بعضه ابن كاح بعض على الصفة المذكورة في كتاب النكاح. ولا تعلق لتحريم الشاة الغير الذكيَّة بالشاة الذكيَّة، ولا يسري تحريم إحداهما أو إباحته إلى الأخرى.
ومن الأشياخ من يشير إلى أنَّ فسخ جميع العقد إنَّما يجب إذا أجمل بثمن واحد. وأمَّا إذا سمي للحلال ثمنه وللحرام ثمنه، صارا كالعقدين.
وقد كنَّا قدَّمنا الكلام على هذه المسألة مبسوطًا ومذاهب فقهاء الأمصار فيها. ومنهم من يشير إلى أن مسألة كتاب النكاح قد تحمل على أنَّه قد جهل الفساد أحد المتعاقدين، وعلم إحداهما بالتحريم فيه (^٢) اختلاف، هل يوجب الفسخ أم لا؟ وكذلك يجري الأمر في مسألة الشاتين إذا علم أحد المتعاقدين
_________________
(١) هكذا في النسختين، ويظهر أنَّ هناك سقطًا، ولعلَّ الصواب، على الأم لا يؤثر.
(٢) هكذا في النسختين، ولعلَّ الصواب، وعلم أحدهما بالتحريم، وفيه
[ ٢ / ٦٦٥ ]
بالتحريم. وقال سحنون في مسألة الشاتين: إنَّ البيع فاسد. وكذلك لو عقد على قلَّتين يعتقد أنَّهما خلَّ فظهر أنَّ إحداهما خمر. وهكذا يذهب فيمن (يزوج امرأة شخص اعتقد أنَّه عبد، فإذا به حر، النكاح عنده يفسخ). (^١) ولم يعذر في هذه العقود بالجهالة بالتحرلم، ورأى أنَّ الحر والميتة والخمر ممَّا يحرم العقد عليه شرعًا، فلا تأثير لجهل العاقد أو علمه في هذا إلَاّ من ناحية رفع الإثم عن الجاهل.
وقدَّر ابن القاسم أنَّ الجهل في هذا يعذر به في تصحيح العقد على ما يحل. وأنَّ الذي وجب فسخه يقدَّر كالاستحقاق لمَّا ارتفع الإثم ها هنا عن الجاهل بتحريم بعض المعقود عليه. والاستحقاق لبعض المبيع لا يحرم الاستمساك بما لم يستحق. وكذلك ما فسخه الشرع ها هنا من المحرَّم يقدَّر كأنَّه استحقَّ بالشرع. وتصوَّرنا في هذه المسألة أنَّ الشاة الذكيَّة علمت على الجملة دون التعيين، يوجب فسخ بيع الجميع لكون الحلال لم يتميَّز من الحرام. فلو أمضينا البيع في إحداهما، لأمكن أن يصادف هذا الإمضاء الشاة الغير ذكيَّة. ولو أكل المشتري إحداهما، والأمر كذلك، لم يلزمه إلَاّ ربع ثمنها، لكون الباقية منهما يجب فسخ البيع فيها فثمنها يسقط، والأخرى المأكولة يمكن أن تكون هي الذكيَّة، فيجب غرامة جميع ثمنها، ويمكن أن تكون ليست هي الذكيَّة، ويسقط جميع ثمنها، فكان الواجب لاستواء جانب البائع والمشتري أن يقتسما هذا الثمن نصفين، كما يقسمان ما لا يدعيانه ولا يد لأحدهما عليه. وهذا وإن كانت يده على هذه المأكولة، فإنَّه قد علم أنَّ يده عليها إنَّما كانت من يد البائع أخذها منه بثمن. ولو وقع البيع في قلال يعتقد أنَّها خل، فوجد بعضها خمرًا فشغل المشتري عن التحاكم فيها إلى أن تخلَّلت وثبت ذلك بالبيِّنة. فان الأبياني قال: ثمن هذه التي تخلَّلت يسقط عن المشتري. ولكنَّ الشيخ أبا محمَّد ابن أبي زيد إستدرك هذا الكلام عليه، وتأوَّل أنَّه إنَّما يصح على أنَّ هذه القلال التي
_________________
(١) ما بين قوسين كلام غير واضح.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
تخلَّلت، تردّ على بائعها. وإذا ردَّت عليه وجب سقوط ثمنها عن المشتري.
وهذا الذي استدركه عليه ابن أبي زيد يمكن أن يكون الأبياني لم يُورده، لكون هذه القلال التي كانت خمرًا عند العقد لا ملك للبائع عليها، ولا يستحق فيها على هذا المشتري لو أتلفها، ولا يصح حيازته لها. فإذا ارتفع ملكه عنها حين العقد وحيازتها، لم يبقَ إلَاّ أنَّ الله سبحانه خلَّلها وهي في يد مشتريها فصارت حلالًا. فكأنَّ الله سبحانه وهبه رزقًا من عنده، كطائر يسقط بداره، أو ماء أنبعه في أرضه، أو سقط طائر في أرض مباحة فسبق هذا إلى اصطياده وأخذه.
وهذا عندي ممَّا ينظر فيه. ولعلَّنا أن نبسط القول في صحَّة الحيازة للخمر في موضعه إن شاء الله تعالى.
ولو قدَّرنا أنَّ الحيازة تصح للبائع، لأمكن أيضًا أن يقال: إذا تخلَّلت عند المشتري ولم يُقض بها له ووجب ردها على البائع، فهلَّا كان من حق البائع أن يلزم المشتري ثمنها، ويكون ذلك كعيب ذهب عن المبيع قبل رده بالعيب. فإن قيل: فإنَّ المبيع المعيب إذا ذهب عيبه قبل الرد فإنَّه حلال قبل العقد وفي حين العقد وبعد العقد. وهذا في حين العقد هو في نفسه حرام، فلا يصح إمضاؤه ويقدر أنَّ ذلك كعيب ذهب.
قيل: قد قدَّمنا أنَّ مذهب ابن القاسم أنَّ الجهل بهذا المحرَّم عذر في كونه لا يفسد الحلال الذي ضامَّه، وأنَّه يجري مجرى الإستحقاق ببعض المبيع.
فكذلك يجب أن يقدَّر أيضًا أنَّه كمباح بيع وهو معيب فذهب عيبه قبل الرد.
لكن قد يقال أيضًا ها هنا: إنَّ المتعاقدين لو علمًا بالتحريم، لصحَّ العقد فيما هو حلال على أحد المذاهب. فماذا جهلًا ذلك، كان أحرى في تصحيحه.
وها هنا إنَّما تقدَّم الإمضاء فيما هو محرَّم لنفسه لا لأجل غيره. فكان أشد في منع إمضاء العقد فيه. وكأنَّ هذه التفرقة تمنع من تشبيهه بعيب ذهب.
ولو كان المبيع قد فات بعضه واستحقَّ ما بقي منه أو ردَّ بعيب، فإن
[ ٢ / ٦٦٧ ]
الفائت إن كان هو الأقل، فإن ردَّه لأجل بطلان الصفقة لا سبيل إليه لفوته، لكونه لمَّا علم أنَّه لو كان قائمًا، كان للمشتري نقض البيع فيه، على حسب ما تقدَّم، فإنَّ المشهور من المذهب أنَّه يمضي البيع فيه بحصَّته من الثمن، فإذا كان البيع عقد على عبدين أحدهما تبع للآخر وفات الذي هو التبع، نظر إلى قيمته من قيمة صاحبه الذي ردَّ بالعيب أو استحقَّ. فإن كان في حكم التقويم ربع الصفقة، مضى فيه بربع الثمن وردَّ البائع من الثمن الذي قبض ثلاثة أرباعه، وهو ما قابل المردود بالعيب أو المستحق. وكأنَّ هذا قدَّر أنه لما استحال ردُّ عينه لفوته، امتنع أيضًا لاستحالة رده نقض البيع فيه، لأن البيع إنَّما انتقض فيه إذا كان قائمًا لكون المشتري بطل غرضه. وقد يكره بقاءه منفردًا في ملكه ويتعذً ر بيعه عليه. وإذا فاتت عينه وجبت المحاسبة في الثمن إذا كان عينًا دنانير أو دراهم. وإذا وجبت المحاسبة فلا معنى لرد قيمته عوضًا عن عينه، لأنَّ العين إذا كانت باقية، ردَّت لأجل ما قلناه من فقد غرض المشتري. وهذا الغرض الذي اعتبرناه قد بطل لما فات واستحال رده. وقيل: بل يرد قيمته، بالغة ما بلغت، لكون القيمة عوض العين. وهكذا قال ابن المواز، فيمن باع شاة عليها صوف فجزَّه وأتلفه، إنَّ الشاة إذا ردَّها بعيب ردَّ مثل الصوف أو قيمته ما بلغت، وكأنَّ من ذهب إلى هذا رأى أنَّ الذهاب إلى إمضاء البيع فيه، مع إمكان وجوده (^١) المغابنة فيه حين العقد، إلزام المغابنة للمغبون، مع بطلان غرضه في الصفقة. وهو يحتج بأنَّ المغابنة إنَّما سهلت عليه لأجل ما حصل له من جملة الصفقة. فإذا بطل غرضه لم يلزم المغابنة، فإنَّا لو قدَّرنا أنَّ الثَّمن مائة دينار والقيمة حين العقد ثمانون دينارًا، وألزمنا المشتري إمضاء البيع عليه في العبد الأدنى الذي فات، أسقطنا رجوعه بخمسة وعشرين دينارًا إذا ألزمناها له، وهو إنَّما التزمها لحصول غرضه في الجملة، كنَّا أضررنا به، فكان الأولى أن يردَّ قيمة الفائت عوضًا من رد عينه.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: وجود.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
وهذه الرواية الثانية هكذا ينقلها الأشياخ أنَّ قيمة الفائت ترد قيمة مطلقة.
وبعض أشياخي يقيدها بأنَّه إنَّما يرد القيمة إذا كانت أقل من الثمن. فأما إن كانت قيمة هذا الأدنى أكثر ممَّا ينوبه من الثمن المسمَّى لم يلزمه إلَاّ ما ينوبه من الثمن المسمَّى. فاعتبر في عوض هذا الفائت الأقل ممَّا ينوبه من المسمَّى أو قيمته.
وعندي أنَّه إنَّما سلك هذه الطريقة لكون الرد من حق المشتري لبطلان جلَّ صفقته لاحقًا عليه. فإذا كان الثمن أقل من القيمة، كان من حقِّه أن يتمسَّك به، ولا ينقض البيع فيه إذا كان الثمن الذي تمسَّك به معلومًا عند ابن القاسم.
وعند ابن حبيب له إمساكه ولو كان الثمن مجهولًا. وها هنا لمَّا وجبت المحاسبة والتقويم، ردَّ البيع فيه أو أمضاه، لم يمنع من التزام المبيع فيه.
وإذا تقرَّر هذا فإنَّ ابن المواز رأى أنَّ فوته إنَّما يحصل بعيب مفسد أو ذهاب عيب. (^١) وأمَّا حوالة السوق فيه فلا تمنع من رده، لأن الرد بالعيب لا تمنع منه حوالة الأسواق. فلمَّا ردَّ العبد الأعلى الذي هو وجه الصفقة بالعيب، صار عيبه كأنَّه موجود في العبد الأعلى لأجل عيب تبعيض الصفقة.
وبعض أشياخي يرى أنَّ ظاهر مذهب ابن القاسم فوته بحوالة السوق، لأنَّه لمَّا ردَّ مع كونه سالمًا من العيب، صار ردُّه كاستحقاق ارتجاع عرض دفعه عوضًا عن عرض استحقَّ من يديه، فإنَّ حوالة السوق تفيته، على ما سنبيَّنه إن شاء الله تعالى. فإذا وجبت المحاسبة في الفائت على صفة ما ذكرناه فاختلف في صفته. فذكر البائع صفة إذا قوَّمت، كان الفائت ثلث الصفقة، وذكر المشتري صفة إذا قوَّمت كانت ربع الصفقة. فإنَّ البائع إن كان نُقد الثمن كله، فلم يختلف المذهب في أنَّ القول قوله في صفة الفائت. وإن كان لم ينقد فإنَّ ابن القاسم ذهب إلى أنَّ القول قول البائع أيضًا. وذهب أشهب إلى أن القول قول المشتري. والذي ذهب إليه أشهب هو الذي اختاره ابن الموّاز. والذي
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعلَّ الصوات: عين.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
ذهب إليه ابن القاسم هو الذي اختاره الشيخ أبو الحسن بن القابسي. فأمَّا ابن القاسم فإنَّه يعتل بأنَّ المتبايعين قد اتفقا على عمارة ذمَّة المشتري بمال معلوم، والمشتري يدعي سقوط بعضه عنه فلا يصدق في ذلك، كما لا يصدق إذا أقرَّ بدين وادَّعى قضاء عنه فلا يصدق.
ويعتل أشهب بأنَّ العيب أو الاستحقاق لمَّا ثبت، تضمَّن سقوط بعض الثمن وبعضِ ما قابله في أصل البيع. وإذا ثبت انتقاص بعض الثمن أو اختلفا في مقدار ما انتقص منه، وكان البائع لم ينتقد، فإنَّ المشتري مصدق، لكون الأصل براعة ذمَّته، فقدَّر أنَّ ما انتقص ممَّا لم ينتقص هو المصدق فيه لكونه غارمًا، والغارم هو المدَّعي عليه. فإذا كان البائع قد اتقد، صار مطلوبًا برد بعض ما قبض بعد صحَّة حوزه له، فكان هو المصدَّق له لكونه هو المدَّعي عليه.
وقد كنَّا قدَّمنا اختلاف أهل المذهب في الرد بالعيب، هل هو نقض للبيع من أصله أو هو كابتداء بيع الآن؟ فإن قلنا: إنَّه نقض للبيع من أصله، حسنت هذه التفرقة التي فرَّق بها أشهب بين كون المقر بالدين المدعي لقضائه لا يصدق، لأنَّ القضاء ليس بنقض للبيع من أصله.
وسنتكلَّم في كتاب الوكالات على مسألة من باع حمل طعام فردَّ نصف حمل بعيب وقال: هو جميع ما اشتريت. وننبَّه على أن من ادَّعى توزيع الثمن وتقسيطه وأنَّ بيع هذا الذي أحضره المشتري شيئًا آخر بيع معه، فهو المدَّعي أيضًا.
فإذا تقرَّر ما ذكرناه في أحكام الاستحقاق، فإنَّ المبيع لو كان عددًا كثيرًا مثل أن يبيع عشرة أعبد فيستحق رجل جزءًا من جميعها كالثلثين أو الثلث، فإنَّها تقسم. فما أخرجه القسم للمستحق نظر فيما بقي في يد المشتري، هل هو أكثر الصفقة أو أقلَّها على ما تقدَّم بيان حكمه؟
ولو كان البيع في عروض بعروض مثل أن يبيع عبدًا بثوبين أحدهما تبع
[ ٢ / ٦٧٠ ]
للآخر فاستحقَّ الثوب الأدنى، فإنَّه يجب ارتجاع ما قابله من العبد، فإن كان الثوب الأدنى هو ربع الصفقة، انتقض البيع في ربع العبد.
لكن اختلف المذهب في هذا الانتقاض، هل يرجع من استحقَّ الثوب من يده في عين العبد، فيكون شريكًا في ربعه أم لا؟ فقال أشهب: يرجع شريكًا بربع العبد. وروي عن ابن القاسم مثل هذا. ولكنه قال: إذا حكم بهذه الشركة، صار لمشتري العبد الخيار في ردِّة لأجل ما طرأ عليه فيه من شركة. والشركة عيب توجب تمكينه من رده.
ورأى بعض أشياخي أنَّ أشهب، وإن أطلق الجواب بالشركة، فإنَّ قصده بذلك ما أشار إليه ابن القاسم من كون المشتري العبد يثبت له الخيار لأجل عيب الشركة.
وبعض الأشياخ يشير إلى كون أشهب لا يثبت لمشتري العبد خيارًا.
وكأنَّه يقدر أن الإستحقاق أو العيب لمَّا جاء من قبله في أحد الثوبين، لم يكن له مقال فيما طرأ من عيب في العبد، كأنَّ ذلك من سميَّة (^١). وإن كان المشتري المشير إلى هذا من الأشياخ، ضعف هذا الاعتلال.
ولو كان العبد قد فات، فإن الرجوع إنَّما يكون في قيمته إذا حال سوقه أو فات بغير ذلك. وإذا عاد الرجوع في قيمته، صارت قيمته كثمن بيع به عروض.
وقد قدَّمنا أنَّ الأدنى إذا فات اختلف فيه، هل يمضي بحصَّته من الثمن أو يرد قيمته عوضًا منه، وكذلك يجري الأمر ها هنا أيضًا، يختلف في هذا، هل يرد قيمة الثوب الفائت إذا استحقَّ الأعلى، أو يرد بعيب ويأخذ جميع قيمة عبده، أو يمضي الفائت بما ينوبه من قيمة العبد في أصل العقد، على حسب ما تقدَّم بيانه.
ولو كان العبد هو المستحق أو المردود بالعيب، فإنَّ الحكم فيه يجري على ما قدَّرناه من هذه الأصول فيرتجع ثوبيه إن كانأ قائمين أو قيمتهما إن كانا
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: سببه.
[ ٢ / ٦٧١ ]
فائتين. وإن فات أحدهما فهو جار على ما قدَّمناه وبيَّناه. وذلك يغني عن إعادته ها هنا.
قال القاضي أبو محمَّد ﵁: قبل هذه الجملة التي نقلناها من كلامه: إلَاّ أن يكون البائع دلس بالعيب، فيكون للمشتري رده من غير أن يؤخذ بما نقصه. إلَاّ أن يكون بتصرف (^١) فيه قد أتلفه بوجه لا يتصرَّف الناس بمثله، فليس له إلَاّ الأرش. وكذلك إن تلف العبد من العيب الذي دلس به البائع، لم يضمنه المشتري ورجع بالثمن.
قال الإِمام ﵀: يتعلَّق بهذا الفصل أربعة أسئلة منها أن يقال:
١ - لم كان المدلس بالعيب يضمن المبيع إن هلك من العيب؟
٢ - وما حكم (من عيب) (^٢) يحدث عند المشتري وقد دلس البائع؟
٣ - وما حكم زيادة تحدث عند المشتري؟
٤ - ومتى تعتبر القيمة في زيادة عند المشتري؟
فالجواب عن السؤال الأوَّل أن يقال: إذا باع عبدًا، وقد أبق عنده، فكتم عن المشتري منه إباقه، فأبق هذا العبد عند المشتري فهلك هذا العبد بسبب الإباق، مثل أن يخشى من الطلب أو يدركه سيده فيتردى من جبل فيهلك، أو يكتمن في غار هلك فيه بسبب اكتمانه، فإنَّه يجب على بائعه رد جميع ثمنه، لأجل أنَّه لمَّا علم هذا العيب الذي هو مهلك للعبد فلم يبينه للمشتري حتَّى أهمله المشتري ولم يحرسه، فإنَّه غرَّه غرورًا أتلف على المشتري به ماله.
والغرور المتلف للمال يضمن به الغار، ولو كان قولًا مجردًا، فكيف بهذا وقد أخذ عوضًا عن مبيع صار في حيِّز ما لا ينتفع به، والمشتري إنَّما دفع الثمن على ما ينتفع به، فإذا كان لا ينتفع، ارتجع ثمنه. بخلاف من لم يعلم بالعيب حتَّى
_________________
(١) هكذا في النسختين، وفي غ والغاني: بتصرفه.
(٢) هكذا في النسختين، ولعلّ الصواب حسبما تدل عليه الإجابة: وما حكم نقص مفيت.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
باع، فإنَّه لم يغر ولا صار كالقاصد لإتلاف مال المشتري، فلم يجب عليه سوى قيمة العيب.
وذكر الطحاوي أنَّ الشافعي يرى أنَّ البائع لا يضمنه وإن مات العبد من عيب دلس به. قال: لأنَّه لو أعتقه عن واجب ثُمَّ مات لأجزأ عنه. فأشار إلى أنَّ الإجزاء في العتق يدل على أنَّ المشتري قد استقرَّ ملكه عليه لمَّا كان له الرضى بالعيب والضمان من المالك.
والإنفصال عن هذا هو ما قدَّمناه من كون البائع قد غرَّه فأتلف ملكه وماله.
والذي ذكره الطحاوي في العيب يفتقر إلى تفصيله. لأنَّا لا نرى إجزاء عتق الرقبة المعيبة في الكفَّارة.
فإذا تقرَّر أنَّ تلف العبد إذا كان بسبب التدليس، فإنَّ البائع عليه رد الثمن.
وإن مات فإنَّه إذا كان الموت ليس من سبب العيب الذي وقع به التّدليس ولا علاقة بينه وبينه، فإنَّ البائع لا يلزمه إلَاّ قيمة العيب الذي دلس به لأنَّه لم يتلف مال المشتري مباشرةَّ ولا بسبب فعله. لكن اختلف المذهب في هذا العبد الآبق الذي باعه سيده فأبق عند المشتري فمات على صفة لا يعلم ارتباطها بالإباق وكون الإباق مسببًا فيها، مثل أن يعرض له سوء مزاج من قبل نفسه، ومن قبل ما ليس للإباق سببًا فيه، فإنَّ المشهور من المذهب كون البائع مطلوبًا برد الثمن. وقال ابن دينار: لا مطالبة عليه بجميع الثمن لكون الإباق ليس هو السبب في قتله.
فكأن أهل المذهب المشهور رأوا أنَّه بنفس الإباق وجب على البائع رد الثمن على أنَّه مات في إباقة أو بقي على الحياة، لكون الإباق حال بين المشتري وبين جميع منافع العبد التي عليها عاوض بالثمن. وكان هذا المنع من جميع منافعه من جهة البائع وتغريره بالمشتري فوجب عليه رد الثمن. بخلاف هلاكه من عيب حدث به لا تعلق له بالإباق الذي حال بين المشتري وبين جميع المنافع التي عاوض عليها.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
فكذلك لو كان عبدًا سارقًا دلس فيه بعيب السرقة وكتم ذلك عن مشتريه، فإنَّه إن سرق عند المشتري من مال رجل أجنبي فقطعت يد العبد، فإنَّ المشتري يرد العبد ويرجع بجيع الثمن ولا غرامة عليه في اليد التي قطعت، لأنَّ قطعها إنَّما كان من جهة البائع الذي كتم عن المشتري سرقته ودلس عليه بها. وإن كانت سرقته دون النصاب أو من غير حرز حتَّى يسقط القطع فيها، فإنَّها تصير كجناية جناها عند المشتتري بسبب تدليس سيده. فللمشتري نقض البيع وتعود المطالبة بين المسروق ماله وبين البائع المدلس.
ولو كان هذا العبد إنَّما سرق من مال مشتريه الذي اشتراه أو لم يعلم بكونه سارقًا، فإنَّ المذهب على قولين: هل تتوجَّه المطالبة بهذه السرقة أم لا؟ فذهب ابن حبيب إلى أنَّ المطالبة بهذه السرقة ساقطة، لكون هذا العبد إنَّما جنى على مال سيِّده الذي هو على ملكه فلا مطالبة عليه. ورأى مالك وسحنون أن المطالبة تتوجَّه. واختلف في محلِّها من العبد. وسبب هذا الاختلاف في ثبوت المطالبة أو سقوطها، أنَّه قد علم أنَّ العبد إذا جنى على أجنبي فأتلف ماله من غير أن يكون صاحب المال أذن لهذا العبد في وضع يده على هذا المال، فإنَّ العبد مطلوب بهذه الجناية. وإذا جنى على مال سيِّده فالعبد غير مطلوب.
وها هنا وقع إشكال من ناحية أبينها لك. وذلك أنَّ المشتري قادر على رد هذا العبد إلى ملك سيده ونقض البيع فيه. وهو لو ردَّه، ثُمَّ بعد رده أتلف مال هذا المشتري، فإنَّه مطلوب بغير خلاف. فمن قدَّر أنَّه ها هنا لمَّا كان مالكًا للرد، صار حكمه حكم من ردَّ، ألزم المطالبة بهذه الجناية. ومن رأى أنَّه لمَّا خيّر بين أن يرد العبد أو يمسكه، صار قصارى ما فيه أنَّه ملك أن يملك الرد.
ومن ملك أن يملك لا يعد مالكًا على أحد القولين، فسقط على هذا المطالبة، لكونه إنَّما جنى ماله على ماله، وهو قبل أن يرد باق على ملكه. وإن قلنا: إنَّه بقدرته على الرد، صار مالكًا للرد، وكأنَّه قد رد، لالتفت أيضًا إلى أصل آخر، وهو ما اشتهر من الخلاف في الرد بالعيب، هل هو كابتداء بيع فيكون هذا العبد
[ ٢ / ٦٧٤ ]
إنَّما أتلف مال سيِّده. لكن قد يلتفت مع هذا أيضًا إلى كون هذا التالف لسيِّده فيه مشاركة بالتدليس، فيضاف فعل العبد إليه. ولكن إنِّما يتعلَّق بالعبد الفاعل بأن يخرج من ملك سيِّده إن لم يفتده. فهذا وجه التحقيق عندي في هذه المسألة. وأمَّا سبب الخلاف فيها مع القول بتوجه المطالبة، هل تتعلَّق برقبة العبد أو بذمَّته فنبسط القول فيه في موضعه إن شاء الله تعالى، إذا تكلَّمنا على سبب الاختلاف إذا أودع وديعة فأكلها، أو التقط لقطة فأكلها، فإنَّه أذن له في وضع اليد على هذا المتناول، وكأنَّ هذا الإذن إذن في التصرف، فيكون ذلك جناية في رقبته. وقد علم أنَّ إتلافه من غير إذن أصلًا يكون في رقبته، وإتلافه مع الإذن في وضع اليد دون التصرف وقع فيه هذا الإشكال، هل هو كإذن في التصرف ووضع اليد، أو كعدم الإذن فيهما، فينظر ما يغلب في حكم هذين الموضعين على صاحبه.
ولو كانت السرقة لم يدلس بها، لم يكن للمشتري أن يرد هذا العبد إلَاّ بعد أن يغرم قيمة يده. ولو كانت سرقة لا قطع فيها، لكان له الخيار في أن يأخذ قيمة العيب، ويتولَّى هذا العبد بنفسه. فيمكن من أخذ قيمة العبد لما يلحقه من خسارة في العبد إذا أراده.
وقد تنازع الأشياخ في عيب كتم بعضه وبيَّن بعضه. مثل أن يبيع عبدًا قد أبق له سنة، فيقول للمشتري أبق شهرًا.
فقال الشيخ أبو بكر ابن عبد الرحمان إن هلك العبد في مدة الشهر، فلا مطالبة على البائع، لكونه هلك بسبب عيب قد بيَّنه. وإن هلك بعد الشهر ضمنه بائعه. فكأنَّه أعطى لما كتم حكمه لو تجرَّد.
وخالفه غيره، ورأى الأقل (^١) حكم الأكثر. فإن كان المكتوم هو الأكثر، صار كمن كتم الإباق كله. وإن كان المبين هو الأكثر، صار كمن بيَّن الإباق كله. وكأنَّ هذا قدَّر أنَّه قد ورد في الشرع إجراء حكم الأكثر على الأقل، كما قيل في ثمرة أبو بعضها، أو زرع سقي بالدلو وبماء السماء، إلى غير ذلك مما
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: للأقل.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
ألحق فيه الأقل بحكم الأكثر، وكذلك هذا.
ومنهم من ذهب إلى أنَّ الواجب في ذلك قيمة العيب المكتوم. وكان (^١) قدَّر أنَّ بعض مدَّة الإباق تبعث المشتري على حراسته وضبطه، فيكون البائع غير معين على تلفه.
وقد كنَّا قدَّمنا اختلاف الأشياخ أيضًا فيمن باع عبدًا به ورم، فلم يدلس بالورم، فزاد الورم عند المشتري، فقال الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمان: لا يضمن المشتري هذه الزيادة لكونه إنَّما ردَّ المبيع بسبب أصلها وهو مبدأ الورم. وخالفه غيره.
وكذلك كنَّا قدَّمنا أيضًا، إذا دلس على المشتري بعيب فباعه هذا المشتري قبل أن يعلم بعيبه من آخر، فهلك بسبب العيب المدلس به عند المشتري الثاني، وقد ذكرنا أنَّه قد قيل: ينزع الثمن كله من الأوَّل، ويقدر كونه مدلسًا على الآخر لما دلَّس على المشتري منه.
وقد حاول بعض أشياخي أن يجري هذا الاختلاف في هذه المسألة التي قدَّمناها فيمن دلس في عبد باعه بعيب فمات بسبب ذلك العيب، وقد كان المشتري أعتقه أو وهبه أو كانت أمة فولدت منه، فإنَّه قد قال في المدوَّنة عن المشيخة السبعة: إنَّه يرتجع من البائع الثمن.
وحاول بعض أشياخي أن يجري في عتق هذا العبد أو هبته ما قدَّمناه من الخلاف في المسألة التي ذكرناها الآن وأحلناها على ما تقدَّم، وهي من باع عبدًا آبقًا دلَّس فيه بالإباق، فباعه مشتريه قبل أن يعلم بإباقه من مشتر آخر، فمات عند المشتري الآخر. وكأنَّ من قال: ينتزع الثمن من البائع، يرى ها هنا ما قاله المشيخة السبعة. ومن قال: لا يكون للمشتري الآخر إلَاّ قيمة العيب، يقول ها هنا: لا يكون له بعد العتق والهبة إلَاّ قيمة العيب المدلس به، لكون هذا العبد قد خرج من ملكه، فيجب أن يجري فيه من الخلاف ما جرى في خروجه
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: وكأنَّ هذا.
[ ٢ / ٦٧٦ ]
من ملكه عن معاوضة. وقد كنَّا نحن قدَّمنا في تعليل هذا ما يقتضي كون هذا التخريج ممَّا يفتقر إلى نظر.
ولو اختلفا في وجود الإباق عند المشتري فقال المشتري أبق مني فعليك رد الثمن، وقال البائع: بل أنت أخفيته لتسترجع مني الثمن، فإنَّ القول قول المشتري. قال مالك ﵁: لأنَّه ادَّعى ما يشبه، والظالم أحق أن يحمل عليه. وهذه منه إشارة إلى كون البائع () (^١) بهذا العيب يقتضي تصديق المشتري، لكون هذا الفعل الذي ادَّعاه المشتري قد تقدَّم من العبد، وتقدُّمه من العبد، وكونه قد أبق، يقتضي أنَّه فعل ذلك الآن كما فعله فيما سلف. ولو تحقَّقنا أنَّه أبق لوجب رد الثمن إذ كان البائع مدلسًا. فكذلك إذا كان الظاهر أنَّه أبق مع كون البائع ظالمًا ينبغي أن يحمل عليه. كما قيل في أحد القولين فيمن اغتصب صرَّة فيها دنانير، أنَّ القول قول المغصوب منه في مقدارها، لكون الغاصب ظالمًا، فهو أحق أن يحمل عليه.
وعلى ما قرَّرناه في أنَّ من دلَّس بعيب فهلك المبيع بسبب العيب، أن المشتري يرتجع الثمن، يجب ذلك فيمن اشترى من رجل شعيرًا ليزرعة وبيَّن للبائع أنَّ مراده به ذلك، فزرعه المشتري وثبت أنه لم ينبت، فإنَّ البائع يرد جميع الثمن على المشتري لكونه أتلفه عليه بغروره وتدليسه. لكن لو اشترى منه هذا الشعير، ولم يذكر له أنَّه يريده ليبذره، ولا تفاهما ذلك من قرائن الأحوال تفاهمًا يقوم مقام الاشتراط، فإنَّ البائع لا يلزمه رد جميع الثمن، وإنَّما تلزمه قيمة العيب. واعتلَّ ابن حبيب لهذا بأنَّ الشعير قد يشترى لا لشيء واحد وقد باء البائع بالإثم إن علم أنَّ شعيره لا ينبت فكتنم ذلك. فأشار إلى أنَّ البائع لا يحل محلَّ المدلس الذي هو سبب في إتلاف المبيع على المشتري، لأنَّه قد يعتذر بأنَّه قد يتحقَّق أنَّه أراده للزريعة وظنَّ أنَّه أراده للأكل، فلهذا لم يوجب عليه رد جميع الثمن. فإن قيل: فلم أثمه إن علم أنَّ الشعير المبيع لا ينبت فكتم ذلك؟
_________________
(١) بياض في (و) مقداره كلمة - وهي غير واضحة في المدنية. والأقرب أن تكون: مدلسًا.
[ ٢ / ٦٧٧ ]
قيل: لأجل تجويزه أنه قد يريده لزراعة، فكان من حقِّه أن يبين هذا للمشتري لئلًا يقع فيه، ويكون التأثيم من باب وجوب صيانة مال المسلم.
وقد قيل: إنَّ الذي ذكره من الاقتصار على أخذ قيمة العيب إذا لم يعلم البائع أنَّه لا ينبت، إنَّما هذا إذا كان وجود مثل الشعير الذي لا ينبت متعذَّرًا، وأمَّا إذا وجد فإنَّما عليه رد مثله.
وإذا كان لم يشترط أنَّه يريده للزراعة فثبت أنَّه لا ينبت، فإنَّ على البائع قيمة هذا العيب. وإن كان قد يشترى الشعير لغير شيء واحد كما قال ابن حبيب. لكن الإخلال ببعض هذه المنافع ينقص من ثمن الشعير إذا اطلع عليه المشتري.
ولو كان المبيع إنَّما هو من هذه البذور التي إنَّما تراد لتزرع، لم يفتقر إلى اشتراط المشتري كونه يريدها للزراعة. ويحل العلم بذلك محلّ الاشتراط في شراء الشعير أنَّه يراد للزراعة. فيلزم رد الثمن أيضًا إذا علم البائع أنَّها لا تنبت فدلس بذلك فزرعها المشتري فلم ينبت.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: إذا اشترى رجل من رجل ثوبًا فتصرَّف فيه المشتري تصرفًا أحدث به نقصًا، فإنَّه لا يخلو أن يكون ذلك النقص مما يصير المبيع كالتالف عينه، مثل أن يشتري ثوبًا فيقطعه خرقًا، أو مما في معنى ذلك مما لا يراد له الثوب غالبًا، فإنَّه إذا فعل ذلك، لم يكن له إلَاّ قيمة العيب، سواءً كان البائع مدلسًا أو غير مدلس. لأنَّه إن كان غير مدلس، فقد فات المبيع عند المشتري، فليس له إلَاّ قيمة العيب. وإن كان البائع مدلسًا، فقد فات المبيع أيضًا عند المشتري بفعله وإتلافه له، فلم يجب على البائع رد جميع الثمن لكونه غير متلف للمبيع. بخلاف ما قلناه فيمن دلس بالإباق فأبق العبد فهلك، فإنَّ البائع يرد جميع الثمن لكون تلف المبيع من سببه.
وأمَّا إن قطعه قطعًا جرت العادة به، مثل أن يشتري مقطعًا فيقطعه ثوبًا، ثُمَّ يطلع على عيب كان عند البائع، فإنَّ المشتري بالخيار كما قدَّمناه بين أن
[ ٢ / ٦٧٨ ]
يأخذ قيمة العيب أو يرد الثوب. وما نقصه القطع، إذا كان البائع غير مدلس بالعيب الذي اطلع عليه المشتري بعد أن قطعه. وأمَّا إن كان البائع مدلسًا، فإنَّ المشتري لا يلزمه غرامة هذا النقص الذي هو القطع، لكون البائع كالآذان له فيه؛ لأنَّه لما دلَّس بالعيب، وعلم أنَّ للمشتري الرد به، وأنَّه قد يقطعه، صار البائع هو السبب في قطعه فلم يكن له مطالبة به، وصار هذا النقص منه، كما تكون منه مصيبة العبد الآبق إذا دلس بإباق فأبق عند المشتري فمات بسبب الإباق. فإذا لم يلزمه غرامة هذا النقص، لم تكن له المطالبة بأخذ قيمة العيب الذي كان عند البائع، لأنَّا قدَّمنا فيما سلف أنَّ المشتري إذا اطلَّع على عيب بالمبيع بعد أن حدث عنده نقص فيه، أنَّه لم يثبت له الخيار في أن يأخذ قيمة العيب ويتمسَّك بالمبيع، لكونه لا يمكنه رد المبيع بالعيب إلَاّ بخسارة تلحقه، وهي غرامة ما نقص أو خسارة تقدَّمت له في المبيع، على حسب ما قدَّمناه فيمن اشترى أعجميًا فعلمه صنائع بإجارة بذلها على أحد القولين. فإذا لم يكن على هذا القاطع للثوب الذي دلَّس عليه البائع بعيبه غرامة في القطع، لم تكن له المطالبة بقيمة العيب، على ما أصَّلناه. وهكذا قال ابن المواز في هذا: إنَّ المشتري بالخيار بين أن يرد ولا شيء عليه للقطع، أو يتمسَّك ولا شيء له.
لكن وقع في المدونة فيمن اشترى ثوبًا فقطعه أو صبغه صبغًا ينقصه، ثُمَّ اطَّلع على عيب، أنَّ له أن يأخذ قيمة العيب أو يرد ولا شيء عليه. أمَّا قوله: يرد ولا شيء عليه، فهو جار على الأصل الذي قدَّمناه من أنَّ المشتري لا يطالب بالنقص إذا دلس عليه بعيب، على حسب ما قدَّمناه. وأمَّا قوله: أن يأخذ قيمة العيب، فهو جار على الأصل لما قدَّمناه من أنَّ المشتري إنَّما يمكن من أخذ قيمة العيب متى لحقه الضرر بخسارة إن ردَّ، وهذا لا يلحقه خسارة في الرد. وهكذا قال أصبغ في أصوله: لا يكون هذا في التقطيع. وأشار إلى ما أشار إليه ابن المواز.
وقد تأوَّل بعض المتأخرين مسألة المدوَّنة على أنه إنَّما اقتصر في الجواب على أحد الموضعين المذكورين في السؤال وهو صباغ الثوب، فإنَّ صباغه قد
[ ٢ / ٦٧٩ ]
أدَّى فيه ثمنًا، فيكون له (^١) أخذ قيمة العيب لئلَّا يخسر هذا الثمن الذي أدَّاه في الصباغ. وهذا التأويل فيه تعسف وخروج عن ظاهر ما في المدوَّنة لأنَّه ذكر في السؤال القطع والصبغ. وأجاب عنهما جوابًا واحدًا. ولهذا تأول الشيخ أبو موسى بن مناس المسألة على أن التقطيع أدَّى فيه المشتري ثمنًا لمن فضَّل له الثوب، فقد يفتقر التفصيل إلى إجارة، مثل تفصيل الثياب الرفيعة من ديباج وغيره، فإنَّ تفصيلها يفتقر إلى علم، فلم (^٢) يعلمه يستأجر عليه من يعلم.
وأشار بعض أشياخي إلى هذا (^٣) التأويل إنَّما يستقل تخريجًا على أحد القولين فيمن اشترى عبدًا أعجميًا علَّمه صناعة أدَّى في تعليمها ثمنًا، فإنَّ له أخذ قيمة العيب لئلَاّ يخسر ما أدَّاه في التعليم، لمَّا كان ما أداه في التعليم لم يحصل منه عين قائمة في المبيع. وكذلك يجري الأمر فيما أدَّاه في التقطيع.
ويمكن عندي أن يقال في هذا أنَّ الغالب في المقطع أن يفصل، والغالب في التفصيل أن يؤدى عليه أجرة. ولو ردَّ على بائعه صحيحًا لأدَّى في تفصيله أجرة، فقد كفاه المشتري مؤونتها، فوجب أن يكون له مقال لأجل ذلك بخلاف تعليم العبد الأعجمي.
وقد حاول بعض أشياخي أيضًا إجراء المسألة على ظاهرها والإستغناء عن التأويل لها، فقال: أما رأي مالك أنَّ من لم يدلس بالعيب للمشتري أن يتخيَّر عليه ويأخذ منه قيمة العيب، فمن دلَّس وظلم، أحرى أن يؤخذ منه قيمة العيب، ويمكن المشتري من ذلك، لكون البائع ظالمًا، والظالم أحق أن يحمل عليه.
وهذا الذي قاله يهدم ما أصَّلناه من أنَّ علَّة تمكين المشتري من أخذ قيمة العيب الضرر الذي يلحقه بالخسارة، وها هنا لا خسارة عليه، فلا يصح تمكين المشتري من المطالبة بقيمة العيب. وقد قيل في المذهب المشهور: إنَّ من لم
_________________
(١) اعتمدنا نسخة المدينة في إثبات ما ذكر من قوله: له أخذ قيمة العيب إلى قوله. وكذلك. وذلك لسقوطه من نسخة المكتبة الوطنية.
(٢) هكذا، ولعلَّ الصواب: فمن لم
(٣) هكذا، ولعلَّ الصواب: إلى أنَّ هذا.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
يدلس بالعيب، واطَّلع المشتري منه على عيب، وحدث عنده عيب إن أسقط البائع عن المشتري قيمة العيب الحادث عنده، لم يمكن من المطالبة بقيمة العيب الذي كان عند البائع لسقوط الغرامة التي من أجلها كان له المطالبة بقيمة العيب الذي كان عند البائع. هذا مع كون المشتري قد وجب له التخيير قبل أن يسقط عنه البائع قيمة العيب الحادث عنده، فكيف بمن لم تجب عليه غرامة لأجل التقطيع.
وعلى هذا الأسلوب يجري القول فيمن باع جارية بكرا دلس بعيب فيها، فافتضَّها المشتري ثُمَّ اطَّلع على عيب بعد افتضاضها، فقال الشيخ أبو القاسم بن الكاتب إنَّه لا يلزمه قيمة الافتضاض، كما لم يلزمه قيمة تقطيع الثوب، لكون البائع كالآذن في الإفتضاض لما دلَّس بالعيب، كما قرَّرنا في التقطيع. قال: وقد ذكرنا أنَّ الرواية: وجوب مطالبة المشتري بقيمة الافتضاض إذا ردَّ الجارية بالعيب، ولو كان البائع مدلسًا.
وحاول بعض أشياخي أن يجري هذا على القولين، فإنَّه قد علم أنَّ من اشترى ثوبًا دلَّس فيه البائع بعيب فلبسه المشتري، فإنَّه إذا ردَّه ردَّ معه ما نقصه اللباس، وإن كان البائع مدلسًا، لكون المشتري قد انتفع باللباس وصان به ماله.
ولو لم يلبس هذا لبس ما عنده من الثياب فينقصها بلباسه كما نقص هذا. وعلم أيضًا أنَّ التقطيع لا غرامة عليه فيه إذا دلس البائع بالعيب لمَّا كان لا منفعة للمشتري فيه. فإن قلنا: إنَّ الافتضاض مما ينتفع به المشتري كما ينتفع باللباس، وجب رد قيمة الإفتضاض.
وكان غيره من أشياخي إذا تكلَّم على سبب الإختلاف في إلزام الولد أن يزوج أباه الفقير، فقال: إنَّ سبب هذا الاختلاف النظر في الوطء هل هو كالأقوات المحتاج إليها. فيكون على الولد أن يزوَّج أباه، كما عليه أن يشتري له قوته. أو يقال: إنَّه ليس من ناحية القوت، وإنَّما هو كالتفكه والتلذذ. فلا يلزم الولد ذلك. وهذا الذي أشار إليه شيخنا هو الذي أشار إليه شيخنا الآخر، وللنظر في ذلك محال.
[ ٢ / ٦٨١ ]
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: لا يخلو المبيع، الذي دلَّس فيه بعيب وغيره، من أن يكون المشتري أحدث فيه نقصًا أو أحدث فيه نقصًا وزيادة. مثل أن يشتري ثوبًا فيقطعه، وقد دلس البائع فيه بعيب، فإنَّا قد تكلَّمنا على هذا، وذكرنا ما قال فيه من تقدَّم من أهل المذهب ومن تأخَّر. وكذلك لو أحدث فيه زيادة محسوسة، ولكنَّه نقص من جهة الثمن.
مثل أن يصبغ الثوب صبغًا ينقص ثمنه، فإنَّه إن كان البائع مدلسًا واختار المشتري الرد، فلا غرامة عليه في هذا النقص، كما لا غرامة عليه في القطع.
ولو كان صبغه صبغًا أفسده به حتَّى بطل الغرض المقصود منه، فإنَّه إنَّما له قيمة العيب، كما قلناه في القطع أيضًا: إذا اشترى مقطعًا ففصله ثيابًا أو خرقًا، فالقطع والصبغ يستوي حكمهما في الرد أن المشتري لا يغرم ما نقص إذا كان الصبغ مما ينقص ثمن الثوب. ويختلفان في التمسك وأخذ قيمة العيب لئلا يخسر ما أدَّاه من إجارة في الصبغ. وقدَّمنا إنَّ إلزام المشتري غرامة إذا ردَّ به عذر في تمكينه من أخذ قيمة العيب. وكذلك يمنع إذا أختار الرد، فإنَّه لا يمكنه بأن يخسر ما أدَّى في الصبغ، وكان لأجل هذا أخذ قيمة العيب. وأمَّا التقطيع فقد قدَّمنا أنَّه يرد ولا شيء عليه، أو يمسك ولا شيء له. وذكرنا ما تأوَّل فيما وقع في المدوَّنة من تمكينه من أخذ قيمة العيب في هذا، وما قيل في ذلك. وأمَّا إن أحدث المشتري فيه زيادة محضة، فإنَّ له أخذ قيمة العيب لئلَّا يخسر إذا ردَّ ويخرج على ملكه.
فحصل في هذا أنَّ الزيادة التي تتوقَّع خسارته يمكن المشتري من أخذ قيمة العيب، مدلسًا كان البائع أو غير مدلس.
وأمَّا النقص ففي عدم التدليس تجب غرامته إذا ردَّ أو يمكن من أخذ قيمة العيب، وفي التدليس غرامة عليه إذا ردَّ، وتمكينه من أخذ قيمة العيب يتفصَّل، كما قلناه إن اقتضى ردَّه خسارة مُكِّنَ من أخذ قيمة العيب، وإن لم يقتض ذلك فإنَّه لا يمكن.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
وأمَّا إن أحدث نقصًا وزيادة وكانت الزيادة كأنَّها من مقتضى النقص، فإن الحكم إدخال النقص في قيمة الزيادة حتَّى تخلص من ذلك زيادة أو نقص محض أو عدم زيادة وعدم نقص. مثل أن يشتري ثوبًا دلس فيه البائع بعيب، فقطعه المشتري قبل أن يعلم بالعيب، وخاطه قبل أن يعلم بالعيب، فإنَّ القطع نقص والخياطة زيادة. كأنَّ القطع اقتضاها، فيجبر بالزيادة عيب النقص، على ما نبينه في حكم التقويم. وأمَّا إن كانت الزيادة ليست من مقتضى النقص، مثل أن يشتري ثوبًا فيصيبه عنده خرق، ويصبغه أو يقطعه ثمَّ يصبغه، فإنَّ هذا مما لم يقع لمن تقدم من أصحابنا فيه نصَّ على النقص يجبر بالزيادة. وقد تردَّد الشيخ أبو إسحاق التونسي هل يقتضي المذهب جبر القطع بالخياطة الجبر لهذه الزيادة التي لا تعلق لها بالنقص أم لا؟ وكذلك تردَّد) (^١) أيضًا فيه غيره من الأشياخ.
ولكنَّه أشار إلى التفرقة بين هذا وبين جبر القطع بالخياطة، فإنَّ الخياطة يقتضيها القطع وكأنَّهما كمعنى واحد لتعلق الثاني بالأوَّل. فحسن ها هنا أن يمحو الأوَّل بالثاني. بخلاف من قطع الثوب ثمَّ صبغه، فإنَّ هذا لا تعلَّق لأحدهما بالآخر.
واستشهد بأنَّهم قد قالوا: إن من خرق ثوبًا فعليه رفوه وغرامة ما نقص. وما ذلك إلَاّ لكون القطع تفريق أجزاء والرفو تلفيقها ونظمها، فحسن أن يجعل كالشيء الواحد. وقد كنَّا نحن أشرنا إلى هذه الطريقة فيما تقدَّم لمَّا ذكرنا أنَّ من اشترى جارية بها عيب فأزوجها وولدت عنده، أنَّه يجبر العيب بالولد لمَّا كان العيب للتزويج الذي حدث عنده، وهو المقتضي للولادة. وذكرنا ما قيل في ذلك.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: قد قدَّرنا أنَّ المشتري إذا اطَّلع على عيب ولم يحدث عنده بالمبيع تغيُّر، فإنه مخيَّر بين الرد ولا شيء عليه، والإمساك ولا شيء له. وإن حدث عنده نقص، والبائع لم يدلس به، فإنَّه مخيَّر بين أن يأخذ قيمة العيب ويتمسَّك بالمبيع أو يرد بالعيب ويرد معه ما نقص
_________________
(١) هنا ينتهي النقص من نسخة الوطنية، وهو نقص يقدر بصفحتين.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
ويرتجع ثمنه. لكن يفتقر ها هنا إلى معرفة زمن التقويم.
فاعلم أنَّ كلَّ بيع صحيح يضمنه مشتريه بالعقد، فإنَّ التقويم فيه، إذا أراد المشتري أخذ قيمة العيب، يومُ العقد، فلو. كان لا يضمن هذا البيع الصحيح إلَاّ بالقبض، فإنَّ القيمة المعتبرة في طلب قيمة العيب يوم القبض. وقد أشار في المدوَّنة إلى هذا لما ذكر أنَّ التقويم يوم العقد. قال: لأنَّ مصيبتها من المشتري.
ومقتضى هذا أنَّ الأمة المبيعة على المواضعة إذا اطلع فيها على عيب، وأراد المشتري أخذ قيمته، فإنَّ قيمتها تعتبر يوم خروجها من المواضعة، وهكذا بيع الخيار، لا يوم العقد لمَّا كانت في ضمان البائع في سائر مدَّة المواضعة. وهكذا بيع الخيار يعتبر في القيمة يوم القبض.
وأمَّا المحتبسة بالثمن فتجري على القولين، فيمن رأى أنَّ ضمانها من المشتري اعتبر في تقويم العيب يوم العقد، ومن رأى أنَّ ضمانها من البائع اعتبر في تقويم العيب يوم القبض.
وكذلك السلعة المبيعة وهي غائبة يجري الأمر فيها على ما ذكرناه في المحتبسة بالثمن، لكون مالك ﵁ اختلف قوله في ضمانها، كما اختلف قوله في المحتبسة بالثمن.
وأمَّا إذا أراد المشتري الرد ويرد ما نقص، فإنَّ المعروف من المذهب أنَّ اعتبار النقص يكون يوم العقد أيضًا. وقال أحمد ابن المعذل: إنَّ اعتبار النقص إنَّما يكون يوم الرد، بخلاف اعتبار أخذ قيمة العيب.
وأشار إلى أن الفرق بينهما أنَّ الجزء الذي أمسكه البائع قد أخذ حصَّته من الثمن باطلًا. فعليه ردها، وذلك بأن يقال: ما قيمة السلعة يوم عقد البيع؟ فيقال: مائة دينار، على أنَّها سالمة من العيب. ثم يقال: ما قيمتها يوم العقد، وبها العيب الذي قام به المشتري؟ فيقال: ثمانون. فقد علم أنَّ العيب ينوبه من الثمن خمسه لمَّا نابه في التقويم عشوون دينارًا من مائة دينار، والعشرون خمس المائة. فينظر ما دفعه المشتري من جملة الثمن، فيسقط عنه خمسه. فإن كان الثمن خمسين دينارًا،
[ ٢ / ٦٨٤ ]
ارتجع المشتري خمسها، وهو عشرة دنانير، لأن الواجب له ارتجاع ما نقص لا ارتجاع القيمة، لكونهما تراضيا بثمن فيلزمها ذلك، وافق القيمة أو خالفها. فإن أراد المشتري أن يردَّ قيل: ما قيمتها وبها العيب الحادث؛ فإن قيل: ستون، فقد ذهب عند المشتري جزء قيمته عشرون دينارًا، وهي من المائة التي هي التقويم الأوَّل خمسها، ومن الثمانين التي هي التقويم الثاني الذي حصل في يد المشتري، ربعه، فعليه رد ربع ما قبض، والذي قبض يساوي ثمانين. فإذا كان الثمن خمسين دينارًا فذهب منها عشرة ثمن الجزء الذي بقي عند البائع، والجزء الذي ذهب عند المشتري الذي حصلت في يديه، ردَّ السلعة وردَّ معها عشرة دنانير، فهو بالخيار بين أن يرد ويغرم عشرة، أو يمسك ويأخذ عشرة. فأمَّا العشرة الأولى التي يرتجعها فواضح أنَّ القيمة يعتبر فيها يوم العقد، لما قدَّمناه من كون البائع أخذ عوضها فيطالب بحصَّتها من الثمن، كما طولب إذا أخذ منه قيمة العيب. وإنَّما المشتري أتلفها واختار ردَّ المبيع ونقضه من أصله، فإذا انتقض البيع من أصله، انتقض في الثلاثة أخماس التي ردَّها وفي الخمس الذي ذهب عنده. وإذا انتقض البيع وبطل الثمن، ردَّ المشتري قيمة الجزء الذي ذهب عنده. (وإذا انتقض البيع وبطل الثمن الذي ردَّ المشتري قيمة الجزء الذي ذهب عنده) (^١) إذ ثمنه قد بطل. وأجيب عن هذا بأن المشتري أتلفه على حصَّته من الثمن الذي رضي بكونه ثمنًا فيه. وكونه قد تلف يستحيل معه رده، وإذا استحال معه رده، مضى البيع فيه بحصَّته من الثمن. لا سيَّما إذا قلنا: إنَّ الردَّ بالعيب كابتداء بيع، فيصير المشتري إنَّما بايع البائع في الأجزاء الباقية.
هذا عندي مما يلتفت فيه في توجيه المذهبين إلى الاختلاف المشهور في الرد بالعيب، هل هو نقض للبيع من أصله أو ابتداء مبايعة الآن؟ فإذا تقرَّر هذا عدنا بعده إلى ما ذكرناه في حكم الزيادة التي يحدثها المشتري. لأنَّ النقص الذي يحدثه قد تكلَّمنا على وجوب غرامته وزمن تقويمه.
_________________
(١) ما بين القوسين مكرر في النسختين.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
فاعلم أنَّ المشتري المدلس عليه بالعيب إذا صبغ الثوب صبغًا زاد في قيمته، فإنَّ الزيادة إنَّما تعتبر قيمتها يوم الحكم إن اختار الرد. ويكون شريكًا بهذه الزيادة في الثوب إذا ردَّه على البائع بالعيب الذي دلس به. وهكذا ذكر ابن المواز أنَّ القيمة في الزيادة إنَّما تكون يوم الحكم، وقدَّر أنَّ هذه الزيادة لم تقع عليها معاقدة بين البائع والمشتري، ولا تراض بثمن معلوم فيعتبر فيه يوم العقد، فلا يكون للمشتري طلب هذه الزيادة إلَاّ بأن يعبتر مقدارها يوم الحكم لمَّا اختار الرد حينئذ. وقد أشار بعض المتأخرين إلى أنَّه إذا قيل في النقص: إنَّ القيمة تعتبر يوم البيع إذا اختار المشتري الرد، لكون البيع قد انتقض، فيجب أن يكون حكم الزيادة والنقص حكمًا واحدًا. والمشهور من المذهب في هذه المشاركة في الرد بالعيب تكون بما زاد الصبغ في الثوب.
وقد قيل فيمن اشترى ثوبًا ممن يعتقد أنَّه مالكه فاستحقَّ من يده وقد صبغه، أنَّه يؤمر المستحق بدفع قيمة الصبغ. فإن امتنع أمر المشتري أن يدفع قيمة الثوب غير مصبوغ. فإن امتنع أيضًا كانا شريكين هذا بقيمة صبغه. وهذا بقيمة ثوبه.
وقد رأى بعض المتأخرين إجراء هذا الحكم في مسألة المشتري إذا اطلع على عيب، وقد صبغ، أنَّ البائع يبدأ أولًا بأن يؤدَّي ما يجب للمشتري في الصبغ. فإن امتنع، أدَّى المشتري قيمة الثوب. فإن أبى، كانا شريكين.
وقد أجرى بعض أشياخي في مسألة الرد بالعيب، هل تكون الشركة بما زاد الصبغ أو بقيمة الصبغ؟ وذكر أنَّه قد قيل: إنَّ الشركة تكون بقيمة الصبغ.
وقد حاول بعض المتأخرين فرقًا بين الاستحقاق والرّدّ بالعيب في اعتبار قيمة الصبغ في الاستحقاق واعتبار ما زاد في مسألة الرد بالعيب. فإنَّ المستحق من يده مجبور على تسليم الثوب الذي صبغ، ولا قدرة له على إمساكه عن مستحقه. فوجب أن يعطي قيمة ما جبر على تسليمه بغير اختياره.
والذي صبغ الثوب المعيب وقد قدَّر أن يستمسك بالصباغ ويأخذ قيمة
[ ٢ / ٦٨٦ ]
العيب. فإذا لم يزد صباغه في قيمة الثوب، فلا مطالبة له يالقيمة لأنَّه هو أتلف صباغه وفرَّط في أخذه. وقد قال أصبغ في العامل بالقراض إذا اشترى ثيابًا بمال القراض وصبغها من مال نفسه أن يكون شريكًا فيها بما أدَّى في الصباغ. ورأى أن العامل كالمأذون له من رب المال في أن يضيف مثل هذا من ماله إلى مال القراض. فيصير كالوكيل على الإنفاق في الصباغ. فإنَّما يكون له المطالبة والمشاركة بما أدَّى. فرأى هذه الثلاث مسائل اختلفت أجوبتها لاختلاف المعاني التي أشرنا إليها. فجعل الشركة في الرد بالعيب بما زاد. وفي الاستحقاق بقيمة الصبغ، وفي القراض بما. أدَّى. وقد تقدَّم كلامنا على اجتماع نقص وزيادة أحدثهما المشتري ثمَّ اطلع على عيب. ونبَّهنا على ما قيل من التفرقة بين كون الزيادة لا تعلَّق لها بالنقص، كمن اشترى ثوبًا فلحقه عنده عيب وصبغه ثمَّ اطلع على عيب قديم كان عند البائع. وأحلنا هناك على ما نذكر صفة التقويم ها هنا.
فاعلم أنَّ من اشترى ثوبًا دلس فيه البائع بعيب فقطعه المشتري، فإنَّا قدَّمنا أن لا غرامة عليه في القطع. فإذا خاطه المشتري بعد أن قطعه، فقد صارت ها هنا زيادة محضة زادها المشتري، وارتفع حكم النقص الذي هو القطع لمَّا كان المشتري غير مطالب به إذا دلَّس عليه بالعيب. فيكون صفة التقويم ها هنا أن يقوم الثوب بالعيب الذي كان عند البائع، وبعيب القطع حتَّى كأنَّ القطع كان عند البائع. فإذا قيل: قيمته كذلك بهذين العيبين تسعون دينارًا، قيل: ما قيمته الآن يوم الحكم مخيطًا؟ فإن قيل: مائة دينار، فقد زادت الخياطة فيه عشرة دنانير، وهي من المائة عشرها. فيكون المشتري شريكًا في الثوب بعشره. وقد قدَّمنا أنَّ تقويم العيب الذي كان عند البائع يراعى فيه يوم البيع على ما تقدَّم بيانه والزيادة معتبر قيمتها يوم الحكم، فلهذا كانت الشركة ها هنا بالعشر لمَّا اقتضى التقويم مراعاة تقويم العيب القديم يوم البيع، والزيادة يوم الحكم.
فإن كان البائع غير مدلس، فإنَّ المشتري ها هنا مطلوب بقيمة القطع يجبر الزيادة التي هي الخياطة. فيقال: ما قيمة هذا الثوب وهو لا عيب فيه؟ فإن قيل:
[ ٢ / ٦٨٧ ]
مائة، قيل: ما قيمته وبه العيب الذي كان عند البائع؟ قيل: تسعون. قيل: ما قيمته مقطوعًا: قيل: ثمانون. قيل ما قيمته مخيطًا؟ فإن قيل: تسعون، علمت أنَّ العشرة التي وجبت على المشتري لنقص القطع قد جبرها ما فعل من خياطة وهي عشرة دنانير التي هي ثمن الخياطة. فلا تكون على المشتري متابعة بقيمة نقص القطع لكونه قد عوَّض عنه بالخياطة. وإن قيل: قيمته مخيطًا خمسة وثمانون، فقد جبرت الخياطة نصف مقدار العيب. فيطالب بمقدار نصف عشر الثمن. فإن قيل: قيمته مخيطًا خمسة وتسعون، فقد جبرت الخياطة قيمة النقص الذي هو القطع، وزادت على ذلك خمسة دنانير وهي نصف العشر. فيكون المشتري شريكًا في الثوب بمقدار ذلك. وقد قدَّرنا أنَّ الزيادة تعتبر يوم الحكم والنقص يعتبر يوم البيع، إلَاّ عند ابن المعذل.
فإذا ذكرنا أنَّه تعتبر قيمة النقص يوم الرد، فإذا أحبَّ المشتري أخذ قيمة عيب اطَّلع عليه في ثوب اشتراه. قيل: ما قيمة الثوب صحيحًا؟ فإن قيل: مائة، قيل: ما قيمته معيبًا؟ فإن قيل: ثمانون، فقد علمت أنَّ العشرين من مائة هي الخمس، فعلى البائع ردُّ خمس الثمن.
وإن كان الثمن خمسين، ردَّ عشرة.
ولو كان حدث عند المشتري، قيل: ما قيمة هذا الثوب الذي قوِّم أولًا بمائة ثمَّ قوِّم بالعيب بثمانين وبه هذا العيب الحادث؟ فإن قيل: ستون فقد ذهب خمس آخر من الثمن عند المشتري، فيرد عشرة دنانير من الأربعين التي استقرَّت عليه في الثمن بعد أن طرح قيمة العيب القديم، وبقي ربع الأربعين وخمس الخمسين، والتقويم في هذا يوم البيع. وعند ابن المعذل أنَّ القيمة التي يطالب المشتري بترددها (^١) تكون يوم الرد. فأنت تجري حكم القطع وجبره بزيادة الخياطة على هذا المذهب.
وقد عارض بعض حذاق الأشياخ هذا الذي قيل في جبر نقص القطع
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: بردها.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
بالخياطة. فقال: الخياطة عرض، والواجب على المشتري غرامة النقص من جنس الثمن. فإنَّما يجب أن يغرم قيمة القطع دنانير من جنس الثمن، ويكون شريكًا بالعرض الذي زاده في الثوب، وهو الخياطة، إذا لا يجبر من وجب له على إنسان دنانير أن يأخذ منها عروضًا بغير اختياره. وقد كنَّا نحن قدَّمنا العذر عن هذا، وأنَّ الخياطة لمَّا كانت من مقتضى القطع عُدَّا كشيء واحد لا اختلاف فيه.
ولو كانت الزيادة يقتضيها النقص كثوب اشتراه فاطلع على عيب وقد حدث عنده عيب وصبغ الثوب، فإنَّ الصباغ إن كان ينقص فقد تقدَّم الكلام عليه في المدلس وغير المدلس. وإن كان لا ينقص ولا يزيد، فلا مطالبة للمشتري به ولا مطالبة عليه من أجله. وإن كان يزيد، فقد ذكرنا أنَّ حكم الاستحقاق بثوب صبغه مشتريه أنَّه يدفع المستحق قيمة الصباغ. فإن امتنع أيضًا، كانا شريكين.
وهكذا رأى بعض الأشياخ: الحكمُ فيه، إذا ردَّ بعيب، لا تثبت الشركة بالصباغ إلَاّ بعد أن يعرض على البائع أن يدفع ثمن الصباغ، وعلى المشتري أن يدفع قيمة الثوب، على حسب ما قلناه. فإذا امتنعا فحينئذ تكون الشركة، ويؤمر البائع في هذا الثوب المبيع المعيب أن يدفع ما زاد فيه الصباغ يوم الحكم. فإن امتنع دفع المشتري قيمة الثوب أبيض يوم الحكم. فإن امتنع اشتركا على حسب ما قُوِّم لكل واحد منهما.
وإذا قلنا بالمعروف من المذهب: إنَّ المشتري يقضى له بالشركة بمقدار ما زاد في الصبغ، على حسب ما بيَّناه، وذكرنا مثاله، فإنَّ الصبغ إذا قوَّم يوم الحكم على حسب ما قدَّمناه في التقويم الذي يعرف به مقدار الزيادة ولم يكن حدث عند المشتري نقص، فإنَّه يشاركه إذا اختار الرد، ولم يعتبر أخذ قيمة العيب بمقدار هذه الزيادة، وإن كان حدث عنده نقص، فقد كنَّا أشرنا إلى ما قيل فيه من التفرقة بين الصباغ والخياطة، فإن الصبغ لا يجبر به العيب الحادث عند المشتري. لكن إذا وجب اعتبار النقص يوم البيع والزيادة يوم الحكم، كما
[ ٢ / ٦٨٩ ]
قدَّمناه، نظرت في الصبغ. فإن كان ينقص الثوب يوم البيع والصبغ ينقصه أيضًا يوم الحكم، فكأنَّ نقص الصبغ مثل نقص العيب الحادث إذا قوَّم يوم البيع. أو كان نقص الصبغ يوم الحكم أكثر من ذلك، فإنَّه لا مطالبة على المشتري إلَاّ بقيمة النقص الذي حدث عنده الذي قوّم يوم البيع ولا يلتفت فيه إلى يوم الحكم. ولا شيء له في الصباغ لكونه لا زيادة فيه. وإن كان نقص الصباغ يوم الحكم أقل من النقص المعتبر يوم البيع فيطالب بما فضل عن ذلك من نقص.
وإن كان الصبغ يربي على قيمة النقص، كان للمشتري المشاركة بالزيادة.
وقد رأيت إشارات المتأخرين الذين تكلَّموا على المسألة اختلفت في نقص ثبت على المشتري لمَّا قوم يوم البيع. فلمَّا قوم الصبغ يوم الحكم، لم يزد في الثمن ولم ينقص منه، هل يجبر به النقص الذي وجب على المشتري. وقد كنت قدَّمت ما قيل في جبر العيب بزيادة لا تعلق له بها، وهذا منه، وكذلك يجري الأمر في كون الثوب إذا قوم مصبوغًا يوم البيع ومصبوغًا يوم الحكم اختلفت القيمة، فإنَّ ذلك يجري على ما قرَّرناه. وقد قال بعض الأشياخ: إن كان تقويمه كذلك يزيد الصباغ في قيمته يوم البيع ويزيد يوم الحكم، لكانت المشاركة بأقل الزيادتين. ومقتضى المذهب أن تكون المشاركة بالزيادة المعتبرة يوم الحكم.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
فصل يشتمل على مسائل ذكرها في المدوَّنة
إحداها: حكم من قام بعيب والذي باع منه غائب.
فذكر في المدونة أنَّ البائع إن كان قريب الغيبة كتب إليه فيما قام به المشتري. وإن كان بعيد الغيبة تلوم له إن رجي قدومه. فإذا لم يرج قدومه، قضى عليه أن يثبت أنَّه اشترى على بيع الإِسلام وعهدتة، وأنَّه نقد الثمن.
فأشار إلى اشتراط ثبت بشروط.
أمَّا الشرط الأوَّل: وهو إقامة البينة على أن البيع عقد على الصحَّة، وعلى بيع الإِسلام لا على الفساد الذي هو خلاف بيع الإِسلام، فإنَّ هذا الشرط لا يمنع من القضاء على الغائب عدم البينة التي تشهد به. لأنَّ البائع لو كان حاضرًا فزعم أنَّه عقد عقدًا، زعم المشتري أنَّ العقد صحيح، فإنَّ القول قول المشتري لدعواه الصحَّة. وأقصى مراتب البائع أن يكون حاضرًا فيدعي الفساد فلا يصدَّق، ويصدق المشتري وإن لم تكن له بينة تصدقه. لكن المشتري لا يصدق ها هنا إلَاّ مع يمينه فيترقَّب أن يأتي البائع فيدعي أنَّ العقد فاسد يجب فسخه وردُّ المعيب إليه، ولا يباع عليه. فيتوجَّه على المشتري اليمين، فيطلبها مثله القاضي إذا كان البائع غائبًا، ويقدر أنَّ البائع حضر فادَّعى الفساد، وطلب يمين المشتري، فيقف الحكم على تحليفه. كما لو أثبت رجل دينا على غائب، فإنَّ القاضي لا يقضي له حتَّى يحلف أنَّ الدين ما قضاه من هو عليه ولا أسقط عنه، مخافة أن يأتي الذي يثبت الدين عليه فيدَّعي القضاء، فلا يثبت القضيَّة إلَاّ إذا حلف قابض الدين.
[ ٢ / ٦٩١ ]
فاشتراطه البينة في المدونة لينتفي بإقامتها وشهادتها عن هذا المشتري الذي ردَّ بالعيب هذه اليمين التي يطلبها القضاة على جهة الإستظهار بحق الغائب. وإنَّما يجب استظهارًا لأن الغائب لم يدع ذلك، فيجب كما تجب اليمين في الدعوى المحقَّقة.
وقد أشار بعض أشياخي إلى أنَّها لا يطلب فيها التحليف في المسجد. بل يستحلف في مكانه لكون هذه اليمين لم تطلب، والذي طلبت من أجله لم يدعها. وأراه يطرد هذا في دعوى القضاء، ولا يكتفي بإيقاعها في غير المسجد.
لكون القضاء للديون أمرًا يتكرَّر ويكثر، فالإستظهار عليه باليمين يتأكد. بخلاف فساد العقد، فإن الغالب عقود الصحَّة بين المسلمين. ولهذا كان القول قول مدَّعي الصحَّة.
وقد كنَّا قدَّمنا في كتاب السلم أنَّ الإختلاف في الصحَّة والفساد إذا أدَّى إلى الإختلاف في الثمن، فإنَّه لا يكون القول قول مدعي الصحَّة على الإطلاق.
وها هنا قد ذكر الأشياخ أنَّ اشتراطه في المدوَّنة إقامة البيَّنة، إنَّما اشترط ذلك لنفي اليمين لكون القول قول مدَّعي الصحة، مع جواز أن يأتي البائع فيدَّعي فسادًا في العقد يتضمَّن اختلافًا في الثمن، فلا يكون القول قول المشتري فيه.
لكن هذا أمر نادر لم يدعه البائع، فيتعلَّق به الحكم مع ندوره، وكون من له حق فيه لم يدعه ولا طلب به، هذا العذر عندي عن ما (^١) يقدح به في التعليل الذي ذكره.
وأمَّا الإشتراط الثاني وهو أمره المشتري بإقامة البيَّنة على أن البيع لم يقع على البراءة من العيوب في هذا العبد الذي مثَّل به في السؤال. وبيع البراءة يجوز في الرقيق أيضًا. فإنَّه أيضًا إنَّما اشترط ذلك عند الأشياخ لينفي اليمين التي تجب على جهة الإستظهار لحق الغائب. إذ لو كان البائع حاضرًا، وزعم المشتري أنَّه لم يبره من العيوب ولا عقد معه على ذلك، وقال البائع: بل عقدت معك على
_________________
(١) هكذا في النسختين ولعل الصواب مما.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
ذلك، قالقول قول المشتري في تمكينه من القيام بالعيب إذا ظهر، لكن مع يمينه على بطلان دعوى البائع إبراءه من العيوب. فاشتراطه أيضًا إقامة البينة ها هنا لنفي هذه اليمين التي تجب للإستظهار بها، كما قدَّمناه في الشرط. لكن الفضل بن سلمة أكَّد وجوب اليمين في هذا الشرط الثاني، ورآه بخلاف الأوَّل لأجل أنَّ البينة التي حضرت العقد إذا شهدت بصحَّته، فلا يؤثر قول المشتري:
إنَّ الفساد كان بعد العقد، والبينة إذا حضرت العقد عاريًا من اشتراط البراءة من العيوب، فإنَّ دعوى المشتري أنَّه قد أبرأه من العيوب يؤثر في وجوب اليمين، فلهذا كان اشتراط طلب اليمين في هذا الوجه آكد منه عنده في الوجه الأوَّل.
وأمَّا اشتراط كون المشتري نقد الثمن، فإن هذا ليس لأجل الإستظهار باليمين على الإطلاق، بل يتفصَّل القول فيه، فتعتبر العادة في دفع الثمن، هل جرت بانتقاده حتَّى لو حضر البائع فادَّعى أنَّه لم ينقده، لم يصدق لكونه قد أطال المقام مع المشتري قبل أن يغيب. فإنَّ اشتراط طلب اليمين ها هنا، مع كون المشتري مصدقًا في دفع الثمن إنَّما هو استظهار مخافة أن يحضر البائع فيدَّعي ذلك، على حسب ما قلَّمناه في الشرطين المتقدمين. وأمَّا إن كانت العادة تأخير الثمن إلى حين قيام المشتري بالعيب، فإنَّه لا يصدق في أنه دفع الثمن. ولو حضر البائع فأنكر القبض لصدق، إلَاّ أن يثبت المشتري البينة بأنَّه دفع، فاشتراطه البيَّنة في هذا الوجه الثالث تكون تارة لأجل نفي اليمين وتارة لتقبل دعواه.
وهذا خلاف ما يقضى به في مكتر اكترى جمال رجل ثم هرب فطلب
الجمَّال أن يكريها عليه، فتكون الزّيادة للهارب المكتري، ويكون النّقص عليه يتبع به، فإنّه ها هنا إن كانت العادة تأخير النّقد فإنّ الجمّال مصدّق أنّه لم يقبض الكراء، لكون المكتري الهارب لو حضر فادّعى دفع الكراء لم يصدّق، بل صدّق الجمال لكون العادة تؤكّد صحّة قوله. [ولو كانت العادة ها هنا (^١) النّقد، لم
_________________
(١) كلام غير واضح في النّسختين.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
يقف القضاء، لكون الجمال ادّعى لم يقبض، وذلك خلاف العادة، لكون المكتري الهارب لم يدّع ما اقتضته العادة من النّقد ويحلف مع العادة الّتي هي مقام شاهد، فتصحّ دعواه فلا يمنع كون العادة في الكراء النّقد القضاء للجمّال بمقتضى دعواه. وإن خالف العادة لكون العادة لم تحضر أحد يحلف معها.] وفي مسألة العيب إِذا كانت العادة النّقد، فالمشتري الّذي يردّ بالعيب حاضر يحلف معها.
وأمّا المسألة الثّانية، فإنّه ذكر في المدوّنة أنّ المشتري إِذا أدعى أنّ هذا العبد الّذي اشتراه كان البيع فيه فاسدًا، وأثبت ذلك، والعبد لم يفت، فإنّ القاضي يفسخ البيع، ويبيع العبد في الثّمن، على حسب ما قدّمناه في بيع القاضي للغائب. وإن نقص ذلك عمّا وجب للمشتري على البائع اتّبع المشتري البائعَ به. والقاضي إنّما يبيع هذا العبد لكون البائع لا مال له يقضى منه سواه.
ولكونه أمثل ما يباع على الغائب، أو لخوف موت العبد أو إباقه، لكون هذا العبد الّذي اشتري شراء فاسدًا لو فات في يد المشتري لقضى القاضي بإيقافه في يد المشتري، وألزمه قيمته يوم قبضه، ويقاصّ عن البائع الغائب بهذه القيمة، ويحاسب المشتري بماله على الغائب وعليه، ويترادّان الفضل متى ما تلاقيا.
وقد عارض الأشياخ ما أشار ها هنا من إبقاء الفضلة في ذمّة المشتري شراء فاسدًا إِذا فات المبيع في يديه. وإشارته في الرّدّ بالعيب إلى كون الفضلة توقف للغائب وأشار ابن أبي زمنين وغيره إلى أنّ البائع غاب وصارت القيمة له دينًا على المشتري لسبب فساد بيعه وما دخل فيه. والسلطان لا يقتضي ديون الغائب إِذا لم يُفقَد لكونه غاب، وهو راضٍ بذمّة من هي في ذمّته، فلانظر للقاضي في ذلك. بخلاف لو جنى رجلًا على مال غائب، فإن القاضي يطالب الجاني لكون صاحب المال لم يرضَ بما فعل الجاني ولا يبقى ما وجب عليه في ذمّته بلا نظر.
وطعن بعضهم في هذا الفرق بأن قال: البائع بيعا فاسدًا لم ينصرف عن
[ ٢ / ٦٩٤ ]
رضا يكون هذه القيمة في ذمّة المشتري، وإنّما انصرف على أن لا مطالبة بينهما. فيكون للقاضي النّظر في هذا الفاضل للغائب، لكونه لم ينصرف عن رضا ببقائه في ذمّة المشتري. وأشار إلى أنّ الفرق كون الرّدّ بالعيب ينقض البيع من أصله، فإِذا انتقض بردّ المشتري بالعَيب، صار المشتري والبائع كأنّهما لم يتعاملا قطّ، فينظر القاضي في مال الغائب. وهاهنا في البيع الفاسد العبد المعيب الّذي تعاملا فيه لم يرجع إلى ملك البائع، وإنّما تغيّرت المعاملة في مقدار الثّمن، فيجب بقاء الفضلة في ذمّة المشتري.
والتّحقيق عندي في هذا أنّ المشتري لهذا الّذي باعه القاضي إن لم يكن هو المشتري الأوّل، أبقي فاضل الثّمن في ذمّته إن كانت مأمونة. ولم ينبغ له أنْ يخرج ذلك إلى أمانة يكون معرّضًا للضيّاع. وإن خاف على ما في الذّمّة وأمن على الثّمن إِذا أوقفه في أمانة، فإنّه يوقفه.
وكذلك لو باعه مِمّن اشتراه وقام فيه بفساد أو عيب، فإنّه يبقى الثّمن في ذمته إن كانت مأمونة. وإن كان بقاؤه فيها غررًا يعلم أنّ الغائب لو حضر ما رضي به، فإنّه يخرجه من ذمّته.
وكذلك لو فات ولزمت المشتري القيمة، فإنّه يفعل في الفضلة ما هو الأصلح للغائب، إِذا علم أنّ الغائب لم يرض بخلافه. وذكر في المدوّنة في مسألة أخرى وهي مكاتب باع عبدًا فردّ عليه بالعيب بعد أن عجز. فذكر في المدوّنة أنّه يكون محجورًا عليه، فيكون النّظر في العبد المردود لسيّده. وقا أبو سعيد بن أخي هشام: بل يعود العبد المكاتب إلى ما كان عليه قبلُ، فإن كان قبل الكتابة مأذونًا له في التّجارة، بقي بعد العجز على هذا الإذن. وإن كان محجورًا عليه، بقي بعد العجز على ما كان عليه قبل الكتابة من الحجر.
فكأنّ من قدّر أنّ الكتابة كالمخرجة له من الملك في التّقدير، والعجزُ يصيّره كملك مبتدإ مستأنف، جعله بنفس العجز محجورًا عليه. ومن رأى أنّ حكم الملك باق عليه، فإِذا عجز لم ينقله هذا الّذي أكّد حالته بعد الكتابة عمّا
[ ٢ / ٦٩٥ ]
كان عليه قبل الكتابة من إطلاق يده في التّجارة.
وقد وقع أيضًا اضطراب في كونه منتزعَ المال إِذا عجز. فقال في المكاتب: إِذا باع عبدًا ثمّ عجز، وردّ العبد بعيب بعد عجزه، فبيع وفضلت منه فضلة، أنّها للمكاتب. وهذا يشير إلى أنّه لا يكون منتزع المال بالعجز. وقال أيضًا: إِذا عجز، فماله لسيّده. وهذا يشير إلى أنّ العجز انتزل ماله وردّه إلى سيّده. وقد تُؤؤَّل قوله: فهو له. أنّ له إطلاق التصرّف فيه لعبده أو الحجر عليه. وقال أيضًا في أمّ ولد مكاتب نصرانيّ أسلمت: إنّها توقف. فإن عجز المكاتب، بيعت عليه، وإن كان العجز يصيّر ماله منتزعًا، لأنّها صارت للسيّد الأعلى وهو مسلم، ولا تباع عليه. وقال أيضًا في مكاتب كاتب عبده فعجز المكاتب الأعلى، فإن المكاتب الأسفل يؤدي إلى السيّد الأعلى. وهذا قد يفهم من ظاهره أنّه انتزاع أو حجر. وهذا يبسط في موضعه إن شاء اللهُ تعالى.
قال القاضي أبو محمّد ﵀: وإِذا نما المبيع عند المشتري ثمّ أراد ردّه بعيب، فلا يخلو النّماء أن يكون منفعة أو غلّة أو عينًا.
فإن كان منفعة أو غلّة، كان له (^١). ولا يلزمه شيء لأجله؛ لأنّ لهُ الخراجَ بالضّمان.
وإن كان عينًا فلا يخلو أنّ يكون ولادة أو نتاجًا أو غيره.
ففي الولادة والنتاج يردّهما مع الأمّهات.
وأمّا غير ذلك، فيختلف:.
فأمّا ثمرة النّخل فلا يردّها مع الأصل إِذا حدثت عنده. فإن كان ابتاع الأصل وفيه ثمر، فإن كانت لم توّبز، لم يردّها. وإن كانت مأبورة، ففيه خلاف. وكذلك في صوف الغنم. فأمّا الألبان والأسمان (^٢) فلا يُرَدّ شيء منه.
_________________
(١) في غ، والغاني: كاتن له ردّه. وهو خطأ.
(٢) في غ، والغاني: السمون.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
قال الإِمام ﵀: يتعلّق بهذا الفصل أربع مسائل: أحدها أن يقال:
١ - هل يردّ الغلّة مع المبيع؟
٢ - وهل لها قسط من الثّمن إن كانت موجودة حين البيع؟
٣ - ومتى تكون غلّة لا يردّها؟
٤ - وهل يضمن المشتري ما يجبُ ردّه منها.
فالجواب عن السؤال الأوّل أنّ يقال: قرّرنا أنّ المبيع المعيب، إِذا ردّ بالعيب، يتغيّر إلى زيادة أو إلى نقصان. والزّيادة تكون غير متميّزة كالسمن، وما في معناه مِمّا ذكرناه. وتكون متميّزة كاغتلال الحيوان، على اختلاف أنواعه من نتاج أو ثمار أو استخدام، أو غير ذلك من ضروب الإغتلال. وأمّا إن كان الإغتلال ليس بعين قائمة متميّزة في الوجود، كاستخدام الدّيار والحيوان أو إجارة هذا الإستخدام، فإنّه غير واجب ردُّه مع المعيب عند سائر فقهاء الأمصار كأبي حنيفة ومالك والشّافعي وغيرهم. حتّى أنّ كثيرًا من العلماء ينكر وجود خلاف. فقال الشّيخ أبو بكر الأبهري: لا خلاف بين أهل العلم، أن هذا الإغتلال للمشتري ولا يردّه إِذا ردّه بالعب. وقال ابن الجهم: إِذا أجّر العبد بإجارة كثيرة، أو أزوج الأمة بصداق قليل أو كثير، ثمّ ردّ بالعيب، فإنّه لا يردّ ما أخذ من إجارة أو صداق. وقال: لا خلاف بين النّاس في هذا. وهكذا ذكر ابن داوود أيضًا لا خلاف بين العلماء في هذا. فأنت ترى تطابق هؤلاء على نقل الإجماع لاشتهار هذا المذهب بين العلماء.
لكن رأيتا الجوزيّ ذكر أنّ شريحا وعبد الله (^١) ابن حسن العنبريّ ذهبا إلى أنّ الغلّة يردّها المشتري أيّ نوع كانت.
وأمّا إن كانت الغلّة مِمّا يتميّز، كالولد للأمّة والمواشي أو الثّمرة للأشجار، فإنّ الشّافعي ألحق هذا النّوع بحكم هذا النّوع الّذي قدمناه، وذكر اتّفاق العلماء عليه عند من نقلنا عنه ذلك، وقضى بالولد والثّمر للمشتري وإن
_________________
(١) في المدنية عبد الرحمن.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
ردّ بالعيب، ورأى أن ذلك لا يمنعه من الرّدّ بالعيب.
وذهب أبو حنيفة إلى أنّ ذلك كلّه للمشتري، كما قال الشّافعي، ولكنّه خالفه في ردّ المبيع بالعيب، ورأى أنّ المشتري لا يمكن من الرّدّ، وإنّما له قيمة العيب، وتبقى الغلّة له.
وذهب مالك إلى تفصيل القول في هذا، فرأى أنّ النّتاج ليس بغلّة، ولا يمنع الرَّدَّ، بل يجب ردّه مع ردّ الأمّ. لكن يطالب بردّ نقص إن حدث بسبب النّتاج على ما تقدّم بيانه. وأمّا الثّمرة فإنّها تكون للمشتري ولا يمنع من الرّدّ.
فحصل من هذا أنّ الثّمرة تكون للمشتري غلّة عند الثّلاث الأئمّة. ولكن انفرد أبو حنيفة بكونها مانعة من الرّدّ للمبيع، وألحقها بما يفيت المبيع. وأمّا الولد فإنّ مالكًا انفرد بردّه، على حسب ما قدّمناه. واختلف الآخران في كونه مانعًا للمشتري من الرّدّ، على حسب ما قدّمناه.
هذا جملة المذاهب المذكورة في هذا جملة وتفصيلًا.
وسبب الإختلاف في هذا النّظر في حديث اشتهر وهو قوله ﵇: "الخرج بالضّمان" (^١). وقد ذكر سبب الاختلاف هذا الحديث، وهو أنّ رجلًا حاكم آخر عند النبيّ - ﷺ - في عبد اشتراه، فلمّا ردّة المشتري بالعيب، قال البائع:
يا رسول الله، يردّ الغلّة. فقال ﵇: "الخراج بالضّمان". وقد خرّج هذا الحديث أبو داوود. وخرّجه التّرمذي. وهو حسن السند. وفي بعض الرّوايات "الغلّة بالضّمان".
وقد تخاصم رجلان إلى عمر بن عبد العزيز، فقضى بردّ الغلّة على البائع.
فدخل عليه عروة فأخبره أنّ عائشة أخبرت عن النبيّ ﵊ في مثل هذا أنّه قال: "الخراج بالضّمان". فردّ عمر قضيّته وقضى للمشتري بالخراج.
فمن ذهب إلى أنّ الغلّة تردّ أيّ نوع كانت، رأى أنّ هذا الحدث كقضيّة في عين لا تتعدّى إلاّ بدليل. ومن رأى أنّ الغلّة لا تردّ، وإن كان الّذي اغتلّ
_________________
(١) تقدم تخريجه ص١٣٤.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
غاصِبًا يضمن بالغصب، رأى أنّ قوله: "الخراج بالضّمان" عموم خرج على سبب، والألف والّام للجنس، فوجب التّعميم، لكون كلّ خراج يكون لمن عليه الضّمان. وقد قال جماعة من أهل الأصول: إنّ العموم إِذا خرج على سبب، لم يقتصر على سببه بل تعدّى.
ومن رأى أنّ الغاصب يردّ الغلّة، خصّ هذا العموم بقوله: ليس لِعرْقٍ ظالم حقّ (^١). والغاصب ظالم، فلا حقّ له.
ويحمل الحديث على ضمان ضمن بالملك كمشتر ردّ بالعيب بعد أن كان مالكًا، بخلاف الضّمان بالتّعدّي، أو يحمل الحديث على مثل السبب الّذي خرج عليه وهو ضمان ما ملك، كالمبيع المعيب الّذي لو شاء المشتري لم يردّ على بائعه. وقد أشار ابن داوود إلى هذا بأنّ النّظر يقتضيه، وإنّ لم يردْ الخبر، لأجل أنّ المشتري إنّما اغتلّ ما ملك، ولو شاء لم ينقض البيع فيه، وهو لم يشترِ الغلّة ولا أخذها وهي في ملك البائع. فيجب ردّها على البائع.
وهذه الإشارة الّتي أشرنا إليه لها تعلّق بأصل آخر قد ينشأ الخلاف منه أيضًا في هذه المسألة، وهو النّظر في كون الرّدّ بالعيب هل يقدّر أنّه فسخ للبيع من أصله ونقض للملك، حتّى كأنّه لم ينتقل عن البائع، فتكون الغلّة له أيّ نوع كانت.
ومذهب الشّافعيّة أنّه رفع له الآن.
وأشياخنا يقودون بأنّ المذهب عندنا عدى قولين، هل الرّدّ بالعيب نقض للبيع من أصله؟ أو كابتداء بيع الآن؟ ويخرّجون هذا من مسائل إحداها الاختلاف المشهور في مسألة من اشترى أمة على المواضعة، ثمّ ردّها. بعيب بعد خروجها من المواضعة، هل يجب أيضًا على المشتري مواضعتها كما وجب له ذلك على البائع منه لكونه بائعًا؟ وإن قلنا: إنّ ذلك رفع للبيع من أصله، فإنه لم يبع فلا عليه المواضعة. وإن جاء بها البائع عن قربها حتّى يستبريء. وقد يقال في هذا: إنّما وجبت لأنّه أخذها من بائعها وهي فارغة من الولد، فعلبه أن
_________________
(١) الموطأ ج٢ ص٢٨٧ ح٢١٦٦.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
يردّها كما أخذها، سواء قيل: إنّ الرّدّ بالعيب كابتداء بيع أو رفع له من أصله.
فمن يذهب إلى أنّه ردّ له من أصله، يقول: لو كان كابتداء بيع لوجبت الشّفعة للشّريك إِذا ردّ المشتري بالعيب. فلمّا لم تجب له، دلّ على أنّ ذلك نقض للبيع من أصله، ولا شفعة للشّريك إِذا لم يبع. ومن يذهب إلى أنّه كابتداء بيع الآن يقول: لو اشترى أمة بعبد فأعتق الأمَة ثمّ استحقّ العبد، فإنّ الّذي استحقّ العبد منه ليس له نقض العتق، وإنّما له قيمة الأمة المعتقة. وكذلك لو ردّها بعيب لم يكن له نقض العتق. فهذا سبب الخلاف من جهة الخبر والنّظر.
وأمّا ما حكيناه من الإختلاف في الولد، هل هو غلّة فيمسَك، وإن ردّت الأمّ كما قاله الشّافعي؟ أو يُرَدّ معها؟ فإنّا كنّا قدّمنا في هذا الكتاب الكلام على هذه المسألة، وذكرنا استقراء الشيخ أبي القاسم السيوري، ﵀، كون الولد غلّة من قوله في المدوّنة في هذا الكتاب: إنّ المشتري يجبر به عيب النّكاح. وبسطنا القول في ذلك بما يغني عن إعادته.
وبعض أصحابنا يشير إلى أنّ هذا الولد لا يطلق عليه في العرف اسم غلّة ولا يدخل في قوله: "الخراج بالضّمان" (^١) أو قوله: "الغلّة بالضّمان" (١).
وأيضًا فإنّ حكم الولد كحكم أمه، ألا ترى أنّ ولد المكاتبة مكاتب، والمعتقة إلى أجل معتق إلى أجل، وكذلك ولد المدبّرة. وهذا يقتضي كون الولد كعضو من أعضائها. فإِذا وجب، ردّها، رُدّ الولد الّذي هو كعضو من أعضائها.
ولا ينقض هذا بولد المستأجرة، فإنّ من استأجر أمة لا يكون له حق في استخدام ولدها، لأنّه لم يملك الرّقبة، فيكون الولد تابعًا للرّقبة، وإنّما ملك المنافع، والولد ليس تبعًا للمنافع.
وأمّا سبب الإختلاف بين الشَافعي وأبي حنيفة في كون النّتاج أو الثّمر يكونان للمشتري، ولكنّهما يمنعان من الرّدّ عند أبي حنيفة، ولا يمنعان منه عند الشّافعي، فلأجل أنّ أبا حنيفة والشّافعي قد قدّمنا عنهما أنّ من اشترى سلعة
_________________
(١) تقدم تخريجه ص١٣٤.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
واطلّع على عيب، وقد حدث عنده عيب، فإنّهما يريان أنّه لا يمكن من الرّدّ، ولو ردّ ما نقص العيب الّذي حدث عنده، خلافًا لما ذهب إليه مالك، ﵁ عنه، ويريان هذا فوتًا، كما يراه مالك في الموت والعتق، وتلف الأعضاء المقصودة من الأمة. وقدّر أبو حنيفة أنّ الأصل وجوب ردّ الغلّة، لما قدّمناه عنه من أنّه يرى الرّدّ بالعيب نقضًا له من أصله. وقد منع الخبر وهو قوله ﵇: الخراج بالضّمان (^١) من ردّ الغلّة الّتي يجب ردّها على البائع. فصار هذا المنع بالشّرع كعيب حدث عند المشتري إِذا. ردّ المبيع لم يردّه على ما هو عليه، بل الاغتلال خسارة تلحق البائع.
ورأى الشّافعي أنّ هذا الإختلاف لا يقدّر أنّه كالنّقص الّذي وافق أبا حنيفة على أنّه يمنع من الرّدّ، فإِذا كان قد ردّ الأمة على ما هي عليه، لم تتغيّر بعد أخذ ولدها. وكذلك الشّجرة لم تتغيّر بعد أن جنى المشتري ثمرتها، فإنّ ذلك لا مضرّة فيه على البائع، ولا نقص يلحقه في ردّ المبيع عليه، وقد ردّه على حسب ما أخذه، فلهذا لم يكن هذا كعيب حدث منع من الرّدّ.
والجواب عن السؤال الثّاني أنّ يقال:
قد علم أنّ هذه الغلّة تكون لها أصول حالة تكون معدومة عند العقد وعند الرّدّ. وهذه الحالة الّتي تقدّم الكلام عليها، وذكرنا حكم الولد والثّمر وغير ذلك من الاستغلال. فإِذا اشترى أمة لا حمل بها فحملت عنده ووضعت الولد، فحكمه في الرّدّ ما قدّمناه عن فقهاء الأمصار. وكذلك لو اشترى غنمًا لا صوف عليها فنبت صوفها وكمل وجزّه، أو كانت لا لبن فيها فاحتلبه ثم ردّها، فإنّ ذلك كلّه غلّة فلا تردّ.
وأمّا إن اشتراها وفيها ثمر قد أبر، أو على الغنم صوف قد كمل وتمّ، فإنّ في هذا قولين: ذهب ابن القاسم إلى أنّ لها حصّة من الثّمن، وتقدّر مبيعة مع أصولها. فإِذا ردّ النّخل ردّ معها الثّمرة. ولو كان قد جرّها إِذا كانت عينها
_________________
(١) تقدم تخريجه ص٤٤٤.
[ ٢ / ٧٠١ ]
قائمة، وإن فاتت ردّ مثلها. ولم يوجب مع فوتها إمضاءها بحصّتها من الثّمن.
كما رأى فيمن اشترى ثوبين أحدهما تبع للآخر ففات الأدنى، فإنّه إِذا ردّ الأعلى بالغيب مضى الأدنى بحصّته من الثّمن ولم يلزم ردّ قيمته بدل عينه. بخلاف ما ذكره في الموّازيّة من أنّه يردّ قيمته بدل عينه، على حسب ما قدّمناه عن ابن الموّاز فيمن ردّ شاة بعيب وقد جزّ صوفها وفات، فإنّه يردّ وزنه أو قيمته إن لم يعرف وزنه. وإنّما خالف ابن القاسم أصله في هذا لما أشرنا إليه من كون الثّمرة إِذا بيعت قبل الزهو على التبقية حرم ذلك وفسد العقد، ولو أمضاها بحصّتها كما فعل في الثوب الأدنى إِذا فات، لأمكن أنّ يكونا متعاقدين تواطآ على بيع الثّمر خاصة قبل زهوه بشرط التبقية، وأظهرا إضافة بيع الشّجرة إليها ليردّ بالعيب إِذا حصلا غرضهما من بيع الثّمر قبل الزّهوّ بشرط التّبقيَة. وأجرى ذلك مجرى بياعات الآجال الّتي ظاهرها حلال وباطنها ربّما تصوّر فيه معاقدة على الحرام.
واستبعد بعض أشياخنا التّهمة في مثل هذا لأجل كون الرّدّ بالعيب سببه من جهة أحد المتعاقدين.
وظاهر المذهب أنّهما لا يتّهمان إلاّ فيما دخلا فيه مدخلًا واحدًا.
وبياعات الآجال دخلا فيها مدخلًا واحدًا أوّلأ وآخرًا. ألا ترى أنّه قال في التّفليس: إِذا اشترى نخلًا قد أبرت ثمرتها واشترطها المشتري وجدّها وفاتت، إنّما تمضي بحصّتها من الثّمن. كما قال في الثّوب الأدنى إِذا فات لما بعدت التّهمة عنده، في أن يتواطآ على أنّ يبيع الثّمرة مفردة بشرط التبقية، لعلّ المشتري أن يفلس فيمضي البيع فيها بحصّتها من الثّمن إِذا شاء.
وذهب أشهب إلى أنّه لا حصّة لها من الثّمن، فإِذا فاتت وقد اشتراها وهي مؤبّرة، فإنّه إِذا ردّ النّخيل بالعيب، استرجع جميع الثّمن. وكذلك إِذا اشترى الصوف وقد تمّ، فإنّه إِذا جزّه كان غلّة للمشتري فارتجع جميع الثّمن. وكأن ابن القاسم قدّر أنّ الثّمرة إِذا كانت مؤبّرة يرغب فيها ويشحّ عليها. فلهذا لم تكن مع إطلاق العقد للمشتري على ما ورد الحديث به. وقدّر أشهب أنّها في حكم التبع، ولا حصة للأتباع من الثّمن، ولهذا منع بيعها بشرط التّبقية إِذا بيعت
[ ٢ / ٧٠٢ ]
مفردة، وإِذا بيعت مع شجرها جاز ذلك لكونها تبعًا، فلو كان لها حصّة من الثّمن، لم يجز ذلك. ولو كانت بيعت تبعًا لأصولها كما يجوز بيعها مفرده.
والمعتبر في هذا الالتفات إلى العوائد، هل جرت بأنّها مقصودة لها حصّة من الثّمن أو في حكم المطروح الّذي لا حصّة له من الثّمن؟
ولو كان في الشّاة لبن حين العقد فاحتلبه ثمّ ردّها بالعيب، لم يردّه.
قال: لأنّ أمره خفيف. فأشار إلى ما قلناه وأنّه هو المعتبر عنده. ففرّق بين الصوف إِذا تمّ، واللّبن. وسنتكلّم على هذا إِذا تكلّمنا على حكم المصرّاة، إن شاء الله تعالى. وقد ذكر في الموّازيّة عن أشهب ما يقتضي كون الثّمرة وإن لم تؤبّر لها حصّة من الثّمن. وهذا نقيض ما حكيناه عنه من كونها لا حصّة لها من الثّمن وإن كانت مأبورة والمعروف من مذهبه ومذهب أصحاب مالك كونها لا حصّة لها من الثّمن إِذا كانت لم تؤبّر حين العقد.
والجواب عن السؤال الثألث أن يقال: إِذا اشترى الشّجر ولا ثمر فيها فأثمرت عنده فردّ الشّجر بالعيب وقد جدّت الثّمرة، فإنها تكون غلّة في الرّدّ بالعيب، وفي أربع مسائل أخرى، منها ردّها في التّفليس، وفي الأخذ بالشّفعة، وفي الإستحقاق وفي البيع الفاسد.
فأمّا إن لم تفارق الثّمرة أصولها فإنّ الحكم في هذه الخمس مسائل مختلف.
فالمشهور في المذهب أنّها لا تردّ أصولها إِذا أزهت، وإن لم تجد ولم
تيبس، في الرّدّ بالعيب وفي البيع الفاسد.
وأمّا الشّفعة والإستحقاق فيردّ، وإن أزهت ما لم تيبس. فإِذا يبست، لم يجب ردّها وإن كان لم يجدّها.
وفي التّفليس تردّ ولو يبست ما لم يجدها.
وقد اختلف في هذه المسائل، وقيل: إنّ الإبار فوت فيها، ولا تردّ إِذا أبرت، كما لا تردّ إِذا جدّت.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
وكان أشياخي، ﵏، يرون أنّه لا يتحقّق فرق يقتضي اختلاف هذه الأجوبة في الخمس مسائل. وأنّه يضاف إلى المذهب أنّ الفوت في جميعها الزّهو كما قيل في الرّدّ بالعيب والبيع الفاسد. ويقال في جميعها: إنّما الفوت اليبس كما قيل في الشّفعة والإستحقاق. ويقال في جميعها إنّما لفوت جدّها، كما قيل في التّفليس. وأمّا الإبار فمذهب انفرد وقع في المذهب من غير تخريج.
ومدار هذا الإختلاف اعتبار انطلاق هذه التّسمية عليها، وهي كونها غلّة، هل بالإبار، لكون الخبر الوارد اقتضى الإشارة إلى أنّ الثّمرة تكون مقصودة، ولهذا لم تخرج عن ملك البائع إلاّ باشتراط. وكذلك يجب أن تكون للمشتري إِذا ردّ بالعيب. أو يقال إنّما المقصود طيبها وزهوّها، فحينئذٍ تباع تبعًا عامًّا وتؤْكل تفكهًا. فإِذا صارت إلى هذه الحالة تحقّق كونها غلّة. أو يقال: إنّها لا تدّخر إلاّ إِذا يبست، ولا تتّخذ قوتًا إلاّ حينئذٍ، فلا تكون غلّة إلاّ باليبس. أو يقال: ما دامت لم تفارق الشّجر، فكأنّها جزء منها يجب ردّها معها، كسائر أجزاء الشّجر.
وإِذا قلت إنّ الرّدّ بالعيب كابتداء بيع اقتضى أنّها لا تردّ إِذا أبرت لكون الّذي يردّها كبائع لها. وكذلك إِذا سلكنا هذه الطّريقة في الشّفعة والإستحقاق، لا يتصوّر فيه هذا. وكذلك البيع الفاسد فهذه النّكتة المعتبرة في هذا الفصل وهو الوقت الّذي تكون فيه غلّة.
والجواب عن السؤال الرّابع أن يقال: أمّا ضمان المشتري لهذه الغلّة إِذا وجب عليه ردّها، فإنّه ساقط إِذا لم يجدها وكان هلاكها في شجرها بأمر من الله سبحانه، فإنّه إِذا اشتراها، وهي مأبورة، فاشترط الثّمرة أنّه يجب ردّها عند ابن القاسم، وإن جدها لكونها عنده لها حصّة من الثّمن، على حسب ما قدّمناه. ومقتضى هذا أنّ يكون المشتري ضامنًا لها،لكونها مبيعة فاتت في يد مشتريها بأمر من الله تعالى، وهو لم يجدّها يقتضي ألا حصّة لها من الثّمن. خلاف ما
[ ٢ / ٧٠٤ ]
حيكناه عنه من قوله: إنّه يجب عليه ردّها إِذا فاتت لكونها لها حصّة من الثّمن، خلافًا لما ذهب إليه أشهب. واعتذر بعضهم عن هذا بأنّه إنّما لم يضمنها لكونها غير مقبوضة للمشتري. ولهذا منع أن يشتري النّخل المؤبّرة بطعام تكون الثّمرة يتأخّر قبضها، ولا يجوز التّأخير في بيع الطّعام بالطّعام. وعورض هذا الاعتذار بأنّ هذا يقتضي أنّ يرجع المشتري على البائع بثمنها لكونه ضامنًا لها، ولو هلكت هذه الثّمرة بأمر من الله سبحانه بعد أن جدها البائع لضمنها لكونه قد حصل فيها القبض عن البائع.
وعورض هذا أيضًا بأئها إِذا كان لا حصّة لها من الثّمن، لم يعد ضمان المشتري لها، بل يقضَى له بارتجاع جميع الثّمن إِذا ردّ الشّجر.
وقد قال بعض المتأخّرين: لو اشتراها بعد أنّ أزهت لضمنها، وإنّ لم تفارق الشّجر إِذا هلكت بأمر من الله تعالى. يتبيّن وجهه إِذا تكلّمنا على أحكام الجوائح في الثّمار.
وكذلك مال العبد إِذا اشترطه المشتري، فإنّه إِذا ردّه بالعيب، ردّ معه ماله ولو اكتسبه العبد من غير خراجه. ولو هلك وهو بيد العبد لم يضمنه المشتري بل يقضي له بارتجاع جميع الثّمن. ولو هلك هذا المال بعد انتزاعه لضمنه المشتري لأجل انتزاعه له واستبداده بملكه. وقد كان حصوله على جهة المعاوضة.
وهذا أيضًا يلتفت فيه إلى ما قلناه من كون مال العبد، وإنّ اشترط، لا حصّة له من الثّمن. ولهذا جاز اشتراطه. وإن كان المال مجهولًا وإن كان فيه عبد أبق لمّا لم يقدّر أنّ في الثّمن الّذي بذله المشتري معاوضة على هذا العبد الَابق الّذي في جملة مال العبد. وإن كان قد وقع في الموّازيّة لمالك: إِذا كان في مال العبد جارية حامل، فإنّ البيع جائز. وإن كان ولدها إِذا وضع يبقى للبائع، ولا يدخل في الاشتراط. لأنّ المشتري إنّما اشترط ما يملك العبد وولده ليس بملك له. ووقف ابن الموّاز في هذا السؤال. ولعلّه يفرّق بينه وبين جواز اشتراط ماله وإن كان فيه آبق. لأنّ الآبق الظّاهر عدمه، فلا يقصد إلى بذل ثمنٍ
[ ٢ / ٧٠٥ ]
منه. وهذه الجارية الحامل معينة ولها حصّة من الثّمن، ولا يجوز بيع أمة استثثى البائع جنينها. مع كون هذا العقد انعقد على تفرقة أم وولدها في الملك. وهكذا ذكر ابن الموّاز أنّه لو كان في مال العبد جارية رهنها سيّده، فإنّه يجوز هذا البيع. وإن كانت هذه الجارية لا تقبض إلاّ إلى أجل، وهو حين افتكاك السيّد الّذي رهنها لها.
فإِذا افتكّها عادت لعبده. ولا يجوز بيع جارية معيّنة تقبض إلى أجل. ولعلّنا أن نبسط هذا في كلامنا على حكم مال العبد، وكونه مالكًا له أو غير مالك.
قال القاضي أبو محمّد ﵀: والعيوب الموجبة للرّدّ هي ما أثّرت نقصًا في المبيع أو في الثّمن أو في التّصرّف أو خوفًا في العاقبة.
ومن ذلك نقصان الأعضاء، كالعمى والعَوَر والقطع والضَّلَع والزّمانة والخصى والإفضاء، ونقصان الأحكام كالجنون والجذام والبرص والعسر والزّعر وبياض الشّعر والإباق والزّنى والسرق والبخر، والزّوج والولد في العبد والأمة (^١) والحمل والدّين.
ومن هذه العيوب ما يعمّ، ومنها ما يخصّ الرّائعة المرتفعة (^٢) المتّخذة للوطء، وذلك بحسب ما يعلم في العادة.
وزواله بعد الرّدّ مسقط للرّدّ، إلاّ أن يكون مِمّا تبقى علاقته كالزّوجة والزّوج والإستدانة في سفه، وما أشبه ذلك أو (^٣) مِمّا لا يؤمن عوده.
قال الإِمام ﵀ يتعلّق بهذا الفصل خمسة أسئلة. منها أن يقال:
١ - بِمَ يستدلّ على كون النّقص عيبًا على الجملة؟
٢ - وما تفصيل القول فيه في الحيوان من جهة نقص من ناحية الجبلّة ومن ناحية الأحوال؟
_________________
(١) في غ: والزوج والولد عيبٌ في العبد والأمة.
(٢) ساقطة في غ، والغاني.
(٣) (أو) ساقطة في النّسختين، ثابتة في غ والغاني.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
٣ - وما تفصيل العيوب في غير الحيوان؟
٤ - وما حكم ما لا يعلم عيبه إلاّ بعد نقض هيئته؟
٥ - وما حكم عيب لا يثبت إلاّ بالشرط.
فالجواب عن السؤال أنّ يقال: أشار القاضي أبو محمّد في هذا الكتاب إلى طرق الإستدلال على حقائق العيب وذكر ما حكيناه. ولكن قد يتداخل ما نوّعه لأنّه ذكر نقص المبيع، وهو إِذا انتقصَ في نفسه انتقصَ ثمنه. وكذلك نقصه التّصرّف أو من تخوّف العاقبة. كلّ ذلك يرجع إلى نقص في الثّمن.
وهذه الحقيقة الّتي يعوّل عليها المحقّقون من أهل المذهب. فكلّ ما نقّص من ثمن المبيع إِذا اطّلع عليه حين العقد، فإنّه إِذا خفي من المشتري، حين العقد، كان له القيام به. لأنّا لو فرضنا أنّه يشتري عبدًا فوجده قد قطعت أنملته، ولم يعلم بذلك، فمانّ الأنملة جزء من أجزائه يقابل مقدارها من أجزاء الثّمن. وهو لم يأخذ عوض هذا الجزء من الثّمن، فكان له في هذا المقدار ألّذي دفعه ولم يأخذ عوضه مقال. وهذا واضح ولا يلتفت فيه إلى تنويع النّقص وتعداده من أيّ جهة كان. لكن إنّما يشكل ها هنا لو اطلع في المبيع على وصف يكرهه النّاس، ولكن لا يحطّون من الثّمن لأجله شيئًا لو علموه، حين العقد، فإنّ هذا قد قال في المدوّنة في كتاب كراء الدّور والأرضين، في ثوب وجد فيه عيب خفيف لا يُنقص من الثّمن، فإنّه لا يردّ به، د ان اعتقد كونه عيبًا، كعبد يباع وبه عيب خفيف، كالكيّ اليسير الّذي لا يحطّ من الثّمن، فإنّه لا يردّ به العيب، وإن كان عند النّخاسين عيبًا. وقال ابن الموّاز: كلّ ما يكرهه النّاس فهو عيب، إِذا اطّلع عليه، يوجب الرّدّ. فأطلق هذا من غير اعتبار يكون هذا الّذي ذكره ينقص من الثّمن.
فظاهر هذا أنّ المسألة على قولين إن لم يحمل قول ابن الموّاز على ما يكرهه النّاس، فإنّه ينقص من الثّمن، ويكون ذكره كراهيّة النّاس له تغنيه عن ذكر كونه ناقصًا للثّمن، لأنّ الغالب فيما يكرهه النّاس أنّه ينقص من الثّمن، لا سيما
[ ٢ / ٧٠٧ ]
إِذا علم أنّه يثني عزيمة المشتري عن الشّراء أنْ لو اطّلع عليه عند العقد. ويكاد ألاّ يتصوّر هذا (^١) في صور نادرة. فلو قلنا: إنّ من اشترى مقطعًا قد تهتّكت حواشيه، وهو يعلم أنّه لا ينتفع به إلَاّ إِذا فصل، وحواشيه تخرج في التفّصيل وتطرح. فإذا قد يستثقل وتضعف العزيمة، ولكنّه قد لا يحطّ من الثّمن شيئًا.
أو ما اشتراه من المسائل الّتي يحكي فيها خلافًا. ويشير إلى تعلّقه بهذا الأصل.
لكن لو كان هذا الّذي ذكره من حال المبيع لا يعلم بل يكرهه قوم دون قوم. فإنّ من يعلم أنّه من الصنف الّذي يكرهونه ولهم غرض في ترك شرائه، ويقفون عنه، وينقصون من ثمنه لو اطّلعوا على حالته الآن حين العقد، يكون لهم الرّدّ. وأمّا من يعلم أنّه لا يكره هذه الحالة من المبيع، بل له غرض فيها، فإنّه لا مقال له.
وهكذا كان بعض أشياخي يرى فيمن اشترى عبدًا فاطّلع على أنّه صقلبيّ أو اشترى جارية فاطّلع على أنّها مغنيّة، وهو مِمّن لا يرغب في صقلبيّ ولا مغنية، فإن له الرّدّ بذلك، لكون الصقلبيّ يضعف عن العمل، والمغنيّة لا تستخدم. فإن كان ممن يرغب في ذلك، فلا يكون في حقّه عيبًا يوجب الرّدّ.
وإنّما يبقى النّظر عندي في هذه أنّ من اشتراها وهو من قوم يرغبون في ذلك، قد يقول: قد احتاج إلى بيعها فلا يشتريها منّي القوم الّذي لا يرغبون فيها، ويشتريها من يرغب فيها فيقف عنها أيضًا من لا يرغب فيها.
وقد ذكر أبو حامد الاسفراييني إختلافًا عندهم فيمن اشترى جارية ثيّبًا فإِذا هي بكرٌ، أو اشترى جارية جَعْدة الشّعر فإِذا هي سَبْطة الشّعر. فذكر عن بعض أصحاب الشّافعي أنّه يذهب إلى أنّ له الرّدّ إن اطّلع على أنّ الحال أفضل من الحال الّتي دخل عليها. قال أبو حامد: وهذا غلط لأنّه يقدر على أنّ يبيعها بأكثر من الثّمن الّذي اشتراها به، فأنت تراه كيف أشار إلى تمكّن المشتري من البيع بغير خسارة. وهذا هو المعتبر في حقائق العيوب.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: إلاّ في صور
[ ٢ / ٧٠٨ ]
والجواب عن السؤال الثّانى أنّ يقال: أمّا النّقص في الرّقيق من ناحية الخلق، فإنّ العمى والعور والصُّفرة في العين والبياض عيوب توجب الرّدّ.
وكذلك الصمم والبكم ما لم يكن صغيرًا لا يتبيّن بكمه.
وأمّا سقوط الأسنان فإنّ المذهب اتّفق على سقوط ضرسين عيب يوجب الرّدّ، سواء كان ذلك في عليّ الرّقيق أو وخشه، لأنّ ذلك يمنع من مضغ الغليظ، وتكسير الصّلب، وسرعة الأكل. وأمّا ضرس واحد فعيب في العلِيّة، وليس بعيب في الوخش، إلاّ أن يكون في مقدم الفم، فإنّه يقبّح منظرته. وهذا الّذي حكيناه، من اتّفاق أو اختلاف، المعتمد فيه على ما قدّمناه من اعتبار كون ذلك ينقص من الثّمن أو لا ينقص منه، ولكنّه يكره. وأمّا العمل فعيب في العليات. وأمّا الوخش من الخدم فاختلف قول مالك فيه، فروى عنه ابن القاسم أنّ ذلك عيب، وروى عنه أشهب أنّه ليس بعيب. وقال الشّيخ أبو بكر ابن عبد الرّحمان: محمل هذا عندي على أنّ هذه الحامل من العجم اللّائي جلبن، وأمّا لو كانت من الخدم المقيمات بالبلد لكان عيباَّ، لأنّ هذا العمل لا يخلو أنْ يكون عن زنى أو عن تزويج، وزنى الأمة عيب يوجب ردّها، وكذلك كونها ذات زوج.
وهذا الّذي قاله صحيح. وإنّما يبقى النّظر فيه إِذا كان من زوج ولكنّ الزّوج طلّق أو مات، فإنّ طلاقه لا يرفع العيب. وأمّا موت الزّوج ففي كونه رافعًا للعيب اختلاف سنذكره.
وأمّا كون الأمة زلاّء صغيرة الكفل والرّدف، فإنّه ذكر في المدوّنة أنّه ليس بعيب. واختلف في تعليل ذلك. فأشار ابن حبيب إلى أنّ العلّة في ذلك كونه لا يخفى. وطعن في هذا بعض المتأخّرين بأنّ هذا التّأويل لا يليق بما قاله في المدوّنة، لأنه قال: ليس هذا بعيب. ولو كان إنّما عوّل على أنّه لا يخفى، لكان الجواب أنّ يقول: لا قيام له به، ولم يُجب بأن يقول هذا ليس بعيب. وتأوّله كثير من المتأخّرين على أنّ المراد به أنّ هذا النّقص ليس بفاحش ولا خارج عن
[ ٢ / ٧٠٩ ]
العادة. ولو كان نقصًا خارجًا عن العادة لوجب الرّدّ. وفي كتاب ابن الموّاز إشارة إلى هذا التّعليل. وذكر أيضاَّ أَنّ المشتري إِذا اطّلع على أنّها صغيرة الصّدر، فإنّه لا ردّ له إلاّ أنّ يكون فاحشًا. وهذا الّذي أشار إليه يعضد تأويل هؤلاء الّذين تأوّلوا مثل هذا في أرداف الأمة وصغرها.
وأمّا وجود الشّيب في شعر الرّائعة وهو كثير، فإنّه عيب بغير خلاف. وأمّا القليل من الشّيب فظاهر الأمرانّ المذهب على قولين، أحدهما: وجوب الرّدّ بالشّيب في الجارية العلية قولًا مطلقًا من غير تقييد. والقول الثّاني: اشتراط كون الشّيب كثيرًا. وهذا أيضًا إنّما يعتبر فيه ما قدّمناه من كون هذا ينقص من الثّمن. والوخش ليس الشّيب بعيب فيهنّ، إذ لم ينقص من الثّمن.
وأمّا كون الجارية مستحاضة، فإنّه عيب في العلي والوَخْش لكونه يضعف البدن ويسقم، وربّما أدّى لاجتناب الأمة إِذا كانت للوطء.
وأمّا ارتفاع الدّم، والجارية في سنّ من تحيض، فإنّ ابن حبيب ذكر أنّ الإستحاضة إِذا كانت تعرض للأمة بعد مدّة، فإنّ على البائع أنّ يبيّن ذلك. فإن لم يبيّنه، كان للمشتري أن يردّ. وأمّا ارتفاع الدّم مرة بعد مرّة فلا على البائع بيانه.
واعتذر بعض المتأخّرين عقا ذكره، في المدوّنة مِمّا ظاهره اختلاف الجواب في تأخيره شهرين بأنّ قال في أحد اللّفظين: تأخير الحيض في استبرائها، والمراد به تأخّره بعد انقضاء مدّة الإستبراء. وقال في اللّفظ الآخر: تأخّر شهرين من يوم الشّراء، فشهر من تاريخ مدّة الشّراء هو أمر الإستبراء المنتظر، والشّهر الثّاني هو الزائد على المعتاد. وقد ذكر في كتاب ابن الموّاز ما ظاهره الاضطراب في التّحديد في الشّهر وفي أكثر منه وذكر أنّ الطّول أربعة أشهر. وذكر أيضًا أنه إِذا مضى ثلاثة أشهر نظر إليها القوابل، فإنّ قلن لا حمل بها ساغ للمشتري وطؤها، وإن شاء استمك بها. وإن تمادى تأخر الدم، كان له الرّدّ لما يلحقه من الضّرر إِذا أراد البيع. وذكر ابن شعبان عن مالك والمغيرة
[ ٢ / ٧١٠ ]
وابن دينار أنّه إِذا مضى خمسة وأربعون يومًا مكّن البائع من الفسخ، إن أراده، لما يلحقه من الضّرر في الانتظار. ومدار هذا كلّه على ما أشار إليه في المدوّنة من اعتبار حصول الضّرر. فإنّه إِذا حصل، كان للمشتري مقال في فسخ البيع لأنه لم يشتر إلاّ ما ينفعه لا ما يضرّه.
وممّا يعدّ عيبًا أيضًا من ناحية الفرج هو أنّ يكون العبد والأمة يبولان في الفراش. فإنّه إِذا كان ذلك، وهما من الصّغر بحيث لا يستنكر ذلك فيهما، فلا مقال للمشتري. وإن بلغا السنّ الّذي يستنكر ذلك فيه، ويثبت أنّ ذلك كان عند البائع قبل عقد البيع، فللمشتري الرّدّ. وإن لم يثبت ذلك، فإنّ محمَّد بن عبد الحكم لم يرَ له تأثيرًا لجواز أن يكون العبد أو الأمة كرها من اشتراهما فتعمدا البول في الفراش ليردّهما. والظاهر من المذهب أنّ هذا من التّجويز البعيد الّذي لا يسقط الحقوق. فذكر ابن حبيب أنّه ينبغي إن توقف على يد امرأة أو رجل له امرأة، فإن نظرت إلى الفراش لمّا أصبح وهو مبلول وأخبرت بذلك، فإنّه يوجب على البائع اليمين لثبوت هذا اللّطخ، وإن لم يثبت هذا اللّطخ، فلا يمين عليه.
وإن كان المشتري هو المحاول إثبات هذا عند القاضي، فإنّه لا يقبل فيه إلاّ شهادة عدلين أبصرا ذلك.
وأمّا الخَنَث في الذّكرَان والفحولة في النّسوان، فإنّ في المدوّنة أنّ ذلك عيب يردّ به العبد والأمة. وشرط في الأمة أن تشتهر بذلك. لكن ابن حبيب فسّر هذا العيب المجمل في كتابه، فذكر أنّ مالكًا إنّما يجعله عيبًا إِذا كان الذّكر يؤتى، والأنثى فحْلَة لشرار النّساء. وأمّا التأنيث من جهة التكسر في المعاطف والنّظر والنّطق، فإنّ هذا ليس بعيب يردّ به.
وقد حمل الشّيخ أبو محمّد بن أبي زيد قول ابن حبيب هذا على أنّه مخالف لمذهب المدوّنة، وأشار إلى أنّه لا يشترط في المدوّنة كون المخنّث يؤتى، والجارية تراضع (^١) النّساء.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعلّ الصواب: تباضع.
[ ٢ / ٧١١ ]
وخالفه بعض المتأخّرين في هذا التّأويل. وأشار إلى كون ابن حبيب مفسرًا لما أجمله في المدوّنة لا مخالفًا فيها. ورد الشّيخ أبو عمران قول ابن حبيب بأنّه قد اشترط في المدوّنة كون الأمة اشتهرت بذلك، ولو كان المراد بذلك حصول الجماع بين الذّكرين أو الأنثيين، لكان وقوع ذلك مرة واحدة عيبًا لا يحتاج فيه إلى التّكرار. وإنّما قيّد في الأمة بالاشتهار لكون فحولتها لا تضعف شيئًا من أعمالها، لكن اشتهارها بهذا نقص وعيب. وقد جاء في الحديث أنها ملعونة (^١)، فإنّه يستدلّ بخنثه في حركاته وألفاظه على ضعف قوتّه وعمله. والضّعف عيب وإن لم يشتهر.
وأمّا البكارة والثّيوبة فإنّها لا يلزم البائع بيانها. ولا يردّ المشتري بالثيّوبة إِذا لم تشترط في أصل العقد، إلاّ أنّ تكون الأمة في سنّ من لا تقتضي (^٢)، فإنّ ذلك يقوم مقام الاشتراط أيضًا، ويكون للمشتري الرّدّ بالثّيوبة. ولو قال المنادي عليها: إنّها تزعم أنّها بكر، فإن ذلك يقوم مقام الاشتراط لكونها بكرًا، ولا يلزم البائع أنّ يبيّن أنّها ثيّب، ولا يمكن المشتري من الرّدّ عليه إِذا باع مطلقًا. وهذا عندي إنّما يتّجه إِذا كانت الثيّوبة أمرًا غالبًا فيحمل الإطلاق عليه، ويظنّ أنّ المشتري عليه دخل. لكن ذكر في الرّواية أنّ المشتري لو قال للبائع: أبكر هي أم ثيّب؟ فقال: لا علم لي، فإنّه يصحّ البيع ولا يردّها بالثيّوبة. ولم يرَ هذا تخاطرًا وعقدًا (^٣) بيعًا على صفة مجهولة لم يُحِطْ بها المتبايعان، والثّمن يختلف باختلافهما.
فهذا مِمّا يتعقّب جواز العقد عليه إلاّ أن يعتذّر عن هذا بأنه أمر يعسر الكشف عنه وتدعو الضّرورة إلى عقد البيع عليه مع الجهالة به، فيكون في هذا نظر. ولعلّنا أن نبسطه في الكلام على العيوب الباطنة، كعيب الخشب، وشبهها.
وأمّا العَسَر وهو الّذي لا يعمل إلاّ بيساره، فإنّه عيب. وأمّا الأضْبط وهو الّذي يعمل بكلتا يديه، فإنّه ليس بعيب إلاّ أن يُنتَقَصَ عمل اليمين منه عن
_________________
(١) فتح الباري ح١٥ ص١٧٣.
(٢) هكذا في النّسختين: ولعل الصواب: تفتض.
(٣) هكذا في النّسختين، ولعل الصواب حذف: عقدا.
[ ٢ / ٧١٢ ]
المعتاد لأجل مشاركة الشّمال لها في القوّة، فيكون ذلك عيبًا. هكذا وقع في الرّواية، ولم يلتفت فيها إلى جبران نقص اليمين بقوّة اليسرى، ولا جبر هذا بهذا. هذا القول في تفصيل النّقص والعيب من ناحية الجبلّة والطّبيعة.
وأمّا من ناحية الأحوال، فإنّ الأمة والعبد إِذا اطّلع على كونهما سرقا أو شربا الخمر، فإنّ ذلك عيب يوجد الرّدّ للمشتري إِذا طلبه.
وأمّا الاطّلاع على أنّ الأمة زنت، فإنّه عيب أيضًا يوجب الرّدّ. وأمّا الاطّلاع على كون العبد قد زنى، فعندنا أنّه عيب فيه. "وخالف في ذلك الشّافعي ورأى أنّ هذا لا يؤثّر في ثمن العبد، ويؤثّر في ثمن الأمة وفي الغرض منها لكونها قد تقبّل وتضاجع. وأجيب عن هذا بأنّ العبد قد يناجيه سيّده، ويضطّر إلى ذلك، فيتأذّى من رائحته فيحطّ ذلك ثمنه (^١) ".
وكذلك الزّوج عندنا للأمة والزّوجة للعبد عيب لا سيما في الأمة مع كون ذلك يمنع مشتريها من الاستمتاع. وبهذا ردّ أصحابنا على الشّافعي إنكاره كون ذلك عيبًا فيها. ولو وقع الطلاق قبل أن يقوم المشتري بهذا العيب ما ارتفع حكم العيب لكون العبد أو الأمة يتوقّع حنين كلّ واحد منهما إلى من كانت بينه وبين زوجته ومن كان سكنًا له وصار بينهما مودّة ورحمة. والعيب إِذا زال وتتوقّع عودته، فإنّه كما لم يزل. لكن لو مات أحد الزّوجين، لكان في ارتفاع العيب قولان. أحدهما لا يرتفع قياسًا على الطّلاق بفساد الطّبع كالألفة للزّوجة، فيعسر استقامة العبد أو الأمة من فقد ذلك. والقول الآخر أنّ العيب يرتفع لأنّ الموت يوجب الإياس من حنين بعضهما إلى بعض.
وقد وقع في الرّواية فيمن اشترى أمة وهي في عدّة من طلاق لم يعلم به حتى انقضت العدّة، فإنّه عيب قد ارتفع بانقضائها. ومحمل هذا على أنّه علم بالزّوجيّة والطّلاق وظنّ أنّ العدّة قد فرغت، ولو كان يعلم (^٢) بالزّوجيّة، لم
_________________
(١) يظهر أن في الكلام نقصًا إذ ما بين القوسين متعلق بالبخر وليس بالزنى.
(٢) هكذا ولعل الصواب لم يعلم.
[ ٢ / ٧١٣ ]
يرتفع العيب كما بيّناه، وذكر في الطّلاق أنّه لا يرفع العيب. وقد يقال هذا أيضًا على أنّه لو اطلّع على ذلك وهي في أوّل العدّة، فيطول انتظاره لتحليلها له. وأمّا لو كان بعد شهر وبقي من العدّة شهر آخر وهو مقدار استبرائها بحكم الشراء، فإنه لا مقال له.
وأمّا وجود أقارب قريبة جدًّا كالوالدين والبنين، فإنّ ذلك عيب يردّ به المشتري إذا لم يعلم به حين العقد، لكون هذه القرابة القريبة تستدعي الألفة والانقطاع للآباء والبنين وإسعافهم ولو بما في يد العبد أو الأمة من قوت وذلك يضرّ بسيّده.
وأمّا إن كانت القرابة بعيدة كالعمومة وبنيها، فإنّ ذلك ليس بعيب لفقد العلّة الّتي أشرنا إليها في هذا. هكذا وقع في الرّواية، وينبغي أنّ يرجع فيه إلى العادة في أمثالهم.
وأمّا الأجداد فلم يلحقوا إلاّ (^١) بالآباء. لكن بعض المتأخّرين مال إلى أنّ الجدّة للأمّ في حنين ولد ابنتها إليها، فقد يفسده، وفي ذلك على سيّده ضرر.
ولو مات أحد من هذه القرابة القريبة قبل الرّدّ بالعيب لارتفع القيام به.
وأمّا إنّ وجد في أباء الأمة أو العبد مجذومًا، فإنّه عيب يوجب الرّدّ لكونه تبقى غائلته في النّسل. وقد يكون الجذام من فساد في النّطف فيعدي ذلك في النّسل.
وأمّا الجنون فيردّ به العبد والأمة، وإن كان أحد من الآباء، وذلك لفساد في الطّباع بأن يكون حكمه حكم الجذام إِذا وجد بأحد الآباء. وأمّا إن كان من مسّ الجنّ، فإنّ ذلك لا يخشى منه على النّسل.
وأمّا إن كانت الأمة أو العبد أولاد زنى، ذكرًا أو أنثى، من العلية، يرد بذلك لكونه نقصًا فيهم. واختلف في الوخش هل ذلك عيب فيهم أم لا؟ وأمّا إن وجد أحد آبائه أسود، فإنّه ليس بعيب في الوخش. واختلف في العليّة هل هو عيب لما يتوقّع من خروج الولد أسود. وقد أشار ﵇ في الحديث إلى هذا المعنى،
_________________
(١) هكذا ولعل الصواب حَذف إلَاّ.
[ ٢ / ٧١٤ ]
فقال: لعلّ عرقًا نزعه (^١). أو ليس بعيب لكون ذلك مِمّا لا ينقص من الثّمن.
وأمّا إن وجد العبد أغلف والأمة غير مخفوضة، فإن كان ذلك في رقيق العجم المجلوب، ولم تطل إقامته عندنا، فإنّ ذلك ليس بعيب لكون المشتري على ذلك دخل، وإن كانوا مِمّن طالت إقامتهم عندنا، أو ولدوا عند المسلمين، فاختلف فيه هل هو عيب أم لا في الوخش؟ وأمّا العلي هو عيب فيه.
ولو ثبت أنّ الأمة ادّعت على سيّدها أنه أولدها وأنّها حرّة، فإن ذلك عيب، للمشتري أن يردّ المبيع لأجله. لكون ذكرها لهذا مما يشكّك في وطئها وغشيانها واستباحتها.
والجواب عن السؤال الثّالث أن يقال: أمّا العيوب فيما سوى الحيوان، فإنّه إمّا أن يكون دارًا أو ثيابًا أو ما في معناهما من السلع. فأمّا إن كان في دار، فإنّه قال في المدوّنة، فيمن اشترى دارًا فوجد بحائط منها صدعًا إنّه إن كان يخاف على الدّار أن تنهدم بسببه كان له الرّدّ به، وإن كان لا يخاف ذلك، فلا ردّ له. ووقف في الجواب عن (^٢) هذا. لكن ابن الموّاز ذكر أنّه لا يردّ به، ولكن يرجع بقيمة العيب إِذا كان يسيرا. قال: وكذلك في كلّ عيب. وهذا الّذي ذكره ابن الموّاز هو الظّاهر المراد بما أطلقه في المدوّنة ..
لكن ذكر في كتاب القسم من المدوّنة أنّ أحد الشريكين إِذا اطّلع فيما صار له بالأقسام في الرّبع على عيب يسير، فإنّه يقضى له بقيمته.
وقد أكثر المتأخّرون القول في الفرق بين الدّيار وما سواها من المبيعات الّتي كان الحكم فيها أنّه لا يقضى له بقيمة العيب مع القيام يسيرًا كان أو كثيرًا، وإنّما يقضى بالرّدّ أو الإمساك. فقيل: لمّا كانت الدّيار المراد بها القنية والسكنى لا الإدارات والتّجارة لم لويؤثر العيب اليسير في عينها تأثيرًا يوجب الرّدّ. لكن يوجب ردّ ما نقص من الثّمن لئلاّ يكون البائع أمسك جزءًا من الثّمن من غير أن
_________________
(١) فتح الباري ح١٥ ص١٩١.
(٢) في المدنية: هل، وكلا النسختين لا يؤدي ما فيهما المعنى، ولعل الصواب: عند.
[ ٢ / ٧١٥ ]
يدفع عوضه.
وقُدِح في هذا بأنّ هذا التّعليل يقضي بأن لا يأخذ قيمة العيب، وقد أشرنا نحن إلى الإعتذار عن هذا الإلزام.
وقيل: إنّما الفرق أنّ الدّيار لا يحاط بعيوبها اليسيرة، فصار ذلك عذرًا في المنع من ردّها.
وقد قدح في هذا أيضًا بأنّ الرّقيق يكتم عيبه حتّى لا يكاد يحاط به، ثمّ مع هذالم يمنع هذا من ردّه.
وقيل أيضًا: الفرق أنّ الدّيار لا يكاد تخلو من عيب يسير. فلو قضى بالرّدّ لأجل العيب اليسير مع كونها لا تنفكّ عنه، لكان في ذلك ضرر بالمتبايعين.
وقدح في هذا أيضًا بأنّه يقضي بأن لا يرجع بقيمة العيب. وهذا أيضًا يجاب عنه بمثل ما قدّمنا من الإشارة إليه.
وقيل أيضًا: الفرق أنّ الدّيار لا تباع في الأسواق غالبًا ويعرض فيها، كما يعرض سائر السلع، فلو قضينا فيها بالرّدّ بعيب يسير، لأضرّ ذلك بالبائع لكونه لا يجد بيعها كما يبيع السلع الّتي لا يطول السوق بها، ويضرّ ذلك بالمشتري لكونه لا يتأتّى له شراء مثلها على الفور.
وقيلّ إنّ العيب اليسير منها يجري مجرى استحقاق اليسير منها لكونها ذات أجزاء، والدّار إِذا استحقّ منها الثّلث فأكثر، وجب ردّها، وإن كان أقلّ من ذلك، لم يجب للمشتري ردّ ما لم يستحقّ.
وهذا أيضًا يقدح فيه بأنّ العيب اليسير فيها قد يسري إلى بقيّتها، بخلاف استحقاق ثوب من ثياب كثيرة. على أنّ بعضهم لم يعتبر في الاستحقاق الثّلث، وإنّما اعتبر ما يضرّ.
ووكّد قياسهما على الاستحقاق قوم آخرون بان أحد جدرانها الأربع الجنوب والشمال والغربي والشرقي لو استحقّ، لم يكن به للمشتري مقال.
وكذلك ينبغي أن يكون العيب اليسير. وهذا أيضًا مِمّا لا يستقلّ بنفسه. بل
[ ٢ / ٧١٦ ]
يعارض بما في استحقاق أحد جدرانها الأربع. وإن سلم ذلك فلكون المشتري لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه.
وقيل أيضًا: إنّما الفرق كون الدّار يصلح عيبها بأن توقع (^١) حتّى تعود كما كانت أوّلًا قبل أن تفسد، فصار العيب يقدَر على رفعه، فلم يوجب الرّدّ، ولكن أوجب القيمة، لأنّ العيب لا يرفع إلاّ بخسارة. وألزم على هذا أن يكون الثّوب لا يردّ بالعيب لكون الرتق يرفع فساده كما يرفع الترّقيع لِمَا انثلم من الدّار فسادها. فقد صار إلى هذا بعض المتأخّرين ورأى أنّ المقاطع لا ترد بالعيب اليسر. وهذا الّذي ذهب إليه هذا خلاف أصول المذهب وقواعده.
فأنت ترى ما ذكروه من هذه الفروق الستّه وما قدح به فيها. والنّكتة الّتي يحوم عليها الجميع اعتبار الضّرر بالعيب وحصوله، والنّظر في مقداره فيما يخفّ ويكثر.
وقد ذهب بعض الأندلسيين إلى أنّها تردّ بالعيب اليسير كما تردّ سائر السلع. ورأى أنْ لا فرق بين الدّيار والعروض في التّمكين من ردّها بالعيب اليسير. وهذا هو مقتضى القياس والظّواهر. وإنّما سلك الآخرون ذلك لما أشرنا إليه من اختلاف أحوال المبيعات في حكم الضّرر بالعيب ومقداره.
وإذا تقرّر أنّها لا تردّ بالعيب اليسير، فما مقدار هذا اليسير؟ قال بعض الأشياخ هو ما كان لا يأتي على معظم الثّمن. فإِذا أتى على معظم الثّمن، كان ذلك عيبًا كثيرًا يوجب الرّدّ. وقال بعضم: اليسير فيه ما نقص عن الثّلث. وأشار بعضهم إلى اعتبار كون العيب شاملًا لسائر الدّار من جهة التأثير والقصد كبطلان بئرها بطلانًا لا ينصلح، أو ما جلها، أو سقوفها أو قناتها. ورأى أنّ ما كان كذلك يوجب الرّدّ لأنّه كعيب استولى على الكلّ.
والجواب عن السؤال الرّابع أنّ يقال: أمّا ما لا يمكن الإطّلاع على باطنه إلاّ بعد نقض هيئته، كخشب اشتريت فنُشِرت، فوجد باطنها عفِنًا أو مسوّسًا. أو جوزًا وقثّاء وشبه ذلك، فكسر فوجد باطنها فاسدًا. أو جلودًا لم يظهر ما فيها
_________________
(١) هكذا ولعل الصواب تُرَقَّع.
[ ٢ / ٧١٧ ]
إلَاّ بعد دبغ أو قطع، فإنّ عن مالك في تمكين المشتري من الرّدّ بهذا العيب روايتان. وكذلك للشّافعي في ذلك قولان. وبإثبات الرّدّ قال أبو حنيفة.
والمشهور عن مالك وأصحابه ألاّ ردّ بهذا العيب. لكن حكى القرويون عنه روايتين. وكذلك قال الأبهري: إنّ المدنيين من أصحاب مالك رووا عنه إثبات الرّدّ بهذا العيب، منهم المغيرة وغيره. وذكر ابن حبيب أنّ هذا إنّما يمنع به الرّدّ إِذا كان عيبًا في أصل الخلقة. وأمّا إِذا كان حدث بعد الصحّة وسلامة الخلقة، كعفن وشبهه حدث بعد الصحّة لسبب اقتضاه، فإنّه يجب به الرّدّ. وحمل بعض الأشياخ هذا على أنّه قول ثالث في المذهب. وما أراه كذلك لأنّ ابن حبيب أشار إلى أنّ هذا الّذي حدث مِمّا يعلمه قوم ويجهله آخرون، والكلام في هذه المسألة إنّما صوّرناه فيما يستوي المتبايعان في الجهل به ولا يمكن أحد معرفته، لا سيما وهذا الحادث بعد الصحّة ربّما كان عن سبب يعلمه البائع، مثل وضعه الخشب في مكان يظنّ من جهة العادة أنّه يفسدها.
فإِذا تحقّقت الخلاف في هذا فسببه أنّ من نفى الرّدّ بهذا، قال: لم يزل الأمر جاريًا في سائر الأمصار على مرور الأعصار ببيع الدّيار مع كون باطن بنيانها مستورًا عن عين النّاظر لها. وقد يكون بحجر مكسور أو صحيح ولا ينكر هذا منكر. فاقتضى هذا وقوع العقد على ظواهر الأمور دون بواطنها. وهذا الاعتلال قد يجاب عنه بأنّ هذا غرر غير مقصود، ولا يقدر على رفعه. ولو اطّلع على أنّ البناء الباطن بخلاف ما جرت به العادة مِمّا يعلم أنّه لا يدخل عليه المشتري لكان له بذلك مقال. وقد ذكر ابن الموّاز عن مالك إشارة إلى قريب من هذا المعنى. فذكر عنه أنّه قال: هذا الأمر ثابت، عليه يدخل البائع والمشتري، والتبايع على ذلك وقع. وهذه منه إشارة إلى أنّ هذا العقد وقع بالبراءة من هذا العيب الباطن، وسومح فيه بالبراءة للضّرورة إلى ذلك، وكونه غررًا غير مقصود.
وأمّا من أثبت الرّدّ، فإنّه يقول: مطلق العقد يقتضي سلامة المبيع من
[ ٢ / ٧١٨ ]
العيب، وإن لم يشترط السلامة. فإِذا لم يوجد الخشب أو الجوز سالمًا، فقد وجب له أنّ يردّ. فيكون الإطّلاع عليه حال العقد لا يرفع حقّ المشتري فيما ثبت له مِمّا دخل عليه من سلامة المبيع، كما لو اشترط سلامته. وقد ورد الشّرع بالرّدّ بعيب التّصرية مع كون المشتري لا يعلم التّصرية حال العقد. ويجاب عن هذا بأن التّصرية علمها البائع ودلس بها، ويمكن أنْ يعلمها غيره حين العقد.
فلم يكن كمبيع لا يمكن أن يعلم عيبه حال العقد أحد المتبايعين.
وقد وقع في الموّازيّة لأشهب وغيره: أنّ ما يمكن اختباره والاطّلاع على عيبه حال العقد، كالجوزة والجوزتين وقثاءة واحدة أو قثّاءتين، فإن هذا يردّ به إذا وجد باطنه رديّا. وهذا وإن أطلق مالك الجواب في كون القثّاء لا تردّ إِذا وجدت مرّة، فطرْد ما قدّمناه من التّعليل يقتضي إِذا أمكن العلم بباطن القثاءة الواحدة والعدد اليسير من القثاء قبل أن يُقطع، مثل أن يذاق باطنه بشيء يدخل فيه، وتختبر الجوزة والجوزتان إختبارًا يعرف به حالهما قبل الكسر. وأمّا الأحمال من القثاء وما لا يمكن اختبار جميعه، ففي الموّازية أيضًا أنّه لا يردّ به إلَاّ أنّ يكون كلّه مرًّا أو أكثره. فإنّ العمل إِذا كان كلّه مرًّا لا يكاد يخفى ذلك على بائعه.
وأمّا البيض فإنّه يردّ بالعيب إِذا اطّلع عليه بعد أن كسر، لكونه مِمّا يعلم فساد باطنه قبل كسره.
وهذه المبيعات الّتي ذكرنا أنّها لا تردّ بالعيب الباطن لازمة للمشتري كسرت أو لم تكسر. وما ذكرنا من أنّه يردّ بالعيب الباطن، فإنّ المشتري لا مطالبة عليه في كسره إن كان البائع مدلّسأوله الرّدّ بالعيب، إلاّ أن يقطع ما يقطع أو ينحت من العود ما ينحت ويصير في حكم الفائت، فإنّه لا يردّه وإنّما له قيمة العيب على ما قدّمنا ذكره.
لكن (^١) فيمن قطع ثوبًا، دلّس البائع بعيبه، قطعًا لا يقطع عليه مثله، كقطعه تبابين. وأمّا إن كان البائع غير مدلّس، فإنّ للمشتري أن يرد المبيع،
_________________
(١) هكذا.
[ ٢ / ٧١٩ ]
ويردّ ما نقصه القطع.
وإن كان ذلك بيضأوكسره ثمّ اطّلع بعد كسره على عيبه، فإنه يقضى له بقيمة العيب، ويعدّ ذلك كفوت المبيع. هذا إِذا كان مِمّا يسوغ بيعه، وأمّا إن كان فساده من جهة أنّه صار كالميتة لا يؤكل، فإنّ البائع يردّ الثقن كلّه.
والجواب عن السؤال الخامس أنّ يقال: قد ذكرنا حكم العيوب الّتي تتضمّن السلامة منها إطلاق العقد. فأمّا ما لا يتضمّنه إطلاق العقد، لكنّه اشترط في أصل العقد، فإنّه متى وافق المبيع شرط المشتري فواضح ألاّ مقال له. وإن خالف المبيع شرطه، فلا يخلو ذلك من ثلاثة أقسام. أحدها: أن يجد المبيع على صفة هي أدنى مِمّا اشترط، كعبد بيع على أنّه من قبيلة، فوجد من قبيلة أخسّ منها وأقلّ ثمنًا، فإنّ هذا للمشتري الرّدّ به.
وإن وجد المبيع على صفة هي أفضل وأعلى ثمنًا مِمّا اشترط، فإنّه لا مقال له، إلاّ أن يتبيّن له غرض فيما اشترطه، فإنّه من حقّه الرّدّ، وإن كان المبيع على صفة هي أعلى مِمّا اشترط، مثل أنّ يشتري أمة نصرانيّة فوجدها مسلمة، فإنّه لا ردّ له، لكون المسلمة أفضل من النّصرانية. إلاّ أن يعتلّ المشتري أنّه إنّما اشترط كونها نصرانيّة لكونه أراد أن يزوّجها عبدًا له نصرانيًّا، فإنّ هذا إِذا علم صحّة عذره كان الرّدّ له.
وكذلك إِذا اعتذر أنّه سبقت منه يمين ألا يملك مسلمة.
وأمّا لو اشترط صفة فوجد المبيع على صفة أخرى لا يتّضح تفاوت ما بينهما في الجودة والدّناءة، ولكنّ الصفتين متقاربتان تقاربًا تختلف أغراض النّاس فيه، فإنّ له الرّدّ بذلك. وقد مثل في الرواية هذا برجل اشترى أمة على أنّها خراسانيّة، فوجدها بربريّة أو على أنّها بربريّة فأصابها خراسانيّة، أنّ له الرّدّ بذلك لأجل اختلاف أغراض النّاس في هذين الجنسين. ومثل أيضًا في الرّواية اختلاف الجنسين بأمة بربريّة أو صقلبية. فذكر أنّ من شرط صقلبية فوجدها بربريّة لا ردّ له، لكون البربريّة عنده أفضل. قال: إلاّ أن يكون اشترط ذلك لما يخاف من حريّة البربريّة وسرقتهنّ، فإنّ هذا عذر له يوجب له الرّدّ.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
وقد اختلف النّقلة في قوله: وحرّيتهنّ. فقال سحنون: وحرّيتهن معنى سرقتهنّ أنهنّ يسرقن وهنّ أحرار. وهذا التّأويل يكون مؤكّدًا لرّواية من روى وحرّيتهنّ.
وقد قيل للشّيخ أبي بكر بن عبد الرّحمان: إن النّصرانيّة عند أهل صقليّة أعلى ثمنًا من المسلمة. فقال: إِذا اشترط كونها نصرانيّة فوجدها مسلمة والأمر كذلك عندهم، فإنّ له الرّدّ، وأنا أستعظم أن أجعل الإِسلامَ عيبًا. وهذا الّذي قاله طرد ما قدّمناه من الرّواية في أنّ من وجد أفضل من شرطه لا ردّ له إلاّ أن يكون له غرض فيما اشترط.
وقد ذكر في المدوّنة أنّ مالكًا سئل عن رجل اشترى أمة ليتخّذها أمّ ولد فوجدها عربيّة، فأراد ردّها، واعتلّ بأنّه إِذا أعتقها جرّ العرب ولاءها، ولم يكن ولاؤها لولده. فلم يرَ له مالك هذا يوجب الدّدّ ولم يعذره به. واعتذر المتأخّرون عن قوله: جرّ العرب ولاءها، فقالوا: المراد به ميراثها، وأخذ ما تترك من مال. وأمّا الولاء فلم يجرّه عن العتق أحد، إلاّ في بعض الصّور الّذي نذكر في كتاب الولاء.
واختلف المتأوّلون فيما اعتلّ به السائل لمالك، فقال المغامي: مراد السائل أنّها إِذا كانت عربيّة، فإنّها تنسب للقبيلة الّتي هي منها، وتشتهر بذلك حتّى يندرس كون هذا الّذي أعتقها يستحق ولاءها.
وقال بعض الأشياخ: إنّما المراد أنّ الغالب وجود عاصب لها يرثها بالنّسب، والنّسب مقدم على الولاء، لكون العربيّة يحتفظ على نسبها ويعلم أصلها، بخلاف العجميّات اللاّتي لا يعرف لهنّ جدود أسلاف.
وقيل أيضًا إنّ مراد السائل أنّه يعلم أنّ لها عاصبًا جهل أمره فلا تورث بالولاء، ويتصدّق بمالها كما يتصدّق باللّقطة الّتي جهل مالكها، واعتقد السائل غلطًا منه أنّ هذا هو الحكم، فردّ عليه مالك غلطه وأخبره أنّ هذا ليس بعذر.
إلى هذا أشار بعض المتأخّرين.
[ ٢ / ٧٢١ ]
ولكن لو كان هذا هو مراد السائل، لوجا ذلك في العجميّات أيضًا لأنّه يعرف أنّ العجميّة لا بدّ لها من عاصب، ولكنّه مجهول أيضًا. وإن افترق الحال يكون العجميّة لا يرجى العثور على عاصبها ويرجى ذلك في العربيّة.
وقد سئل يحيى بن عمر عن قرشيّ تزوّج أمة رجل من العجم واستولدها، وأعتق سيّدها ولدها، فقال يبيح بن عمر: ينسب هذا الولد إلى قريش كأنّه ما مسه رقّ قطّ. وأحتجّ بما نقلناه عن مالك في المدوّنة، فأشار بهذا القول إلى أنّه لا يكون للمعتق ولاء إِذا كان المعتَق عربيًّا. فإنّ هذا قد صرّح به بعض الأندلسيّين، فقال: مالك وأصحابه مجمعون على أنّ من أعتق عربيًّا، فإنّه لا ولاء له بعتقه، إلاّ أشهب فإنّه قال: الولاء للمعتق اتّباعًا لعموم قوله ﵇: "الولاء لمن أعتق" (^١). ولم يفرّق بين كون المعتق عربيًّا أو أعجميًّا.
وذكر ابن شفاعة: أنّ فقهاء الأمصار مجمعون على أنّ الولاء للمعتق، وأنّ أهل العلم لم يختلفوا في أنّ الجاهليّة كانت تسبي بعضها بعضًا. وقد سبي زيد بن حارثة واشترته خديجة ووهبته للنبيّ فأعتقه، فكان ولاؤه له - ﷺ -. وسبت الرّوم صهيب بن سنان فاشتراه أبو بكر ﵁ فأعتقه، فكان ولاؤه له. وهذا الّذي ذكرناه من الخلاف يقتضي ظاهر الشّرع كون الولاء للمعتق، وإن كان المعتَق عربيًّا. ولا معنى لهذه التّفرقة بين كونه عربيًّا أو أعجميًّا، إلاّ أن يقال: لا بدّ للعربي من عاصب يعلم، فلا ينقطع الولاء ها هنا لوجود نسب هو مقدّم في الشرع عليه.
وقد كنّا أشرنا إلى أنّ العيب يردّ به وإن لم يشترط السلامة منه في أصل العقد. لكون ذلك كالمشترط في العرف عند المتعاقدين. وأمّا تعيين جنس دون جنس، فلا يتضمّنه إطلاق العقد. وإنّما يبقى النّظر في دلالة العرف عليه. وقد كنّا قدّمنا الرّواية فيمن اشترط كون الأمة نصرانيّة فوجدها مسلمة، فإنّ ذلك لا ردّ له به، لكون ما وجد أفضل مِمّا اشترط، إلاّ أن يتميّز غرض المشترط بدليل شاهد الحال.
_________________
(١) متفق عليه من حديث عائشة فيض القدير ج٦ ص٣٧٧ ح٩٦٨٦.
[ ٢ / ٧٢٢ ]
وذكرنا أيضًا أنّ إطلاق العقد على الأمة لا يتضمّن بكارة أو ثيوبة، ولا ردّ له إِذا وجد الأمة ثيّبًا، وقد وقع العقد مطلقًا. لكن وقع في الرّواية أنّه من اشترى سمنًا فوجد سمن بقر، فقال: إنّما أردت سمن غنم، أنّه يردّ ذلك لكون سمن الغنم أطيب.
وهذا الّذي قاله كأنّه يشير إلى خلاف ما قدّمناه، لأنّه لم يجعل الثيّوبة عيبًا مع كون البكارة أفضل، وجعل كون السمن سمن بقر يقتضي الرّدّ إِذا كان سمن الغنم عندهم على مقتضى عرفهم أفضل. لكن قد يقال في هذا: إنّ الثّيوبة هي الغالب، وعليها يدخل المتعاقدان، ألا ترى أنّه لو كانت الأمة من صغر السنّ بحيث ما (^١) الظّاهر من حالها البكارة، أنّ للمشتري مقالَا إِذا وجد ثيبًا. وأمّا السمن فلعلّه اعتقد أنّ سمن الغنم هو الغالب عندهم وعليه دخل المشتري، فلهذا جعل له الرّدّ.
ووقع أيضًا في الرّوايات فيمن اشعرى، قلنسوة سوداء، فوجدها ركبت من ثوب ملبوس، أنّه لا مقال له إلاّ أن تكون ركبت من ثوب خلق. وقال، فيمن اشترى جبّة ركبت من ثوب لُبِس أسمر ثمّ بُيض، وركبت منه الجبّة، إنّ هذا عيب.
وهذا أيضًا أشار بعض الأشياخ إلى أنّه اختلاف قول، ويمكن أن يكون العذر عن هذا أنّ القلانس تركب عندهم غالبًا من ثياب ملبوسة ولا تركب الجبّة والثّوب من ثياب ملبوسة. وهكذا أيضًا قال، فيمن وجد قلنسوة حشوها صوف أو قطن جديد وقديم: إنّه لا يردّ المشتري بذلك إِذا لم تكن رفيعة. وهذا أيضًا لكون العادة تقتضي عندهم حشو الدنية بمثل هذا، بخلاف الرّفيعة. وهذا يشير إلى ما أصّلناه من اعتبار النّطق المشترط به صفة في البيع أو عرف يقوم مقام النّطق.
قال القاضي أبو محمّد ﵀؛ ولا يجوز لبائع السلعة المبيعة أن يكتم عيبها لأنّ ذلك غشّ. ولا يقبل دعوى المبتاع إن بان (^٢) بالسلعة عيبًا دون أن
_________________
(١) (ما) مثبتة في النسختين، والأولى حذفها.
(٢) هكذا في النسختين. وفي غ والغاني: أن بالسلعة عيبًا.
[ ٢ / ٧٢٣ ]
يأتي ببيّنة بمشاهدته (^١) إن كان مشاهدًا أو بالبيّنة إن كان غير مشاهد. ثمّ لا يخلو أن يكون مِمّا لا يحدث عند المشتري أو يكون مِمّا لا (^٢) يعلم أنّه لم يكن عند البائع. والقول في الموضعين قول من قوي سببه منهما مع يمينه. أو يكون محتملًا، فالقول قول البائع مع يمينه، إلَاّ أن ينكل فيحلف.
قال الإِمام ﵀: يتعلّق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة. منها أن يقال:
١ - لم حرم على البائع أن يكتم عيبًا بالمبيع؟
٢ - وما حكم التّداعي في العيوب؟
٣ - وما صفة اليمين في التّداعي؟
فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: قد قدّمنا الدّلالة على منع التّدليس.
وتكلّمنا على قوله ﵇: "من غشنا فليس منّا" (^٣). وذكر ما قيل في تأويل هذا الحديث من أقوال كثيرة.
والغشّ هو كتمان العيب، والتّدليس، والتغرير بالمشتري فيه. وذلك مِمّا لا ينحصر. لكن منه أمور ظاهرة لا يحتاج إلى تبيينها، ومنه ما يفتقر إلى تبيينه.
مثل ما وقع في الرّواية من منع الفّرايين من أن يُتَرِّبوا وجوه الأفْرية ليتزيّن ويستر ذلك عيوبها. وهذا التّحسين ربّما اعتقد المشتري أنّه صفة ثابتة لها في الأصل غير مصنوعة. وربّما اعتقد أنّ ذلك لا يستر عيبًا فيرغب المشتري، فهذا من الغشّ. لكنّ البيع إِذا وقع والمشتري عالم بأنّه قد ترّبها بائعها، فلا ردّ له.
وقال ابن الموّاز: إلاّ أن يكون اطّلع على عيب، فإن لم يكن علم بأنّها مترّبة، فله الرّدّ قبل أن يطّلع على عيب.
وهذا الّذي قاله تمكينه من الرّدّ قبل ظهور عيب يوجب الرّدّ إِذا لم يعلم بكونها مترّبة، إنّما صار إليه لأجل أنّ المشتري يكره التّمسك بها مع كونه يجوّز
_________________
(١) في غ والغاني: دون أن يبيّنه بالمشاهدة.
(٢) (لا) ساقطة في غ، والغاني.
(٣) إكمال الإكمال ج١ص٢١٠/ ٢١١.
[ ٢ / ٧٢٤ ]
عيوبًا سترت عنه، وستظهر له في ثاني حال.
وأمّا إطلاق الرّواية بأنّه إِذا علم بالتّتريب فلا ردّ له، فإنما ذلك إنّما صار إليه لأجل هذا العيب الّذي تخشى عاقبته.
لكن استدرك ابن الموّاز في هذه الرواية أنّ له الرّدّ بعيب يَظْهَر يمكن أن يكون رأى أنّ ذلك، وإن دخل عليه المشتري، كالبراءة من العيب، والبراءة من العيوب في العروض لا تصحّ، ولا يصح العقد على أنّ المشتري لا قيام له بالعيب متى ظهر له. وهذا وإن (^١) لم يكن البائع عالمًا بالعيب. وأمّا إِذا كان عالمًا به، فلا تصحّ البراءة منه ومن سائر العيوب على الإجمال.
ومن الغشّ أيضًا خلط طعام جيّد برديء، كخلط تمر جيّد برديء، أو عسل جيّد برديء، أو لحم هزيل بسمين. ويُنهَى الجزّار عن خلط اللّحم الجيّد بالرّديء. وإن نقص له ذلك. فإن اشترى مشترِ منهم على ذلك، فإنّ البيع ماضٍ فيما قلّ كأرطال يسيرة، وأمّا أرطال كثيرة كعشرين أو ثلاثين، فإنّ ذلك لا يجوز حتّى يعلم مقدار السمين من الهزيل. وإنّما فرّق بين اليسير والكثير في هذا لأن اليسير يفرز حميده ورديه، ويعلم فيه أحدهما من الآخر على جهة التّخمين، بخلاف ما كثر من ذلك.
ويتصدّق بما قلّ من لحم أو طعام إِذا كان يسيرًا عقوبة في المال مع الأدب. بخلاف الكثير الّذي يشتدّ الضّرر بإتلافه على صاحبه ويباع عليه مِمّن يؤمن أن يدلّس به، ويعاقب من غشّ بضرب أو حبس أو إخراج من السوق إِذا كان معتادًا لذلك.
وقد قال مالك في الموّازيّة فيمن يفجُر في السوق ينبغي أن يُخرج، فهو أشدّ عليه من الضّرب. والتّحقيق في هذا صرف العقوبة إلى الاجتهاد في جنسها ومقدارها لاختلاف موقعها في العصاة.
والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: لا يخلو العيب من أن يكون
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب حذف الواو.
[ ٢ / ٧٢٥ ]
مشكوكًا فيه أو متحقّقًا.
والشّك فيه على قسمين:
أحدهما: أن يشكّ في وجوده وحصوله.
والثّاني: أن يتحقّق وجوده ويشكّ في زمن ابتداء وجوده.
وإن كان متحقّقًا، فلا يخلو من قسمين:
أحدهما: أن يتحقّق كونه عند البائع أو عند المشتري. فأمّا إِذا كان الشّكّ في وجوده وحصوله، فإنّه لا يقضى للمشتري بردّ المبيع، لكون البيع أصله الانعقاد، واتّفق المتبايعان على لزومه وثبوت الثّمن على المشتري، وانتقال ملك المبيع إليه. فعلى من يّدعي حلّ هذا المنعقد عليه إثبات ما يحلّه والمشكوك فيه غير ثابت.
وقد قال ابن الموّاز لا يردّ المبيع بالعيب إلاّ أن يجتمع عليه رجلان عدلان من أهل البصر والمعرفة، أوامرأتان فيما لا يطّلع عليه إلاّ النّساء، كعيوب الفرج والحمل وشبهه، فإنّ امرأتين تقومان مقام رجلين للضرورة إليهما. ومن يعلم علمه، وقرأ كتبه، وصحب علماءه، فإنّ هذا ينبغي أيضًا أن يتطلّب فيه ثبوته بشهادة من كان عدلًا عارفًا بهذه الأدواء الّتي لا يعرفها إلاّ الأطبّاء. فإن لم يوجد من يعرف هذا إلاّ من ليس بعدل من أهل الإِسلام أو من غيرهم من اليهود والنّصارى اكتفى بهم في هذا (^١). ومن هذه الطّريق تقبل للضّرورة إليه كما تقبل شهادة الصبيان في الجرإح للضّرورة إليها.
ولو اختلف الشّهود فقال عدلان: هذا عيب ينقص الثّمن، وأكذبهما اَخران، فإنّ هذا التّكاذب يسقط الشّهادتين ويعود العيب غير ثابت، فلا يجب به الرّدّ.
وكذلك لو اشترط المشتري جنسًا اختلف فيه الشّهود، هل هو من المشترَط أم لا؟ فإنّه لا يلزم ردّ البيع لهذا الاختلاف. فمحمل هذا على أنّ
_________________
(١) بياض بالنسختين مقدار ست كلمات.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
المشتري قبض المبيع مصدّقًا للبائع أنّه من الجنس الّذي اشترط. فيكون البائع هو المدّعي والمّدعي إلزام المشتري البيع، فلا يصدق إلَاّ بإثبات. وأمّا لو قبضه مصدّقًا للبائع أنّه على الصّفة الّتي اشترط، لكان المشتري ها هنا هو المدّعي، والمدّعي لحلّ منعقد يكون عليه الإثبات.
وقد قدح في هذا الّذي أصّلناه بأنّ اختلاف الشّهادة والشّكّ في حصول العيب عيب، د ان لم يكن العيب متحقّقًا، لكون النّاس يجتنبون في المبيع ما التبس أمره ويقفون عن شرائه. وقد كنّا قدّمنا أنّ الأمة إِذا ادّعت أن سيّدها أَوْلَدها أو أعتقها، ولم يثبت لها ذلك، وباعها سيّدها مِمّن لا يعلم دعواها هذه، أنّ ذلك عيب، لكون النّاس يجتنبون شراء ما وقع فيه هذا الشّكّ والالتباس.
ولكن العذر عن هذا أنّ هذه الشّكوك حدثت بعد انعقاد العقود وانبرامها فلم يؤثّر في المنعقد شكّ حدث بعد انعقاده بخلاف شكّ يحدث ويثبت حصوله بعد (^١) انعقاد البيع.
وأمّا العيب (^٢) من ناحية زمن العيب، فإنّ البائع والمشتري لو اختلفا في زمن عقد البيع في المحرّم. مثل أن يقول البائع: لم يكن في المحرّم انعقاد البيع، ويقول المشتري: بل كان انعقاد البيع فيه، فإنّ أصبغ ذكر أنّ القول قول البائع، لأنّ المشتري يدّعي تاريخًا يوجب نقض البيع المنعقد. وساوى بين أن يكون المشتري نقد الثّمن أو لم ينقده. وأشار إلى المسألة الّتي اختلف فيها ابن القاسم في أحد الثّوبين إِذا فات، وردّ الآخر بالعيب، واختلفا في قيمة الفائت. وقد ذكرنا مذهب ابن القاسم في التّفرقة فيها بين أن يكون البائع انتقد الثّمن أو لم ينتقده.
وهذا الأصل في اختلاف التّواريخ الّتي يختلف الضمان باختلافها مختلف فيه، سنتكلّم عليه في اختلافهما في العهدة وغيرها.
وإذا تقرّر هذا، فإنّ العيب المشكوك فيه وإن لم يوجب الرّدّ، فإنّه يوجب
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: عند.
(٢) هكذا في النسختين ولعل الصواب وأما الاختلاف.
[ ٢ / ٧٢٧ ]
تحليف البائع أنّ هذا العيب لم يكن عنده، لأجل هذه الشّبهة الّتي وقعت في النّفس من إشكال الأمر على الشهود، وتجويزهم قدم العيب وحدوثه.
وليس كلّ شكّ يوجب تحليف المدّعى عليه. لكن لمّا كان هذا الشّكّ له مستند حاصل مشاهد وهو العيب، قويت هذه الشّبهة حتّى أوجبت اليمين على البائع مع هذا الشّكّ.
ولو كان المشتري قاطعًا بأنّه لم يحدث عنده والبائع قاطع بأنّه لم يحدث عنده، لخرجت اليمين ها هنا عن تعلّقهما بالشّكوك ووجبت اتّباعًا للأصول في الدّعاوي. ألا ترى أنّ من شكّ: هل له عند رجل مال، فإنّه لا يستحلفه بالشّكّ، ولا يمكن من خصومته، لمّا لم يكن لهذا الشّكّ مستند ولا شبهة يستند إليها. ولو كان عليه دين فشكّ. هلا قضاه أم لا؛ فإنّ تمكينه من تحليف من له الدّين فيه اختلاف في المذهب. فكأنّ من نفى اليمين عن صاحب الدّين يرى أن شكّ الغريم في قضاء الدّين لا مستند له، ولا شبهة توجب تعلّق اليمين لمن له الدّين. ومن أوجب على من له الدّين يمينًا رأى أنّ الشّكّ في قضاء الدّين يصيّر الدّين مشكوكًا في ثبوته في ذمّة الغريم، وصاحب الدّين يقطع أنّه لم يقضه شيئًا، وأنّ الدّين ثابت، فيكون القول قول الطّالب ها هنا ولكن مع يمينه لحصول شكّ في عمارة ذمّة الغريم.
وهذه مسائل كما ترى تارة يقوى مستند الشّكّ، وتارة يضعف فيسقط اليمين. ومن احتاط للأقدار ألاّ ستهضم (^١) بالاستحلاف بالتّجويز والشّكّ أسقط اليمين. ومن نظر لصيانة الأموال على أربابها أوجب اليمين. ألا ترى أنّ رجلًا لو اشترى عبدًا فزنى عنده أو أبق، وحقّق الدّعوى على بائع العبد، أنّ ذلك كان عنده لم يُعلم به حين العقد المشتريَ، وإنّما استفاد علمه الآن وثبت أنّ العبد أبق عند المشتري أو زنى، فإنّ البائع يحلف ها هنا من غير خلاف لوجود العيب المشاهد. وهو سبب تستند إليه الدّعوى وقارنه تحقيق الدّعوى على البائع. وأمّا
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: تُهضَم.
[ ٢ / ٧٢٨ ]
لو لم يأبق عند المشتري ولا زنى، ولا حقّق الدّعوى على البائع بأنّ ذلك كان عنده، ولا أسند هذه الدّعوى أنّ ذلك كان عند البائع إلى خبر مخبر، فإنّه ها هنا لا يستحلف البائع بغير خلاف، إذ هذا التّجويز لا مستند له أصلًا وهو مِمّا يتكرّر ويتعدّد أجناسه، فسقطت لما فيها من الإضرار بالبائعين مع كونها لا مستند لها.
ولو أنّه قال: أخبرني مخبر بهذا أنّه كان عندك هذا العيب، ولم يدّعِ المشتري أنّه رآه منه وهو عنده ولا حدث عند المشتري، ولكن إنّما عوّل في الدّعوى على خبر مخبر، فإنّ هذا يوجب استحلاف البائع على أصل ابن القاسم، ولا يوجب استحلافه على أصل أشهب على حسب ما اختلف ابن القاسم وأشهب في المشتري إِذا قام بعيب، فقال البائع للمشتري: تحلف لي أنّك ما رأيته، أو ما رضيته، أو ما سوقت بالمبيع مع علمك بالعيب. فإنّ ابن القاسم قال في هذا: لا يلزم المشتري يمينًا، إلاّ أن يزعم البائع أن مخبرًا أخبره عن المشتري بهذا، فيحلف المشتري حينئذٍ على هذا. وذكر ابن أبي زمنين عن مشائخه زيادة شرط آخر وهو أن يحلف البائع: لقد أخبره مخبر. وأسقط أشهب اليمين في هذا، ولو زعم البائع أنّ مخبرًا أخبره.
فكأنّ ابن القاسم رأى أنّه إِذا لم تستند هذه الدّعوى إلى قطع ولا إلى ظنّ من ناحية الأخبار، صارت ضربًا من التّجويز الّذي لا مستند له ولم يلزم به يمين. فإِذا ذكر أنّ مخبرًا أخبره، صار للدّعوى مستند وهو ظنّ المدّعي، فكان لهذا التّجويز تأثير لاستناده إلى ظنّ.
ومن اشترط من المشائخ الّذين أشرنا إليهم استحلاف البائع أنّ مخبرًا أخبره أراد تقوية الظّنّ لئلاّ يكون البائع كذب في قوله: أخبرني مخبر صدق.
فلو سمّى المخبر وأحال على رجل بعينه، لاستغنى عن هذا اليمين.
وبالجملة إن هذا اختلاف في حال، هل للأخبار والمخبر ها هنا شبهة ولطخ يستند إليه هذا الشّكّ أم لا؟
ولو ذكر أنّ المخبرين جماعة يقع له العلم بخبرهم حتّى يكون من حقّ
[ ٢ / ٧٢٩ ]
المشتري أن يردّ اليمين على البائع الّذي أدّعى أنّ المشتري رضي بالعيب.
فتعلّقت اليمين ها هنا على من ردّها على البائع الّذي يحاول استحلافه على هذه الدّعوى.
ولو ثبت إباق العبد عند المشتري ولم يثبت أنّه كان عند البائع، ولكن المشتري استدلّ بهذا أنّه ما كان عنده إلاّ وكان عند البائع، فإنّ في تمكينه من تحليف البائع اختلافًا. وهو أيضًا راجح إلى ما قلناه.
فمن رأى أنّ حصول العيب عند المشتري وثبوت ذلك مستند لهذا التّجويز، مكّن المشتري من استحلاف البائع. ومن لم يرَ ذلك مستندًا اقتصر على تجويز المشتري في دعواه على البائع، لم يستحلف البائع قياسًا على ما قدّمنا في مثل هذا.
ولو كان الإباق لم يثبته كونه عند المشتري ولا عند البائع، ولكن المشتري زعم أنّه كان عنده، واستدلّ بذلك على كونه كان عند البائع، لكان أيضًا في صفة استحلاف البائع خلاف. وهذا القسم دون الّذي قبله، لأنّ السبب الّذي يستند إليه ثبت في القسم الّذي قبل هذا بالبيّنة، فهذا القسم الآخر لم يثبت إلاّ باقتصار المشتري على الدّعوى.
ولو قال العبد: إنّي زنيت أو سرقت وأنا عند مولاي. لاستحلف البائع، لكون قول العبد لطخًا. وهو أيضًا أضعف من الأقسام الّتي تقدّمته. فإِذا تقرّر حكم العيب المشكوك فيه وأنّ القول قول البائع لكون البيع منعقدًا، والمشتري يدّعي سببًا يحلّه، فإنّه لو كان بالمبيع مع هذا العيب المشكوك فيه عيب ثبت قدمه عند البائع، فإنّ هذا العيب القديم يوجب حلّ هذا البيع المنعقد. فيكون القول قول المشتري في هذا العيب المشكوك فيه: إنّه لم يحدث عندي. لأنّ لمّا انحلّ بالعيب القديم، صار البائع مدّعيًا على المشتري غرامة تلزمه له، وهو أن يردّ قيمة هذا العيب الّذي زعم البائع أنّه حدث عند المشتري، والأصل براءة ذمّة المشتري، وقد قدّمنا استصحاب الأصل، وهو ما
[ ٢ / ٧٣٠ ]
اتّفق المتبايعان هو الّذي تسند الأحكام إليه (^١).
فإِذا كان العيب المشكوك فيه منفردًا، استصحبنا حال انعقاد البيع، فلا يصدّق المشتري في حلّه وردّه.
وإِذا وجب ردّ البيع بالعيب القديم، استصحبنا براءة ذمّة المشتري من غرامة، فيكون هو المصدّق فيما ينفيها عنه.
ولو كان بالمبيع ثلاثة عيوب: عيب ثبت قدمه عند البائع، وعيب ثبت حدوثه عند المشتري، وعيب شكّ فيه هل هو حدث عند البائع أو عند المشتري، لبدأنا باستعلام ما عند المشتري.
فإن اختار الرّدّ بالعيب القديم، فقد انحلّ البيع. فيكون القول قوله في العيب المشكوك فيه: أنّه لم يحدث عندي، استصحابًا لكونه بريء الذّمّة من الغرامة، فيردّ العبد ولا يردّ معه قيمة نقص.
وإن اختار المشتري التمسّك بالمبيع وأخذ قيمة العيب كان القول قول البائع في العيب المشكوك فيه: أنّه لم يحدث عندي، استصحابًا أيضًا لبراءة ذمّته من غرامة. والمشتري لم يثبت له عليه إلاّ غرامة عيب واحد، والآخر الذي هو مشكوك فيه لم يثبت ما يوجب على البائع غرامته، فلهذا صدق فيه.
وإِذا ادّعى المشتري على أنّه دلّس عليه بالعيب وقد اشترى ثوبًا فقطعه أو أحدث فيه ما يوجب ردّ قيمة النّقص مِمّا يسقط عنه لو ثبت تدليس البائع، فإنّ القول قول البائع أنّه لم يدلّس، أو أنّه أنسي ذكر العيب عند عقد البيع، لكون الأصل عدم علمه. فيستصحب هذا الأصل على ما قرّرناه.
لكن اشترط في المّوازيّة في (^٢) استحلاف البائع على هذا لأنّه لا يقضى للمشتري إلاّ إِذا اختار أن يردّ المبيع بالعيب، فيلزمه ردّ ما نقص، فيحلف البائع
_________________
(١) كذا بالنسختين.
(٢) هكذا في النسختين ولعل الصواب حذف "في".
[ ٢ / ٧٣١ ]
على نفي التّدليس لتثبت له غرامة. وأمّا إن أراد المشتري التمسّك وأخذ قيمة العيب، يجب (^١) على البائع، سواء دلّس أو لم يدلّس. فلا فائدة في استحلافه على أنّه لم يدلّس، والأيمان إنّما تتعلّق فيما يفيد المدّعي. وهذا مثل ما يقال فيمن ملك زوجته، فقضت بالثّلاث، فناكرها في عدد الطّلاق وزعم أنّه أراد تمليكها طلقة واحدة، فإنّ القول قوله مع يمينه، ولكن (^٢) يستعجل استحلافه عند المناكرة، إلاّ إِذا أراد الرّجعة وإستباحة الزّوجة فيمنع من ذلك حتّى يحلف، على ما سنبسطه في موضعه إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الثاّلث أن يقال: إذا ثبت قدم العيب، لم يحلف المشتري إِذا ردّ لثبوت ما يستحلف عليه وهو قدم العيب. وقد قدّمنا فيما سلف أنّ العيب القديم يوجب الرّدّ ولو كان عيبًا ظاهرًا. قال ابن الموّاز: طال الزّمان أو لم يطل. وذكرنا أنّه لا يمين. وإنّ القول الآخر استحلاف المشتري في هذا العيب إِذا كان ظاهرًا.
وأمّا العيب المشكوك فيه، فإنّه إن كان خفيًّا، استحلف البائع على العلم، ويكتفَى بذلك، لأنّ قصارى ما فيه أنّه إِذا كان ظاهرًا، فإنّ البائع عالم به. وهو إِذا قال في يمينه: إنّي لم أعلم به، فقد كذب وفجر في يمينه. والأيمان إنّما وضعت لزجر الفاجر عن يمينه الكاذبة. وقال ابن القاسم: بل يحلف في العيب الظّاهر على البتّ، لأنّ الأظهر أنّ البائع لا يخفى عنه العيب الظاهر، وإِذا كان لا يخفى عنه، حلف على القطع: أنّه لم يكن عنده.
والأصل في هذا أنّ كلّ من استحلف على إثبات فعل فعله هو أو فعله غيره، فإنّه يحلف على البتّ والقطع. لكونه يعلم فعل نفسه، ويعلم فعل غيره إِذا شاهده ورآه. وكلّ من استحلف على نفي فعل، فإن كان فعل نفسه حلف على البتّ لأنّه يعلم ما فعل وما ترك. وإن استحلف على أنّ غيره لم يفعل، حلف على العلم. لأنّه لا يمكن في غالب الأمران يقطع على غيره أنّه لم يفعل
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: فيجب.
(٢) هكذا في النسختين ولعل الصواب لا يستعجل
[ ٢ / ٧٣٢ ]
كذا إلاّ في صور نادرة بتقييد وتحديد.
وذهب ابن نافع في المدوّنة إلى أنّه يحلف على البتّ. ولم يفترق بين عيب خفيّ أو ظاهر. واحتجّ بأنّه لو ثبت قدم الغيب والبائع غير عالم به، لم يسقط حقّ المشتري في الرّدّ كونُ البائع لم يعلم بالعيب. وإِذا كان الأمر كذلك، فلا يجزيه أيضًا أن يقتصر على نفي علمه بالعيب لما قدّمناه من كون عدم علمه بالعيب لا عذر له به إِذا قامت البيّنة.
وهذا الاحتجاج يجاب عنه بأنّ البيّنة إِذا ثبتت عدم (^١) العيب فقد ثبت السبب الموجب للرّدّ ووجب حلّ البيع المنعقد.
وإِذا لم يثبت العيب وكان مشكوكًا فيه، لم يجب حلّ البيع المنعقد يكون البائع غير عالم بالعيب. فهذا وجه هذه الأقوال الثّلاثة في العيب المشكوك فيه، تحليف البائع على البتّ في الوجهين، أو على العلم في الوجهين، أو تفرقة ابن القاسم بينهما.
ولو نكل البائع عن اليمين فإنّ المشتري يحلف أنّ ذلك لم يكن عنده ويردّ البيع.
واختلف قول ابن القاسم في صفة يمينه. فقال مرّة يحلف على حسب ما كان يحلف البائع في اليمين الّتي ردّها عليه إن كان العيب ظاهرًا، حلف على البتّ، وإن كان خفيًا، حلف على العلم. وهذا يشير إلى اختلاف قوله في صفة يمين البائع أيضًا. وأنّه قد يرى تحليف البائع في الوجهين على أنّه لم يعلم العيب على حسب ما قاله ها هنا في المشتري. ويكون هذا موافقة منه لما حكيناه عن أشهب أنّه يفرّق بين البائع والمشتري، ولا يقول في البائع أنّه يحلف في الوجهين على العلم لأجل أنّ العيب من جهته، ويمكن أن يكون دلّس به، فكان العمل عليه بأن يحلف على البتّ أوْلى من أن يحمل بذلك على المشتري.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: قِدَم.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
فقد قدّمنا نحن ما يشير إلى هذه التّفرقة لمّا اعتذرنا عن قول أهل المذهب إنّ المشتري إِذا حدث عنده عيب يسير لا يغرمه، أنّ البائع يردّ عليه المبيع بمثل هذا العيب لمّا كان العيب من جهة البائع، ويتّهم أن يكون علم به ولم يذكره.
وكذلك أيضًا أشرنا إلى هذا المعنى في منشأ الخلاف بين مالك والشّافعي في المبيع إِذا حدث عند المشتري به عيب فاطّلع على عيب قديم، وإنّ الشّافعي يرى ذلك فوتًا يمنع من الرّدّ على البائع لكون البائع لا يلزمه أن يردّ عليه إلاّ ما باع بعينه، على حسب ما كان عليه. وأنّ مالكًا يرى أيضًا أنّ المشتري لا يلزمه قبول ما لم يدخل عليه، فلمّا تقابل الأمران، غلب مالك ﵁ جنبة المشتري لكونه لم يظلم بكونه مدلّسًا ولا جوز ذلك عليه.
وذهب ابن نافع إلى أنّ المشتري يحلف على البتّ طردًا لما كنّا حكيناه عنه وذكرنا اعتلاله فيه.
وإِذا نكل المشتري أيضًا عن هذه اليمين بعد نكول البائع، بقي البيع منعقدًا على حسب ما كان عليه. هذا المعروف من المذهب. وفي المدوّنة عن ابن نافع في هذا اللّفظ قد يقتضي ظاهره تمكين المشتري بعد هذا النّكول من الرّجوع إلى اليمين لأنّه ذكر في المدنيّة أنّ المشتري إِذا نكل لزم البيع. وظاهر هذا يقتضي أنّه لا رجوع له إلى اليمين بعد هذا النّكول. وقال ابن نافع: لا يردّ المشتري بالعيب إلَاّ حتّى (^١) يحلف. وقد يوهم ظاهر هذا أنّه يمكن من الرّجوع إلى اليمين بعد النّكول عنها. ومال بعض المتأخّرين إلى إثبات هذا القول اختلافًا في المذهب.
وهو لفظ فيه إشكال. لكن أصل المذهب يقتضي أنّ النّاكل لا يمكن من الرّجوع إلى اليمين بعد أن نكل عنها إِذا تعلّق لخصمه بنكوله حقّ ومنفعة. ولهذا لا يمكن البائع لو نكل عن اليمين في هذا وردّها على المشتري من الرّجوع عن ذلك قبل أن يحلف المشتري. لكون المشتري قد استحقّ بهذا النّكول أن يحلف
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: حين.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
ويردّ البيع. وهاهنا إِذا نكل البائع وتعلّق للمشتري حقّ بنكوله فلم يحلف، بقي البيع على ما كان عليه منعقدًا وبقي موقوفًا على معاودة المشتري إلى اليمين الّتي نكل عنها. لكن أيضًا قد يتعلّق للبائع حقّ في إقرار البيع على ما هو عليه. وهذا يستقصى في أحكام الأيمان والنّكول في موضعه إن شاء الله تعالى.
وذكر ابن المواز أنّ السلعة إِذا باعها رجل من آخر ثمّ اشتراها بائعها مِمّن اشتراها منه. فلمّا صارت في يديه وعادت إليه، ظهر فيها عيب مشكوك فيه، أنّ البائع الأوّل يحلف ويبرأ من هذا العيب. فإن نكل حلف المشتري وردّ البيع.
ومعنى ردّه ها هنا أن يستردّ منه بقيّة الثّمن إِذا كان مشتريها قد باعها من بائعها بأقلّ مِمّا اشتراها منه.
وأنت إِذا تأمّلت ما أصلنا لك من كون البيع المنعقد لا ينحلّ بالشّكّ. والقول فيه قول البائع استصحابًا لحال الانعقاد، وأنّ من كان ذمّته برية من غرامة، فإنّه لا يغرم بالشّكّ، علمت ما يتفرعّ من وجوه هذه المسألة، وحكم كُلّ قسم منها، وأنّ زيدًا إِذا باع من عمرو سلعة بمائة دينار، ثمّ رجع زيد فاشتراها من عمرو بثمانين دينارًا، فظهر فيها عيب مشكوك فيه وهي بيد زيد، فإنّ هذا العيب إِذا شكّ فيه هل كان عند زيد قبل أن يبيعها من عمرو أو حدث عند عمرو قبل أن يبيعها من زيد، فإنّ عمرًا لا يردّ عليه بالشّكّ هل كان هذا العيب عنده أم لا؟ وكذلك لا يطالب عمرو وزيدًا بأنّ يردّ عليه عشرين دينارًا بقيّة الثّمن بالشّكّ، هل كان العيب عند زيد قبل أن يبيعها من عمرو، فيكون من حقّ عمرو أن يردّها على زيد بالعيب، وهي قد رجعت إلى يد زيد فيطالبه عمرو ببقيّة الثّمن؟ فإِذا تبعت هذا الأصل، علمت هذا الشّكّ لو شكّ في هذا العيب، هل كان عند زيد قبل أن يبيع من عمرو، أو حدث عنده بعد أن اشترى من عمرو أو حدث عند عمرو وتعلّق اليمين بهما جميعًا، إِذا طلب أحدهما حلّ البيع على مقتضى دعواه، وطلب الآخر إكمال الثّمن على مقتضى دعواه؟ وقد تقدّم الكلام على من وجد عيبًا بمكيل أو موزون وقد أفاته وأتلف عينه. وذكر الخلاف فيه هل يردّ المثل أو يخيّره بين ردّه أو يأخذ قيمة العيب. وذكر أنّ قيمة العيب ينسب
[ ٢ / ٧٣٥ ]
إلى الثّمن الّذي عقده به البيع. وكذلك ينسب منه أيضًا قيمة العيب الحادث عند المشتري. فلو كان الثّمن ليس بمال معلوم مثل أن يتزوّج امرأة بعبد فيموت في يدها بعد أن اطّلعت فيه على عيب، فإنّ الرّجوع لها بمقدار العيب إنّما ينسب من قيمة العبد لمّا كان ثمنه البضع الّذي هو ليس بمال معلوم.
وقد اختلف المذهب فيمن أسلم في عبد فلمّا قبضه اطّلع على عيب فيه وقد فات في يده، فقال ابن القاسم: يغرم قيمة هذا المقبوض ويرجع العبد الّذي كان له في الذّمّة. وقدّر أنّ هذا المقبوض لمّا كان معيبًا، صار كأنّه كجنس آخر غير الّذي له في الذّمّة. فإِذا علم بعد أن أخذه أنّه كجنس آخر، وقد فات في يديه، فإنّه يردّ قيمة ما فات في يديه، ويرجع بعبد سليم من العيب على ما كان له ذلك في ذمّته. ورأى سحنون أن يعتبر مقدار هذا العيب من العبد المقبوض، فإن كان ربعه رجع على المسلم إليه بربع عبد على ما كان له في ذمّته. وقدّر أنّ ثلاثة. أرباع العبد قد قبضت، وهي غير ما كان في الذّمّة، والرّبع الآخر كأنّه استحقّ من يديه، فيرجع بمقدار ما استحقّ من يديه شريكًا به في عبد، وكأنّه لم يعتبر ضرر الشّركة فتمسّك بالحقّ في العين. وابن القاسم اعتبرها فأوجب غرامة قيمة العبد المعيب والرجوع بعبد سليم كامل.
وقد كنّا نحن أشرنا في تعدّي الوكيل إلى اعتبار نقص في بعض صفات الشّيء، هل يصيّره ذلك كجنس آخر لمّا انقضت صفته، أو يبقى ما سوى النّقص كأنّه العين السالمة من النّقص. وهذا قد يتصرّف (^١) في هذه المسألة أيضًا.
وذهب ابن عبد الحكم إلى أنّه إنّما يرجع قابض هذا العبد من سلم بمقدار العيب من قيمة العبد. فيقال: ما قيمة العبد سليمًا؟ فيقال: مائة (^٢) دينار. ثمّ يقال: ما قيمته معيبًا؟ فيقال مائة دينار. فيرجع قابض العبد بمائة دينار. وهذا مثل ما قدّمناه نحن في العبد الّذي جعل صداقًا فاطّلع فيه على عيب بعد أن فات لمّا كان ليس لهذا العبد الّذي هو الصّداق ثمن معلوم. فكذلك ها هنا لمّا لم يجب الرّجوع بمقدار العيب من رأس مال السلم، لكون العبد المسلم فيه في
_________________
(١) هكذا ولعل الصواب يتصور.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مائتا.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
الذّمّة، وجب اعتبار مقدار العيب من قيمة العيب (^١) نفسه. وأنكر الشّيخ أبو محمّد بن أبي زيد هذا القول وقال: لم يجعله قبض بعض سلمه، فيرجع شريكًا، كما قال سحنون، ولم يقبض شيئًا منه فيردّ قيمة ما قبض ويرجع بعبد كامل. وقد ذكر في المدوّنة فيمن باع سلعة بمائة دينار، ثمّ أخذ عن ثمنها سلعة أخرى فوجد بالسلعة الثانية عيبًا، أنّه إنّما يردّ هذه السلعة الثّانية بالعيب. وتبقى المائة دينار ثابتة في ذمّة المشتري يطالبه بها بائع السلعة الأولى. قال: وهذا ما لا اختلاف فيه. وهو كمن باع طعامًا فأخذ بثمنه طعامًا، فإنّ الفسخ إنّما يكون في السلعة الأخيرة.
وهذا الّذي أشار إليه في الاقتضاء من ثمن الطّعام طعامًا قد كنّا نحن تكلّمنا عليه وذكرنا الاختلاف في بياعات الآجال إِذا باع سلعة بثمن مؤجّل ثمّ اشتراها بثمن نقدًا أقلّ مِمّا باعها به، أنّ البيعتين جميعًا يفسخان على أحد القولين على التّفصيل الّذي قدّمناه، من تهمتهما على أنّ الثّمن لغو عندهما، وإنّما دفع دنانير سلفًا ليردّ إليه دنانير أكثر منها قياسًا أيضًا على الأخذ من ثمن الطّعام طعامًا. ولو كان العيب وجد في السلعة الأولى، كان أيضًا الثّمن الّذي هو مائة دينار ثابتًا. لأنّ استحقاق السلعة الأولى إنّما يقتضي استحقاق ثمنها، واستحقاق الثّمن لا يوجب بطلان البيع، على ما سنبسطه في موضعه إن شاء الله تعالى.
قال القاضي أبو محمّد ﵁: وإِذا رضي المبتاع بالعيب لم يكن له ردّه. وكذلك إِذا تصرّف في المبيع أو استعمله بعد علمه بالعيب، كان ذلك رضي منه، ولم يكن له الرّدّ. فإن تصرّف مضطّرًا، ففيها روايتان.
قال الإِمام ﵀: يتعلّق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة. منها أن يقال:
١ - هل يمكّن المشتري من التصرّف في المبيع المعيب إِذا علم بعيبه أم لا؟
_________________
(١) هكذا في النسختين ولعل الصواب العبد.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
٢ - وما الّذي يعد منه عَلَمًا على الرّضا بالعيب؟
٣ - وما صفة الرّضا بالعيب؟
فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال:
المبيع ها هنا ثلاثة أقسام: عقّار وثياب وحيوان.
فأمّا الدّور وما في معناها، فإنّ المشتري لا يقضى عليه بإخلائها والانتقال عنها، وهو يخاصمه في العيب، لأنّ ذلك غلّة وخراج، والخراج بالضّمان، وضمانها منه.
وأمّا الثّياب، فليس له أن يلبسها، لكون اللّباس نقصًا من أجزائها، وليس له إتلاف بعض المبيع وهو يحاول ردّه بالعيب.
وأمّا الحيوان، فإن كانت جارية، فليس له أن يطأها، لأن الوطء إنّما يباح فيما يستقرّ ملكه استقرارًا مؤبدًّا. (في هذا) (^١) والمشتري إِذا وطئها وهو يحاول نقض ملكه فيها، وردّ البيع من أصله، لم يصغ (^٢) له ذلك احتياطًا للفروج.
وأمّا استخدام العبد وركوب الدّابّة ففيه قولان. المشهور أنّه يمنع من ذلك. وذهب ابن حبيب إلى أنّه لا يمنع منه قياسًا على العقار، ولأنّ الخراج له والنّفقة عليه، فلا يمنع من الإنتفاع بالمبيع.
والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: أمّا كلّ فعل لا يقع في العادة إلاّ رضي من المشتري بالتمسك بالمبيع، فإنّه إِذا ظهر ذلك منه، لم يكن له ردّ البيع. وما كان من التّصرّف مشكلًا، لم يقض عليه، بكونه علمًا على الرّضا. وهذا هو الأصل المعتبر في أمثال هذا. وقد كنّا قدّمنا ذكره مبسوطًا في كتاب بيع الخيار.
فأمّا اختلاف قول مالك ﵁ في تصرّف المضطّر، فإن ابن القاسم روى عنه أنّ المسافر إِذا اطّلع على عيب بالدّابّة فركبها إلى أن أعادها وقدم بها
_________________
(١) هكذا في النسختين.
(٢) هكذا في النسختين بالصاد، ولعل الصواب: يَسُغْ.
[ ٢ / ٧٣٨ ]
على صاحبها، فإنّ ذلك لا يعدّ رضي منه. وروى أشهب أنّ ذلك لا (^١) يعدّ رضي منه.
فقدر ابن القاسم أنّ المضطّر ها هنا للتّصرّف علمًا كالمكره على التّصرّف.
والمكره على الفعل لا يُعتقد فيه أنّه مريد الفعل إرادة رضا به كإرادة المختار.
وقدّر أشهب أنّه لمّا كان اعتقاده ردّها ونقض البيع، لم يعذر بركوبه ولا صار كالمكره عليه لقدرته على ركوب غيرها، أو التّوصّل بأمر سواها، فكان ذلك رضي منه.
ولو أنّ المشتري اطّلع على عيب وربّ السلعة غائب ببلد آخر، وأشهد بالعيب وباعها، فإنّ في الموّازيّة أنّ ذلك يسقط حقّه في العيب. فقال ابن الموّاز إلاّ أن يكون ببلد لا سلطان فيه، أو متناول (^٢) بعيد، فلا يسقط حقّه. وقدّره معذورًا بهذا لمّا صار مغلوبًا على ما فعل.
ولو أنّ العيب لم يثبت ولكن اعترف البائع به، وهو مِمّا لا يشاهد، فإنّ المشتري بالخيار بين أن يصدّقه فيردّ البيع بالعيب، أو يكذّبه ويتّهمه بأن يكون قال الكذب ندمًا على البيع، ويبقى ما أقرّ به موقوفًا حتّى يظهر صحّة ما قال، فيكون للمشتري حينئذٍ الرّدّ.
وذكر في الموّازيّة أنه إِذا ردّ المشتري إقراره بالعيب ولم يقبله منه ثمّ أراد أن يرجع إلى قبول ذلك منه ويردّ المبيع، فإنّه لا يمكن من ذلك إِذا لم يثبت العيب، إلاّ أن يكون البائع متماديًا على إقراره بالعيب.
وهذا الّذي ذكره ابن الموّاز أجراه مجرى من أقرّ لإنسان بدين فكذّبه في إقراره له، فإنّ هذا المكّذب للإقرار إن رجع إلى تصديق المقرّ، قبل أن يرجع عن إقراره، فإنّه يؤخذ بمقتضى إقراره. ورأى أنّه قد تعلّق للمقرّ بالعيب حقّ في إسقاط الرّجوع عليه، فلا يمكن المشتري من الرّجوع فيما أسقطه إلاّ أن يتمادى
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب حذف (لا).
(٢) هكذا في النسختين، ولعله: بمنزل بعيد.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
هذا على الإقرار، فيصير كالمستأنف إقرارًا بحقّ.
وذكر عن أشهب أنّ هذا العيب الّذيْ أقرّ به البائع لو قامت بيّنة به، فإنّ المشتري لا يسقط تخييره بين الاستمساك بالبيع أو ردّه، إلاّ أن يوقفه القاضي ويقضي عليه بالواجب.
وقال بعض الأشياخ: إنّ البائع لو قال: إنّ عبدي أبق، فلم يصدّقه المشتري، فأبق العبد فمات، فإنّ للمشتري ارتجاع الثمّن، لكون البائع مقرًّا على نفسه أنّه لا يستحقّ المال الّذي أخذ. وهذا الّذي قاله يصحّ إِذا تمادى البائع مقرًّا على نفسه إقراره، ورجع المشتري إلى تصديقه على حسب ما كنّا أشرنا إليه.
وإِذا تقرّر هذا فاعلم أنّ العيب أيضًا إِذا وجب للمشتري الرّدّ به وقضى له القاضي بذلك ونفذ الحكم بردّ المبيع، فإنّه لا إشك الذي أنّ البيع انفسخ.
ولو تراضى المتبايعان بالفسخ وعقداه على أنفسهما، لكان ذلك كحكم الحاكم عليها أيضًا.
فإن لم يقع حكم بالفسخ ولا تراضٍ به لكن قال المشتري بعد ثبوت العيب: إنّي فسخت البيع. فإنّ هذا مِمّا اختلف النَّاس فيه.
فذكر ابن القصّار من أصحابنا أنّ مذهب مالك والشافعي وقوع الفسخ بمجرّد قول المشتري، وإن لم يقع، حكم به.
وذهب أبو حنيفة إلى ما قالاه في هذا إِذا كان المبيع لم يقبضه المشتري. فأمّا إِذا كان قد قبضه المشتري فإنّه لا يفسخ البيع إلاّ بحكم حاكم أو تراض بالفسخ. وعمدته في هذا أنّ الموجب للرّدّ ها هنا إنّما (^١) اختلف في حصوله، وربّما اتّفق على حصوله، واتّفق في كونه عيبًا حتى يقول قوم هذا عيب ويقول آخرون ليس بعيب. وإِذا كان الأمر كذلك، صار ذلك كالمسائل الاجتهاديّة لا
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: ربما.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
يثبت الحكم فيها إلاّ بإنفاذ حاكم له، يرفع بحكمه هذا الاختلاف الّذي أشرنا إليه.
وأصحابنا وأصحاب الشّافعي يناقضونه في هذا الّذي قال بتسليمه وقوع الفسخ بقول المشتري: فسخت البيع، إِذا كان لم يقبض المبيع. وما اعتلّ به يتصوّر قبل القبض وبعد القبض، وكون المبيع مستقرًا بعد القبض استقرارًا متمكّنًا.
وقد كثر التّنازع في مسائل خلافية، هل يفتقر إلى حكم أم لا؟ كما اختلف عندنا فيمن مثّل بعبده، هل يفتقر عتق العبد إلى حكم أم لا؟ إلى غير ذلك من المسائل.
ويقول أصحاب أبي حنيفة في مسئلتنا هذه يفتقر الفسخ بالعيب إلى حكم.
كتخيير الأمة المعتقة تحت عبد لأجل ما طرأ عليها من عيب في هذا النّكاح، مع اختلاف النّاس في اشتراط العبوديّة في الزّوج، أو إثبات تخييرها ولو كان الزّوج حرًا.
والجواب عن السؤال الثّالث أن يقال: إِذا وقَّف البائع المشتري على عيب، عيّن موضعه، وأراه إيّاه، وأعلم جنسه ومقداره ظاهرًا وباطنًا، وعقد البيع على ذلك، فلا إشك الذي كون هذا رضي به. وأمّا إِذا لم يكن الأمر كذلك ولكن اقتصر في رؤية العيب على مشاهدة لا تقتضي الإحاطة به، أو تبرأ إليه منه بخبر ولفظ وفيه احتمال، فإنّه إِذا باع منه دابّة ولها دبرة، فأراه البائع الدّبرة، ولم يحط المشتري علمًا بباطنها، وظهر من باطنها ما لم يُنْبِ عنه ظاهرها، فإنّ البائع إِذا كان عالمًا بذلك، ولم يبيّنه، كان للمشتري الرّدّ به، لكون البائع كالمدلّس، ومن دلّس بعيب ردّ عليه به. وإن كان البائع لا يعلم باطنها وإنّما يعلم منها ما يعلم المشتري، فإنّه يجري ذلك على حكم العيب الباطن في الخشب وما في معناها. وقد كنّا قدّمنا اختلاف قول مالك فيها، وإنّ المشهور من المذهب ألاّ ردّ بذلك.
وهكذا ذكر ابن حبيب عن أصحاب مالك في هذا الوجه إِذا استوى علم البائع والمشتري بباطن هذه الدّبرة.
[ ٢ / ٧٤١ ]
وعارضه بعض المتأخّرين فناقضه بقوله في الخشب إنّما لا يردّ بالعيب الباطن إِذا كان ذلك من أصل الخلقة، أو حدث بعد الخلقة، لكون ما حدث بعد الخلقة قد يعلمه قوم دون قوم (أم لا) (^١)؟ هذا إِذا اقتصر في التبرّي من هذا العيب على النّظر.
وأمّا إن اقتصر فيه على الخبر مجملًا، مثل أن يقول البائع: أبرأ إليك من دبرة بظهر هذه الدّابّة. والدّبر يختلف، فإنّ مذهب ابن القاسم صحّة هذا البيع، وكون البراءة لا تتضمّن إلاّ اليسير من هذا العيب.
وذهب أشهب أنّ البيع فاسد.
وكذلك لو برىء من كيّ بالعبد، فإنّ الخلاف فيه على حسب ما ذكرناه.
ومقتضى هذا أن تكون البراءة من الإباق مجملًا تقتضي فساد البيع على رأي أشهب. لكن ذكر ابن الموّاز عن أشهب أنّه وافق ابن القاسم في الإباق، وأنّ البيع لا يفسد ويبرأ من الإباق اليسير. فإن كان إلى موضع بعيد أو أبق مرّتين، فإنّ المشتري له الرّدّ. قال ابن الموّاز: ومذهب ابن القاسم أحبّ إلينا، وقد أضعف أشهب جوابه لِما قال في الإباق.
وأشار بعض الأشياخ إلى أنّ هذا اختلاف من قول أشهب. وكان بعض أشياخي يرى أنّ هذا اللّفظ إن تفاهما منه العيب اليسير، فإنّ البيع لا يفسد ويبرأ البائع من اليسير.
ولا يحسن الخلاف في هذا كما لو صرّح به. وإن تفاهما إلزام البيع المشتري، على أيّ حال كان العيب من عظم وصغر يختلف فيه الثّمن اختلافًا كثيرًا، فإنّ هذا يفسد به البيع. ولا يحسن أيضًا الخلاف في هذا. فهذا حكم الاقتصار من عيب على نظر أو خبر.
والأظهر في الرّوايات جواز الاقتصار فيه على خبر يتضمّن حقيقة. وإن
_________________
(١) هكذا في النسختين.
[ ٢ / ٧٤٢ ]
كان قد وقع في بعض الرّوايات ما يوهم جواز الاشتراط للنّظر.
وقد ذكر في الآثار أنّه لا يبرأ بقوله: أبيعك لحمًا على بارئة (^١) من العيوب. قال النّخعي: لا يبرأ حتّى يضع على العيب يده. والتّحقيق في هذا أن ينظر إلى الخبر عن العيب. فإن كان لا يقوم مقام مشاهدة، ولا يقتضي الإحاطة بالعيب، بل كون الاقتصار على الخبر ركوبًا للغدر، فإنّ ذلك لا يجوز الاقتصار عليه مع القدرة على المشاهدة. وإن كان خبرًا يقوم مقام العيان، فهذا لا يمنع من الاقتصار عليه. وسنستقصي حكم الاقتصار على الخبر عن المبيع مع إمكان النّظر من غير ضرورة في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر في الموّازيّة أنّ العيب لا يبرأ منه البائع، ولو ذكره، إلاّ أن يقول: هو بالمبيع. وقدّر أنه إِذا قال: أبيعك هذه الدّابّة وأبرأ إليك من كذا.
ولم يقل: إنّه بها، فإنّ ذلك لا يجزي، لما يمكن من اعتقاد المشتري أنّ هذا القول أوْردَهُ البائع على جهة المبالغة والاحتياط، وإن لم يكن بها هذا العيب.
ورأى بعض أشياخنا أنّ المفهوم من هذا كون هذا العيب بها، فتصحّ البراءة، وإن لم يقل إنّه بها.
وكذلك لو ذكر عيوبًا كثيرة بالمبيع، منها ما ليس بالمبيع، فإنّه لا يبرأ البائع بذلك لكونه لفف العيوب الحاصلة، والمشتري قد يعتقد أنّ بالمبيع من العيب من جملة ما لفف، وهو ليس بالمبيع، بل المبيع سالم منه. ولهذا قال ابن الموّاز لا يبرأ إلاّ أن يذكر العيب مفردًا، لا يخلطه بغيره، ويقول: إنّه به.
وإلى هذا أشار ابن حبيب أيضًا. ولكنّه.
قال القاضي أبو محمّد ﵁: ويجوز البيع بشرط البراءة في الرقيق دون غيره، ويبرأ من كلّ عيب لم يعلمه، ولا يبرأ مِمّا علمه فكتمه.
قال الإِمام ﵀ يتعلّق بهذا الفصل ثمانية أسئلة، منها أن يقال:
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: براءة.
[ ٢ / ٧٤٣ ]
١ - هل يجوز اشتراط البراءة من العيوب في عقد البيع أم لا؟
٢ - وهل يشترط في جوازها أن يكون البائع غير عالم بما تبرّأ منه أم لا؟
٣ - وهل تجوز في سائر المتملكات أم لا؟
٤ - وهل تجوز في سائر العقود أم لا؟
٥ - وهل تجوز في كلّ العيوب أم لا؟
٦ - وما حكم التّداعي في البراءة؟
٧ - وما الحكم في الأيمان إِذا طُلبت (^١)؟.
فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: اختلف النّاس في جواز البيع على البراءة على الجملة، فمنعه قوم وأجازه آخرون.
فالمشهور من مذهبنا جوازها على الجملة. وهو مذهب أبي حنيفة واحد أقوال الشّافعي. لأنّ من أصحاب الشّافعي من يحكي ثلاثة أقوال: المنع على الإطلاق، والجواز على الإطلاق، والتّفرقة بين ما علمه البائع وما لم يعلمه في البراءة في بيع الحيوان.
وعندنا رواية عن مالك في منع بيع البراءة مطلقًا من غير اعتبار يكون البائع عالمًا بما يبرأ منه أو غير عالم. ومن المتأخّرين من يحكي هذه الرواية عن مالك حكايته مقيّدة. فيقول: لم يختلف قوله في جواز البراءة من العيب اليسير، ولا في ثبوت البراءة في بيع السلطان، ولا في سقوط عهدة الثّلاث. والسنة في البيع الثابت (بياض) (^٢).
وسبب هذا الاختلاف أنّ الشّرع ورد بالنّهي عن بيع الغرر، واشتراط البائع على المشتري ألاّ يردّ عليه بعيب يطّلع عليه يتضمّن عقد الشّراء على مبيع غير معلوم ولا محاط به. وبيع ما لا تعلم حقيقته لا يختلف في منعه، كبيع ما في
_________________
(١) لا وجود في النسختين إلا لسبعة أسئلة. ويمكن استرواح الثامن من الجواب عليه هكذا: وهل لعلم السلطان بالعيب أثر في الرد بالعيب؟
(٢) بياض في النسختين بمقدار خمس كلمات في المدنية ومقدار ثلاث كلمات في الوطنية.
[ ٢ / ٧٤٤ ]
يده أو ما في هذه من حيتان. لكون المشتري دخل على أنّ العبد المشترى إن وجده أعمى أصمّ أبكم، لزمه الشّراء بالثّمن الّذي بذل. وإن وجده على صفة كمال سالمًا من العيوب، كان ذلك له. وهذا واضح ما فيه من الخطر والغرر.
ووجه الجواز على الجملة ما أشار إليه ابن حبيب من حكم عمر بن الخطّاب وعثمان بن عفّان ﵄، بإمضاء البيع المشترط فيه البراءة.
وقد ألزم عثمان بن عفّان عبد الله بن عمر لمّا باع (^١) بالبراءة، الثّمنَ، لمّا اطّلع على عيب لم يعلم به حين العقد. فلو كان العقد عنده فاسدًا، ويراه غررًا، لم يغرمه الثّمن. ولا يفسخ العقد ولو تراضيا بإمضائه مع كون الضّرورة قد تمسّ إلى ذلك وتدعو إليه الحاجة والمصلحة. فعفي عنه كما يعفى عن عقود تضمّنت غررًا للضّرورة الدّاعية إلى العفو عن ذلك.
وهذا إِذا قيل فيه: إنّ قول الصاحب حجّة بمجرّده، وإن خالف القياس، كان للاحتجاج بما حكيناه عن الصّحابة، ﵃، عمدة في هذا. وإن قلنا: إنّ القياس مقدّم على قول الصّحابيّ، فقد قال بعض البغداديين: إنّ المنع وإن أذى إليه قياس قويّ كما ذكرناه، فإنّ في مقابلته قياسًا ضعيفًا، وهو ما أشرنا إليه من الضّرورة الدّاعية إلى العفو عن هذا. وهذا القياس وإن كان ضعيفًا، فإنّه يترجّح على القياس القول بمذهب الصّحابيّ ﵁.
والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: اختلف المذهب عندنا في بيع البراءة مِمّا علمه البائع من العيوب. وأجاز ذلك أبو حنيفة والشّافعي، في أحد أقواله، على ما تأوّله عليه بعض أصحابه.
والدّليل على المنع، مع العلم بالعيب، أنّ البائع إِذا كانت العيوب لم يعلم بها، فالظّاهر سلامة المبيع من العيب، والظّاهر صدقه أيضًا لتحسين الظّنّ به سومح في ذلك.
وإِذا قال: لا أعلم بما بعت عيبًا، فإن ظهر بعد العقد فأنا بريء منه. فكان
_________________
(١) أي: اشترى.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
الظّاهر سلامة المبيع، وصدقه في هذا كعيب يستوي في الجهل به المتبايعان، وما استوى في الجهل به المتبايعان، لم يردّ به البيع، كعيب الخشب، على حسب ما قلناه وحكيناه من المذهب المشهور عندنا. وإِذا كان البائع عالمًا ارتفعت العلّة، وتبيّن القصد إلى المخاطرة والغرر، لأنّ البائع قادر أن يذكر ما علمه من العيوب بعبده من غير مشقّة عليه في ذلك، ولا ضرورة تدعو في إضرابه عن ذكره. فصار عقدًا على ما يعلم جقيقته، والمشتري لا يعلم حقيقته، وهو قادر على أن يعلمه إيّاها، وهذا لا يجوز.
وقد احتجّ أصحاب أبي حنيفة على الجواز بأنّ البائع لو باع ثوبًا مرفوًّا، وأرى رفوه إلى المشتري، والبائع يعلم كون الرّفو عيبًا، والمشتري لا يعلم كونه عيبًا، فإنّ البيع جائز، مع كون البائع إنفرد ها هنا بعلم.
وأجيب عن هذا بأنّ البائع قد أعلم المشتري بحقيقة هذا العيب، وأنكر المشتري جهل القيمة، وكون هذا الرّفو يحطّ منها، وهذا الجهل لا يمنع صحّة البيع كما لا يمنع منه كون البائع غبن المشتري بجهل القيمة، ومعرفته.
والجواب عن السؤال الثّالث أن يقال: اختلف قول مالك في بيع البراءة على أقوال:
منها حكايته عنه من منعه مطلقًا.
ومنها جواز ذلك مطلقًا في سائر المبيعات عرضًا كانت أو حيوانًا. ذكر ذلك عنه ابن حبيب. وحكاه عن ابن شهاب وربيعة ويحيى ابن سعيد وابن وهب من أصحاب مالك. وحكاه غيره عن ابن كنانة.
وحكي عنه منع ذلك في العروض وإجازته في الحيوان الصامت والنّاطق.
وذكر مالك في كتابه، وحكي عنه، جوازها في الحيوان النّاطق خاصّة.
وقد كنّا قدّمنا مصير بعض المتأخّرين إلى أنّه لم يختلف قوله في العيب اليسير، على حسب ماكنّا قدّمنا حكايته عنه.
وسبب هذا الاختلاف أنّ بيع البراءة إِذا كان إنّما عفي عنه لاستواء البائع
[ ٢ / ٧٤٦ ]
والمبتاع في الجهل بالعيب، اقتضى ذلك جواز بيع البراءة في العروض وسائر المتملّكات. لكن من قصر ذلك على الحيوان قال: إنّ الحيوان كلّه تتلوّن أحواله بالصحّة والسقم، ولا يكاد يحاط بعيوبه، فيقوى تصديق المشتري بأنّه جهل العيب الّذي فيه، حتّى يعتقد أنّه قد استوى علمه وعلم البائع في العيب.
بخلاف العروض.
وأمّا من قصر ذلك على الحيوان النّاطق، فإنّ من المتأخّرين من ذهب إلى علّة، ومنه من ذهب إلى عكسها. فقيل: إنّ الرّقيق يخبر بعيبه، لكونه مِمّن ينطق ويعرب عن نفسه. وإِذا لم يقع منه سكوت لسيّده لمرض أصابه، لم يعلم سيّده ما به فعذر سيّده لكونه جاهلًا للعيب وصدق فيما قال.
ومنهم من قال: إنّ الرّقيق يكتم عيبه، ويستره عن سيّده، مخافة أن يزهد فيه فيبيعه. فعذر السيّد في جهله بعيبه، وصدّق في أنّه لا يعلم ما به، بخلاف البهائم الّتي لا تخبر بعيبها.
والجواب عن السؤال الرّابع أن يقال: أطلق العلماء من أصحابنا وغيرهم ذكر الخلاف في بيع البراءة من غير تعرّض لتفصيل العقود. وينبغي أن يلتفت في هذا إلى تقييد في هذا الإطلاق.
فإنّ من المعاوضات ما يشترط فيه التّماثل ولا يجوز فيه الرّبا والتّفاضل، كما قدّمناه في كتاب الصرف، وكتاب السلم.
وإِذا كان الأمر كذلك، فإنّ القرض وما في معناه لا يجوز فيه اشتراط البراءة من العيب، لأنّ ذلك قد يوقع في اشتراط الزّيادة والتّفاضل. لأنّ من أقرض عبدًا فشرط التبرّي من سائر عيوبه الّتي يعلمها واشترط في القضاء عبدًا سليمًا، فإنّ هذا نوع من اشتراط الزّيادة في السلف، وذلك لا يجوز.
وقد قدّمنا في كتاب السلم ما يجوز أن يعجّل من الدّيون الثّابتة في الذّمّة سلمًا أو قرضًا قبل أجله، وما لا يجوز من ذلك. ومنها ما يمنع فيه التّعجيل المشترط فيه الزّيادة أو النّقص.
[ ٢ / ٧٤٧ ]
والتّبرّي من العيب يتضمّن شكًّا في الزيادّة أو نقصانًا، والشّكّ في حصول الرّبا في العقود كتيقّن حصول ذلك.
وهكذا جرى الأمر في بياعات العرُوض الّتي لا يجوز التّفاضل فيها، كبيع صاع قمح بصاع قمح على أن لا قيام بعيب في أحدهما، فإنّ ذلك يمنع، إِذا أجزنا البراءة في عيوب الطّعام والعروض. والشّكّ فيه من حصول التّفاضل بين الطّعامين، والشّكّ في حصول التّفاضل كالتّيقّن به. ونحن وإن كنّا نجيز صاع قمح طيّب بصاع قمح دنيء، ولا نلتفت في أحكام الرّبا إلى اختلاف الصفات، وإنّما نلتفت إلى اختلاف المقدار، فإنّ هذا إنّما يصحّ مع اطلاع المتعاقدين على صفات الطّعامين، فيكون ذلك تراضيًا بالعيب.
وأمّا إذا وقع الاشتراط في أن لا ردّ بعيب، فإن ذلك يصير العقد إلى المماكسة والقصد إلى التّفاضل في الصفات، على حسب ما كنّا قدّمناه في أحكام المراطلة في مسائل صوّرناها هناك.
وإن استوى وزن الذّهبين، فهذا عندي مِمّا ينظر فيه مع القول بجواز البراءة في عيوب الطعام والعروض. لكن بيع البراءة غررٌ، وينضاف إليه ها هنا منع آخر وهو ما أشرنا إليه في أحكام الرّبا.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
أمّا اختلاف حال المتبايعين فإنّه لم يثبته مالك مرّة، بل ساوى بين سائر البائغين في جواز التّبرّي من العيوب وفي المنع من ذلك. وقد كنّا قدّمنا أنّ
بعض المتأخّرين ينكر الخلاف عنه في كون. بيع السطان بيع براءة. واعتّل الشّيخ أبو القاسم بن الكاتب بكونه لم يختلف قوله في بيع السلطان خاصّة، واختلف قوله فيما سواه، على حسب ما حكيناه، لأجل أنّ بيع السلطان على المفلس أو لقضاء ديون من تركة ميّت حكمٌ منه بالبيع، وبيع البراءة مختلف فيه كما قدّمناه، والسطان إذا حكم بأحد أقوال العلماء لم ترد قضيّته عند من يرى خلاف رأيه فيما حكم به.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
وهذا الّذي قاله الشّيخ أبو القاسم فيه نظر عندي، لأنّ السلطان لم يتعرّض في البيع إلى خلاف أو وفاق، ولا قصد إلى حكم بإنفاذ بيع على البراءة فينفذ حكمه، وإنّما فعل في نفسه فعلًا أوجبه الشّرع عليه من قضاء ديون من تركة ميّت أو بيع مال مفلس، ولم يقصد إلى إمضاء الحكم بجواز البراءة وإنفاذها، وإنّما المقصود إيصال أهل الحقوق إلى حقوقهم. فلم يجر هذا مجرى ما قصد إلى الحكم به. وسنبسط القول في أحكام القضاء بما اختلف النّاس فيه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وبعض أشياخنا يثبت الخلاف في بيع البراءة، ولو كان السلطان هو الّذي تولّى البيع، ويتعلّق بقول سحنون: إنّ مالكًا قال، في القديم، بيع السلطان وبيع الميراث لا قيام فيه بعيب ولا بِعهدة، على حسب ما ذكره سحنون في هذه الرّواية. فقدله: كان يقول في القديم إشارة منه إلى أنّه له قولٌ آخر، وإن كان البيع بيع السلطان. فقال ابن القاسم: إذا بيع عبد على مفلس فللمشتري أن يردّه بالعيب. وهذا أيضًا إثبات الخلاف في بيع السلطان.
وأمّا بيع الورثة لقضاء الدّيون وتنفيذ وصايا، فإن فيه الخلاف المشهور، فاقتصر مرّة على ثبوت البراءة في بيع السطان، ومرّة أخرى أضاف إلى ذلك بيع الميراث ومراده في بيع أهل الميراث ما باعوه لقضاء دين أو إنفاذ وصيّة. وأمّا ما باعوه لأنفسهم، بحكم الانفصال من شركة بعضهم لبعض، فلاحقٌ ببيع الرّجل مال نفسه بالبراءة. فظاهر المذهب يقتضي اختلافًا في بيع البراءة، هل يصحّ بالاشتراط أو لا يصحّ ويثبت (^١) إلا لمن اقتضى الحكم كون مطلق بيعه بيع براعة. فإذا قلنا: لا تصحّ البراءة إلاّ في بيع السلطان، أو في بيعه وبيع الورثة، ونفينا بيع البراءة في حقٌ هذين (^٢) وإن اشترطوهما (^٣)، تضمّن ذلك كون الشّرط
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعلها على معنى النفي أي: ولا يثبت.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: في حق غير هذين.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: اشترطوها.
[ ٢ / ٧٤٩ ]
لا يؤثر فيها. وإن قلنا: تصحّ البراءة لمشترطها، وإن لم يكن سلطانًا ولا وارثًا، اقتضى ذلك ثبوتها بالاشتراط.
وقد قال مالك في الموّطأ: من باع عبدًا أو وليدة من أهل الميراث أو غيرهم على التبرّي، فقد برئ من كلّ عيب. وهذا الإطلاق يقتضي ثبوتها بالاشتراط لقوله: أهل الميراث أو غيرهم. وكان من يثبتها بالاشتراط يرى أنّ علّة الجواز استواء البائع والمبتاع في الجهل بالعيب، على حسب ما قدّمناه.
فإذا اشترط البراءة فقد أخبر أنّه جاهل بالعيب كجهل المشتري به، فصحّ اشتراطه. وإن قلنا: إن الاشتراط لا يؤثر فيمن لا يقتضي مطلق بيعه البراءة، فإنّ ذلك مبنيّ على أنّ ما لا يقتضيه من البراءة إطلاق العقد فلا يقتضيه الاشتراط، كما لو اشترط البائع البراءة مِمّا علمه من العيوب فكتمه، فإنّ ذلك لا ينفعه لمّا كان إطلاق عقد البراءة لا يتضمّن البراءة من عيوب يعلمها البائع.
فإذا تقرّر هذا وقلنا إنّ بيع السلطان يقتضي إطلاقُه البراءة من العيوب، فإنّ ذلك يشترط فيه أن يكون المشتري عالمًا بأنّ السلطان هو الّذي باع، أو باع من أمره السلطان بالبيع. فإن لم يعلم ذلك وظنّ أن البيع واقع مِمّن لا تنفذ أحكامه، بل هو بيع رجل مالَ نفسه، فإنّه لا يسقط مقاله في العيب، ويكون بالخيار بين أن يتمسّك بالمبيع على البراءة من العيوب أو يردّه.
وقيل: لا مقال له في العيوب. وهذا يحمل على أنّ من ذهب إلى هذا اعتقد أنّه ادّعى ما لا يشبه، لكون بيع السلطان لأنّه في غالب العادة إنّما يكون في مجمع واحتفال.
وأمّا لو كان البيع وقع من الورثة لقضاء دين أو إنفاذ وصايا، أو من وصيّ باع لقضاء دين أو إنفاذ وصيّة، لا لإنفاق على من في ولايته، فإنّ المشتريَ إذا لم يعلم بذلك فإنّه لا يسقط حقّه في القيام بالعيب، لكون هذا مِمّا قد يخفى عن المشتري حال البائع. بخلاف بيع السلطان الّذي قلنا على أحد القولين إنّه لا يخفى ذلك. وبيع الوصيّ تثبت فيه البراءة بشرط أن يبيع لِدين أو لإنفاذ وصيّة.
[ ٢ / ٧٥٠ ]
فأمّا بيعه لحاجة الورثة، فلاحقٌ ببيع الإنسان مالَ نفسه لكون الدّيون والوصايا يجب إنفاذهما، ومن حقّ أهلها أن يعجّل لهم حقّهم إن طلبوه. والسلطان والورثة والوصيّ جاهلون بحال المبيع، وهم مطالِبون باستعجال البيع. فحمل بيعهم على البراءة لأجل هذا، بخلاف بيع الإنسان مال نفسه.
ولو باع الورثة بشرط البراءة ولم يعلم المشتري أنّ البائع منه وارث، لصحّت البراءة، لكون الاشتراط ها هنا صادف محلًّا للحكم فيه، مع إطلاق البراءة من العيوب، فروعي حكم المحلّ لمّا ضامّه الاشتراط. بخلاف بيع رجل مال نفسه الّذي لم يرثه، لكون الاشتراط للبراءة لم يصادف محلًّا يوجب إطلاق البيع فيه البراءة. وإذا صادف الحكم محلّه نفذ وإن لم يعرف لمحلّه. وهذا غير الّذي ذكر ابن القاسم (^١) من ثبوت البراءة يشبه من تزوّج امرأة زوجها غائب، وهذا الزّوج لم يعلم بموْت الزّوج الغائب، فلم يفسح نكاحه حتّى ثبت أن الزّوج الغائب مات وانقضت عدّة الزّوجة منه قبل عقد هذا الرّجل الثّاني نكاحه، فإن النكاح يمضي لمّا صادف محله وإن جهل في ظاهر الأمر حصول المحلّ.
وكذلك من قام إلى خامسة في صلاة الظّهر عمدًا، فإذا به قد فسدت عليه ركعة يجب قضاؤها حتّى صارت الرّكعة المزيدة وقعت في محلّها، فإن هذا يجري مجرى واحدًا.
وقد تكلّمنا على ما قيل في هذا في كتاب الصّلاة من كتابنا هذا.
وقد اختلف المذهب في اشتراط البراءة إذا باع الإنسان مال نفسه، هل يسوغ له ذلك، و(^٢) إن لم يختبر المبيع، وإنّما باعه بحِدْثان ملكه له، أو لا يسوغ له ذلك إلَاّ بعد اختبار المبيع؟ فالمشهور أنّه لا ينفعه التبرّي من عيب إلاّ بعد أن يكون مختبرًا للمبيع. فقال في التّجّار يقومون بالرقيق فيبيعونه بالبراءة، ولم تطل إقامة الرّقيق عندهم،: هؤلاء يريدون أن يذهبوا بأموال النّاس باطلًا،
_________________
(١) هكذا في النسختين.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: حذف الواو.
[ ٢ / ٧٥١ ]
فلا تنفعهم البراءة. وقيل: تجوز البراءة في هذا. ذهب إلى هذا عبد الملك وغيره. وإحتجّوا يكون السلطان والورثة بيعهم بيع براءة وهم (^١) يختبروا البيع.
وقد يجاب عن هذا بما كنّا قدّمنا الإشارة إليه من كون السلطان إنّما يبيع لدين يقضى يجب تعجيله. والسلطان إن كان لم يختبر المبيع، فإنّ الضّرورة لقضاء الدّيون تقتضي جواز بيعه بالبراءة. وكذلك الوارث إذا باع لقضاء دين أو إنفاذ وصيّة. والّذي باع مال نفسه لم تدع ضرورةُ مراعاةِ حقِّ غيره إلى استعجال البيع، فمنع من البراءة قبل الإختبار للمبيع.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال: قد قدّمنا أنّ بعض المتأخّرين أنكر اختلاف قول مالك في جواز البراءة من العيب اليسير، وحمل اختلاف قوله على العيب الكثير. ومنهم من يحكي عنه الخلاف مطلقًا. وقال المغيرة إنّما تجوز البراءة في العيب اليسير، كالثّلث فأقلّ، فأمّا إذا زاد على الثّلث، فلا تجوز البراءة. فكأن من أجاز التبرّي على الإطلاق يعتلّ بأنّ سبب الجواز كون البائع والمبتاع استويا في الجهل بالمبيع، وما استويا في العلم أو الجهل به جاز العقد عليه واتبع الغرر فيه. وهذا يقتضي جواز البراءة في العيب الكثير واليسير.
ومن يمنع البراءة في العيب الكثير، يعتلّ بأنّ الأصل المنع من بيع البراءة لأجل ما فيه من الغرر، على حسب ما بيّناه فيما تقدّم، والغرر إذا خفّ وكان يسيرًا غير مقصود، لم يمنع، وإذا كان كثيرًا مقصودًا عظم التّخاطر فيه واتّضح الغرر، فوجب أن يمنع. والعيب الكثير مِمّا يعظم التّخاطر بخلاف اليسير.
ومن هذا بيع الجارية الرّائعة بشرط البراءة من العمل، وليس بها حمل ظاهر، فإنّ المذهب المنع من ذلك. واحتجّ صاحب المذهب بعظم الغرر في هذا الاشتراط، وأنّ العمل يحطّ من ثمنها كثيرًا، ومقدارًا عظيمًا، فوجب أن يمنع هذا التبرّي من العمل العظيم (^٢) الغرر فيه.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: وهم لم يختبروا.
(٢) هكذا ولعل الصواب لعظم.
[ ٢ / ٧٥٢ ]
وأجاز التّبرّي من حمل الرّائعة الشّافعي. وكأن الشّافعي لم يفرّق بين سائر العيوب والحمل من جُملتها. وكأن مالكأرضي الله عنه وأصحابه يرون أنّ ما سوى العمل مِن العيوب، الظّاهرُ السلامة منها، والبائع يخبر ألاّ عيبَ بالمبيع، فصار الظّنّ بالسلامة من هذه العيوب يرفع الغرر. بخلاف العمل في الرّائِعة الّذي لا علم عند واطئها بالسلامة منه، فيقول على خبره، ولا الغالب أيضًا، والظّاهر من الحال يقتضي السلامة منه.
وأمّا التّبرّي من حمل أمة من الوخش، فإنّ ذلك جائز عندنا، لكون العمل لا ينقص من ثمنها مقدارًا كثيرًا، فلا يقتضي اشتراط التّبرّي منه غررًا، فجاز ذلك.
وإذا منعنا التّبرّي منه في الأمة الرّائعة، فإن البيع إذا عقد على ذلك، سقط الشّرط. وهل يسري ذك إلى فساد العقد أم لا؟ وهل يقع الضّمان بالقبض أم لا؟ هذا يبسط في موضعه إن شاء الله تعالى.
لكن حكى ابن حبيب عن مالك أنّ من باع أمة وهو مقر بوطئها، وشرط التبرّي من العمل أن الشّرط وإن بطل، فإنّه لا يبطل العقد. وأنكر الشّيخ أبو محمّد ابن أبي زيد هذه الرّواية لمّا رءاه شرطًا متّفقًا على فساده. وقال بعض المتأخّرين يلزم على هذه الرّواية أن يجوز التّبرّي من حمل الأمة الرّائعة. كما قاله الشّافعي، وينفذ العقد على ذلك ولا يفسد.
فمن يذهب إلى إمضاء العقد يقدّر هذا كأحد بياعات الشّروط التّي يسقط الشّرط ويصحّ البيع. وقد كنّا تكلمنا على أحكام الشّروط الفاسدة في كتاب البيوع الفاسدة، وأشرنا إلى ما يعلم منه وجه هذا المذهب.
وعندي في هذه المسألة أنّ لو كانت الأمة ذات زوج أو ظاهرة الزّنا، لم تردّ بعيب حمل، لكون المشتري دخل على ذلك، فلا يحطّ ذلك من ثمنها ما يتضمن غررًا في العقد، لكونها معرّضة للحمل.
وقد وقع في بعض الرّوايات فيمن إشترى زوجته فانفسخ نكاحه بشرائها،
[ ٢ / ٧٥٣ ]
ثمّ ظهر بها حمل، أنّ له الرّدّ به. وهذا خلاف مقتضى هذا الّذي أصّلنا.
ولو كان حمل الرّائعة ظاهرًا لجاز التّبرّي منه لأن التّبرّي منه إخبار عن أمر مشاهد.
ولو شرط المشتري كونها حاملًا لمنع من هذا الشّرط، رائعة كانت أو من الوخش، لكون المشتري قد زاد في الثّمن لأجل ما اشترط، فهو كشراء الأجنّة وشراؤها لا يجوز.
وكذلك لو اشترط في ناقة أو شاة أو رمكة، فإنّ هذا لا يجوز.
وأجاز أشهب ذلك في اشتراطه حمل رَمَكَة أو شاة. وهكذا ذكر ابن دينار عن ابن كنانة وابن أبي حازم. وكأن هؤلاء في حكم التبع للأمّهات جائز بخلاف إفراده. كما يجوز اشتراط الثّمرة المؤبّرة إذا بيعت مع الأصول.
فإذا قلنا بجواز الاشتِراطِ للحمل في. هذا النّوع من الحيوان فكشف ألاّ حمل فيما اشترط كونه حاملًا، فقد قيل: للمشتري الرّدّ بذلك. وقال ابن أبي حازم وابن كنانة: لا يردّ للمشتري بذلك إذا كان البائع يعتقد أنّها حامل، ولم يعلم ألاّ حملَ بها. وكأنه على هذا المذهب إنّما اشترط ظنّ البائع للحمل لا يقينه به، والظّنّ يخطئ ويصيب.
وأمّا اشتراط المشتري ذلك في الرّائعة وكونها حاملًا، فإنّ ذلك محمله محمل التّبرّي من الحمل، لكون هذا عيبًا ظاهرًا، والعيب لا يشترط إلاّ بمعنى التّبرّي منه. وإن كانت من الوخش فإنّه يرّدها، على حسب ما حكيناه من مذهب من ذهب إلى ردّ النّاقة المشترط حملها إذا لم تكن حاملًا. هذا اشتراط البراءة من العمل أو اشتراط حصوله.
وأمّا تناول البراءة العامّة من كلّ عيب بالجارية، فإنّ العمل لا يدخل في هذه البراءة، لأنه إذا لم يجز إفراده بالاشتراط، لم يجب دخوله في لفظ عام لبراءة تجوز. كما لا يشتمل اشتراط البراءة على ما يعلمه البائع من العيوب، لكون ما يعلمه من العيوب لا يجوز إفراده بهذا الاشتراط، وهكذا قال ابن
[ ٢ / ٧٥٤ ]
الموّاز: البراءة العامّة لا يدخل فيها العمل، ولو اشترط البراءة منه في الرّائعة، لفسد البيع.
وقد حاول بعض المتأخّرين تخريج اختلاف. فقال: قد قال ابن حبيب فيمن اشترى جارية مسبيّة في المقاسم أو وقعت في سهمانه، فإنّه لا يردّها يحمل يظهر. لأن بيع المقاسم بيع براءة. قال: وهذا يقتضي دخول العمل في البراءة العامّة.
وهذا الّذي قاله قد يجاب عنه بأن المسألة مبنيّة أنّ المسألة (^١) ذات زوج. وقد قدّمنا أنّ من اشترى أمة ذات زوج فإنّه لا يرد يحمل يظهر. فإذا أمكن هذا كان هذا التّحريم فيه نظر. إلَاّ أن يحمل ما ذكرنا على جارية مسبيّة ليست بذات زوج. وإذا تقرّر حكم البراءة وتأثيرها، وما يجوز منها وما لا يجوز إذا وقع الشّرط في العقد، فإن التّبرّي من العيوب بعد العقد على وجهين.
أحدهما: أن يتبرّأ البائع من عيب ظاهر، فإنّ المشتري يخيّر حينئذ في قبول البيع أو ردّه. كما لو اطّلع على عيب من تلقاء نفسه، وإن لم يكن عيبًا ظاهرًا، فإنّه لا يلزم المشتري تصديق البائع، بل يقف الأمر على اطلاع المشتري عليه، وتقدّم الكلام على هذا.
وأمّا إن تبرّأ بعد العقد بعوض، فإنه ذكر في المدوّنة فيمن باع دابّة وأتى بعد العقد فتبرّأ من عيوبها على دينار بذله المشتري (^٢) فإنّ ذلك لا يبريه. وإن كان ذلك في جارية، لصحّت البراءة. قال ابن حبيب: لأنّ ما بعد العقد ملحق به. كما يصحّ استلحاق مال العبد بعد العقد، كما يصحّ اشتراطه في أصل العقد. وكما يشتري مكيلة من صبرة طعام بعد أن باعها والمكيلة بمقدار ما يجوز استثناؤه من الصبرة كيلًا. وهذا الّذي ذكروه بناء على تخصيص الرّقيق بجواز البراءة من عيوبه، ومنع ذلك فيما سواه من الحيوان. وقد ذكر ابن حبيب
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: المَسْبيَّة.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: للمشتري.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
أنّه لو عقد البيع على عشرة دنانير على أن وضع دينارًا من العشرة ليبرأ من العيوب، أنّ ذلك لا يبرئه. قال: كمن تزوّج بعشرة دنانير على أن يسقط عنه دينار على ألاّ يتزوّج على المرأة، فإنّ هذا الشرط لا يلزم.
وتعقّب هذا القول عليه ونقض فيه ما تقدّم من قوله: إنّ ما بعد العقد ملحق بالعقد. فإذا باع جارية بعشرة دنانير ليبرأ من عيوبها، فإنّ العقد، وإن لم يعتبر فيه ما سقط، قد اشترط فيه البراءة، واشتراط البراءة في الجارية في أصل العقد يجوز، وإن لم يخصّ بعوض، واشتراط ألاّ يتزوّج في أصل عقد النّكاح لا يلزم. ولا يبعد هذا الاشتراط على المعروف من المذهب، وهذا يمنعه من قياس اشتراط البراءة على اشتراط ألًا يتزوّج:
والجواب عن السؤال السابع أن يقال:
إذا انعقد البيع على البراءة فاطّلع المشتري على عيب، فإنّ الحكم أن يحلف البائع أنّه لم يعلم بالعيب. فإن حلف على ذلك سقط مقال المشتري في الرّدّ، وإن نكل ردّ عليه المبيع بالعيب. وفيما كان ذلك كذلك لأجل البراءة يشترط في تأثيرها كون البائع لا يعلم بالعيب. فلو ثبت أنّ العيب عنده وأنّه باع وهو عالم به، لكان يجب للمشتري الرّدّ. فإذا أمكن علمه بذلك، استظهر عليه باليمين لأجل هذا الإمكان. فإن حلف فقد رفع يمينه حكم هذا الشّكّ والإمكان. وإن نكل صار كالمقرّ بأنه عالم بالعيب، فيجب الرّدّ عليه، من غير يمين على المشتري، لأنه غير قاطع على علم البائع بذلك. ويجري ذلك مجرى أيمان التّهم التّي لا يرجع اليمين فيها. هذا الأصل المشهور من المذهب.
وإن كان قد ذكر في المستخرجة عن ابن القاسم أنّ البيع لا يرد حتّى يحلف المشتري على أنّ هذا العيب لم يحدث عنده.
وقد تعقّبت هذه الرّواية بأنّه ذكر فيها، أنّ العيب قديم، ثمّ استحلف المشتري على أنّه لم يحدث عنده، ولا يصحّ استحلاف أحد على قول شهدت له بصحّته البيّنة.
[ ٢ / ٧٥٦ ]
واعتذر عن هذا بأن قِدَم العيب لم يثبت يقينًا، وإنّما ثبت بقول علماء الطّبّ، وقد يخطِئون فيما يعتقدون من المداواة والعلل. فلهذا لم يحكم ها هنا بقدم العيب على القطع.
وهذه الرّواية لم يرجع اليمين فيها على المشتري على طباق ما وجبت على البائع، لأنّ طباق ما وجبت على البائع أن يقول المشتري: بالله لقد علمت أنها البائع بها. ولكن هذا لا يلزمه لعدم القطع على علم البائع كما قدّمناه. وإنّما صار في هذه الرّواية إلى استحلاف المشتري لأجل أنّ الأصول تقتضي أنّ اليمين إذا وجبت في محلّ فعدل عنها، انتقلت إلى المحلّ الآخر.
هذا إذا ثبت قدم العيب.
وأمّا الوشكّ في قدم العيب أو حدوثه، فإن فيه قولين:
أحدهما إثبات اليمين، إذا وجبت، لحصول الشك في كون هذا العيب كان عند البائع، وفي كونه علم بما فيه، فيفتقر إلى رفع هذا الإمكان إلى يمين البائع.
وقيل: لا يمين عليه ها هنا لأجل أنّ المؤثّر في الرّدّ علم البائع بالعيب.
فإذا ثبت قدم العيب، حلف على نفي إمكان واحد. وإذا لم يثبت قدمه وشكّ في حدوثه عند المشتري، لم يؤثّر إمكان كونه عالمًا بالعيب إلاّ بعد إمكان وجه آخر، وهو كون العيب قديمًا عند البائع. فلمّا صار الإمكان ها هنا لم يتصوّر إلاّ بواسطة وإمكان آخر ضعف تعلّق اليمين.
هذا هو وجه الاعتبار فيما قدّمناه. لكن عوّل مالك، ﵁، فيه على قضيّة عثمان بن عفّان، ﵁، فإنّه حكى في موطئه أنّ عبد الله بن عمر باع غلامه فقام المشتري بعيب فيه، وقال لابن عمر: بعتني، وبه داء لم أعلم به. فاختصما إلى عثمان، ﵁، فقضى على عبد الله بن عمر باليمين أنّه لم يعلم بالعيب، فأبى أن يحلف، وارتجع العبد، فذهب عنه الداء فباعه عبد الله بن عمر بعد ذهاب دائه بألف وخمسمائة درهم. وقد كان بيعه
[ ٢ / ٧٥٧ ]
الأول بثمانيمائة درهم. فاقتضى هذا الأثر كون البراءة لا تؤثر فيما علمه البائع من العيب. واستحلاف البائع على أنّه لم يعلم بالعيب. وقضِيَ بذلك على ابن عمر، ﵁،- وإن كان من الفضل، وبروز العدالة، والمبالغة في الدّيانة، بحيث لا يتّهم، طردًا لهذا الحكم وجَعْلِه كقضيّة كلّية في الصالح وغير الصّالح، كما كنّا قدّمنا في بياعات الآجال واعتللنا به في حماية الذّرائع.
وظاهر هذا الحديث يقتضي ألاّ يوقف يمين البائع على دعوى المشتري أنّ البائع عالم بالعيب، لأنّ عثمان، ﵁، لم يطلب المشتري أن ينطق بهذه الدّعوى. وهذا هو الأظهر في الرّوايات إذا طالب المشتري استحلافه ولم يدع أنّه عالم يكون البائع عالمًا.
وقد قال لبعض المتأخّرين: إنّ الرّواية التي قدّمناها عن ابن (^١) المذكورة في المستخرجة من قوله: إذا نكل البَائع، لم يردّ البيع إلاّ بعد يمين المشتري.
يقتضي وقف هذا الحكم على دعوى المشتري: أنّ البائع عالم بالعيب.
وهذا الّذي قاله فيه نظر، لأنّا قدّمنا أن هذه الرّواية التّي أشرنا إليها لم يلزم المشتري فيها أن يحلف على أن البائع عالم بالعيب. فإنّما تلزمه اليمين على أنّه لم يعلم أنّ هذا العيب حدث عنده. فلا يكون في هذا تعلّق بما أشار إليه. هذا فيما استقراه من هذه الرّواية.
والجواب عن السؤال الثّامن أن يقال: ذكر بعض المتأخّرين أن بيع البراءة إذا وقع من السلطان وأهل المواريث الّذين باعوا لِقضاء دين أو إنفاذ وصيّة، فإنّ المشتري إذا اطّلع على عيب قبل أن يفوت الثّمن ويفرّق على الغرماء فإنّ له الرّدّ بالعيب. فإذا فرّق الثّمن على الغرماء، لم يردّ بالعيب.
فحصول تأثير البراءة في بيع السلطان والمواريث، كما قدّمناه، لكون الثمّن قد فات واقتسمه الغرماء. فصارت هذه ضرورة تقتضي منع الردّ بهذا العيب. بخلاف أن تكون البراءة إنّما تثبت باشتراط، على أحد القولين المتقدّمين،
_________________
(١) بياض في المدنية غير موجود في الوطنية مقداره كلمة ولعلها: القاسم.
[ ٢ / ٧٥٨ ]
فيما باعه الإنسان لنفسه واشتراط البراءة منه، فإنّ المشتري لا قيام له بعيب، وإن كان الثّمن حاضرًا، لكون اشتراط البراءة من ثبوت حقّ له في هذا العيب.
وهذا فيه نظر عندي لا ينحقّق فرق بين بيع السلطان وبين اشتراط البراءة فيما باعه الإنسان لنفسه في هذا. لأنّ بيع السلطان إذا كان الحكم يوجب البراءة فيه، كان ذلك كبراءة تجب بالاشتراط. بل ربما كان ما يجب حكمًا آكد مِمّا يجب شرطًا. فهذا مِمّا ينظر فيه.
لكن قد وقع في المدنيّة في السلطان إذا باع وثبت أنّه علم بالعيب فيما باعه، أو ثبت أنّ الغريم الّذي بيع ذلك عليه عالم بالعيب، أنّ داود بن جعفر روى عن مالك أنّ المشتري يردّ هذا المعيب إذا كان حاضرًا. فإذا كان فرق على الغرماء لم يرد بذلك، مع كون هذه البراءة قد بطلت بعلم البائع بالعيب، فوجب الرّدّ.
وفرْق بين كون الثّمن قسم على الغرماء أو لم يقسم، فمنع من الرّدّ إذا قُسِم، لكون هذه ضرورة تمنع من ردّ البيع. بخلاف إذا كان الثّمن حاضرًا.
وهذه التّفرقة تشير إلى التّفرقة التّي حكيناها عن بعض المتأخّرين فيما يثبت من البراءة حكمًا لاشرطًا.
وقد حكي عن مالك وابن نافع، وغيرهما من أصحاب مالك: أنّ العلم بالعيب حين عقد السلطان له الحكم المطالبة بقيمة العيب. وقدّر في هذا القول أنّ هذا المعيب، وإن كان المعيب لم يفت، فإنّه يقدّر كمبيع فات يكون الحكم فيه المطالبة بقيمة العيب، لكون الثّمن اقتسمه الغرماء، ويعسر ردّه منهم.
والمشهور من المذهب تمكين المشتري من الرّدّ إذا ثبت كون السلطان عالمًا بهذا العيب حين باع والرجوع بالثّمن على الغرماء.
وقد وقع لسحنون فيمن قيم عليه بسقوط أضراس عند بائعه. فقال البائع للمشتري: تبرّأت إليك منها، فأنكر المشتري، فأتى البائع ببيّنة: أنّه باع بالبراءة مطلقًا، أنّ هذا لا ينفعه. لكون قوله: تبرّأت إليك منها تتضمن أنه عالم بهذا
[ ٢ / ٧٥٩ ]
العيب. ومن علم بالعيب لا تنفعه البراءة مطلقة، كما قدّمناه.
وتعقّب هذا بأنّ قوله: تبرأت إليك منها، تضمّن أنّه عالم بهذا العيب.
ومن علم بالعيب لا ينفعه البراءة مطلقة، كما قدّمناه.
وتعقّب هذا بأنّ قوله: تبرأت إليك منها، يحتمل أن يكون أراد أنّ البراءة العامّة تبريني منها، كما تبرّأت إليك منها، تخصيصًا لها بالذّكر.
وكذلك أيضًا وقع لسحنون فيمن قيم عليه بعيب في جارية فقال: بعتها بالبراءة، فأنكر المشتري ذلك، فصدّق المشتري، وقَضَى بأنّ القول قوله، وردّ الجارية، فقام بائعه منه الّذي ردّت عليه على من باعها منه هو أيضًا. فقال له البائع الأول: أنت زعمت أنّك بعتها بالبراءة من هذا العيب، وأنّ هذا الّذي ردّها عليك ظلمك فردّها عليك، ولا سبيل لك إلى ردّها عليّ، وقد أقررت بأنّها ردّت عليك بغير حقّ. فقال سحنون: له أن يردّها على البائع لكون البيع قد انتقض.
وكذلك يحلّ وطؤها بهذا الرّدّ، كمختلفَيْن في ثمن جارية، فتحالفا وتفاسخا، فإنّ للبائع وطء الجارية إذا تفاسخا فيها وتحالفا، وإن كان يعتقد أنّ مشتريها قد ظلم في ردّها.
وهذا قد سبق نحن كلامنا على هذه المسألة في اختلاف المتبايعين.
وإذا اشترى رجل عبدًا بالبراءة ثمّ باعه على العهدة، فإن للمشتري مقالًا في هذا البيع ونقضه، لأنّه يعتلّ بأنّه قد يطّلع على عيب يجب له من أجله ردّ هذا العبد بالعيب، فيجد البائع مفلسًا، فيكون من حقّه أن يردّ على من باع ذلك منه، فلا يمكنه لكون البيع الأوّل عقد على البراءة.
وخرج على هذه الرّواية ثبوت مقال لمن اشترى عبدًا من رجل وهب له ذلك العبد، لأجل أنّه يعتلّ المشتري أيضًا بأن يقول: قد يستحقّ العبد من يدي، فيجب لي الرّجوع على من باعه منّي فاجده مفلسًا، فلا يكون لي سبيل إلى الرّجوع على من صار إليه ذلك العبد منه، لكونه أخذ هذا العبد هبة لا عن معاوضة.
[ ٢ / ٧٦٠ ]
وكذلك أيضًا لو اشتراه على العهدة وباعه بالبراءة، فإنه يمنع من هذا البيع، لكون المشتري قد يطّلع على عيب أتلف هذا العبد، فلا يمكنه الرّجوع على من باعه منه، لكون البائع منه قد تبرّأ له من العيوب، فيحصل له ثمن العبد الفائت ويكون من حقّه الرّجوع على من باعه منه، لأجل أنّه لم يبرأ له من العيب، فيحصل على أخذ ثمن هذا العبد مرّتين، فمنع من هذا العقد لأجل هذا الذي ذكرناه. وبالله التّوفيق.
قال القاضي أبو محمّد، ﵁،: وعهدة الثلاث لازمة في الرّقيق.
ثمّ عهدة السّنة بعدها من الأدوار الثّلاثة الجنون والجذام والبرص في كلّ بلد جرت عادتهم باشتراطها أو استأنفوها. ولا تلزم في المواضع التّي لم يتعارفوها إلَاّ أن يستأنفوا اشتراطهما.
قال الإِمام ﵀: يتعلّق بهذا الفصل اثنا عشر سؤالًا. منها أن يقال:
١ - ما معنى العهدة؟
٢ - وما تأثيرها؟
٣ - وما قسمتها؟
٤ - وما محلها من البياعات؟
٥ - وما محلّها من العقود؟
٦ - وما محلّها من البلاد؟
٧ - وما حكم النّقد فيها؟
٨ - وما حكمها في البيع الفاسد؟ (^١)
فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: المراد بالعهدة ها هنا تعلّق البيع بضمان البائع فيما طرأ عليه من نقص في بدن أو ثمن أو تلف عين.
وهذا مِمّا ينقسم في البياعات الصحيحة اللّازمة على قسمين:
_________________
(١) لا توجد بقية الأسئلة في النص.
[ ٢ / ٧٦١ ]
أحدهما الضّمان من جهة حقّ توفية لزمت البائع بكيل أو وزن أو عدد، أو بالتّسليم وإمكانه. وهذا يؤخّر الكلام عليه إلى فراغنا من هذا الفصل، وإن كان يعدّ منه أوّلًا. وقد ذكره في المدوّنة في أوّل كتاب الرّدّ بالعيب. ولكن أخّرناه لتأخير القاضي أبي محمّد ﵀ في كلامه على العيوب.
والقسم الثاني تعلّق الضمان بالبائع بعد قبض المشتري المبيع. وهو الّذي نبيّنه في هذا الفصل.
والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: هذه العهدة التّي نتكلّم عليها على وجهين: عامّة في الضمان، وخاصّة.
فأمّا العامّة من ناحية الضّمان، ففي عهدة الثّلاثة أيّام.
وأمّا الخاصّة من جهة الضّمان عهدة السنة، فإنّ البائع لا يطالب فيها إلاّ بضمان ثلاثة أدواء، إن ظهرت، وهي الجنون والجذام والبرص.
وأمّا عهدة الثّلاث، فإنه يضمن البائع سائر ما حدث من الأمراض فيها والنّقص كلّه وذهاب العين. لكون هذه المدّة جعلت في الشّرع مضافة إلى ملكه، والمالك مصيبة ما حدث في ملكه منه. وإذا كان كذلك كانت النّفقة على البائع، والكسوة. كما يكون ذلك عليه في ملكه.
ومقتضى هذا أن تكون له الغلّة في هذه الثّلاثة أيّام. لكن هذا المعنى نبسطه في الفصل الّذي وعدنا بالكلام عليه بعد هذا. فإنّ رأي بعض أشياخي أنّ الغلاّت فيما بيع واحتبس بالثّمن يجري على القولين في ضمان ما حبس بالثّمن.
فإن قلنا: ضمانه من البائع، كانت الغلاّت له، لأنّ الخراج بالضّمان. وإن قلنا: إنّ الضّمان من المشتري، كانت الغلاّت له. وهكذا قال سحنون لمّا ذكر اختلاف قول مالك في بيع الغائب أنّ النّماء والنّقصان يجري على اختلاف قوله.
وإن كان القاضي أبو محمّد أشار في بعض كتبه إلى ارتفاع الخلاف في الغلّة، وأنّها للمشتري. لكن المنصوص ها هنا أنّ ذلك للبائع. وقد قال في كتاب بيع الخيار من المدوّنة: ما جنى على العبد في الثّلاث أو تصدّق به عليه، فإنّه للبائع.
[ ٢ / ٧٦٢ ]
لكن ابن أبي زمنين ذكر معارضة في قوله: إنّ ما جني عليه في الثّلاث فأرشه للبائع، وللمشتري أن يردّه بعيب هذه الجناية، فإنّ الواجب في العبد المجنيّ عليه إيقافه حتّى يُطلَع على ما تنتهي إليه الجناية، ولا يقضي فيها قبل برئها.
والأمد الّذي ينتظر فيه برؤها مجهول، فيجب أن يفسخ هذا البيع، ويمنع المشتري من إمضائه، لأجل هذه الجهالة بأمر الوقف لانتظار البرء. إلَاّ أن يسقط عن الجاني هذه الجناية، فيصحّ للمشري الرّضى بهذا العيب، بشرط، أيضًا، أن تكون الجناية غير مهلكة، فإنّه لا يُمكَّن من إمضاء هذا البيع، ولو سقطت الجناية، لأنّه يكون كابتداء شراء عبد قد قارب الموت.
وهذا الّذي نبّه عليه ابن أبي زمنين من المعاوضة التّي وقعت لبعض أشياخه في هذه بأنّ رضا المشتري بإمضاء البيع مع هذا العيب يجب أن يمنع منه.
وما فعله هو أيضًا من فسخ البيع إلاّ أن يشترط الجناية، ولم يبلغ العبد إلى حالة لا يجوز عقد الشّراء فيها، إنّما يصحّ على إحدى الطّريقتين. وأمّا على الطّريقة الأخرى، وهي مذهب أصحاب مالك، في أنّ ما توجبه الأحكام في هذا بخلاف ما دخل فيه اختيارًا، وأنّ ما حدث بعد العقود من جهالة قد كانت مرتفعة في أصل العقد لا يمنع من التّمسك بالمبيع.
وقد ذكرنا في أوّل كتاب الرّدّ بالعيب مذهب ابن حبيب في أنّ استحقاق أكثر الثّياب المبيعة لا يمنع المشتري من التمسك بما لم يستحقّ، وإن كان مقداره في الثّمن مجهولًا، لمّا كان معلومًا في أصل العقد. فكذلك ما نحن فيه، بل هو أبعد من هذا، لأنّه قد تكون جناية قد برئت في الحال. أو وقفًا للإطلاق على الواجب فيها لا يمنع من كمال التّصرّف في المبيع والانتفاع به، فلا يكون لهذا الوقف تأثير في منع البيع.
والّذي ذكرناه ها هنا من إجراء هذه المسألة على الاختلاف في المحبوسة بالثّمن إنّما يتّضح إذا قلنا في بيع العهدة: إنّه منعقد.
وأمّا إن قلنا: إنّه موقوف على ذهاب أيّام العهدة، فإن ذهبت والمبيع
[ ٢ / ٧٦٣ ]
سالم بيّنا (^١) صحّة العقد. وإن ذهبت وهو معيب بيّنا (١) أنّه عقد غير لازم للمشتري، فإنّ هذا يخرج على طريقة أخرى.
والجواب عن السؤال الثّالث أن يقال: أمّا العهدة فإنّها عهدتان: كبرى من جهة الضّمان صغرى من جهة الأمد، وهو ثلاثة أيّام. فإن ضمان كلّ ما حدث بالعبد أو الأمة متعلّق بالبائع عمومًا، كان ذلك بأمر من الله سبحانه، أو باكتساب من النّاس.
والعهدة الثّانية صغرى من جهة الضّمان كبرى من جهة الأمد، وهي عهدة السنة. فإنّ البائع لا يضمن العبد أو الأمة إلَاّ من ثلاثة أدواء وهي الجنون والجذام والبرص.
واختلفت الرّواية عن مالك في دخول العهدة الصغرى في العهدة الكبرى من ناحية الأمد، هل تحسب السنة من يوم العقد، أو بعد انقضاء الثّلاثة أيّام؟ وسبب الاختلاف أنّ الأصول مبنيّة على دخول الأصغر في الأكبر كما نقول، فيمن بال ثمّ أجنب، فإنّ الوضوء الواجب عن البول ساقط عنه بدخوله في الغسل الواجب عن الجنابة. وكما نقول العمرة تدخل في عمل الحج لمن قرن الحجّ والعمرة، لمّا كانت جزءًا من أعمال الحجّ. وهذا مقتضى دخول الثّلاثة أيّام في السنة.
أو يقال بأن الضّمان المتعلّق بالثّلاث ضمان سائر الأمراض، وذهاب العين، والمتعلّق بعهدة السنة ضمان لأمور مخصوصة، كما قدّمناه. فلمّا اختلف تأثيرهما واختلف أمدهما، لم يتداخلا. ووجب أن تكون عهدة السنة، بعد ذهاب الأيّام الثّلاثة وبعد ذهاب أيّام الاستبراء فيما يجب فيه الاستبراء. لكن دخول الثّلاثة أيّام في أمد الاستبراء ثابت، لكون تأثير الأمرين لا يختلف. لأن عهدة الثّلاث تتضمّن الضّمان لكلّ نقص. فارتفع سبب الخلاف الّذي ذكرناه في دخول عهدة الثّلاث في عهدة السنة.
_________________
(١) هكذا في النسختين ولعل الصواب: تبينا
[ ٢ / ٧٦٤ ]
ولو حصل الاستبراء عقيب العقد بيوم ونحوه. مثل أن تضع الأمة وما في معنى ذلك، لوجب انتظار ذهاب بقيّة الثّلاثة أيّام.
ولو عقد البيع على خيار لكانت العهدة بعد أيّام الخيار. هذا هو المنصوص في. هذا.
وإنّما يصحّ ما قالوه من كون عهدة الثّلاث بعد ارتفاع الخيار بناء على أحد القولين عندنا في أنّ بيع الخيار إنّما يعدّ منعقدًا حين إمضائه.
وعلى هذه الطّريقة التّي نبّهناك عليها في تداخل العُهَد ينبغي أن تسلك في بيع عبد غائب. فإنّا إذا قلنا: ضمان المبيع الغائب من بائعه يجب أن تحسب الثّلاث عقيب العقد إذا انقضت، بقيت المطالبة بعهدَة الغيبة. وكذلك ينبغي أن يجري الأمر في المحتسبة بالثّمن لكون الضّمان فيما ذكرناه من هذين عامًّا كعموم ضمان عهدة الثّلاث.
ولو وقع العقد في بعض يوم، فإنّ المرويّ عن مالك إلغاؤه وانتظار ثلاثة أيّام بعده. كما يعتبر في إتمام صلاة المسافر أربعة أيّام كوامل. وكما يعتبر في العقيقة أيّامها كوامل. وقد يتخرّج على قول سحنون في تلفيق الأيّام في صلاة المسافر، وأنّه يعتبر عشرين صلاة، أن يعتبر ذلك في عهدة الثّلاث. وقد يلتفت في هذا إلى علّة الأصل وهي ضرب الثّلاث، هل ذلك لأجل أنّها دون حُمَّى الرِّبْع، فينظر مقدار دون هذه العادة.
والجواب عن السؤال الرّابع أن يقال: أمّا محلّها من المبيعات، فإنّها إنّما تعتبر في الرّقيق خاصّة، ذكوره وإناثه. والدّليل على ذلك ما رواه الحسن عن عقبة بن عامر أنّ النبيّ - ﷺ - قال: (عهدة الرّقيق ثلاث ليال) (^١). وروى الحسن أيضًا عن سمرة بن جندب أنّ النبيّ ﵇ قال: (عهدة الرّقيق ثلاث) (^٢).
وذكر مالك في الموطإ أنّ أبان بن عثمان وهشام بن إسماعيل كانا يذكران
_________________
(١) فيض القدير: ٤/ ٣٦٦. حد. ٥٦٣٥.
(٢) ابن ماجة عن سمرة. نفس المصدر.
[ ٢ / ٧٦٥ ]
في خطبتما عهدة الرّقيق (^١) ورأى مالك ﵁ أنّ الأمر إنّما يذكرون هذا في المدينة على رؤوس النّاس، ولا أحد ينكره لكونه متقرّرًا في الشّرع عندهم مشتهرًا.
وعلّل هذا بأنّ الرّقيق يكتم عيبه، فيجب أن يستظهر فيه بالثّلاثة أيّام حتّى يتبيّن للمشتري ما كتم عنه.
وعلّل أيضًا بأنّه يختصّ بذكر عيبه. بخلاف غيره من الحيوان. فيمكن أن يكون ذكر ذلك لسيّده، فبادر لبيعه خوف أن يتبيّن مرضه. فجعلت الثّلاث أمدد البيان ارتفاع تدليسه. كما جعلت في التصرية التّي دلّس بها البائع.
وأمّا عهدة السنة فإنها اختصت بالثلاثة أدواء، لكون الجنون والجذام والبرص تتقدم أسبابه، ويظهر في فصل من فصول السنة دون فصل، بحسب ما يؤكّد طبيعة الفصل سببه. فانتظر بذلك الفصول الأربعة وهي السنة كلّها حتّى يؤمن من هذا العيب ومن التّدليس به.
وأنكر أبو حنيفة هاتين العهدتين. واستدلّ أصحابنا عليه بما ذكرناه من الآثار وطرق الاعتبار. وقد ذكرنا في الاعتبار تعليلين مختلفين ونبّهناك عليهما في أؤل بيع البراءة.
وهذه الثّلاثة أدواء إنّما تؤثّر إذا تحقّقت، ولو ظهر من الجرب ما يشبه الجذام، ولا يكون جذامًا، لم يردّ به.
وأمّا الجنون فإنّه إذا كان من مسّ الجانّ وجب الرّدّ به لكونه مفتقرًا إلى انكشافه بذهاب الفصول الأربع الّتي يمكن أن يحدث فيها في فصل دون فصل.
ولو كان من حادث علم سببه مثل أن يضرب رأسه في خلال السنة فيجنّ فإنّ في المذهب قولين: المشهور ألاّ ردّ بهذا. وقال ابن وهب: يجب الرّدّ به أخذا بعموم الرّدّ بالجنون كلّه على اختلاف أسبابه، كما وجب عموم الضّمان في عهدة
_________________
(١) الموطأ: ٢/ ١٣٤. حد. ١٧٩٠.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
الثلاث في سائر أجناس الأمراض. ورأى الآخرون أنّ هذا مِمّا لا يقف العلم به على مضيّ الفصول الأربع. فلم يعتبر في عهدة السنة لفقد العلّة الّتي ذكرناها في اعتبار السنة.
ولو شكّ في هذه الأدواء في السنة وتحقّقت بعد مضىّ السنة لكان في ذلك قولان.
وكذلك لو تحقّق سببها في السنة وأنّها ستظهر بعد السنة، فإنّ في ذلك أيضًا قولين.
ولو ذهبت الحمى في عهدة الثّلاث فإنّ ظاهر المذهب على قولين: عند أشهب يقف الأمر على اعتبار حالها بعد الثّلاث، هل تعود بالقرب فيجب الرّدّ أو لا تعود إلاّ بعدُ (^١) فلا يجب الرّدّ. وظاهر قول سحنون إثبات الرّدّ من غير وقف لانتظار العودة عن قرب أو بعد.
ولو ذهب العيب ذهابًا تؤمن عودته قبل القيام به. لم يكن للمشتري مقال.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
العقود على ضربين: عقد طريقه المكايسة، وعقد طريقه المكارمة والمواصلة.
فأمّا ما طريقه المكايسة والمتاجرة، فإنّه على قسمين: معيّن وغير معيّن.
فإن كان معيّنًا، فالعهدة ثابتة فيه، على حسب ما قدّمناه في عهدة الثّلاث والسنة، إذا لم يشترط فيه البراءة، وكان من الرّقيق، على حسب ما قد بيّناه.
وإن كان سلما في الذّمّة ففيه قولان: أحدهما إثبات العهدة فيه أخذا بعموم ظاهر الخبر الّذي قدّمناه، وقياسًا على سائر المعينات المبيعة من الرّقيق، لكون العبد المسلم فيه إذا أحضر من عليه السلم عبدًا، فيمكن أن يكون علم به بسبب عيب فكتمه، على حسب ماعلّلناه فيما سلف.
_________________
(١) هكذا في النسختين والأوضح: بَعْدَ بُعْدٍ.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
والثَّاني: ألاّ عهدة فيه لكون المشترَى غير معين، ونفي التّعيين الظّاهرُ منه أنّه يتضمّن الجهل بسبب الأدواء المعتبرة في أدواء العهدة، فلم تثبت العهدة فيه لارتفاع علّتها.
وأيضًا فإنّه إذا تعيّن بالقبض، وبقيت فيه العهدة، فإنّ القبض لم يتناجز.
وإذا لم يتناجز المعين المأخوذ عن دين، لم يجز ذلك، كما قال ابن القاسم فيمن أخذ عبدًا غائبًا عن دين في الذّمة: إنّ ذلك ممنوع لأنّه فسخ دين في عوض يتأجّل قبضه.
وهذا على طريقة من ذهب إلى منع أخذ معين يتأجّل قبضه عن دين في الذّمّة.
ومن أجاز ذلك، لم يصحّ على أصله التّعليل بهذا. على أنّ في التّعليل به وإن منعنا أخذ معين يتأجّل قبضه عن دين، لأنّا إنّما ذكرنا عن ابن القاسم أنّه يمنع من هذا لكونه في صورة فسخ دين في دين.
وهذا إنّما يتصوّر مع اختلاف الجنسين وإمّا مع كون الجنس واحدًا، فلا يتصوّر فيه التّبدّل على الحقيقة، كما يتصوّر في جنسين، ولهذا قال سحنون: لا عهدة في عبد أخذ من دين. لأنّه إذا أخذ من دين حصلت المعاوضة ما بين جنسين مختلفين، فتصوّر فيها فسخ الدّين في الدّين.
وأمّا ما طريقه المكارمة من المعاوضة كالنّكاح، فإنّه اختلف قول مالك فيه، هل فيه عهدة إذا كان الصّداق عبدًا أم لا؟ فأثبت فيه العهدة مرّة قياسًا على سائر عقود المعاوضات الماليّة. ونفاها مرّة أخرى لكون هذا العبد عوضه ليس بمال محض، فخرج من أحكام العقود الماليّة في هذا. وأيضًا فإنّه يتصوّر فيه الطّريق الّذي صوّرناها في السلم، لكون البضع إذا عقد عليه وجب تنجيز استباحة الفرج، إذ لا يصحّ العقد على فرج لا يستباح في الحال، والفرج لا يصحّ اشتراط تعجيل استباحته، لأنّه كاشتراط النّقد في عهدة الثّلاث، واشتراط
[ ٢ / ٧٦٨ ]
النّقد فيها ممنوع. فاقتضى هذا منع إثبات العهدة فيه، لكون إثبات العهدة فيه تقتضي منع النّكاح وفساده. وفسادُه وارتفاعُه يرفع حكم العهدّه. فصار هذا كفرع كرّ ببطلان أصله، فيكون هو الباطل دون أصله.
ومن هذا المعنى السلف، فإنّه ذكر في الموّازيّة والواضحة ألاّ عهدة في سلف. وهكذا قال سحنون: لا عهدة فيما تسلف. وهكذا قال ابن أبي زمنين: لا عهدة في عبد مقرض. فلم يصرّح هؤلاء بثبوت العهدة في قضاء السلف.
وظاهر قول من حكينا عنه أنّه قال: لا عهدة في العبد المقرض. قد يشير إلى قضاء السلف، بخلاف ابتدائه، لأنّ ابتداءه طريقهُ المعروفُ، لا يبنى الأمر فيه على التّهم والقصد إلى المكايسة والمغابنة، لأنّ قصدَ المسلف إلى هذا وإرادتَه منفعةً لنفسه يحرم عليه ما فعل. وقضاء السلف ليس طريقهُ المعروفَ. فقد يتصوّر فيه التّهمة.
وهكذا الإقالة والتّولية لا عهدة فيهما لمّا كان طريقهما المعروف.
وحاول بعض المتأخّرين أن يخرج في هذا اختلافًا من اختلاف أهل المذهب في الإقالة، هل هي حلّ بيع أو ابتداء بيع؟ فإن قيل: إنّها ابتداء بيع، وجب ثبوت العهدة فيها.
وهذا التّخريج فيه نظر، لأنّه وإن قلنا: إنّه كابتداء بيع، فإنّ هذا بيع قصد فيه إلى المعروف، فلم يلحق بالعقود المقصود فيها المعاوضة على جهة المكايسة.
ولم يقع في المذهب خلاف في الرّدّ بالعيب، أنَّه لا عهدة فيه. وإن كان قد قيل في أحد الطريقتين: إنّ الرّدّ بالعيب كابتداء بيع. ولكن هذا وإن قيل، فهو بيع أوجبه الشّرع بغير اختيار من رجع إليه العبد، فخرج عن العقود الاختياريّة المقصود فيها المكايسة.
وقد قال ابن الماجشون في هبة الثّواب: لا عهدة فيها لمّا أن كان طريقها المكايسة وَالمواصلة. وكذلك الخلع لا عهدة فيه لأنّه ليس كالبيع المحض، ولهذا جاز عقده بالغرر، على أحد القولين. وأيضًا فإنّ المرأة قد استعجلت
[ ٢ / ٧٦٩ ]
قبض ما اشترته وهو منافع بعضها. فصَار ذلك كاشتراط النّقد فيما فيه العهدة، وقد قدّمنا أنّ اشتراط النّقد في عهدة الثّلاث لا يجوز. فإذا تضمّن إثبات العهدة في الخلع منْع المعاوضة وجب منعه في نفسه دون منع أصله، كما قدمناه في التّعليل لإسقاط العهدة في النّكاح. وقد قال ابن أبي زمنين: لا عهدة في عبد مقرَض، أو مخالَع به، أو مأخوذ من قطاعة مكاتب، أو مصالح به عن دم عبد، أو مسلَم فيه، أو اشترِي، وهو غِائب غيبة بعيدة، على الصفة. وهذا يمكن أن يكون رأى ذلك ملحقًا بعقود ما في الذّمة كالسلم، أو رأى أنّ عهدة الثّلاث تنقضي قبل أمد الوصول إلى العبد، فتسقط فيه عهدة الثّلاث. وقال بعض المتأخّرين: يجب اعتبار العهدة في بيع العبد الغائب، وإذا انقضت بقيت عهدة ضمان الغيبة، كما بقيت في عبد لم يقبضه المشتري، فإذا انقضت، بقيت عهدة ضمان التّسليم على أحد القولين. ولكن هذا الّذي قاله يقتضي إثبات عهدة السنة فيه إذا عقد البيع فيه، وهو من الغيبة بحيث يجوز عقد البيع عليه وإن بعدت غيبته.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
قد قرّرنا محلّها في البياعات ومحلّها في العقود.
فأمّا محلّها في الأماكن، فعن مالك فيه روايتان: هل محلّها سائر البلاد، الّتي اعتادها أهلها أو لم يعتادوها؟ أو إنّما محلّها البلاد الّتي اعتيد ذلك فيها.
فروى المصريّون عنه أنّه لا يقضَى بها حيث لم تجْرِبها عادة، إلَاّ أن يحملهم السلطان على ذلك.
وقد روى عنه المدنيّون أنّه يقضى بها في سائر البلاد، الّتي علم أهلها العهدة أو جهلوها، ويحملهم السلطان على ذلك.
فكأن من قصر العهدة على البلاد الّتي اعتادتها حمل الحديث على أنّ أهل المدينة اعتادوا البيع على العهدة، فأقرّهم - ﷺعليه ا، وقال (عهدة الرّقيق ثلاث) (^١)
_________________
(١) الموطأ: ٢/ ١٣٤. حد. ١٧٩٠ - البغوي: شرح السنة: ٨/ ١٤٩.
[ ٢ / ٧٧٠ ]
كما قدّمناه. فصار هذا الحديث خرج على سبب نُصّ عليه.
ومن قضى بها في سائر البلاد، أخذ الحديث على عمومه، فلم يقض على البلد الّذي خاطبهم - ﷺ - فيه بها واعتادوها.
أو يرى أنّ مقتضى الأصول سقوط الضّمان عن البائع بقبض المشتري للمبيع قياسًا على سائر أجناس البياعات المتّفق على أن لا عهدة فيها.
ويجيب الآخرون عن هذا بأنّ في الرّقيق معنى، وهو كون مرضه عن أسباب تنكتم، كما قدّمناه، فلا يقاس على سائر أجناس المبيعات.
وأيضًا فإنّ البائع يمكن أن يكون علم سبب هذا العيب فدلّس به، فاحتيط في ذلك بإثباتها.
وإذا قلنا بقَصْر القضاء بها على مكان اعتيدت فيه، فهل يستحبّ للسلطان أن يحمل البلاد الّتي لم يعتادوها على البيع عليها أم لا؟ عنه في ذلك روايتان:
إحداهما قوله: وددت أنّ السلطان حمل النّاس عليها.
والرّواية الثّانية قوله: لا يحمل السلطان عليها من لم يعتدْها.
فكأنّه نظر في القول الأوّل إلى المصلحة والاحتياط من التّدليس، فخوطب فيه بما هو أصلح للجمهور كما يخاطب بإزالة الفساد عن مكاييلهم وموازينهم.
ونظر في القول الثّاني وهو نفي الضّمان بعد القبض كما قدّمناه.
فإذا تقرّر محلّ القضاء بها أو بإسقاطها، فإنّه لو اشترط المشتري إسقاطها بمكان اعتيدت فيه، أو إثباتها بمكان لا يلزم القضاء بها فيه، فإنّ بعض أشياخي يشير إلى أنّ في هذا الشرط وإمضائه اختلافًا:
فإن منعنا منه وأسقطناه لفساده، فإنّه يجري فساد العقد أيضًا على الاختلاف في بياعات الشّروط الفاسدة، هل يَفسدُ الشّرطُ ويصحّ العقد؟ أو
[ ٢ / ٧٧١ ]
يبطلان جميعًا، على حسب ما كنّا قدّمنا في كتاب البيوع الفاسدة، وذكرنا مواضع الخلاف فيه.
وهذا الّذي قاله قد يتجه تسليمه له في شرط اتّفق على منعه وفساده، كمن باع ثوبًا وشرط على المشتري أنّه يضمنه له بعد قبضه، فإنّ هذا الشّرط لا يصحّ ثبوته باتّفاق. وأمّا إن كان شرطًا مختلفًا فيه اختلافًا مشهورًا، فإنّ الشّرط قد يصار إلى إمضائه، كما قيل في بيع الغائب: إنّ ضمانه من البائع إلاّ أن يشترط البائع ضمانه على المشتري فيصحّ شرطه. وقيل أيضًا ضمانه على المشتري إلاّ أن يشترطه على البائع فيصحّ شرطه. فقد أمضي هذا الشّرط، وإن اشترط في غير محلّه في الأصلين، لمّا كان مختلفًا في محلّه. فصادف الشّرط محلًّا هو الأصل فيه على إحدى الرّوايتين عن مالك، بمضيّ الشّرط، ونفذ كما ينفذ لو حكم به في مسألة خلاف بين العلماء. لكن بيع الغائب إذا لم يكن فيه عادة أو عرف، كان الوجه فيه ما ذكرناه، والبيع على العهدة قد يفتقر إلى نظر آخر، وهو مقتضى العقد، هل مقتضاه إثبات العهدة أو إسقاطها؟ وقد قدّمنا في ذلك من الاختلاف عن مالك، ﵁. فإذا شرط ما يقتضيه العرف ومقتضى العقد اتّضح إمضاؤه. وإن شرط ما يخالفهما جميعًا، فقد صار بعض المتأخّرين إلى إبطال الشّرط وإمضاء العقد. وكأنّه ضعُف الشّرط عنده ها هنا لمخالفته وجهين: العرفَ ومقتضى العقد. ولو اختلف عنده مقتضى العرف، وكان للعرف وجه صحيح، صحّ العقد والشّرط أيضًا.
وهذا التّفصيل يحوجك إلى النّظر في رواية المصريين والمدنيين حتّى تعلم ما مقتضى (^١)، على إحدى الرّوايتين، فتضيف إليه العرف وتنظر هل الشّرط وافقهما جميعًا أو خالفهما أو خالف أحدهما.
وهذا التّفصيل قد لا يتّضح له وجه يستمرّ على تحقيق النّظر. وإنّما تحقيق النّظر في هذا جواز الاشتراط أو منعه. فيمضي حيث يجوز، ويردّ حيث يمنع.
_________________
(١) هكذا في النسختين، والمعنى: ما هو المقتضى؟
[ ٢ / ٧٧٢ ]
إلاّ أن يكون في جوازه اختلاف، فمن قال بمراعاة الخلاف أمضاه. ثمّ قد ينظر أيضًا في الخلاف، هل هو شاذّ ضعيف في النّظر فتسقط مراعاته، أو هو مشهور تحسن مراعاته. هذا هو التّحقيق في هذا المعنى.
والجواب عن السؤال السابع أن يقال:.
قد بيّنّا أنّ النّقد لا يلزم في عهدة الثّلاث، لكون أسباب الضّمان المتعلّقة بالثّلاث كثيرة متكرّرة، فمنع من التّقابض فيه، لكون العقد عُرْضَة الانحلال.
ويمنع من اشتراطه أيضًا لأنّه قد ينحل، فيكون النّقد المشترط سلفًا، وإن لم ينحلّ كان بيعًا.
وأمّا عهدة السنة، فإنّ النّقد جائز فيها، لكون الانحلال للعقد، بحدوث ثلاثة أدواء ذكرناها، نادرًا، والنّادر لا حكم له.
ولو منع النّقد لوجب وقف الرّقيق المبيع عامًا كاملًا، فيقتضي ذلك بيع معين يقبض إلى أجل بعيد. وذلك لا يجوز. وإنّما أجزناه في بيع الثمر بعد الزّهو، وإن كان في ذلك الجوائح الّتي يضمنها البائع، لكون الغالب في الثّمار الأمْن من الجوائح، وكون ما يطرأ منها يستوي البائع والمبتاع في العلم بوقوعه.
بخلاف ما ذكرناه من إمكان اطّلاع البائع على سبب الأمراض الّتي تظهر في أيّام العهدة، وكذلك ما بيع على الكيل والوزن يجوز اشتراط النّقد فيه قبل القبض، لكون الأمن عليه هو الغالب. وإنّما تعلّق الضّمان على البائع لما عليه من حقّ التّوفية للمبيع. إلى بعض هذه المعاني أشار في كتاب ابن الموّاز.
فإذا منعنا النّقد في العهدة، فهل يجوز إيقافه مختومًا على يد البائع؟ هذا يجري على القولين نذكرهما في موضعهما إن شاء الله تعالى.
وإذا دعا البائع إلى إيقاف الثّمن، فهل ذلك من حقّه أم لا؟ فيه أيضًا قولان:
[ ٢ / ٧٧٣ ]
أحدهما: تمكينه من إيقافه على يد عدل لئلاّ يهرب المشتري، أو يفلس، (من المضرّة) (^١) في التّغرير بالثّمن لجواز أن يضيع في إيقافه.
فإن وقف فضاع. فإنّه يكون ضمانه مِمّن يقضى له بأخذه.
فإن حدث بالمبيع عيب في أيّام العهدة وقد ضاع الثّمن، ففي تمكين المشتري من الرّضى به معيبًا، فيكون ضمان. الثّمن من البائع، قولان: أحدهما أنّه لا يمكن من ذلك، لأنّ النّقص الّذي حدث في المثمون من ضمان البائع، فيجب أن يكون الضّمان للثّمن من المشتري أيضًا.
والقول الآخر أنّه يمكن من ذلك إن أراده ورضي بالعيب.
وهل يمكن بالثّمن الأوّل الّذي ضاع أم بثمن آخر؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يمكن من ذلك بالثمّن الأوّل، لأنه لا يلزمه أن يؤدّي ثمنين في سلعة واحدة.
والثّاني: أنّه لا يمكن إلاّ بثمن آخر، لكون الثّمن الضّائع في ضمانه، كما أنّ النّقص في ضمان البائِع.
والقول الثّالث لسحنون: أنّه إن ضاع الثّمن قبْل حدوثِ النّقص بالمبيع لم يمكّن إلاّ بثمن آخر، لكون الثّمن الّذي ضاع منه. وإن ضاع الثّمن بعد حدوث النّقص وكونه قد استحَقّ التخيير بين الرّضى بالعيب أو الرّدّ، لم يلزمه ثمن آخر.
ولعلّنا أن نبسط هذا في موضعه إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الثّامن أن يقال:
قد تقرّر ثبوت العهدة في العقود الجائزة. وأمّا العقود الفاسدة فهل تثبت فيها العهدة أم لا؟ قال الأشياخ: تثبت فيها العهدة، واحتجّ بعضهم بأنّ من شرط
_________________
(١) هكذا في النسختين.
[ ٢ / ٧٧٤ ]
النّقد في أيّام الخيار فإنّ فساد هذا العقد لا ينقل الضّمان عن أصله في البيع الصحيح (^١) العهدة في البيع الفاسد.
وأمّا شرط البراءة، فاختلف فيها الأشياخ فقال الشيخ أبو بكر بن عبد الرّحمان: إذا اشترى عبدًا شراء فاسدًا، وفات عنده فلزمته القيمة، فإنّ شرط البراءة ساقط، وللمشتري أن يردّ العبد بعيب لم يعلم به.
وقال الشيخ أبو عُمْران: يثبت حكم البراءة كما يثبت ضمان المواضعة في البيع الفاسد. أو قياسًا على ما وافقه عليه الشّيخ أبو بكر من ثبوت العهدة. وقد كنّا نحن قدّمنا ما يعرف منه وجه الخلاف في هذا الأصل.
وفي هذا نظر في العقد الفاسد هل يردّ إلى أحكام صحيحة أو يردّ إلى حكم نفسه كما تقدّم بيانه.
والجواب عن السؤال التّاسع (^٢) أن يقال:
إذا صرّح المشتري بإسقاط العهدة، فإنّها تسقط.
وإن فعل فعلًا ينافي القيام بها، مثل أن يعتق العبد أو يطأ الأمة فتحمل منه، فإنّ ابن القاسم ذهب إلى أنّ ذلك علم على الإسقاط. وأجراه مجرى النّطق بالإسقاط. ورأى غيره أنّ ذلك لا يكون إسقاطًا، بل يجب الرّجوع بقيمة العيب، كما لو أعتق عبدًا ثمّ اطّلع بعد عتقه على عيب، فإنّه لا يسقط حقّه في القيام بالعيب، ولكن إنّما يقضى له بقيمة العيب لامتناع ردّ المبيع. فكذلك ها هنا إذا لم يُحمَل عتقُه ولا إصابةُ الأمةِ على إسقاط العهدة، وجب أن يكون ما فَعَل يوجب له قيمة العيب.
واحتجّ بعض من ذهب إلى هذا القول من أصحاب مالك بأنّ المشتري لا يمنع من الوطء في السنة، وإذا لم يمنع منه، وهو يجوز أن يكون عنه حمل،
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: فكذلك العهدةُ.
(٢) السؤال ساقط مع باقي الأسئلة. ويمكن استرواح السؤال التاسع من جوابه هكذا: هل الفعل المنافي للقيام بالعهدة يسقطها كالتصريح بالإسقاط.
[ ٢ / ٧٧٥ ]
ولا يصحّ أن يكون ما فعله من هذا كالنصّ على إسقاط حقّه في العهدة.
وقيل: أمّا العتق فيُنقَضُ، لأنّه إذا ظهر من العيب ما اقتضى انحلال العقد، وبقي المبيع على ملك البائع، وجب ردّ العتق. ذكر هذا القول في من أعتق في عهدة السنة. وهو يقتضي طرد ذلك في عهدة الثّلاث، وهو خلاف الأصول. وقد يقتضي ردَّ العتق بعيب قديم كان قبل عقد البيع إذا قيل: إنّ الرّدّ بالعيب حلّ للعقد من أصله. وقد كنّا ذكرنا الخلاف في هذا الأصل، وذكرنا وجه الخلاف فيه.
وقال ابن كنانة: لو تجذّم العبد في السنة، وقد أعتقه المشتري، لوجب أن يرجع بقيمة العيب، ويكون ما ترك العتيق من مال لمن أعتقه بحكم الولاء. ولو كان ما حدث من الجذام يجعل العبد لا قيمة له على حال، لوجب ردّ الثّمن كلّه. فإن مات هذا العتيق، أخذ البائع من تركته ما ردهُ من الثّمن، وكان ما فضل عن ذلك للمعتق بحكم الولاء.
وألزم بعض الأشياخ أن يكون هذا العتيق لو قطعت يده وأخذ فيها ديّة حرّ أن يكون للبائع أن يرجع على المشتري بما نقص قطع يده من قيمته، لأنّه يقول للمشتري: لولا إعتاقك له، لرجعت على الجاني بقيمة ما أتلف.
والجواب عن السؤال العاشر (^١) أن يقال:
إذا اختلف البائع والمشتري في مضيّ أمد العهدة، فإنّ في هذا قولين: أحدهما تصديق البائع لكون المشتري يحاول نقض بيع قد انعقد، فهو المدّعي المطلوب بالبيّنة.
والقول الآخر: أنّ القول قول المشتري، استصحابًا بالأصل، وهو كون الضّمان على البائع. فهو المدّعي لسقوطه عنه.
_________________
(١) السؤال ساقط، ويمكن استرواحه من الجواب هكذا: وما الحكم إذا اختلف البائع والمشتري في مضي أمد العهدة.
[ ٢ / ٧٧٦ ]
وهكذا لو باع عبدًا فأبق، فإنّ له الرّدّ بعيب الإباق.
ولو تبرّأ في العقد من الإباق، ففيه قولان: هل يكون إثبات خروجه سالمًا من العهدة على البائع، استصحابًا لحال الضّمان، وهي رواية ابن نافع عن مالك في المدوّنة. أو يكون على المشتري إثبات أنّه قد هلك في العهدة.
وبهذه الرواية الثّانية أخذ ابن القاسم.
وكذلك لو اختلف المتبايعان في عبد بيع بالخيار، وقد ذهبت أيّام الخيار، هل مات في أيّام الخيار أو بعد ذهابها؟ ففيه أيضًا قولان، سببهما استصحاب حال كون البيع منعقدًا أو استصحاب حال ثبوت الضّمان.
وكذا يجب على هذا لو اختلفا في تاريخ انعقاد البيع وتداعى المتبايعان في العيب، هل هو قديم أو حديث؟ أن يكون القول قول المشتري في التّاريخ استصحابًا لعدم عقده. أو القول قول البائع استصحابًا لكون البيع منعقدًا، فلا ينتقض بالدّعوى. وهذا قد يحتاج إليه إذا أحال الشّهود تاريخ قدم العيب أو حدوثه على زمن، واختلف المتبايعان: هل كان عقد البيع قبل ذلك الزّمن أو بعده؟
والجواب عن السؤال الحادي عشر (^١) أن يقال:
قد تقرّر أنّ من باع ملك نفسه، فعهدة ذلك عليه. وإن تكلّف غيره بيع ذلك بإذنه كوكيل، أو بإذن الشّرع كقاض أو وصيّ، فإنّ هذا يتفصّل القول. فلا يخلو أن يكون من تولّى البيع انتصب انتصابًا مشتركًا لسائر النّاس كالنّخّاسين والسماسرة، أو يكون مِمّن عدا هؤلاء.
فأمّا النّخّاسون والسماسرة ومن في فعناهم، فإنّهم لا عهدة عليهم فيما باعوه، ولا مطالبة بثمن إن استحقّت السلعة أو ردّت بعيب ولا يمين عليهم،
_________________
(١) هذا السؤال ساقط في النسختين، ويمكن استرواحه هكذا: ما الحكم إذا كان البائع غير المالك للسلعة.
[ ٢ / ٧٧٧ ]
لكن يؤمرون بإعلام مشتري السلعة بصاحبها الّذي وكّلهم على بيعها ليحاكموهم فيها. وإنّما (^١) كان الأمر كذلك لأنّ النّاس الّذين يشترون منْهم إنّما يدخلون معهم على هذا الحكم الّذي ذكرناه، ولكونه من المصلحة لأنّهم يكثر ذلك عليهم ويتكرّر لديهم فلو ضمّنّاهم أثمان ما باعوه من السلع لانقطعوا عن هذا العمل وأضرّ بالناس انقطاعهم. فكان من المصلحة نفي الضّمان عنهم، كما كان من المصلحة إثبات الضّمان على الصنّاع.
وأمّا من عدا هؤلاء، وكان أيضًا منتصبًا لهذا بإذن الشّرع انتصابًا عامًّا كالقضاة، فإنّه لا عهدة عليهم فيما باعوه على مفلس، أو لإنفاذ وصايا لأنّهم كالملزمين بهذا شرعًا، ولا منفعة لهم فيه. والنّاس الّذين يشترون منهم إنّما يدخلون معهم على هذا، فلو ضمِّنوا لوقفوا عن الحكومات في هذا. لكن يقضون بردّ الثّمن على من قبضه منهم إن كان موجودًا بعينه. وإن استهلك نفضِّل القول فيه على ما يرد في موضعه في أحكام الاستحقاقات إن شاء الله تعالى.
وأمّا الوصى فقد قال في المدوّنة: لا عهدة عليه فيما بيع في أموال اليتامى.
وإنّما العهدة في مال اليتامى المبيع عليهم ذلك المستحَقّ والمردود بعيب.
واختار ابن الموّاز إثبات العهدة عليهم وعلى الوكيل المفوض إليهم (^٢).
وكان بعض أشياخي يشير إلى أنّ إثبات العهدة عليهم أنّها فيما باعوه من أموال اليتامى للتّجارة به، لأنّهم فجلوا ذلك اختيارًا من غير ضرورة إليه، إذ لا يلزم الوصيّ أن يتجر بمال اليتيم. فإذا فعل ذلك اختيارًا، صار كالوكيل المفوض إليه الّذي يقضَى بالعهدة عليه لكونه دخل في ذلك اختيارًا، وأحلّ نفسه محلّ مالك السلعة في تفويض الأمر إليه في بيعها متى شاء مِمّن شاء. فأمّا إن باع للإنفاق،
_________________
(١) اعتمدنا نسخة المدينة في إثبات ما ذكر من قوله: -كان الأمر كذلك- إلى قوله -بعد البيع أنه- وذلك لسقوطه من نسخة المكتبة الوطنية.
(٢) هكذا ولعل الصواب: إليه.
[ ٢ / ٧٧٨ ]
فيكون كوكيل معين على بيع أمر معين، فلا عهدة عليه، على ما ذكر في المدوّنة في الوكيل المعين.
وأمّا بيع الوكيل المفوّض إليه، فإنّ العهدة عليه لما ذكرناه من التّعليل.
وكذلك المقارض لما ذكرناه أيضًا. ولكنّ النّاس إنّما يدخلون مع العاملين بالقراض على إثبات العهدة عليهم وأنّهم كالبائعين لملك أنفسهم.
وكذلك حكم الشّريك المفاوض في نصيب شريكه إذا باعه مع نصيب نفسه. وأمّا إن لم يكن مفوّضًا إليه، فهو كوكيل على معيّن. وقد اختلف قول مالك في الوكيل المعيّن على بيع شيء معيّن. ففي المدوّنة: لا عهدة على الوكيل في هذا. وذكر ابن الموّاز أنّه اختلف قول مالك في هذا. وقال أصبغ في الوكيل المعين: عليه عهدة إلاّ أن يشترط أن لا عهدة عليه. فأثبت أصبغ العهدة ها هنا وأجاز اشتراط سقوطها، لكون هذا اشتراط غير ممنوع في نفسه. لا سيما وقد صادف أحد قولي مالك في أنّه لا عهدة على هذا الوكيل.
وأمّا تعلّق اليمين على الوكيل المعيّن، فإنّ في ذلك قولين: ذكر في المدوّنة في وكيل ردّت دراهم لأجل كونها زائفة: أنه يحلف. وذكر ابن الموّاز أنه لا يمين على الوكيل على بيع شيء بعينه. قال: لأنّه لو أقرّ بعد انقطاع وكالته بالعيب الّذي قام به المشتري لم ينقض البيع. وسنبسط هذا في كتاب الوكالات إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر في الموّازية أنّ مالكًا قال: إذا اشترط الوصيّ والوكيل المفوّض إليه: لا يمين عليهما. فالشّرط ينفعهما إن كانا من أهل الدّين والفضل. وأمّا إن لم يكونا كذلك، لم ينفعهم هذا الشّرط. فقدّر أنّ أهل التّصاون والأقدار في الدّيانات نقص منهم استحلافهم فيُوفّى لهم بهذا الشرط، لأنّه اشتراط لهم فيه منفعة وينفي عنهم مضرّة ويكرمون أن يحلفوا لأجل مال غيرهم. ومَن سواهم أبْقَاهم على الأصل في تعلق اليمين بهم إذ لا يلحقهم معرّة استحلافهم.
ولمّا ذكرنا في هذه التّقاسيم حكم سقوط العَهدة عن السماسرة، اقتضى
[ ٢ / ٧٧٩ ]
الحال أن نبيّن حكم ما أخذوه من جعالة: وقد ذكر في المدوّنة أنّ السلعة إذا ردّت بعيب، ردّ السماسرة الجعل. وقدر أن البيع لمّا ردّ بالعيب، انتقض من أصله، وكأنّه لم يعقد، والسمسار إذا لم يعقد البيع الّذي استؤجِر عليه، فإنّه لا جعل له. وتأوَّل الشيخ أبو بكر بن اللّبّاد هذا على أنّ البائع لم يدلّس. فأمّا إن دلّس بالعيب، فإنّه لا يلزم السماسرة ردّ الجعل، لكون البائع لمّا دلّس صار قاصدًا إلى إتعاب السمسار واستخدامه على جهة التّغرير به في خدمته لمّا علم البائع أنّها تذهب باطلًا إذا ردّ البيع بالعيب. وقال الشّيخ أبو الحسن بن القابسي تتميمًا لهذا الّذي قاله ابن اللّبّاد: هذا أيضًا إذا كان السمسار غير عالم بأنّه قد دلّس البائع بالعيب. وأمّا إن كان السمسار عالمًا بتدليسه، فإنّه يكون له أجر مثله. فقدّر أنّه إذا كان السمسار عالمًا بهذا التّغرير به، ارتفع بعلمه هذا كون البائع مغرّرًا به. ولكنّه قضَى له بأجر مثله، وكان ينبغي أن يقضى له بالتسمية، لأنّ هذا الفساد الّذي تواطأ عليه البائعُ والسمسارُ من ناحية العقد وكونه عقدًا محرّمًا، والبائع استأجر السمسار إجارة ممنوعة فاسدة من ناحية عقدها؛ وما فسد من جهة عقده فات فيقضى فيه بالتّسمية. لكن هذا يمكن، كما قال الشّيخ أبو الحسن، فيه أنّه فساد من ناحية الأثمان، لكون الجعل في نفسه غررًا، فأجيز للضّرورة، كما يرتفع الغرر إذا أنهى العامل عمله وبلغ نهايته. كالجعل على طلب الَابق، فإنّ الآبق إذا حصل ارتفع الغرر بحصوله. وهذا السمسار يُنهي العمل نهايته، وهو أن ينفذ بيع السلعة، ثُتم يبقى بعد ذلك مترقّبًا بردّها بالعيب، فصار هذا غررًا من ناحية الأثمان، ففسد هذا الجعل لذلك. فيقْضَى فيه بإجارة المثل، ويجعل المثل على الخلاف في ذلك إذا فسد الجعل. وسنبسط سببه إن شاء الله تعالى في موضعه.
ولو تراضيا المشتري والبائع بردّ السلعة بعيب، لم يلزم السمسار ردّ الجعل إذا أنكر تراضيهما، إلاّ أن يقضي القاضي بردّ البيع.
فلو لم تردّ السلعة بعيب إلَاّ بعد أن فاتت، وقضي للمشتري بقيمة العيب، فإنّه إنّما يردّ من الجعل مقدار ما أخذه قيمة من العيب، لأنّ أخذ قيمته يتضمّن
[ ٢ / ٧٨٠ ]
أنّ البيع لم يتمّ فيه. وقد ذكرنا أنّ المبيع إذا ردّ بالعيب، ردّ السمسار الجعل.
فإذا فات المبيع وكان مقدار الرّبع من الثّمن، ردّ السمسار الرّبع من الجعل الّذي أخذ. هكذا ذكر ابن سحنون.
وعلى هذا لو لم يفت عين المبيع، ولكنّه حدث عنده به عيب مفسدٌ، واختار المشتري أن يردّ المبيع وما نقصه من العيب، لكان للسمسار من الجعل بمقدار ما غرمه المشتري لمّا ردّ المبيع، لأنّ الّذي غرمه مضى البيع فيه وغرم ثمنه وما سواه انتقض المبيع فيه، فوجب ردّ الجعل فيه.
ولمّا ذكرنا أيضًا الاختلاف في الوكيل المعيّن عن بيع شيء معيّن، هل عليه العهدة أم لا؟ فإنّ هذا الاختلاف إنّما يتصوّر إذا ذكر عند البيع أنّه وكيل لغيره. وأمّا إن سكت عن ذلك، فإنّ العهدة عليه، لأجل أنّ المشتري إنّما عاقده مالك السلعة في كون العهدة عليه. ولو ثبت بعد البيع أنّه (^١) وكيل لغيره ولم يكن هو ذكرذلك حين العقد، فإنّ المشتري إن شاء التزم المبيع على أنّ عهدته على الموكّل، وإن شاء ردّه لسقوط العهدة عن مالكه. إلَاّ أن يلتزم له الرّسول العهدة، فيسقط مقاله. ولا يلزم الرّسول التزامها. هكذا ذكر في الموّازيّة.
وقد يقال في هذا عندي: إنّ المشتري دخل مع الوكيل على أنّه إنّما تكون العهدة عليه لكونه لم يذكر له أنّ المبيع لغيره، فمن حقّ المشتري أن يطلبه بهذا الالتزام الّذي التزمه له. وقد قال في الموّازيّة: لا يجبر الوكيل على ذلك.
فيمكن أن يكون رأى مجرّد هذا الفعل الّذي وقع من الوكيل لا يكون التزامًا للعهدة، وإذا لم يكن التزامًا لكونه يمكن أن يقول الوكيل: قد علمت أنّها لغيري والعهدة على غيري. وثبت بالبيّنة بعد وقوع العقد أنّ الأمر كذلك، فأشبه أن يعتقد الوكيل أن يستغني عن ذكر ذلك، فإنّ العهدة لا تلزمه. وإذا لم تلزمه، صار تبدّلها غير ما عقد المشتري عليه. ورجوعها على البائع كعيب اطّلع عليه المشتري، فيكون بالخيار في ردّ البيع.
_________________
(١) هنا ينتهي النقص في الوطنية.
[ ٢ / ٧٨١ ]
وإن تطوّع الوكيل بالتزام العهدة، سقط مقال المشتري. وقد أسقط مقال المشتري من عهدته إذا أتى مستحق فأجاز البيع وصارت العهدة عليه، فلم يعتبر ها هنا تبدّل العهدة. وسنبسط القول فيه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وهذا حكم الوكيل المعين إذا باع. فأمّا إذا اشترى فإنّ الثّمن عليه، نقدًا كان الثّمن أو مؤجّلًا. وهذا إنّما فارق حكم البيع لأجل أنّ العادة أنّ من وكّل على شراء سلعة دفع إليه ثمنها. وأيضًا فإنّ العهدة أمدها مترقّب إذا طرأ استحقاق أو اطّلاع على العيب. وهذا قد لا يقع، فلهذا لم يجعل على الوكيل عهدة فيما باع، وجعل عليه المطالبة بالثّمن، لأن كلّ مثمون لا بدّ أن يكون له ثمن. وقد قال فيمن أمران يأخذ دراهم سلما على طعام: إنّ الوكيل لا يطالب بالطّعام المسلَم فيه، وإن كان قد اشتراه بالدّراهم الّتي دفعها المسلم عليه، ثمّ مع هذا لم يكن عليه دفع ثمنها وهو طعام السلم لمّا لم تجر العادة بمطالبة الوكيل بما أخذه سلما في ذمّة غيره.
والجواب عن السؤال الثّاني عشر (^١) أن يقال:
إذا كان لرجل سلم في ذمّة إنسان فولاّه لآخر، أو أشرك فيه، أو باعه إن كان مِمّا يجوز بيعه قبل قبضه كالعروض والحيوان، فإنّه لا عهدة ها هنا على المُولَّى، ولا على المشرك، ولا البائع الثّاني. لأنّ معنى العهدة ضمان المبيع، وهو لم يصل إليه فيضمنه، وإنما باع ذمّة غيره، ومعنى ذمّة كأنّه شيء مضمون على غيره، فلا تكون عليه عهدة.
وأمّا إن كان المولّى أو المشرك فيه أو المبيع شيئًا معيّنًا قبضه مشتريه وصار في ضمانه، ثمّ نَقَل ملكه عنه إلى غيره، فإنّ ذلك إن وقع بعد أن اشتراه وقبضه بعد تراخ وانفصال من الأوّل وافتراق منه، فإنّ العهدة على هذا البائع الثّاني.
_________________
(١) السؤال ساقط من النسختين، ويمكن استرواحه هكذا: ما حكم العهدة في السلم إذا وقع التصرف فيه؟
[ ٢ / ٧٨٢ ]
وأمّا إن وقع ذلك بفور شراء البائع الثّاني وقبل افتراقه من الأوّل الّذي باع منه، فإنّ التّولية والشّركة تسقط عنه فيها العهدة، اشترط إسقاطها أو لم يشترط.
وأمّا البائع، فالعهدة عليه، لكنّه يجوز أن يشترطها على البائع الأوّل ويسقطها عن نفسه. وإذا كان وقع عقد الثّاني على الوجه الّذي قلنا: لا عهدة عليه فيه وهي على الأوّل، فإنّه ذكر في الموّازيّة في الشّركة والتّولية أنّه يجوز أن يشترطها المولّى والمشرك على نفسه. وقال ابن الموّاز: في هذا مغمز، لأنّه كضمان بجعل.
وهذا الّذي ذكرناه عن المذهب من ثبوت العهدة على البائع الثّاني إذا وقع بيعه بعد انقضاء اشترائه من الأول وافتراقه منه. ووجهه أن الأصل ثبوت العهدة على من باع ملكه، وهذا باع ملكه بعد أن قبضه وصار إليه وسقط ضمانه عمّن باعه منه، فصار ذلك كبيع الإنسان ما ورثه أو اشتراه من بائع باع منه من أعوام كثيرة. فإذا كان هذا العقد وقع بفور شرائه من الأوّل وفي حين مواجبة البيع، فكأنّه لم يشتره، ويقدّر أنّ المشتري الآخر إنّما اشتراه من البائع الأوّل. لا سيما والمخالف يذهب إلى أنّ البيع لا يتمّ إلَاّ بافتراق المتبايعين.
وأمّا التّفرقة بين البيع والتّولية، فإنّ. التولية والشّركة مقتضاهما أن يحلّ الثّاني محلّ الأوّل، ويسقط حكم الأوسط، فتصير العهدة على البائع الأوّل، ويقدّر الّذي أشرك في سلعته أو ولاّها كأنّه لم يملكها، وإنّما صار كواسطة بين الآخِر والأوّل الّذي باع من الأوسط. فإذا كان العقد على جهة البيع وتحويل جنس الثّمن أو تحويل مقداره بَعُدَ، ها هنا، أن يُقَدَّر كأنّه لم يكن.
قال القاضي أبو محمّد ﵁ في فصل قبل هذا: وكلّ مبيع هلك قبل قبضه فهو من المشتري إذا كان متعيّنًا متميّزًا. وإن كان مِمّا يجب فيه حقّ توفية، فهو من البائع.
قال الإِمام ﵀: يتعلّق بهذا الفصل سؤالان. أحدهما أن يقال:
[ ٢ / ٧٨٣ ]
١ - ما حكم الضّمان قبل القبض في البيع الصحيح؟
٢ - وما حكمه في البيع الفاسد؟
فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال:
قد تكلّمنا على أحكام الضّمان بعد القبض في أحكام العُهَد من الثّلاثة والسنَة. ورأينا أن نتبعه بالكلام على حكم الضّمان قبل القبض.
فاعلم أنّ المبيع إذا هلك قبل القبض، وهو متعيّن متميّز، ليس فيه توفية بكيل أو وزن، وذلك كالثّياب والحيوان، فإنّ العلماء مختلفون في ذلك.
فمذهب أبي حنيفة والشّافعي أنّ الضّمان متعلّق بالقبض لا بمجرّد العقد.
فإذا ضاع الثّوب أو العبد قبل قبضهما، كانت مصيبة ذلك من البائع. ويحكى ذلك عن ربيعة.
والّذي يحكيه أصحابنا البغداديون عن مالك أنّه إنَّما يتعلّق الضّمان بالعقد ولا يقف تعلّقه على حصول القبض بعد العقد. هكذا يورد أصحابنا، وغيرُهم نقلَ هذه المذاهب إيرادًا مطلقًا.
والّذي يتحقّق من مذهبنا أنّ البائع إن أمكن المشتري من قبض المبيع الّذي ذكرناه فتركه عند البائع اختيارًا منه، أنّ الضّمان يسقط عن البائع بالتمكّن، ويقدّر بقاء المبيع في يديه، بعد تمكين المشتري من قبضه، كقبض المشتري له ثمّ ردّه على البائع على جهة الوديعة عنده.
ومن المتأخّرين من يحكي عن المذهب الاختلاف في الضّمان مطلقًا، ولو كان البائع لم يمنع المشتري من القبض.
وبعض أشياخي يشير إلى الاختلاف في هذا أيضًا لأنّه يعلّل اختلاف قول مالك في المحتبسة بالثّمن، هل ضمانها من البائع أو من المشتري؟ إلى اختلاف في البيع ما هو؟ هل هو العقد فيضمن المشتري المبيع بمجرّد العقد؟ أو هو التّقابض فلا يضمن المشتري إلاّ بعد حصوله؟
وهذا الاعتلال منه يشير إلى وقف الضّمان على حصول القبض، وإن مكّن
[ ٢ / ٧٨٤ ]
البائع المشتري من قبض المبيع، إلاّ أن يريد حصول القبض حسًا ووجودًا أو التمكين منه، ويرى التّمكين منه قبضًا، فيصحّ هذا النّقل عن المذهب.
على أنّ الاعتلال في نفسه ليس بالواضح. ويبعد أن يعتقد أحد من أهل المذهب أنّ حقيقة البيع هو التّقابض عن تعاوض.
وسبب هذا الاختلاف من جهة الظّواهر قوله - ﷺ - (الخراج بالضّمان) (^١) فقال البغداديّون، من أصحابنا: اتّفق على أنّ الخراج للمشتري بمجرّد العقد، وإن لم يقبض المبيع. فاقتضى هذا الظّاهر كون الضّمان منه لمكان الخراج له، لكونه ﵇ علّق أحدهما بالآخر في هذا الحديث.
وأجاب بعض أصحاب الشّافعي عن هذا بأنّه (^٢) ﵇ إنّما يتضمّن كون من له الخراج عليه الضّمان. إلاّ أن يقلب هذا اللّفظ فيكون الحديث الضّمان بالخراج، فإنّه إذا قال: الضّمان يوجب الخراج، لم يقتض هذا الخطاب أن يعكس، فيقال وكذلك الخراج يتضمّن الضّمان ويدلّ عليه. وليس إذا قرن الشّيء بالشّيء وصحّ في الطّرد يجب أن يصحّ في العكس، وإنّما اشترط الطّرد والعكس في العلل العقليّة، ألا ترى أنّه لو قال قائل: كلّ مرسل نبيّ، لم يلزم من هذا لما علق الرّسالة بالنبوّة أن يكون كلّ نبيّ رسول.
ويتعلّق المخالفون بخبر آخر وهو ما ورد في الحديث من نهيه عن بيع ما لم يقبض وعن ربح ما لم يضمن (^٣). فكأنّه إنّما أشار إلى علّة النّهي عن بيع ما لم يقبض بأنّه إذا لم يقبض فلم يضمن.
وأجيب أيضأ بأنّ هذا لا يسلَّم كونه دليلًا على أنّ علّة النّهي عن بيع ما لم يقبض كونه لم يضمن، ونحن نقصر النّهي على الأطعمة المكيلة والموزونة، فإنّا لا نجيز بيعها قبل قبضها، ونجيز بيع العروض قبل قبضها بالأدلّة الّتي قدّمنا في موضعها.
_________________
(١) الترمذي: ٢/ ٥٦١. حد. ١٢٨٥.
(٢) أي بأن قوله.
(٣) أحمد: ٢/ ١٧٩.
[ ٢ / ٧٨٥ ]
وأمّا سبب الاختلاف من جهة الاعتبار، فإنّ المخالف يرى أنّ المبيع إذا لم يقبض، والعقد معرّض للفسخ، وإذا كان معرّضًا للفسخ، لم يستقرّ انبرامه ولزومه استقرارًا كاملًا؛ ولهذا التفت الشّرع في الصّرف إلى إبطاله بالافتراق قبل التّناجز لمّا كان مجرّد العقد لا يتمّ به الملك تمامًا كاملًا. والصرف خصّ بمنع الافتراق قبل تمام الملك.
وأجيب عن هذا بأنّ هذا حكم مقصور على الصّرف وعلى ما فيه الرّبا مِمّا لا يحلّ التّأخير والافتراق قبل إنجازه لاختصاصه بدخول الرّبا فيه. ومنع الافتراق لأجل كون الملك في البياعات كلّها لم يتمّ بالعقد.
ويستدلّ أصحاب مالك بأنّ مجرّد القبض من غير تقدّم عقد لا تأثير له في إثبات الضّمان في كلّ المتملكات على أيّ صفة وقع القبض. وإنّما يتعلّق به حكم الضّمان المتفق عليه إذا تقدّمه عقد وجب القبض عنه. فإذا اجتمع الوصفان العقد ثمّ القبض، حصل الضّمان باتّفاق. وإذا فقد الوصفان، لم يتصور الضّمان باتّفاق. فإذا وجد أحدهما، فإن كان هو القبض بمجرّده، لم يؤثّر في الضّمان، لما قدّمناه في كونه كالعدم إذا لم يتقدّمه عقد. وإذا وقع العقد بمجرّده، كان أولى بالتّأثير في نقل الضّمان لكونه لم يتّفق على عدم تأثيره، وأيضًا فإنّه يناسب الضّمان، ألا ترى أن البائع لا يحلّ له منع المشتري من المبيع إذا دفع إليه الثّمن، بل يجبر على دفع المبيع إليه، فلولا أنّ العقد بمجرّده نقل الملك ما جبر البائع على تسليم المبيع إليه.
وإذا تقرّر أنّ اجتماع هذين الوصفين يوجب الاتّفاق على انتقال الضّمان، وجب إسناد الحكم، عند وجود أحدهما وعدم الآخر، إلى أشدّهما تأثيرًا ومناسبة للحكم، كما يقوله المحقّقون في سبب الاختلاف في إثبات الشّفعة في شقص موهوب. فإنّ من أنكر الشّفعة فيه يقول بأنّ الملك إذا انتقل باختيار عن عوض، وجبت الشّفعة كالبيع. وإذ انتقل بغير اختيار وبغير عوض، كالميراث، لم تجب الشفعة. والشّقص الموهوب قد أشبه الميراث في كونه بغير عوض، وأشبه البيع في كون الملك انتقل باختيار. فينظر أيّ هذين الوصفين أشدّ تأثيرًا
[ ٢ / ٧٨٦ ]
في الحكم، فيغلب وجوده على عدم الوصف الآخر.
وهكذا سبب الخلاف في العبد الموهوب، هل يتبعه ماله، كما نبسطه في موضعه إن شاء الله تعالى.
ويستدلّ أيضًا على تأثير العقد بمجرّده بإمضاء عتق المشتري للعبد وإن لم يقبضه.
وأجاب أصحاب الشّافعي عن هذا بأنّ الشّريك ينفذ عتقه في نصيب شريكه، وإن لم يملك نصيبه ملكًا تامًا ولا ناقصًا، فكيف بهذا المشتري الّذي لم يقبض وقد ملك، وإنّما يترقّب زوال ملكه. وكذلك أيضًا يجيبون من استدلّ من أصحابنا على إمضاء تصرّف المشتري في المبيع، بأنّ تصرّفه فيه بإهلاكه وإتلافه قبضٌ له. فلهذا أنفذ تصرّفه، كما ينفذ تصرّفه بعد القبض.
وقد كنّا قدّمنا عن بعض أشياخي أنّه يسند هذا الخلاف إلى النّظر في البيع، هل هو التّقابض أو التّعاقد؟ وكان أيضًا أولع به غيره من الأشياخ من إجراء الخلاف في هذا الأصل على الاختلاف في مراعاة مضيّ أمد التّسليم، ومقدار المناولة بعد زمن العقد. ويرى أنّ ذلك لو اعتبر لم يسقط بالتّراخي، كما أنّ التوفية بالكيل والوزن لا يسقط حكمها بتأخير الكيل أو الوزن.
وهذا التّشبيه ضعيف لأنّ الكيل والوزن إنّما يتعلّق الضّمان بهما، لكون المبيع لا يتميّز عن ملك البائع إلاّ بالكيل، ولا يعلم مبلغ ما باع إلاّ بذلك.
بخلاف العبد والثّوب المتميّزين بذاتهما وأجزائهما. وإنما قال من قال إنّ مجرّد العقد دون إقباض المشتري للمبيع أو تمكينه منه لا يوجب الضّمان. وإذا مضى مقدار زمن التّمكين، انتقل الضّمان وسقط ما اعتبرناه من تعلّق حقّ المشتري بإمكان المناولة وتناول ما باع. فإذا تراخى عمّا جعل له من الحقّ في التّناول.
فقد أسقط (^١) في ذلك بعد أن وفّاه له البائع. وإلى هذا المعنى أشار في مختصر ابن شعبان مالك، ﵁، من اعتبار حال المشتري. فإن كان مليًّا
_________________
(١) هكذا في النسختين. والمعنى: أسقط حقه.
[ ٢ / ٧٨٧ ]
من أهل البلد، كان الضّمان منه. وإن كان بخلاف ذلك كغريب فقير، كان الضمان من البائع. فقدّر أنّ المشتري إذا كان مليًّا معروفًا، فإبقاء السلعة بيد البائع إنّما كان باختياره، فصار كمودعها عند بائعها. وإذا كان فقيرًا مِمّن يمنع منه حتّى يدفع الثّمن، صار المنع منها من قبل البائع، وكان ضمانها منه. ولهذا قال في هذه الرّواية: وإن كان البيع إلى أجل عشرة أيّام أو نحوها كان الضّمان من البائع، لأنّها كالرّهن.
وهذه الإشارة إلى كونها كالرّهن هي طريقة ابن القاسم في المحبوسة بالثّمن. فإنّ مالكًا اختلف قوله في عبد بيع وحبس بالثمن، فقال مرّة: هو من البائع. وهو اختيار أشهب. وقال مرّة أخرى: هو من المشتري. وهو اختيار ابن القاسم، وأجراه مجرى الرّهن. ولكن ابن القاسم اختار من قولي مالك في سلعة حاضرة بيعت وحبست بالثّمن كونَها من المشتري. واختار من قولي مالك في سلعة غائبة بيعت كون ضمانها من البائع. وإن كان مالك قد اختلف قوله فيهما، هل ضمانهما من البائع أو من المشتري؛ وكان بعض أشياخي يعتذر عنه في اختلاف اختياره من قولي مالك في هاتين المسألتين الحاضرة والغائبة، بأنّ الغائبة يستحيل تسليمها والتّمكين منها بفور العقد، فتعلّق ضمانها بالبائع، والسلعة الحاضرة تسليمها بفور العقد ممكن غير ممتنع، فيحسن اعتبار مضيّ زمن التّسليم في هذا (كما يستحيل التّمكين فيه) (^١). بخلاف بيع الغائب الّذي يستحيل التّمكين فيه بفور العقد.
ومن الأشياخ من يسلك طريقة ثالثة سوى ما قدّمناه من اعتبار بعض أشياخي تعلّق الحكم بالعقد أو القبض واعتبار غيره لمقدار المناولة. فقال: إن أحد قولي مالك في هذا العبد المحتبس بالثّمن أنّ ضمانه من بائعه إنّما بني الجواب فيه على أنّ الرّهن يضمن ولو كان حيوانًا وممّا لا يغاب عليه. وكأنّه
يشير بهذا إلى حصول الاتّفاق على كون الضّمان من المشتري. ويسند الخلاف
_________________
(١) هكذا في النسختين ولعل الصواب: بما لا يستحيل ..
[ ٢ / ٧٨٨ ]
إلى كون المشتري رهن العبد، وهو مِمّا لا يغاب عليه، هل يضمن هذا الرّهن الرّاهن أو المرتهن؟ وهذا ظاهره مخالف لما تقتضيه الرّوايات المشهورة في كون ما لا يغاب عليه. لا يضمن. ويبعُد تأويل روايات مشهورة على مذهب شاذّ.
وقد كنّا قدّمنا قبل هذا أنّ طرق الاستدلال أنّه اتّفق على أنّ الخراج الحاصل عقيب العقد للمشتري، فاقتضى كون الضّمان يكون منه لقوله:
(الخراج بالضّمان). ونبّهنا على ما قال أصحاب الشّافعي في هذا. وما ذكر من الاتّفاق عليه لا يسلمه بعض أشياخي ويرى أنّ الرّوايات بخلافه، وأنّ الّذي يحدث بالمحتبسة بالثّمن من عيب ونقص يجري على الخلاف في ضمانها.
وكذلك ما يكون لها من غلّة يجري على الخلاف أيضًا في ضمانها. فإن قيل: إنّ الضّمان من المشتري، كان الخراج له والغلة، لأجل ضمانه. وإن قيل: إنّ الضّمان من البائع، كان الخراج له والغلّة، لأجل ضمانه، ولو كانت الغلّة كراء دار أو إجارة عبد. وسننبّه على هذا في بيع الغائب إن شاء الله تعالى.
وقد كنّا حكينا أنّ بعض المتأخّرين ذكر الاختلاف عن مالك، وإن لم يمنع البائع من التّسلِيم. فإن أراد أنّ هذا الاختلاف يتصوّر ولو مكّن من التّسليم، فوجهه عندي ما قدّمته. وإن أراد أنّه لم يمنع من التّسليم ولا مكّن أيضًا، وافترق المتبايعان على غير تصريح بأحد هذين الوجهين، فإنّه يصحّ ما أراد على أنّها كالمحتبسة لما كان له حبسها. وقد ذكرنا ما وقع في مختصر ابن شعبان من الاستدلال على أحد الوجهين بحال المشتري هل هو معروف غني أو غريب فقير؟ وقد اختلف المذهب أيضًا في المكيال إذا امتلأ بالزّيت فأهراق بفور امتلائه، هل يكون من البائع أو المشتري؟ وهذا يجري على الاختلاف في اعتبار انتقال الضّمان بقدر المناولة بعد العقد أو اعتباره بحصول العقد خاصّة. فإن اعتبرنا العقد بمجرّده، كان ضمانُ ما اكتيل وبلغ نهاية الكيل، ثُمَّ هلك قبل إمكان المناولة، من المشتري. وإن اعتبرنا مضيّ زمن المناولة، كان ذلك من البائع. وفي هذا المكيال الّذي أهريق عقيب كماله قولان مبنيّان على ما ذكرناه.
[ ٢ / ٧٨٩ ]
وقيل أيضًا: إن كان المشتري هو متولّي الكيل لنفسه، كان الضّمان منه.
وكأن هذا قدّر أنّ اعتبار مضيّ زمن التّسليم والمناولة لمن لم يكن ذلك في يديه.
وأمّا إن كان في يد المشتري فقد حصل ما يراد من إمكان المناولة، فلم يجب اعتبارها.
وهكذا يختلف في هلاك ثمر بيع أو زرع بيع فهلكا بعد يبسهما وكمالهما، هل يكون الضّمان من البائع أو من المشتري، بناء على اعتبار مقدار مضيّ زمن المناولة وإمكان التّسليم إذا كان هلاكهما قبل إمكان التّسليم.
وقد قيل أيضًا في الزّرع والثّمر: إنّ شرط جذاذه على البائع فهلك بعد اليبس، فإنّ ضمانه على البائع. وإن شرط ذلك على المشتري كان الضّمان من المشتري. وهذا قدّر أيضًا أنّ الجداد والحصاد ضرب من التّوفية، فمن كان ذلك عليه، كان الضّمان منه. ولكن القائل بهذا المذهب لم ينكر (^١) من يكون ذلك عليه إذا أطلق العقد، فعلّق هذا بما قد يرتفع الخلاف فيه، وهو اشتراط ذلك على البائع أو المشتري. وعلى هذ ابن ي بعض الأشياخ اختلاف قول مالك في بيع الغائب، هل ضمانه من البائع أو من المشتري؟ لكون ما بيع وهو غائب لا يمكن مناولته بعد العقد. فلم يحصل مِمّا يمكن تعليق الضّمان به سوى العقد.
فمن علق الضّمان بمجرّد العقد، كما قدّمناه، قضى بأنّ ضمان الغائب من المشتري وإن هلك عقيب العقد وقبل إمكان الوصول إليه. ومن اعتبر، في تعليق الضمان بالمشتري، مضى أمد المناولة والتّمكين لم يضمن ذلك المشتري إذا هلك الغائب عقيب العقد قبل أن يمضي من الزّمن ما يمكن وصول المشتري إلى الغائب فيقبضه. فإذا ذهب ما يمكن معه وصول المشتري إليه، ارتفع حكم الخلاف في اعتبار أمد التّسليم، لكونه حصل ها هنا ولم يبق إلاّ القبض، ونحن لا نوقف الضّمان على حصول القبض من مذهبنا، ومذهب الشّافعي وأبي حنيفة. ولكن بُني هذا الاختلاف في ضّمان المبيع الغائب على اعتبار مضيّ زمن التّمكين ومقدار التّسليم، يقتضي جريان هذا الخلاف في سائر المبيعات الغائبة
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يذكر.
[ ٢ / ٧٩٠ ]
ولو كان عقارًا. وهذا إنّما يستمرّ على مذهب من قال من أصحابنا: إنّ العقار يختلف فيه القول عندنا، هل ضمانه من البائع أو من المشتري؟ وأمّا من قصر نقل الخلاف عن مالك على السلع والحيوان دون العقار، فقد ينهدم هذا البناء عليه، إلاّ أن يرى أنّ التّسليم في العقار يتصوّر بالعقد وزوال يد البائع عن المبيع الغائب، وهذا قد يتصوّر في العقار لكونه مِمّا لا ينقل ولا يزال به ولا يمكن نقل ذاته وتحويل مكانه. بخلاف السلع والحيوان الّتي يمكن تبدّل الايدي عليها بانتقال أمكنتها ومحالها. وقد قدّمنا نحن في بيع الطّعام قبل قبضه ذهاب من ذهب إلى منع بيع ما لم يقبض في السلع دون العقار، لكون السلع مِمّا ينقل ويزال بها بخلاف العقار. وإذا كان هذا الاختلاف في ضمان الغائب مبنيًّا على ما قدّمناه من اعتبار مضىّ أمد التّسليم، فمن اعتبره جعل ضمانه على البائع، ولكنّه أجاز اشتراطه على المشتري. ومن لم يعتبره، جعل ضمانه على المشتري، ولكنّه أجاز اشتراطه على البائع أيضًا. وهذا جاز فيه تحويل محلّ الضّمان على ما يوجبه الشّرع عند من ذهب إلى تحويله بالاشتراط لأجل ما عرض من الإشك الذي اعتبار قدر المناولة، ولأجل إشكاله، اختلف قول مالك فيه. فكأنّ مشترطه ألزم نفسه أحد مذهبين قال بهما مالك، فصار التزامه كإلزام حاكم له حكم عليه بأحد المذهبين. وإنّما يجوز هذا الاشتراط حال العقد. وأمّا لو استقرّ العقد وبَرَد، لم يجز نقل الضّمان عن محلّه عند من ذهب إلى تعيين أحد المحلّين له البائع أو المشتري. لأنّ هذا معاوضة على ضمان، ولا يجوز بيع الضّمان ولا شراؤه لما فيه من التّخاطر والغرر. وما جرى بين عثمان بن عفّان وعبد الرّحمان بن عوف، ﵄ لمّا اشترى عبد الرّحمان من عثمان فرسًا باثني عشر ألف درهم. ثمّ قال لعثمان: هل لك أن أزيدك أربعة آلاف على أن أجعل الضمان منك. ففعلا، إنّما كان ذلك لأنّهما إنما كانا متراوضين في انعقاد البيع، وإنّما استقرّا على انعقاده على أنّ الضّمان على عثمان ﵄. وتلك الزّيادة إنّما زيدت ليستقرّ العقد لها ويرتفع ما كانا لديه من المماكسة والمراوضة. ولا يحسن أن يجري في هذا اختلاف أهل
[ ٢ / ٧٩١ ]
المذهب فيمن اشترى عبدًا ثمّ بعد العقد اشترط ماله، أو اشترى نخلًا ثمّ بعد العقد اشترى ثمرتها. لأنّ هذين ألحقا بأصليهما مال العبد ألحق العقد عليه بالعقد على العبد، فكأنّهما عقدان وقعا معًا. وكذلك الثّمرة مع أصولها. وهذا الضّمان إنّما يشترى بانفراده من غير إلحاق له بأصله، فلا يحسن الخلاف فيه، تخريجًا على الخلاف الّذي قدّمناه في مال العبد وثمر النّخل. فهذا الّذي قدّرناه وبنينا هذه الفروع عليه من اعتبارقدر المناولة والتّسليم مستند أيضًا إلى النّظر في نوع من هذا آخر. وهو النّظر فيما ذا يجب على البائع، هل إزالة يده عن المبيع فيحسن ها هنا تعليق الضّمان بالعقد إذا رفع يده عن المبيع. أو يجب عليه التّمكين والتّسليم، فيعتبر هل يجبر عليه هو أوّلًا، أو يجبر المشتري على دفع الثّمن قبل قبض المثمون؟ وهذا مِمّا وقع فيه اضطراب كثير.
قال ابن القصّار الّذي يجيء على المذهب أحد أمرين: إمّا جبر المشتري على دفع الثّمن ثمّ يقضَى له بقبض المثمون. وإن أبيا أن يتطوع أحدهما بالبداية على تسليم ما عنده تركا على ما هما عليه. قال: والوجه الأوّل أقوى.
وذكر القاضي إسماعيل أنّه يُدفَع الثّمن والمثمون إلى رجل، فيدفع الرّجل لكل واحد منهما ما يستحقّه. وهذا أيضًا قد يتشاحان فيه فيمن يبدأ بالدّفع إلى هذا المعدِّل بينهما. أو يقال يتناوَل ذلك منهما جميعًا تناولًا واحدًا. وقد قال بعض أشياخي: قوله في المدوّنة في كتاب الأكرية: يبدأ صاحب الدّابّة بالدّفع.
فكلّ ما مضى يوم أخذ مقداره من المكتري: يشير إلى أنّ البائع يبدأ بدفع السلعة. وقال في النّكاح: للمرأة أن تمنع نفسها حتّى تقبض صداقها. وهذا يشير إلى البداية بدفع الثّمن قبل المثمن. وقد بسطنا في هذا الوجه في كتاب السلم، وذكرنا ما قال فيه أصحاب الشّافعي وغيرهم. وقد كنّا قدّمنا أن ما حدث من نقص في المحتبسة بالثّمن، فإنّه يجري على الخلاف في ضمان الكلّ. فإن قلنا: ضمان السلعة المحبوسة بالثمّن من البائع، ضمن ما طرأ من نقص، وكان ذلك عيبًا للمشتري أن يردّ السلعة به. وإن قلنا: ضمان السلعة من المشتري، لم يكن للمشتري مقال فيما حدث من النقص، وهكذا ينبغي أن يجري هذا الخلاف
[ ٢ / ٧٩٢ ]
في الزّيادة الحادثة في المدّة المحبوس فيها المبيع بالثّمن.
وقد قال بعض الأشياخ: لو عقد البيع في أمة بعينها بياض فحبست بالثّمن فذهب بياض العين في مدّة الاحتباس بالثّمن، فإنّ هذا يجري على الاختلاف في ضمان المحتبسة بالثّمن، كما جرى حكم النّقص على ذلك. وأشار إلى أنّه يكون للبائع نقض البيع لأجل هذا النّماء والزّيادة وهو ذهاب العيب، كما كان للمشتري نقض البيع لأجل ما حدث من عيب في أيّام الاحتباس بالثمن.
وهذا قد يقال فيه هلا كان شريكًا بهذه الزّيادة؛ لأنّ السلعة المعقود فيها البيع ثبت الملك بها للمشتري، ولم يحدث ما يوجب حلّه. لكن حدث اختلاط ملك طرأ له بهذه السلعة المبيعة. وقد كنّا قدّمنا ذكر ما قيل في غلّة المحتبسة بالثّمن. ولعلّنا أن نبسط هذا في كتاب بيع الغائب إن شاء الله تعالى.
ويلحق بما نحن فيه من الكلام في الضّمان قبل القبض في البيع الصحيح هلاك السلعة إذا ردّت بعيب قبل أن تصير إلى يد البائع الّذي ردّت عليه. وهذا فيه قولان: أحدهما: أنّ السلطان إذا قضى للمشتري أن يردّ بالعيب، فإنّ مصيبة هلاك السلعة بعد هذا القضاء من الحاكم يكون من البائع.
والقول الثّاني إنّه من المشتري حتّى يقبضها البائع.
فمن جعل الضّمان من المشتري يعتلّ بأنّ قضيّة السلطان بالرّدّ إنّما تضمّنت إثبات تخيير المشتري بين الرّدّ أو الإمساك، فهي منه حتّى يردّها. ومن رأى أنّ الضّمان من البائع يقدّر أنّ المشتري لمّا رفع الأمر إلى القاضي ليقضي له بالرّدّ، صار كالوكيل له على الرّدّ. فإذا قضى بالرّدّ صار ردّه كردّ المشتري بنفسه. هذا الّذي يشير إليه بعض الأشياخ.
والتحقيق عندي فيه أن يلتفت في هذا إلى ما كنّا قدّمناه من الخلاف في الرّدّ بالعيب، هل هو نقض للبيع من أصله وحلّ للعقد؟ أو هو كابتداء بيع؟ فإن قلنا: إنّه حلّ للبيع من أصله ورفع للملك حتّى كأَن المشتري لم يملك السلعة، حسن أن يقال على هذا: إنّ الضّمان من البائع. وإن قلنا: إنّ الرّدّ بالعيب
[ ٢ / ٧٩٣ ]
كابتداء بيع، عاد الأمر إلى ما كنّا قدّمناه من اعتبار تعلّق الضّمان بمجرّد العقد للبيع أو بمجرّد العقد مع اعتبار مضيّ إمكان التّسليم بعده.
ولو لم يقض السلطان بالرّدّ ولكن قال: فسخت البيع لأجل العيب، فإنّ ابن القصّار ذكر أنّ البيع ينتقض. فهذا عندنا وعند الشّافعي. وهذا الّذي قاله، إنّما يحسن إذا كان لا إشك الذيه ولا تدَاعٍ (^١). وأمّا إذا كان مِمّا فيه اختلاف بين العلماء وندل بين الخصمين، فينبغي ألاّ يقتصر في الفسخ على مجرّد قول المشتري.
وقال ابن القاسم: إذا اطّلعت المرأة على أنّ زوجها عبد، فإنّ النّكاح ينفسخ بفسخها له. بخلاف لو اطّلعت على أنّ به برصًا، فإنّه لا ينفسخ بمجرّد قولها، لأجل أنّ الرّدّ بالبرص يفتقر إلى اجتهاد.
والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال:
قد تكلّمنا في كتاب البيوع الفاسدة على أحكام الضّمان بعد القبض، وذكرنا خلاف فقهاء الأمصار وغيرهم في ذلك، وأشرنا إلى حكمه قبل القبض أيضًا، وتعلّق الضّمان فيه بمجرّد التّمكين من غير قبض على اختلاف أهل المذهب في ذلك، وذكرنا سبب اختلافهم في هذا. وكذلك تصرّف المشتري فيه وهو في يد البائع، فإنّه إن باعه المشتري قبل أن يقبضه بيعًا صحيحًا، فإنّ فيه اختلافًا. وقد عورض فيه من لم يمض بيع المشتري فيه قبل القبض بأنّه أمضى فيه هبته فيه قبل القبض، والبيع أحرى أن يقضي، لكونه لا يبطله الموت ولا الفلس بخلاف الهبة. وقد قيل في الهبة: إذا باعها الموهوب قبل أن يقبضها، فإنّ موت الواهب لا يبطلها لتعلّق حقّ المشتري بها. وذكر أشهب أنّ عتق البائع للعبد المبيع بيعًا فاسدًا لا ينفذ ولو ردّ عليه العبد بالفسخ، وعتقُ المشتري ينفذ في يد البائع، لأجل أنّ البائع ممكّن للمشتري من التصرّف فيما باعه. وإن كان سحنون لا يرى عتق المشتري نافذًا، لأنّ إذن البائع في التصرّف لا يصحّح العقد. وذكر أشهب أنّ المشتري إذا أعتق العبد وهو في يد البائع قبل أن
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: تداعيًا.
[ ٢ / ٧٩٤ ]
يقبضه ولا مال له، لكن القيمة الواجبة على المشتري بالعتق (^١) وإفاتة المبيع بأن صيّره حرّا، إن كانت أكثر من الثّمن الّذي اشترى به العبد، فإنّه إنّما يباع من العبد بمقدار الثّمن ويعتق منه ما زاد على ذلك ويتبع به المشتري متى أيسر. مثل أن يكون العبد اشتراه بعشرة دنانير، وقيمته عشرون، فإنّه إنّما يباع منه بالعشرة الّتي هي الثّمن لا أكثر من ذلك. وقدّر ما زاد على الثّمن كدين طرأ على المشتري بعد أن أعتق عبده، فلا يردّ به العتق.
وناقضه ابن الموّاز في هذا بما قاله في مسألة أخرى من هذا المعنى، فإنّه ذكر فيمن عنده عبد يساوي مائة دينار فأعتق، وعليه خمسون دينارًا لرجل، ثمّ استدان من رجل آخر بعد العتق خمسين أخرى، فإنّه ذهب إلى أنّ العبد يُرَدّ عتقُ جميعه. لأنّه إذا ردّ نصفه وبيع في الدّين السابق للعتق، وجب لمن له الدّين الحادث بعد العتق أن يحاصّ الأوّل في الخمسين الّتي قبض فيأخذ منه نصفها، فيعود الأوّل طالبًا للغريم المعتق، بما أخذ من يديه مِمّا دفع من دينه إليه. فإذا بيع من العبد الأوّل بخمسة وعشرين ليكمل له دينه، عاد الثّاني فحاصّ الأوّل في هذه الخمسة وعشرين بنصفها، فينقص دين الأوّل فيطلب ردّ ما بقي من العبد معتقًا ليباع له في دينه، هذا كلّما أخذ حَاصَّهُ فيه الثّاني، فيعود هو لأجل المحاصّة طالبًًا للإكمال حتّى يستكمل ردّ جميع العبد.
وابن القاسم يرى أن ليس من حقّ الأوّل إذا أخذ من يديه نصف الدّين، أن يرجع إلى المطالبة بما أخذ منه. فألزم ابن الموّاز أشهب أن يقول في هذه بما قاله ابن القاسم في القيمة الواجبة للبائع بسبب الإعتاق من أنّه ينبغي أنّه إذا بيع من العبد بالعشرة الّتي هي الثّمن قدّر نفسه كرجل آخر يطالب بالدّين الواجب من جهة التّقويم فينتقصُ ما أخذ من الثّمن فيعود يطالب بإكماله.
وأشار بعض الأشياخ إلى أنّ هذا لا يُناقَض به أشهب، لأجل أنّ من بيده رهن بالدّين لا يحاصه أحد، والعشرة الدّنانير الَّتي هي الثَّمنُ العبدُ بها رهن في
_________________
(١) بياض في الوطنية بمقدار كلمتين.
[ ٢ / ٧٩٥ ]
يد البائع، فإذا أخذها، لم يحاصّ بدين حدث بعد العتق.
وهذه المسألة يلتفت فيها عندي إلى النّظر في أصل آخر، وهو كون العتق تضمّن حرّية العبد، وتضمّن إلزام المشتري القيمة. فهل يقدّر أنّ لزوم القيمة تؤخّر بعد العتق أم لا؟ هذا الأصل مِمّا اضطرب فيه المذهب ولعلّنا أن نبيّن ما في هذا الأصل من الاضطراب في موضعه إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ٧٩٦ ]