قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: الأصل في الصيام الكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾؛ يعني: فرض واجب عليكم كما وجب على من كان قبلكم، فهذه الآية تدل على وجوب الصيام في الجملة من غير تعيين.
ثم فسر الصيام الواجب في الآية الأخرى بقوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾ إلى قوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ﴾ فأمر بصيام شهر رمضان، وألزم من كان حاضرا صومه، ورخص للمسافر أن يفطره ويقضيه.
وقوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ إلى قوله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ وهذا أمر؛ فهو على وجوبه.
هذا من الكتاب.
وأما السنة: فقوله ﷺ: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت،
[ ١ / ١٤٢ ]
وصيام شهر رمضان".
وفي حديث الأعرابي الذي سأل النبي ﷺ عن الإسلام، وأنه ﷺ قال له: "وصيام شهر رمضان". قال: هل علي غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوع".
وأما الإجماع: فمعلوم ضرورة من دين الأمة وجوب الصيام كما أنه معلوم ضرورة من دينها وجوب الصلاة.
فصل
فأم المعنى في اللغة فهو: الإمساك عن الطعام والشراب. ويقال لمن أمسك عن الكلام هو صائم، ومنه قوله تعالى: ﴿إني نذرت للرحمن صوما﴾؛ أي: صمتا.
ويقال: صام النهار، إذا وقفت فيه الشمس، وصامت الخيل، إذا وقفت عن السير والحركة، ومنه قول الشاعر:
خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
قال القاضي ﵀: وذكر أهل اللغة أن الصائم يسمى سائحا؛ لتركه الطعام والشراب. قالوا وهو تأويل قوله تعالى: ﴿السائحون الراكعون
[ ١ / ١٤٣ ]
الساجدون﴾ يريد بقوله [ق/ ٢٩] (السائحون) أي: الصائمون.
وقوله: ﴿عابدات سائحات﴾ يريد: صائمات.
وقال أبو طالب:
وبالسائحين لا يذوقون نظرة لربهم والراتكات العوامل يريد الصائمين.
قالوا: وأصل السائح هو الذاهب في الأرض، الممتنع من الشهوات؛ فشبه الصائم به لامتناعه عن المطعم والمشرب.
فإذا تقرر هذا الصوم في عرف [الشرع] هو: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع بنية في زمن مخصوص فإن لم تقارنه نية فليس بصوم في الشرع.
وهذه جملة كافية في هذا الفصل.
مسألة
قال ﵀: وصوم شهر رمضان فريضة؛ يصام لرؤية الهلال، ويفطر لرؤيته- كان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما- فإن غم الهلال فيعد ثلاثين يوما من غرة الذي قبله ثم يصام، وكذلك الفطر.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: أما قوله: "أن صيام شهر رمضان فريضة".
فلذلك لما ذكرناه من أدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوبه؛
[ ١ / ١٤٤ ]
فأغنى عن رده.
وقوله: "يصام لرؤية الهلال، وتكمل العدة إن غم الهلال".
فلقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾.
ولقوله ﷺ: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين".
ولا خلاف في وجوب الصوم بهذين الأمرين- أعني: الرؤية وإكمال العدة- لا يجب الصوم بغيرهما عندنا وعند من يعتمد عليه من أهل العلم.
وحكي عن بعضهم أنه أوجب الصوم بقول أهل الحساب وعلم النجوم إذا قالوا إن غدا من الشهر وإن لم تتقدم رؤيا ولم تكمل عدة.
وادعوا أن ذلك معني يجب به الصوم كالرؤية.
وقد ذكرت لهم شبه ذلك فمنها أنهم تعلقوا بقوله تعالى: ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾؛ فأخبر أن الهداية تحصل لنا بالنجوم، ولم يخص شيئا دون شيء؛ فكان ذلك عاما في كل شيء إلا ما قام عليه الدليل.
قالوا: بقوله ﷺ: "فإن غم عليكم فاقدروا له"؛ وذلك هو الاطلاع عليه في الحساب.
والدلالة على ما قلناه ما رواه أبو داود قال: حدثنا محمد بن الصباح
[ ١ / ١٤٥ ]
قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد عن منصور بن المعتمر عن ربعي بن [حراش] عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقدموا الشهر حيى تروا الهلال، [أو] تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة"؛ فنص على اعتبار الرؤية والعدد؛ فلم يجز اعتبار ما عداهما.
وروى مالك عن ثور بن زيد الديلي عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"؛ فأمر بالصوم للرؤية، ومع عدمها بإكمال العدة، فسقط اعتبار ما عدا ذلك.
وروى [زائدة] بن [حوالة] عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: "قال رسول الله ﷺ: "لا تقدموا الشهر بصيام يوم ولا يومين إلا أن يكون شيء يصومه أحدكم، لا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروه، فإن حال دونه غمام فأكملوا العدة ثلاثين ثم أفطروا".
[ ١ / ١٤٦ ]
فأما الآية فمعناها أن النجوم يستدل بها على جهات الطرق والقبلة، فأما الصوم ومعرفة أوقاته فلا مدخل لذلك فيه، ويقوي هذا قوله ﷺ: "من صدق كاهنا أو عرافا أو منجما فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ" وهذا ينفي الرجوع إليهم.
وأما قوله ﷺ: "فاقدروا له" فمعناه: إكمال العدد؛ لأنه قد فسر في الخبر الآخر، وإذا كان كذلك بطل ما قالوه، والله أعلم.
فصل
فأما قوله: كان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما؛ فلأن الشهر يختلف عدده بالزيادة والنقصان؛ فيكون تارة ثلاثين وتارة تسعة وعشرين، وقد وردت الرواية بذلك؛ فروى شعبة عن الأسود بن قيس عن سعيد بن عمرو عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنا أنة أمية لا نكتب ولا نحسب؛ الشهر هكذا وهكذا" وهكذا.
وهكذا تعني تسعا وعشرين يوما وثلاثين، وحبس الراوي أصبعه في الثالثة.
وروى مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر وأيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "الشهر تسع وعشرون".
وروى عمرو بن الحارث بن أبي ضرار عن ابن مسعود قال: لما صمنا
[ ١ / ١٤٧ ]
مع النبي ﷺ تسعا وعشرين أكثر مما صمنا معه ثلاثين.
فصل
وقوله: "إن غم الهلال عدوا ثلاثين يوما من غرة الذي قبله، ثم يصام"؛ فلما رواه عبد الله بن أبي قيس قال: سمعت عائشة تقول: كان رسول الله ﷺ يتحفظ من شعبان ما لم يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤيته رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام.
وروى سماك عن عكرمة عن ابن [ق/ ٣٠] عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تصوموا حتى تروه، فإن حال دونه غمامة فأتموا العدة ثلاثين، قم أفطروا".
وروى مالك عن ثور بن زيد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه،
[ ١ / ١٤٨ ]
فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين".
مسألة
قال ﵀: ويبيت الصيام في أوله، وليس عليه [التبييت] في بقيته".
قال القاضي أبو محمد عبد المهاب بن علي﵀: اعلم أن هذه المسألة فرع على وجوب النية في شهر رمضان؛ فيجب تقديم الكلام في الأصل؛ لأنه إذا لم يثبت وجوب النية فالقول في وقت وجوبها وتقديمها وتأخيرها أبعد عن الثبوت.
وإذا صح هذا فالنية عندنا واجبة في صوم شهر رمضان، وعند كافة الفقهاء إلا زفر بن الهذيل فإنه كان يزعم أن النية غير واجبة فيه، وأرى أن عبد الملك بن الماجشون وصاحبه أحمد بن المعدل يذهبان إلى شبه بهذا؛ لأنهما قالا فيمن أصبح في أول يوم من رمضان وعنده أنه من شعبان، ولم ينو الصوم ثم لم يأكل حتى بلغه الخبر أن يومه من رمضان إنه يمضي ويجزئه عن صومه.
وهذا يدل من قولهما على ما ذكرناه.
وفرقا بين ذاك بين أن ينوي صيام التطوع ثم يعلم بالشهر بعد أن يصبح فقالا: عليه قضاء ذلك اليوم إذا أصبح نوى به التطوع.
[ ١ / ١٤٩ ]
ويجوز أن يكون مرادهما أن نية الإسلام كافية من التجديد ما لم ينقل، فإذا نوى التطوع فقد نقلها؛ فلذلك لزمه القضاء.
وهذا أشبه بأن يكون هو المراد من قولهما لولا أنهما فرقا بين أن يعلم الرؤية بالاستفاضة وما دونها.
فالذي يدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، وهذا أملا بالصيام الشرعي؛ فهو يتضمن وجوب النية؛ لأن مجرد الإمساك لا يكون صوما شرعيا إلا بالنية.
وأيضا فإن الأمر بالفعل يقتضي الامتثال، والفعل لا يكون امتثالا إلا بالقصد؛ بدلالة أنه قد يشركه في صورته ما ليس بامتثال، وإنه لا يكون امتثالا إذا وقع ممن لا قصد له كالصبي والمجنون وغيرهما.
وإذا صح هذا فقد تضمنت الآية وجوب النية.
وأيضا قوله ﷺ: "لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل، ولا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل"، ولم يخص شهر رمضان من غيره.
ولأنه صوم شرعي؛ فأشبه ما عدا رمضان.
ولأنها عبادة تجب النية في نقلها؛ فكذلك في فرضها وجميع جنسها؛ اعتبارا بالصلاة والحج.
ولأنه لما لم يجز قضاء رمضان بغير نية مع كونه فرعا له وانخفاض رتبته
[ ١ / ١٥٠ ]
عن رتبة أصله كان رمضان بأن لا يجزئ إلا بنية أولى.
واستدل عن زفر بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، والصوم والإمساك، فإذا أتى به فقد امتثل ما أمر به.
ولأنه مستحق العين للصيام فلا تكون النية فيه كالوديعة لما كانت مستحقة العين للرد لم يحتج إلى نية. ولأن النية إنما يحتاج إليها للتمييز بين ما يؤتى به فرضا ونفلا، وغير رمضان لا يصح إيقال النفل فيها؛ لأنها لا تقع إلا فرضا؛ فلا معنى للنية.
فالجواب: أن الظاهر لا تعلق فيه؛ لأنه دليلنا على ما بيناه. ورد الوديعة ليس من شرطها أن تقع قربة؛ لأنها من حقوق الآدميين، وحقوق الآدميين لا يحتاج فيها إلى النية؛ بدلالة وقوعها على الوجه الذي كانت عليه قبل الشرع، وإن يصح وقوعها ممن لا تصح منه النية.
واعتباره في ذلك التمييز بين الفرض والنفل باطل؛ لأنه يوجبها مع السفر والمرض مع وجود المعنى المسقط لوجوبها على التمييز الذي ذكره أحد ما تجر له النية. وليست لا تلزم إلا لهذا الوجه؛ لأنها تجب لكون الفعل قربة وطاعة. والله أعلم.
فصل
ولا يجزئ صيام نفل ولا فرض إلا بنية قبل الفجر ابتداء كان أو قضاء، أداء أو نذرا. وهو قول أهل الظاهر.
وقال أبو حنيفة: كل صوم تعلق بالذمة ولم يتعلق وقت معين فلا
[ ١ / ١٥١ ]
يجزئ إلا بنية قبل الفجر؛ كالقضاء والنذر والكفارة، وكل صوم غير متعلق بالذمة وإنما يتعلق بوقت معين أو كان نفلا فإنه يجزئ بنية بعد الفجر؛ وذلك كصوم رمضان والنذر المعين وصوم النفل.
وقال الشافعي: كل صوم واجب فلا يجزئ إلا بنية قبل الفجر من غير تفصيل، والنفل من الصوم يجزئ بنية بعد الفجر.
واستدل أصحاب أبي حنيفة بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾. ومن صامه بنية بعد الفجر سمي صائما للشهر.
وروي من حديث ابن عمر أنه رأى هلال رمضان؛ فشهد عند رسول الله ﷺ فصام، وأمر الناس بالصيام. ولو كان التبييت شرطا لأمرهم به.
وروي في خبر العوالي أن رسول الله ﷺ خرج فرأى قوما فسأل عنهم فقالوا: هم صيام ليوم كان يصومه موسى. فقال ﷺ: "نحن أحق بصيامه .. " وأمر الناس بالصيام فقال: "من أكل فليمسك، [ق/ ٣١ أ] ومن لم يأكل فليتم بقية صومه"؛ فأمر من لم يأكل بالصوم؛ فدل هذا على أن التبييت ليس بشرط في كل صوم مستحق العين.
ولقوله ﷺ: "وإنما لامرئ ما نوى"، ومن نوى بعد طلوع الفجر فقد نوى صوم هذا اليوم؛ فوجب أن يكون له.
ولأنه ناو لصيامه فأشبه إذا نوى قبل الفجر.
[ ١ / ١٥٢ ]
ولأنه صوم لم يتعلق بالذمة؛ فأشبه التطوع.
ولأن النية قد حصلت أكثر نهاره؛ فأشبه من نوى من الليل.
والذي يدل على ما قلناه قوله ﷺ: "لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل، ومن لم يجمع الصيام قبل الفجر لا صيام له"؛ فعم ولم يخص فرضا من نفل.
وأيضا قوله ﷺ: "الأعمال بالنيات"؛ فيجب ألا يجزئ من العمل إلا ما قارنته النية، وبعض هذا اليوم قد مضى عريا من النية؛ فوجب ألا يجزئ.
وقوله ﷺ: "وإنما لامرئ ما نوى"، والإمساك الذي مضى لم ينوه؛ فوجب أن لا يكون له.
وأيضا فلأنها نية ابتدأت بعد مضي جزء من النهار؛ فلم تجز؛ اعتبارا بالنية بعد الزوال.
ولأنه صوم شرعي؛ فوجب ألا يجزئ إلا بنية من الليل. دليله النذر والقضاء.
ولأن النية شرط في الصوم الشرعي؛ فوجب ألا يجزئ الصوم متى مضى بعض اليوم عريا منها.
أصله: الإمساك.
[ ١ / ١٥٣ ]
ولأنها عبادة من شرط صحتها النية؛ فوجب أن تتقدمها النية؛ اعتبارا بالصلاة والحج.
ولأنها عبادة تؤدى وتقضى؛ فوجب أن يستوي وقت النية في الأداء والقضاء؛ اعتبارا بالصلاة.
وأما الظاهر فلا تعلق فيه؛ لأنا لا نسلم أن من أمسك في نهار رمضان بنية بعد الفجر فإنه صائم للشهر.
فإن بينوا ذلك وإلا فوقف الاحتجاج.
وما رووه من حديث ابن عمر لا حجة؛ لأنه ﷺ أمرهم بالصيام الشرعي، وذلك يتضمن عندنا وجوب النية من الليل.
وحديث عاشوراء لا تعلق فيه؛ لأنه إنما أمرهم بالإمساك فيحصل لهم ثواب الكف عن الأكل؛ لأنهم يكونون بإتمام إمساكهم صائمين؛ ألا ترى أنه قد أمر من أكل أيضا بأن يمسك، ولم يدل ذلك على أنه يصير بإمساكه صائما. وعلى أنه قد روي: "ومن أكل فليصم" فلم يدل ذلك على أنه أراد الصيام الشرعي؛ لتقدم الإخلاص بأحد شرطي الصوم؛ فكذلك هاهنا.
وأيضا فلو سلم لهم هذا في صيام هذا اليوم أنه صوم شرعي بعد دخول اليوم فاستحال أن تثبت له النية قبل العلم بشروعه؛ فصار محل المأمورين به محل أهل قباء حين أخبرهم المخبر بتحويل القبلة عن الشام إلى الكعبة وهم في الصلاة فاستداروا إلى الكعبة، ولم يوجب ذلك أن القصد
[ ١ / ١٥٤ ]
بها عند الدخول فيها لا يلزم كذلك ها هنا.
وأيضًا فإن صوم عاشوراء لما نسخ لم يجز القياس عليه؛ لأن رمضان وغيره يكون حينئذ فرعًا له ومعتبرًا به؛ فلا يجوز أن يبطل حكم الأصل ويثبت حكم الفرع.
وتعلقهم بقوله ﷺ: «وإنما لامريء ما نوى» لا يصح؛ لأن النية إنما تكون في مستقبل الأفعال دون ماضيها؛ لأن الفعل إذا انقضى لم يصح أن ينوى من بعد.
واعتبارهم بالنية قبل الفجر بعلة أنه ناو لصيامه غير صحيح؛ لأنه إذا نوى في بعض اليوم فهذه النية لا تتناول ما مضى؛ فلم يكن ناويًا لصيامه، وينتقض بالنذر والقضاء وبالنية في أمس اليوم وعلى أن المعنى في الأصل تقدم النية على الفعل (المنوي).
واعتبارهم بالتطوع غير مسلم؛ لأن الباب عندنا واحد في الموضعين.
وقولهم: لأن النية حصلت أكثر نهاره كما لو قدمها من الليل غير صحيح؛ لأنه إذا قدمها من الليل لم نقل إنها حصلت أكثر نهاره؛ لأنها قد استوعبت النهار كله، وإنما تغير هذه العبارة ما لم تستوعب، على أن المعنى في ذلك ما ذكرناه من تقدم النية على العمل المنوي، والله أعلم.
فصل
واستدل أصحاب الشافعي على جواز ذلك في التطوع بقوله تعالى: ﴿فمن تطوع خيرًا فهو خير له﴾، والنافلة فعل خير.
[ ١ / ١٥٥ ]
وما روى طلحة بن يحيى عن عمته عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل علي َّ قال: «هل عندكم من طعام؟» فإذا قلنا: لا قال: «إني صائم».
وروي: «إني إذًا صائم». وإذا للاستقبال.
وروي: «إني إذًا لصوم».
وروي: «إني ابتديء فأصوم».
وهذه كلها نصوص في موضع الخلاف.
وروى عطاء عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يصبح ولم يجمع على الصوم، ثم يبدو له فيصوم.
ولأنها نية لصيام تطوع قبل الزوال؛ فأشبهت النية قبل الفجر.
ولأن [النفل] قد سومح فيه ما لم يسامح في الفرض؛ بدليل سقوط الكفارة عن الفطر عامدًا في صيام التطوع ووجوبها في الفرض، وجواز صلاة النفل على الراحلة ومنع ذلك في الفرض.
ولأنها عبادة يجمع جنسها فرضًا ونفلًا يصح الخروج منها بالفساد؛ فوجب أن يفرق بين فرضها ونفلها بشيء من الشرائط والأفعال كالصلاة؛ وذلك أن الصلاة فرق بين فرضها ونفلها في استقبال القبلة والصلاة في الجلوس.
[ ١ / ١٥٦ ]
ولا فرق بين تنفل الصوم وفرضه إلا ما ذكرناه في النية.
والأصل في هذا ما قدمناه [ق/ ٣٢ أ] من الظواهر والأقية في صوم الفرض.
وأيضا لأنه صوم شرعي؛ فوجب ألا يجزئ إلا بنية من الليل.
أصله: الفرض.
ولأنها عبادة من شرط صحتها النية؛ فوجب أن يستوي حكم نفلها وفرضها من وقت النية.
أصله: الصلاة والحج.
ولأنها عبادة يفسد أولها بفساد آخرها؛ فوجب ألا تتأخر النية عن بعض فعلها اعتبارا بالصلاة.
فإن قيل: المعنى في الصلاة أنه يجوز التراخي في تقديم النية على فعلها فلم يجز أن تتأخر عنها. وليس كذلك الصوم. لأنه يجوز أن يتراخى بين النية وبين وقت فعله فجاز أن تتأخر عن ابتدائه.
قيل له: إن هذا إنما جاز في الصوم من أجل المشقة في مراعاة الفجر، والرخص التي تثبت للمشقة لا يجوز أن يعتبر بها في أحكام تخالف الأصول.
ولأنها نية بعد الفجر فأشبهت النية بعد الزوال.
ولأن النهار لو كان زمانا تصح فيه نية صيام النفل لصحت فيه نية الفرض اعتبارا بالليل لما صح أن ينوي فيه صوم النفل صح أن ينوي فيه
[ ١ / ١٥٧ ]
صوم الفرض، فلما لم يصح ذلك في النهار علم أنه ليس بوقت لنية الصيام.
ولأن النهار لو كان وقت لنية الصيام لاستوى جميعه في جواز ذلك فيه كالليل، ولما لم يجز أن ينوى في النهار بعد الزوال على أنه ليس بوقت للنية، ولأن الإمساك لما اختص بأحد جنسي الزمان وهو النهار وجب أن تختص النية بصحة وقوعها بجنس منه بعلة أنهما شرطان في الصوم الشرعي.
فأما قوله تعالى: ﴿فمن تطوع خيرا فهو خيرا له﴾ فلا دلالة فيه؛ لأن الخير إما أن يكون عبارة عما في فعله ثواب وهو قربة فهذا غير موجود في مسألتنا؛ لأنه مكروه ولا ثواب فيه.
وعلى أنه لم كان فيه ثواب لم يجب أن يكون صياما.
أو يكون اسم الخير مجملا؛ فيجب أن يقف على البيان.
وأما حديث طلحة بن يحيى فإنه منكر عند أصحاب الحديث، على أنه غير ممتنع أن يكون ﷺ كان قد نوى من الليل ثم سأل عن الطعام، فلما لم يجد آثر استدامة ما كان عليه من الصيام؛ فقال: إني إذا صائم إني مستديم لما كنت عليه من الصيام.
فإن قيل: فهناك لفظ يمنع من هذا؛ وهو قوله: "إني إذا صائم"، فإذا للاستقبال.
قيل له: إن إذا وإن كانت للاستقبال إذا وردت في المواضع التي ذكرها
[ ١ / ١٥٨ ]
أهل العرب فإنها في هذا الموضع يراد بها الاستدامة؛ لأنه ﷺ كان قد نوى الصيام من الليل، ثم فكر في الإفطار إن وجد طعاما، فلما لم يجده قال: فإني إذا صائم؛ يعني: مستديم لما كنت عليه.
وهذا مثل من يريد سفرا وهو مقيم ببلده، فسأل عن الطريق فخبر بفسادها وأن السفر شاق فيه؛ فيقول جوابا عن ذلك: فأنا إذا مقيم. وقد علمنا أن هذا قول صحيح ليس بلغو، وليس يقصد به استئناف إقامة؛ فإنما يريد استصحاب الإقامة واستدامتها، وإبطال ما كان عزم عليه أو حدث نفسه من قطعها؛ فكذلك سبيل قوله: "إني إذا صائم".
فإن قيل: قول هذا القائل: (إني إذا مقيم) معناه: إني مستأنف إقامة غير الأولى.
قلنا: وهذه الإقامة التي يستأنفها هي انتقال إلى شيء غير ما كان عليه فلابد من لا لأنه مقيم في الأول والثاني. وإذا كان كذلك فهذا معنى الاستدامة التي عنيناها: لأنا لم نرد بقولنا إنها للاستدامة أنه يفعل نفس ما كان يفعله، وإنما أردنا أنه على ما كان عليه غير ناقض له ولا منتقل إلى غيره، وعلى أنهم إن رضوا بذلك فنحن نقول: إنه مستأنف صوما؛ لأن الإمساك الذي يفعله من بعد هو غير الأول.
فإن قيل: لا يصح هذا؛ لأنه أخبر له مستأنف صوما وأنتم لا تقولون الإمساك من وقت قوله؛ فإني إذا صائم يسمى صوما.
قيل له: ليس الأمر على ما قلته؛ لأن هذا الإمساك الذي يستأنفه يسمى صوما إذا اقترن بما قدمه، ولم يقل إني إذا صائم صوما منفردا لا ينضم إليه غيره.
[ ١ / ١٥٩ ]
وجواب آخر:؛ وهو أن متساوون في استعمال الخبر؛ وذلك أنا إذا راعينا الاحتمال جوزنا أن يكون ﷺ نوى من الليل، وجوزنا أن يكون للاستدامة نوى من النهار، وجوزنا أن تكون (إذا) داخلة للاستقبال والاستئناف، وجوزنا أن تكون للاستدامة.
وقد علمنا أن الصيام بنية من الليل أفضل منه بنية من النهار، بل هو إذا نوى له في النهار مكروه.
وإذا كان كذلك فهم منعوا أن يكون نوى من الليل؛ ليسلم لهم أن (إذا) داخلة للاستئناف.
ونحن نقول: إنه نوى من الليل، ونمنع أن يكون نوى من النهار؛ ليسلم فعله من الوجه المكروه، ويحمل على الوجه الأفضل؛ فيجب تساوينا في الخبر؛ بل يكون ما صرنا إليه أولى؛ لأن حراسة فعله من أن يحمل على الوجه المكروه أو على وجه ناقص الفضيلة أولى من حراسة نقل اللفظ من حقيقته إلى مجازه.
فإن قيل: فقد ورد لفظ آخر؛ وهو قوله: "إني إذا أبتدئ فأصوم".
قيل له: هذا لم يسمع إلى هذا الوقت، فإن ثبت [ق/ ٣٣ أ] نظر فيه على أنه لا يمنع أن يكون أراد به الاستدامة أيضا كما يقول المقيم الذي يريد السير ثم يبدو له بما يخبر عنه من فساد الطريق فأنا إذا أبتدئ فأقيم، معناه: أعزم العزم الصحيح على استدامة الإقامة من غير تروية بين قطعها والثبوت عليها؛ فكذلك سبيل قوله: (إني إذا أبتدئ فأصوم)، على أن حقيقة هذا تقتضي أن يكون مستأنفا للصيام من ذلك الوقت، ويكون ما مضى ليس بصيام.
[ ١ / ١٦٠ ]
وهذا ليس بصحيح عندنا؛ لأن الإنسان لا يكون صائما في بعض اليوم وغير صائم في بعضه.
فإن قيل: فإن كل هذا الاستعمال غير سائغ على قولكم؛ لأنكم لا تجوزون للمتطوع بالصيام أن يقطع صومه عذر.
قيل له: وليس في الخبر ذكر العذر ولا عدمه، وغير ممتنع أن يكون وجد عذرا جاز له معه قطع الصوم من شدة جوع أو مرض يبيح الفطر، فلما لم يجد الطعام آثر الحمل على نفسه وإتمام الصيام.
وما رووه عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يصبح ولم يجمع على الصوم، ثم يبدو له فيصوم فيه لفظ عن النبي ﷺ، ويحتمل أن يكون ابن عباس قال ذلك لمذهب له في النية كما حكي أن النبي ﷺ تزوج من ميمونة وهو محرم؛ لأنه كان يرى أن الإنسان يكون محرما بتقليد الهدى؛ فحكاه على مذهبه؛ فلا يترك بهذا ظواهر النصوص والأخبار وصحيح المقاييس والاعتبار.
ويحتمل أن يكون أراد أنه لم يكن يجمع على الصيام حتى يقارب الإصباح؛ فعبر به عن مقاربته؛ كما قال: ﴿إني أراني أعصر خمرا﴾؛ فعبر باسم الخمر عما يؤل إليها. وكما قال تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن﴾، وقال: (فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك)؛ معناه قاربت الإتمام.
[ ١ / ١٦١ ]
وتكون فائدة ذلك أنه ليس عليه أن ينوي من أول الليل، وأنه يجوز أن ينوي مع طلوع الفجر.
وقولهم: لأنها نية لصيام تطوع قبل الزوال فأشبهت النية قبل الفجر لا يصح؛ لأن هذه العبارة لا تستعمل في الأصل؛ وذلك أن الفعل الواقع قبل دخول أصل الوقت لا يقال فيه إنه واقع قبل وسطه وآخره.
وإنما يصلح هذا في أبعاض الوقت الواحد.
ألا ترى أن الإنسان لو تنفل قبل الفجر أو قرأ شيئا لم يجز أن يعبر عنه لمن سألته متى فعلت ذلك؟ بأن يقول: إني فعلته قبل الزوال أو قبل العصر أو قبل أن يضحى النهار؛ لأن كل هذه العبارات تفيد أنه فعله بعد الفجر.
وأيضا فإن هذا الوصف لا يؤثر في الأصل؛ لأن النية إذا وقعت قبل الفجر صحت في الفرض والنفل؛ فلا معنى لتقيد صحتها بكونها واقعة لصيام نفل.
وأيضا فإنه ينتقض به إذا نوى لصيام تطوع من أمسه؛ لأنها نية قبل الزوال على ما قالوه.
وأيضا فالمعنى في الأصل أنه وقت لنية صوم الفرض؛ فكان وقتا لنية صوم النفل، وليس كذلك النهار. أو نقول: لأنها نية تقدمت على إمساك جميع اليوم، وليس كذلك إذا وقعت في بعض النهار.
وقولهم: إن النفل قد سومح فيه ما لم يسامح في الفرض كلام مجمل غير مقرر ولا محصل، ولا يجوز إذا وقعت المسامحة في شيء أن تقع في غيره إلا بدليل، وعلى أن شروط الصحة ثابتة في الموضعين.
[ ١ / ١٦٢ ]
وإنما تقع المسامحة في أحكام تجري مجرى الفروع مثل سقوط القضاء والكفارة، واختلاف حال الأداء في الصلاة، وما أشبه ذلك؛ ألا ترى أن هذا الذي قالوه لا يجوز سقوط أصل النية في التطوع ولا يوجب؟ ألا يفسده الوطء والأكل على وجه العمد، وغير ذلك من شروطه؟
فبان بهذا سقوط ما قالوه.
وقياسهم على الصلاة بعلة أنها عبادة يجمع جنسها فرضا ونفلا، يصح الخروج منها بالفساد؛ فوجب أن يفرق بين فرضها ونفلها بشيء من الشرائط والأفعال كالصلاة.
فالجواب عنه: أنه تعليل بحكم مجمل غير محصور ولا محصل؛ فلا يلزم الكلام عليه إلا بعد بيانه وتفسيره.
وعلى أن الصلاة الفرض ليس بينها وبين صلاة النفل فرق في الشرائط، وإنما تفترقان في الأداء وصفته، وهذا المعنى لا يمكن في الصوم؛ لأنه فعل واحد- وهو الإمساك- فلا يمكن أن يخالف بين أدائه. والصلاة أفعال مختلفة يمكن الخلاف بين أدائها.
وأيضا فإنا نقول بموجب ذلك؛ وهو أن تعيين النية واجب في صوم الفرض، وإطلاقها يلغى في النفل؛ على ما قاله بعض أصحابنا.
وأيضا فإنه ينتقض بالاعتكاف؛ لأن أوصاف العلة موجودة فيه.
ثم لا فرق بين فرضه ونفله في شيء مما ذكروه، وفرضه هو النذر.
وأيضا فإنا نعكس هذه العلة ببعض أوصافها فنقول: لأنها عبادة يجمع جنسها فرضا ونفلا؛ فوجب أن يكون وقت النية في فرضها هو وقت النية
[ ١ / ١٦٣ ]
في نفلها.
أصله: الصلاة.
وهذا أولى عما قالوه، والله أعلم.
فصل
فإذا ثبت ما ذكرناه عدنا إلى مسألة الكتاب فنقول:
إنه إذا بيت من أول الشهر بجميعه أجزأه على شرائط قد ذكرها أصحابنا.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجزئه إلا أن يجدد النية في كل ليلة؛ لقوله ﷺ [ق/ ٣٤ أ]: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل"، والمراد بذلك: الليل الذي يعقبه الصيام؛ فكأنه قال: لا صيام لمن لم يبيته من ليلته.
وروي أنه ﷺ قال: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له".
والألف واللام ها هنا للتعريف والعهد؛ فكأنه قال: قبل فجره.
ولأنه صوم يوم واجب فوجب أن ينوي له من ليلته.
أصله: اليوم الأول.
ولأن الليلة الثانية والثالثة ليلة من رمضان؛ فوجب أن ينوي فيها
[ ١ / ١٦٤ ]
لغدها؛ اعتبارا بالليلة الأولى.
ولأن الصوم عبادة تؤدى وتقضى؛ فوجب أن يكون عدد النية في الأداء كالعدد في القضاء.
أصله: الصلاة.
ولأنه صيام أيام؛ فوجب أن ينوي لكل يوم منه من ليلته.
أصله: ما عدا رمضان.
ولأن صوم كل يوم من رمضان عبادة بانفرادها؛ بدلالة أن فساده لا يتعلق بفساد غيره، وأن الصبي إذا بلغ في خلال اليوم لم يلزمه قضاء ما فاته من الشهر.
فإذا كان كذلك وجب أن يفتقر إلى نية مجددة، ولا يجوز أن يجعل الشهر كله عبادة واحدة؛ لما ذكرناه ولأنه كان يجب ألا يجوز تفريق النية على أبعاضه كما لم يجز ذلك في الصلاة الواحدة.
وإذا صح أنه عبادات افتقر إلى نيات بعدده كالصلوات ولأنه لما لم يجز أن يمسك بجميع الشهر الأول كذلك لم يجز تقديم النية له بعلة أنهما شرطان في الصوم الشرعي.
والذي يدل على ما قلناه قوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" وهذا يفيد ثبوت حكمها.
والاعتداء بها متى قارنتها النية.
[ ١ / ١٦٥ ]
وقوله ﷺ: "إنما لامرئ ما نوى".
وهذا نوى صوم جميع الشهر؛ فيجب أن يكون له ذلك.
وقوله ﷺ: "لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل"، وهذا قد يبيته من الليل، ولم يفرق بين صيام دون صيام.
وظاهر الخبر يفيد أن كل صيام بيت له من الليل فإنه يجزئ.
فإذا ردوا استدلالهم بالخبر وقالوا: معنى ذلك الصيام الذي يتعقبه الليل؛ لأن الألف واللام للعهد.
قيل لهم: أن قوله: (لا صيام) نفي مطلق، وقوله (من الليل) عام في جنس الليل، وليس بمقصور على ليل دون غيره؛ فالعموم معني في ذلك وما ذكروه في ذلك مدعى لا دلالة فيه، وعلى أن الليلة الأولى معهودة بجميع الشهر أيضا فيدل على ما قلناه أن أيام رمضان لما كانت واجبة مستحقة العين ابتداء ولم يكن بينها زمان يصلح للصيام جاز أن تتقدم النية لجميعها من أول الشهر، وجرت مجرى اليوم الأول في أن النية الواحدة كافية لجميعه إذا تقدمت أوله؛ لما ذكرناه من كونه واجبا مستحق العين ابتداء لا يتخلل أجزاءه وقت آخر يصلح لصيام.
وتحرير هذه النكتة أن يقال: لأنها نية لصوم قدمت عليه بأوقات لا يصلح للعمل غيره من جنسه، أو لا يصلح لصوم غيره؛ فجاز تقديمها عليه في هذه الأوقات.
[ ١ / ١٦٦ ]
أصله: أداء اليوم الأول من أول ليلة.
وأيضا فإن صوم كل شهر عبادة واحدة عندنا؛ بدلالة أنه لا يتخلله عمل من جنسه غيره؛ فجرى مجرى الصلاة الواحدة.
وإذا ثبت هذا فالأخبار قد أجبنا عنها.
واعتبارهم باليوم الأول باطل؛ لأنه إنما وجب أن ينوي له من ليلته؛ لأنه لو نوى له في ليلة غير ليلته لكان قد تخلل النية والعمل المنوي زمان يصلح لغيره، وليست كذلك حكم أيام رمضان.
واعتبارهم بالليلة الأولى يجاب بهذا أيضا، ولأن الليلة التي قبلها ليست من رمضان؛ فلا يجوز أن ينوي الشهر قبل دخوله.
وقولهم: يجب أن يكون عدد النية في الأداء كعددها في القضاء غير صحيح؛ لأن اعتبار الأداء بالقضاء لا يصح؛ لما ذكرناه من أن الأداء يقع في زمان لا يتخلله عمل سواه من جنسه، ولا يصلح الزمان لغيره، والقضاء يقع في زمان يصلح لغيره من جنسه، وقد يجوز أن يتخلله ما ليس من جنسه أيضا- وهو الفطر- لأن قضاء رمضان ليس بواجب متابعته.
وأيضا فإن هذه النية عندنا في حكم النيات المجردة على معنى أنها نية لأيام كثيرة.
وقياسهم على ما عدا رمضان باطل بهذه النكتة أيضا؛ وهو أنه وقت يصلح غير المقصود، وليس بمستحق العين ابتداء.
واستدلالهم على بطلان كون رمضان عبادة واجدة بأن فساد بعض الأيام
[ ١ / ١٦٧ ]
لا يؤدي إلى فساد غيره غير صحيح؛ لأنا لم نقل أنه عبادة واحدة على هذا التأويل، وإنما أردنا أنه عبادة واحدة في الوجه الذي ذكرنا كالصلاة الواحدة. ويبطل ما قالوه بالوضوء؛ لأنه عبادة واحدة، وإذا فسدت طهارة الرجلين لخلع الخف لم تبطل طهارة سائر الأعضاء.
وقولهم: كان يجب ألا يجوز تفريق النيات على أبعاضه باطل بالوضوء [ق/ ٣٥ أ] أيضا.
وقولهم: لما لم يجز أن يمسك لجميع الشهر في اليوم الأول لم يجز أن ينوي لهم من أوله كلام محال؛ لأن ما لا يصح وقوعه من المكلف لا يجوز أن يقال له فيه أنه يجوز له فعله أو لا يجوز. وقد علمنا أن إمساك جزء اليوم لا يصح مع عدم اليوم فلم يصح أن يقال: لا يجوز تقديم الإمساك، وليس كذلك تقديم النية؛ لأنه لا يحتاج إلى مصادفة الزمان ووجوده؛ ألا ترى أنها تجب قبل دخول الوقت المنوي؟
فبطل بذلك ما قالوه.
والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: ويتم الصيام إلى الليل.
وهذا كما قال: الصيام الشرعي: هو إمساك النهار كله، وعليه أن يمسك إلى دخول الليل.
[ ١ / ١٦٨ ]
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا﴾ الآية. إلى قوله: ﴿ثم أتموا الصيام﴾.
وقال النبي ﷺ: "إذا أقبل الليل من ها هنا أفطر [الصائم] ".
ولا خلاف في ذلك.
مسألة
قال ﵀: "ومن السنة تعجيل الفطر، وتأخير السحور".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب﵀: وذلك لما رواه مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر".
وروى مالك عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر ولم يؤخروه تأخير أهل المشرق".
وروى محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه
[ ١ / ١٦٩ ]
قال: "لا يزال الدين ظاهرا ما [عجل] الناس الفطر؛ لأن النصارى واليهود يؤخرون".
وروى الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي عطية قال: دخلت على عائشة﵂- أنا ومسروق فقلنا: يا أم المؤمنين رجلان من أصحاب محمد ﷺ أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة، والأخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة؟ فقالت: أيهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة قلنا: عبد الله بن مسعود. قالت: كذلك كان يصنع رسول الله ﷺ.
وروى شعبة عن قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا من سحورهما قام النبي ﷺ إلى صلاة الغداة. قلنا لأنس: كم كان بين فراغه من سحوره ودخوله في الصلاة؟ قال: ما يقرأ رجل خمسين آية.
قال مالك: سمعت عبد الكريم بن المخارق يقول: من عمل النبوة تعجيل الإفطار، والاستيناد بالسحور.
والمعنى في ذلك أن في تأخير السحور قوة على الصوم، وكذلك في
[ ١ / ١٧٠ ]
تعجيل الفطر قوة على الصلاة؛ فكان أولى به.
مسألة
قال ﵀: "وإن شك في الفجر فلا يأكل".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀-:وهذا لأن إباحة الأكل متعلقة بيقين بقاء الليل، فإذا شك في الفجر لم يجز له الأكل؛ لأنه لا يأمن أن يكون قد أكل في الفجر؛ فيكون قد غرر بصيامه.
فإن أكل ولم يتبين له أنه أكل قبل الفجر أو بعده قال ابن القاسم: عليه القضاء؛ وذلك لما قلناه من أنه ليس على ثقة في إمساك جميع اليوم؛ لجواز أن يكون أكل بعد الفجر.
وخالفنا أهل العراق والشافعي فقالوا: إذا أكل وهو شاك في طلوع الفجر فلا قضاء عليه، وإذا أكل وهو شاك في غروب الشمس فعليه القضاء.
قالوا: لأنه إذا شك في طلوع الفجر فالأصل هو الليل فبنينا الأمر على اليقين، وإذا شك في غروب الشمس فالأصل بقاء النهار؛ فوجب اعتبار الأصل.
قالوا: ولقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾، فأباح الأكل إلى أن يتبين الفجر، وهذا أكل ولم
[ ١ / ١٧١ ]
يتبينه؛ فوجب أن يكون فعل ما له أن يفعل.
قالوا: ولأن اليقين لا يسقط بالشك، وإذا صح ذلك وكان الليل ثابتا بيقين لم يجز أن يوجب عليه القضاء بشك، ولا أن يكون شكه في طلوع الفجر يسقط اليقين الذي هو بقاء الليل. والذي يدل على ما قلناه أنا قد اتفقنا على أنه إذا أكل وهو يشك أن الشمس قد غربت أن عليه القضاء؛ فكذلك إذا أكل وهو يشك في طلوع الفجر. والمعنى في ذلك أنه أكل في وقت يجوز أن يكون من النهار.
فإن قيل: إذا لزمه القضاء في الأصل؛ لأنه شك طرأ على يقين فاعتبرنا حكم اليقين؛ فيجب أن يكون كذلك في هذا الموضع.
قيل له: إن الأصول مختلفة في اعتبار حكم اليقين؛ فمنها ما يعتبر فيه حكم اليقين ولا يزال بالشك؛ وذلك مثل أن يتيقن الزوجية ويشك في الطلاق، ومثل أن يشك هل صلى ثلاثا أم أربعا. فهذا كله يبنى فيه على اليقين.
ومنها ما يخالف هذا؛ وهو أن يشك في الحدث بعد اليقين بالطهارة على ما بيناه؛ فإن هذا يلزمه الطهارة عندنا إذا لم يكن في الصلاة. وكذلك إذا شك هل طلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثا؛ فإنها تكون ثلاث عندنا، ولا يعتبر اليقين.
وإذا [ق/ ٣٦] كانت الأصول مختلفة لم يجز رد هذا الفرع إلى بعضها إلا بدليل، وعلى أن اعتبار اليقين معنا من الوجه الذي نذكره؛ وذلك أنه إذا كان الأصل أنه لم يصم هذا اليوم، ثم اختلفنا إذا أكل وهو يشك في
[ ١ / ١٧٢ ]
طلوع الفجر فقلنا: إنه لا يحكم له بأنه قد صام اليوم، وقالوا: يحكم بأنه صام. وإذا اعتبرنا حكم اليقين في هذا الموضع كان القول ما قلناه من أنه لم يصم.
فإن قيل: فإذا اختلفنا في هذا الأكل هل هو بعد الفجر أو قبله، وكان الأصل هو الليل وجب ألا يلتفت إلى هذا الشك.
قيل له: وإذا اختلفنا في هذا الإمساك هل هو صيام أم لا، وكان الأصل أنه ليس بصيام وجب أن يرجع في هذا إلى الأصل.
طريقة أخرى: يقال لهم: أتسلمون أنه يحرم عليه الأكل بشكه بطلوع الفجر؟ فإن قالوا: نعم صح ما قلناه؛ لأنه إذا لم يجب البناء على اليقين الذي هو جواز الأكل في الليل هاهنا وجب إذا أكل فيه أن يلزمه القضاء.
وإن قالوا: لا نسلم ذلك قيل لهم: الذي يدل على ما قلناه أن إباحة الأكل متعلقة بالعلم ببقاء الليل أو غلبة الظن القائم مقام العلم يدل على ذلك أن الإباحة لو لم تكن مشروطة بهذا المعنى لم يلزم الإنسان أن يتوقف لينظر هل طلع الفجر أم لا.
وإذا صح ما قلناه ثبت أنه ممنوع من الأكل؛ ويبين ذلك أنا قد اتفقنا على أن عليه أن يمسك جميع أجزاء اليوم.
وإذا صح ذلك وجب ألا يجوز له الأكل مع الشك في الفجر؛ لئلا يكون قد أكل في وقت أخذ عليه الإمساك فيه؛ فصح بذلك ما قلناه.
فأما اعتبارهم بالأصل فقد أجبنا عنه، وأما الظاهر فإنه دليلنا؛ لأنه قال: يتبين لكم وهذا يفيد أن إباحة الأكل متعلقة بالعلم بحصول الليل؛
[ ١ / ١٧٣ ]
لأنه شرط معه بأن يتبين الفجر منه، وهذا المعنى لا يصح إلا مع العلم به، فأما مع الشك فلا؛ لأنه لا يتبين معه زوال الليل وطلوع الفجر.
وإذا صح هذا ثبت أن إباحة الأكل مرتفعة مع الشك.
وقولهم إن الشك لا يسقط اليقين يلزمهم عليه ما قلناه في الحكم لهذا الإمساك بأنه صوم.
والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: "ولا يصام يوم الشك ليحتاط به من رمضان، ومن صامه لذلك لم يجزءه وإن وافقه رمضان، ولمن شاء أن يصومه تطوعا أن يفعل".
قال القاضي أبو محمد بن عبد الوهاب بن علي﵀: في هذه المسألة أربعة فصول:
أحدها: أن الصيام يوم الشك يصح على بعض الوجوه، خلافا لأصحاب داود حيث قالوا: لا يصح صومه أصلا.
والثاني: المنع من صومه على أنه من رمضان.
والثالث: أنه لا يجزئه إن صامه على ذلك، ثم ثبت أنه من رمضان.
والرابع: أن صومه متطوعا ابتداء لا على نية استقبال رمضان جائز.
فأما الكلام في الفصل فهو أن يقول: لأنه يوم من شعبان فصح
[ ١ / ١٧٤ ]
صومه.
أصله: ما قبل ذلك من الشهر.
وروي أن رسول الله ﷺ لم يكن يصوم شهرا قط تاما إلا شعبان، فإنه كان يصومه ويصله برمضان.
وقال ﷺ: "لا يتقدمن أحدكم صوم شهر رمضان بيوم ولا يومين، إلا أن يكون صوم رجل فليصم ذلك اليوم".
فبطل بهذا كله قولهم أنه لا يصح صومه أصلا.
فصل
وأما المنع من صومه على أنه من رمضان، والمنع من إجزائه إن ثبت ذلك، فالخلاف فيه مع أبي حنيفة؛ لأنه يجوزه، ويبنيه على أصله في أن نية رمضان يجوز أن يؤتى بها بعد الفجر، وأن تعيين النية لا يلزم في
الصوم.
والدلالة على صحة قومنا ما رواه سماك عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "لا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حين ترونه، فإن حال دونه غمام فأتموا العدة ثلاثين".
وروى جرير عن منصور عن ربعي بن خراش عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، وتكملوا العدة".
[ ١ / ١٧٥ ]
ووجه الاستدلال من هذين الخبرين أنه ﷺ نهى عن صومه إلا بأحد هذين الشرطين فمتى ما لم يوجدا أو أحدهما فيجب ألا يجزئه؛ لأنه أوقعه على خلاف الوجه المأمور به.
وأيضا فإنه لو شك في طلوع الفجر فصلى ركعتين ينوي بهما صلاة الفجر إن كان الفجر قد طلع أو التطوع إن لم يكن قد طلع، ثم بان له أن الفجر كان قد طلع لم يجزئه؛ فكذلك إذا صام يوم الشك على أنه إن كان من رمضان فقد أدى فرضه وإن لم يكن من رمضان فهو تطوع يجب ألا يجزئه في الصلاة.
وما ذكروه من سقوط تعيين النية وتراخيها عن الفجر لا يصح على أصلنا.
فصل
وأما الكلام على أن صومه على وجه التطوع جائز، خلافا لمحمد بن مسلمة والشافعي حيث قالا: يكره صومه إلا أن يوافق صوما كان يصومه، ونكرهه [ق/ ٣٧ أ] ابتداء.
فالدلالة على ما قلناه أنه يوم محكوم له بأنه من شعبان؛ فصح أن يصام تطوعا على كل وجه سواء الاستقبال.
أصله: ما قبل ذلك الشهر. أو نقول: كل يوم صح أن يتطوع به على وجه صح أن يتطوع به على كل وجه.
أصله: ما ذكرناه.
[ ١ / ١٧٦ ]
ولأنه يوم يصح أن يصام عن قضاء رمضان؛ فصح أن يصام نفلا كسائر الأيام، ولأن الفرض آكد من النفل فإذا جاز أن يصام فيه الفرض كان النفل بالجواز أولى.
ولا تعلق لهم بما روي أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يوم الشك؛ لأن معناه أن يصومه على وجه الشك، فأما إذا صامه لا على هذا الوجه بل على وجه التطوع فإن ذلك جائز؛ بدلالة جواز صومه إذا وافق صوما كان يصومه.
ولا يصح احتجاجهم بقوله ﷺ: "لا تقدموا الشهر بيوم ولا يومين"؛ لأن هذا لا يتناول موضع الخلاف؛ لأنا نمنع أن نصومه بنية تقديم الشهر واستقباله على وجه التعظيم، وإنما خلافنا إذا صامه تطوعا ابتداء، لا على هذا الوجه.
ولا معنى لقولهم إذا صام رمضان فرض، وصم يوم شعبان نفل، وإنه يجب أن يحافظ على الفرض بأن يترك صوم هذا اليوم ليقوى على أداء الفرض؛ لأن هذا يسقط به إذا وافق صوما كان يصومه، ولأن في صومه معنى آخر؛ وهو أن يخف عليه صوم الفرض ويسهل عليه ويعتاده؛ فلم يكن منعه بما قالوه بأولى من جوازه بما قلناه.
ولا يصح تعلقهم بما روي أن عمارا أتى بشاة مصلية فقال: كلوا فامتنع القوم، فقال عمار: (من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم ﷺ)؛
[ ١ / ١٧٧ ]
لأن ذلك ليس بأكثر من صريح نهيه ﷺ عن صومه، وقد بينا أن معناه أن يصام على وجه الشك، ولأن هذا يلزم في الموضع الذي يجيزه مخالفنا؛ وهو إذا وافق صوما كان يصومه. ولأن أكثر ما في هذا أن يكون عمار اعتقد أن صومه على كل وجه لا يجوز فأضاف ذلك إلى النبي ﷺ لاعتقاده.
وفي المسألة خلاف وبإزاد عمار غيره من الصحابة وإذا صح هذا سقط ما تعلقوا به.
مسألة
قال ﵀: "ومن أصبح [ولم] يأكل ولم يشرب، ثم تبين له أن ذلك اليوم من رمضان لم [يجزئه]، وليمسك عن الأكل في بقيته، [ويقضه].
قال القاضي أبو محمد بن عبد الوهاب﵀-: إنما لم يجزه؛ لأنه أصبح مفطرا بترك النية وإن لم يكن أكل؛ لأنه يفطر بترك النية كما يفطر بترك الإمساك، والنية عندنا لا تصح بعد طلوع الفجر؛ فلذلك لم يجزئه.
وإذا لم يجزئه وجب أن يقضيه كما لو أكل لكان عليه أن يقضيه؛ لأنه
[ ١ / ١٧٨ ]
مفطر في الموضعين.
وإنما أمرناه بالكف في بقية اليوم سواء أكل أو لم يأكل؛ لأنه إذا ثبت أن اليوم من رمضان ولم تكن هناك رخصة في إفطار اليوم مع العلم بكونه أنه من رمضان كان ذلك يقتضي الكف في بقية اليوم؛ يبين ذلك أنه لو علم قبل الفجر بأن اليوم من رمضان لم يكن لهم أن يفطروه مع العلم فإن أكل هذا الذي أمرناه بكف بقية اليوم على وجه التأويل فلا كفارة عليه.
وأما إن أكل على وجه العمد والهتك لحرمة الشهر والعلم بما على الأكل في نهار رمضان من غير عذر فإن ابن القاسم قال: عليه الكفارة، ورواه عن مالك. وهذا يجب أن يكون استحسانا، وليس بقياس.
وأما القياس: فإنه لا كفارة عليه؛ لأن الكفارة تتعلق بالأكل الذي به يفسد الصوم، لا بالأكل الذي يقصد به الهتك مطلقا؛ يبين ذلك أنه لو أفسد صومه بالأكل من غير عذر لوجبت عليه الكفارة.
فلو أكل ثانية على الوجه الذي أكل عليه أولا من قصد هتك حرمة الشهر لم تلزمه كفارة أخرى؛ لهذا المعنى الذي ذكرناه؛ وهو أن هذا الأكل لم يتعلق به إفساده الصوم فلم تجب به كفارة.
فبان بذلك أن الأمر على ما ذكرناه.
وإنما قلنا: إن عليه أن يقضيه سواء كان نوى التطوع من الليل أو لم ينو أصلا؛ لأنه إن كان لم ينو فقد أصبح مفطرا بترك النية، وإن كان قد نوى تطوعا لم تنبت له عن نية الفرض؛ لأن تعيين النية واجب عندنا.
[ ١ / ١٧٩ ]
وفرق عبد الملك بن الماجشون وصاحبه أحمد بن المعدل بين أن يصبح وقد نوى التطوع وبين أن يصبح ولم ينو شيئا فقالا: إن أصبح ولم ينو صوما أتم بقية اليوم وأجزأه، وإن كان قد نوى تطوعا لم يجزئه وعليه القضاء.
وهذا ليس بصحيح- على قول مالك- لوجوب النية في الأصل، ووجوب تعينها على ما ذكرناه.
فصل
وتعيين النية في صيام رمضان واجب عندنا، وعند الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يجب ذلك، ولو نوى التطوع أو أطلق لأجزأه عن رمضان، سواء كان حاضرا أو مسافرا.
وإن نوى النذر أو الكفارة أجزأه عن رمضان إن كان حاضرا، وعن نذر إن كان مسافرا.
والذي يدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وهذا أمر يقتضي الامتثال، وقد بينا أن الفعل لا يكون امتثالا إلا بالقصد إلى ذلك.
وإذا صح هذا وجب إلا أطلق [ق/ ٣٨] النية ولم يعين أو نوى التطوع ألا يكون ممتثلا؛ لأنه لم يقصد الوجه الذي أمر به؛ لأن الأمر إذا كان بأن يصومه على الوجوب فوجب أن يقصد بالفعل إيقاعه على الوجه
[ ١ / ١٨٠ ]
الذي أمر أن يصومه عليه.
فإن قيل: هذا وليلنا لأنه يوجب أن يصام صوما شرعيا، والصوم الشرعي يقع تارة مع تعيين النية وتارة بغير تعيين؛ فيجب أن يجزئه على أي وجه أوقعه على وجه يجوز في الشرع.
قيل له: ليس الأمر على ذلك؛ لأنه لم يؤمر أن يصومه على وجه يجوز في الشرع أن يصام عليه، وإنما أمر أن يصومه على الوجه الذي أمر به على ما بيناه.
فإن قيل: إن الأمر هو بفعل الصوم دون الوقت؛ لأن الوقت لا يتعلق به التكليف؛ فإذا قال: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ فكأنه قال: فليفعل الصوم، فيه، وهذا لا يفيد نية الوقت كما لو قال: (صم يوم السبت) لم يتضمن ذلك إيجاب نية يوم السبت في الصوم.
قيل له: إذا أوجب علينا أن نصوم شهر رمضان، واحتجنا إلى الامتثال لزمنا أن نقصد بالفعل الوجه الذي أمرنا أن نصومه عليه. وهذا ظاهر.
فأما قولهم: إن الوقت لا يتعلق به التكليف فليس هذا مما نحن فيه، وإنما وجه تعلقنا أن يكون قصد الامتثال مطابقا للوجه الذي يتناوله الأمر، ومعلوم أنه إذا أمر بصومه على وجه الفرض فصامه يعتقد التطوع فإنه لم يأت به على الوجه المأمور به.
ويدل على ما قلناه قوله ﷺ: "وإنما لامرئ ما نوى"،
[ ١ / ١٨١ ]
وهذه الإضافة تدخل لأمرين:
أحدهما: اتحاد الفعل وإيقاعه.
والآخر: الاحتساب والاعتداد به.
وقد علمنا أن المراد به في هذا الوضع أن الاعتداد بالفعل يقع بالنية. وإذا صح هذا وجب متى لم ينو لصوم رمضان أنه على الواجب عليه وأنه تطوع ألا ينوب له عن فرضه؛ لأنه لم ينوه به.
فإن قيل: إن هذا دليلنا؛ لأنه يوجب أن يكون له ما نواه، وهذا قد نوى الصوم؛ فيجب أن يعتد به.
قيل له: هذا لا يصح من جهة النطق، ولا من جهة الدليل؛ وذلك أن من نوى بصوم رمضان التطوع فعندهم أنه يكون له عن رمضان ولا يكون تطوعا؛ فقد بطل أن يكون له ما نواه بنص الخبر، ودليله يوجب أنه إذا لم يصمه بنية الفرض أن لا يكون له عن الفرض؛ لأنه لم ينوه.
ويدل على ما قلناه أن صوم رمضان عبادة يلزم تعيين النية في قضائها؛ فوجب أن يلزم في أدائها؛ اعتبارا بالصلاة.
وأيضا فلأنه صوم واجب؛ فوجب أن يفتقر إلى تعيين النية، أو فوجب ألا يجزئ بنية النفل.
أصله: النذر والقضاء.
واحتج من خالفنا بقوله ﷺ: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، ولم يفرق بين صيامه بنية النفل أو الفرض.
[ ١ / ١٨٢ ]
فالجواب أنا نقول بموجب هذا الخبر، ولكنا نمنع أن يكون من أمسك رمضان بنية التطوع صائما لرمضان؛ فبطل الاحتجاج، ولأن في ضمن هذا القول أن يصومه على الوجه الذي أمر به فيجب أن يثبتوه في مسألتنا.
واستدلوا بأن رسول الله ﷺ بعث إلى أهل العوالي يأمرهم بصيام عاشوراء ولم يأمرهم بتعيين النية.
فالجواب أنه لا دلالة في هذا على سقوط تعيين النية من حيث لم تكن فيه دلالة على سقوط النية على أن أمره لهم إنما كان بالصوم الشرعي، وذلك يتضمن عندنا تعيين النية.
واستدلوا بقوله ﷺ: "لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل"، وهذا يبيت الصيام.
فالجواب أن هذا دليل لنا؛ لأنه لا يخلو أن يكون أراد أنه لا صيام لمن يبيت الصيام على الوجه المأمور به، فإن أراد على الوجه المأمور به وجب بذلك أن من بيت التطوع لصيام رمضان ألا صوم له وهذا ما نقوله، وإن كان أراد لا صيام لمن لم يبيته على خلاف الوجه المأمور به وجب ألا يجزئ من بيت صيامه على الوجه المأمور به وهذا خلاف قول الأمة.
فإن قيل: بين هذين منزلة؛ وهي أن يبيته مطلقا. قيل له: هذا أيضا يوجب أن من بيته معينا لم يكن له صوم، وهذا باطل عند كل أحد. واعتلوا بأنه مستحق العين فأشبه رد الوديعة.
وهذا باطل؛ لأن الوديعة لا تحتاج إلى نية أصلا فضلا من تعينها
[ ١ / ١٨٣ ]
فكيف يعلل لسقوط تعين النية ما لا تحتاج إلى أصل النية؟
قالوا: ولأن النية إنما يحتاج إليها لتمييز إمساك العبادة من إمساك العادة، فإذا ميزت بالنية لم يحتج إلى تعين.
وهذا ينتقض بالمسافر وبالنذر والقضاء.
وعلى أنه إذا احتيج إلى النية لتمييز إمساك العبادة من إمساك العادة احتيج أيضا إلى تعينها لتمييز كل إمساك عبادة من إمساك غيرها.
قالوا: ولأن تعيين الله تعالى آكد من تعيين المكلف؛ لأن ما عينه الله لا يمكن تغييره، وهذا يؤدي إلى سقوط أصل النية بهذا الاعتبار، فإذا كان ما ذكروه لا يؤثر في ذلك فكذلك في التعيين [ق/ ١٣٩].
مسألة
قال ﵀: "وإذا قدم المسافر مفطرا أو طهرت الحائض نهارا فلهم الأكل في بقية يومهما".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: هذا قولنا، وقول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: عليهما أن يمسكا بقية اليوم؛ قالوا: لما روي أن رسول الله ﷺ بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء يأمر من لم يكن أكل أن يصوم، ومن أكل أن يتم بقية يومه؛ فأوجب عليهم إمساك بقية يومهم.
[ ١ / ١٨٤ ]
قالوا: ولأن كل معنى إذا صادف أول الصوم لزم معه صوم اليوم، فإذا وجد في تضاعيف اليوم لزم به إمساك ما بقى منه.
أصل ذلك: إذا أصبح وعنده أن اليوم من شعبان ثم تبين أنه من رمضان.
وبيان هذا أن الإقامة والصحة لو صادفا اليوم لزم معهما الصوم؛ كما أن العلم بكون اليوم من رمضان لو صادف أول اليوم لزم معه الصوم، فإذا وجد ذلك في بعض اليوم لزم معه الإمساك كما يلزم في الموضع الآخر.
قالوا: ولأنه صحيح مقيم في نهار رمضان؛ فوجب عليه الإمساك.
أصله: إذا دخل من الليل، أو نسى النية.
قالوا: ولأن كل معنى أوجب الصوم في المستقبل أوجب إمساك بقية اليوم؛ اعتبارا ببلوغ الصبي أو إسلام الكافر.
والدلالة على ما قلناه أن كل من له أن يفطر أول اليوم في الظاهر والباطن فله أن يأكل بقية نهاره، ولا يلزمه الإمساك ما بقي من يومه.
أصله: إذا أصبح مسافرا أو استدام سفره إلى الليل، وكذلك المريض.
عكسه: إذا أصبح وعنده أن اليوم من شعبان، ثم ثبت أنه من رمضان فإنه يمسك بقية يومه؛ لأنه وإن كان له في الظاهر أن يأكل في أول النهار فليس له ذلك في الباطن.
فإن قيل: ينتقض بالصبي إذا بلغ في بعض اليوم؛ لأنه ممكن كان له أن يفطر في أول اليوم ثم مع ذلك يلزمه الكف.
قيل له: لا يلزم ذلك؛ لأنا نقول: إنه يجب عليه الكف بل يستحب
[ ١ / ١٨٥ ]
له، وعلى أنا قلنا أفطر وله أن يفطر، وهذا يفيد أن الإفطار مباح له. والصبي لا يدخل في هذا؛ لأنه من لا يلزمه حكم العبادات، ولا يقال له إنه أبيح له أو حظر عليه.
فأما حديث عاشوراء فلا حجة فيه؛ لأن الأمر بالإمساك عندنا فيه كان على الندب دون الوجوب.
وقياسهم على من أكل وعنده أن اليوم من شعبان ثم تبين أنه رمضان باطل؛ لأنه أفطر، وفي الباطن الفطر غير مباح له؛ فلذلك الإمساك وليس كذلك في مسألتنا.
وكذلك اعتبارهم بمن نسي النية، واعتبارهم ببلوغ الصبي لا نسلمه على ما بيناه.
مسألة
قال ﵀: "ومن أفطر في تطوعه عامدا، أو سافر فيه فأفطر [في سفره] فعليه القضاء.
وإن أفطر ساهيا فلا قضاء عليه، بخلاف الفريضة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: أعلم أن هذا الفصل يشتمل على عدة مسائل:
أولها: من دخل في صوم التطوع فليس له الخروج منه من غير عذر.
والثانية: أنه أفطر من غير عذر لزمه القضاء.
[ ١ / ١٨٦ ]
والثالثة: أنه إن أفطر لعذر فلا قضاء عليه.
والرابعة: بيان الأعذار التي تبيح الخروج منه.
ونحن نبين ذلك، ونستوفي الكلام عليه إن شاء الله.
فصل
فأما وجوب إتمام الصوم المتطوع به على الداخل فيه، وإيجاب القضاء على من أفطره بغير عذر فهو قولنا وقول أبو حنيفة، إلا أن أبا حنيفة يزيد علينا فيقول: إن عليه القضاء إذا أفطر بعذر وغير عذر، ونحن نسقط القضاء مع العذر، على اختلاف بين أصحابنا في صفة العذر سنذكره.
وذهب الشافعي إلى أن الصائم المتطوع بالخيار بين إتمامه وبين قطعه، ولا قضاء عليه، سواء أفطر لعذر أو لغير عذر.
فنبدأ بالكلام على الشافعي؛ لأن أصل الكلام معه، والكلام في الفصلين يتقارب.
والذي يدل على أن على الداخل في صيام التطوع إتمامه وإنه ليس له الخروج منه من غير عذر قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾؛ فأمر كل عاقد على نفسه عقدا أن يفي به، والأمر على الوجوب.
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾؛ فنهى عن إبطال العمل، وفي تركه إتمام الصيام إبطال له؛ فوجب أن يكون ممنوعا منه.
[ ١ / ١٨٧ ]
فإن قيل: ليس في إفطاره إبطال لم مضى من الإمساك؛ لأن ثوابه قد حصل له.
قيل له: ليس الأمر كذلك؛ لأنه إذا اختار قطعه سقط ثوابه عليه، وصار كأنه لم يفعل شيئا، وإنما حصول الثواب له مشروطا بتمام العمل.
ويدل على ما قلناه أيضا قوله تعالى: ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها﴾؛ فذم من ألزم نفسه طاعة الله ﷿ ابتداء ثم تركها ولم يرعها، وألحق الوعيد به؛ فكان في ذلك أقوى التنبيه على وجوبه.
ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾؛ فالتعلق في عموم هذا الظاهر في كل صيام وكل صوم في [ق/ ٤٠ أ] وجوب إتمام إلى الليل فرضا كان أو نفلا.
ويدل على ذلك أيضا قوله ﷺ في حديث الأعرابي حيث سأله عن الإسلام فذكر له الصلاة والصيام. فقال: هل علي غيرهن؟ قالا: "لا إلا أن تطوع"، وهذا يدل على أن من تطوع به فقد صار عليه، وإذا صار عليه لزمه إتمامه، ولم يجز له تركه إلا بدليل.
فإن قيل: إن هذا دليلنا؛ لأن الأعرابي لما سأل عما فرض الله عليه لم يقل له النبي ﷺ في جواب ذلك: وصيام التطوع إذا دخلت فيه.
فالجواب أن هذا لا يلزم من وجهين:
[ ١ / ١٨٨ ]
أحدهما: أن الأعرابي إنما سأل عما أوجبه الله عليه ابتداء بأصل الشرع لا عن غيره، ولم يسأل عما يصير واجبا بغير ذلك؛ ألا ترى أنه قال: (والله لا زدت عليهن ولا نقصت منهن)؛ فلذلك اقتصر به على القدر الذي ذكره.
ويبين ذلك أنه لا خلاف في لزوم النذر وإن لم يذكره في الواجبات؛ للمعنى الذي قلناه من أنه اقتصر به على ما أوجبه الله تعالى ابتداء.
والوجه الآخر: هو أنه قد ذكر ذلك في سياق الخبر، فكان بمنزلة قوله: وما دخلت فيه من التطوع.
فإن قيل: فقد قال الأعرابي: (والله لا زدت عليهن ولا نقصت منهن) فقد أفلح إن صدق؛ وهذا ينفي وجوب ما عدا ذلك.
قيل له: هذا لا تعلق فيه؛ لأنه إنما ينفي وجوب ابتداء ما عدا الصلوات الخمس وابتداء ما سوى صوم رمضان.
فأما إتمام ما دخل فيه من التطوع فواجب بقوله: "إلا أن تطوع"؛ ويدل على ذلك ما رواه شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تصم المرأة يوما من غير شهر رمضان وزوجها شاهد إلا بإذنه".
ورواه عبد الرازق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تصومن المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه غير رمضان، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه".
[ ١ / ١٨٩ ]
والمعنى في ذلك أنها تمنع زوجها من وطئها؛ وهذا يدل على أن عليها إتمام التطوع إذا دخلت فيه؛ لأنه لو لم يكن ذلك عليها لكان للزوج أن يفرطها للحق الذي له في وطئها؛ ولما كان يضره أن تصوم من غير إذنه لأنه لا حرج عليه في قطع ذلك عليها.
وقد روي هذا الذي قلناه في بعض طرق الحديث؛ فروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ونحن عنده فقالت: يا رسول الله إن زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس. قال: وصفوان عنده؛ فسأله عما قالت: فقال: يا رسول الله أما قولها (يضربني إذا صليت) فإنها تقرأ سورتين وقد نهيتها فقال ﷺ: "لو كانت سورة واحدة لكفت الناس". قال: وأما قولها: (يفطرني إذا صمت) فإنها تطلق فتصوم وأنا رجل شاب فلا أصبر. فقال رسول الله ﷺ يومئذ: "لا تصومن امرأة إلا بإذن زوجها"، وذكر ما في الحديث.
فإن قيل: ليس في هذا دلالة على وجوب إتمام ما دخلت فيه عليها؛ لأنه يحتمل أن يكون نهيه عن ذلك لأن زوجها يكره أن يقدم على قطعها عن إتمام الصوم وإن كان محتاجا إليها.
قيل له: قد أجبنا عن هذا في نفس الاستدلال حيث قلنا: إنه لو كان له أن يفطرها ولو كان لها الإفطار وترك الإتمام لم يكن لإيقاف الصوم على
[ ١ / ١٩٠ ]
إذنه معنى؛ لأنه كان يصلي إلى حاجته، ولم يكن دخولها في الصوم مانعا لها من ذلك، وليس يجوز أن يكون الأمر واجبا من أجل ما ليس بواجب. وإذا صح هذا بطل ما قالوه.
ويدل على ذلك ما رواه ابن وهب عن الحارث بن نبهان عن عبد [الواحد] بن زيد عن عبادة بن نسي قال: دخلت على شداد وهو يبكي قال: دخلت على رسول الله ﷺ فرأيت في وجهه شيئا؛ فقلت يا رسول الله: ما هذا الذي أرى في وجهك؟ فقال: "أمران أتخوفهما على أمتي من بعدي: الشرك، والشهوة الخفية؛ أما إنهم لا يعبدوه شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولا وثنا، ولكنهم يراءون بأعمالهم".
قلت: يا رسول الله، أشرك هذا؟ قال: نعم. قلت: وما الشهوة الخفية؟ قال: "يصبح أحدهما صائما فتعرض له شهوة من شهواته فيواقعها ويدع صومه".
ووجه الاستدلال من هذا الخبر هو أنه حذر من ترك الصوم اختيارا، وأخبر عن شدة خوفه عنه على من يفعله.
وهذا أقوى دليل في المنع منه؛ لأنه لو كان مخيرا بين إتمامه وقطعه لم يكن يحذر منه كما لا يحذر من ترك سائر المباحات أو المندوبات، وإنما يشتد الخوف بترك الواجبات.
[ ١ / ١٩١ ]
وإذا صح هذا ثبت ما قلناه.
ومن جهة القياس؛ لأنها عبادة مقصودة لنفسها فوجب إذا دخل في فعلها أن يلزمه إتمامها؛ اعتبارا بالحج والعمرة.
فإن قيل: المعنى في ذلك أن نفعله كفرضه في تعلق الكفارة به؛ فلذلك ساواه في لزومه بالدخول فيه. وليس كذلك الصوم؛ لأن نفله ليس كفرضه في تعلق الكفارة به فلم يلزمه إتمام نفله.
فعن هذا أجوبة:
أحدها: أن وجوب الكفارة بإفساد العبادة لا يؤثر في لزوم إتمامها كما لا يؤثر في ابتداء إيجابها؛ ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال: إن الحجة الثانية لما ساوت الأولى في وجوب الكفارة بإفسادهما وجب لذلك أن تكون واجبة ابتداء؛ فكذلك لا يجب إذا ساوتها في ذلك أن [ق/ ٤١ أ] يكون إتمامها واجبا.
والثاني: هو أن الحج إنما استوى نفله وفرضه في تعلق الكفارة به لمعنى يرجع إلى تأخير، وليس كذلك الصوم؛ لأن الكفارة تجب فيه لمعنى يرجع إلى عين زمان له حرمة، لا إلى حال الصوم من وجوب أو غيره.
وعلى أن هذه العلة موجودة في القضاء لأن قضاء الحج مساو لأصله في ذلك. ولا يجب بهذا ألا يكون قضاء الصوم واجبا؛ فكذلك وجوب إتمامه.
واستدل أصحاب الشافعي﵀- بما رواه طلحة بن يحيى عن عمته عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: دخلت على رسول الله ﷺ ذات
[ ١ / ١٩٢ ]
يوم فقربت إليه قعبا فيه حيس خبأناه له، فأكل وقال لها: "أما إني كنت صائما" وروي عن عائشة﵂- أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يدخل على نسائه فيقول: "هل عندكم من طعام؟ " فإذا قلنا: لا قال: "إني صائم". والظاهر في حال من يطلب الطعام أنه إنما يطلبه للأكل، ويؤكد ذلك قوله أنه إنما أخبر بأنه ليس عندهم طعام "إني صائم"؛ فمفهوم هذا أنه لو وجد لأكل.
وروي أن رسول الله ﷺ قال: "الصائم المتطوع أمير نفسه؛ إن شاء صام وإن شاء أفطر"، وهذا نص في موضع النزاع.
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الصائم بالخيار فيما بينه وبين نصف النهار".
وروى أبو الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا دعي أحدكم إلى الطعام وهو صائم فليجب؛ فإن شاء طعم وإن شاء ترك"، وهذا ينفي وجوب الإتمام، ولأنها عبادة يخرج بالفساد منها؛ فوجب ألا يلزم بالدخول فيها.
[ ١ / ١٩٣ ]
أصله: إذا اعتقد أن عليه صلاة وصوما فدخل فيه، ثم بان أنه ليس عليه.
فالجواب عن ذلك أن حديث طلحة بن يحيى غير صحيح عند أهل النقل؛ قال موسى بن هارون: هذا حديث منكر، وطلحة بن يحيى هذا يروي أحاديث منكرة؛ فمنها أن النبي ﷺ دعي إلى جنازة طفل من الأنصار، قالت عائشة: فقلت: عصفور من عصافير الجنة. فقال: "وما علمك؟ إن الله خلق للجنة أهلا وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا وهم في أصلاب آبائهم"، فأدخل الشك في أطفال المسلمين هل هم في الجنة أم في النار.
لا خلاف بين المسلمين في أن أطفالهم في الجنة.
مع أن النص ورد بذلك في قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾.
وإنما اختلف في أطفال المشركين، فأما أطفال المسلمين فلا خوف أنهم في الجنة؛ فكانت روايته لهذا الحديث من أقوى ما ضعف به عند أهل النقل.
وعلى أنا لو سلمنا صحته لم يكن فيه دلالة على موضع الخلاف؛ لأنه
[ ١ / ١٩٤ ]
يجوز أن يكون تعذر إباحة الإفطار، أو أفطر ناسيا، أو ظن أن عليه صوما ولم يكن عليه. وحمل الخبر على هذا أيضا أولى؛ لأنه يزول معه حمل فعله على الوجه المكروه؛ لأنه لا خلاف أن قطع الصوم اختيارا مع القدرة على إتمامه مكروه، وأن إتمامه إما واجب- على ما نقوله- أو مندوب- على ما يقوله من خالفنا. فأما أن يكون فعله كتركه فليس بقول لأحد.
وما رووه من أنه ﷺ كان يدخل على نسائه فيطلب الطعام، فإذا قيل له: لا فقال: "إني صائم" فلا حجة فيها؛ لأن طلب الطعام ينقسم إلى وجوه: منها الأكل، ومنها طلب العلم بحصوله أو عدمه لتسكن نفسه إلى ذلك. فليس لهم حمله على أحد الأمرين إلا ولنا حمله على الآخر.
فإن قالوا: الظاهر من أمر من يطلب الطعام أنه إنما يطلبه للأكل.
قلنا: ليس هذا ظاهر الطلب؛ لأن ما ذكرناه أيضا في الاحتمال والإمكان مثله من غير ترجيح، ولا مزية لأحدهما على الآخر.
على أنا لو سلمنا هذا لكان في الحديث ما يمنع حمله عليه؛ وهو قوله لما أخبر بأن ليس طعام: "إني صائم" أو "إني كنت صائما" على أنه لم يطلبه للأكل؛ لأن الصائم إنما يطلب الطعام لغرض غير الأكل. وهذا أولى مما ذكروه.
وما رووه من قوله ﷺ: "الصائم المتطوع أمير نفسه؛ إن شاء صام وإن شاء أفطر" فاستذلالهم به لا يتم إلا بحمله على ضرب من المجاز.
فنحن أيضا نقابلهم بمثله؛ وذلك أن حقيقة اسم الصائم لمن هو في الحال صائم.
وحقيقة قوله (إن شاء صام) لمن هو في الحال مفطر أنه لا يقال لمن هو
[ ١ / ١٩٥ ]
صائم: إن شئت تصوم صمت كما لا يقال للقائم: إن شئت أن تقوم قمت؛ لأن هذا يفيد أمرا مستقبلا.
وإذا صح هذا فمخالفنا يحمل قوله "الصائم المتطوع" على حقيقته؛ وهو الداخل في الصوم، ويحمل قوله: "إن شاء صام" على المجاز؛ بمعنى: إن شاء تمم صومه.
ونحن نحمل قوله: "الصائم" على العازم على الصوم والناوي له ولم يدخل فيه، ونحمل قوله: "إن شاء صام" على الحقيقة؛ فقد تساوينا في الخبر.
فإن قيل: نحن إذا حملنا الخبر على ما قلناه فقد حملناه على مجاز واحد، وأنتم تحملونه على مجازين:
أحدهما: أنكم تحملون قوله: "الصائم" على العازم على الصيام، وهذا مجاز.
وتحملون قوله: "إن شاء أفطر" على المجاز أيضا بالطريقة التي أريتمونا أنا حملنا قوله: "إن شاء صام" على المجاز؛ وهو أنه أمر له بأن يفعل ما هو في الحال فاعل له.
فالجواب: أن هذا غير صحيح؛ لأن قوله: "وإن شاء أفطر" معناه: في المستقبل؛ وهو الزمان الذي إن شاء أن يصومه صامه، وليس بتخيير له أن يفطر في حال هو فيها مفطر، ولا يضر أن [ق/ ٤٢] يكون في الحال على أحد الحالين؛ لأن الخطاب غير متوجه إلى هذه الحال؛ ألا ترى أنه يقبح أن يقول للقائم: إن شئت في هذه الحال أن تقوم إلا مجازا، ويحسن أن تقول: إن شئت من غد إن تقوم وإن شئت تقعد، ويكون حقيقة؛ لأن مستقبل.
وإذا صح هذا سقط ما قالوه.
[ ١ / ١٩٦ ]
وما رووه من قوله: "الصائم المتطوع بالخيار ما بينه وبين نصف النهار" فالخبر أيضا متردد بيننا وبينهم؛ لأنه قد خيره في بعضه ومنعه التخيير في باقيه؛ فلم يكن لهم التعلق بالتخيير، ألا ولنا التعلق يضره
وما رووه من قوله: "إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليجب؛ فإن شاء طعم وإن شاء ترك" عنه جوابان:
أحدهما: إنه ليس فيه أن الصائم مخير بين إتمام الصوم وقطعه، وإنما فيه أن له أن يفطر إذا دعي.
ولو صار صائر إلى أن هذه الحال عذر يبيحه الفطر وأنها كالسفر لم يبق لهم من الخبر شيء.
والجواب الآخر: إنه معارض بما رواه جابر أيضا أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليقل: إني صائم"؛ فقصره على هذا القول، وهذا ينفي التخيير بما روي أنه ﷺ قال: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب؛ فإن كان مفطرا فليأكل، وإن كان صائما فليصل"؛ ففرق بين حكم المفطر والصائم؛ فبطل بذلك ما قالوه.
وقولهم: (يخرج بالفساد منها) غير صحيح؛ لأن الصوم يمضي في فاسده عندنا، وأما إذا دخل في الصوم على أنه عليه ثم بان له أن ليس عليه فالمعنى فيه أنه لم يلزم نفسه شيئا؛ لأنه إنما دخل بشرط أن عليه شيئا، فلما بان له أنه لا شيء عليه كان على الأصل. والله أعلم.
[ ١ / ١٩٧ ]
فصل
وأما الدلالة على وجوب القضاء إذا أفطر عامدا من غير عذر في صيام التطوع فما رواه ابن وهب قال: حدثني جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد عن عمرة بني عبد الرحمن عن عائشة﵂- قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين، وأهديت لنا هدية فأكلنا، فدخل علينا النبي ﷺ فذكرت حفصة ذلك له فقال: "صوموا يوما مكانه".
ورواه عبد الله بن عمر عن الزهري عن عروة عن عائشة وحفصة أنها قالت: أصبحنا صائمتين، وأهدي إلينا طعام فأكلنا فسألنا رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "اقضيا يوما مكانه".
ورواه مالك في "الموطأ" عن ابن شهاب أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين متطوعتين مرسلا، وذكر الحديث.
ورواه عبد الله بن عبد الحكم قال: حدثنا عاطف بن خالد عن زيد بن أسلم عن عائشة وحفصة أنهما أصبحتا صائمتين متطوعتين وذكر الحديث بعينه، وقال فيه: إن رسول الله ﷺ قال: "اقضيا يوما مكانه، ولا تعودا".
وهذا يؤكد الأمر بوجوب القضاء، وفيه دلالة على سقوط التخيير
[ ١ / ١٩٨ ]
ووجوب الإتمام؛ لأنه نهاهما عن العود لمثل ما فعلاه.
فإن قيل: فقد روي في هذا الحديث زيادة؛ وهو قوله: "إن شئتما"؛ وهذا يفيد تخييرهما في القضاء.
قيل له: هذه الزيادة لا تعرف في حديث صحيح. على أنها معارضة بقوله: "ولا تعودا"، وهذا ينفي التخيير. وإذا تعارضا سقطا، ورجعنا إلى مجرد الأمر.
على أنه قد روي: (فأمرهما أن يقضيا يوما مكانه).
ولأنهما عبادة في نفسها؛ فجاز أن يجب القضاء على مفسد نفلها؛ اعتبارا بالحج والعمرة.
واستدل من خالفنا بما رواه جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زيادة عن عبد الله بن الحارث عن أم هانئ قالت: لما كان يوم الفتح- فتح مكة- جاءت فاطمة فجلست عن يسار رسول الله ﷺ وأم هانئ عن يمينه. قال: فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب فناولته فشرب منه ثم ناوله أم هانئ فشربت منه. فقالت: يا رسول الله لقد أفطرت وكنت صائمة. فقال لها: "أكنت تقضين شيئا؟ " قال: لا. قال: "فلا يضرك إن كان تطوعا".
ولأنها عبادة يخرج بالفساد منها؛ فلم يلزم قضاء تطوعها؛ اعتبارا
[ ١ / ١٩٩ ]
بالوضوء والاعتكاف.
ولأنه مفطر في صيام تطوع فأشبه الناس.
والجواب: إن حديث أم هانئ لا دلالة فيه من وجهين:
أحدهما: إنه ليس في الخبر أنها أفطرت ذاكرة الصوم، إنما فيه أنها شربت ثم قالت: لقد كنت صائمة، ويحتمل أن تكون أفطرت ناسية، بل هذا هو الظاهر، ونحن لا نوجب القضاء على المفطر ناسيا في التطوع.
والجواب الآخر: إنه يحتمل أن تكون أفطرت وهي ذاكرة غير مختارة لإفساد الصوم، ولكن اعتقدت أن أمر النبي ﷺ على الوجوب وأن رده وإيثار الشرب على شرب ما قد أمرها بشربه ودفعه إليها معصية. وهذا عذر يجوز أن يذهب إليه.
وإنما خلافنا فيمن آثر قطع الصوم لغير عذر؛ فسقط التعلق بالخبر.
والمعنى في الوضوء أنه غير مقصود لنفسه، وليس كذلك الصوم.
وأما الاعتكاف فيلزم القضاء فيه عندنا.
واعتبارهم بالناس باطل؛ لأنه مفطر بعذر، وليس كذلك العامد. والله أعلم.
فصل
وأما الدلالة على أنه إذا أفطر بعذر فلا قضاء عليه فما رويناه من قوله ﷺ: إن كان تطوعا فلا قضاء عليك.
[ ١ / ٢٠٠ ]
وقد اتفقنا على أن هذا لا يجوز أن يكون مع عدم العذر؛ فثبت أن المراد [ق/٤٣] به مع العذر ولأنه لابد أن يكون للفرض مزية على النفل في الإيجاب، ولو قلنا: إن المتطوع يلزمه القضاء بنفس الإفطار من عذر وغير عذر لألحقنا بالواجب، ولم يكن بينهما فرق.
فصل
فأما العذر الذي يسقط معه القضاء فهو النسيان والمرض وشدة الحر والجوع والعطش الذي يخاف من مثله المرض أو التلف.
وأما السفر: ففيه روايتان:
إحداهما: إنه عذر يسقط مع القضاء.
وهي رواية ابن عبد الحكم.
والأخرى: إنه ليس بعذر يبيح الفطر، وإنه متى أفطر فيه لزمه القضاء.
وهي رواية ابن القاسم.
وكذلك إن أنشأ صوم التطوع في السفر ثم أفطر فيه من غير عذر ففيه روايتان؛ على ما ذكرناه.
فإذا قلنا: أنه عذر يسقط معه القضاء فوجهه أن نقول: لأن كل معنى جاز فيه الإفطار في رمضان سقط به القضاء في التطوع.
أصله المرض.
أو نقول: لأنه معنى تسقط به الكفارة الكبرى عن القاصد للأكل فيه
[ ١ / ٢٠١ ]
في رمضان؛ فوجب أن يسقط به القضاء عن المتطوع.
أصله النسيان.
وأيضا فلأن للفرض مزية على التطوع؛ فكل موضع وجبت الكفارة فيه بالفرض سقطت في التطوع ووجب القضاء فقط؛ فيجب أن يكون الموضع الذي يوجب القضاء في الفرض ويسقط الكفارة مسقط للقضاء في التطوع.
وإذا قلنا: إنه ليس بعذر يسقط القضاء قلنا: لأنه أفطر مختارا مع إمكان إتمام الصيام؛ فأشبه الحاضر.
والقول الأول أولى.
فصل
قال ﵀: "ولا بأس للسواك للصائم في جميع نهاره".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀- لا خلاف في إباحة ذلك في أول النهار، وإنما الخلاف في آخره؛ فعندنا وعند أبي حنيفة أنه مباح في أول النهار وآخره، وعند الشافعي أنه مكروه في آخر النهار.
والدلالة على صحة قولنا: ما رواه الشعبي عن مسروق عن عائشة﵂- أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: "خير خصال الصائم السواك".
[ ١ / ٢٠٢ ]
وهذا يفيد أنه مندوب إليه ما كان صائما.
وروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". ولم يخص صائما من مفطر. وروى نافع عن ابن عمر أنه كان يستاك لكل صلاة وهو صائم.
ولأن كل معنى لم يكره أول النهار لم يكره آخره.
أصله: المضمضة.
ولأن أوقات الصوم متساوية فيما هو من شرط الصحة؛ فوجب أن يتساويا في شرط الندب.
واستدل من خالفنا بقوله ﷺ: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" والسواك يذهب بالخلوف؛ فوجب أن يكره.
ولأنها رائحة مكتسبة عن عبادة فالاختيار أن لا تزال؛ كالشعث للحاج حال حجه.
فالجواب عن الخبر أن الخلوف ليس يذهبه السواك؛ لأنه حادث عن الجوع؛ قيل: إنه بخار يصعد من المعدة.
والسواك ليس له عمل إلا في تنقية الفم فقط؛ فلم يكن في الخبر دلالة على موضع الخلاف، وعلى أن معنى الخبر حصول الثواب عليه، والسواك لا يسقط ذلك.
والمعنى فيما ذكروه كراهيته في أول الحج، وليس كذلك السواك في
[ ١ / ٢٠٣ ]
الصوم؛ لأنه غير مكروه في أول النهار؛ فكذلك في آخره. والله أعلم.
فصل
فأما الرطب من المساويك فإنه يكره استعماله، لا لمعنى يرجع إلى السواك لكن لأنه قد يتطعمه فيؤدي ذلك إلى إفطاره؛ فكره ذلك لما ذكرناه.
فإن سلم فلا شيء عليه.
[ ١ / ٢٠٤ ]
مسألة
قال ﵀: "ولا تكره له الحجامة إلا خيفة التغرير".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن هلي ﵀:
هذا قول جميع أصحابنا، وهو مروى عن المشيخة السبعة، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وسائر الفقهاء.
وقال أحمد بن حنبل: الحجامة تفطر الصائم، وعليه إعادة يوم مكانه، ولا كفارة عليه.
وحكي عن عطاء أنه كان يقول: عليه الكفارة.
والدلالة على صحة قولنا: ما رواه أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ احتجم وهو صائم.
وروى شعبة بن يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس أنه احتجم وهو صائم محرما.
وروى حميد عن أبي المتوكل عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ رخص
[ ١ / ٢٠٥ ]
في الحجامة والقبلة للصائم.
وروى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال:
"ثلاثة لا يفطرن الصائم: الحجامة، والقيء، والاحتلام".
[ ١ / ٢٠٦ ]
وروى أبو داود قال: حدثنا محمد بن كثير قال: حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم عن رجل من أصحابه عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يفطر من قاء، ولا من احتلم، ولا من احتجم".
ولأن الحجامة في معنى الجراح، فإذا كانت الجراحة لا تفطر؛ كذلك الحجامة.
واحتج من خالفنا بما رواه أبو أسماء الرحبي عن ثوبان أنه سمع النبي ﷺ يقول "أفطر الحاجم والمحجوم".
وروى أبو قلابة عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس أن رسول الله ﷺ أتى رجلا بالبقيع وهو يحتجم، وهو آخذ بيدي لثمان عشرة ختلن من رمضان فقال: [ق/ ٤٤] أفطر الحاجم والمحجوم".
ولأنه دم يخرج من البدن معتادا؛ فجاز أن يفطر.
أصله: الحيض.
[ ١ / ٢٠٧ ]
ولأن الفطر يقع بالخارج من البدن كما يقع بالداخل فيه أصله ما ذكرناه.
والجواب: عن الخبر من وجهين:
أحدهما: أنه مجاز، وعلى تأويل أن أمرهما يؤول إلى الفطر؛ فسماهما بما يؤول إليه أمرهما.
وهذا وجه من المجاز، وقد ورد به الاستعمال؛ قال الله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمرا﴾ أي: ما سيصير خمرا.
وقد أجاب بعض أصحابنا عنه بأن قال: إنه قد ذكر أن النبي ﷺ مر بهما وهما يغتابان رجلا فقال: "أفطر الحاجم والمحجوم"، وهذا لا معنى له؛ لأن هذا نقل حال،؛ كما روي أنه مر بهما في اليوم الثامن عشر من رمضان أن هذا نقل حال، لا أن لهذا اليوم اختصاصا بذلك.
والجواب الآخر: إنه منسوخ بما ذكرناه، وما سنذكر؛ فروى عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا خالد بن مخلد عن عبد الله بن المثنى عن ثابت عن أنس قال: أول ما كرهت الحجامة أن رسول الله ﷺ مر على جعفر بن أبي طالب ﵁ وهو يحتجم بالبقيع لثمان عشرة خلت من رمضان فقال رسول الله ﷺ: "أفطر هذان"، ثم رخص النبي ﷺ بعد ذلك في الحجامة للصائم
[ ١ / ٢٠٨ ]
وروي عن أنس أن النبي ﷺ احتجم في رمضان بعد ما قال: "أفطر الحاجم والمحجوم".
واعتبارهم بدم الحيض ينقض بالفساد والرعاف، ثم المعنى في دم الحيض أنه دم يوجب الغسل؛ فلذلك جاز أن يفطر، وليس كذلك الحجامة؛ لأن خروج الدم فيها لا يوجب الغسل؛ فلم يقع به الفطر.
وقولهم إن الفطر قد يقع بالخارج من البدن فنحن لم ننكر هذا، ولكن ليس كل خارج من البدن يفطر.
فصل
فأما وجه كراهيتها؛ فلما ذكر من التغرير بالصيام وذلك أن الغالب من حال من يحتجم أنه يلحقه ضعف يمنعه الصوم إلا على شدة؛ فكرهت لذلك.
وقد روي هذا المعنى عن الصحابة؛ فروى سعيد بن المسيب عن علي ﵁ أنه قال: إنما كرهت الحجامة للصائم مخافة الضعف.
وروي مثله عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك.
وروى عبد الرحمن بن عياش عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أصحاب محمد ﷺ أنهم قالوا: إنما نهى رسول الله ﷺ عن الحجامة للصائم إبقاء على أصحابه.
وقد روي أيضا عن جماعة من التابعين.
[ ١ / ٢٠٩ ]
مسألة:
قال ﵀: "ومن ذرعه القيء في رمضان فلا قضاء عليه، وإن استقاء فعليه القضاء".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: هذا لما رواه ابن وهب عن الحارث بن شهاب، وعن عطاء بن عجلان عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري جميعا قال: قال رسول الله ﷺ:
"إذ ذرع الرجل القيء وهو صائم فليتم صومه، ولا قضاء عليه، وإن استقاء فإنه يعيد صيامه".
وروى عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من ذرعه القيء فليس عليه القضاء، ومن استقاء فعليه القضاء".
ولا خلاف أن من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، وإنما الخلاف في المستقيء عامدا بين أصحابنا؛ منهم من يقول: إن القضاء واجب، ومنهم من يقول استحباب.
وكان ابن بكير يذهب إلى أنه استحباب.
وأبو يعقوب الرازي وأبو بكر بن الجهم يذهبان إلى أنه واجب.
فأما وجوب الكفارة بالاستقاء فمبني على حصول الفطر به؛ فإن قلنا:
[ ١ / ٢١٠ ]
إنه يفطر به.
قلنا: إن الكفارة واجبة في عمده.
وإن قلنا: إنه لا يفطر لم توجب الكفارة.
وذكر أبو محمد بن أبي زيد ﵀ في كتابه الكبير عن أشهب أنه إذا استقاء في تطوع أفطر إن شاء وقضاه، وإن تمادى فيه فعليه القضاء أيضا.
وهذا يدل على أنه يفطر عنده. وهذا يؤيد قول من ذهب إلى أن القضاء استحباب.
فوجه القول بموجب ذلك: ما رويناه من قوله ﷺ: "ومن استقاء فعليه القضاء".
وروى أبو بكر بن عياش عن عبد الله بن سعيد عن جده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا استقاء الصائم أعاد".
ولأنه إذا استقاء جاز أن يرجع إلى حلقه شيء مما خرج منه باستدعائه؛ فكان كالمعتمد لإيصال شيء إلى حلقه؛ فلزمه القضاء بذلك.
ووجه قوله إن ذلك غير واجب: فلأن مدخل الطعام والشراب إنما يجب الفطر بما دخل منهما، لا بما خرج عنهما؛ اعتبارا بالجشاء.
ولأن القيء لا يفطر.
أصله: إذا ذرع صاحبه.
ولأنه خارج من البدن لا غسل فيه؛ فلم يتعلق به حكم الإفطار.
[ ١ / ٢١١ ]
أصله: الدموع، والفصاد، وغير ذلك.
فأما الخبر: فمحمول على الندب.
والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: "وإذا خافت الحامل على ما في بطنها أفطرت، ولم تطعم.
وقد قيل: تطعم.
وللمرضع وإن خافت على ولدها، ولم تجد من تستأجر له، [و] يقبل غيرها فلها أن تفطر وتطعم.
و[يستحب] للشيخ الكبير إذا أفطر أن يطعم.
والإطعام في هذا كله مد عن كل يوم يقتضيه.
وكذلك يطعم من فرط في قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀:
أما الحامل: فلها الإفطار، ولا خلاف في ذلك [ق/٤٥] والأصل فيه أنها مريضة، فجاز لها الإفطار؛ لقوله تعالى: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾.
معناه: فأفطر فعدة؛ كما قال: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه
[ ١ / ٢١٢ ]
ففدية﴾؛ معناه: فخلف ففدية.
فالضمير في هذين الموضعين مشترط.
فالإجماع إلا على ما ذهب إليه بعض من لا يعتد بقوله، ولا يلتفت إلى قوله أنه إذا كان مريضا لا يصح صومه.
فصل
وأما سقوط الإطعام عنها، سواء أفطرت من أجل الخوف على نفسها أو على حملها. فهذا قولنا وقول أهل العراق وغيرهم.
وقال عبد الملك بن الماجشون، والشافعي: إن أفطرت خوفا على نفسها فلا كفارة عليها، وإن أفطرت خوفا على ولدها فعليها الإطعام.
وللشافعي قولا آخر مثل قولنا.
والدلالة على صحة قولنا: ما رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا وهيب بن خالد قال: حدثنا عبد الله ابن سوادة القشيري عن أنس بن مالك عن رجل منهم أنه أتى إلى رسول الله ﷺ وهو يتغد فقال: "هلم إلى الغداء" فقال: يا نبي الله إني صائم. فقال له النبي ﷺ: "إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن المريض، والحبلى، والمرضع".
ورواه القاضي إسماعيل حدثنا سليمان بن حرب حدثنا أبو هلال حدثنا
[ ١ / ٢١٣ ]
عبد الله بن سوادة عن أنس بن مالك عن رجل من بني عبد الله بن كعب عن النبي ﷺ فذكر مثله.
ووجه الاستدلال من هذا هو أنه أخبر بأن الصوم موضوع عن الحامل؛ فاقتضى ذلك سقوطه مع جميع توابعه، والأحكام الواجبة لأجله.
فإن قيل: المراد بذلك وضع الانحتام لا إسقاط أصل العادة، ورفع الانحتام لا يوجب سقوط الفدية؛ ألا ترى أن الصوم في صدر الإسلام لما لم يتحتم وكانت الفدية مع ذلك واجبة؟
وقيل له: ظاهر سقوط الانحتام يقتضي سقوط جميع توابعه وما يتعلق به، إلا أن يقوم دليل، وما ذكروه فبدليل قام عليه.
ويدل على ذلك أيضا أنها مفطرة بعذر؛ فلم يلزمها الإطعام اعتبارا بالمريض والمسافر.
ولا يلزم على هذا الموضع؛ لأنا على هذه العلة لا نوجب عليها شيئا سوى القضاء.
ولا معنى لتعليلهم الأصل بأن المريض والمسافر أفطرا من أجل نفسهما وليس كذلك الحامل؛ لأنها أفطرت من أجل غيرها؛ لأن هذا فرق بين الموضعين مع وجود العلة؛ وهي حصول الإفطار مع العذر؛ فلا اعتبار به.
وعلى أن ذلك الغير الذي من أجله أفطرت متصل بها وهو الحمل فما يلحقه من الضرر بصومها يتعدى إليها لا محالة ما دام متصلا بها؛ فعاد الأمر إلى أنها تفطر من أجل نفسها.
ويدل على ما قلناه أيضا أن إيجاب الكفارة بالفطر يتعلق بهتك حرمة
[ ١ / ٢١٤ ]
الصوم؛ اعتبارا بالمجامع والمريض طردا وعكسا؛ ألا ترى أن المجامع عمدا تجب عليه الكفارة لهتكه حرمة الصوم بالفطر، وأن المريض والمسافر بإفطارهما؟
وإذا صح هذا وكانت الحامل غير هاتكة لحرمة الصوم بالإفطار لم تلزمها كفارة.
سؤالهم وجوابه:
استدلوا بقوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾.
قالوا: وتقديره: على الذين يطيقون الصوم فأفطروا فدية؛ فأوجب الفدية على من أفطر وهو مطيق الصوم، والحامل والمرضع داخلان في هذا العموم؛ لأنهما أفطرتا وهما مطيقتان للصوم.
فالجواب: إن أقل ما في هذا أنه لا يتناول موضع الخلاف؛ لأن جمع المذكر لا يدخل فيه المؤنث إلا بدليل، وقوله: ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ جمع المذكر لا محالة.
فإن قالوا: أليس إذا اجتمع التأني والتذكير غلب التذكير؟
قلنا: بلى: ولكن هذا إذا غلمنا اجتماعهما في الخطاب.
والجواب الآخر: هو أن الصحابة ذكرت أن هذه الآية منسوخة؛ لأنها وردت في صدر الإسلام بالتخيير بين أن يصوم الإنسان أو يفطر ويفدى، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ ويؤكد هذا
[ ١ / ٢١٥ ]
قوله في آخر الآية: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ وهذا عائد إلى تارك الصوم مختارا.
سؤال آخر وجوابه:
قالوا: عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا: للحامل والمرضع إذا أفطرتا فعليهما الفدية عن كل يوم مد، ولا مخالف لهما.
فالجواب: أن المحفوظ عنهما وجوب الإطعام وسقوط القضاء. وهم لا يقولون ذلك.
وإلى أن يثبت أنه لا مخالف لهما فقد روى ما قلناه عن الحسن إبراهيم النخعي وعطاء والضحاك.
وقد ذكر أن التابعي إذا عاصر الصحابة كان له الاجتهاد معهم.
وروى أيضا عن الزهوي وربيعة.
ذكر ذلك ابن المنذر في كتاب "الخلاف".
وإذا كان كذلك بطل ما ادعوه من الإجماع.
سؤال الآخر وجوابه:
قالوا: لأنها مقيمة صحيحة أفطرت لعذر معتاد؛ فوجب أن يكون عليها الفدية.
أصله: الشيخ والعجوز المقيمان.
فالجواب: أن هذا غير مسلم؛ لأنه لا إطعام عندنا على ما ذكروه واجبا، وإنما يستحب لهما ذلك من غير إيجاب.
[ ١ / ٢١٦ ]
وليس على أصولنا معذور بالفطر يلزمه [ق/٤٦ أ] إطعام إلا إحدى الروايتين في المرضع، والقياس عليها.
وجواب آخر: وهو أن هذا الاعتلال ينتقض بالحائض؛ لأنه لا إطعام عليها مع وجود جميع هذه الأوصاف فيها.
فإن قيل: إن الحائض دخل عليها ما حصلت معه مفطرة؛ فلا يقال: إنها أفطرت، وإنما عللنا لمن أفطر بفعله لا بأمر دخل عليه.
قلنا: حقيقة الفطر هو من حصل معه الإفطار، سواء كان ذلك بفعله أو بأمر داخل عليه؛ ألا ترى أن النبيى ﷺ سمى الصائم إذا دخل عليه الليل مفطرا، وأخبر بأنه قد أفطر وإن كان لم يفعل شيئا كان به مفطرا؛ فبان بهذا بطلان ما قالوه.
وليس كل ما كان بلفظ فعل كان حقيقته حصول فعل من جهة من أضيف إليه؛ لأن هذا اللفظ مشترك يحتمل هذا وغيره؛ ألا ترى أن نقول: إن المرأة حاضت، وإن لم تكن فعلت ذلك، وكذلك نقول: إن فلانا مات وإن لم يكن ذلك فعله.
سؤال وجواب:
قالوا: ولأنها عبادة يجب في إفسادها القضاء والكفارة العظمى؛ فجاز أن يجب فيها القضاء والكفارة الصغرى.
أصله: الحج.
وهذا لا نسلمه في الحج أعنى أنه يتعلق بإفساده كفارتان؛ على أن طريق الحج مخالف للصوم؛ لأن الكفارة تتعلق بإفساده مع العذر وغيره،
[ ١ / ٢١٧ ]
وليس كذلك الصوم.
وأيضا فإنا نقول بموجب هذه العلة على أحد وجهى أصحابنا في المرضع.
فصل
فأما المرضع: فإن كان ولدها يقبل من غيرها، وأمكن استئجار من ترضعه فلا يجوز لها الإفطار؛ لأنه لا عذر لها في ذلك.
وإن كان لا يقبل من غيرها، أو كان يقبل ولم تتمكن من استئجار من ترضعه فلها أن تفطر إذا خافت عليه إن صامت.
ولا خلاف.
ثم هل عليها الإطعام أم لا؟
فيه روايتان:
إحداهما: وجوب الإطعام:
والثانية: سقوطه.
فوجه وجوبه- وهو قول الشافعي ما ذكرناه في الحامل.
وأيضا فلأنها مفطرة من أجل غيرها منفصلا عنها؛ فكان عذرها أضعف من عذر من ذكرنا من المريض والمسافر.
وإذا قلنا: لا إطعام عليها فوجهه أنها مفطرة بعذر؛ فأشبهت المريض والمسافر. وهذا القول أقيس.
وكون ما تفطر من أجله منفصلا عنها أو متصلا بها لا يؤثر في موضع الخلاف؛ ألا ترى أنه لا يخرجها عن كونها معذورة؟
[ ١ / ٢١٨ ]
وإذا صح هذا فالإطعام هو مد عن كل يوم، وإنما قلنا ذلك لما روى عن ابن عباس وغيره.
ولأنها لما لم تلزمها الكفارة العليا لزمتها الكفارة الأدنى، ولا كفارة إلا ما ذكرناه.
فصل
فأما الشيخ الهرم الذي لا يستطيع الصوم فإنه لا يجب عليه الصوم، لا خلاف في ذلك.
وأما الإطعام: فهو مستحب عندنا له غير واجب عليه.
وقال الشافعي: يجب عليه الإطعام.
والدلالة على صحة قولنا: أنه ممن له يتوجه عليه فرض؛ فلم يلزمه إطعام.
دليله: الصبي.
ولأنه أفطر بعذر؛ فوجب ألا يلزمه إطعام.
أصله: المريض.
وعلى هذا الاعتلال نسوى بينه وبين المرضع.
وإن فرقنا بينهما على الرواية الأخرى قلنا: لأنه مفطر بعذر موجود به؛ فأشبه المريض والمسافر، ولا يلزم عليه المرضع؛ لأن إفطارها من أجل غيرها وهو الولد، ولأنه مفطر لا يلزمه القضاء فلم تلزمه الكفارة.
أصله: الطفل.
[ ١ / ٢١٩ ]
واستدل من خالفنا بقوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية﴾.
قال: قرأ ابن عباس "يطوقونه" وقال: معناه: يكلفون الصيام فلا يقدرون، وهو الشيخ الهرم.
والقراءة إذا انفرد بها الواحد كانت كالخبر الواحد في.
أنها حجة؛ لأنها لا تخلو أن تكون توفيقا أو []: إن هذه القراءة غير ثابتة في المصحف المجمع عليه؛ فلا نقبلها.
وما قالوه من أنها بمنزلة خبر الواحد غلط؛ لأن إثبات حكم القراءة على وجه يخالف ما في المصحف المجتمع عليه لا يقبل فيه خبر واحد.
على أن هذا التأويل غير صحيح؛ لقوله في آخر الآية ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾؛ فعلم أنه خاطب بذلك من يطيق الصوم، وتركه اختيارا على ما ذكر من أنه كان في أول الإسلام من شاء أن يصوم صام، ومن شاء أن يفطر ويطعم فعل.
وأيضا فلا يخلو أن يكون معنى له: ﴿يطيقونه﴾ أي: يكلفونه؛ فهذا يوجب أن الشيخ مكلف الصيام وهذا خرق الإجماع، أو أنه في حكم المطيق في لزوم الإطعام فهذا لا يوصف أنه مطوق للصوم؛ فبطل التعلق بهذا.
[ ١ / ٢٢٠ ]
سؤال:
قالوا: ولأنه إجماع الصحابة؛ لأنه روى عن عمر وعلي وابن عمر وابن عباس ﵃ أنهم كانوا يقولون: الشيخ الهرم إذا أفطر عليه القضاء والإطعام، ولا مخالف له.
فالجواب: إنه إن ثبت هذا عنهم حملناه على الاستحباب بالدلائل التي ذكرناه، وما ذكرناه قول مكحول وربيعة وغيرهما.
سؤال:
قالوا: لأنه صوم واجب فجاز أن يسقط إلى بدل هو إطعام.
أصله: الصوم في كفارة الجماع.
فيقال لهم: ما الذي عنيتم بقولكم أنه صوم واجب؟ أعنيتم ما تنازعناه، أو أعنيتم غيره؟ فإن قالوا: ما تنازعناه وهو الشيخ الهرم أحالوا وخرقوا الإجماع، وإن قالوا غيره خرج الاستدلال من أيديهم؛ لأن الواجب على غيره لا يسقط عن ذلك الغير ببدل على هذا.
وأيضا فإن الصوم في الكفارة مخاطب به من خوطب ببدله، وليس كذلك مسألتنا. والله أعلم.
فصل
فأما من فرط في قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان فإنه يصوم، ويطعم عن كل [ق/٤٧] يوم؛ فشرط فيه مسكينا مدا مدا من طعام. هذا قولنا، وقول الشافعي.
وذكره ابن المنذر عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء، والقاسم بن محمد، والزهري، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق رضي الله
[ ١ / ٢٢١ ]
عنهم أجمعين.
وقال أبو حنيفة ﵀: لا كفارة عليه.
والدلالة على ما قلناه: ما رواه مالك عن يحيى بن سعيد بن أبي سلمة عن عائشة قالت:
إن كان ليكون على صيام من رمضان فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان.
فأبانت بذلك أن وقت القضاء ما بين الرمضانين.
وإذا صح هذا كان إذا أخره عن هذا الوقت مفرطا؛ فقد أخره عن وقته المجعول له؛ فأشبه من أخر الصوم عن رمضان نفسه، فلزمته الكفارة.
ولا يلزم على هذا أن يستويا في تقدير الكفارة من حيث استويا في أصل الوجوب؛ لاختلاف حرمة الوقتين، وكون زمان رمضان مستحق العين، متأكد الحرقه، بخلاف سائر السنة.
واعترض عليه بأن قيل: إن هذا من قول عائشة، وليس بمروى عن النبي ﷺ، وقولها على انفرادها لا يحتج به.
فالجواب: أن الموضع الذي يروى عنها لا يختلف فيه، وهو انحتام القضاء في طول السنة، والمنع من تأخيره إلى ما بعد من رمضان الثاني.
هذا اتفاق وإن اختلفنا في هل يجب عليه بهذا التأخير شيء أم لا.
وإذا صح هذا بطل ما قالوه.
وقد استدل جماعة ممن وافقنا بقوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية﴾
[ ١ / ٢٢٢ ]
معناه: إذا أفطر. قالوا: فألزمهم الفدية بتأخيره، وعموم هذا يوجب أن تكون عليهم الفدية سواء قضوه أو لم يقضوه، فقامت الدلالة على أنه لا فدية عليهم إذا قضوه، وبقى ما عداه على عمومه.
قالوا: وروى الحكم عن مجاهد عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من أفطر رمضان من مرض فصح ولم يصمه حتى أدركه رمضان آخر فليصم ما أدركه ثم ليقض الذي فاته، وليطعم على كل يوم مسكينا "
وهذا نص في موضع الخلاف.
قالوا: وروى شريك عن ابن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال فيمن مات وعليه رمضان لم يقضه: "أطعم عنه في كل يوم نصف صاع من بر".
وهذان الخبران رأيتهما بهذا الإسناد في كتب جماعة من موافقينا، ولم أرهما في شيء من كتب أهل الحديث.
ومن جهة القياس: لأنها عبادة على البدن تفعل مرة في السنة؛ فوجب إذا أخر قضاءها مفرطا حتى عاد وقتها أن يلزمه مع القضاء الكفارة.
أصله: الحج إذا فاته.
واحتج مخالفنا: بقوله تعالى: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾؛ فأوجب بتأخيره القضاء، فلو قلنا: إن عليه الإطعام مع القضاء
[ ١ / ٢٢٣ ]
فكان ذلك زيادة في النص، والزيادة على النص نسخ عند قوم.
فالجواب: أن هذا لا دلالة فيه على موضع الخلاف؛ وذلك أنه ليس فيه أكثر من أن الفطر يوجب القضاء فقط، ونحن كذلك نقول: إنه لا يجب بالفطر إلا القضاء.
فأما الإطعام فليس يجب بالفطر، وإنما يجب بالتأخير.
فإذا كان الأمر على ما وصفنا فلم يزد في حكم النص.
قالوا: وأيضا فقد روى في حديث أم هانئ أن رسول الله ﷺ قال لها: "إن كان من رمضان فاقضه، وإن كان من تطوع فإن شئت فاقضه وإن شئت فلا".
ووجه الاستدلال بهذا أنه أمرها بالقضاء ولم يأمرها بالإطعام مع القضاء.
فالجواب أن يقال: إن هذا أيضا لا تعلق فيه؛ لأنه إشارة إلى ذلك اليوم الذي أفطرت فيه، وليس في الخبر أنه كان آخر يوم من شعبان.
فإذا كان كذلك سقط ما قالوه.
وأيضا فإن أم هانئ ﵂ أفطرت بعذر؛ وهو كراهتها أن ترد أمره ﷺ، ونحن لا نوجب الكفارة على معذور بالفطر، وإنما نوجبها على مؤخر القضاء إذا كان مفرطا لا عذر له.
قالوا: وأيضا فلأنه صوم واجب؛ فوجب ألا يجب بتأخيره عن وقته كفارة.
أصله: إذا نذر أن يصوم يوما ثم أخره عن وقته.
فالجواب: أن هذا لا يصح على أصلهم؛ وذلك أن وقت القضاء ليس
[ ١ / ٢٢٤ ]
بمحدود عندهم؛ فلا معنى لقولهم إذا أخره عن وقته على أن المعنى في ذلك الأصل وهو النذر وهو أنه لا يجب بإفساده الكفارة؛ فجاز أن يجب بتأخير القضاء عنه الكفارة.
قالوا: وأيضا ولأن أصل القضاء الذي هو صوم رمضان نفسه آكد حكما هو الفرع الذي هو القضاء، وقد ثبت أنه لو أخر الصوم نفسه عن وقته لم يلزمه بتأخيره كفارة؛ فكان إذا أخر فرعه الذي هو قضاؤه الذي أضعف حكما منه عن وقته بأن لا يلزمه أولى.
فالجواب: أن صوم رمضان إنما لم يجب فيه ما قالوه؛ لأنه يجب بتأخيره القضاء، فلذلك لم تجب به الكفارة، وليس كذلك الحكم في مسألتنا وهو قضاء رمضان؛ لأنه لا يلزمه بتأخيره قضاء؛ فجاز أن تلزمه كفارة بتأخيره.
وإذا كان كذلك ثبت الفرق بين الموضعين؛ فصح ما قلناه.
والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: "ولا صيام على الصبيان حتى يحتلم الغلام، وتحيض الجارية.
وبالبلوغ لزمتهم أعمال الأبدان فريضة؛ قال الله تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا﴾
قال القاضي أبو [ق/٤٨] محمد عبد الوهاب بن علي ﵀: هذا
[ ١ / ٢٢٥ ]
لأن عبادة الأبدان لا تلزم إلا الرجال والنساء، دون الأطفال، لأن البلوغ شرط في صحة التكليف.
وروى أن النبي ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاث" فذكر الصبي حتى يحتلم.
ولأنها عبادة على البدن؛ فلم تلزم الصبي كالصلاة، ولا تلزم عليه العدة؛ لأنها ليست على البدن، وإنما تجب بمرور الزمان.
فصل
حد البلوغ: عند مالك ﵀ في الذكور الاحتلام أو الإنبات وإن بلغ من السن ما يعلم أن مثله قد بلغ في العادة. وليس في ذلك حد مقدر، غير أن أصحابنا قالوا: سبع عشرة أو ثمان عشرة سنة.
وهذه الأوصاف هي علاماته في النساء، ويزدن على الذكور بالحيض والحمل.
ولا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة والشافعي في شيء من هذه العلامات إلا في موضعين:
أحدهما: الإنبات.
والآخر: حد السن.
فأما الإنبات: فعند أبي حنيفة لا معتبر به في البلوغ، ولا يكون دلالة عليه.
وقال الشافعي: يحكم به في المشركين.
وهل يكون بلوغا فيهما أو دلالة على البلوغ له؟
[ ١ / ٢٢٦ ]
فيه قولان؛ قال أصحابه: فإذا قلنا إنه بلوغ فيهم فهو بلوغ في المسلمين.
وإذا قلنا: هو دلالة على البلوغ فهل يكون دلالة على البلوغ في المسلمين أم لا؟
فيه قولان.
وأما السن: فاعتبر أبو حنيفة في الذكور تسع عشرة، وفي الإناث سبع عشرة.
واعتبر الشافعي خمس عشرة في الذكور والإناث، وذكره بعض متأخري أصحابنا عن ابن وهب.
فأما الكلام في الإنبات فاستدل من لم يعتبره بقوله تعالى: ﴿ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم﴾، وقال تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم﴾؛ فعلق أحكام البلوغ بالاحتلام؛ فدل تعلقه به دون غيره.
وقوله ﷺ: "رفع القلم عن ثلاث"؛ فذكر الصبي حتى يحتلم؛ فجعل علة خروجه عن الصبي الاحتلام؛ فانتفى بذلك ما سواه.
قالوا: ولأن نبات الشعر على العانة مختلف بحسب اختلاف أحوال الصبيان وطباعهم؛ فلم تكف فيه دلالة على البلوغ؛ لأنه قد يسرع ويبطئ كغلظ الصوت ودقتة.
قالوا: ولأن شعر الوجه أدل على البلوغ من شعر العانة؛ فإذا لم يكن
[ ١ / ٢٢٧ ]
دليلا على البلوغ لاختلاف أحوال الصبيان فلما سواه أولى بذلك.
وقالوا: ولأن الشعر نما من البدن على أصل الخلقة؛ فلم يكن دليلا على البلوغ كالسمن وكثرة الشحم.
ودليلنا: ما روى عطية العوضي "عن سعد قال:
حكمني رسول الله ﷺ في بني قريظة.
فكنا نكشف عن مؤتزرهم؛ فمن أنبت منهم قتلناه، ومن لم ينبت جعلناه في الذراري. فقال ﷺ: "ما فعلت؟ " فأخبرته فقال: "حكمت بحكم الله".
وهذا نص؛ لأن القتل من أحكام البلوغ.
فإن قيل: متن الحديث مختلف. قيل: في بعض طرفة: "من أنبت"، وفي بعضها: "ومن اخضر ميزره"، وفي بعضها: "من جرت عليه المواسي".
قيل له: كل ذلك لا يضرنا؛ لأن اخضرار الميزر وجريان المواسي عبارة عن الإنبات؛ فالمعنى واحد وإن اختلف الألفاظ.
فإن قيل: جريان المواسي يقتضى تكرارها.
قيل له: من أين وجب ذلك؟ وقد تقول: جرى الماء في النهر، وجرى الفرس في الميدان؛ فلا يقتضى ذلك التكرار.
فإن قيل: إن اخضرار الميزر وجرى المواسي بعده لا يكون إلا بعد البلوغ، لأن الميزر بين السرة إلى الركبة، ومتى حصل الشعر نابتا فلابد من
[ ١ / ٢٢٨ ]
تقدم البلوغ.
قيل له: هذا سؤال تدفعه العادات؛ لأن الغالب من أمور الناس نبات الشعر على العانة، وهذا الموضع المعهود له، ولا يراعي النادر؛ وهو الأزب من الرجال الذي يشبح بدنه شعرا.
وعلى أن المخالف لا يعتبر الإنبات ولو كان في جميع البدن؛ فلا معنى فيه لهذا التأويل.
وقد روى أن النبي ﷺ قال: "الجزية على من جرت عليه المواسي"
وقد ثبت أنها من أحكام البلوغ؛ فدل على اعتبار الإنبات.
وكذلك كتب عمر ﵁ في أخذ الجزية.
ومثله ما روى عن عثمان رضوان الله عليه في الغلام الذي سرق: (إن كان اخضر ميزره فاقطعوه).
ولأن الأصول تشهد لما نقوله؛ وذلك أنا لو قصرنا البلوغ على السن حتى لا تكون لنا دلالة ظاهرة عليه سواها لكان فيه ذريعة إلى إسقاط الحدود؛ لأن من شأن من يصيب حدا أول بلوغه أن يكتم بلوه ليسقط الحد عنه؛ فكأن يدعى من له خمسة عشر سنة أنه ابن أربع عشرة، وكذلك من له ثمان عشرة يدعى أنه ابن دونها؛ فلا نصل إلى إقامة حد عليه، ولا إلى أمر يدلنا على بلوغه؛ فوجب اعتبار أمر زائد على ذلك ليتوصل به إلى العلم ببلوغه؛ فتوجه الأحكام إليه.
[ ١ / ٢٢٩ ]
فأما الظاهر فالمراد به: إذا بلغ الأطفال الذي يحتملون عند بلوغهما، ولم يرد وقوع الاحتلام لا محالة؛ وذلك مثل قوله؛ ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾ لم يرد إذا أنكحوا، وإنما أراد بلوغ الحال الذي يعاين منهم ذلك.
وكذلك نقول: إن الإنبات إذا حصل وعم الموضع إذا انتشر فيه فإن تلك حال الاحتلام والنكاح.
وعلى أن ليس إذا ذكرا علما من أعلام البلوغ دل أنه لا علم عليه غيره؛ ألا ترى أنه لم يذكر في هذه الآية النكاح ولا السن.
وما رووه من قوله: "حتى [ق/٤٥٩] يحتلم" فالمراد به:
حتى يخرج عن الصبي؛ فعبر عن البلوغ بنوع مما يقع به أو يدل عليه؛ بدليل أنه لم يذكر السن.
ويبين هذا أن الاختلاف ليس بأمر لازم؛ لأنه قد يوجد في الناس من لم يحتلم قط، وقد تختلف أحوال البالغين فيه؛ فيسرع في بعضهم ويبطئ عن بعضهم.
وقولهم: الإنبات يختلف فيسرع تارة ويبطئ فالعبرة في العادة في ذلك؛ ألا ترى أن الاختلاف موجود في الاحتلام ثم لا يمنع اعتباره؟
ولا يصح اعتبارهم بشعر الوجه وسائر البدن؛ لأن ذلك لا دلالة فيها على البلوغ؛ ألا ترى أن العادة جارية بنبات الشعر على العانة للبالغ، وأنه لا يكون إلا وقت البلوغ، ولا عادة في غيره من البدن على أن هذا العضو
[ ١ / ٢٣٠ ]
أعني الذكر والفرج مما قد يجعل خروج الخارج منه بلوغا؛ فلا يمتنع أن يكون بنات الشعر عليه أو على ما يقاربه بلوغا أو دلالة على البلوغ، وليس كذلك الوجه ولا غيره من الأعضاء.
وقولهم: إن خروجه على الوجه أدل على البلوغ من خروجه على العانة، غلط ودعوى محضة، بل لا دلالة فيه أصلا فضلا عن أن يكون أدل.
وعلى أن هذا رد لاعتبار صاحب الشريعة فوجب سقوطه.
ووصفهم شعر العانة بأنه يخرج بمعالجة غلط على العادات؛ لأن العادة خروجه من غير علاج إلا النادر الذي لا حكم له، ولأن التعالج يكون لاحتسابه لا لإسراعه، فإن ثبت أنه يخرج في اليسير من الناس بعلاج فإن الاعتبار بمن نبت له من غير علاج؛ لأن الأحكام تتعلق بالغالب من العادات لا بنادرها.
وقولهم: إن الشعر نمى على أصل الخلقة كالسمن، والمعنى في السمن أنه لا يخص وقت البلوغ من غيره؛ ألا ترى أنه يوجد في الطفل؛ وكذلك الشعر في غير العانة لا وقت له يختص به، وليس كذلك في مسألتنا.
والله الموفق.
فصل
فأما أصحاب الشافعي فاستدلوا للفرق بين المسلمين والمشركين في ذلك بأن قالوا: لأن الكفار لا يتهمون بأن يكونوا عالجوا أنفسهم لإخراج شعر
[ ١ / ٢٣١ ]
العانة؛ لأن ذلك يلحقهم بالمقابلة وأخذ الجزية، وليس شيء لأجله يتهمون بذلك، وهم لا يتهمون على أنهم فعلوه لتتوجه عليهم المطالبة بالجزية.
وليس كذلك المسلمون؛ لأنه لا يتعلق ببلوغهم من الأحكام ما يتهمون على أن يكون علاجهم بحصول ما يوجبها من قبول الشهادة، وكمال الحرمة، وفك الحجر، وغير ذلك. فإذا وجدنا الإنبات سبقت التهمة أن يكون عن علاج ليستفيدوا به هذه الأحكام.
قالوا: ولأن طريق معرفة بلوغ الكافر بالسن متعذرة؛ لأن ذلك لا يعلم إلا من جهة الأب، وأقوال المشركين لا معتبر بها بما يتعلق بالأحكام؛ لأن شهادتهم غير مقبولة؛ فدعت الضرورة إلى اعتبار الإنبات؛ لأنه لا يبقى لنا طريق سواه.
وليس كذلك في المسلمين؛ لأن شهادة المسلمين مقبولة في البلوغ وغيره، فلم تدعنا ضرورة إلى اعتباره.
والذي يدل على وجوب اعتبار جميع ما قدمناه على أصحاب أبي حنيفة؛ فلأن كل ما جاز أن يكون دالا على البلوغ أو بلوغا في الكافر جاز مثله في المسلم.
أصله: السن والاحتلام.
ولأن دلالته على ذلك ليس لمعنى يرجع إلى الدين، وإنما هو لمعنى يتعلق بالعادات، وهذا يستوي فيه المسلم والكافر.
ولأن كل شخص ثبت بلوغه بالاحتلام جاز أن يثبت بالإنبات.
أصله: الكافر.
[ ١ / ٢٣٢ ]
ولأن قبول الشهادة وغير ذلك من حقوق البلوغ وأحكامه فجاز أن تثبت بالإنبات.
أصله: أخذ الجزية من الكافر.
وأما فرقهم الأول فموجود في المسلم من الطريقين معا أعني وجود التهمة وعدمها.
وأما وجود التهمة: فلأن أكثر ما يتهم المسلم به يوجد في الكافر من فك الحجر عنه، والتمكين من ماله، والتصرف فيه، واستفادة ما يستفيده البالغ منهم.
ولا اعتبار بأداء الجزية، لأن ما يستفيده من غيرها يوفى على الضرر الداخل عليه بأدائها؛ فلا تزول عنه التهمة في ذلك؛ لزوالها في أخذ الجزية كما لا تزول عن المسلم بزوالها في أنه يقصد بذلك إقامة الحدود ووجوب القصاص عليه.
وأما انتفاء التهمة: فلا اعتبار به إذا كان مما تجلبه أكثر مما تنفيه كما ذكرناه في المسلم من إقامه الحدود بالزنا وشرب الخمر والسرقة؛ فبان بذلك ألا فرق بينهما.
هذا إن ثبت أنهم يتعالجون بذلك، وإلا فإن رجعنا إلى العادة لم يكن به من التسوية بينهم وبين المسلمين إما في منع العلاج غالبا أو في حصوله مع اتفاق الأسباب الداعية إليه.
وأما الفرق الثاني فليس بصحيح أيضا؛ لأنا نصل إلى معرفة سنه ممن
[ ١ / ٢٣٣ ]
يعرفه من المسلمين، وممن كان من قرابته كافرا ثم أسلم؛ فبطل ما ادعوه.
وبالله التوفيق.
فصل
فإما الكلام في السن فاستدل أصحاب الشافعي على اعتبار خمسة عشر سنة بما روى عبد الله بن وهب عن نافع عن ابن عمر أنه قال: عرضت على رسول الله ﷺ يوم أحد ولى أربع عشرة سنة فلم يجزني فردني ولم يرني بلغت، وعرضت عليه عام الخندق ولى خمسة عشرة سنة فأجازني.
وروى: فأجازني في المقاتلة.
ففي هذا الحديث أدلة:
أحدها: [ق/٥] أنه علق الإجازة ببلوغ خمس عشرة سنة؛ فدل على تعلق الإجازة بها؛ لأن الحكم إذا قرن بسبب تعلق به؛ كما روى أنه سهى فسجد، وأن ماعزا زنا فرجم.
والثاني: إن الرد تعلق في الأربع عشرة بعدم البلوغ؛ فدل على أن الإجازة في الخمسة عشر؛ لوجود البلوغ.
والثالث: إنه قال: أجازني في المقاتلة، وذلك يفيد أنه حكم ببلوغه؛ لأن المقاتلة من أحكام البلوغ.
قالوا: وروى أنس أن النبي ﷺ قال:
"إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ما له وما عليه، وأخذت
[ ١ / ٢٣٤ ]
منه الحدود".
وهذا نص.
قالوا: ولأنه معنى يتعلق به البلوغ فيشرك فيه الرجال والنساء؛ فوجب أن يستويا فيه.
أصله: الاحتلام.
قالوا: ولأن من استكمل خمس عشرة سنة يصح إسلامه؛ فوجب أن يكون بالغا.
أصله: من استكمل ثماني عشرة سنة.
قالوا: ولأن كل حكم يتعلق بعدد يزيد على العقد الأول ولا يبلغ العقد الثاني وجب أن ينتصف قياسا على أقل الطهر.
والذي يدل على ما قلناه: قوله تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم﴾ وقوله: ﴿والذين لم يبلغوا الحلم﴾، وقوله: ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾؛ فذكر البلوغ والأدلة عليه، ولم يذكر السن ولا خمس عشرة سنة.
وقوله ﷺ: "وعن الصبي حتى يحتلم"، ولم يقل: حتى يبلغ
[ ١ / ٢٣٥ ]
خمس عشرة سنة.
ولأن جعل الخمس عشرة حد البلوغ لا يخلو أن يكون تعلقا بأكثر ما في العادة أو بأدناه. وكلا الأمرين باطل؛ لأنا نجد في العادة من سبق لوغه الخمس عشرة ومن يتأخر عنها على صفة واحدة في الوجود غير متفاوته؛ فيجب ألا يكون دلالة على أحد الأمرين دون الآخر.
ولأنا وجدنا الأحكام المتعلقة بالخارج من الفرج إذا لم يكن تعليق الحكم عليها بتوقيف ولا بمقدار لا يختلف أنه يرجع فيها إلى النهاية وإقصاء العادة؛ ولذلك قلنا جميعا: إن الحيض المعتاد إذا أشكل أمره والتبس بالاستحاضة فإنه يحكم له بالبلوغ إلى أقصى مدته وآخر نهايته وهو خمسة عشر يوما، ولا يقتصر على أقله ولا على العادة منه.
وكذلك يجب في الحمل إذا أشكل أمره أن ينتظر به أقصاه؛ وهو أربع سنين أو خمس على حسب اختلاف أصحابنا في ذلك، وأنه لا يقتصر على المعتاد منه وهو تسعة أشهر، ولا على الأقل وهو ستة أشهر.
فكذلك يجب في مسألتنا ألا يتعلق الحكم على أقل ما يمكن من السن وأن ينتهي إلى أقصى ما في ذلك وهو ما يعلم أنه لابد أن يكون من انتهى إليه فقد بلغ إذا لم يجد أمارة دالة على البلوغ سواه.
أما حديث ابن عمر فقد اختلف فيه؛ فروى أنه قال: عرضت عليه عام أحد ولى ثلاث عشرة سنة فردني، وعرضت عليه عام الخندق ولى أربع عشرة سنة فأجازني.
وهذا يعارض ما رووه.
[ ١ / ٢٣٦ ]
وأيضًا فإن الحكم تعلق بالبلوغ عند مصادفة هذه السن إلا أنها هي السبب والمعنى المؤثر في البلوغ، ونحن لا نمنع أن يكون ابن خمس عشرة سنة قد بلغ؛ ويبين ذلك أن ابن عمر ذكر أن رده إنما كان في الأربع عشرة؛ لأنه لم يره قد بلغ؛ فوجب أن يكون هذا المعنى مضمرا في الخمس عشرة سنة؛ فكأنه قال: وعرضت عليه في العام المقبل فرآني قد بلغت فأجازني، ولو لم يكن كذلك لم يكن لقوله: (ولم يرني قد بلغت) فائدة.
وذكر السن على وجه التأريخ لا على أن الحكم متعلق بها، ويوضح ذلك أن النبي ﷺ لم يسأله عن سنه، وإنما ذكره ابن عمر من عند نفسه على وجه التأريخ وبيان سنه في الوقت كما يقول: درست الكتاب الفلاني وأنا ابن عشرين سنة.
وأيضا فإن أكثر ما في هذا أن النبي ﷺ أجازه في القتال، والإجازة في القتال لا تقف عندنا على البلوغ المعتبر في وجوب العبادات؛ لأن للإمام عندنا أن يجيز فيه من الصبيان من يرى فيه القوة والبأس والجرأة على القتال وقد يوجد في المراهقين من يكون ذلك فيه أكثر من البالغين؛ فيحتمل أن يكون ﷺ رأى ابن عمر أول سنة غير قوي على القتال، ورآه في العام الثاني قويا على ذلك. ويشهد لهذا التأويل شيئان:
أحدهما: أنه ذكر في الحديث القتال، وذكر عقيبه الرد ومنع الإجازة لعدم البلوغ؛ فدل على أن المراد به البلوغ للقتال؛ لا البلوغ المطلق؛ لأن الكلام إذا تقدمه سبب يقتضي تقيده قيد به؛ ألا ترى أنه لو قال لزوجته:
اعتدى ابتداء لكان كناية عن الطلاق؟ ولو قال لها عقيب مناولته إياها
[ ١ / ٢٣٧ ]
دراهم لا تصرف إلى العدد دون الطلاق؟
والوجه الآخر: ما روى عن أبا رافع وسمرة عرضا على النبي ﷺ فأجاز أبا رافع، ولو صارعه لصرعه؛ فأمرهما النبي ﷺ أن يصطرعا فصرعه.
فقد دل هذا على ما ذكرناه من أن الإجازة في الحرب لا تتعلق بالبلوغ وحده، إنما تتعلق بالقوة والجرأة على القتال.
فأما الحديث الآخر فلم يسمع من الثقات، ولا يجوز الكلام [ق/٥١ أ] عليه إلا بعد العلم بصحته، والأقرب بطلانه؛ لأنه لو كان صحيحا لم يخف على أهل الأعصار إلى هذا الوقت.
فأما القياس على الاحتلام فإنه يصلح أن يكون على أهل العراق دوننا؛ لأنهم يفرقون بين الغلام والجارية في حد السن المعتبر في البلوغ على ما حكيناه عنهم.
وهذا القياس هو للتسوية بينهما، ونحن نقول بموجبه؛ لأن السن التي إذا انتهى إليها الإنسان حكم ببلوغه، لا فرق عندنا فيها بين الصبي والجارية.
وقولهم: إن من بلغ خمس عشرة سنة يصح إسلامه.
قلنا: في إسلام المراهق مذهبان:
[ ١ / ٢٣٨ ]
أحدهما: أنه يصح؛ فلا نفرق بين ثلاث عشرة وخمس عشرة.
والآخر: لا نحكم به؛ فلا نفرق أيضا.
وأما القياس الآخر: فمن المتكلف العب والعقد الذي أرادوه وهو العشرة؛ كأنهم قالوا: حكم تعلق بزيادة على العشرة وأقل من العشرين؛ فيجب أن يكون على النصف من العشرة؛ فيكون خمسة عشر.
وهذا مدخول من وجوه:
أحدها: أن أقل الطهر لا يسلم أنه خمسة عشر على أكثر وجوه أصحابنا.
ثم هذا إنما يعتبر فيما كان العدد مقصودا فيه لنفسه.
فأما فيما يراد به الدلالة على غيرة فلا يلزم، ويبطل بالدية؛ لأنها اثنى عشر ألفا فقد زادت على العقد الذي هو عشرة، وقصرت عن العشرين، ولم يعتبر فيها النصف.
فإن قالوا: أردنا عشرة مطلقة، وهذا مقيده.
قلنا: موجب كلامكم يقتضى نوعا من العشرات دون نوع، فالنقص داخل عليه.
وعلى أنا نصير إلى ما يقولونه وينقصه بمقدار السفر الذي تقصر فيه الصلاة؛ لأنه ستة عشر فرسخا، فإذا اعتبرنا الفراسخ لم نقف على النصف.
وكذلك ركعات الصلوات الخمس زيادة على العشرة وأقل من العشرين، وهو زائد على الخمس عشرة. وبالله التوفيق.
[ ١ / ٢٣٩ ]
مسألة:
قال ﵀: "ومن أصبح جنبا ولم يتطهر، أو امرأة حائض طهرت قلب قبل الفجر فلم [تغتسل] إلا بعد الفجر أجزأهما صوم ذلك اليوم.
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: فأما من يصبح جنبا فإنه يصح منه صوم ذلك اليوم عندنا وعند كافة فقهاء الأمصار، وسواء كانت جنابته من جماع أو احتلام.
وحكى عن أبي هريرة والحسن أنهما قالا: لا يصح منه صيام ذلك اليوم.
وحكى عن إبراهيم النخعي والحسن البصري أنهما قالا:
يجزئه في التطوع، ويقضى في الفرض.
وحكى عن طاوس أنه قال: يتم ذلك اليوم ويقض مكانه إن كان استيقظ فأخر الغسل حتى أصبح، وإن لم يستيقظ فأخر الغسل حتى أصبح، وإن لم يستيقظ حتى أصبح فليس عليه قضاء.
فمن قال: إنه لا يصح منه صيام ذلك اليوم استدل بما رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من أصبح جنبا في رمضان فقد أفطر".
وقال أبو هريرة: ما قلته أنا؛ قاله محمد ورب البيت.
ولأنه جنب في هذه الحال؛ فأشبه إذا طلع الفجر عليه وهو مولج.
[ ١ / ٢٤٠ ]
والدلالة على ما قلناه: ما استدل به ربيعة؛ وهو قوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾ إلى قوله: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾.
فأباح سبحانه الجماع إلى أن يتبين الفجر، ومعلوم أنه إذا كان يجامع فنزعه، ثم طلع الفجر عقيب ذلك فإنه لا يمكنه أن يغتسل إلا بعد طلوعه؛ فدل ذلك أنه يصح منه صوم ذلك اليوم، وأن عليه إتمامه إلى الليل كما قال الله تعالى.
ويدل على ذلك ما رواه مالك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري عن أبي يونس مولى عائشة عن عائشة ﵂ أن رجلا قال لرسول الله ﷺ وهو واقف على الباب: يا رسول الله إني أصبح جنبا وأنا أريد الصيام. فقال رسول الله ﷺ: "وأنا أصبح جنبا وأنا أريد الصيام فأغتسل وأصوم". فقال الرجل: يا رسول الله إنك لست مثلنا؛ قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فغضب رسول الله ﷺ وقال: ﴿والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما اتقى﴾؛ فبين رسول الله ﷺ له أن ذلك لا يمنع من الصوم، وأنه يصيبه ذلك فلا يمتنع لأجله من الصوم.
وروى مالك عن عبد ربه بن سعيد بن قيس، ويسمى مولى أبي بكر جميعا عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن عائشة وأم
[ ١ / ٢٤١ ]
سلمة زوجتي النبي ﷺ أنهما قالتا: إن كان رسول الله ﷺ ليصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يصوم.
ولأن حدثه إذا انقطع فلم يبق عليه أكثر من وجوب الطهارة، وذلك لا يمنع الصيام كالمحدث.
فأما ما رووه عن أبي هريرة فإنه قد ثبت رجوعه عن هذا القول، وظهر منه ما دل على ضعف الحديث؛ فروى يزيد بن هارون قال: حدثنا ابن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة رجع عن فتياه: من أصبح جنبا فلا صوم له.
وروى مالك عن سمى مولى أبي بكر أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: [ق/٢٥] كنت وأبي عند مروان بن الحكم وهو أمير المدينة، فذكروا أنا أبا هريرة يقول: من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم فقال مروان: أقسمت عليك يا أبا عبد الرحمن لتذهبن إلى أمي المؤمنين عائشة وأم سلمة فتسألهما عن ذلك. قال: فذهب عبد الرحمن وذهبت معه حتى دخلنا على عائشة، فسلم عليها ثم قال: يا أم المؤمنين إنا كنا عند مروان بن الحكم فذكر أن أبا هريرة يقول: من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم. فقالت عائشة: ليس كما قال أبو هريرة يا أبا عبد الرحمن أترغب عما كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قال: لا والله. قالت: فأشهد على أن رسول الله ﷺ إن كان ليصبح جنبا من جماع من غير احتلام ثم يصوم ذلك اليوم. قال: فخرجنا حتى
[ ١ / ٢٤٢ ]
دخلنا على أم سلمة فسألها عن ذلك: فقالت كما قالت عائشة، فخرجنا حتى جئنا مروان بن الحاكم فذكر له عبد الرحمن ما قالتا.
فقال مروان: أقسمت عليك يا أبا محمد لتركبن دابتي فإنها بالباب فلتذهبن إلى أبي هريرة فإنه بأرض العقيق فلتخبرنه ذلك.
قال: فركب عبد الرحمن وركبت معه حتى جئنا أبا هريرة فتحدث معه- عبد الرحمن ساعة، ثم ذكر ذلك له. فقال أبو هريرة: لا علم لي؛ إنما أخبرنيه مخبر.
على أنا نتأول هذه الرواية فنقول: معناها أن من أصبح في حال المجامعة فيكون سبب الجنابة عبارة عن الجنابة، ويكون قد أنزل ولم يتمم إنزاله حتى طلع الفجر وهو ينزل؛ فهذا مجنب في الحقيقة.
فأما قول من يقول: إنه يجزئه في التطوع ولا يجزئه في الفريضة فإنه غير صحيح؛ لأن ما يمنع من انعقاد الصوم لا فرق بين وقوعه لأوجه التفريط أو الغلبة كما ذكرناه فيمن أصبح مولجا.
والله أعلم.
فصل
فأما الحائض إذا طهرت قبل الفجر ولم تغتسل حتى طلع الفجر فإن
[ ١ / ٢٤٣ ]
حكمها عند مالك حكم الجنب؛ يصح صوم ذلك اليوم منها، وتغتسل بعد الفجر.
هذا قول مالك وأهل العراق والشافعي.
وخالف مالكا من أصحابه عبد الملك، ومحمد بن مسلمة؛ فقال عبد الملك فيمن طهرت قبل الفجر فاشتغلت بالغسل من غير تفريط وطلع الفجر ولم يتم غسلها: إنها بمنزلة الحائض لا صلاة عليها ولا صوم ما لم يتم طهرها بالاغتسال، إلا أن يأتي منها تفريط في الغسل.
وهذا الاستثناء منه يعد أن حكمها إذا فرطت بخلاف حكمها إذا لم تفرط، إلا أنه لم يبين ما الحكم في ذلك.
ويحتمل أن يكون أراد ما يذهب إليه محمد بن مسلمة فإن محمد بن مسلمة قال: إذا فرطت في الغسل حتى طلع الفجر ولم تغتسل صامت ذلك اليوم.
قال: لأنه لا يخرجها من الصيام تفريطها، وتقضيه؛ لأنه لم يتم طهرها بالاغتسال قبل الفجر، فدخلت في النهار وهي في حكم الحيض.
قالوا: ولأنه لما لم يجز لزوجها وطئها في هذا الحال لا لمعنى سوى ثبوت حكم الحيض علم بذلك أن حالها حال الحائض التي لم ينقطع دمها.
والدلالة على ما قلناه: أنها محدثة زال حدثها قبل الفجر، ولم يبق لها سوى فعل التطهير؛ فوجب أن يصح صومها اعتبارا بالجنب والبائل؛ فلم نرد بقولنا: (زال حدثها) أن حكم الحدث زال؛ لأن هذا موضع الخلاف، وإنما أردنا بذلك انقطاع الدم.
[ ١ / ٢٤٤ ]
وقال عبد الملك: المعنى في الجنابة أنها معنى لو طرأ في أثناء النهار على بعض الوجوه لم يفسد الصوم، ولم يمنع صحته؛ كالاحتلام؛ فلذلك لم يمنع وجوب الغسل منه صوم ذلك اليوم.
وليس كذلك الحائض؛ لأنه إذا طرأ في النهار على أي وجه كان أفسد الصوم.
فالجواب: أن افتراقهما في هذا لا يخرجهما عما قلناه؛ ألا ترى أن الذي قاله لا يمنعه من إيجاب قضاء الصلاة عليها إذا تركت الغسل حتى خرج الوقت؟ وأيضا فإن وجوب الغسل إنما ينافي صحة الصلاة، ولا ينافي في صحة الصوم؛ كالجنب والمحدث.
ولا معنى لتفريقهم بين المفرطة وغير المفرطة في أن غير المفرطة لا تصوم ولا تقضي وأن المفرطة تصوم وتقضى؛ لأن الكلام في حكم الشيء نفسه، وقد ثبت أن منعه من صحة الصوم أو عدم منعه لا يقف على تفريطها الاغتسال.
فأما قياسهم على من لم ينقطع دمها فالعلة فيها بقاء الحدث الذي يمنع صحة الصوم، وليس كذلك إذا انقطع دمها؛ لأن الحدث قد زال عنها.
وقولهم: أن زوجها ممنوع من وطئها لأجل حكم الحيض غير صحيح؛ لأنه ممنوع على وجه التنظف وإن ذلك لواجب أن يكون حكمها في منع الصوم حكم الحائد لوجب أن لا يجب عليها قضاء الصلاة، وهذا فاسد.
والله أعلم.
[ ١ / ٢٤٥ ]
مسألة
قال: "ولا يجوز صيام يوم الفطر، ولا يوم النحر".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ﵀: هذا لما رواه سفيان عن الزهري عن أبي عبيد قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب ﵁ فبدأ بالصلاة قبل الخطبة وقال: إن رسول ﷺ نهى عن صيام هذين اليومين: يوم الفطر، ويوم النحر.
وروى [ق/٥٣] سعيد بن جليد عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال: شهدت العيد مع عثمان وعلي ﵄ فكانا يصليان، ثم يذكران الناس فسمعتهما يقولان: نهى رسول الله ﷺ عن صيام يوم الأضحى ويوم الفطر.
وروى مالك عن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يومين: يوم الأضحى ويوم الفطر.
[ ١ / ٢٤٦ ]
ورواه ابن عمر، وعائشة، وأبو سعيد الخدري، وغيرهم. ولا خلاف في ذلك.
مسألة
قال ﵀: "ولا يصوم اليومين اللذين بعد يوم النحر إلا المتمتع الذي لا يجد هديا.
واليوم الرابع لا يصومه متطوع، ويصومه من نذره أو من كان في صيام متتابع قبل ذلك"
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب﵀: أما المنع من التطوع بصيام أيام التشريق فلما رواه ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن حذافة يطوف في منى ألا تصوموا هذه الأيام؛ فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى.
ورواه مالك عن ابن شهاب مرسلا.
وروى عمرو بن الحارث عن بكير بن [] عن سليمان بن يسار حدثه أن المسعود بن الحكم حدثه عن أمه قالت: مر بنا راكب ونحن مع رسول الله ﷺ بمنى ينادي في الناس: لا يصومن أحد هذه الأيام؛ فإنها أيام أكل
[ ١ / ٢٤٧ ]
وشرب. فقال أخي: هذا علي بن أبي طالب رضوان الله عليه.
وروى مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن سليمان بن يسار أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام أيام منى.
ولا خلاف في منع صومها للمتطوع.
فصل
فأما المتمتع إذا لم يجد الهدي، وقد فاته صيام ما قبلها فله أن يصومها عندنا.
وقال أبو حنيفة: لا يصومها متطوع ولا غيره.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل قولنا: أنه يجوز للمتمتع أن يصومها.
[ ١ / ٢٤٨ ]
والثاني: أنه لا يصح صومها عن متعة ولا غيرها، وهي كيومي الفطر والنحر.
واستدل من نصر هذا القول بما روى أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام أيام التشريق، ولم يخص صومها عن تمتع ولا غيره.
قالوا: ولقول النبي ﷺ: "إنها أيام أكل وشرب وبعال"، وهذا ينفى أن تكون أيام صيام.
قالوا: ولأن كل زمان لم يصح صومه متطوعا لم يصح تمتعا.
أصله الفطر والنحر.
عكسه: سائر الأيام.
قالوا: ولأنها أيام يصح فيها الرمي؛ فأشبهت يوم النحر.
قالوا: ولأنه لما لم يجز صوم يوم النحر في التمتع وهو أقرب إلى أيام الحج كان بأن لا يجوز صوم ما يليه أولى.
والدلالة أحب إلينا.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب﵀: اعلم أن الكلام في هذه المسألة من وجوه:
[ ١ / ٢٤٩ ]
أحدها: أن المسافر محيز بين الصوم والفطر، على أن عليه القضاء إذا أفطر.
والثاني: أنه إذا صام صح صومه، لم يلزمه قضاؤه.
والثالث: أن الصوم له أفضل من الفطر.
والرابع: أن هذا التخيير معلق ببعض الأسفار دون بعض؛ وهو ما يستباح فيه القصر؛ وهو أربعة برد فما زاد.
فأما الكلام في أنه مخير بين الإفطار والصيام فالدلالة على ذلك قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾؛ معنى ذلك فأفطر؛ كقوله: ﴿أن اضرب بعصاك البحر فانفلق﴾ معناه: فضرب فانفلق، وكقوله: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾؛ معناه: مخلف ففدية.
فألزم جميع من شهد الشهر أن يصومه، وجعل للمسافر أن يفطره ويقضيه.
وروى مالك عن حميد الويل عن نس بن مالك قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان فمنا من صام ومنا من أفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم.
وروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن حمزة بن عمرو
[ ١ / ٢٥٠ ]
الأسلمي قال لرسول الله ﷺ: أصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام فقال رسول الله ﷺ: "إن شئت فصم وإن شئت فأفطر".
ولأن الفطر في السفر رخصة؛ فالمترخص بالخيار إن شاء ترخص، وإن شاء رجع إلى الأصل.
فصل
فأما وجوب القضاء عليه إذا أفطر؛ فلقوله تعالى: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾.
ولأنه أكل في صوم واجب عليه فألزمه القضاء.
أصله: العامد ولا مفطر بعذر مع توجه الخطاب إليه بالنصوص بالصوم؛ فأشبه المريض.
فصل
فأما الكلام في أنه يصح صومه فهو قولنا وقول الفقهاء كافة.
وذهب بعضهم إلى أنه لا يصح صومه، أنه لا فرق بين أن يمسك أو يأكل في أن عليه القضاء في الموضعين.
والدلالة على ما قلناه: قوله ﷿: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وهذا شاهد له فلزمه صومه.
فإن قيل: فقد عقب ذلك بقوله: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾.
[ ١ / ٢٥١ ]
قيل له: عندنا جوابان:
أحدهما: أنه ليس في ذلك منع من الصيام، وإنما فيه إيجاب صيام آخر، وذلك غير مناف للأول.
والثاني: أن فيه ضميرا معناه: فأفطر فعدة من أيام أخر.
ويبين ذلك أن هذا الضمير مشترط في ذكر المريض أيضا؛ لأن المريض لو حمل على نفسه فصام لم يلزمه القضاء، وصح [ق/٤ هـ] صومه.
فإن قيل: كذلك نقول في المريض أنه لا يصح صومه في المرض أعني صوم رمضان.
قيل له: إذا قلتم ذلك خرقتم الإجماع، ولم يلتفت إلى قولكم.
ويدل على ذلك ما رواه مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر فأفطر الناس معه، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ.
فإن قيل: فهذه القرينة في الحديث تدل على أنه متروك.
قيل له: قد اتفق المسلمون على أنه ينسخ ذلك، وإنما الفائدة أن المسلمين كانوا يقتدون به ﷺ في أفعاله المباح منها والمندوب، ويتأسون به.
ويدل على ذلك أيضا: ما رواه مالك عن سمى مولى أبي بكر بن
[ ١ / ٢٥٢ ]
عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر، وقال: "وتقووا لعدوكم"، وصام رسول الله ﷺ: فقيل لرسول الله: إن طائفة من الناس قد صاموا حين صمت يا رسول الله، فلما كان بالكديد دعا بقدح فشرب فأفطر وأفطر الناس.
ففي هذا الحديث دليلان:
أحدهما: أنه ﷺ صام رمضان في السفر.
الآخر: أنه أمرهم بالفطر، وعلل ذلك بأن فيه تقوية لهم على العدو.
ومخالفنا يزعم أن العلة في ذلك أن صومهم لا يصح.
وهذا خلاف تعليل النبي ﷺ ويدل على ذلك ما رواه مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان فمنا من صام ومنا من أفطر، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم.
وروى مالك عن هشام بن عروة عن عائشة أن حمزة بن عمرة الأسلمي قال: رآني رسول الله ﷺ وأنا أصوم في السفر وكان كثير الصيام فقال: "إن شئت صم، وإن شئت فأفطر".
وروى عن عائشة ﵂ أنها قالت: حججت مع
[ ١ / ٢٥٣ ]
رسول الله ﷺ حجة الوداع فقال لي: "ماذا صنعت في سفرك؟ " قلت أتممت فأقصرت، وصمت فأفطرت، فقال: "أحسنت".
ولقد اعترضوا على هذه الأخبار بشيئين:
أحدهما أن قالوا: إن الخلاف بيننا في المسافر إذا صام هل يجزئه أم لا؟ وهل عليه القضاء أم لا؟.
وليس في هذه الأخبار إلى مجرد الفعل، وذلك لا يتضمن الإجزاء ولا سقوط القضاء.
فالجواب عن هذا أن إخبارهم النبي ﷺ بأنهم قد صاموا، ورؤيته إياهم صائمين وتركه الإنكار، وإقرارهم على ذلك دلالة على صحة صومهم.
وفي ذلك سقوط القضاء؛ لإجماع الكل على أنه لا يجب عليهم الجمع بين صوم الأصل وبين القضاء.
[ ١ / ٢٥٤ ]
والاعتراض الآخر أن قالوا: ليس في هذه الأخبار أنهم صاموا على أنه رمضان، ويجوز أن يكونوا نووا بصيامهم نذرا أو قضاء أو تطوعا أو غير ذلك.
ونحن لا نمنع من أن نصوم رمضان على هذه الوجوه، وإنما نمنعه أن نصومه على أنه من رمضان.
وهذا الذي قالوه باطل من وجوه:
أحدهما: أنه لا يجوز صوم رمضان عندنا عن غيره على وجه؛ لأن رمضان مستحق العين للصيام؛ فلا يصح صومه عن غيره، وليس لهم أن يحملوا الخبر على أصولهم التي تخالف أصولنا.
والوجه الآخر: أن في ذلك تركا للظاهر؛ لأن القائل إذا قال: صمت في رمضان فظاهر هذا وإطلاقه يفيد أنه صامه عن رمضان، ولا يحمل على ما عدا ذلك إلا بدليل؛ لأنه حمل له على خلاف الظاهر. هذا لو ثبت أن صومه على أنه قضاء أو نذر أو تطوع أو غير ذلك لم يصح.
والجواب الآخر: هو أن الفطر في رمضان رخصه، والرخصة تنافي الفروض وتمنع من ألا يجزئ أصلها؛ ألا ترى أنه لو كان ترك صوم رمضان عن رمضان فرضا لخرج عن أن يكون رخصة.
والوجه الآخر: هو أنه إذا صح أنه لا يجوز له صومه على الوجه المأمور به كان بأن لا يصومه عن غيره أولى؛ لأن إيقاع النذر والقضاء والتطوع في رمضان ليس بأوكد من صومه على الوجه المفترض.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وإذا كان لا يصح صومه على وجه ما افترض عليه ووضع الزمان له كان بأن لا يصح صومه على خلافه أولى.
فيبطل ما قالوه من هذه الوجوه.
ومن جهة الاعتبار: لأنها حال يضح فيها صوم غير رمضان؛ فيصح فيها رمضان نفسه أعني السفر؛ فأشبه ذلك الحضر.
ولأن الفطر رخصة بدليل أنه لا يكون إلا لعذر من مرض أو سفر. وما كان طريقه طريق الرخصة فإن الإنسان مخير فيه أن يفعله أو يتركه؛ كالصلاة قاعدا مع القدرة على القيام أعني في النفل أو في الفرض هل هذه العلامة مكانها هنا؟ مع عذر المرض، إلا أنه لو حمل على نفسه وصلى قائما لأجزأه وأن لحقه في ذلك مشقة؛ فكذلك الصيام في السفر.
واستدل المخالف بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ قالوا: ففي هذا دليلان:
أحدهما: أن هذا الظاهر يفيد وجوب العدة، سواء صامه أو لم يصمه.
وإذا ثبت أن عليه القضاء على كل وجه ثبت أن صومه لا يصح.
والآخر: أنه جعل فرض شاهد الشهر ممن ليس بمريض ولا مسافر أن يصوم عينه، وجعل فرض المريض والمسافر عدة من أيام أخر؛ فإذا صام عين الشهر فقد صام غير فرضه يجزءه.
[ق/٥٥] فالجواب أن يقال: أما الفصل الأول فإن إيجاب العدة لا ينفي
[ ١ / ٢٥٦ ]
دخول المسافر في عموم قوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ لأنه لا يمتنع أن يكون هذا الأمر شاملا للحاضر والمسافر ويكون الخطاب الذي بعده بقوله: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر﴾ مفردا لها بهذا الحكم من جملة من شملة الخطاب الأول.
وإذا صح ذلك لم يكن لهم أن يستدلوا على منع صومه بإيجاب القضاء عليه عموما إلا ولنا أن نستدل بأن الأمر بالصوم يدل على سقوط القضاء.
فإن قيل: قوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ معناه: إلا أن يكون مريضا أو على سفر؛ بدلالة ما بعده.
قيل له: أما المريض: فسبيله ألا يدخل في هذا؛ لأنه لا خلاف أنه يصح صومه إن تكلف.
وغير هذا القول خروج عن الإجماع؛ فلا يرتفع به.
وأما المسافر: فما الفصل قال فيه إن قوله: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ فيه ضمير معناه: فأفطر، ويكون هذا أولى الأمور.
أحدهما: أن مثل هذا اللفظ قد أضمر هذا الإضمار؛ فعلم أنه من مفهومه؛ كقوله: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية﴾ معناه: فحلق ففدية. وكقوله: ﴿أن اضرب بعصاك البحر فانفلق﴾ معناه: فضرب
[ ١ / ٢٥٧ ]
فانفلق. فكذلك في هذا الوضع لا بالقياس لكن بمفهوم اللفظ.
والأمر الآخر: أن مثل هذا الاستعمال قد ثبت في قوله: ﴿ومن كان مريضا﴾.
واللفظ متساو في المريض والمسافر، بل هو لفظ واحد فكان ما قلناه أشبه بأن يكون هو المراد.
وأما الفصل الثاني فلا تعلق فيه؛ لأن قوله: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة﴾ لا ينفي دخولهما تحت عموم قوله: فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، وإنما كان ينفيه لو قال: "ومن كان مريضا أو على سفر فلا يصمه".
فأما إذا ورد بحكم غير ما تقدم فلا ينفيه، وقد بينا ما في ذلك.
واستدلوا بقوله ﷺ: "ليس من البر الصيام في السفر".
فالجواب: أن لفظ البر مجمل يحتمل أن يريد به الفضيلة، ويحتمل أن يريد به ما هو شرط في إجراء الفعل؛ فيجب الوقوف إلى أن يتبين المراد به.
وعلى أنه خارج على سبب وهو أنه ﷺ مر برجل قد أجهده الصوم وبلغ منه وهو في السفر، فلما رآه على تلك الحال قال: "ليس من البر
[ ١ / ٢٥٨ ]
الصيام في السفر؛ إن الله يحب أن يؤخذ برخصه". وهذا نقول به؛ وهو أن من كان في مثل حال هذا الإنسان فالفطر أولى.
واستدلوا بقوله ﷺ: "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر".
وهذا أشد ما يوردونه.
والجواب عنه: أنه ضعيف عند أهل النقل، وقد قالوا: إنه موقوف على أبي هريرة.
على أن نقول: إن النبي ﷺ شبهه به في حكم لم يذكره، ولا يجوز إدعاء العموم فيه.
على أنه معارض بقوله لحمزة بن عمرو الأسلمي: "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر"، محمول على أن من صام في السفر معتقدا أن الرخصة فيه فيكون كالمفطر في الحضر.
والله أعلم.
فصل
فأما الفصل الثالث: وهو الصوم أفضل من الفطر لمن قرى عليه.
وذهب آخرون إلى أن الفطر أفضل.
والذي قلناه هو قول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما.
والدلالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾، وذلك يفيد المبادرة إلى فعل ما يوجب المغفرة من الفروض، وفي الفطر تأخير له إلى وقت القضاء.
[ ١ / ٢٥٩ ]
ولأنه إذا أفطر فقد أخر الفرض عن وقته، والإتيان بالفروض في أوقاتها أفضل؛ ألا ترى أن النبي ﷺ لما سئل عن أفضل الأعمال قال: "الصلاة في وقتها"؛ فنبه بذلك على فضيلة المبادرة والسبق إلى أداء الفروض.
هذا بتساوي وقت المبادرة والتأخير فيه في كون الفعل في جميع ذلك أداء فبأن تثبت الفضيلة في ذلك بين وقت الأداء ووقت القضاء أولى.
ولأنه إذا صام فقد أمن من الفوات، وسقط الفرض عنه، وحصل الثواب عليه. وإذا أخره لم يأمن زمن اعتراض ما يمنعه من جميع ذلك أو من بعضه؛ فكان التقديم أولى.
وما يقوله من أنه لا يأمن أن يضعف لا معنى له؛ لأن المقيم أيضا لا يأمن أن يضعف ويمرض.
ولأنه إذا كان سفره يحتاج معه إلى القوة وكثرة الأكل، وتلحقه فيه المشقة بالصوم كان الإفطار أفضل له.
وهذا غير موضوع خلافنا؛ لأنا لا نمنع من أن يكون الفطر أولى من الصوم على بعض الوجوه، وإنما يمنع ذلك مع تساوي الأمرين.
والأصل في ذلك قوله ﷺ في بعض أسفاره في رمضان: "أفطروا تقووا على عدوكم"، فأخبر بأن ما احتيج به من الأسفار إلى القوة وتوفيرها فإن الصوم غير مستحب فيه، بل الفطر أولى؛ فصار ذلك أصلا في أمثال هذه المواضع.
[ ١ / ٢٦٠ ]
واعتبارهم بالفطر لا معنى له؛ لأنه يكون به مؤديا لفرضه في وقته، وإنما أسقط عنه الفرض.
وليس كذلك الفطر؛ لأنه لم يزل به فرض الصوم عن الذمة، وإنما أرخص له في تأخيرهن والله أعلم.
ويدل على ما قلنا أيضا: ما رواه أبو داود حدثنا مؤمل بن الفضل حدثنا الوليد حدثنا سعيد بن عبد العزيز قال: حدثنا إسماعيل بن عبيد الله قال: حدثتنا أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول [ق/٥٦] الله ﷺ في بعض غزواته في حر شديد حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه أو كفه على رأسه من شدة الحر، ما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة.
فهذا يدل على فضيلة الصوم على الفطر؛ لأنه لولا ذلك لم يتكلف هذه المشقة العظيمة في شيء غيره مما هو أيسر منه وأخف وأقرب وأفضل منه وأكثر ثوابا؛ فبان بذلك فضل الصوم على الفطر في السفر.
ويدل على ذلك أيضا: ما رواه أبو داود عن عقبة بن مكرم الغمي عن أبي قتيبة عن عبد الصمد بن حبيب بن عبد الله الأزدي عن حبيب بن عبد الله قال: سمعت سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي يحدث عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ: "من كانت له حمولة تأوى إلى شبع فليصم رمضان حيث أدركه".
[ ١ / ٢٦١ ]
فأما اعتبار ذلك ثمانية وأربعون ميلا فقياسا على الفطر؛ لأن كل واحد منهما سفرا اعتبر في فرض عبادة، ولأن ذلك هو قدر سير اليوم التام على المألوف من السير؛ فوجب ألا يتغير الفرض إلا به. وقد ذكرنا ذلك في كتاب الصلاة.
مسألة
قال ﵀: "ومن سافر أقل من أربعة برد وعليه القضاء".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: أما وجوب القضاء: فلحصوله مفطرا في صوم واجب عليه، ولا خلاف في ذلك.
وأما سقوط الكفارة عنه فلأنه ليس بهاتك؛ وإنما أفطر بتأويل غير صحيح، والكفارة تتعلق بالهتك دون التأويل في الصوم؛ على ما سنبينه إن شاء الله.
مسألة
قال ﵀: "وكل من أفطر متأوله فلا كفارة عليه".
قال القاضي: ﵀: وهذا لما ذكرناه من أن الكفارة تتعلق بالهتك دون التأويل؛ لأن المتأول ليس بهاتك، اللهم إلا أن يكون سبب التأويل لم يحصل بعد؛ فذلك لا يسقط الكفارة؛ مثل من يفطر لإرادته السفر ثم يسافر، أو تفطر من النساء متأوله أنها تحيض في ذلك اليوم ثم تحيض، أو من ينتظر على عادته مرضا في يومه فيفطر ثم يمرض.
فكل هؤلاء عليهم الكفارة من غير أن يسقطها تأويلهم.
[ ١ / ٢٦٢ ]
وعبد الملك يرى أن من أراد سفرا فأكل ثم خرج إلى سفره فلا كفارة عليه وإن هو نزع عن سفره وكسل عنه فعليه الكفارة.
وقول مالك أصح وأوضح.
والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: "وإنما الكفارة على من أفطر بأكل أو شرب أو جماع، مع القضاء".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: أما وجوب الكفارة بالجماع وغيره فإنها متعلقة بالإفطار دون غيره من الصيام في سائر الزمان؛ فلا كفارة في إفساد صيام نذر أو نفل أو قضاء أو غير ذلك.
هذا قولنا وقول كافة الفقهاء.
وحكي عن قتادة أنه كان يوجب الكفارة في قضاء أو غير ذلك.
هذا قولنا وقول كافة الفقهاء.
وحكي عن قتادة أنه كان يوجب الكفارة في قضاء رمضان قال: لأن كل صوم أفسد بمعصية تعلقت به الكفارة؛ اعتبارا برمضان.
قال: ولأن كل معنى استحق بصفة الإفطار فإنه يستوي فيه رمضان وقضاؤه؛ اعتبارا بالقضاء.
قال: ولأنه لو قتل صيدا في إحرامه ألزمه الجزاء في حجة النفل والفرض؛ كذلك الكفارة تجب في صوم الفرض وغيره.
[ ١ / ٢٦٣ ]
والدلالة على ما قلنا: أن الكفارة إنما وجبت في رمضان لهتك حرمة زمانه، وليس لما عداه من الزمان حرمة كحرمته؛ فلذلك لم يلزم بإفساد الصوم فيه كفارة.
ولأن المحفوظ عن قتادة في قضاء رمضان وحده دون غيره من أنواع الصيام.
فإذا كان كذلك قسنا قضاءه على صوم النفل فنقول: لأن صيام غير رمضان لا تتعلق به الكفارة.
وأما القياس الأول فإنه ينتقض بالنفل والنذر.
واعتبارهم بالقضاء باطل؛ لأن القضاء يراد لإسقاط الفرض، والفرض يستوي فيه رمضان وغيره. وليس كذلك الكفارة؛ لأنها تتعلق بالهتك، وذلك يختص بحرمة الزمان دون إسقاط الفرض.
واعتبارهم بقتل الصيد ساذج بغير علة على أن طريق ذلك معتبر بالإتلاف لا لحرمة مجرد الإحرام. وليس كذلك الكفارة؛ لأن اعتبارهم يرجع إلى حرمة الزمان.
والله أعلم.
وأما إيجاب الكفارة بالجماع في الفروج على وجه العمد فهو قولنا وقول كافة الفقهاء.
وحكي عن الشعبي والنخعي أنه لا كفارة في ذلك ولا في غيره، وأن الخبر الوارد بوجوب الكفارة مخصوص بمن ورد فيه.
والدلال على ما قلنا: ما رواه الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رجلا أتي النبي ﷺ ينتف لحيته ويلطم وجهه فقال: هلكت
[ ١ / ٢٦٤ ]
قال: "مالك؟ " قال: وقعت على أهلي وأنا صائم في رمضان. فقال ﷺ: "أتجد رقبة؟ " قال: لا قال: "أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا. قال: "أتستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ " قال: لا. فبينما هو كذلك إذ أوتي النبي ﷺ بعزق من تمر قال: "خذ هذا فتصدق به" فقال: على أفقر من أهلي؟ والله ما بين لأبيتها أحوج من أهلي؛ فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، وقال: "أطعمه أهلك ويحك".
وروى يحيي بن سعيد بن محمد بن جعفر عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة أن رجلا أتى النبي ﷺ [ق/٥٧] فقال: احترقت.
وقال: "وما ذلك؟ " قال: وقعت على المرأة في رمضان.
فأتى النبي ﷺ بمكتل فيه طعام. فقال رسول الله ﷺ "أين المحترق؟ " فجاء فقال: "خذ هذا فتصدق به".
وروى مالك عن عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب أنه قال: جاء أعرابي إلى رسول ﷺ يضرب نحره وينتف شعره ويقول: هلك الأبعد.
فقال رسول الله ﷺ: "هل تستطيع أن تعتق رقبة؟ " قال: لا.
قال: "فاجلس". قال: فأتى النبي ﷺ بعرق تمر فقال: "خذ هذا فتصدق". فقال: ما أجد أحوج مني. فقال. "كله، وصم
[ ١ / ٢٦٥ ]
يوما مكان ما أصبت".
ووجه الاستدلال من هذه الأخبار فهو أمره له بالكفارة، والأمر على الوجوب.
فإن قالوا: ليس في هذا اللفظ عموم.
قيل له: فيه جوابان:
أحدهما: قوله ﷺ: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة.
وهذا يفيد أن الكفارة تجب على كل من كان مثل الأعرابي.
والوجه الآخر: أن تعلق الحكم بسبب يقتضي أن يكون متعلقا به حيث كان.
والله أعلم.
وأما إيجاب القضاء عليه ولع من شركه في الإفطار، ووجوب الكفارة فهو أيضا قولنا، وقول فقهاء الأمصار.
وحكي عن الأوزاعي أن عليه الكفارة دون القضاء.
والذي يدل على ما قلناه: ما رواه ابن أبي أويس حدثنا أبي أخبرنا ابن مسلم عن حميد عن أبي هريرة أنه حدثه أن رسول الله ﷺ أمر رجلا أفطر في رمضان أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينا. فقال: يا رسول الله ما أجد أحوج مني إليها؛
[ ١ / ٢٦٦ ]
فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: "كله، وصم يوما".
وروي عبد الجبار بن عمر عن ابن شهاب عن حميد عن أبي هريرة، وعبد الجبار عن يحيي بن سعيد وعطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال للواطئ في رمضان: "اقض يوما مكانه".
ورواه مالك عن عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ مرسلا، وفي الخبر: "فصم يوما مكان ما أصبت".
ولأن القضاء أكد من الكفارة؛ بدلالة أنه يجب على المعذور، والكفارة لا تجب على المعذور؛ فكان بأن يجب في الموضع الذي تجب فيه الكفارة أولى.
والله أعلم.
فصل
وأما ما تجب به الكفارة في أصله هو الاعتماد للفطر في رمضان من غير اعتبار بما به يقع الفطر ولا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة في أن الكفارة تجب بالأكل والشرب والجماع في الفرج، إلا أنه قال: إن كان الجماع دون الفرج فلا كفارة فيه، وإن كان الأكل والشرب مما لا يقع الاغتذاء به فلا
[ ١ / ٢٦٧ ]
كفارة فيه.
وقال الشافعي: إنما تجب الكفارة بجماع في فرج.
فحصل الخلاف بيننا وبينه في الأكل والشرب والجماع فيما دون الفرج وسائر ما يقع به الإفطار عدا الجماع في الفرج.
واستدل أصحابه بأن قالوا: لأنه أفكر بسبب لا يحد به الحد بحال؛ فوجب ألا تجب عليه الكفارة.
أصله: إذا قاء عامدا.
قالوا: ولأنه أفطر بمعنى ينفرد به الشخص الواحد؛ فوجب ألا تلزمه الكفارة.
أصله: القئ، أو الأكل في السبب المباح كالسفر.
قالوا: ولأنه مفطر بغير جماع؛ فلم تلزمه الكفارة.
أصله: إذا بلغ لؤلؤة، أو حصاة.
قالوا: ولأن الأصل في الكفارة هو الخبر؛ وإنما ورد بجماع تام في صوم تام.
وقد اتفقنا على أنه إذا كان جماع تام في صوم غير تام وهو النذر والكفارة فإنها لا تتعلق به كفارة؛ فكذلك يجب إذا كان جماع غير تام في صوم تام فيجب ألا تجب به كفارة.
قالوا: ولأنه مفطر بأكل في صوم؛ لأنهم لا يسمون الأكل ناسيا مفطرا.
قالوا: ولأنه صوم شرعي فوجب ألا تجب بالأكل فيه كفارة.
[ ١ / ٢٦٨ ]
أصله: صوم النذر والتطوع.
قالوا: ولأن كل موضع حرم فيه الوطء وغيره كان للواطئ مزية على غيره؛ ألا ترى أن الأجنبية يحرم على الرجل وطئها وقبلتها وغير ذلك، ثم إذا وطئها حد، وإذا قبلها أو لمسها فلا حد عليه؟ وكذلك الحج إذا أفسده بالوطء فعليه الكفارة، وإذا فعل غيره من القبلة والملامسة لم يفسده؟ فكذلك في مسألتنا يجب أن يكون للوطء مزية على غيره.
وليس ذلك اختصاصه بالكفارة؛ لأن سائر ما يجب به من إفساد الصوم وإيجاب القضاء وغير ذلك فالوطئ فيه مساو لغيره فيه.
والأصل في هذا ما استدل به أصحابنا؛ وهو ما روى مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان في زمان النبي ﷺ فأمره رسول الله ﷺ أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا.
ووجه الاستدلال من هذا هو أن الراوي نقل الحكم وسببه؛ فوجب تعليقه به.
فإن قيل: إذا كان السبب من عند الراوي، ولم يذكر عن النبي ﷺ ولا عن السائل ما يدل على تعلق الجواب به لم يكن به اعتبار، [ق/٥٨] ويحتمل أن يكون هذا المفطر أفطر بجماع أو بأكل، وليس يجوز أن يكن له حمله على الأكل إلا ولنا حمله على الوطء، وليس في الخبر لفظ عموم يتعلق به.
[ ١ / ٢٦٩ ]
قيل له: هذا غير صحيح؛ لأن السبب إذا نقل مع الحكم وجب تعليقه به، سواء كان من عند الراوي أو من عند صاحب السبب؛ ألا ترى أنه تعلق حكمه بصيام اليومين من رمضان بقول الراوي: جاء الأعرابي فذكر انه رأى الهلال فأمر النبي ﷺ الناس أن يصوموا من الغد؟ وكذلك يقولون في أن محرما وقصته ناقته إن هذا نقل الحكم بسببه.
وكذلك روى أن ماعزا زنا؛ فرجم، وأن النبي ﷺ سهى فسجد.
إن كل ذلك تعليق الحكم بسببه مع احتمال ما قلتموه؛ فكذلك سبيلنا في الاحتجاج بما ذكرناه.
وأوضح من ذلك مما لا يتوجه هذا السؤال عليه ما رواه زيد بن الحباب عن عمر بن عثمان بن المخزومي عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رجلا قال لرسول الله ﷺ: إني أفطر في يوم رمضان. فقال ﷺ: "اعتق رقبة، أو صم شهرين، أو أطعم ستين مسكينا".
ووجه الاستدلال من هذا هو أن السبب ذكر مطلقا، وورد الجواب مطلقا من غير استفصال؛ فصار كأنه قال: من أفطر يوما من رمضان فليعق رقبة.
وهذا أحد أقسام العموم.
ويدل على ذلك قوله ﷺ: "من أفطر في رمضان عامدًا
[ ١ / ٢٧٠ ]
فعليه ما على المظاهر".
فإن قيل: الكفارة إنما تجب على العائد، وإطلاق اسم المظاهر لا يتناول العائد.
قيل له: المظاهر على ضربين: عائد، وغير عائد.
والخبر يوجب الكفارة على المفطر عامدا كما هي على المظاهر؛ فأي شيء وجب على المظاهر فهو واجب على المفطر إلا ما قام عليه الدليل.
وأيضا فلأن الأكل قاصدا الإفطار في نهار رمضان على وجه الهتك وعدم العذر؛ فوجب أن تلزمه الكفارة.
أصله: المجامع عامدا.
فإن قالوا: ينتفض بالمستقئ عامدا.
قيل لهم: من قال من أصحابنا أنه يفطر بالاستقاء ويكون القضاء واجبا قال: إن عليه الكفارة.
ومن قال: إن القضاء استحباب فليس بمفطر عنده؛ فالواصف غير موجود على أصله.
فإن قيل: ينتقض بمن بلع حصاة عامدا.
قيل له: الذي ذكره مالك ﵀ في "المختصر" أن عليه القضاء، ولم يحد صاحب المختصر شيئا في الكفارة.
وكان شيخنا أبو بكر الأبهري ﵀ يقول: القياس على مذهبه أن تلزمه الكفارة.
[ ١ / ٢٧١ ]
وهذا هو الصحيح على ما قلناه.
قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾.
وظاهر هذا يقتضي جواز صيام أيام منى للمتمتع.
وروى الزهري عن سالم عن أبيه قال: رخص النبي ﷺ للمتمتع إذا لم يجد الهدى ولم يصم أيام العشر أن يصوم أيام التشريق.
وهذا نص.
ولأن كل يوم لا تصلى فيه صلاة العيد فإنه يصح صومه مع سلامة الصائم.
أصله: سائر الأيام.
فأما نهيه ﷺ عن صوم أيام التشريق فمخصوص في غير المتمتع.
وقوله: "إنها أيام أكل وشرب وبعال" لا ينفي أن يصومها المتمتع بدليل.
والمعنى في يوم الفطر والنحر أنه يوم تصلى فيه صلاة العيد، وليس كذلك أيام التشريق.
وقولهم لما لم يجز صوم يوم النحر وهو إلى الحج أقرب كانت أيام
[ ١ / ٢٧٢ ]
التشريق بأن لا تصام أولى غير صحيح؛ لأن يوم النحر إنما لم يجز صومه لمعنى يختص به؛ وهو أنه تصلى فيه صلاة العيد، وأيام التشريق ليس فيها هذا المعنى.
والله أعلم.
وعلى أنه لا يجوز أن يعبر جواز صوم الواجب في الزمان بصيام التطوع؛ لأن الأصول قد فرقت بين الواجب والتطوع فيما يرجع المنع فيه إلى الزمان؛ ألا ترى أن التطوع ممنوع بعد العصر وبعد الصبح ولو ذكر فرضا عليه القضاء في هذه الأوقات؟.
فكذلك يجوز له أن يصوم عن تمتعه أيام منى وإن لم يجز له أن يبتدئ التطوع فيها.
والله أعلم.
فصل
فأما اليوم الرابع من النحر فإنه أخف حكما مما قبله؛ لأن اليومين قبله أحكام النحر قائمة فيهما من جواز النحر والتكبير في الصلوات، وليس كذلك في اليوم الرابع؛ لأنه ينقطع فيه هذا أجمع؛ لأنه لا تجوز فيه الأضحية، وينقطع فيه التكبير عقيب كل صلاة من صلاة الفجر؛ فجاز أن يصوم الناذر وصاحب التتابع، ولم يجز للمتطوع؛ لما بيناه من أن الوجوب أكد حالا من التطوع؛ فجاز في الواجب ما لم يجز في التطوع.
والله أعلم.
[ ١ / ٢٧٣ ]
مسألة
قال ﵀: "ومن أفطر في نهار رمضان ناسيا فعليه القضاء فقط".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب﵀: وهذا كما قال مذهبنا أنه إذا أفطر في نهار رمضان ناسيا فقد بطل صومه، ولزمه القضاء، سواء كان إفطاره بأكل أو شرب أو جماع.
وقال أبو حنيفة: القياس أنه يجب عليه القضاء، والاستحسان أن لا قضاء عليه.
وقال الشافعي: إذا أكل أو جامع ناسيا فصومه صحيح لم يفسد، وليس بمفطر، ولا قضاء عليه.
واستدل أصحابه بما رواه محمد بن عبد الله الأنصاري عن محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال في الذي يأكل في رمضان [ق/٥٩] ناسيا: لا قضاء عليه ولا كفارة.
وهذا نص.
قالوا: ولقوله ﷺ: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان".
والمراد بذلك الحكم، لا الفعل نفسه لا يرفع.
[ ١ / ٢٧٤ ]
قالوا: وروى أبو هريرة أن رجلا أتي النبي ﷺ فقال: إني أكلت وشربت ناسيا وأنا صائم. فقال: "الله أطعمك وسقاك".
ففيه دليلان:
أحدهما: أنه نفى عنه الفعل، وأضافه إلى الله تعالى؛ فعلم أنه لا يتعلق عليه حكم.
والثاني: أنه موضع البيان؛ فلو كان قد أفطر وعليه القضاء لبينه له.
قالوا: وروى ابن وهب عن جرير بن حازم عن أيوب السختيان عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من نسى وهو صائم فأكل وشرب فليتم صومه؛ فإنما الله أطعمه وسقاه".
فلما سماه صائما وأمره بإتمام الصوم علم أنه لم يفطر.
قالوا: وروى الحسن البصري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من نسى الصوم فأكل وشرب فلا يفطرن؛ فإن الله أطعمه وسقاه".
قالوا: ولأن كل عبادة يفسدها الأكل عمدا لم تفسد بوقوعه فيها سهوا.
أصله: الصلاة.
[ ١ / ٢٧٥ ]
قالوا: ولأنه معنى يقع في أثناء الصوم يختص عمده بإفساده الصوم؛ فوجب أن لا يفسده خطؤه وسهوه.
أصله: القئ.
قالوا: ولأن وقوع الأكل والشرب والجماع في الصوم على وجه السهو مما لا يمكن الاحتراز منه وما هذه سبيله فهو معفو عنه؛ ألا ترى أن الكلام سهوا لا يفسد الصلاة؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه.
والدلالة على صحة قولنا أنه قد ثبت من أصلنا أن الأكل ناسيا مفطرا كله، فإن سلموا هذا فقد صحت المسألة؛ لأن أحدا لا يوجب الفطر ويمنع من وجوب القضاء؛ لأن علة وجوب القضاء هو الإفطار.
وإن لم يسلم دللنا عليه بأن نقول: لأنه أكل في نهار صوم؛ فوجب أن يكون مفطرا بأكله، أو يجامع في صوم فكان مفطرا بجماعه.
أصله: إذا فعل ذلك عامدا.
فإن قيل: المعنى في العمد أنه يمكن الاحتراز منه، وليس كذلك النسيان؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه.
فالجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن ما تفسد به العبادات لا يقف على ما يمكن الاحتراز منه دون ما لا يمكن ذلك فيه؛ ألا ترى أن غلبة الحدث مفسدة للوضوء والصلاة إذا وقع في خلالها وإن كان ذلك مما لا يمكن الاحتراز منه.
وكذلك لو وطأ ناسيا في الحج لأفسده وإن كان ذلك مما لا يمكنه الاحتراز منه.
[ ١ / ٢٧٦ ]
والثاني: أنه يمكنه الاحتراز من وقوع الأكل على وجه السهو بأن يتحفظ ويستديم الاهتمام له والتذكر له؛ لأن النسيان ليس يكاد يلحق في الغالب إلا بضرب من التفريط، وترك التوقي والتحفظ.
والثالث: أنه لو كان الأمر على ما ذكروه لوجب ألا يفسد الصوم من الحيض؛ لأنها لا تتمكن من الاحتراز منه، ومع ذلك فإن العبادة تفسد به.
وتنتقض أيضا بمن لحقه العطش؛ فإن له إذا خاف على نفسه التلف أن يشرب الماء ويفسد صومه مع ذلك وإن كان ما لحقه مما لا يمكن الاحتراز منه.
وعلى أن عدم تمكن الاحتراز منه إن كان لأجل النسيان استوى في ذلك الأكل والنية، وقد ثبت أنه لو نسى النية لبطل صومه وإن كان لا يمكنه على ما زعموا الاحتراز منه.
فبطل ما قالوه.
ويدل على ذلك أيضا أن كل عبادة لم تصح مع جنس فعل من الأفعال إذا وقع فيها عمدا على كل وجه؛ فلذلك أفسدها سهوه.
أصله: الحدث في الطهارة والصلاة؛ لأن الطهارة والصلاة لا يصحان مع عمد الحدث على كل وجه؛ فلذلك أفسدهما سهوه.
كذلك الصوم لما لم يصح مع عدم الأكل على وجه لم يصح مع سهوه.
ولا يلزمه عليه الكلام سهوا في الصلاة؛ لأن الصلاة تصح مع جنس
[ ١ / ٢٧٧ ]
الكلام في العمد على وجه.
ويدل على ذلك أنه ليس بين أن يكون الإنسان صائما أو مفطرا منزلة ثالثة.
وإذا ثبت [] الصائم ثبت ما قلناه، والذي يبين ذلك قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾.
والصيام ها هنا هو الإمساك عن الأكل والشرب بطلوع الفجر؛ فوجب إذا أكل في تضاعيف اليوم ألا يكون صائما؛ لأن إتمام الصوم لم يحصل منه؛ لأن الأكل ينافي الإمساك؛ فلم يحصل منه إتمام الصوم.
فإن قيل: إن هذا الأكل لم يكن يقصد منه.
قيل له: إلا أنه قد منع حصول إتمام الصيام. وهذا هو الذي أردناه.
ولأنه أكل في صوم مفترض لا يسقط بالمرض؛ فوجب أن يلزمه القضاء.
أصله: العامد.
ولأن الصائم لا يكون صائما في الشريعة إلا بالإمساك كما لا يكون صائما إلا بالنية، ثم قد ثبت أنه لو نسى النية لم يجزئه؛ كذلك إذا نسى الإمساك.
ولأن كل معنى على وجه السهو؛ كترك النية.
[ ١ / ٢٧٨ ]
وإذا ثبت هذا فالجواب عن الخبر الأول أنه يحتمل أن يكون نفى الواجب على الفور أو اجتماع القضاء والكفارة؛ بدلالة ما ذكرناه.
ويحتمل أن يكون الراوي نقله على معنى قوله: "الله أطعمك وسقاك" معتقدا أنه يقتضي سقوط القضاء.
وقوله: "رفع عن أمتي الخطأ [ق/٦٠] والنسيان" مفهومه: رفع المأثم والحرج دون غيره.
هذا إن سلمنا أن له عادة في الاستعمال، ولم نقل إنه مجمل لا يعقل المراد به.
واعتبارهم العموم في جميع ذلك باطل؛ لأن الحكم ليس بمذكور في اللفظ، والعموم لا يدعي في المضمرات.
وقوله لمن سأله: "الله أطعمك وسقاك" لا حجة فيه؛ لأن ظاهره في الفعل، والفعل واقع منه؛ فلم يكن حمله على سقوط القضاء إلا من حيث أمكن فعله على سقوط المأثم، ولا يجوز حمله على العموم؛ لما ذكرناه، ولا على مفهوم عادة في استعماله، لاتفاقنا على أنه لو خاطب كل معذور بذلك لساغ؛ ألا ترى أنه لو قال له رجل: إني مرضت فأكلت، أو لحقني العطش أو الجوع فأكلت؛ فقال: (الله أطعمك وسقاك) لساع ذلك ولم يستحل؛ فبان بذلك ما قلناه.
[ ١ / ٢٧٩ ]
وقولهم: إن ذلك موضع البيان؛ فلو كان القضاء واجبا لذكره. فالجواب عنه أنه ليس في الخبر ذكر للحكم الذي سأل عنه، ويحتمل أن يكون سأل عن حكم مخصوص فأجابه بجواب مخصوص؛ فسقط ما قالوه.
وتعلقهم بقوله: "فليتم صومه" معناه: إمساكه؛ بدلالة ما ذكرناه.
وقوله: "لا يفطرن" لا يستديم الفطر.
واعتبارهم بالصلاة في أن الأكل سهوا لا يفسدها لا نسلمه على الإطلاق؛ لأنه إن كثر فيها أفسدها.
وقولهم في الأكل: إن عمده يختص بإفساد الصوم باطل؛ لأن سهوه يفسده عندنا؛ فالعمد غير مختص؛ لأن الخطأ والسهو مشارك له أيضا.
ولأن عمد القيء مختلف بين أصحابنا في فساد الصوم به.
وينتقض بالردة إذا فعلها في أثناء الصوم ناسيا لصومه.
فإن قالوا: المنع من الردة لا يختص بالصوم؛ لأنه ممنوع منها في الصوم كما هو ممنوع منها في الفطر.
قلنا: وكذلك عمد الأكل لا يختص بالصوم؛ لأنه يمنع منه في الصلاة.
فأما سقوط الكفارة عنه؛ فلأن الكفارة تجب في اعتماد الهتك لحرمة الصوم وعدم العذر، والناسي معذور وليس بهاتك؛ فلم تجب عليه الكفارة.
[ ١ / ٢٨٠ ]
مسألة
قال ﵀: "و[كذلك] ومن أفطر [فيه] لضرورة من مرض فعليه القضاء، ولا كفارة عليه".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀: أما وجوب القضاء فلا خلاف فيه أعلمه، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ معناه: فأفطر فعدة؛ فأوجب القضاء على المريض إذا أفطر.
ولأنه حصل أكلا في صوم واجب فأشبه العامد، والعذر لا يسقط القضاء.
وأما سقوط الكفارة عنه فلأنه ليس بهاتك؛ والعذر يسقط الكفارة عن المفطر. والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: "ومن سافر سفرا تقصر فيه الصلاة فله أن يفطر وإن لم تنله ضرورة، وعليه القضاء والصوم [أحب إلينا] ".
ومن متأخري أصحابنا من قال: إن بلغ الحصاة لا يفطر؛ لأنها لا تغذي ولا؛ فهذا القاتل لا يلزمه النقض؛ لأن الكفارة لا تكون إلا على
[ ١ / ٢٨١ ]
مفطر، والإفطار غير موجود هاهنا.
فإن قيل: ينتقض بالمرتد.
قيل له: لا يلزم ذلك من وجهين:
أحدهما: أنا قلنا قاصدا للهتك بالإفطار، والمرتد لم يقصد بارتداده إفساد الصوم خاصة، وإنما قصد هتك حرمة الإسلام، وجر ذلك إلى إفساد صوم رمضان.
فأما القصد والغرض فليس هو رمضان.
والثاني: إن قلنا بالإفطار في رمضان، ووصف العلة لا يلزم عليه إلا ما تناوله إطلاق الاسم، والردة ليست بإفطار، وإنما هو شيء يفسد الصوم بوقوعها فيه.
وليس كل ما أفسد الصوم كان إفطارا كما أنه ليس كل ما أفسد الصلاة كان حدثا فبطل ما قالوه.
فإن قيل: المعنى في الجماع أنه يفتقر إلى شخصين، وليس كذلك الأكل.
قيل له: هذا ليس بشيء؛ لأن وجوب الكفارات في الأصول لا يعتبر فيه كون ما يتعلق به مما يفتقر إلى شخصين أو شخص واحد؛ ألا ترى أن الحنث في كفارة اليمين تتعلق به الكفارة، سواء كان الفعل المحلوف عليه يحتاج إلى شخصين أو مما لا يحتاج إلى ذلك؛ فكذلك في هذا الموضع.
وأيضا فيجب أن يفرق بين الموضعين بما له تأثير في الحكم، وعلما أن كون الفعل مما يحتاج إلى شخصين أو إلى شخص واحد لا يؤثر في وجوب
[ ١ / ٢٨٢ ]
الكفارة ولا في سقوطها.
وأيضا فإن هذا ينتقض بالوطئ دون الفرج؛ لأنه لا يكون إلا بين شخصين، ولا تجب به كفارة عندهم.
فإن قالوا: الوطء لا يحصل إلا من الوطئ فقط.
قيل له: إلا أن الفعل نفسه لا يقع إلا من شخصين كان الفعل منهما أو من أحدهما؛ لأن الذي يفهم من قول القائل: إن الفعل يفتقر إلى شخصين أنه لا يقع من الواحد، وهذا موجود في الوطء دون الفرج.
وعلى أن الوطء في الفرج بهذه المنزلة؛ لأن الفعل إنما من الوطء، والمرأة لا يحصل منها إلا التمكن فقط؛ فالأمر واحد في الموضعين.
ويبين ما قلناه أيضا أن وجوب الكفارة لا يخلو أن يكون معتبرا بحال المفكر من كونه هاتكا وقاصدا لإفساد الصوم من غير عذر، أو بحال ما يفطر به من كونه أكلا وجماعا وغير ذلك، أو بهما جميعا.
فإن كان المعتبر هو بحال المفطر وجب ألا يعتبر بما به الصفة المطلوبة في الإفطار أن تتعلق عليه الكفارة.
وإن كان المعتبر بما به يقع الفطر بانفراده فذلك باطل من قول الجميع.
وإن [ق/٦١] كان المعتبر بالأمرين جميعا فذلك خلاف الأصول؛ لأنا قد وجدنا حكم الكفارة متعلقا بحال المفطر؛ فأنها تجب بمعنى؛ إذا سقط ذلك المعنى سقط وجوبها.
وقد علمنا أن المراعي في إسقاط الكفارة هو بحال المفطر لا بما به وقع
[ ١ / ٢٨٣ ]
الفطر؛ ألا ترى أن الجماع الذي يتفق على أنه يؤثر في الكفارة إذا وجدناه غير موجب لها لم يكن ذلك إلا لأمرين يرجع إلى المفطر من كونه غير هاتك ومعذورا، وما أشبه ذلك؛ فبان بما قلناه أن الاعتبار في وجوب الكفارة وسقوطها بحال المفطر لا بما به يقع الفطر.
وهذا يصلح أن يجعل دليلا مبتدءا وجوابا عن سؤالهم.
وكذلك حال الكفارات في غير الصوم أيضا.
ويوضع ذلك أيضا أن الكفارة في هذا الموضع طريقها التغليظ والعقوبة، ووقوع الفطر على وجه ممنوع بأمر ممنوع محظور أولى بأن يتعلق به وجوب الكفارة من وقوعه بأمر مباح لو لم يكن على هذا الوجه.
وقد ثبت أن الإفطار بجماع الزوجة والأمة الذي هو مباح في غير الصوم أخف حكما من الإفطار بشرب الخمر، فإذا كانت الكفارة واجبة به كانت بأن تجب بشرب الخمر أولى.
فأما وقوع الفعل من شخصين فلا مدخل له في تغليظ ولا تخفيف؛ فسقط اعتباره.
وأيضا فلما أوجب مخالفنا الإطعام على الحامل والمرضع وإن كانتا معذرتين بالإفطار لكونهما مفطرتين من أجل غيرهما لا من أجل نفسيهما، وكان هذا عنده أمرا مؤثرا في وجوب الإطعام مع كونه عذرا يبيح الإفطار كان الأكل عامدا قاصدا للهتك أولى بذلك؛ لأنه ابعد عن العذر ممن ذكرناه.
فأما قولهم: إنه أفطر بسبب لا يجب عليه الحد بحال والمستقئ عامدا فلا يؤثر على قولهم؛ لأن شرب الخمر وغيره من المسكر يوجب الحد عندنا وعندهم، ولا كفارة عليه عندهم.
[ ١ / ٢٨٤ ]
ولفظ العلة ينتقض بوطء الزوجة والأمة، إلا أن يريدوا أن الحد لا يجب بشيء من جنس ذلك الفعل.
ولأن الاستقاء مختلف في وجوب الفطر به بين أصحابنا، ووجوب الكفارة هو فرع لذلك، ومن قال منهم بأنه يفطر أوجب فيه الكفارة.
وقولهم: أفطر بمعنى ينفرد به الشخص الواحد؛ فأشبه إذا استقاء أو إذا أكل في السفر قد أجبنا عنه وبينا أن اعتبار الفطر بوقوع الفعل من شخص واحد أو من شخصين لا تعلق له بالكفارة، وأن المستقئ عامدا إذا كان مفطرا فعليه الكفارة.
وعلى أن اعتبار إسقاط الكفارة في السفر بالأكل لكونه إفطارا إنما ينفرد به الشخص الواحد لا تأثير له؛ لأن الاعتبار بكون الحال عذرا يبيح الفطر بدلالة أنه لو أفكر بما يشترك فيه الشخصان لم تلزمه كفارة، وأن سقوط الكفارة بالإفطار في السبب المباح بما يقع مع الشخصين على حد سقوطها بما يقع من الشخص الواحد؛ لاشتمال حال العذر على الموضعين.
وقولهم لأنه مفطر بغير جماع؛ فأشبه إذا بلع حصاة أو لؤلؤة فالجواب عنه أن بالع الحصاة إذا كان مفطرا عامدا فعليه الكفارة على ما ذكرناه عن أصحابنا، وإنما منع من ذلك من يقول: إنه لا يفطر.
وليس لهم أصل يقيسون عليه؛ لأن الإفطار حيث حصل في رمضان مع عدم العذر فالكفارة متعلقة به عندنا.
وقولهم: إن الخبر ورد بجماع تام، فلما كان الجماع التام إذا ورد في صوم غير تام لا تجب به كفارة؛ كذلك الجماع غير التام إذا كان في صوم
[ ١ / ٢٨٥ ]
تام فلا كفارة فيه.
فالجواب عنه أن يقال: ما الذي أردتم بقولكم: في صوت تام؟ فإن قالوا: أردنا في صوم رمضان فقط قلنا: وما الذي يفيده وصفكم لصوم رمضان بأنه وصف تام.؟ فإن قالوا: إنه واجب فقط لزم ذلك في النذر والقضاء.
وهم لا يقولون بذلك، ولا نحن أيضا.
وإن قالوا: إنه أعلى الصيام منزلة ورتبة؛ لأنه وجب ابتداء من قبل الله تعالى.
قيل لهم: ما طريقة الفضيلة والحرمة وهو مساو لغيره في صفة الأداء، وشروطه لا تقتضي كون غيره ناقصا عنه.
وإنما جاز أن يعبر عن الوطء فيما دون الفرج بأنه غير تام؛ لأنه ليس بوطء من وجه آخر، وهو كونه وطئا في الفرج، فنفس الفعل مختلف في الأداء، وليس كذلك الصوم؛ لأن شرط الأداء في جميعه واحد؛ لأن أداء صوم رمضان والنذر والقضاء والنفل على حد واحد غير مختلف؛ فيبطل ما قالوه.
فيقال لهم: إذا كنا نحن وأنتم نقول بالقياس فما الذي يمنع من قياس الجماع الذي هو غير تام على الجماع التام بعلة تقتضي الجمع بينهما كما فعلنا جميعا ذلك في تحريم التفاضل في التمر والبر وغيرهما واحد من القياسين لا يعترض على قائس في إلحاق غير المنصوص عليه به مع العلة؛ لأنه يكون معترضا على نفسه.
[ ١ / ٢٨٦ ]
فأما الجماع التام إذا وجد في الصوم غير التام فإنا لم نوجب فيه كفارة؛ لعدم الدليل على إلحاقه بالمنصوص، وهذا ظاهر في بطلان ما قالوه.
واعتبارهم بالأكل ناسيا باطل؛ لأنه معذور بإفطاره عندنا، وإنما الكفارة على من ليس بمعذور؛ هذا على أصلنا.
فأما على أصلهم فالأكل ناسيا غير مقطر؛ فالكفارة لا تجب إلى على مفطر؛ فشرط [ق/٦٢] وجوبها لم يحصل.
وقولهم: إنه صوم شرعي؛ فلم تجب بالأكل فيه كفارة كالنذر باطل، لأن النذر والنفل لا تجب فيه كفارة لا بالأكل ولا بغيره؛ فتقيد سقوط الكفارة فيه الأكل لا معنى له.
ويجوز أن يعلل بأنه صوم لا تجب الكفارة بالجماع فيه؛ فلذلك لم تجب بالأكل.
وأيضا فإن الكفارة متعلقة بحرمة الزمان الذي وقع فيه الفطر، وليس لغير رمضان حرمة رمضان؛ فلذلك لم يساوه في تعلق الكفارة به.
وقولهم إن الوطئ إذا اجتمع مع غيره كان للوطء مزية عليه باطل غير صحيح عندنا، ولعل على أصلهم وسائر ما ذكروه من الأحكام التي تختص بالوطء فليس ذلك لمزية الوطء؛ بدلالة أنا لو فرضنا تحريم الوطء خاصة وتحليل سائر ما حرم معه لكان ذلك الحكم ثابتا للوطء وإن لم يكن هناك ما يقتضي مزية عليه؛ فبان أن ذلك إنما وجب لقيام دليل عليه.
وبالله التوفيق.
[ ١ / ٢٨٧ ]
مسألة
قال ﵀: "والكفارة في ذلك إطعام ستين مسكينا؛ لكل مسكين بمد النبي ﷺ فذلك أحب إلينا. وله أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب﵀: لا خلاف أن الكفارة في الصيام هي الإطعام، والعتق، والصيام.
والأصل فيه ما رويناه من أمر النبي ﷺ لمن ذكر له أنه أفطر في رمضان بأن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا. إنما الخلاف في أنها مرتبة أو مخير فيها؛ فعندنا أنها على التخيير دون الترتيب.
وعند أبي حنيفة والشافعي ﵄ أنها على الترتيب؛ فإن كان يقدر على رقبة الإعتاق فلم يجز له التكفير بالصيام ولا بالإطعام. فأن لم يقدر على رقبة لزمه الصيام. فإن لم يقدر فالإطعام.
واستدلوا بما رواه سفيان بن عيينة عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: أتي رجل النبي ﷺ فقال: هلكت. قال: "ما شأنك؟ " قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال: "فهل تجد ما تعتق رقبة؟ " قال: لا. قال: "فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ " قال: لا.
قال: "اجلس " الخبر.
وروى الأوزاعي عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال
[ ١ / ٢٨٨ ]
للذي أفطر: "اعتق رقبة" قال: لا أقدر. قال: "فصم شهرين". قال: لا استطيع. قال: "أطعم ستين مسكينا".
قالوا: ففي هذا دليلان:
أحدهما: إنه قال له: اعتق رقبة؛ وذلك يفيد وجوبها وانحتامها.
والثاني: إنه قال: لا أجد؛ فقال له: صم شهرين؛ تقديره: إذا لم تجد رقبة فصم شهرين؛ فدل على أن الكفارة مرتبة.
قالوا: وروى مجاهد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أمر الذي أفطر في رمضان بكفارة المظاهر.
قالوا: ولأنها كفارة فيها صوم وبدل؛ فوجب أن تكون مرتبة اعتبارا بكفارة الظهار.
ويريدون بقولهم: صوم بدل أن الإطعام بدل عن الصيام ينوب منابه.
قالوا: ولأنها كفارة لا تجب إلا على مأثم؛ فوجب أن تكون مترتبة كالظهار.
قالوا: ولأنه صوم تبع العتق شرعا؛ فوجب أن يكون مرتبا عليه.
أصل ذلك الصوم في كفارة القتل.
قالوا: قولنا: تبع العتق شرعا أن الأخبار وردت بأنه ﷺ أمر الذي أفطر في رمضان بالصوم بعد أن أمره بالعتق.
قالوا: ولأن الكفارة إذا كانت على الترتيب بدئ فيها بالأغلظ، وإذا كانت على التخيير بدئ فيها بالأخف، ووجدنا كفارة الصيام بدئ فيها بالأغلظ وهو العتق؛ فعلم بذلك أنها على الترتيب ككفارة الظهار.
[ ١ / ٢٨٩ ]
ألا ترى أن كفارة اليمين لما كانت على التخيير بدئ فيها بالأخف؛ وهو الإطعام؟
والدلالة على صحة قولنا: ما رواه مالك عن ابن شهاب عن حميد ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان؛ فأمره رسول الله ﷺ أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينا.
ولفظ (أو) يقتضي التخيير؛ فوجب أن تكون الكفارة على التخيير.
فإن قالوا: خبرنا أولى؛ لأن من روى الترتيب أكثر ممن روى التخيير؛ لأن الذي روى التخيير عن الزهري: مالك وابن جريج، والذين رووا الترتيب: سفيان بن عيينة ومعمر والأوزاعي، والخبر يترجح بكثرة الرواة؛ لأن ذلك أبعد من الغلط، وأقرب إلى التواتر.
قلنا: الأمر على ما قلتم في أن كثرة رواة الخبر مما يرجح به على ما هو أقل رواة منه، لكن هذا قد أخطأتم في قولكم إن رواة التخيير عن الزهري: مالك وابن جريج فقط؛ لأن رواة التخيير عنه أكثر من رواة الترتيب؛ وذلك أن التخيير رواه عنه: مالك، وابن جريج، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو أويس، وعمر بن عثمان المخزومي.
فأما حديث مالك، وابن جريج فقد تقدم ذكرهما.
وأما حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، وأبي أويس: فروى أبو بكر ابن الجهم قال: حدثنا أبو إسماعيل الترمذي قال: حدثنا أيوب بن سليمان
[ ١ / ٢٩٠ ]
ابن بلال قال: حدثنا عبد المجيد بن أبي أويس قال: حدثنا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: أخبرنا ابن شهاب عن حميد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أمر رجلا أفطر أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينا.
قال أبو بكر: وحدثنا العباس بن الفضل قال: حدثنا أبي أويس قال: حدثنا أبي أن ابن شهاب أخبره [ق/٦٣] عن حميد أن أبا هريرة حدثه أن رسول الله ﷺ أمر رجلا أفطر في رمضان بمثل حديث يحيى بن سعيد تاما.
وأما حديث مليح: فرواه أبو بكر عن محمد بن سعد الصيرفي عن أبيه عن مليح عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أمر رجلا أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا؛ وذلك لأنه وقع على امرأته.
وأما حديث المخزومي: فرواه أبو بكر أيضا قال: حدثنا إبراهيم الحرمي عن عبد الله بن عمر بن أبان عن زيد بن الحباب قال: حدثنا عمر ابن عثمان المخزومي قال: حدثنا الزهري عن حميد عن أبي هريرة أن رجلا قال لرسول الله ﷺ أنه أفطر في يوم من رمضان؛ فقال: "اعتق رقبة، أو صم شهرين أو أطعم ستين مسكينا".
فثبت بما ذكرناه أن رواة التخيير أكثر من رواة الترتيب؛ فوجب بذلك
[ ١ / ٢٩١ ]
ترجيح أخبارنا على أخبارهم.
فإن قالوا: من روى الترتيب فقد ذكر لفظ النبي ﷺ، ومن روى التخيير فإنما نقل فعله، ورواية من روى القول أولى.
قلنا: إذا كنا نتفق أن قول الصحابي: (أمر رسول الله ﷺ بكذا، ونهى عن كذا) في لزوم الحجة به بمنزلة أن ينقل اللفظ الذي به أمر سقط ما قلتم.
على أن من رواة التخيير من ذكر لفظ النبي ﷺ؛ وهو ما ذكرناه من حديث عمر بن عثمان المخزومي.
هذا مع تسليم أن أخبارهم مرتبة، وإلا فالوجه منع ذلك؛ لأن للترتيب حروفا تختص به: كالفاء، وثم، وغير ذلك.
وليس عن النبي ﷺ في ذلك شيء، وإنما قال الأعرابي: لا أجد؛ فقال: فافعل كذا، ولم يقل ﷺ: إن لم تجد كذا فكذا.
فإن قيل: تقديره كأنه قال: إن لم تجد العتق فصم شهرين.
قيل له: لم وجب أن يكون هذا تقديره وهذه دعوى لا دليل عليها؟
فإن قيل: يحتمل خبركم أن يكون ﷺ علم ما آل أمره إليه؛ وهو أنه لا يقدر على العتق ولا الصوم فأمره بالإطعام؛ بدلالة خبرنا.
قيل له: هذا باطل؛ لأنه خيره بين الجمع على حد واحد، ومن ليس بقادر على العتق لا يقال له:
إن شئت فأعتق.
فإن قيل: من ليس هو من أهل العتق إذا تطوع بالعتق أجزأه.
[ ١ / ٢٩٢ ]
قيل له: إن كان قادرا عليه وجب عليه عندكم، وإن كان غير قادر عليه لم يصلح أن يقال: إن شاء تطوع؛ لأنه لا يتطوع بما لا يقدر عليه.
ومما يدل على ما قلناه: ما رواه ابن وهب قال: أخبرنا عمر بن الحارث أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه أن محمد بن جعفر حدثه أن عباد ابن عباد بن عبد الله حدثه أنه سمع عائشة ﵂ تقول: أتى رجلا النبي ﷺ فقال: أصبت أهلي. فقال: "تصدق" قال: والله ما لنا شيء، وما أقدر. قال" "اجلس" فجلس
ووجه الاستدلال منه: أنه أمره بالتصدق، ولم يأمره بالإعتاق؛ فبطل بذلك الترتيب.
ومن جهة القياس: أنها كفارة وجبت عن غير عود ولا إيلاف؛ فكانت على التخيير؛ اعتبارا بكفارة اليمين.
فأما الأخبار فقد أجبنا عنها، وأما ما رووه بأن عليه ما على المظاهر فمصروف إلى الأصناف التي تجب على المظاهر.
وأما قياسهم على كفارة الظهار بأن فيها صوما هذا بدل ففيه خلافنا؛ لأن وجوب الإطعام كوجوب الصيام عندنا، وترتيبه كترتيبه؛ فليس ببدل له.
على أن كفارة الظهار لا تجب بنفس الظهار، بل بأمر آخر وهو العود، وليس كذلك مسألتنا؛ لأن الكفارة هاهنا تجب بنفس الفطر.
وقولهم: لأنه صوم تبع العتق شرعا لا نسلمه.
[ ١ / ٢٩٣ ]
وقولهم: أردنا به ورود الأخبار بالصوم بعد العتق باطل من وجهين:
أحدهما: إن هذا لا يوجب أن يكون الصوم تبعا للعتق.
فإن قالوا: هذا الذي أردناه.
وقيل لهم: لا ننكر أن تكونوا أردتم شيئا وعبرتم عنه بغير عبارته وبما يفيد غير معناه؛ فلا يلزمنا قبوله.
والوجه الآخر: إن الأخبار قد وردت أيضا بالتساوي بين الصوم والعتق؛ فلم يكونوا بأن يقولوا: إن الصوم تبع العتق في الشرع لأجل أخبارهم بأولى منا أن نقول: لأنه ليس بتبع له؛ لأخبارنا.
وقولهم: إن الكفارة إذا بدئ فيها بالأغلظ كانت على الترتيب؛ فالبداية إذا لم تكن بحرف الترتيب لم توجب الترتيب.
ويبطل بكفارة الصيد؛ لأنه بدئ فيها بالهدى، وهو أغلظ من الصيام والإطعام، وهو مع ذلك على التخيير.
والله أعلم.
فصل
فأما اختيار الإطعام: فلأنه أعم منفعة؛ لأن العتق يخص المعتق فقط، والصيام لا منفعة فيه غير الصائم، والإطعام يسقط الفرض وتعم منفعته جماعة المساكين؛ فلذلك استحبه.
وقد روينا عن النبي ﷺ أنه قال للذي سأله: "تصدق"؛ فأمره بالإطعام.
[ ١ / ٢٩٤ ]
مسألة
قال ﵀: "وليس على من أفطر في قضاء رمضان متعمدا كفارة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب﵀: وهذا لأن الكفارة إنما تجب لانتهاك حرمة الشهر. وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، وأشبعنا القول فيه.
مسألة
قال ﵀: "ومن أغمي عليه ليلا، فأفاق بعد طلوع الفجر فعليه قضاء الصوم".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ﵀: وهذا لأن عليه أن يدخل في الصوم من حيث يعلمه، ويشعر به، فإذا منعه عن [ق/٦٤] ذلك مانع غير معتاد، ولا مشقة تلحق فيه كالنوم وجب أن لا يصح دخوله فيه؛ لأن النوم معتاد لا يزيل حكم التكليف على الإطلاق، وتلحق المشقة في صرفه، وانتظار طلوع الفجر. وليس كذلك الإغماء.
ويبين ذلك أن الإغماء لا يلزم معه قضاء الصلوات الفوائت. وليس كذلك النوم؛ فثبت أنه أخف حكما من الإغماء.
والله أعلم.
[ ١ / ٢٩٥ ]
مسألة
قال ﵀: "ولا يقضي من الصلوات إلا ما أفاق في وقته".
قال القاضي﵀: قد ذكرنا هذا في كتاب الصلاة، وبيناه بما يغني عن إعادته.
مسألة
قال ﵀: "وينبغي للصائم أن يحفظ لسانه وجوارحه، ويعظم من شهر رمضان ما عظم الله سبحانه".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ﵀: وذلك لما رواه مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "الصيام جنة؛ فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث، ولا يجهل. فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم".
وروى المقبري عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله فيه حاجة أن يدع طعامه وشرابه".
وروى عمرة بن أبي عمرة عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش،
[ ١ / ٢٩٦ ]
ورب قائم حظه من قيامه السهر".
فثبت بهذه الأخبار أن الإنسان مأمور بحفظ لسانه من الكذب، والغيبة، والنميمة، والزور، وقول الهجر، وغير ذلك مما في معناه.
فإن فعل شيئا من ذلك فقد أساء، وصومه ماض، وهو قول كافة الفقهاء، إلا ما حكي عن الأوزاعي إن صح عنه أنه قال: إن فعل ذلك فقد أفطر؛ لقوله ﷺ: "خمس يفطرن الصائم"؛ فذكر فيهن الغيبة والنميمة والكذب.
وهذا عندنا على وجه التغليظ والمجاز.
ومعناه، سقوط الثواب بذلك عليه إن كان جنس لا يفطر المباح منه لم يفطر محظوره؛ كالقبلة، واللمس باليد، وكذلك الضرب باليد، وما أشبهه.
ويشهد لذلك من العكس أن كل ما أفطر مباحه فطر محظوره كالزنا ووطء الزوجة.
وقد ثبت أن مباح الكلام لا يفطر؛ فكذلك محظوره.
والله أعلم.
[ ١ / ٢٩٧ ]
مسألة
قال ﵀: "ولا يقرب الصائم النساء بوطء ولا بمباشرة ولا قبلة للذة في نهار رمضان، ولا يحرم ذلك في ليله".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب﵀: أما الوطء: فلا يجوز للصائم بوجه كما لا يجوز له الأكل والشرب؛ لأن ذلك لو جاز لجاز له الفطر.
فأما ما دون الوطئ من المباشرة للذة بالتقبيل وغير ذلك فإنه يكره له أيضا؛ لأنه من دواعي الوطئ؛ فلا يؤمن أن يؤديه إلى إفساد الصوم فإن فعل ذلك وسلم فلا شيء عليه وغن كان قد غرر؛ لأن ما يخاف منه إفساد الصوم فقد سلم منه.
وقد روى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: كان رسول الله يقبل بعض أزواجه وهو صائم، ويباشر وهو صائم، وتضحك.
وروى الأغمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم، ولكنه كان أملك لإربه.
وكان مالك يقول: بلغني أن عائشة كانت تقول إذا ذكر لها أن رسول الله ﷺ كان يقبل وهو صائم: وأيكم أملك لإربه من رسول الله ﷺ.
[ ١ / ٢٩٨ ]
وقد روي كراهة ذلك عن قوم من الصحابة والتابعين.
وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عباس سئل عن القبلة للصائم فرخص فيها للشيخ، وكرهها للشاب.
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان ينهي عن القبلة والمباشرة للصائم.
وذكر مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: لم أر القبلة تدعو إلى خير.
فأما قوله: ولا يحرم ذلك عليه في ليله: فلأنه ليس بمعتكف ولا محرم، وإنما يستوي منع ذلك في الليل والنهار للمعتكف والمحرم، إلا أن المحرم لا يبطل إحرامه بالقبلة والمباشرة للذة إذا سلم، والمعتكف يبطل اعتكافه بذلك؛ وبين ذلك قوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ إلى قوله ﴿فالآن باشروهن﴾ فقال أهل التفسير: إنه كان في أول الإسلام إذا صليت العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء إلى الليلة الأخرى.
وقالوا: إن رجلا وطئ امرأته وكان قد أعفى، وفيه نزلت هذه الآية
[ ١ / ٢٩٩ ]
مسألة
قال ﵀: "ولا بأس أن يصبح جنبا من الوطء".
قال القاضي ﵀: قد ذكرنا هذا فيما تقدم، وأشبعنا القول فيه.
مسألة
قال ﵀: "ومن التذ في نهار رمضان أو قبلة فأمذى لذلك فعليه القضاء".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب﵀: أصحابنا يقولون: إن هذا استحباب، وليس بإيجاب.
ووجهه هو جواز أن تكون القبلة حركت المني عن موضعه.
فأما إن سلم من ذلك فلا شيء عليه؛ لما ذكرنا، ولأن ما يوجب الوجوء لا يقع به الإفطار كاللمس للذة والبول.
مسألة
قال ﵀: "وإن تعمد ذلك [ق/٦٥] حتى أمنى فعليه الكفارة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: وهذا لأنه قاصدا للإفطار في رمضان من غير عذر فكان كالواطئ.
وقد ذكرنا هذا؛ فلا معنى لإعادته.
مسألة
قال ﵀: "ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".
[ ١ / ٣٠٠ ]
وإن قمت فيه بما تيسر فذلك مرجو فضله، وتكفير الذنوب به.
والقيام فيه في مساجد الجماعات بإمام، ومن قام في بيته [وهو] أحسن لمن قويت نيته وحده.
وكان السلف يقومون فيه في المساجد بعشرين ركعة، ثم يوترون بثلاث، ويفصلون بين الشفع والوتر بسلام.
ثم صلوا بعد ذلك ستا وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر.
وكل ذلك واسع.
ويسلم من كل ركعتين.
وقالت عائشة ﵂: ما زاد رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غيره على اثنتي عشرة ركعة بعدها الوتر".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀: أما الفصل الأول: فإنه لفظ النبي ﷺ رواه مالك وغيره عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة، ثم يقول: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك في خلافة أبي بكر ﵁ وصدر من خلافة عمر ﵁.
[ ١ / ٣٠١ ]
وروى سفيان عن أبي سلمة عن الزهري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "من صلى رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".
وقوله: إن قام بما تيسر فذلك مرجو فضله، وتكفير الذنوب به، فلأن الصلاة قربة وفعل خير، ومن أفضل الأعمال، وأفعال القرب والطاعات يرجى بها التكفير والعفو.
والأصل في قيام رمضان ما رواه مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ أن النبي ﷺ صلى في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ. فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا إني خشيت أن تفرض عليكم"، وذلك في رمضان.
وروى داود بن أبي هند عن الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير عن أبي ذر قال: صمنا مع رسول الله ﷺ يعني: رمضان فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت الليلة السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل. قال: "إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة" فلما كانت الرابعة لم يقم بنا. فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. قال: قلت: وما
[ ١ / ٣٠٢ ]
الفلاح؟ قال: السحور. ثم لم يقم بنا بقية الشهر.
وروى أبو الضحى عن مسروق عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا دخل العشر أحيا ليلة وشد المئزر، وأيقظ أهله.
وروى ابن وهب قال: أخبرني مسلم بن خالد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ وإذا ناس يصلون في ناحية المسجد فقيل: من هؤلاء؟ قيل: هؤلاء ناس ليس معهم قرآن، وأبي بن كعب يصلي بهم، وهم يصلون بصلاته. فقال النبي ﷺ: "أصابوا، ونعم ما صنعوا".
وقوله: إن كانوا في المسجد قياما؛ فلأن النبي ﷺ صلى التراويح بأصحابه في المسجد جماعة وكان هو إمامهم.
وكذلك روى من حديث أبي بن كعب.
وكذلك جمع عمر ﵁ بالناس، وكافة السلف.
وقوله: إن من قوى أن يصليها في بيته فذلك حسن؛ فلما رواه إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثنا ابن أبي أويس عن سالم عن أبي النضر عن بشر بن سعيد عن زيد بن ثابت عن النبي ﷺ أنه قال: "صلاة المرء في
[ ١ / ٣٠٣ ]
بيته أفضل من صلاته في جماعة إلا المكتوبة".
وقد نبه الله تعالى على ذلك في آية الصدقة حيث قال: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾. فكان ذلك أصلا في انتفاء كل ما يفعله الإنسان من التطوع مما ينفرد به دون الناس.
قال أصحابنا: ولأن في ذلك سلامة من الرياء والسمعة؛ فهو أفضل.
وقد روى ما ذكرناه عن جماعة من السلف.
وقال مالك: وليس كل الناس يقوى على ذلك؛ قد كان ابن هرمز ينصرف يقوم بأهله، وكان ربيعة وعدد واحد ينصرف ولا يقوم مع الناس. فأما المختار من القيام عندنا فهو ستة وثلاثون ركعة سوى الوتر.
قال مالك: بعث إلى في أن ينقص من ذلك فنهيت عن ذلك، ومنعت منه. وقد كان الناس يقومون بعشرين ركعة، والذي ذكرناه هو فعل أهل المدينة، وذلك أقوى عندنا من غيره، وسيما إذا لم يكن شيئا باجتهادهم.
وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر عن نافع قال: لم أر الناس إلا وهم يقومون تسعا وثلاثين ركعة، ويوترون منها بثلاث. فأما تطوع النبي ﷺ وما ذكر عن عائشة رضوان الله عليها فقد ذكرناه فيما سلف بما يغنى عن إعادته. وبالله التوفيق.
[ ١ / ٣٠٤ ]