مسألة
قال الشيخ: أبو محمد عبد الله بن أبي زيد ﵁ وحج بيت الله الحرام الذي بمكة فريضة على كل من استطاع إلى ذلك سبيلًا من المسلمين الأحرام استطاع إلى ذلك سبيلًا من المسلمين الأحرام البالغين مرة في عمره.
والسبيل: الطريق السابلة، والزاد المبلغ إلى مكة، والقوة على الوصول إلى مكة إما [راجلًا أو راكبًا]، مع صحة البدن".
قال القاض ألو محمد عبد الوهاب بن على - ﵀ -: علم بدئًا قبل الكلام على ما ذكره أن الحج ف اللغة: القصد؛ تقول العرب: حجنا البيت نجحه أي: قصدناه قال الشاعر:
أما والذي حج المصلون بيته مشاة وركبانًا محرمة البزل
أراد: قصد المصلون بيته.
وقال:
يحجن باليقظ حفاف الروح حج النصارى العيد وم الفصح
أراد: يقصدون.
[ ٢ / ٧١ ]
ويقال: الحج، والحج: بفتح الحاء وكسرها؛ فإذا كسرت فهو الاسم، وإذا فتحت كان مصدرًا؛ حججت أحج، حجًا.
وقوله تعالى:﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿قد قرئ بالوجهين جميعًا.
وحكى عن الخليل أنه قال: الحج: هو كثرة القصد إلى من تعظم.
قال الشاعر:
وأشهد من عوف حلولًا كثيرة يحجون سب الزبرقان الزعفرا
قال السب: العمامة. وكان الزبرقان يصبغ عمامته فكانوا يقصدون صبغ عمائمهم بمثل صبغه.
والنسك في اللغة: العبادة؛ يقال: رجل ناسك أي متعبد، ومنه قوله تعالى:﴾ فإذا قضيتم مناسككم ﴿أي: متعبداتكم.
وقيل: إن أصل النسك في اللغة: الغسل، وقولهم:
نسك ثوبه معناه: غسله.
ومنه قول الشاعر:
ولا ينبت المرعى سباخ عراير ولو نسكت بالماشية أشهر
[ ٢ / ٧٢ ]
فهذا معناه في اللغة، إلا أنه في استعمال الشرع:
العبادة؛ على ما بيناه من قولهم: فلان ناسك
ومتنسك أي: متعبد.
وفي حديث البراء بن عازب - ﵁ - أن رسول الله ﷺ خرج يوم الأضحى فقال: "إن أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة، ثم الذبح"؛ فسمى الصلاة نسكًا، فأما تسمية الذبح نسكًا فمن هذا المعنى إذا كان على وجه القربة ومنه قوله تعالى:﴾ ففدية من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ ﴿، وقوله:﴾ وأرنا مناسكنا ﴿معناه: أفعال حجنا. وقوله ﷺ: "خذوا عنى مناسككم".
معناه: أفعال حجكم
فهذا معنى النسك فأما العمرة فقد اختلف في معناه؛ فقال قوم من أهل اللغة: معناه القصد بمعنى الحج، واستدلوا بقول الشاعر:
لقد سمى ابن معمر حين اعتمر مغزى بعيدًا من بعيد وضبر
يريد: حين قصد ما فعله وطلبه.
وقال آخرون: معنى الاعتمار: الزيادة؛ يقال: اعتمر فلان إذا زار.
[ ٢ / ٧٣ ]
وأنشدوا:
يهل بالفرقد ركبانها كما يهل الراكب المعتمر
يريد: الزائر.
فأما معناها [ق/ ١٢٧] في الشرع: فهو قصد البيت على وجه مخصوص.
فأما تسمية البيت بأنه عتيق في تأويل قوله تعالى:﴾ وليطوفوا بالبيت العتيق ﴿ففيه عن أهل اللغة ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنه سمى بذلك؛ لأن الله أعتقه من الجبابرة.
هذا يروى عن مجاهد.
والثاني: أن الله تعالى أعتقه من الغرف في زمان طوفان نوح - ﵇.
والثالث: أنه سمى بذلك لكرمه، والعتيق عند العرب: الكريم، يقال: حسب عتيق، وفرس عتيق.
وأنشد الفراء:
أما والله لو كنت حرًا وما بالحر أنت ولا العتيق
أي: ولا الكريم.
[ ٢ / ٧٤ ]
وهذه جملة كافية في معنى هذه الفصول.
فأما الدلالة على وجوب الحج: فمن الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
فأما الكتاب: فتقول ﷿:﴾ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا ومن كفر الله غني عن العالمين ﴿.
ففي هذه الآية دليلان:
أحدهما: إخباره بأنه عليهم، وذلك من ألفاظ الوجوب.
والآخر: قوله تعالى:﴾ ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ﴿.
قال الحسن وغيره: "ومن كفر" معناه: من لم ير الحج واجبًا.
وقال مجاهد: "من كفر" من إذا حج لم ير أنه فعل برًا، وإن ترك لم ير أنه فعل مانعًا.
وأيضًا قوله تعالى:﴾ وأتموا الحج والعمرة لله ﴿.
فإن قلنا: إن إتمام الشيء يعبر عنه عن الابتداء فقد استقدنا بالظاهر الوجوب.
وإن قلنا: إن الإتمام إنما هو لما قد دخل فيه استفدنا بذلك وجوب إتمامه على الداخل فيه بالظاهر، واستعذنا وجوب الابتداء بمفهوم اللفظ؛ وذلك أن الأمر المطلق أمر بها لا يتم الشيء إلا به، فلما أوجب علينا إتمام الحج
[ ٢ / ٧٥ ]
ولم يكن لنا سبيل إلى إتمامه إلا بالدخول فيه وجب لذلك ابتداءه.
وأيضًا قوله تعالى:﴾ ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه ﴿؛ فروى أن اليهود لما سمعت ذلك قالوا: نحن مسلمون فقال الله ﷿ لنبيه ﷺ حجهم. فقال: إن الله فرض عليكم الحج. فقالوا: ليست هو علينا فأنزل الله ﷿:﴾ ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ﴿.
وأيضًا قوله تعالى:﴾ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا ﴿معناه: مرهم به أو أعلمهم بوجوبه فهذا من الكتاب.
وأما السنة: فقول النبي ﷺ: "بنى الإسلام على خمسة " فذكر فيهن الحج.
وقوله ﷺ للأعرابي الذي سأله عن الإسلام: "وحج البيت". وقوله ﷺ: "حجوا قبل أن لا تحجوا".
[ ٢ / ٧٦ ]
وقوله ﷺ: "أفي الله فرض عليكم الحج" فقام رجل فقال: أف كل عام يا رسول الله؟ فقال: "حج حجة الإسلام التي عليك".
وقوله ﷺ: "من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائز فليمت إن شاء يهوديًا أو إن شاء نصرانيًا".
فدلت هذه الأخبار كلها عن فرض الحج ولزومه.
وأما الإجماع: فمعلوم ضرورة من دين الأمة وجوب الحج في الجملة وإن اختلفوا في شروط وجوبه على ما سنذكره مفصلًا في بابه إن شاء الله. فإن قال معنت لأبى محمد - ﵀ - ما معنى هذا التقييد وفائدة هذا الإحتراز الشديد بقولك: وحج بيت الله الحرام الذي بمكة؟ قيل له: لأن المساجد يطلق عليها أنها بيوت الله تعالى، وليس حجها واجبًا.
فإن قال بإطلاق قولنا بيت الله الحرام يكفى ما ذكره فما الفائدة في قوله الذي بمكة؟.
قيل له: الفائدة فيه التأكيد وزيادة البان، وذلك غير ممتنع ولا مستهجن، وقد قال الله تعالى:﴾ ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾،
[ ٢ / ٧٧ ]
وقال سبحانه:﴾ فسجد الملائكة كلهم أجمعون ﴿فإن كانت القلوب لا تتوهم في غير الصدور وكان دخول الألف واللام في التبين للجنس يفيد العموم عند مثبتيه، وكذلك لفظ كل وجميع؛ فبطل هذا الاعتراض والإعنات.
[ ٢ / ٧٨ ]
فصل
فأما قوله: إن الحج يجيب مرة في العمر؛ فلقوله تعالى:﴾ ولله على الناس حج البيت من استطاع ﴿، وذلك يفيد أول ما يقع عليه الاسم؛ فروى أبو الأحوص عن على - رضوان الله عليه - قال: لما نزلت﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿قالوا: يا رسول الله الحج كل عام؟ فسكت؛ فنزلت﴾ لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم ﴿. قال رسول الله - ﷺ: "ولو قلت نعم لوجبت".
ورمى شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿قال رجل: يا رسول الله أفى كل عام؟ قال: "حج حجة الإسلام التي عليك، ولو قلت نعم لوجبت عليكم".
وروى محمد بن زياد عن أبى هريرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "إن الله ﷿ فرض عليكم الحج". فقام رجل: يا رسول الله أفى كل عام؟ فسكت، ثم أعاد فسكت، فأعاد الثالثة: فقال النبي ﷺ: "لو قلت نعم وجبت عليكم، ولو وجبت ما قلتم بها".
[ ٢ / ٧٩ ]
وروى: قال رسول الله - ﷺ -: "أيها الناس كتب عليكم الحج". فقيل يا رسول الله أفى كل عام؟ قال: "لا، ولو قلتها لوجبت. الحج مرة فمن زاد فقد تطوع".
وروى محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رجل للنبي - ﷺ -: أتكفى حجة واحدة؟ قال: "نعم، فإن زدت فهو خير لك".
ولا خلاف في أن الحج لا يتكرر وجوبه. وقد يفرق بينه وبين سائر العبادات من الصلاة والصيام بأن الحج يتعلق بأمور يلحق فيها التكلف والمشاق فمنها: الإحرام المانع من كثير من الملاذ، وما يلحق فيه من العنت والتعب.
ومنها: قطع المسافة البعيدة التي تلحق فيها المشقة الشديدة والمخاطرة العظيمة كما قال تعالى:﴾ وتحمل أثقالكم [ق/ ١٢٨] إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ﴿.
فإن كل هذا يلحق في فعله مرة واحدة في العمر فما قولك فيه لو تكرر وجوبه في كل عام. وكل هذا معدوم في الصلاة والصيام وسائر العبادات؛ فجاز أن تتكرر.
[ ٢ / ٨٠ ]
فصل
فأما اشتراطه الاستطاعة في الوجوب؛ فلتعليق الله تعالى ذكره إيجاب الحج بها بقوله:﴾ ولله على الناس حج البيت من استطاع ﴿إلى حج البيت من الناس سبيلًا أن يحج البيت. وهذا هو بدل الشيء من بعضه؛ لأن المستطعين بعض الناس؛ كما تقول: ضربت زيدًا رأسه؛ فجعل رأسه بدلًا من زيد، وهو بعضه. ولا خلاف في أن الاستطاعة شرط في وجوب الحج، وإنما الخلاف في تعيينها على ما سنذكره إن شاء الله.
[ ٢ / ٨١ ]
فصل
فأما اشتراطه الإسلام: فلأن الكافر لا يصح منه التقرب بالعبادات مع الإقامة على كفره.
وروى أن النبي ﷺ قال: "أيما أعرابي حج قبل أن يهاجر فعله حجة فعلهي حجة الإسلام إذا هاجر".
معناه: قبل أن يسلم.
فصل
فأما اشتراطه البلوغ في وجوب الحج: فلأن عبادات الأبدان المتقرب بها لا تلزم من لم يبلغ، وقد قال النبي ﷺ: "رفع القلم عن ثلاث " فذكر الصبي حتى يبلغ. ورفع القلم عنه هو إسقاط التكليف عنه.
وروي يزيد بن ربيع حدثنا شعبة عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - أنه قال: "أيما صبي حج ثم أدرك الحلم فعليه أن
[ ٢ / ٨٢ ]
يحج حجة أخرى".
وروى ابن عبد الحكم أخذنا ابن لهيعة عن معذ بن محمد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﷺ - قال: "ولو حج الصغير عشر حجج كانت عليه حجة بعد أن يكبر".
فصل
فأما اشتراطه الحزية: فلأن النبي - ﷺ - قال فيما رواه ابن عباس عنه بالإسناد الأول "أيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى".
وروى ابن عبد الحكم عن ابن لهعية عن معاذ بن محمد عن أبي الزبير عن جابر أن النبي - ﷺ - قال: "ولو حج العبد عشر حجج كانت عليه حجة بعد أن يعتق".
ولأن العبد يملك سيده منافعه فليس له إبطالها عليه بخروجه إلى الحج والجمعة والجهاد إلا حيث يدل عليه الدليل.
وقد دخل في ذلك اشتراط العقل وإن لم يعرج به؛ وذلك لأن غير العاقل لا يصح تكليفه؛ وقد قال ﷺ: "رفع القلم عن ثلاثة " فذكر المجنون حتى يفيق.
ولأن الحاج يحتاج إلى نية، ولا يصح ذلك من غير العاقل، ولا خلاف في ذلك.
[ ٢ / ٨٣ ]
فصل
قال: وإمكان المسير من شروط وجوب الحج، وذلك يختلف باختلاف الأوقات والعادات؛ فإذا أمكنه الوصول إلى البيت على ما جرت به عادة الناس لزمه ذلك.
فإن كان في طريقه عدو وقد تحقق أمره، وعلم أنه لا طاقة له به بطلب النفوس والأموال والغارة وما أشبه ذلك فلا يلزم الحج؛ لقوله تعالى:﴾ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴿، ولقوله:﴾ ولا تقتلوا أنفسكم ﴿.
ولأنه لما كان إن أحصر بعدو بعد أن أحرم بالحج يُحل منه، ولا يلزمه بعد التلبس به القضاء فيها ولا قضاؤه؛ فكذلك قبل الدخول فيه؛ بل هو أولى. فأما إن علم من حال هذا العدو أنه إنما يطلب شيئًا من المال ويمكن الناس من الخروج ويسلمون منه مع بذل ما يطلبه فذلك على وجهين:
إن كل الذي يطلب أمرًا يخرج عن العادة في العظم والكثرة وقدر الجحف ويؤثر فذلك مسقط لتطيق الوجوب ما دام هذا العدو قائمًا ولا طريق إلى الحج إلا عليه.
وإن كان الذي يطلبه قدرًا لا يؤثر فيها لكونه يسيرًا لم يسقط بذلك فرض الحج.
وكان القاض أبو عبد الله البصري المالكي المعروف بفلفل يقول: إذا لم
[ ٢ / ٨٤ ]
يوصل إلى الحج إلا ببذل شيء من المال لم يلزمه الحج، سواء كان الذي يطلبه قليلًا أو كثيرًا.
حكى هذا عنه أبو جعفر الأجهرى.
ويعتد في ذلك بأن هذا جور ممن يفعله؛ فلا يؤمن أن يخضر الأمانة وينكث؛ فيحصل الإنسان مغررًا بنفسه وبماله معه، وهذا ممنوع. قال: ولقوله ﷿:﴾ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴿، وهذا من قبيله؛ لأن بذل هذا المال لا يتيقن معه الوصول إلى البيت لا محالة، وبلوغ الغرض في بذله، ولا يؤمن من نكث العدو وجوره وغدره؛ فيذهب المال باطلًا، ويحصل التغرير به في النفس، ولا شيء يمنع من أن يكون هذا العدو الجائر يأخذ المال ويبذل الأمان حتى إذا صار الناس بحيث لا طاقة لهم به غدرهم وطالبهم بكل ما معهم واحتال في قتلهم؛ فحصل تغريرًا من هذا الوجه. وإذا بلغ جوره إلى أن يبذل الطريق الذي لا ملك له عليه إلا بسخت يأخذه جاز أن يبلغ جوره إلى أن يخضر الأمانة.
وإذا صح هذا سقط فرض الحج ما دام هذا العدو قائمًا،. وصار في منزله من قيل له: إن في هذا الطريق سبعًا ولصًا لا يكاد يسلم منه أحد.
وهذا الذي قاله ليست بصحيح؛ أما قوله: إن مثل هذا لا يؤمن أن خفر الأمانة فليس على ما قال؛ لأن العادة إذا كانت قد جرت معه بأن يمكن الناس من حجهم ولا يعارضهم إذا أدوا إليه ما صالحوهم عليه حصلت الثقة بذلك من جهة العادة وغلبهم الظن، اللهم إلا أن يكون النكث معلومًا
[ ٢ / ٨٥ ]
من حاله، والغدر متكررًا منه.
فأما ما لم يحصل ذلك منه فتجويره لا يستطيع الحج إن كان بإزائه ما ذكرناه من الثقة بالعادة.
وليست ذلك بأكثر من الكفار الذين أمر الله تعالى أن تبذل لهم الأموال ليستعين بهم المسلمون مع العلم أن ذلك لا يؤمن منهم.
وأما قوله: إذا استجاز إباحة ما لا يستحقه على سبيل الجور جاز أن يغدر بهم وبخفر الأمانة: فليس بصحيح أيضًا؛ لأن العادة تؤثر في هذا الباب تأثيرًا يقع العالم بحاله معه أو غلبة الظن القائمة مقام العلم، فقد يكون ممن له غرض [ق/ ١٢٩] في هذا المقدار فقط، وذلك نعلمه بتكرر الخروج معه ومر الأوقات؛ فيسقط ما قالوه.
وأيضًا ما ذكره يبطل ما اتفقت عله من جواز استنجاز الإنسان من يخفره من الأعراب واللصوص، فإن كان جائزًا أن يخفر الأمانة ويسلمه إلى عدوه، فلو أثر ما قاله في سقوط الوجوب لأثر في جواز الفعل. ولا نعلم ذلك، قولًا واحدًا.
فأما تعلقه بقوله تعالى:﴾ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴿فغير صحيح؛ لأن هذا له مذموم؛ وهو النهي عن القمار والغرر وما أشبه ذلك، وما تنازعناه فليس من هذا في شيء؛ لأنا قد بينا أن العادة إذا جرت بالوفاء مع القدر الذي يطلبه حصلت الثقة بذلك.
والله أعلم.
[ ٢ / ٨٦ ]
فصل
فأما الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحج فقد اختلف الناس فيها؛ فعندنا أن الاعتبار فيها بحال المستطيع؛ فإن كان ممن يمكنه الوصول إلى البيت ببدنه مع عدم الراحلة لزم ذلك، وإن كان ممن لا يمكنه إلا براحلة وإن كان يقوى على المشي ولا مال له وليس من عادته المسألة لم يلزمه. وإن كانت المسألة عادته لزمه الحج.
وجملته أن الاستطاعة: القوة والصحة والتمكن. ورويت هذه الجملة عن عبد الله بن الزبير وأبى جعفر والضحال وعكرمة.
وليس يحفظ عنهم التفصيل الذي ذكرناه.
وقال أهل العراق والشافعي: الاستطاعة: الزاد والراحلة، فمن عدمها أو أحدهما لم يلزمه فرض الحج.
والدلالة على صحة قولنا: قوله تعالى:﴾ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا ﴿.
فأوجب الحج على من حصل مستطيعًا له.
والاستطاعة: صفة المستطيع بها يكون مستطيعًا؛ وذلك يقتضى أن يكون معنى قائمًا به، وليست ذلك إلا ما قلناه.
وأيضًا فإنه ألزم مستطيع الحج أن يحج، ولم يفرق بين أن يكون
[ ٢ / ٨٧ ]
مستطيعًا ببدنه وبماله؛ فبأي شيء استطاع لزمه. وهذا إذا سلمنا أن الاستطاعة بالمال استطاعة حقيقية.
فإن قيل: إن في حمل الظاهر على قدرة البدن إسقاطًا لفائدته؛ وذلك أن الله تعالى علق وجوب الحج بشرط الاستطاعة؛ فعلم أنه أراد معني زائدًا على قدرة البدن؛ لأنه لو أراد ذلك لا كتفى بقوله سبحانه:﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿.
إذا كانت أدلة العقول قد شرطت حصول القدرة والإمكان مع التكليف فصار مجرد قوله:﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿متضمنًا لهذا المقدار، فلما لم يكتف به حتى قال تعالى:﴾ من استطاع إليه سبيلًا ﴿أفاد أمرًا زائدًا عل ذلك. وليس إلا ما قلنا.
فالجواب أن أكثر ما يلزم هذا السؤال أن قوله جل اسمه:﴾ من استطاع إليه سبيلًا ﴿قد أفاد معنى زائدًا على قدرة البدن لو تركبا ومجرد قوله ﷿:﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿لم يعلقه منه، ونحن نقول بذلك، ولكن لا نحصل منه اشتراط الراحلة؛ لأن سؤالهم يتضمن أنا متي أثبتنا معنى لا يفيد مجرد التكليف فقد وفينا الاستدلال حقه.
فإن قيل: وما ذلك المعنى؟.
[ ٢ / ٨٨ ]
قلنا: سقوط تكلف المشاقة الشديدة والمخاطرة العظيمة والخروج عن العادة من عدم الزاد، وتكلف السؤال لمن لم تجر بذلك لعادة، ومع خطر الطرق ومنع العدو، وغير ذلك مما لا يحيل جواز التكليف معه ولا تمتنع صحة التعبد في تحشيه. وإذا صح ذلك بطل سؤالهم.
وجواب آخر؛ وهو أن إحالة العقول للتكليف مع عدم القدرة يوجب أن يكون الظاهر إذا حمل على قدرة البدن فقد أسقطت فائدته؛ لأنه قد يكون ذكر الاستطاعة فيه تأكيدا لما قد ثبت بالعقول كقوله تعالى:﴾ إنما الله إله واحد ﴿و﴾ إنما أنا بشر مثلكم ﴿وغير ذلك.
ودليل آخر: وهو قوله تعالى:﴾ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامرٍ ﴿وهذا لفظه لفظ الخبر، والمراد به الأمر؛ فقد دل الظاهر على وجوب الحج على الراجل والراكب.
ودليل آخر وهو ما روى أبو أمامة عن النبي - ﷺ - أنه قال: "من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة، أو مرض حابس، أو سلطان جائز فليمت إن شاء يهوديًا أو نصرانيًا ".
فأخبر هن الأعذار التي يسقط معها الوعيد على ترك الحج، ولم يجعل عدم الراحلة منها.
وروى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - ﷺ - قال:
[ ٢ / ٨٩ ]
"الاستطاعة الزاد".
قياس معتمد.
ولأنه قادر على الحج من غير خروج عن عادة ولابد؛ فأشبه أن يجد الراحلة.
وقولنا: من غير خروج إلى بدله: احترازًا منه إذا قدر أن يسأل الناس وليست من عادته.
وقولنا: عن عادة: احترازًا من تكلف شدة الطريق في كل وقت.
فإن قالوا: المعنى في واجد الراحلة أن المشقة تسقط عنه بوجوبها، وليس كذلك إذا لم تكن له راحلة؛ لأن المشقة تلحقه.
فالجواب: أن هذه المشقة لا تخلو أن تكون مؤثرة في القدرة على الحج في العادة، وقد علمنا بطلان ذلك، لأن من عادة قطع المسافة البعيدة والمداومة على الأسفار الشاقة مشيًا وهو يتمكن من ذلك في الحج فليس تلحقه في هذا السفر إلا كما تلحق الراكب من التعب، ولو كانت هذه المشقة مؤثرة في القدرة لم يجب الحج معها، أو أن تكون تلحق فيما يجرى مجرى الرفاهة والراحة فهذا لا اعتبار به.
فإن أبو إلا الإجمال نقضاه، فمن شق عليه الخروج من أجل مفارقة وطنه والاستيحاش بالسفر وقلة الحركة والتصرف، فإذا كان ذلك لا معتبر به فكذلك ما ذكروه.
أيضًا فلأنه قادر على الوصول إلى البيت من غير خروج عن عادته؛
[ ٢ / ٩٠ ]
فأشبه أهل الحرم.
واستدل من خالفنا بقوله تعالى:﴾ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا ﴿.
قالوا: ففي هذه الآية [ق/ ١٣٠] دليلان:
أحدهما: من حيث المعقول.
والآخر: من حيث البيان.
فأما المعقول فهو أن الأمر إذا ورد مطلقًا بالوجوب تضمن القدرة حتى يكون كالمنطوق به.
وإذا ثبت ذلك كان قوله تعالى:﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿مجرده كافيًا فيما قلناه. فلما قال ﷿:﴾ من استطاع إليه سبيلًا ﴿أفاد أمرًا زائدًا على قدرة البدن؛ فصح ما قلناه.
وأما البيان فهو أن الله تعالى شرط الاستطاعة في وجوب الحج ولم يبينها ولا ذكر جنسها فوردت السنة بتفسيرها.
وروى إبراهيم بن يزيد الخوزي عن محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عمر قال: لما نزل قوله تعالى:﴾ من استطاع إليه سبيلًا﴾.
[ ٢ / ٩١ ]
قام رجل فقال: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: "زاد وراحلة".
وروى أبو إسحاق عن الحارث بن على عن النبي - ﷺ - قال: "من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله فلم يحج فلا عليه إن شاء أن يموت وهو يهوديا أو نصرانيا"؛ وذلك لأن الله تعالى يقول:﴾ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا ﴿.
فالجواب: أن تعلقهم بمفعول اظاهر ليس بصحيح بما بيناه من أنا نقول بموجبه، ولا يحصل منه سقوط الحج مع عدم الراحلة.
وأما الأخبار التي رووها فإنها ضعفية؛ لأن إبراهيم بن يزيد الحوزي ضعفه أهل النقل؛ ضعفه يحيي بن معين وغيره.
على أن الجواب عليه من وجهين:
أحدهما: أنه لا يجوز أن يكون بيانًا؛ لأن من حق البيان أن يكون طبق المبين منتظمًا له، وألا يخصص ببعضه دون بعض، ومتى لم يكن به ذلك لم يكن بيانًا.
وإذا صح هذا، وكانت الآية عامة في كل من يلزمه الحج سواء كان ممن
[ ٢ / ٩٢ ]
الراحلة من شرط استطاعته أو لا لم يجز أن يكون قوله: السبيل: الزاد والراحلة بيانًا لآية؛ لأن السبيل المذكور فيها سبيل كل من اشتملت عليه وفيهم من ليست الراحلة من اسطاعته، وصار الخبر متوجهًا على بعضه، ومنهم من يحتاج إلى الراحلة؛ فخرج لذلك أن يكون بيانًا.
وقد اعترضوا على هذا الجواب بشيئين:
أحدهما: أن قالوا: إنما كان يلزم ما قلتموه لو كان قوله:﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿يتناول أهل مكة وغيرهم، وليس الأمر كذلك عندنا؛ فإن الظاهر يتناول إلا من عدا أهل مكة؛ بدلالة قوله ﷿:﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿، والمراد بالبيت الحرام، ومن هو في الحرم لا يقال له: اقصد الحرم، وإنما يقال ذلك لمن نأى عنه.
وهذا الاعتراض باطل من قبل أن الظاهر من الآية العموم والاستغراق، ولا يلزم قولهم أنها خاصة، وإن تخرج عن ظاهرها؛ ليصح كون الخبر بيانًا لها.
واستدلالهم على ذلك بأن من في الحرم لا يقال له: اقصده: باطل من وجهين:
أحدهما: أن المراد بقوله ﷿: "البيت": البيت نفسه دون الحرم ودون مكة، وإن كان قصده مضمنًا بقصدها. ويصح أن يقال لمن هو في الحرم: اقصد مكة، ولأهل مكة: اقصدوا البيت، ولمن هو بباب
[ ٢ / ٩٣ ]
المسجد: اقصد البيت، كما يصح أن يقال لمن هو في ناحية من نواحى مكة: اقصد موضع كذا لناحية أخرى منها.
وإذا كان كذلك بطل ما قالواه.
والوجه الآخر: أنا لو سلمنا هذا لم يضر؛ وذلك أنه إنما كان يمتنع ما قالوه لو كان قوله تعالى:﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿يوجب قصد اللغوي حتى يقال: إنه لا يصح أن يقال لفاعل الشيء في حال فعله: افعله، كما لا يقال للقائم: قم، وللقاعد: اقعد؛ فالمراد به غير ما وضع له في الغة؛ وهي أفعال مخصوصة تشتمل على الطواف والسعي والوقوف وغير ذلك؛ فلا يكون الخطاب الموضوع في اللغة؛ يبين ذلك أن مجرد اقصد إلى البيت في اللغة لا يلزم به طوافه ولا السعي ولا الوقوف بعرفة.
وقد اتفقنا على أن قوله: ولله على الناس حج البيت يتضمن هذا أجمع؛ فثبت أن المراد به غير ما وضع له الاسم في اللغة.
وإذا صح هذا بطل ما قالوه.
والاعتبار الآخر أن قالوا: نحن نسلم أن الآية عامة في أهل مكة وغيرهم، وكذلك يجب أن يكون البيان، إلا أن الدلالة منعت من حمل البيان على عمومه؛ فصار كالعموم الذي ظاهره الاستغراق؛ فينتقل عنه بالدليل.
فيقال لهم: أولى في هذا بطلان قولكم أن السائل سأل عن السبيل المذكور في الآية؛ على أن البيان إذا تخصص خرج عن أن يكون بيانًا،
[ ٢ / ٩٤ ]
واحتاج إلى بيان، وكأن قصته في ذلك قصة ما هو بيان له؛ وذلك يؤدي إلى أن لا يوثق بيان أصلا، أو إلى أن يكون البيان هو الثاني دون الأول؛ وذلك أيضًا مخرج اللفظ عن أن يكون بيانًا.
على أنهم إذا صاروا إلى هذا جاز لنا أن نقول: إن هذا بيانًا لمن الراحلة من شرط استطاعته، وليس بيانًا لمن بقدر على المشي ببدنه كما قالوا: إنه ليس ببيان لأهل الحرم.
والجواب الثاني من أصل الخبر: هو أنه يجوز أن يكون السائل يسأل عن استطاعه نفسه، وكان ممن لا يستطيع الحج إلا براحلة؛ فقال: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة". وهذا غير ممتنع. فإن قالوا: إن القائل قال: ما السبيل؟؛ فأدخل الألف واللام، وليس يخلو دخولها أن يكون للجنس، أو للمعهود؛ فإن كان للجنس فذلك ما قلناه، وإن كان للمعهود فلا معهود إلا السبيل المذكور في القرآن.
قلنا: كيف يمكنكم أن تقولوا: إن كان دخولها للجنس فهو [ق/ ١٣١] قولنا ومن قولكم أن أهل الحرم ليس من شرط استطاعتهم الراحلة.
والواجب أن يكون دخولهما للمعهود، ولكن قلتم: إنه لا معهود إلا ما ذكر في القرآن هذا نفس الدعوى. فإن قالوا: لأن هذا لا يمكن ذكر معهود سواه. قيل لهم: هذه الدعوة الأولى بعينها، فلم قلتم ذلك؟ ثم يقال لهم: ما أنكرتم إنما سأل عن سبيل نفسه، وذلك سبيل معروف معهود.
فإن قالوا: لا يصح حمله على هذا من قبيل أن قول الراوي لما نزل
[ ٢ / ٩٥ ]
قوله ﷿: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا ﴿قام رجل فقال: ما السبيل؟ فدل على أنه سأل عن السبيل الذي ورد به القرآن. قلنا: إنه ليست يكفى في الدلالة على أن السؤال عن الشيء [] أن السؤال عقيب تزوله؛ لأن سؤال السائل عقيب نزول الآية يحتمل أن يكون سؤالًا عنها، ويحتمل أن يكون سؤالًا عن حال تكليفه والأمر الذي يتعلق به منها، فكون السؤال متعقبًا للآية لا ينبئ عن وجه وقوعه.
على أنه لو قيل: حمل السؤال على هذا أولى لم يكن بعيدًا؛ وذلك أن الظاهر من سؤال السائلين للنبي - ﷺ - أنهم يسألونه عن أمر أنفسهم؛ وعلى ذلك يجرى أمر الوفود وغيرهم.
فإن تجاوز أحدهم ذلك لم يكن بد من أن يبين ف لفظه، أو يكون السائل من أهل العلم من الصحابة فمن قد عرف بذلك.
فأما الخبر الأخير الذي رووه فإنه ضعيف أيضًا؛ لأنه رواه هلال بن بعد الله مولى ربيعة، وهو ضعيف؛ ذكر أبو بكر بن الجهم أنه سأل إبراهيم الحربي عنه فضعفه جدًا.
على أنه لو صح لم تكن فيه دلالة من قبيل أنه لا يدل على أكثر من أن تكون الراحلة استطاعة تلحق الوعيد بترك الحج معها. وليس في ذلك نفى لكون غيرها استطاعة كما لم ينف ذلك عن أهل الحرم.
[ ٢ / ٩٦ ]
وإذا كان كذلك سقط التعلق به.
واعتلوا فقالوا: لأنها عبادة يتعلق أداؤها بقطع مسافة شاقة؛ فوجب أن تكون الراحلة مسافة شاقة؛ فوجب أن تكون الراحلة شرطًا في وجوبها كالجهاد.
فالجواب: أن هذا الوصف لا يجوز أن يطلق في الحج؛ لأنه يوجد في بعض من يلزمه دون بعض.
على أن من قدر أن يجاهد ببدنه من غير راحلة تبلغه وتعين عليه لو وجد راحلة وكان من عادته المشي فإنه يلزمه.
فسقط ما قالوه.
واعتلوا أيضًا بأن قالوا: لأنه عاجز عما تقطع به المسافة الشاقة غالبًا؛ فلم يلزمه فرض الحج كالعاجز عن المشي والعادم للزاد وليس من عادته السؤال.
وهذا لا نسلمه؛ لأنه غير عاجز عندنا عما يقطع به المسافة إذا كان قادرًا على المشي. ونعكسه فنقول: لأنه قادر على قطع المسافة الشاقة فجاز أن يلزمه فرض الحج كالواجد للراحلة.
واستدلوا بأنه لما يلزمه أن يكرى نفسه ليتوصل إلى الحج للمشقة التي تلحقه؛ كذلك في المشي.
فالجواب أنا قد بينا أن القادر على المشي لا تلحقه مشقة إلا كمثل التي تلحق من لم تجر عادته بالركوب في النضابة له وتكلفه إياه.
على أنه إذ كانت عادته المسألة أو الخدمة لزمه الحج مع هذه الأمور.
وبالله التوفيق.
[ ٢ / ٩٧ ]
مسألة
قال ﵀: "وإنما يؤمر أن يحرم من الميقات".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي - ﵀ -: والأصل في ذلك أن النبي - ﷺ - وقت المواقت ليحرم الناس منها؛ فلم يكن لهم أن يحرموا قبلها، ولم يجز لهم تأخير الإحرام عنها.
ولا خلاف نعلمه في أن من أراد الإحرام وبلغ الميقات فليس له تأخير الإحرام عنه، والمعنى في ذلك الترفيه والرخصة؛ لأن الإحرام يمنع من كثير من الملاذ والتمتع من الطيب والنكاح والجماع ولباس المخيط وغير ذلك، فلو لزم الناس الإحرام من بيوتهم لشق عليهم؛ لطول المدة في ذلك؛ فجعل لهم مواقيت يحرمون منها؛ فمن أحرم من منزله جاز ذلك؛ لما بيناه من أن تأخير الإحرام إلى الميقات رخصه كالفطر في السفر، فإذا اختار تركها فذلك له؛ كما إذا اختار الصوم في السفر كان ذلك له.
فأما الاختيار عندنا فالإحرام من الميقات، وللشافعي - ﵀ - قولان:
أحدهما: مثل قولنا.
والآخر: أن المستحب أن يحرم من منزله.
والدلالة على ما قلنا أن المراقيت رخصة، وروى عن النبي - ﷺ - أنه
[ ٢ / ٩٨ ]
قال: "إن الله يحب أن تقبل رخصه كما يحب أن تقبل عزائمه" وأيضًا فإن رسول الله - ﷺ - وقت المواقيت لأهل الآفات؛ فثبت أن ذلك هو الأصل في المواقيت؛ فوجب أن يكون الإحرام منها على كل وجه إلا ما قام عليه الدليل.
وأيضًا فإنه ﷺ قد حج واعتمر عمرًا، ولم ينقل أنه أحرم إلا من الميقات؛ فوجب أن يكون ذلك هو الأفضل.
وأيضًا فإن حالة الإحرام حالة تشق وتصعب؛ لما ذكرناه من أنه تمنع الطيب والوطء واللباس وغير ذلك، فإذا أحرم من منزله وقد يكون بعيدًا من الميقات لم يؤمن منه أن يتخطى إلى بعض ما هو ممنوع منه في الإحرام؛ فاستحب له ترك ذلك إلى الميقات؛ ليسلم من التغرير فيه.
وأيضًا فإن الإحرام له ميقاتان: أحدهما: الزمان، والآخر: المكان. فلما كره له التقدم على الزمان؛ فكذلك التقدم على المكان.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى:﴾ وأتموا الحج والعمرة لله ﴿، فقال عمر بن الخطاب [ق/ ١٣٢]،وعلي بن أبي طالب - ﵄ -: إتمامها أن تحرم من دويرة أهلك.
[ ٢ / ٩٩ ]
قلنا: يجوز أن يكون قالا ذلك لمن هو من أهل الحرم على أن هذا يوجب أن هذا يوجب أن يكون من أحرم من الميقات ومنزله أبعد منه فلم يتم حجه. وليس بقول لأحد.
فإن قيل: إذا أحرم من دويرة أهله فقد زاد في النسك؛ فكان أفضل.
قلنا: ينتقض بالإحرام قبل الشهور التي للحج.
على أن المعنى الذي راعيناه أولى؛ وهو أنه لا يأمن أن يؤديه طول المدة إلى أن يقدم إلى فعل ما هو ممنوع منه في الإحرام؛ فيكون في ذلك تغريرة.
والله أعلم.
[ ٢ / ١٠٠ ]
مسألة
قال ﵀: "وميقات أهل الشام ومصر وأهل المغرب الجحفة.
فإن مروا بالمدينة فالأفضل لهم أن حرموا من ميقات أهلها من ذي الحليفة".
قال القاضي أبو محمد علي علي - ﵀ -: والأصل في ذلك ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: "يهل أهل المدينة من ذى الحليفة وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن".
قال عبد الله: وبلغنى أن رسول الله - ﷺ - قال: "يهل أهل اليمن من يلملم".
وروى مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال: أمر رسول الله - ﷺ - أهل المدينة أن يهلوا من ذى الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن.
قال عبد الله بن عمر: أما هؤلاء الثلاثة فسمعتهن من رسول الله ﷺ، وأخبرت أن رسول الله - ﷺ - قال: "وأما أهل اليمن فيهلون من يلملم".
وروى ابن وهب عن أبى لهيعة عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله
[ ٢ / ١٠١ ]
قال: سمعت رسول الله - ﷺ - قال: "ويهل أهل العراق من ذات عرق".
وروى وهيب بن الورد عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - وقت لأهل المدينة ذا الخليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل اليمن يلملم، وقال: "هن لهم ولكل آت أتى عليهن من غيرهم ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة".
وروى ابن نمير من حجاج عن عطاء عن جابر قال: وقت رسول الله - ﷺ - فذكر مثله إلي أن قال: ولأهل نجد قرن، ولأهل العراق ذات عرق.
وروي عبد الوارث عن عبيد بن عبد الملك عن زرارة بن كريم عن الحرث بن عمرو السهمى حدثه أنه قال: أتيت رسول الله - ﷺ - وهو بمنى أو بعرفات وقد أطاف به الناس فتجئ الأعراب، فإذا رأوا وجهه ﷺ قالوا: هذا وجه مبارك. قال: "ووقت لأهل العراق ذات عرق".
ومن الناس من ذهب إلى أن توقيب ذات عرق لأهل العراق اجتهاد وليس بنص. ويحتمل أن يكون ذلك؛ لأن الحديث لم يبلغهم، وقد ورد
[ ٢ / ١٠٢ ]
بعض طرق هذا الحديث من رواية مالك حدثناه أبو حفص عمر بن أحمد ابن عثمان المعروف بابن شاهين قال: حدثنا علي بن محمد المصري قال: حدثنا يحيي بن عثمان بن صالح قال: حدثنا ابن أبي السرى قال؛: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - وقت لأهل المشرق ذات عرق.
قال ابن أبي السرى: رجع عنه مالك.
قال: وهو من حديثه القديم فيما قاله عبد الرزاق. قال ابن أبي السرى: وإنما الحديث لعمر بن الخطاب - ﵁ - من كلامه.
وقوله: إن الأفضل لمن مر من أهل المغرب بالمدينة أن يحرم من ذي الحليفة: فلأنها ميقات رسول الله - ﷺ -؛ فلذلك استحبه. فإن لم يفعلوا فلا شيء عليهم.
* * *
مسألة
قال ﵀: "ومن مر من هؤلاء بالمدينة فواجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة؛ إذا لا يتعداه إلي ميقات له".
قال القاضي ﵁: والأصل في ذلك قوله ﷺ في الحديث الذي رويناه: "هن لهن ولكل آت عليهن من غيرهم ممن أراد الحج أو العمرة،
[ ٢ / ١٠٣ ]
ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة".
ويفارق من ذكرنا من أهل الشام ومصر والمغرب؛ لأن الجحفة ميقاتهم وليست بميقات لأهل العراق.
* * *
مسألة
قال ﵀: "ويحرم الحاج والمعتمر بإثر صلاة فريضة أو نافلة".
قال القاضي ﵁: والأصل في ذلك أن رسول الله - ﷺ - أحرم عقيب صلاة؛ قيل نافلة، وقيل مكتوبة؛ فلذلك استحبه.
فروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه "أن رسول الله - ﷺ - كان يصلى في مسجد ذي الحليفة، ثم يخرج فيركب، فإذا استوت به راحلته أهل".
وروى حصيف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه خرج حاجًا فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه أهل بالحج حين فرغ من ركعتيه.
وروى ابن جريج عن محمد بن المنكدر عن أنس أنه قال: صلى رسول
[ ٢ / ١٠٤ ]
الله - ﷺ - الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات - يعني بها - فلما ركب راحلته واستوت به أهل.
وروى أحمد بن حنبل - ﵁ - حدثنا روح حدثنا أشعث عن الحسن عن أنس أن النبي - ﷺ - صلى الظهر، ثم ركب راحلته، فلما علا على جبل البيداء أهل.
فلهذه الروايات استحببنا أن يحرم عقيب صلاة، فإن لم يفعل فلا شيء عليه، وقد ترك الاختيار.
مسألة
قال ﵀: "ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" [ق/ ١٣٣].
قال القاضي ﵁: والأصل في ذلك ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن تلبية رسول الله - ﷺ -: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. وكان ابن عمر يزيد فيها: لبيك لبيك لبيك وسعديك، والخير بيديك لبيك، والرغباء إليك والعمل.
[ ٢ / ١٠٥ ]
وروى جعفر بن محمد أبه عن جابر عن النبي - ﷺ - مثله.
وروى الشرقي بن القطامي عن أبي طلق العائذي عن شراحيل بن القعقاع قال: قال عمرو بن معدى كرب: الحمد لله قد رأيتنا ونحن من قريب إذا حججنا قلنا: لبيك اللهم لبيك تعظيمًا إليك عذرًا هذى زبيد قد أتتك قسرا، تغدو بها مغمرات شزرا، تقطعن خبتًا وجبالًا وعرا، يقطعن من بين غضى وسفرا، وقد تركوا الأنداد خلو صفرا.
ونحن اليوم نقول كما علمنا النبي - ﷺ -. قلنا: وكيف علمكم؟
قال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
فأما معنى التلبية: فقد اختلف فيها على أقاويل:
فقال بعضهم: معناها: الإقامة على الطاعة، والإجابة إليها. يقول القائل: لبيك: معناه: إني مقيم على طاعتك وإجابتك.
يقال: لبى في المكان، وألب: إذا أقام فيه.
قال الشاعر:
محل الهجر أنت به مقيم ملب ما تزول ولا تريم
وقال آخر:
[ ٢ / ١٠٦ ]
لب بأرض ما تخاطها الغنم
أي: أقام.
وهذا قول الخليل بن أحمد، وأبي العباس ثعلب، وخلف الأحمر، وغيرهم.
والقول الآخر: إن معنى لبيك: إجابة لك يا رب.
هذا قول الغراء. قال: ونصب (لبيك) على المصدر، وثنى؛ لأنه أراد إجابة بعد إجابة.
والقول الثالث: أن معنى لبيك أي: اتجاهي إليك. وهو مأخوذ من قولهم: داري تلب دارك: أي: تواجهها.
والقول الرابع: أن معنى التلبية: المحبة؛ فقولهم: لبيك: معناه: محبتي إليك.
وأصل ذلك قولهم: امرأة لبة: إذا أحبت ولدها، وأشتد عطفها عليه.
ومنه قول الشاعر:
وكنتم كأم لبة طعن ابنها فما درت إليه بساعدي.
فأما معنى ما في الخبر: لبيك إن الحمد والنعمة لك:
فإنه يقال بكسر إن وفتحها؛ فمن كسر أراد الابتداء، ومن فتح أراد معنى التعليل؛ كأنه قال: لبيك وسعديك.
فقد اختلف في معنى "سعديك" على وجهين:
[ ٢ / ١٠٧ ]
أحدهما: أنه مأخوذ من المساعدة؛ فيقرب من معنى (لبيك) أي: أنا مقيم على طاعتك على ما تحبه وتريده منى.
والآخر: أن معناها: أسعدك الله إسعادًا بعد إسعاد.
والمعنيات متقاربان.
* * *
مسألة
قال ﵀: "وينوي ما أراد من حج أو عمرة".
قال القاضي ﵀: والأصل في ذلك أن النية شرط في صحة الإحرام وسائر العبادات المتقرب بها؛ لقوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى"، ولقوله ﷺ: "ولقوله ﷺ: "إن الله ﷿ لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه". ولا خلاف في ذلك.
* * *
مسألة
قال ﵀: "ويؤمر أن يغتسل عند الإحرام قبل أن يحرم".
[ ٢ / ١٠٨ ]
قال القاضي ﵁: والأصل في ذلك ما رواه عبد الله ابن عبد الحكم قال: حدثنا عبد الله بن يعقوب المدني عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة [بن] زيد بن ثابت عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - تجرد لإحرامه واغتسل.
وروى مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن أسماء بنت عميس أنها ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء. فذكر ذلك أبو بكر - ﵁ - لرسول الله - ﷺ - فقال: "مرها فلتغتسل ثم تهل". وروى عن ابن عمر أنه قال: من السنة أن يغتسل الرجل إذا أراد أن يحرم.
فإذا أطلق الصحابي السنة فالظاهر أنه سنة رسول الله - ﷺ -.
وروى مالك عن نافع أن ابن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخول مكة، ولوقوفه عشية عرفة.
وعن أبى [نصر] عن علي - ﵁ - قال: تصب عليك إداوة من
[ ٢ / ١٠٩ ]
ماء، ثم تحرم.
وأيضًا فإن الإحرام قربة وفعل خير، ومن أفضل العبادات، غير متكرر ولا شاق؛ فاستحب الغسل عند فعله؛ ليأتي به على أكمل أحواله.
والله أعلم.
* * *
مسألة
قال ﵀: "ويتجرد من مخيط الثياب".
قال القاضي ﵁: وذلك لأن المحرم ممنوع من لبس المخيط من الثياب؛ فلذلك وجب إذا أراد الإحرام أن يتجرد منه.
والأصل في ذلك ما روى مالك عن نافع عن ابن عمر أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "لا يلبس المحرم القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أن لا يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعها أسفل من الكعبين".
وروى الزهري عن سالم عن أبيه قال: سأل رجل رسول الله - ﷺ - فذكر مثله.
[ ٢ / ١١٠ ]
مسألة
قال ﵀: "ويستحب له أن يغتسل لدخول مكة".
قال القاضي ﵀: والأصل في ذلك ما روى عن النبي - ﷺ - وعن أصحابه أنهم كانوا يفعلون ذلك؛ فروى حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن ابن عمر كان إذا قدم مكة بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل، ثم يدخل مكة نهارًا، ويذكر عن النبي - ﷺ - أنه فعله.
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يدخل مكة حاجًا ولا معتمرًا حتى يغتسل قبل أن يدخلها.
وروى ذلك عن علقمة، والأسود، وعروة بن الزبير، وابن أبي ليلى، وجماعة من التابعين ﵃. [ق/ ١٣٤]
* * *
مسألة
قال ﵀: "ولا يزال يلبى بدر الصلوات، وعند كل شرف، وعند ملاقاة الرفاق. وليس عليه كثرة الإلحاح بذلك.
فإذا دخل مكة أمسك عن التلبية حتى يطرف ويسعي، ثم يعاودها حتى
[ ٢ / ١١١ ]
تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها".
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي - ﵀ -: وهذا لأن التلبية قربة وفعل خير فيستحب الإكثار منها ما لم يخرج فيه عن الحد والعادة.
وإنما استجبنا ذلك عند إدبار الصلوات؛ لأنها أوقات يستحب الذكر فيها، ولأنه ذكر من شعار الحاج فكان كالتكبير في أيام التشريق.
وروى ابن وهب عن عبيد الله بن عمر عم نافع أن عبد الله بن عمر كان يلبي نازلًا، وراكبًا، وقاعدًا، وقائمًا، ودبر كل صلاة.
وروى ابن وهب عن أفلح بن حميد قال: كان القاسم بن محمد يلبى دبر كل صلاة.
وروى ابن وهب عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: ارفع صوتك بالإهلال، وأكثر من التلبية ما استطعت كلما أشرفت، وفي دبر كل صلاة؛ فإن تلك السنة.
فأما استحبابه الكف عن التلبية في الطواف والسعي: فإن ذلك حال يستحب فيها الدعاء؛ فيكره الاشتغال بغيره. ولأن الطواف أيضًا مشبه بالصلة.
وقد روى عن ابن عمر أنه كان لا يلبى في طواف. وقال سفيان: ما علمت أن أحدًا لبى في طواف إلا عطاء بن السائب.
[ ٢ / ١١٢ ]
فأما قوله: أنه يقطع التلبية إذا راح إلى الموقف. وزالت الشمس فالخلاف فيه مع أبي حنيفة والشافعي ﵄؛ لأنهما يقولان: إنها لا تقطع حتى يرمى أول حصاة من جمرة العقبة يوم النحر.
واستدل عنها بما روى الفضل بن عباس أن رسول الله - ﷺ - لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة.
وما روى عن عمر - ﵁ - أنه لبى وهو عند الجمرة. فقال له ابن عباس: فيم الإهلال يا أمير المؤمنين؟ فقال: وهل قضينا نسكًا بعد.
وروى عن علي - ﵁ - أنه كان إذا رمى الجمرة قطع التلبية.
ولأن التلبية لأجل الإحرام، فلما كان ابتداؤها حين الابتداء به وجب أن يكون قطعها إذا ابتدأ بالخروج منها.
والأصل فيما قلناه إجماع السلف عليه؛ فروى الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول أن عمر بن الخطاب - ﵁ - كان يقطع التلبية إذا زالت الشمس يوم عرفة.
وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر عن نافع أن عثمان - ﵁ - كان يقطع التلبية إذا راح إلى الموقف عشية عرفة.
وروى الوليد بن مسلم عن ابن أبي ذئب عن ابن شهاب قال: كانت
[ ٢ / ١١٣ ]
الأئمة يقطعون التلبية إذا زالت الشمس يوم عرفة.
وسمى ابن شهاب الزهري أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعائشة وسعيد ابن المسيب ﵄.
وروى مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن علي بن أبي طالب - ﵁ - كان يلبى في الحج حتى إذا زالت الشمس من يوم عرفة قطع التلبية.
وروى مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عائشة زوج النبي - ﷺ - كانت تدع التلبية إذا راحت إلي الموقف.
قال مالك: وذلك الذي لم يزل عليه أهل العلم.
وروى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يدع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم حتى يطوف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم يلبي حتى يعود إلى عرفة، فإذا عاد ترك التلبية.
وروى ابن وهب عن يونس عن ربيعة أنه قال: الأئمة والجماعة كانوا لا يقطعون التلبية ولا يمسكون عنها حتى يروحون إلى الموقف من عرفة، فإذا راحوا إلى الموقف أمسكوا عن التلبية وأظهروا التكبير حتى يحلوا.
وروى مثله عن سعد، وجابر، وابن الزبير، وأم سلمة ﵄.
ومن جهة المعنى: أن التلبية إجابة للنداء بالحج الذي دعى إليه، فإذا انتهى إلى الموضع الذي دعا إليه فقد فعل ما وجب عليه، وانتهى إلى غاية
[ ٢ / ١١٤ ]
ما أمر به؛ فوجب أن يقطع التلبية؛ لأنه لا معنى لاستدامتها فيما زاد على ذلك.
فأما الحديث الذي رووه محمول على الجواز، وما ذكرنا فهو المستحب؛ لأن الاستحباب لو كان ما ذكروه لم تكن الأئمة لتعدل عنه وتجمع على خلافه فيذهب عليها فعله ﷺ في ذلك. والعمل المتصل عندنا يترك له الخبر.
وما رووه عن عمر وعلي - رضوان الله عليهما - غير محفوظ، بل المشهور عنها ما رويناه عنها وعن جماعة الأئمة والسلف. وقولهم أن التلبية لأجل الإحرام فيجب أن يخرج عنها بالخروج منه: باطل من وجهين:
أحدهما: أنها ليست لأجل الإحرام، ولكن من شروطها أن يبتدئ بها مع الإحرام، وليس كلما ابتدئ مع الإحرام كان لأجله.
والآخر: أن هذا يوجب أن لا تقطع ما بقى من الإحرام شيء. وهذا باطل.
والله أعلم.
[ ٢ / ١١٥ ]
مسألة
قال ﵀: ويستحب أن يدخل مكة من كداء الثنية التي بأعلى مكة، وإذا خرج خرج من كداء. وإن لم يفعل في الوجهين فلا حرج.
قال القاضي ﵁: وهذا لأن رسول الله - ﷺ - فعل ذلك في دخوله وخروجه؛ فروى سفيان بن عيينة [ق/ ١٣٥] عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - كان إذا دخل مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها. وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - كان يدخل مكة من الثنية العليا.
وفي حديث آخر: من كداء من ثنية البطحاء، ويخرج من [الثنية] السفلى.
فلذلك استحببناه له.
فإن لم يفعل فلا حرج؛ لأنه لم ترك واجبا ولا مسنونًا.
* * *
[ ٢ / ١١٦ ]
مسألة
قال ﵀: "فإذا دخل مكة فليدخل المسجد، ومستحسن أن يدخل من باب بني شيبة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي - ﵀ -: وذلك لأن المستحب له المبادرة إلى البيت للطواف به، والركوع عنده، وحيازة الثواب بذلك.
وقد روى عن النبي - ﷺ - أنه كان إذا دخل مكة لم يلود ولم يعوج - يعني: دون المسجد -.
وروى الليث عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا دخل مكة لم ينخ ناقته إلا عند باب المسجد.
وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يدخل المسجد الحرام إذا قدم من باب بني شيبة.
* * *
[ ٢ / ١١٧ ]
مسألة
قال ﵀: " [ويستلم] الحجر الأسود بفيه إن قدر، وإلا وضع يده عليه ثم يضعها على فيه من غير تقبيل، ثم يطوف والبيت على يساره سبعة أشواط: ثلاثة خببًا ثم أربعة مشيًا، فيستلم الركن كلما مر به كما ذكرنا.
ولا يستسلم اليماني بفيه ولكن بيده، ثم يضعها على فيه.
فإذا تم طوافه ركع عند المقام ركعتين، ثم استلم الحجر إن قدر، ثم [يخرج] إلى الصفا فيقف عليه للدعاء، ثم يسعى إلى المروة، ويخب في بطن المسيل، فإذا أتى المروة وقف عليها للدعاء، ثم يسعي إلى الصفا؛ يفعل ذلك سبع مرات؛ فيقف [بذلك] أربع وقفات على الصفا أربعًا على المروة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي - ﵀ -: أما استحباب البداية بالطواف على كل شيء لمن دخل المسجد؛ فلان الطواف تحية للبيت كما أن الركعتين قبل الجلوس في سائر المساجد تحية للمسجد، فإذا كان المستحب لمن دخل بعض المساجد أن يبدأ بالركعتين تحية للمسجد؛
[ ٢ / ١١٨ ]
فكذلك يستحب لمن دخل المسجد الحرام أن يبدأ بتحة البيت وهي الطواف.
ولأن النبي - ﷺ - كذلك كان يفعل؛ فيجب الاقتداء به؛ فروى ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: رأيت رسول الله - ﷺ - حين يقوم مكة يستلم الحجر الأسود أولًا، ثم يطوف.
وروى وهيب حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: قدمنا مكة فبدأ رسول الله - ﷺ - فاستلم الركن فسعى ثلاثًا ومشى أربعًا.
فأما قوله: يبدأ فيستلم الحجر بفيه إن قدر؛ فلما رويناه من فعل رسول الله - ﷺ - وذلك؛ فروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال: رأيت رسول الله - ﷺ - حين قدم مكة يستلم الحجر الأسود أولا ثم يطوف.
وروى عبد الله بن رباح عن أبي هريرة قال: أقبل رسول الله - ﷺ - فدخل مكة فأقبل إلى الحجر فاستلمه.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: قدمنا ومكة فبدأ رسول الله - ﷺ - فاستلم الركن.
[ ٢ / ١١٩ ]
وروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال وهو يطوف بالبيت للركن الأسود: إنما أنت حجر، ولولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - يقبلك لم أقبلك، ثم قبله.
ورواه ابن وهب عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر ابن الخطاب - ﵁ - كان يقبل الحجر، ويقول: والله إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولكني رأيت رسول الله - ﷺ - يقبلك.
وروى شريك عن ليث عن مجاهد قال: لكل شيء شعار، وشعار الطواف استلام الحجر. قال: وإنما أراد عمر - ﵁ - أني أقبلك وأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع؛ ليرى أن تقبيله على طريق التعبد وإتباع الرسول - ﷺ -، وأنه بخلاف تقبيل المشركين للأصنام واعتقادهم أنها تنفع وتضر فثبت بما ذكرناه عن النبي - ﷺ - والصحابة ﵁ استحباب استلام الحجر الأسود إذا قدر الإنسان عليه.
فإن لم يقدر وضع يده على الحجر ثم وضعها على فيه؛ ليكون عوضًا من التقبيل؛ لأنه لما لم يقدر على التقبيل اعتاض منه بوضع اليد.
ووضعها على الفم؛ ليمس فمه ما مس الحجر من أعضائه.
وقد روى هذا عن جماعة من الصحابة ﵃ أنهم كانوا يفعلونه؛ روى عن ابن عباس، وابن عمر وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري،
[ ٢ / ١٢٠ ]
وأبي هريرة، وغيرهم، ﵃ أجمعين.
فأما قوله: أنه يطوف والبيت على يساره. فلا خلاف أن ذلك صفة الطواف. فإن نكسه لم يجزئه، ولكن يكن ذلك طوافًا شرعيًا عندنا، وعند الشافعي. وقال أبو حنيفة: يكره له ذلك، ويجزئه أن يفعل، وعليه الدم.
واستدل عنه بقوله تعالى:﴾ وليطوفوا بالبيت العتيق ﴿والاسم يتناول الطواف على أي وجه وقع من ترتيب أو تنكيس.
ولأنه حصل طائفًا بالبيت في وقت وجوبه على طهارة؛ فأشبه إذا طاف والبيت على يساره.
ولأنها عبادة ليس من شروطها الموالاة؛ فلم يكن من شرطها الترتيب.
أصله: الزكاة.
عكسه: الصلاة.
ولأنه ترك صفة للطواف؛ فأشبه إذا ترك الرمل.
والأصل فيما قلنا أن رسول الله - ﷺ - طاف والبيت على يساره غير منكوس، وقد قال ﷺ: "خذوا عني مناسككم"؛ ففي هذا أدلة:
أحدهما: بيان لما أجمل بقوله ﷿:﴾ وليطوفوا [ق/ ١٣٦] بالبيت العتيق ﴿؛ فبين أنه على الصفة التي فعلنا.
[ ٢ / ١٢١ ]
والثاني: أن فعله على الوجوب.
وأيضًا فلأنها عبادة تتعلق بالبيت أو تفتقر إلى البيت؛ فوجب ألا يجزئ إيقاعها منكسة؛ اعتبارًا بالصلاة.
واستدل بعض أصحابنا بأن قال: لأنه نسك مبنى على الحركة والتكرار فلا يجوز منكوسًا؛ السعي إذا بدأ بالمروة قبل الصفا.
فأما الآية فلا تعلق فيها؛ لأن قوله ﷿:﴾ وليطوفوا بالبيت العتيق ﴿أمر، والأمر لا يتناول الفعل إلا على وجه الوجوب أو الندب، وقد ثبت أن التنكيس غير واجب ولا مندوب؛ فلم يتناول الأمر.
على أن البيان من جهة السنة بفعله ﷺ؛ فقفي عليه.
والقياس الذي ذكروه ساقط مع الخبر الذي رويناه. ثم إن الكلام في أن هذا الطواف يجزئ أو لا يجزئ فرع؛ لكون الترتيب شرطًا فيه؛ فإنما أجزأ الطائف على الترتيب لأدائه إياه على شرطه. واعتبارهم بالزكاة غير مسلم الوصف؛ لأن الموالاة من شرط الطواف عندنا. وينتقض بالحج؛ لأنه ليس من شروطه الموالاة، ومن شرطه الترتيب والمعنى في الزكاة أنه لا تفتقر إلى البيت، والمعنى في الرمل أنه يسقط لا إلى دم ولا إلى غيره، وليس كذلك الترتيب.
والله أعلم.
[ ٢ / ١٢٢ ]
فصل
فأما قوله: يطوف سبعة أشواط. فلأن ذلك عدد الطواف في الشرع، ومتى ترك شيئًا منه لم يجزئه، ولم ينب عنه الدم، ولم يكن طوافًا شرعيًا، إلا أن يأتي به كامل الأشواط.
هذا قولنا، وقول الشافعي. وعند أبي حنيفة إن أتى بأربعة أشواط حتى رجع إلى أهله أجزأه وجبره بالدم، وإن ترك الأكثر فلا يجزئه. واستدل أصحابه بقوله تعالى:﴾ وليطوفوا بالبيت العتيق ﴿، والاسم يتناول الطائف شوطًا واحدًا.
ولأن الأربعة معظم السبعة، ومن أتى بمعظم الشيء حل محل من أتى بجمعيه؛ اعتبارًا بمن أدرك الإمام في ركوعه أنه يعتد بالركعة؛ لإتيانه بمعظمها، ويكون كمدرك جميعها.
ولأنه أتى بزيارة على الأشواط الثلاثة، فأشبه إذا أتى بالسبعة.
ولأنه ركن من أركان الحج؛ فجاز أن ينوب الدم عن بعض أجزائه؛ كالوقوف.
والذي يدل على ما قلناه أن رسول الله - ﷺ - طاف بالبيت سبعة أشواط. رواه جماعة من الصحابة.
وروى حاتم بن إسماعيل وغيره عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر
[ ٢ / ١٢٣ ]
أن رسول الله - ﷺ - استلم الركن فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا.
وروى ابن وهب عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - كان إذا كان بالبيت الطواف الأول يخب ثلاثة أطواف، ويمشي أربعًا.
ولم يرو عنه أنه نقص من ذلك، وقد قال ﷺ: "خذوا عني مناسككم"؛ فوجب الاقتداء بفعله، وأن يؤتي بالعدد الذي أتى به.
وأيضًا فلأنه نقص عن الأشواط السبعة في طوافه؛ فأشبه أن يقتصر على الثلاثة.
وأيضًا فلأنه لو كان بمكة لم يجبر ما ترك من طوافه بالدم، ولزم استئنافه والإتيان ببقتيه؛ فكذلك بغيرها.
أصله: إذا ترك أربعة أشواط.
أو نقول: لأنه ترك من طوافه ما لو كان بمكة لم يجبره بالدم؛ فكذلك لا يجزئه وإن خرج من مكة. أصله ما ذكرناه.
ولأنه فرض وعدد محصور فإتيانه بمعظمه لا يسقط ما بقى، ولا يجبره دم ولا غيره؛ اعتبارًا بسائر الفرائض.
ولأنه فرض يتعلق بالبيت دون عدد؛ فوجب أن يكون الإتيان بجميعه شرطًا في صحته.
أصله: الصلاة.
[ ٢ / ١٢٤ ]
أو لأن ما افتقر إلى البيت لم ينب الدم عن شيء من عدده كالصلاة.
فأما الظاهر فالسنة تقضى عليه.
واستدلالهم بأن من أتى بمعظم الشيء كان كمن أتى بجميعه بالأصول كلها كالطهارة والصيام وغير ذلك من العبادات.
فأما المدرك للركوع فلم يكن عليه القيام فرضًا إلا إتباعًا للإمام؛ لأنه ليس على المأموم قراءة، فإذا فرغ الإمام من القراءة ركع؛ فلم يبق شيء يتبعه المأموم فيه.
وقياسهم عليه إذا أتى بالسبعة؛ بعلة أنه أتى بزيارة على الثلاثة: باطل؛ لأن العلة فيه أتى بجميع أشواط الطواف. وليس كذلك إذا أتى بالأربعة؛ لأنه أتى ببعض الأشواط؛ فأشبه إذا افتقر على شوطين.
وهذه الأحكام إنما هي للطواف الفرض، ولكن وصف الطواف لا يختلف فيه فرض.
واعتبارهم بالوقوف لا يصح؛ لأن الفرض منه أقل ما يقع عليه الاسم، وماذا زاد عليه الاسم، وماذا عليه مسنون وليس بفرض. والفرض لا ينوب عنه الدم.
وبالله التوفيق.
* * *
[ ٢ / ١٢٥ ]
فصل
فأما قوله: إن الثلاثة الأشواط الأول خيب، والباقي مشى. فلأن ذلك مروى عن النبي - ﷺ - وجماعة أصحابه؛ فيجب الأقتداء بهم؛ فروى مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله - ﷺ - رمل الثلاثة الأطواف من الحجر إلى الحجر.
وروى حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله - ﷺ - كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول يسعى ثلاثة أطواف، ويمشى أربعًا.
وقد رورى ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمرن وابن مسعود، وأبو سعيد الخدري، وابن الزبير، وجماعة من الصحابة والتابعين ﵃.
والسبب في ذلك ما ذكره ابن عباس، ورواه حماد بن زيد عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قدم رسول الله - ﷺ - مكة وقد وهنتهم حمى يثرب. فقال المشركين: إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب ولقوا منه شرا فأطلع الله ﷿ نبيه - ﷺ - على ما قالوا؛ فأمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا بين الركنين. فلما رأوهم رملوا قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى قد [ق/ ١٣٧] وهنتهم، هؤلاء أجلد منا.
[ ٢ / ١٢٦ ]
قال ابن عباس - ﵀ -: ولم يأمرهم أن يرملوا الأشواط لكها إلا للإبقاء عليهم.
* * *
فصل
فأما قوله: إنه يستلم الركن كلما مر به، ويكبر؛ فكذلك روى عن النبي - ﷺ - أنه كان يفعل في طوافه كلما مر على الركن، وقد تكرر من رواية ذلك ما أغنى عن إعادته.
* * *
فصل
فأما قوله: أنه إذا تم طوافه ركع عند المقام ركعتين؛ فلأن عنده أن من سنة كل طواف أن يركع عقيبه ركعتين سنة مؤكدة لا تترك.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل قولنا.
والآخر: أنهما مستحبتان، وليستا بواجبتين ولا مسنونتين.
والذي يدل على ما قلناه قوله تعالى:﴾ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴿.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله - ﷺ - استلم
[ ٢ / ١٢٧ ]
الركن فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم - ﵇ - فقرأ:﴾ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴿فجعل المقام بينه وبين البيت.
ففي هذا دليلان:
أحدهما: أنه بيان للآية.
والآخر: أنه بيان للمناسك بقوله ﷺ: "خذوا عني مناسككم".
وروى أنه ﷺ كان لا يدع في كل طواف أن يركع عليه ركعتين.
وروى أن رسول الله - ﷺ - طاف راكبًا، فلما فرغ نزل فصلى خلف المقام.
وهذا يدل على استنانها وتأكيد أمرهما؛ لأنهما لو كانا نفلًا غير مسنون لكان يصليها على الراحلة، فلما لم يفعل ذلك بل نزل عن راحلته وصلاها عند المقام. دل ذلك على تأكيد أمرهما.
ولأن الطواف من أركان الحج؛ فوجب أن يكون من توابعه ما هو واجب وجوب سنة؛ كالوقوف بعرفة؛ لأن من توابعه المبيت بالمزدلفة، وغير ذلك.
فإن قيل: فقد روى من حديث الأعرابي الذي سأل النبي - ﷺ - عن
[ ٢ / ١٢٨ ]
الصلوات أنه قال: هل على غيرهن؟ قال: "لا إلا أن تطوع".
قلنا: إنما سأله عن الفرض اللازم ابتداء بالشرع الذي يتكرر فعله؛ ألا ترى أنه لم يذكر له النذر ولا الوتر ولا العيدين؟.
فإن قيل: كل صلاة: لم تكن سنة للكافة لم تكن سنة لبعض دون بعض؛ كسائر النوافل؛ مثل الركعتين بعد الظهر وبعد المغرب.
عكسه: كسائر الصلوات المسنونات.
قلنا: يبطل بصلاة الاستسقاء؛ لأنها مسنونة لمن احتاج إلى الاستسقاء دون الكافة؛ فكذلك سبيل ركعتي الطواف أنهما سنتان لمن طاف دون غيره.
وأيضًا فإن هذه سنة لكافة الذين يوجد فيهم شرطها؛ لأن من شرطها تقدم الطواف فكانت كصلاة الكسوف التي هي سنة للكافة إذا وجد شرطها.
وليست يخرجها عن كونها سنة للكافة أن يوجد الشرطان في بعضهم؛ لأنها إنما تكون سنة بحيث يوجد شرطها، فإذا وجد فهي سنة لكافة من وجد منه.
والله أعلم.
* * *
[ ٢ / ١٢٩ ]
فصل
فأما قوله: إنه يستلم الحجر بعد الركوع إن قدره؛ فلأن رسول الله - ﷺ - كذلك فعل، وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله - ﷺ - طاف فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فركع، ثم رجع إلى البيت فاستلم الركن، ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا إلى الصفا قرأ:﴾ إن الصفا والمروة من شعائر الله ﴿.
وقد روى من غير هذا الطريق أيضًا؛ فلذلك استحببناه.
* * *
فصل
فأما قوله أنه يخرج بعد ذلك إلى الصفا فيقف عليه بالدعاء؛ فلأن رسول الله - ﷺ - كذلك فعل؛ فروى ابن وهب وحاتم بن إسماعيل وغيرهما عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله - ﷺ - طاف في حجته، ثم رجع فاستلم الركن، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قال:﴾ إن الصفا والمروة من شعائر الله ﴿؛ نبدأ بما بدأ الله به؛ فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت فكبر الله تعالى وحده، وقال: "إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". ثم دعا ﷺ بين ذلك وقال مثل ذلك ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا
[ ٢ / ١٣٠ ]
أنصت قدماه رمل في بطن الوادي حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة فصنع على المروة مثل ما صنع على الصفا حتى كان آخر طوافه على المروة.
وروى مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - حين خرج من المسجد وهو يريد الصفا وهو يقول: "نبدأ بما بدأ الله ﷿ به" فبدأ بالصفا.
وأنه ﷺ حين هبط من الصفا مشى حتى إذا أنصبت قدماه في بطن المسيل سعى حتى ظهر منه.
قال: وكان يكبر على الصفا والمروة ثلاثًا ويهلل واحدة.
بن رباح عن أبي هريرة قال: أقبل رسول الله - ﷺ - فدخل مكة فاستلم الحجر ثم طاف بالبيت ثم أتى الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت، ورفع يديه فجعل يذكر الله تعالى ما شاء أن يذكره ويدعوه.
فلهذا قال بعد الطواف والركوع والاستلام يخرج إلى الصفا للسعي بينه وبين المروة، وأنه يبدأ بالصفا منه إلى المروة، ويحتسب بذلك شوطًا، ثم يرجع من المروة إلى الصفا فيحتسب بذلك شوطًا إلى أن يفرغ من السعي بالشوط السابع وخاتمه المروة؛ فيكون ذلك سبعة أشواط وثماني وقفات؛ أربعًا على الصفا، وأربعًا على المروة.
[ ٢ / ١٣١ ]
ولا خلاف في هذا الجملة إلا شيء يحكى عن جرير لا يعتد به لو صح عنه.
* * *
فصل
والسعي ركن من أركان الحج، وفرض من فروضه، [ق/ ١٣٨] لا ينوب الدم عنه، وبه قال الشافعي - ﵁ -.
وقال أبو حنيفة: هو واجب وليس بركن، وينوب عنه الدم.
واستدل أصحابه بقوله تعالى:﴾ فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ﴿.
قالوا: ففي هذا الظاهر دليلان:
أحدهما: أن قوله سبحانه: فلا جناح" من ألفاظ الإباحة دون الوجوب؛ كقوله ﷿:﴾ فلا جناح عليكم فيما فعلن ﴿؛ كذا وقوله ﷿:﴾ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ﴿، وما أشبه ذلك.
وإذا صح هذا ثبت أنه مباح غير واجب.
والوجه الآخر أنه قد قرأ:﴾ فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾.
[ ٢ / ١٣٢ ]
وروى ذلك عن ابن مسعود، وأبي، وابن عباس، وأنس. وأقل ما في هذا أن يكون كخبر واحد.
وروى أن النبي - ﷺ - قال: "الحج عرفة فمن وقف بعرفة فقد تم حجة".
وظاهر ذلك نفي بقى ركن عليه، إلا أن تقوم دلالة.
قالوا: ولأن السعي لا يثبت له حكم إلا على وجه التبع للطواف؛ بدلالة أنه لا يفعل منفردًا بنفسه، ولا يؤتى إلا عقيب طواف، وأنه ليس له وقت يخصه، وإنما يقف فعله على الفراغ من الطواف؛ يبين ذلك أنه إذا فرغ من طوافه جاز له أن يسعى عقبيه في وقت لو أراد ابتداء الطواف فيه لم يكن له ذلك؛ فبان بما وصفنا أنه تابع للطواف، وما كان من توابع غيره لم يكن ركنًا؛ كالمبيت بالمزدلفة؛ ألا ترى أن الإحرام والوقوف لما كانا ركنين كان لهما حكم أنفسهما، ولم يفعلان تبعًا لغيرهما.
قالوا: ولأن السعي لو كان ركنًا لكان من جنسه ما ينتفل به وليس بركن؛ ألا ترى أن الوقوف بعرفة لما كان ركنًا كان من جنسه ما ليس بركن ويتنفل به وهو الوقوف بالمزدلفة، وكذلك الطواف لما كان ركنًا كان من جنسه ما ليس بركن ويتنفل به؛ وهو طواف الورود والوداع، وفي علمنا
[ ٢ / ١٣٣ ]
أن السعي لا يتكرر في الحج دلالة على أنه ليس بركن.
قالوا: ولأنه مفعول بعد الإحرام لا يفعل من جنسه غيره فلم يكن ركنًا؛ كالحلق والذبح.
قالوا: ولأنه نسك ذو عدد غير متعلق بالبيت فأشبه رمى الجمار.
ولأنه نسك يفعل في حال الإحرام لا على وجه اللبث؛ فأشبه رمى الجمار.
قالوا: ولأن السعي إنما فعل لإظهار القوة والجلد، ونفى الضعف وما كانت العرب تضيفه إلى النبي - ﷺ - وأصحابه من أن حمى يثرب نهكتهم ووهنتهم - على ما روى في حديث ابن عباس -، وما هذه سبيله فليس بركن.
والدلالة على صحة قولنا: ما رويناه من حديث جابر وأبي هريرة وغيرهما أن رسول الله - ﷺ - طاف وسعى بين الصفا والمروة، وأفعاله على الوجوب، وسيما إذا كانت بيانًا، وهذا موضع البيان بقوله: "خذوا عني مناسككم".
ويدل عليه أيضًا ما رواه عطاء عن صفية بنت شيبة عن حبية بنت أبي تجزئه قالت: رأيت رسول الله - ﷺ - بين الصفا والمروة، ويقول: "اسعوا؛ فإن الله كتب عليكم السعي"، وأرني موضع إزاره، وإنه ليدور على ساقه من شدة السعي حتى أقول: إني أرى ركبتيه.
[ ٢ / ١٣٤ ]
ففي هذا الخبر أدلة:
أحدهما: فعله ﷺ.
والثاني: مورد البيان؛ لقوله ﷺ: "خذوا عني مناسككم".
والثالث: قوله: "اسعوا" فهذا أمر، وهو على وجوبه.
والرابع: إخباره بإيجاب الله تعالى ذلك علينا بآكد ألفاظ الوجوب وأبلغها؛ وهو المكتوب.
فإن قيل: ليست في الخبر أكثر من أنه واجب، ونحن نقول بذلك.
ولأن خلافنا في أن الدم ينوب عنه إذا تركه أو لا، وليس في الخبر ما ينفى ذلك.
فالجواب عن هذا جوابان:
أحدهما: أن الخبر يفيد وجوب السعي فرضًا مكتوبًا حتمًا، وهم لا يقولون بذلك. وإذا ثبت كونه فرضًا مكتوبًا اقتطع بذلك ألا يسقط عنه إلا بفعله له، وعندهم أنه يسقط بالدم، وهذا يخرجه عن كونه فرضًا.
والثاني: أنه لو سلمنا أنه يفيد الوجوب فقط لكان إيجابه يقتضي إيجاده، وأن لا يقوم غيره مقامه إلا بدليل.
فإن قيل: إن الخبر يوجب السعي؛ وهو مشى على صفة، وقد اتفقنا على أن المشي على تلك الصفة ليس بركن، وهو الذي ورد به الخبر؛ فسقط التعلق به.
فالجواب: أن السعي المراد بالخبر هو المشي بين الصفا والمروة على صفة
[ ٢ / ١٣٥ ]
(الهرولة) في بعضه، وإنما سمى الجميع سعيًا باسم بعضه، فإذا سقطت الهرولة لم يسقط؛ لأن اللفظ يتناولها؛ فسقوط الصفة لا يوجد سقوط الموصوف؛ كما روى أن النبي - ﷺ - قال: "إن الله ﷿ يأمركم أن ترفعوا أصواتكم بالتلبية"؛ فتضمن هذا وجوب التلبية ورفع الصوت بها، فإذا سقط رفع الصوت لم يسقط أصل التلبية.
ويدل على ما قلناه أيضًا ما رويناه للقاضي إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا على بن المديني قالك حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن عطاء أن رسول الله - ﷺ - قال لعائشة - ﵂ -: "طوافك بالبيت، وسعيك بين الصفا والمروة يجزئك بحجك وعمرتك".
فلما علق به حكم الإجزاء دل ذلك على وجوبه؛ لأن غير الفرض لا يتعلق به الإجزاء.
وأيضًا فلأنه مشى ذو عدد سبع؛ فوجب أن يكون ركنًا في الحج كالطواف.
أو نقول: لأنه مشى يتكرر في مكان واحد كالطواف.
أو نقول: لأنه نسك يتنوع نوعين؛ فوجب أن يكون منه ما هو ركن؛ اعتبارًا بالطواف؛ وذلك أنه يرمل فيه الثلاثة الأشواط الأول، ويمشى الآخرة كما يفعل في الطواف.
أو نقول: لأنه نسك في العمرة ركن؛ فكان ركنًا في [ق/ ١٣٩]
[ ٢ / ١٣٦ ]
الحج؛ اعتبارًا بالطواف.
أو نقول: لأنه معنى يسن فيه الرمل؛ فوجب أن يكون منه ما هو ركن في الحج؛ اعتبارًا بالطواف ولأن كل نسك يؤتي به في الحج والعمرة على هيئة واحدة كان الدم لا ينوب منابه كالإحرام.
ولا يدخل عليه الخلاف؛ لأنه يؤتي به بعد الفراغ.
فأما تعلقهم بقوله تعالى:﴾ فلا جناح عليه أن يطوف بهما ﴿، وأنه ينبئ على كونه مباحًا: فإنه باطل من وجوه:
أحدهما: أن السعي إما أن يكون ركنًا - على ما نقوله -، أو واجبًا - على ما يقولونه -، أو مسنونًا - على ما يقوله بعضهم -، وليس في الأمة من يقول: إنه مباح مخير فيه يستوي فعله وتركه؛ فحمل الآية على هذا لا يصح؛ لإجماع الأمة على خلافه.
والوجه الآخر: أن هذه الآية نزلت على سبب؛ وهو ما روى عروة أن عائشة - ﵂ - قلت لها: أرأيت قول الله ﷿:﴾ إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ﴿ما على أحد جناح ألا يطوف بهما؟ قال: فقالت: بئس ما قلت يا بن أخي؛ إنها لو كانت على ما أولتها كانت لا جناح عليه أن لا يطف بهما؛ إنما كان هذا الحي من الأنصار قبل أن يسلموا صلوا لمناة الطاغية، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا، فلما أسلموا سألوا رسول الله - ﷺ -
[ ٢ / ١٣٧ ]
فقالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة؛ فأنزل الله ﷿:﴾ إن الصفا والمروة من شعائر الله ﴿.
وروى الشعبي قال: كان على الصفا وثن يقال له: إساف، وعلى المروة وثن يقال له: نائلة. فكان المشركون يطوفون بينهما، فملا كان الإسلام قال ناس لرسول الله - ﷺ -: إن أهل الجاهلين كانوا يطوفون بين الصفا والمروة للوثنين؛ فنزلت هذه الآية. وهذا ليس هو السعي الذي نوجبه نحن، بل هو ما كان المشركون يتعاطونه.
وبما يجاب به عن هذا ما روى أن رسول الله - ﷺ - قال في السعي: نبدأ بما بدأ الله ﷿ به، وابدؤوا بما بدأ الله به، وإنه بدأ بالصفا.
وهذا يدل على أن الأمر بالآية يقتضي الأمر بالسعي؛ لأنه أخبر أن ما يفعله إتباعًا للظاهر وامتثالًا له.
ولا يجوز لمن يقول: فعل يفعله نبدأ بما بدأ الله ﷿ به في ظاهر لا يقتضيه ولا يفيده. وإذا كان كذلك ثبت ما قلنا.
وأجاب بعض من وافقنا عنه بأنه قال قوله ﷿:﴾ فلا جناح ﴿كلام مستقل بنفسه عائد إلى الحج والعمرة كأنه قال سبحانه:﴾ فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح ﴿ثم استأنف فقال:﴾ عليه أن يطوف بهما ﴿؛ ليفيد وجوب السعي.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن الكلام مرتبط بعضه ببعض؛ فلا يجوز تبعضه، ولأنا أنكرنا عليهم كون السعي مباحًا.
[ ٢ / ١٣٨ ]
وهذا الجواب يقتضي إباحة الحج والعمرة، وذلك أدخل في الفساد مما قالوه؛ فيجب بطلانه.
فأما تعلقهم بما رواه من قراءة أبي، وابن مسعود وغيرهما فباطل أيضًا؛ لأنها مخالفة للمصحف المجتمع عليه؛ فلا يلتفت إليه.
وقولهم أقل ما فيه أن يكون خبر واحد غير صحيح؛ لأن أخبار الآحاد لا يثبت بها نقل القرآن؛ ويبين ذلك أن عائشة - ﵂ - أنكرت على عروة ما يفضي إلى هذه القراءة فقالت: لو كان ذلك على ما قلت لكانت فلا جناح عليه ألا يطوف بهما؛ فدل هذا أيضًا على أن هذه القراءة لا أصل لها.
فأما قوله ﷺ: "الحج عرفة فمن وقف بعرفة فقد تم حجة" فمعناه أن المقصود الذي يفوت الحج بفواته هو عرفة، وليس المراد به حقيقة اللفظ؛ لأنه لو وقف بعرفة من غيرهم إحرام لم يكن حاجًا، وكذلك لو لم يطف في الإحرام لم يكن حجه تاما؛ فثبت أن معناه ما قلناه.
فأما قولهم أن السعي تابع للطواف، وما كان تابعًا لغيره لم يكن ركنًا: فليس بصحيح؛ لأنه ليس بتابع بل هو ركن بنفسه.
فأما استشهارهم على ذلك بأنه لا يفعل منفردًا بنفسه ولا يؤتي به إلا عقيب طواف: فإنه باطل؛ لأن هذا لا يوجب أن يكون تبعًا للطواف؛ لأن الشيء قد يكون له حكم نفسه، ولا يكون تبعًا لغيره وإن كان من شرطه أن يتقدمه غيره؛ يبين ذلك أن الوقوف بعرفة لا يصح لا بعد تقدم
[ ٢ / ١٣٩ ]
الإحرام، ولم يوجب ذلك كونه من توابعه؛ وكذلك السجود لا يفعل إلا بعد ركوع أو جلوس - أعنى السجود الذي هو مر بنية الصلاة - ثم لم يوجب ذلك أن يكون من توابعه؛ فثبت بذلك أن هذا إنما وجب؛ لأنها أفعال ترتيب في الابتداء على هذا الوجه؛ لأن أحدهما تابع للآخر؛ وكذلك طواف الإفاضة لا يكون إلا بعد الوقوف، وليس هو تابع له؛ بل هو ركن بنفسه.
وقولهم: أن فعله معلق على الفراغ من الطواف فكان من توابعه: باطل؛ لأن الطواف في العمرة علق على الفراغ من الإحرام وليس من توابعه.
ثم المعنى فيما قاسوا عليه من المبيت بالمزدلقة والرمي أنها من توابع الوقوف؛ فلذلك لم يكن ركنًا؛ بدليل أنه نسقط بسقوط الوقوف. وليس كذلك السعي؛ لأنه منفرد بنفسه ليس بتابع في الوجوب لغيره؛ بدليل ما ذكرناه أنه يؤتى به عقيب طواف القدوم وليس بركن.
وأما قولهم أن السعي لو كان ركنًا لكان من جنسه ما ليس بركن كالوقوف بعرفة: فعنه جوابان:
أحدهما: يبتقض بالإحرام؛ لأنه ركن وليس في الحج من جنسه ما لبس بركن.
والآخر: أن من جنس المعنى ما لبس بركن - وهو السعي في بطن محصر بمزدلفة - فقد قلنا بموجب العلة.
فإن قيل: ليس السعي في بطن محصر من جنس السعي بين الصفا [ق/
[ ٢ / ١٤٠ ]
١٤٠] والمروة؛ لأنه ليس فيه أشواط، ولا يفعل على وجه القربة لفضيلة الموضع.
قيل له: هذه الشروط لا يقتضيها تعلييكم؛ لأن قولكم (من جنسه) يقتضي أن يكون مثله في وصفه الأعم.
على أن المييت بالمزدلفة ليس من جنس الوقوف بعرفة؛ لأن اللبث بعرفة ليس من شرطه أن يكون مبيتًا. والمبيت بالمزدلفة يجري مجرى المبيت بمنى لـ منى.
على أن الطواف من جنس السعي، وهو ركن مثله.
فإن قيل: ليس في الحج ركن يتكرر من جنسه ركن آخر فلم يكن الطواف من جسن السعي.
قيل له: هذا كلام في هل الطواف من جنس السعي فلا يلزمنا؛ لأنا قد بينا كونه كذلك.
فأما قولهم أن الطواف لما كان ركنًا كان من جنسه ما لبس بركن - وهو طواف الوداع -: فليس بصحيح؛ لأن هذا مثله ومن اسمه، وإنما يقال: من جنسه إذا أخذ شبها من وصفه العام. فأما إذا كان مثله في جميع الجهات فكأنهم قالوا: يجب أن يتكرر على وجه لا يكون ركنًا. وهذا باطل بالوقوف بعرفة؛ على ما بيناه.
وقولهم أنه مفعول بعد الإحرام من جنسه غيره كالحلق والذبح: ينتقض بالوقوف بعرفة.
فإن قالوا: من جنسه المبيت بالمزدلفة. قلنا: ومن جنس السعي
[ ٢ / ١٤١ ]
الطواف؛ على ما بيناه.
فأما رمي الجمار فإنه تاعب للوقوف؛ بدلالة أن من سقط عنه الوقوف بالفوات سقط عنه الرمي. واعتلالهم ينتقض بعرفة، ولا يحزرهم منه قولهم: (لا على وجه اللبث)؛ لأن الوقوف ليس من شرطه اللبث؛ يدلك عليه أنه لو اجتاز بعرفة لأجزأه وإن لم يقف بها ما يسمي لبثًا.
وقولهم أن سبب السعي إظهار القوة وإبطال ما ظنه المشركين من عدمها فلذلك لم يكن واجبًا: باطل من وجهين:
أحدهما: أن السعي ليس هذا سببه، وإنما هذا سبب الهرولة والرمل، فأما أصل المشي فليس يتعلق هذا به؛ فأكثر ما في الباب ألا تجب الهرولة، فأما ألا يجب أصل الطواف فلا.
والجواب الآخر: هو أنه لو كان هذا سببه لم يخرجه عن كونه واجبًا، ولا يستحيل أن يكون هذا سبب إيجابه، ونحن لم نرعم أنه كان واجبًا لأجل سببه حتى يقال: إن هذا السبب لا يقتضي وجوبه.
وإذا ثبت ذلك سقط ما ذكره.
وبالله التوفيق.
فصل
وأفعال الحج كلها تجرى بغير طهارة إلا الطواف؛ فإن من شرطه الطهارة؛ فلا يصح من محدث أو جنب أو حائض. هذا قولنا، وقول
[ ٢ / ١٤٢ ]
الشافعي.
وقال أبو حنيفة: الطهارة واجبة للطواف، وليست شرطًا فيه.
ومن [أصحابه] من يقول: ليست بواجبه فيه أصلًا، إلا أنهم متفقون على أنها ليست بشرط فيه وأنه إن طاف على غير طهارة أجزأه.
واستدلوا بقوله تعالى ذكره:﴾ وليطوفوا بالبيت العتيق ﴿فأطلق ولم يقيد، والاسم يتناول من فعله محدًا وطاهرًا.
قالوا: ولأنه ركن في الحج لا يتم إلا به؛ فلم يكن من شرطه الطهارة.
أصله: الوقوف.
أو نقول: لأنه غير مشروط فيه ترك الكلام؛ فأشبه الوقوف والصوم.
قالوا: ولأنه الإحرام يوجب هذه الأفعال - وهو بعضها - فإذا لم تكن الطهارة شرطًا فيه كانت بأن لا تكون مشرطًا فيما هو من موجباته أولى.
قالوا: ولأن الطهارة لو كانت شرطًا في ركن من أركان هذه العبادة لكانت شرطًا في جميع أركانها. طردة الصلاة.
لما كانت الطهارة شرطًا في بعض أركانها كانت شراطًا في جميعها.
عكسه سائر العبادات.
قالوا: ولأنها عبادة ليس من شرطها استقبال القبلة فلم يكن من شرطها
[ ٢ / ١٤٣ ]
الطهارة.
أصله: الصوم.
عكسه الصلاة.
قالوا: ولأنه مبني على التكرار في الحج فأشبه السعي والرمي.
قالوا: ولأن مفروضات الحج ومسنوناته لا تفتقر إلى طهارة؛ فكذلك الطواف.
والدلالة على صحة قولنا ما روى فضيل بن عياض عن عطاء بن السائب عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه النطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير".
ووجه الاستدلال من هذا هو أنه ﷺ سماه صلاة؛ فلم يخل من أن يكون سماه بذلك لغة أو شرعًا؛ فلا معنى لحمله على أنه سماه بذلك في اللغة؛ لأنه لم يبعث ﷺ ليعلمهم اللغة؛ لأن اللغة طبعهم ولسانهم؛ فلا يحتاجون إلى تعليمها؛ فثبت أنه سماه بذلك في الشرع.
وإذا كان كذلك وثبت أنه صلاة في الشرع وجب أن تثبت لها أحكام الصلاة في كل شيء إلا ما قام عليه الدليل.
[ ٢ / ١٤٤ ]
ومن هذه الأحكام ثبوت الطهارة؛ لأن الصلاة الشرعية لا تصح إلا بطهور؛ لقوله ﷺ: "لا صلاة إلا بطهور".
ويبين ما قلناه من أن تسميه الطواف بأنه صلاة قد شمل سائر أحكام الصلاة أنه استثنى إباحة المنطق فيه؛ فأما فأفاد بذلك أن حكمه حكم الصلاة فيما عدا هذا، وأنه لا يفترق في شرائطها إلا في هذا المقدار فقط.
فإن قيل: صحيح هذا الحديث موقوف وليس بمرفوع، وروى وهب عن عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس قال: "الطواف بالبيت صلاة" الحديث. قلنا: هذا لا تعلق فيه؛ لأنا قد ذكرنا إسناد الخبر المرفوع ورواته كلهم ثقات، وقد يسند الصحابي الحديث إلى النبي - ﷺ - تارة، ثم يفضي بلفظة أخرى؛ فلا يمتنع ذلك.
وإذا صح هذا لم يكن ذكروه قدحًا في رفعه.
فإن قيل: تسميه الطواف بأنه صلاة مجاز واتساع؛ لأن له اسمًا يختص به وهو الطواف، والشرائط التي تختص بها ليست بموجودة في الطواف؛ من إيقاع تحريم [ق/ ١٤١] له، وتحليل منه، وركوع وسجود، وغير هذا.
وإذا كان كذلك علم أنه سماه صلاة لأجل الدعاء الذي يكون فيه.
قلنا: ظاهر التسمية يفيد الحقيقة فلا يصير إلى المجاز إلا بدليل.
[ ٢ / ١٤٥ ]
فأما استدلالهم على ذلك بأن له اسمًا يختص فإنه باطل؛ لأن اختصاص نوع من الجنس باسم غير الجنس لا يخرجه عن أن يكون منه؛ ألا ترى أن السلم والعرف نوعان من البيوع، وهما بيع على الحقيقة وإن اختصا بأسماء منفردة؛ فكذلك سبيل الطواف.
فأما قولهم أن للصلاة شرائط ليست موجودة في الطواف فليس بصحيح؛ لأن هذه الشرائط في بعض الصلاة دون بعض؛ ألا ترى أن سجود التلاوة والسهو الذي يكون خارج الصلاة صلاة على الحقيقة وليس فيه ركوع.
وكذلك صلاة الجنازة صلاة على الحقيقة وليس فيها ركوع ولا سجود؛ فبان بهذا أن اختلاف صفات الصلاة لا يخرجها عن أن تكون صلاة شرعية.
فأما قولهم: إن المراد به الدعاء: فباطل من وجهين:
أحدهما: أن هذا معلوم من اللغة؛ فلا فائدة في حمل الخبر عليه.
والثاني: أنه استثنى منه إباحة المنطق، فلو كان المراد به الدعاء لم يكن لهذا الاستثناء معنى.
فإن قيل: لو كان الطواف صلاة على الحقيقة لخرج بفعلها عن النذر.
قلنا: هذا لا يلزم؛ لأن النذر إذا أطلق توجه إلى الصلاة المعهودة؛ ألا ترى أن سجود التلاوة وصلاة الجنازة صلاة على الحقيقة، ولا يخرج بفعله عن النذر.
دليل آخر في أصل المسألة؛ وهو ما روى عن عائشة - ﵃ - (أن
[ ٢ / ١٤٦ ]
الوجوب، وسيما إذا كانت بيانًا، وهذا موضع البيان؛ لأنه قال ﷺ: "خذوا عني مناسككم"؛ فدل ذلك على أن الطهارة شرط في الطواف.
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة - ﵂ - قالت: قدمت مكة وأنا حائض فشكوت ذلك إلى رسول الله - ﷺ - فقال: "افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهرين".
ووجه الاستدلال من هذا أن رسول الله - ﷺ - منعها من الطواف لعلة الحيض؛ بدلالة أنه أباحها بإياه عند ارتفاعه.
وعلى نحو ذلك ما روى عن صفية في هذا الحديث أنها حاضت فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: "أحابستنا هي؟ " فقالوا: إنها أفاضت. قال: "فلا إذا".
فاعتقد ﷺ أن الحيض هو المانع للطواف؛ فدل ذلك على ما قلناه.
فإن قيل: لا دلالة لكم في هذا؛ لأن الحائض لا يجوز لها دخول المسجد؛ فلم يجز لها أن تطوف لهذا المعنى، لا لأن الطواف لا يصح منها وهي حائض.
قلنا: هذا خلاف الخبر؛ لأن النبي - ﷺ - علل المنع من ذلك بالحيض؛ بدليل أنه علل إباحته بارتفاعه. وعلى قولهم أن علة المنع امتناعها من دخول المسجد، وهذا خلاف الخبر، ومن سلم منهم أن الطهارة
[ ٢ / ١٤٧ ]
واجبة للطواف. قلنا: لأنها عبادة تجب لها الطهارة؛ فوجب أن تكون من شرطها كالصلاة.
وعلى قول من لا يسلمه نقول: لأنها عبادة لها تعلق بالبيت تختص به؛ فكانت الطهارة من شرطها؛ اعتبارًا بالصلاة.
فأما تعلقهم بقوله تعالى:﴾ وليطوفوا ﴿ففيه جوابان:
أحدهما: أن الطهارة واجبة عندهم أو مسنونة؛ فإيقاع الطواف بغير طهارة مكروه من قول الجميع، والأمر لا يتناول الفعل على وجه مكروه.
والثاني: أن رسول الله - ﷺ - قد بين ذلك بقوله: "خذوا عني مناسككم"، وتوضأ وطاف واعتبارهم بالوقوف بعلة أنه ركن: غير صحيح؛ لأن الوقوف لا تجب له الطهارة بالاتفاق؛ فلم يكن من شرط صحته. وليست كذلك الطواف.
واعتبارهم بالصوم بعلة أنه لم يشترط فيه منع الكلام: باطل أيضًا بما قلناه؛ لأن الطهارة غير واجبة فيه، أو لأنه لا يفعل متوجهًا به للبيت.
وقولهم أن هذه الأفعال من موجبات الإحرام فإذا لم تجب الطهارة للأصل كانت بأن لا تجب لأفعاله أولى محض الدعوى؛ لأنه لا يمتنع أن يكون فعل هذه الأشياء لا يصح إلا بعد تقدم الإحرام، وأن الإحرام نفسه يجزئ بغير طهر وما بعده لا يجزئ إلا بطهر لمعنى يختصه؛ فبطل ما ذكروه وقولهم: لو كانت الطهارة شرطًا في ركن من هذه الأركان لكانت شرطًا في الجميع ينقلب عليهم في الوجوب؛ لأن الطهارة لو كانت واجبة في الجميع.
[ ٢ / ١٤٨ ]
على أن الصلاة جملتها تتعلق بالبيت؛ فلذلك كانت الطهارة من شروطها.
وليس كل أركان الحج متعلقًا بالبيت؛ فلم تكن الطهارة شرطًا فيما وجد هذا المعنى فيه.
وقولهم: لما لم يكن من شرطها استقبال القبلة كذلك الطهارة: لا نسلمه؛ لأنه لابد أن تكون بجهة من جهاتها.
والعلة في الصوم أنه ليس له تعلق بالبيت، ولأنه يتقلب عليهم في الوجوب.
وكذلك الجواب عن قياسهم على السعي وسائر مفروضات الحج ومسنوناته. والله أعلم.
* * *
مسألة
قال ﵀: "ثم يخرج يوم التروية إلى منى [فيصلى] بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم يمضي إلى عرفات، ولا يدع التلبية في هذا كله حتى تزول الشمس [من] يوم عرفة، [ويخرج] إلى مصلاه، وليتطهر قبل رواحه فيجمع بين الظهر والعصر مع الإمام، ثم يروح معه إلى موقف عرفة فيقف معه إلى غروب الشمس".
[ ٢ / ١٤٩ ]
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀-: قوله: يخرج يوم التروية إلى منى ليصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح ثم يمضي إلى عرفة؛ فلما روى عن النبيﷺ- أنه فعل ذلك.
وروى الأعمش عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: صلى رسول اللهﷺ-[ق/١٤٢] الظهر يوم التروية والفجر يوم عرفة.
وروى عبد العزيز بن رفيع قال: سألت أنس بن مالك أين صلى رسول اللهﷺ- الظهر يوم التروية؟
قال: بمنى.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول اللهﷺ- ركب يوم التروية فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس.
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى، ثم يغدو إذا طلعت الشمس إلى يوم عرفة.
وقوله: أنه لا يدع التلبية في ذلك كله حتى تزول الشمس يوم عرفة: فقد ذكرناها فيما تقدم، وبينا وجهه بما يغني عن إعادته.
فأما تسميته بأنه يوم التروية بهذا الاسم فقيل فيه: إنه من الري من الماء
[ ٢ / ١٥٠ ]
كان معدومًا بعرفة وجمع فكانوا يحملون معهم الماء الكثير فيروي به من حضر من الحاج ومن أهل الموضعين.
وروى هذا عن محمد بن الحنفية.
وقوله: إنه يتطهر- يعني: للوقوف بعرفة- فليأتي بالوقوف على أكمل أحواله؛ لأنه أعظم شعائر الحج، وقد ثبت بما قدمناه استحباب الغسل للإحرام؛ فكذلك الوقوف.
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخوله مكة، ولوقوفه عشية بعرفة.
وقوله: إنه يجمع بين الظهر والعصر مع الإمام ثم يروح معه إلى موقف عرفة؛ فلما رواه جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول اللهﷺ- نزل بعرفة حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فركب حتى أتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا، ثم ركب القصواء حتى أتى الموقف.
وروى ابن وهب عن موسى بن زيد عن ابن شهاب عن سالم قال: إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة يوم عرفة. فقلت لسالم بن عبد الله: أفعل ذلك رسول اللهﷺ؟ - فقال: نعم؛ إنما يتبعون سنته.
[ ٢ / ١٥١ ]
وقوله: إنه يقف حتى تغرب الشمس فلأن رسول اللهﷺ- كذلك فعل على ما سنذكره. ولا خلاف أن هذا هو الأولى والأفضل، وإنما الخلاف في أن ذلك يلزم أو يستحب؛ فعندنا أنه يلزم، وأن الاعتماد في الوقوف بعرفة على الليل من ليلة النحر والنهار من يوم عرفة تبع، والأحسن أن يجمع بين النهار والليل بالوقوف، وإن أفرد الليل بالوقوف أجزأه أي وقت منه وقف أوله أو وسطه أو آخره وإن كان جزءًا يسيرًا، وإن أفرد النهار بالوقوف لم يحزءه حتى يصله بجزء من الليل.
فإن وقف نهارًا، أو دفع قبل الغروب ولم يرجع إلى عرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فأته الحج عندنا، وإن رجع فوقف بها قبل طلوع الفجر أجزأه.
وعند أبي حنيفة والشافعي أن الاعتماد على النهار من يوم عرفة بعد الزوال وأن الليل كله تبع، فإذا وقف جزءًا من نهار يوم عرفة بعد الزوال أجزأه، وكذلك إن وقف جزءا من الليل ليلة النحر ولم يقف شيئا من نهار يوم عرفة أجزأه.
إلا أنهم يقولون: إن أفرد الوقوف بالنهار دون الليل أجزأه وعليه دم لترك الوقوف ليلًا.
واختلف أصحاب الشافعي في تأويل قوله: (إن عليه دم) فمنهم من حمله على ظاهره- وهو الإيجاب-، ومنهم من قال: المراد به الاستحباب لئلا يلزمهم عليه ما يذكره أصحابنا؛ وذلك أن أحد ما يستدل به إذا دفع قبل الغروب ولم يرجع حتى طلع الفجر فإن الحج قد فاته هو أن يقول: إن
[ ٢ / ١٥٢ ]
وقت الوقوف هو الليل والنهار إنما دخل على وجه التبع؛ بدلالة أن من ذهب إلى جواز الاقتصار على النهار يقول: إن عليه دم لترك الليل. ولو أفرد الليل بالوقوف لم يكن عليه دم لترك النهار فدل ذلك على أن الدم إنما وجب لترك الوقوف في آكد الزمانين وأولاهما للوقوف، ولا يجوز أن يكون الليل تبعًا والنهار هو المقصود وتأكيد أمره عليه. وإذا ثبت ذلك صح ما قلناه.
فذكر أصحاب الشافعي أن الدم غير واجب عليه، ولكنه مستحب، والسؤال لازم في الاستحباب أيضًا؛ لأنه لا وجه إلا ما ذكرناه.
فإن قيل: لو كان المقصود بالوقوف هو الليل، والنهار على سبيل التبع لم يكن أكثر الوقوف بالنهار، وأقله الذي منه ينصرف عن الموقف هو الليل؛ لأن ذلك يوجب كون التبع أخص بالحكم من المقصود. فلما كان النبيﷺ- يقف نهارًا ويدفع عند غروب الشمس علمنا أن النهار هو المقصود بالوقوف.
قلنا: هذا ليس بصحيح؛ وذلك أن المقصود وإن كان هو الليل فإن الأفضل الجمع بينه وبين النهار وإطالة الوقوف وكثرة الدعاء.
وهناك سنة أخرى لا يمكن تركها؛ وهي الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة، فلو لم يكثر الوقوف بالنهار لبطل ما يقصده الإنسان بالوقوف من الدعاء والتفرغ إلى الله ﷿؛ لأن ذلك يحتاج مهلة من الزمان، وليس ذلك يمكن في الليل؛ لما ذكرناه من أنه يبطل معه سنة مؤكدة لازمة؛ وهي الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة، وإذا ثبت ذلك بطل إلزامهم.
[ ٢ / ١٥٣ ]
ومما يدل على ما قلناه أن رسول اللهﷺ- دفع بعد المغرب، وقد قصد بفعله بيان المناسك؛ روى ذلك جماعة من الصحابة ﵃؛ فروى أبو داود قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثنا سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن عياش بن الحارث عن يزيد بن علي عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي﵁- قال: أردف- يعني: النبيﷺ- أسامة فجعل ﷺ يسير على ناقته، والناس يضربون الإبل يمينًا وشمالًا لا يلتفت إليهم، ويقول: "السكينة أيها [ق/١٤٣] الناس"، فدفع حين غابت الشمس.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول اللهﷺ- أتى الموقف فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص فذهب فأردف أسامة خلفه.
وروى أبو داود قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا يعقوب قال: حدثنا أبي عن ابن عباس قال: حدثنا إبراهيم بن عقبة عن كريب مولى ابن عباس عن أسامة بن زيد قال: كنت رديف رسول اللهﷺ- فلما وقعت الشمس دفع رسول اللهﷺ-.
والاستدلال بهذه الأخبار من وجهين:
أحدهما: أن فعله على الوجوب.
والآخر: قصد به بيان المناسك بقوله: "خذوا عني مناسككم".
[ ٢ / ١٥٤ ]
فدل ذلك على أن من دفع قبل الغروب يجزئه؛ لخلافه فعل رسول اللهﷺ-.
فإن قيل: إنما دفع بعد الغروب ليستوفى أجزاء النهار، لا انتظار الليل.
قيل له: هذا ليس بصحيح من قبيل أنه لا خلاف أن الأفضل الجمع بين الليل والنهار. وحمل الخبر على ما قالوا يوجب أن يكون قصد معنى غير الأفضل وترك الأفضل؛ لأنه إذا كان الأفضل هو الجمع بينهما اقتضى ذلك أن يكونا جميعًا مقصودين بالوقوف؛ ولأن أجزاء النهار غير مستغرقة للوقوف؛ فلا معنى لما قالوه.
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه ابن وهب عن ابن جريج عمن حدثه من محمد بن قيس عن المسور بن مخرمة قال: خطب رسول اللهﷺ- عشية عرفة، ثم قال: "أما بعد فإن هذا [يوم] الحج الأكبر، وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل غروب الشمس حين تعتم بها رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم، وإنا ندفع بعد غروبها؛ فلا تعجلوا بنا".
ورواه سلمة بن هرام عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة، فإذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال يدفعون، فأخر رسول اللهﷺ الدفعة من عرفة حتى
[ ٢ / ١٥٥ ]
تغرب الشمس.
وروى أصحابنا أن رسول اللهﷺ- قال: "خالفوا المشركين". قال: لا تدفعوا من عرفة حتى تغرب الشمس".
والاستدلال بهذه الأخبار من وجوه:
أحدهما: إخباره ﷺ بفعله الذي قصد به بيان المناسك؛ وهو أنه يدفع بعد مغيب الشمس.
والآخر: إخباره بأنه يقصد به خلاف المشركين.
فدل ذلك على أن الوقوف جزء من الليل مقصود؛ لأن المشركين كانوا يدفعون قبل الغروب، ولا يرون الوقوف بالليل؛ فخلافهم إنما يكون بأنه يقف بالليل.
والثالث: تجريد نهيه عن الدفع قبل الغروب، والنهي عن الخطر والمنع.
ويدل على ذلك أيضًا ما أخبرنا به الشيخ أبو بكر الأبهري إجازة عن أبي بكر بن الجهم حدثنا بشر بن موسى حدثنا عفان حدثنا شعبة قال: أخبرني بكير بن عطاء قال: سمعت عبد الرحمن بن يعمر يقول: سئل النبيﷺ- عن الحج فقال: "الحج عرفة؛ من أدرك ليلة جمع قبل صلاة الصبح فقد أدرك الحج".
وأخبرنا أبو بكر عن ابن الجهم قال: حدثنا إبراهيم الحربي قال: حدثنا
[ ٢ / ١٥٦ ]
أبو الربيع حدثنا عبد الرزاق حدثنا الثوري عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: أتيت رسول اللهﷺ- بعرفة، فجاءه نفر من نجد، فأمروا رجلًا فنادى: كيف الحج يا رسول الله؟ فقال: "الحج يوم عرفة؛ من جاء ليلة جمع قبل الصبح فقد تم حجه". فأردف رسول اللهﷺ- رجلًا خلفه فنادى بمثل هذا".
وأخبرنا الشيخ أبو بكر عن ابن الجهم حدثنا أحمد بن الهشيم حدثنا القعنبي حدثناه عمرو بن قيس المكي عن عطاء عن ابن عباس أن رسول اللهﷺ- قال: "من أدرك عرفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج".
وأخبرنا الشيخ عن ابن الجهم حدثنا أحمد بن أبي عمران حدثنا [سورة] بن الحكم حدثنا عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عباس أن رسول اللهﷺ- قال: "من أفاض من عرفات قبل الصبح فقد تم حجه، ومن فاته فقد فاته الحج".
وأخبرنا الشيخ أبو بكر أيضًا عن الجهم حدثنا إبراهيم بن حماد حدثنا أبو عون عمرو بن عون حدثنا داود بن جبير حدثنا رحمة بن مصعب أبو هاشم الفراء عن ابن أبي ليلى عن عطاء، وعن نافع عن ابن عمر أن رسول اللهﷺ- قال: "من وقف بعرفات بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته
[ ٢ / ١٥٧ ]
عرفات بليل فقد فاته الحج، فليهل بعمرة، وعليه حج قابل".
كل هذه الأخبار عن الشيخ أبي بكر، فما فاتني سماعه فهي لي إجازة منه. والتعلق من هذه الأخبار بصريحها، ومن الأول بدليل الخطاب؛ وهو أنه ﷺ يعلق فوات الحج بفوات الوقوف ليلًا؛ فدل على ما قلناه.
ويدل على ما قلناه أيضًا من جهة الاعتبار أن نقول: لأنه لم يقف بعرفة جزءًا من ليلة النحر فلم يجزئه؛ اعتبارًا بوقوفه قبل الزوال.
وأيضًا فلأن أول النهار لما لم يكن وقتًا يجرئ فيه الوقوف؛ كذلك آخره؛ ألا ترى أن الليل لما كان وقتًا يجرئ فيه الوقوف استوى أوله وآخره.
وتحريره أن يقال: لأنه أحد نوعي الزمان؛ فوجب أن يستوي أوله وآخره في حكم الوقوف.
أصله: الليل.
أو نقول: إن أول لا يجزئ فيه الوقوف؛ فكذلك أخره؛ اعتبارًا بسائر الأيام.
واستدل من خالفنا بما رواه عروة بن مضرس أن رسول اللهﷺ- قال: "من صلى معناه الغداة بجمع، وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه، وقضى تفثه".
[ ٢ / ١٥٨ ]
فالجواب أن معنى هذا: من وقف بعرفة ليلًا أو نهارًا، ودفع بعد الغروب فقد قضى حجه؛ بدلالة ما ذكرناه.
قالوا: وروي أن النبيﷺ- قال: "عرفة يوم يعرفون"؛ فعلق حكم التعريف بالنهار دون الليل.
فالجواب: أن معنى هذا: وقت تعرفون؛ لأن الليل كله وقت للوقوف عندنا، وعند [ق/١٤٤] مخالفنا، وليس اليوم كله وقتًا للوقوف عند مخالفنا، وإنما عبد عن ذلك باليوم؛ لأن ابتداء الاجتماع يكون في آخره.
قالوا: ولأن الوقوف بعد الزوال إلى وقت الغروب قد نقل من جهة الاستفاضة والانتشار؛ فلم يجر أن يجعل ذلك تبعًا لوقوف لم يقع بعد، وإنما يقع بعده.
فالجواب: أن الوقوف بعد الغروب قد نقل أيضًا عن جهة الاستفاضة والانتشار؛ لأنه لم يرو أن النبيﷺ- دفع إلا بعد الغروب، وليس يمتنع أن يكون الوقوف بالنهار تبعًا لوقوف يقع بعد- وهو الوقوف بالليل- إذا قام الدليل. وعلى أن الوقوف بالليل هو المقصود، وأن يكون التابع أسبق من المتبوع وأطول مانًا منه هذا ما لا شيء منع منه.
قالوا: ولأن النبيﷺ- لما أراد الوقوف قصد الموقف نهارًا، ولما أقبل الليل- انصرف من الوقوف؛ فجعل الليل وقتًا للانصراف وترك الوقوف، والنهار وقتًا للوقوف. وأنتم تجعلون الليل هو المقصود للوقوف.
فالجواب: أن النبيﷺ- قصد الأفضل بجمعه بين الليل والنهار في
[ ٢ / ١٥٩ ]
الوقوف، وإنما انصرف بعد أن حصل واقفًا جزءًا من الليل؛ لئلا تفوته سنة من شعائر الحج.
ولم يجعل الليل وقتًا للانصراف؛ لأنه لو كان كذلك لم يجز الوقوف فيه، ولكن ما زاد على زمان الوقوف الذي يحتاج إليه وقصده الوقوف بالنهار لا يوجب أن يكون ذلك هو وقت الوقوف؛ كما أن قصده لصلاة الجمعة قبل الزوال لا يوجب أن يكون هو وقت الصلاة بل لأمور تتقدمها؛ كذلك سبيل قصده الوقوف نهارًا.
قالوا: ولأن الليل وقت لنسك آخر؛ وهو المبيت بالمزدلفة؛ لأن بدخول الليل يدفع من عرفة إلى المزدلفة، وما بعد الزوال من يوم عرفة ليس بوقت لشيء من النسك غير الوقوف؛ فوجب أن يكون هذا الوقت أخص بالوقوف من الليل؛ لأنه فارغ والليل مشتغل فيه بنسك آخر.
فالجواب: أن قولهم أن ما بعد الزوال ليس بوقت لشيء من النسك غير الوقوف: إن عنوا به الوقوف الذي هو المقصود الذي يفوت الحج بفواته: فهذا موضع الخلاف، وإن أرادوا أنه وقت لفضيلة الوقوف: فالفضيلة لا توجب أن يتعلق الإجزاء بوقتها.
وعلى أنا لا نمنع أن يكون الليل مشتعلًا بنسكين يختص بها جميعًا.
واختصاص الليل بالوقوف آكد عندنا من اختصاصه بالمبيت؛ لأن الحج يفوت بفوات الوقوف، ولا يفوت بترك المبيت.
قالوا: ولأنه لبث في مكان مخصوص فجاز أن يفعل نهارًا، وليلة الوقوف بمزدلفة.
[ ٢ / ١٦٠ ]
قلنا: ما وضع سنته في وقت مخصوص لا يقال فيه: فجائر أن يفعل في ذلك الوقت، ووقت المبيت بالمزدلفة الليل عندنا، فإذا فات في الليل فات الوقت جملة.
وبالله التوفيق
وحكي عن أحمد بن حنبل وغيره أنه جوز الوقوف بعرفة قبل الزوال من يوم عرفة. وما ذكرناه دلالة على فساد قوله.
وبالله التوفيق
* * *
فصل
ويستحب للواقف بعرفة أن يقف راكبًا، وإن وقف راجلًا فلا بأس.
وإنما قلنا ذلك؛ لأن النبيﷺ- فعل كذلك؛ فروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول اللهﷺ- نزل بعرفة حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فركب حتى أتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم صلى الظهر والعصر ثم ركب القصواء حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل جبل المشاة بين يديه، فاستقبل القبلة، فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس.
وروى مالك عن أبي النضر عن عمير مولى ابن عباس عن أم الفضل بنت الحارث أن ناسًا تماروا عندها يوم عرفة في رسول اللهﷺ-؛ فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليست بصائم؛ فأرسلت إليه أم
[ ٢ / ١٦١ ]
الفضل بقدح فيه لبن- وهو واقف على بعيره- فشرب منه بعرفة.
ولأن الركوب أعون له على الوقوف، وأمكن له في الدعاء، وأروح له من التعب فإن وقف راجلًا فلا بأس.
* * *
مسألة
قال ﵀: "ثم يدفع بدفعه إلى المزدلفة فيصلي معه بالمزدلفة المغرب والعشاء والصبح، ثم يقف معه بالمشعر يومئذ بها، ثم يدفع بقرب طلوع الشمس إلى منى، ويحرك دابته ببطن محسر".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀-: وإنما قال ذلك لما روى من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول اللهﷺ- دفع من عرفة بعد غروب الشمس حتى إذا أتى المزدلفة فجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، ثم صلى الصبح، ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام واستقبل القبلة فحمد الله وكبره وهلله ولم يزل واقفًا حتى أسفر جدا، ثم دفع قبل أن تطلع الشمس.
وروى مالك عن موسى بن عقبة بن كريب مولى ابن عباس عن أسامة ابن زيد قال: دفع رسول اللهﷺ- من عرفة حتى إذا كان بالشعب فنزل فبال ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء. فقلت له: الصلاة. فقال: "الصلاة
[ ٢ / ١٦٢ ]
أمامك"، فركب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها، ولم يصل بينهما شيئًا.
وروى مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول اللهﷺ- صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة.
وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن عدي بن ثابت عن عبد الله بن عبد الله بن زيد الأنصاري عن أبي أيوب الأنصاري أنه صلى مع رسول اللهﷺ- في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعًا.
فلهذا قال: إنه يدفع من عرفة إلى المزدلفة ويجمع [ق/١٤٥] بها بين صلاتي المغرب والعشاء.
وقد اختلف قوله: هل- يجمع بينهما بأذان واحد وإقامتين أو بأذانين وإقامتين، وقد ذكرنا ذلك في كتاب الصلاة.
* * *
وهذا الجمع عندنا مسنون، فإن صلى المغرب في وقتها في عرفات والعشاء في وقتها أجزأه إلا أنه ترك السنة، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يجزئه إلا أن يجمع بينهما بالمزدلفة.
[ ٢ / ١٦٣ ]
ودليلنا أنهما صلاتان يسن الجمع بينهما في وقت إحداهما فلم يمنع ترك الجمع بينهما جوازهما.
أصله: الظهر والعصر بعرفة، لا خلاف أن الجمع بينهما مسنون لا يمنع تركه الجواز؛ كذلك هنا فإن قالوا: فقد قال رسول اللهﷺ-: "خذوا عني منساككم"، ورأينا جمع بينهما.
قلنا: عنه جوابان:
أحدهما: أن المناسك منها السنة والفريضة.
والآخر: أن الجمع من أحكام الصلاة ليست من المناسك؛ لأنه يجوز عندنا للعذر في سفر الحج وغيره فإن قيل: فمن منزلة بمزدلفة يجمع وليس بمسافر. قلنا: يفعل ذلك تبعًا؛ كما أن من ليس بمعتكف إذ جمع في المسجد معه المعتكفون تبعًا.
ثم لا يمتنع أن يكون الشيء مقصودًا لغيره ويكون واجبًا، أو يجب بترك الدم.
والفرق بين المبيتين أن ليلة عرفة ليس في صدر نهار غيرها نسك؛ لأن وقت الوقوف بعد الزوال، وليلة المزدلفة في صدر نهار غدها نسك؛ فصار المبيت بقرب ما يليه من المناسك منسكًا. فأما ما روى من خبر العباس أنه رخص له لأجل السقاية فإن ذلك عذر، وكذلك رعاة الإبل وقال أصحابنا: يحتمل أن يكون الإرخاص بشرط الدم.
[ ٢ / ١٦٤ ]
فصل
والمبيت بالمزدلفة ليلة النحر مسنون، وليس بركن وبه قال كافة الفقهاء.
وحكى عن بعض التابعين أنه فرض وركن من أركان الحج.
والأصل في استحبابه ما رويناه من فعل النبيﷺ-.
وأما سقوط فرضه فلعدم دليل يدل على ذلك، ولكن ما جاز تركه لعذر لم يكن ركنًا؛ اعتبارًا بطواف القدوم والوداع.
ولا نعرف لمن ذهب إلى خلاف هذا شبهة يتعلق بها إلا حديثًا ذكره بعضهم في كتابه أن رسول اللهﷺ- قال: "من لم يبت بمزدلفة فلا حج له"، وهذا حديث باطل، لا شبهة فيه، ولا يجوز تسليمه ولا الكلام عليه.
* * *
فصل
فإن لم يبت بها من غير عذر فعليه دم؛ لتركه شيئًا من نسكه وشعيرة من شعائر الحج المسنونة.
وعند أبي حنيفة أنه لا شيء عليه.
قالوا: ولأنه ليس بنسك مقصود فلم يجب لتركه دم. أصله: ترك الرمل. قالوا: ولأنه موضع سن فيه المبيت فوجب ألا دم عليه تركه.
أصله: إذا بات بغير منى ليلة عرفة.
[ ٢ / ١٦٥ ]
والأصل فيما ذكرناه أن رسول اللهﷺ- بات بالمزدلفة ولم يرخص في ترك ذلك إلا للضعفاء ورعاة الإبل؛ فوجب كونه مسنونًا. وإذا صح ذلك تعلق بتركه وجوب الدم.
ولا نسلم قولهم أنه ليس بنسك مقصود، بل هو مقصود عندنا متأكدًا على غيره. والمبيت بمنى ليلة عرفة مستحب وليس بمسنون؛ فلم يكن حكمه حكم المبيت بالمزدلفة. ثم لا يمتنع أن يكون الشيء مقصودًا لغيره ويكون واجبًا وجب بتركه الدم.
والفرق بين المبيتين أن ليلة عرفة ليس في صدر نهار عدها نسك؛ لأن وقت الوقوف بعد الزوال، وليلة المزدلفة في صدر نهار غندها نسك؛ فصار المبيت بقرب ما يليه من المناسك منسكًا. فأما ما روى من خبر العباس أنه ﷺ رخص له لأجل السقاية؛ فإن ذلك عذر؛ وكذلك رعاة الإبل.
وقال أصحابنا: يحتمل أن يكون الإرخاص بشرط الدم.
والله أعلم.
فصل
فأما الوقوف بالمشعر الحرام فالأصل فيه قوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم﴾، وفي حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول اللهﷺ- صلى الصبح، ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام فرقى فاستقبل القبلة، فحمد الله وكبره وهلله، ولم يزل واقفًا
[ ٢ / ١٦٦ ]
حتى أسفر جدا، ثم دفع قبل طلوع الشمس.
فأما وقت الدفع من مزدلفة فالإسفار الذي يقرب به طلوع الشمس. والأصل فيه ما روي في هذا الحديث أنه ﷺ لم يزل واقفًا حتى أسفر الصبح جدا، ثم دفع قبل طلوع الشمس.
وروي أن النبيﷺ- قال: وكان أهل الشرك يدفعون غداة جمع بعد طلوعها حتى تعتم بها رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم وإنما ندفع قبل طلوعها؛ هدينا مخالف لهدى الشرك والأوثان.
وروي عن عمر﵁- أنه قال: كانت الجاهلية لا تدفع من جمع حتى تطلع الشمس علي، وكانوا يقولون: أشرق ومخالفهم رسول اللهﷺ- فدفع قبل طلوع الشمس.
فأما قوله: يحرك دابته ببطن محسر؛ فلقوله ﷺ: "كل مزدلفة موقف، وارتفعوا عن بطن محسر".
وروى سفيان عن أبي الزبير عن جابر أن رسول اللهﷺ- أوضع في وادي محسر.
وروى ابن وهب عن- يحيى بن عبد الله عن سالم عن عبد الرحمن
[ ٢ / ١٦٧ ]
ابن الحارث عن زيد بن علي بن حسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب- رضوان الله عليه- أن رسول اللهﷺ- دفع من مزدلفة- فجعل يسير العنق والناس يضربون، وهو يلتفت يمينا وشمالًا ويقول: "السكينة أيها الناس" حتى وقف على وادي محسر فقرع راحلته فخبت به حتى خرج عنه، ثم سار بسيره [ق/١٤٦] الأول.
* * *
مسألة
قال ﵀: "فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات مثل حصى الخذف، [ثم] يكبر مع كل حصاة، ثم ينحر إن كان معه هدى، ثم يحلف، ثم يأتي البيت فيفيض فيطوف سبعًا، ويركع ثم يقيم بمنى [ثلاث ليال]. فإذا زالت الشمس من كل يوم منها رمى الجمرة التي منى بسبع حصيات؛ يكبر مع كل حصاة، ثم الجمرتين كل جمرة بمثل ذلك، وكبر مع كل عصاة، ثم يرمي الجمرة العقبة من أسفلها، والجمرتين من زعلاهما، ويقف للدعاء بإثر الرمي في الجمرة الأولى والثانية ولا يقف عند جمرة لعقبة ولينصرف، فإذا في اليوم الثالث- وهو رابع النحر- انصرف إلى مكة وقد تم حجه، وإن شاء تعجل في يومين من أيام منى فرمى وانصرف، فإذا خرج من مكة طاف للوداع وركع وانصرف".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀:
[ ٢ / ١٦٨ ]
اعلم أن جملة ما يرميه الحاج من حصى الجمار في يوم النحر وأيام منى سبعون حصاة منها جمرة العقبة يوم النحر بسبع حصيات، وفي أيام منى يرمي كل يوم الثلاث جمار بأحدي وعشرين حصاة؛ لكل جمرة سبع، وهذا إن لم يتعجل. فإذا تعجل رمى تسعًا وأربعين، وينتقصي رمي اليوم الآخر، وهو إحدى وعشرين حصاة. وهذا الفصل مشتمل على عدة مسائل، ونحن نبينه أو نوضح القول فيها إن شاء الله.
* * *
فصل
فأما دفع الحاج من مزدلفة يوم النحر فأول ما يبدأ به إذا وصل إلى منى أن يرمي جمرة العقبة ويكبر مع كل حصاة منها؛ وذلك لما رواه جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول اللهﷺ- دفع من مزدلفة فذكر إلى أن قال: حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات؛ يكبر مع كل حصاة منها كحصى الخذف.
والمستحب عندنا أن يرميها من بطن الوادي، ولا يرميها من فوقها. فإن رماها من فوقها كرهنا له ذلك وأجزناه.
والأصل فيما ذكرناه فعل الصحابة ﵃، ونقلهم إياه عن النبيﷺ- فروى أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: حججت مع عمر- رضوان الله عليه- سنتين: أحدهما السنة التي أصيب فيها، كل ذلك يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي.
[ ٢ / ١٦٩ ]
وروى خديج بن معاوية عن أبي إسحاق بن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- يرمي الجمرة من بطن الوادي، ثم قال: والذي [لا إله غيره مقام الذي] أنزلت عليه سورة البقرة لقد رأته يرمي ببطن الوادي ﷺ.
وروى الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد قال: رمى عبد الله جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات، وكان يكبر مع كل حصاة. فقيل له: إن ناسًا يرمونها من فوقها. فقال عبد الله: هذا والله الذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة صلوات الله عليه.
فإن قيل: فقد روى عن عمر﵁- أنه رماها من فوقها.
قيل له: إنما فعل ذلك لعذر؛ وهو شدة الزحام؛ روى ذلك ابن وهب عن الثوري عن حجاج بن أرطاة عن وبرة عن الأسود بن يزيد أن عمر﵁- جاء فوجد الزحام عند جمرة العقبة؛ فرماها من فوقها.
وقد روى من حديث عاصم بن سليمان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: رأيت رسول اللهﷺ- يرمي جمرة العقبة وظهره مما يلي الكعبة.
وعلى هذه الصفة إذا حصل مستدبرًا للكعبة كان رميه من بطن الوادي هذا بخلاف فعل رسول اللهﷺ- وأصحابه ﵃.
وقوله أن يكبر مع كل حصاة يرميها فلأن النبيﷺ- كان يفعل ذلك.
[ ٢ / ١٧٠ ]
وقد رويناه من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول اللهﷺ- رماها بسبع حصيات، وكان يكبر مع كل حصاة.
وكذلك روى من حديث ابن مسعود أيضً.
وقوله أنه يرمي بمثل حصى الخذف: فكذلك روي عن النبيﷺ- من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول اللهﷺ- رماها بمثل حصى الخدف.
وروى داود بن عمرو حدثنا خالد بن عبد الله عن حميد الأعرج عن محمد بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن معاذ أن رسول اللهﷺ- كان يأمر الناس بالمناسك فقال: "ارموا الجمار بمثل حصى الخذف".
وروى سفيان عن أبي الزبير عن جابر قال: أفاض رسول اللهﷺ- وعليه السكينة، وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف.
* * *
فصل
ولا يجوز عندنا أن ترمى جمرة العقبة قبل طلوع الفجر من يوم النحر، وهذا قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق، وحكى عن النخعي والثوري أنه لا يجوز أن يرمي إلا بعد طلوع الشمس.
[ ٢ / ١٧١ ]
وقال الشافعي: وقت رمي جمرة العقبة من بعد نصف الليل من ليلة النحر، واستحب أن يرمي بعد طلوع الشمس.
واستدل أصحابه بما رواه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة﵂- أن رسول اللهﷺ- أرسل أم سلمة ليلة النحر فرمت قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت.
وروى ابن جريج عن عطاء قال: أخبرني مخبر عن أم أسماء أنها رمت الجمرة. قلنا: إنا رمينا الجمرة بليل. قالت: إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول اللهﷺ-.
وروى عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة (أن رسول اللهﷺ- أمرها أن تعجل الإفاضة فتوافي الصبح بمكة).
وهذا يوجب أن تكون قد رمت بليل لا محالة؛ لبعد ما بينها وبين مكة. وروى ابن جريج عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكرﷺ- قال: دخلنا مع أسماء من جمع لما غاب القمر وأتينا منى ورمينا الجمرة الصبح فقلت: اهنياه رمينا [ق/١٤٧] قبل الفجر فقالت: هكذا كنا نفعل مع رسول اللهﷺ- ولأنه رمى نصف الليل وقبل خروج وقت الرمي؛ فأشبه من رمى بعد الفجر.
[ ٢ / ١٧٢ ]
ولأنه وقت الإفاضة على وجه فأشبه بعد الفجر وذلك أنه وقت لأهل الأعذار على ما ورد به الخبر.
والدليل على ما قلناه: ما حدثنا عبد الوهاب بن محمد بن الحسين حدثنا محمد بن بكر التمار حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن الحسن العربي عن ابن عباس قال: قدمنا رسول اللهﷺ- ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب على جمرات فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: أي بني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس.
وحدثنا عبد الوهاب بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا الوليد بن عقبة حدثنا حمزة الزيات عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عباس قال: كان رسول اللهﷺ- قدم ضعفة أهله بغلس، ويأمرهم ألا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس.
فإن قيل فأنتم تجيزون رميها قبل طلوع الشمس؛ فقد خالفتم الخبر.
قيل له: الخبر يتضمن أمرين:
أحدهما: المنع من الرمي قبل طلوع الفجر.
والآخر: المنع منه بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس.
[ ٢ / ١٧٣ ]
فلما قام الدليل على جواز ذلك قبل طلوع الشمس سلمناه الدليل، وبقى ما عداه على موجب النهي.
ويدل عليه أيضًا ما حدثنا عبد الوهاب بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: "رأيت رسول اللهﷺ- يرمي يوم النحر ضحى. فأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس".
وهذا بيان لوقت الرمي؛ لقوله ﷺ: "خذوا عني مناسككم".
وأيضًا فلأنه حصل راميًا لها بليل فلم يجزئه ذلك؛ اعتبارًا برميها قبل النصف.
فإن قيل: المعنى في النصف الأول أنه تبع لليوم الماضي، والنصف الثاني تبع لليوم الثاني، بدلالة أن النصف الأول وقت يسن فيه التأذين للعشاء، ولم يسن ذلك بعد النصف الثاني، بل يسن فيه الأذان للفجر.
قيل له: هذا يبطل من وجوه:
أحدهما: أن الأذان المسنون هو إلى آخر الثلث؛ لأنه آخر وقت العشاء
[ ٢ / ١٧٤ ]
عندنا.
والثاني: أن الأصول مختلفة؛ ففي بعضها النصف الثاني تبع للغد، وفي بعضها أن الليلة كلها تبع لليوم الأول؛ ألا ترى أن حكم الوقوف بعرفة مبني على هذا.
والثالث: أن الليل كله وقت للمغرب والعشاء في الضرورة عندنا على الحقيقة والأداء لا على وجه القضاء. فبطل ما قالوه.
ويمكن أن نقول: لأنه رمى جمرة العقبة قبل دخول يوم النحر؛ فأشبه إذا رماها يوم عرفة نهارًا. أو نقول: لأن ما قبل الفجر وقت الوقوف بعرفة؛ فأشبه أول الليل على أصل الجميع، وما بعد الزوال من يوم عرفة على أصلهم في الإجزاء وعلى أصلنا في الفضيلة.
ولأن كل حكم مؤقت قائم بنفسه أو متعلقة بعبادة لا تتوقف في بعض الوم؛ فإن أوقات الليل متساوية فيه، فإن جاز في بعضه جاز في سائره، وإن امتنع في البعض امتنع في الباقي؛ اعتبارًا بالوقوف بعرفة وبنية الصوم وبالحلق والنحر؛ ألا ترى أن للوقوف حكم منفرد ليس يشترط في غيره وفعل جائز في كل أوقات الليل، والنية جائزة في كل أوقات الليل أيضًا وإن كانت متعلقة بغيرها لكون ذلك الغير مستغرقًا لليوم لا يتوقف في بعضه- وهو الصوم- فلا يشبه الأذان للفجر ولا العشاء الآخرة؛ لأن ذلك متوقف في بعض اليوم أو الليلة، ولا يلزم عليه لوضوء من حيث عدم التأثير أنه يجوز في كل الليل، فإن كان متعلقًا بما يتوقف في البعض لأن الوضوء ليس له وقت يوقع فيه فوت بفواته، وكلامنا فيما يتوقف.
[ ٢ / ١٧٥ ]
وكذلك النحر لما لم يجز في بعض الليل لم يجز في جميعه.
وإذا ثبتت هذه الجملة لم يخل الرمي أن يكون حكمًا قائمًا بنفسه؛ فكل وقت قائم بنفسه لم يجز فعله في بعض الليلة لم يجز في جميعه.
أصله: النحر، أو يكون متعلقًا بغيره.
فإذا لم يكن ذلك الغير متبعضًا فحكمه حكم المنفرد بنفسه، فإذا لم يجز في أول الليل لم يجز في آخره.
وأيضًا فلأنه وقت لا تجوز فيه الأضحية؛ فأشبه أول الليل.
ولأنه وقت للوقوف؛ فأشبه الليل.
فأما ما رووه عن أم سلمة أنها رمت قبل الفجر: فيجوز أن تكون فعلت ذلك والنبيﷺ- لا يعلم؛ فلا يدل ذلك على جوازه ويحتمل أن تكون فعلت ذلك لعذر ثم أعادته. فإذا احتمل ذلك لم يترك به ظاهر النهي وفعل رسول اللهﷺ- الذي قصد به بيان المناسك.
وقول أسماء: كذلك كنا نفعل على عهد رسول اللهﷺ- لم تذكر فيه أنه كان يعلم به فلا ينكره، ومثل ذلك يجوز أن يقع عن غير علمه كما قال أبيّ لعمر﵁- كنا نفعل ذلك على عهد رسول اللهﷺ-؛ فلا تغتسل- يعني: في التقاء الختانين- فقال عمر﵁-: أفأخبرتموه بذلك فرضيه؟ فسكت أبيّ؛ فعلم بهذا أنهم قد كانوا يفعلون على عهد رسول اللهﷺ أشياء من غير علمه يعتقدون أنه لا ينكرها إذا علم لها، فربما اتفق ذلك وربما لم يتفق. فأما ما رووه من أن رسول اللهﷺ- أمر أم سلمة أن تعجل الإفاضة فتصلي الصبح بمكة، وهذا يمنع أن
[ ٢ / ١٧٦ ]
يكون لم يعلم بالرمي: فقد أجاب بعض أصحابنا عنه بأنه لا يمتنع أن يكون أمرها بالتعجيل لتقدم الطواف والسعي على الرمي فتكون قد حلت.
فإن قيل: إن رميها بغلس أولى؛ لأنه أستر لها، وأقل تعبًا.
قلنا: إنما يراعى ذلك فيما [ق/١٤٨] تستوي أوقاته.
فأما إذا كان كونه أستر لها يقتضي تقديم الشيء على وقته فلا معتبر به.
وأما قياسهم على الرمي بعد الفجر فالمعنى فيه أنه وقت يجوز النحر في جنسه، وليس كذلك الليل.
وقولهم أنه وقت الإضافة على وجه ينتقض بنصف الليل الأول.
وبالله التوفيق
* * *
فصل
فأما من ذهب إلى أنه لا يجوز رميها قبل طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس فحجته ما روي أن النبيﷺ- نهى عن رمي الجمرة حتى تطلع الشمس.
وما روه جابر أن رسول اللهﷺ- كان يرمي يوم النحر ضحى فخذا موضع البات؛ لأنه قال: "خذوا عني مناسككم".
ولأنه رمى قبل طلوع الشمس؛ فأشبه الرمي قبل الفجر.
والدلالة على ما قلنا: أنه حصل راميًا لها بعد طلوع الفجر من يوم
[ ٢ / ١٧٧ ]
النحر؛ فأشبه إذا رماها بعد طلوع؛ فأشبه طواف الإفاضة.
فأما النهي فمحمول على الندب، وما رووه من فعله ﷺ محمول على الأفضل. والأولى لما ذكرناه. وقياسهم على الرمي قبل الفجر فالمعنى في الأصل أنه وقت للوقوف بعرفة، وليس كذلك بعد الفجر.
وبالله التوفيق
* * *
فصل
فأما قوله: أنه إذا رمى جمرة العقبة نحر إن كان معه هدى ثم حلق؛ فلما روى من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله ﷺ- رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر فنحر بيده ثلاثًا وستين، وأمر عليًا- رضي الله عليه- بنحر الباقي.
وروى سفيان عن هشام عن ابن سيرين عن ابن عباس قال: لما رمى رسول اللهﷺ- أتى نسكه فنحره ثم دعا الحلاق فقال له: "ابدأ بالشق الأيمن".
فلهذا استحببنا له تقديم الذبح على الحلق، وتقديم الرمي على الذبح. فإن قدم الذبح على الرمي أو الحلق على الذبح أجزأه، ولا شيء عليه.
هذا قولنا، وقول الشافعي.
[ ٢ / ١٧٨ ]
وروي عن الحسن البصري مثل ذلك.
وقال أبو حنيفة: إذا قدم الحلق على الذبح فعليه الدم.
واستدل عنه بقوله تعالى ذكره: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾؛ فمنع من الحلق قبل الذبح. وإذا ثبت تحريمه عليه كان عليه الدم بالاتفاق. قالوا: ولما روى أن رسول اللهﷺ- ذبح ثم خلق، وقال: "خذوا عني مناسككم".
والدلالة على ما قلنا: ما روى مالك عن ابن شهاب عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال:
وقف رسول اللهﷺ- في حجة الوداع بمنى للناس فجاؤوا يسألونه فجاءوا رجل فقال: يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح. فقال: "أذبح ولا حرج". فجاء رجل آخر فقال: يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي.
فقال: "ارم ولا حرج" قال: فما سئل رسول اللهﷺ- عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج.
وروى أبو داود حدثنا نصر بن علي حدثنا يزيد بن زريع حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن النبيﷺ- كان إذا سئل يوم منى فيقول: لا
[ ٢ / ١٧٩ ]
حرج. فسأله رجل فقال: إني حلقت قبل أن أذبح فقال: "اذبح ولا حرج"، وقال آخر: نسكت ولم أرم قال: "ارم ولا حرج".
فأما قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ فلا حجة لهم فيه؛ لأن محله هو بلوغه المكان الذي يقع النحر فيه لا ذبحه؛ بدلالة قوله ﷿: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾.
وما رووه من تقديمه ﷺ النحر على الحلق فهو المختار والمستحب، إلا أنا قد روينا نصًا في أنه لا حرج في تقديمه عليه. فإن قيل: ليس في الحديث ما يسقط الدم، وغنما فيه نفي الحرج؛ وهو الضيق.
قلنا: قوله: "لا حرج" يفيد: أنه لا ضيق عليك في هذا الفعل بوجه. وفي إيجابنا الدم عليه ضيق عليه.
حالة تقديم الحلق على الذبح. والخبر ينفي الضيق عنه عمومًا، والله أعلم.
هذا الكلام في تقديم الحلق على الذبح.
فأما إن قدم الحلق على الرمي فعليه الدم عندنا: وعند أبي حنيفة والشافعي في ذلك قولان:
أحدهما: أنه يجوز تقديم الحلاق على الرمي.
والآخر: أنه لا يجوز ذلك، وعليه دم؛ بناء على اختلاف قوله في الحلاق هل هو نسك أو إباحة محظور؛ فإذا قال: إنه نسك جوز تقديمه
[ ٢ / ١٨٠ ]
على الرمي، وإذا قال: إنه إباحة محظور لم يجر تقديمه على الرمي؛ لأنه يستبيح قبل التحلل.
والدلالة على ما قلنا: قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾.
وما روي أن رسول اللهﷺ- رمى ثم نحر ثم حلق وقصد به بيان المناسك، ولأنه محرم قبل الرمي مع بقاء الوقت فلزمه الفدية. دليله: إذا حلق ليلة النحر.
ولأنه حلاق صادف إحرامًا منعقدًا.
أصله ما ذكرناه.
ولأن كل وقت لو وطأ فيه لأفسد حجه، فإذا حلق فيه لزمته الفدية.
أصله: قبل الوقوف.
فإن قيل: فقد روي من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ سئل عن من حلق قبل أن يرمي فقال: ارم ولا حرج. قيل له: ليس هذا في حديث الحفاظ والثقة، بل المحفوظ ما ذكرناه من تقديم الحلق على الذبح، والذبح على الرمي فقط.
ثم لو ثبت لحملناه على أنه لا يتعلق بإفساد.
فأما الدم فإنه واجب بما ذكرناه.
فإن قيل: ترك الترتيب فيما به يقع التحلل من العبادة ذات التحريم والتحليل لا يوجب جبرانًا.
[ ٢ / ١٨١ ]
أصله: التحلل من الصلاة بالتسليم؛ لأنه لو ترك البداية بالتسليم على اليمين ثم سلم على اليسار لم يجب [ق/١٤٩] في ذلك جبران.
قيل له: التحليل عندنا يقع بالتسليمة الأولى فقط؛ بدلالة أنه لو أحدث بعدها لم تفسد الصلاة؛ فلم يلزم ما قالوه. والله أعلم.
* * *
فصل
عندنا أن الحلق نسك ثياب فعله، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أصحاب الشافعي: له قولان:
أحدهما: أنه نسك.
والآخر: أنه إباحة محظور، وليس بنسك.
والذي يدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين﴾ فخص دخولهم على هذه الصفة بالذكر ممتنًا عليهم بها وواعدًا لهم بحصولها؛ فدل ذلك على أنها فضيلة وأنها ليست مباحة فقط: لأن ذلك يوجب كونها وكون غيرها من المباحات سواء؛ لأنه لم يقل: لابسين ولا متطيبين.
ويدل على قوله ﷺ: "رحم الله المحلقين" ثلاثًا. قيل: والمقصرين يا رسول الله؟ فقال في الرابعة: "والمقصرين".
[ ٢ / ١٨٢ ]
ففي هذا دليلان:
أحدهما: أنه دعاء لهم، وبالغ في ذلك بالتكرار؛ فدل على أن الصفة التي علق الدعاء بها نسك يثاب عليه، وأنها ليست بمباحة؛ ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال: رحم الله اللابسين والمتطيبين والمجامعين والمقلمين أظافرهم وكل شيء تعلق بمجرد الإباحة؛ لأنه ليس في ذلك معنى يقتضي الدعاء ولا الفضل مما تعلق به ثواب.
والوجه الآخر: أنه نبع بتكرار الدعاء للمحلقين وترتيبه على المقصرين على فضيلة الحلق على التقصير وتأكيده على التقصير.
وليس يقع التفصيل بين فعلين إلا والثواب يتعلق بهما؛ فما كان أكثر ثوابًا كان أفضل؛ ألا ترى أنه لا فضيلة للباس على الوطء ولا للوطء على الطيب، ولا يتعلق بشيء من ذلك ثواب؟.
ويدل على ذلك ما رواه ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير عن صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان أن ابن عباس قال: قال رسول اللهﷺ-: "ليس على النساء حلق؛ إنما على النساء التقصير".
ووجه الدليل أنه أخبر بأن التقصير عليهن؛ فصح بذلك أنه نسك وليس بمباح؛ لأنه وصفه بأنه مباح ينفي أن يكون عليهن.
[ ٢ / ١٨٣ ]
ويدل عليه أيضًا أن رسول اللهﷺ- حلق رأسه في حجة الوداع. رواه موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عنه ﷺ.
وقد قال: "خذوا عني مناسككم"، وكل شيء فعله قبل الفراغ من الحج فهو من النسك إلا ما قام عليه الدليل.
ويدل عليه أيضًا ما رواه أصحابنا أن رسول اللهﷺ- قال: "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء"؛ فعلق ﷺ إباحة الأشياء الممنوعة بالإحرام على فعل الحلق كما علقه بالرمي؛ فدل ذلك على أنه نسك. وأيضًا فإنه قول عمر، وابن عمر﵄- ولا مخالف لهما؛ فروى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر بن الخطاب﵁- قال: من ظفر فليحلق، ولا تشبهوا بتلبيد اليهود.
وروى مالك﵁- عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب﵁- قال: من عقص أو لبد فقد وجب عليه الحلاق.
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه لقى رجلًا من أهله قد أفاض ولم يحلق ولم يقصر، جهل ذلك فأمره عبد الله بن عمر أن يرجع فيحلق أو يقصر، ثم يرجع إلى البيت فيفيض.
[ ٢ / ١٨٤ ]
واستدل أصحاب الشافعي بأن الأمر بالحلاق ورد عقيب حظر؛ فاقتضى كونه مباحًا.
قالوا: ولأن النسك إذا وقع قبل وقته لم يعتد به، ولم يلزم فيه فدية [] الرمي وغيره. وليس كذلك الحلق؛ لأنه لو وقع قبل وقته لتعلقت الفدية به؛ فدل ذلك على أنه ليس بنسك كاللباس والطيب.
فالجواب: أن صيغة الأمر إذا وردت بعد الحظر كانت محمولة على أصلها الذي هو الوجوب.
وعلى أن ورودها بعد الحظر إن كانت علة في كونها على الإباحة فذلك باطل من قبل أنا قد رأينا ما قد أمر به بعد حظر وفيه صفة زائدة على الإباحة؛ ألا ترى أنه ممنوع من أن يفعل في الصلاة سلام التحليل قبل وقته، ومع ذلك فهو شرط.
وكذلك الصائم يثاب على إفطاره وإن كان بعد خطر.
على أنه لا يمتنع أن يكون واردًا بعد حظر، فيدل الدليل على كونه واجبًا أو تدبًا.
واعتلالهم ساقط بما رويناه من الأخبار. وبالله التوفيق.
* * *
فصل
وقوله: أنه "إذا رمى الجمرة ونحر وحلق أتى البيت فأفاض"؛ فلقوله
[ ٢ / ١٨٥ ]
﷿: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول اللهﷺ- نحر ثم ركب فأفاض إلى البيت وصلى بمكة الظهر.
وقوله: (يركع)؛ فلأن من سنة كل طواف أن يركع عقيبه. وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم.
* * *
فصل
قد ذكرنا ذلك أنه يرمي يوم النحر جمرة العقبة وحدها، ثم يأتي البيت فيفيض.
فإذا ثبت ذلك فإنه يرجع إلى متى ليبيت بها ثلاث ليال؛ يرمي في كل يوم أحد وعشرين حصاة ثلاث جمرات؛ كل جمرة بسبع حصيات، والجملة ثلاث وستون حصاة.
هذا لمن لم يتعجل.
وصفة التعجيل نذكرها فيما بعد إن شاء الله.
والأصل في ذلك ما رواه عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة﵂- قالت: أفاض رسول الله- من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق؛ يرمي الجمرة إذا زالت
[ ٢ / ١٨٦ ]
الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع ويرمي الثالثة ولا يقف عندها.
ولا يجوز عندا أن يرمي الجمار في أيام منى إلا بعد الزوال. ولا يجوز قبل الزوال إلا يوم النحر خاصة.
هذا قولنا وقول الشافعي، وروي عن [ق/١٥٠] عمر﵁-، وابن عمر، وابن عباس، وخلق كثير من الصحابة والتابعين ﵃.
وقال أبو حنيفة: القياس لا يجزئ بحال بعد الزوال، ولكنا استحببنا أن يكون في اليوم الثالث قبل الزوال.
وقال عطاء: إن جهل فرد قبل الزوال أجزأه؛ هكذا روى عنه مطلق من غير تفصيل.
والذي يدل على ما قلناه ما رواه يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير قال: سمعت جابر عن عبد الله يقول: "رأيت رسول الله ﷺ يرمي ويوم النحر ضحى. فأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس"، وهذا صدر منه ﷺ على وجه البيان؛ فيجب امتثاله لقوله: "خذوا عني مناسككم".
وروي من حديث عائشة﵂- الذي ذكرناه أنه ﷺ مكث يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات.
[ ٢ / ١٨٧ ]
وروى حجاج عن مقسم عن ابن عباس قال: كان النبيﷺ- يرمي الجمار إذا زالت الشمس.
وروى ابن وهب عن ابن أبي ذئب عمن أخبره عن سالم بن عبد الله أن عمر بن الخطاب﵁- قال: لا ترموا الجمار حتى تزول الشمس إلا يوم النحر.
وروى مالك عن نافع أن ابن عمر كان يقول: لا ترموا الجمار في الأيام الثلاث حتى تزول الشمس.
وروى ابن وهب عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر كان يقول: لا ترموا الجمار فمن رمى الجمار قبل أن تزول الشمس فليعد فليرم.
ولأنه رمى في أيام التشريق فلم يجز قبل الزوال؛ اعتبارًا مع أبي حنيفة باليوم الأول. والذي من قول عطاء أنه إذا فعل ذلك مع العلم فإنه لا يجزئه، وقيس عليه من فعله جاهلًا بعلة تقدم الرمي على الزوال.
فإن قال أصحاب أبي حنيفة: لأنه رمى في أحد طرفي الأيام فأشبه الرمي يوم النحر.
قلنا: هذا القياس سقط معه ما ذكرناه من فعل النبيﷺ- والصحابة ﵃. على أن يوم النحر مما انفرد برمي بعض الجمار، وخالف باقي الأيام في ذلك جاز إن خالفها.
وأيضًا فإن يوم النحر يحتاج إلى أشياء لا يحتاج إلى مثلها في أيام منى من الحلق والذبح والعود إلى مكة أجمع لطواف الإفاضة ثم الرجوع إلى
[ ٢ / ١٨٨ ]
منى للمبيت بها، فلو منعنا الرمي إلا بعد الزوال لشق عليه ذلك وأدى إلى خوف الفوات لضيق الوقت وإلى بعض الأمور المفسر به. والله أعلم.
والمستحب عندنا أن يرمي يوم النحر راكبًا، وأن يرمي أيام منى ماشيًا؛ لأن رسول اللهﷺ- كذلك كان يفعل؛ فروى يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر أنه سمعه يقول: رأيت رسول اللهﷺ- يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: "خذوا عني مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه".
وروى عثمان بن عمر حدثنا ابن جريج عن عطاء عن جابر أن النبيﷺ- كان يرمي الجمار ماشيًا مقبلًا ومدبرًا معناه من بعد يوم النحر.
وروى أيمن بن نائل عن قدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي قال: رأيت رسول اللهﷺ- يرمي الجمرة يوم النحر على ناقة صهباء لا زجر ولا طرد ولا إليك إليك.
وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يرمي الجمار في الأيام الثلاث بعد النحر ماشيًا ذاهبًا وراجعًا. ويخبر أن رسول اللهﷺ- كان يفعل ذلك.
وروى مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن الناس كانوا يرمون الجمار ذاهبين وراجعين، وأول من ركب معاوية.
[ ٢ / ١٨٩ ]
فأما قوله: أنه "يقف عند الأولى والثانية للدعاء، ولا يقف عند جمرة العقبة ولينصرف" فالأصل فيها ما روي من حديث عائشة﵂- الذي ذكرناه أن رسول اللهﷺ- كان يرمي كل جمرة بسبع حصيات، ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها.
وروى حجاج بن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبيﷺ- أتى جمرة العقبة فرماها ولم يقف عندها.
وذكر مالك﵁- أنه بلغه أن عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- كان يقف عند الجمرتين وقوفًا طويلًا حتى يمل القيام من طول قيامه.
وروى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقف على الجمرتين الأولتين وقوفًا طويلًا يكبر الله ويسبحه ويحمده ويدعوه، ولا يقف عند جمرة العقبة.
* * *
[ ٢ / ١٩٠ ]
فصل
ولا يجوز أن يجمع بين السبع حصيات في رمية واحدة، فإن فعل كانت كواحدة، ورمى بعدها ستًا. وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: تجزئه عن السبع.
والدليل على ما قلناه: ما روت عائشة﵂- أن رسول اللهﷺ- كان يرمي كل جمرة بسبع حصيات؛ يكبر مع كل حصاة.
وهذا يدل على أنه أفرد كل حصاة بالرمي، ولم يجمعهن.
وعلى نحو ذلك روى سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمه أنها قالت: رأت رسول اللهﷺ- يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب يكبر مع كل حصاة.
وقد وافقنا أبو حنيفة على أنه إذا طرحها من يده طرحًا أنه لا يجزئه فقاربه أصحابنا على ذلك بعلة أنه فارق حصاة دفعة واحدة.
وهذا ليس بصحيح عندي؛ لأنه منع ذلك إنما هو لمعنى يرجع إلى صفة المقارنة؛ لأن الجمع والتفرقة يدلك عليه أنه لو أفرد كل واحدة من الحصى بالرمي على هذه السبيل لم يجزئه؛ لأن ذلك ليس برمي؛ فسبيل الجمع والتفريق واحدة في ذلك والمعتبر على الخبر.
فإن قيل: منزلة ذلك الحد إذا وجب على إنسان فضرب ضربة واحدة بثمانين سوطًا أو بمائة على حسب الحد وعدد أسواطه إن ذلك ينوب عن
[ ٢ / ١٩١ ]
إفراد كل سوط بالغرب؛ فكذلك في هذا الموضع.
قيل له: هذا لا يلزمنا نحن [ق/١٥١]؛ لأنا لا نجوز ذلك إنما نلزم أصحاب الشافعي، وقد انفصلوا عنه بأن قالوا: الغرض من الحد إدخال الألم بذلك القدر من العدد، وهذا يمكن في الجمع والتفرقة. وفي هذا نظر، وقولنا ما قدمناه.
فصل
قوله: إذا رمى في اليوم الثالث وهو رابع يوم النحر انصرف إلى مكة، وقد تم حجة.
فلأنه لم يبق عليه شيء من أحكام الحج لا من فروضه ولا من سننه؛ لأنه قد أتى بجميع ما عليه.
وقوله: إن شاء تعجل في يومين من أيام منى فرمى وانصرف.
فصفة التعجيل أن ينفر ثالث النحر بعد رميه ما لم تغب الشمس فيسقط عنه إذا فعل ذلك الرمي من الغد.
ولا أعلم خلافًا في جواز التعجيل، والأصل في ذلك قوله تعالى ذكره: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى﴾.
وروى مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن عزم عن أبيه عن أبي البداح بن عاصم بن علي عن أبيه أن رسول اللهﷺ- رخص لرعاة الإبل في البيتوتة يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد ليومين ثم يرمون
[ ٢ / ١٩٢ ]
يوم النفر.
فإن قيل: إذا كان التعجيل مباحًا جائزًا فما معنى قوله ﷿: "فلا إثم عليه"؟
قيل له: معناه ما ورد به التفسير أنه غفر له، وقيل: لا إثم عليه في ترك الأخذ بحقه.
فإن غابت الشمس وهو بمنى أو بمكة لزمه المبيت، ولم يكن له أن ينفر؛ لأنه قد لزمه المبيت بغروب الشمس وعدم النفر، وإنما يكون له ذلك ما لم يدخل الوقت الذي ينفر عنه. وقد ذكر فيه خلاف عن بعض من تقدم أظنه أبان بن عثمان﵁-.
* * *
فصل
وقوله: إذا أراد أن يخرج من مكة طاف للوداع.
فجملة القول فيه أنه مستحب، وليس بواجب ولا مسنون. وعند أبي حنيفة أنه واجب، وليس بركن. وعند الشافعي أنه مسنون، وله قولان في وجوب الدم بتركه.
ولا خلاف في أنه ليس بركن.
[ ٢ / ١٩٣ ]
والأصل في استحبابه ما رواه طاوس عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال النبيﷺ-: "لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت".
وروى حجاج بن أرطاة عن عبد الله بن المغير الطائفي عن عبد الرحمن ابن البيلماني عن عمرو بن أوس عن الحارث بن أوس قال: قال رسول اللهﷺ-: "من حج أو اعتمر فليكن آخر عهده الطواف بالبيت".
وروي عنه ﷺ أنه قال: "يكون آخر نسكه الطواف بالبيت".
ولأنه لما استحب الطواف بالبيت في ابتداء الورود؛ فكذلك عند الخروج.
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- قال: لا يصدرن أحدكم من الحاج حتى يطوف بالبيت.
وروى مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- رد رجلًا من مر الظهران لم يكن ودع البيت.
والدليل على أنه ليس بواجب ولا مسنون ما روي أن رسول اللهﷺ- قال في صفية لما قيل له: إنها قد حاضت: "أحابستنا هي؟ " قيل له: إنها قد أفاضت. قال: "فلا إذًا" ونفر بها؛ فلو كان واجبًا لوجب
[ ٢ / ١٩٤ ]
أن يحبسها عليه؛ ألا ترى أنه قال: "أحابستنا هي" حين ظن أنها لم تطف الإفاضة.
وأيضًا فلأنه طواف يفعل خارج الإحرام فوجب أن يكون نسكًا ولا واجبًا؛ اعتبارًا بطواف النفل.
فإن قيل: فقد قال النبيﷺ-: "من حج فليكن آخر عهده بالبيت".
قيل له: هذا محمول على الاستحباب؛ بما ذكرناه.
فإن قيل: فقد روي عن عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- أنه قال: (فليكن آخر عهده بالبيت؛ فإن آخر النسك الطواف بالبيت)؛ فجعله من النسك. قيل له: لم يجعله من النسك، وإنما أراد أنه آخر أفعال الحج التي هي المناسك. وقد يعبر بذكر آخر الشيء عما يتصل به وإن لم يكن منه إن كان من الجملة.
فإن قيل: لأنه معنى يؤتى به بعد كمال التحلل؛ فوجب أن يكون نسكًا؛ كالجمار في أيام منى. قيل: رمي الجمار يجوز تقدمها على ركن من أركان الحج- وهو طوف الإفاضة-؛ فعلم بذلك اختصاصها بالحج ودخولها في جملة المناسك.
على أن كون الشيء مفعولًا بعد كمال التحلل إنما يدل على كونه غير نسك؛ فهو بأن لا يدل على وجوب كونه نسكًا أولى؛ لأن أفعال المناسك موضعها بعد التحلل؛ فليس ترى منسكا مبتدءا بعد التحلل إلا فيما تقدم بعضه وبقي تمامه، وطواف الوداع مبتدأ بعد كمال التحلل؛ فلم يكن
[ ٢ / ١٩٥ ]
منسكًا.
والدليل على أنه لا دم في تركه: أن الحائض تتركه ولا دم عليها؛ فلو كان من النسك لكان عليها الدم ولكان لا فرق بينها وبين غيرها في ذلك. ولأنه إذا ثبت أنه ليس بنسك بما قدمناه ثبت أنه لا دم فيه.
فإن قيل: لأنه معنى يؤتى به بعد كمال التحلل فجاز ثبوت الدم؛ كالرمي في أيام منى.
قلنا: ثبوت الدم في ترك الشيء يدل على تأكيده وفوته، الإتيان به بعد كمال التحلل يدل على ضعف الشيء علما على ثبوت الحكم الدال على قوته وتأكيده.
والمعنى في الرمي أنه نسك؛ فلذلك وجب الدم في تركه؛ ألا ترى أنه يجوز تقديمه على ركن من أركان الحج؟.
* * *
فصل
فأما الحاج المكي فلا وداع عليه؛ لأن الوداع إنما خوطب به من يريد الخروج، والمكي مقيم؛ فلا معنى لتوديعه مع إقامته.
وقوله: يركع وينصرف: فلأن من سنة كل طواف أن يتعقبه الركوع- على ما بيناه من قبل- فالوداع وغيره سواء في ذلك.
فإذا ركع انصرف؛ لأنه لم يبق عليه شيء يقف لأجله.
وبالله التوفيق.
[ ٢ / ١٩٦ ]
مسألة
قال ﵀: "والعمرة يفعل فيها كما ذكرنا أولًا إلى تمام السعي بين الصفا والمروة، ثم يحلق رأسه، وقد [ق/١٥٢] تمت عمرته".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀-: لا خلاف أن من شرط العمرة الإحرام، ثم الطواف والسعي، فإذا أتى بذلك تحلل بالحلاق.
والأصل فيه أن النبيﷺ- أحرك بالعمرة، وكذلك الصحابة ﵁.
ولأنها نسك يجب فيه طواف وسعي فكان من شرطه الإحرام كالحج.
وعلى نحو ذلك كانت صفة عمرة النبيﷺ-. وروى شريط عن إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: اعتمرنا مع رسول اللهﷺ- فطاف بالبيت سبعًا، وصلى ركعتين عند المقام، ثم أتى الصفا والمروة فسعى بينهما سبعًا، ثم حلق رأسه.
وروى أبو داود حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثني سعيد بن مزاحم بن أبي مزاحم قال: حدثنا [أبي] مزاحم عن عبد العزيز عن عبد الله بن أسيد عن محرش بن كعب قال: دخل النبيﷺ- الجعرانة فجاء
[ ٢ / ١٩٧ ]
إلى (المسجد) فركع ما شاء الله، ثم أحرم، ثم استوى على راحلته فاستقبل بطن سرف حتى أتى طريق المدينة فأصبح بمكة كبائت.
والقول في صفة الإحرام بالعمرة والطواف وأحكام ذلك كله كالقول في الحج، وشروطها واحدة، وقد بيناه في الحج، وسنين ما بقي في موضعه إن شاء الله.
مسألة
قال ﵀: "والحلاق أفضل في الحج والعمرة، والتقصير يجزئ".
قال القاضي ﵁: وقد للنا فيما سلف على أن الحلق والتقصير سنة ونسك من مناسك الحج.
والذي يدل على أنه أفضل قوله تعالى ذكره: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين﴾؛ فبدأ بالحلاق.
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللهﷺ- قال: "اللهم أرحم المحلقين". قالوا: والمقصرين؟ قال: "والمقصرين"؛ فثبت بذلك أن الحلاق أفضل.
[ ٢ / ١٩٨ ]
(وروي) من حديث ابن سيرين [عن أنس] أن رسول اللهﷺ- لما رمى جمرة أتى نسكه فنحره، ثم دعا الحلاق وقال: "ابدأ فيه بالشق الأيمن" فبدأ به فحلقه، ثم الشق الأيسر فحلقه، وناوله أبا طلحة.
فدل ذلك على ما قلناه.
* * *
مسألة
قال ﵀: "وليقصر من جميع شعره".
قال القاضي ﵁: وهذا لأنه حكم يتعلق بالرأس في الشرع على وجه العبادة؛ فوجب أن يعم به الرأس؛ اعتبارًا بالمسح.
وقد روى فليح بن سليمان عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللهﷺ- قال: "من عقص أو لبد فعليه الحلاق".
والمعنى في ذلك ما قلناه من أن عليه أن يقصر من جميع شعر رأسه، ولا يمكنه ذلك من العقص والتلبيد؛ فلذلك أمره بالحلاق لعيدل إلى ما يعم به الرأس. والله أعلم.
* * *
[ ٢ / ١٩٩ ]
مسألة
قال ﵀: "وسنة المرأة التقصير".
قال القاضي أبو محمد﵁-: وذلك لأن الحلاق من سنة الرجال دون النساء لأنه في النساء شهرة فلا يجوز لهن فعله.
وقد روى ابن عباس﵁- أن رسول اللهﷺ- قال: "ليس على النساء حلق، وإنما على النساء التقصير".
ولا خلاف في ذلك أعلمه.
* * *
مسألة
قال ﵀: "ولا بأس أن يقتل المحرم الفأرة، والحية، والعقرب وشبهها، والكلب العقور، وما يعدو من الذئاب والسباع ونحوها، ويقتل من الطير ما يتقى أذاه من الغربان والأخدية فقط".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀-: أعلم أنه لا خلاف في أن للمحرم قتل الحية، والعقرب، والزنبور، والفأرة وما أشبه ذلك، والذئب، والكلب العقور.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
والأصل في ذلك ما رواه مال عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللهﷺ- قال: "خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور".
وروى مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: "خمس من الدواب من قتلهن وهو محرم فلا جناح عليه: العقرب والفأرة والكلب العقور والغراب والحدأة".
وروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول اللهﷺ- قال: "خمس فواسق يقتلن في الحرم: الفأرة، والغراب، والحدأة، والكلب العقور".
وقد وصله غير مالك فقال: عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ.
فأما الحية: فقد ورد الخبر أيضًا بقتلها؛ فروى شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسبب عن عائشة عن النبيﷺ- أنه قال: "ليقتل المحرم الفأرة، والغراب، والحدأة، والعقرب والكلب العقور، ويقتل الحية".
وروى محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكم عن أبي صالح عن أبي
[ ٢ / ٢٠١ ]
هريرة أن رسول اللهﷺ- قال: "خمس قتلهن حلال في الحرم: الحية، والعقرب، والحدأة، والفأرة، والكلب العقور".
وقد روى هذا الحديث من طرق كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية.
وروى الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله قال: كنا مع النبي - ﷺ - بمنى ليلة عرفة فخرجت حية فقال: "اقتلوا اقتلوا" فسيقتنا".
* * *
فصل
قال القاضي: وله عندنا قتل السباع العادية المبتدئة بالضرر من الوحش والطير؛ مثل الأسد والذئب والنمر والفهد والكلب العقور، وما أشبه ذلك.
ولا جزاء عليه فيه.
ومن الطير: الغراب والحدأة فقط.
ووافقنا أبو حنيفة في الذئب والكلب العقور والحدأة والغراب؛ فقال: للمحرم قتل جميع ذلك، ولا جزاء عليه فيه سواء ابتدأ بالضرر أم لا.
وقال في السبع والفهد والنمر وغيرها من السباع أنه لا يقتله، فإن قتله فداه.
وقال الشافعي: كل ما يؤكل من الصيد فلا فدية فيه إلا في السبع وهو
[ ٢ / ٢٠٢ ]
المتولد بين الذئب والضبع.
وحكى [ق/١٥٣] عنه في الحمار المتولد بين الأهلي والوحشي أنه لا يؤكل، وفي قتله جزاء.
والخلاف مع أبي حنيفة في السبع والفهد والنمر وغيرها؛ فعندنا أن له أن يقتلها ولا جزاء عليه في ذلك، وعنده أنه ليس له قتلها وأن عليه الجزاء في قتلها.
فالدلالة على صحة قولنا: ما رواه أبو داود قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا هشيم قال: حدثنا يزيد بن أبي زياد حدثنا عبد الرحمن ابن أبي نعيم البجلي عن أبي سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - سئل ما يقتل المحرم؟ قال له:" الحية، والعقرب، والفويسقة، ويرمى الغراب ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة والسبع العادي".
وهذا نص في قتل كل سبع.
فإن قيل: ليس في هذا دلالة على موضع الخلاف؛ لأن الذي فيه إباحة قتل السبع العادي؛ وهو الذي يريد الإنسان ويعدو عليه، وهذا لا يختلف في إباحة قتله وسقوط الجزاء فيه، إنما الخلاف فيما لم يعدو ولم يرد الإنسان هل يجوز ابتداء قتله أم لا؛ فالخبر غير منتظم له؛ لأنه ليس بعاد.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
قلنا: هذا الاعتراض ليس بصحيح من قبيل أن العادي وصف لطبعه وما جبل عليه، سواء وقع منه في تلك الحال أم لا؛ كما وصف السيف بأنه قاطع، والخبر بأنه شائع، والماء بأنه مروٍ، وما أشبه ذلك؛ فكذلك السبع من طبعه أن يكون عاديًا، ولم رد رسول الله - ﷺ - أن العدو علة إباحة قتله؛ لأنه لو أراد ذلك لم يكن لتخصيص السبع معنى؛ لأن كل ما عدا على الإنسان فله دفعه عنه وإن أدى إلى قتله - سبعًا كان أو غيره.
ويدل على ما قلناه: ما رويناه من حديث ابن عمر وأبي سعيد وعائشة﵂- أن رسول الله - ﷺ- قال: "خمس ليس على المحرم في قتلهن جناح " فذكر الكلب العقور.
واسم الكلب ينطلق على الأسد شرعًا، ولغة. أما اللغة: فاسم الكلب مأخوذ من التكلب، ومنه قوله تعالى ذكره: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ أي: مضربين ومحرضين.
والعقور من العقر.
ولمخ يخص أهل اللغة بهذه التسمية في عين دون عين.
وهذه المعاني في السبع أوجد منها في الكلب؛ فكان بأن يسمى بها أولى.
وأما الشرع: فما روى أن النبي - ﷺ - كان يقرأ سورة النجم فقال عتبة بن أبي لهب: كفرت برب النجم. فقال له النبي - ﷺ-: "أما
[ ٢ / ٢٠٤ ]
تخاف أن يسلط الله ﷿ عليك كلبه؟ " فخرج مع ناس في سفره فأخذه الأسد.
وروى زيد بن أسلم عن عبد ربه عن أبي هريرة قال: الكلب العقور الأسد.
ولا يخلو أن يكون ذلك لغة أو شرعًا، وأيهما كان فهو حجة.
ويدل على ما قلناه أيضًا: أن الكلب العقور لما أبيح قتله، وكذلك الذئب للضرر الذي يلحق من جهته بعدوه وافتراسه الذي يحصل منه ابتداءًا، وكان السبع أدخل في هذه المعاني، وكانت فيه أوجده مضرة أشد وجب أن يكون بالقتل أولى. ولأن إباحة قتل وسقوط الجزاء لا يخلو أن يكون للعدو الذي فيه [] ولوجودها حال القتل، أو لكونه مما لا يؤكل لحمه فإن كان لأنه مما لا يؤكل لحمه فذلك باطل بالضبع؛ لأنها غير مأكولة، وليس له قتلها، وفيها الجزاء متى قتلها.
وإذا بطلت هذه الوجوه الم يبق إلا ما قلناه.
فإن قيل: ما أنكرتم من معنى آخر؛ وهو أن البلوى به عامة.
قد قيل له: ليست البلوى به بأعم من البلوى بالأسود والضباع، ولا المراعي أيضًا كثرتها في بعض الطرق؛ لأن السباع أيضًا كثيرة في طرق أخر، وإنما المراعي ما قلناه من الابتداء بالضرر.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
ويدل أيضًا على سقوط الجزاء بقتل السبع أنه لا يضمن بمثله في الخلقة ولا بكمال جملة قيمته عند المخالف؛ فلم يكن مضمونًا أصلًا؛ لأن المضمون من الصيد لا يخرج من هذين القسمين.
وأبو حنيفة يقول: إن قيمته إذا زادت على قدر شاة لم يجب عليه كما لها.
وليس له مثل من النعم فيكون مضمونًا به.
فلما خرج عن أقسام ما يضمن سقط أن يكون مضمونًا.
واستدل المخالف بقوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾.
والصيد: اسم لجنس الممتنع من وحش البر، وهذا يتناول السبع وغيره؛ ويبين ذلك أن أحدًا لا يمتنع من إطلاق اسم الاصطياد عليه؛ لأنه يقال: اصطاد فلان سبعًا؛ كما يقال: اصطاد ظبيًا.
وإذا صح ذلك ثبت تناول الظاهر به.
وروى أن النبي - ﷺ - قال: "خمس يقتلن في الحل والحرم" فذكر الفأرة والحية والكلب العقور والغراب والحدأة؛ فخص إباحة القتل بعدد محصور، فلو ألحقنا غيره لأبطلنا فائدة الحصر وزدنا في الخبر بقياس، وهذا ما لا سبيل إليه.
قالوا: ولأنه سبع متوحش لا يعم الأذى به؛ فأشبه الضبع.
قالوا: ولأنه صيد يحل قتله في الإحلال؛ فجاز تحريم قتله في
[ ٢ / ٢٠٦ ]
الإحرام بوجه كسائر الصيد.
وأعلم أنه ليس في جميع ما ذكروه دلالة على ما ذهبوا إليه.
أما الظاهر: فلا حجة فيه من قبيل أنه لم يرد إلا بتحريم قتل الصيد المضمون بمثله من النعم. وهذه الأشياء لا مثل لها.
هذا أحد أجوبة أصحابنا.
ولو سَلَّمنا أن الظاهر متناول ما يضمن بمثله من طريق الخلقة ولا يضمن بكمال قيمته؛ لأنهم يقولون: إن زادت قيمته على قدر شاة لم يكن عليه إلا شاة.
على أنا لو سَلَّمنا بتناول الظاهر له لخصصناه بما رويناه.
وأما قولهم أنا لو أبحنا قتل غير ما ورد به الخبر لأبطلنا فائدة الحصر: فإنه باطل؛ لأن القائسين معولهم على معاني النصوص، لا على الأسماء. فإذا عقلنا معنى ما ورد به النص - وقد تعبدنا بالقياس؛ فعديناه إلى ما سكت عنه-؛ فلا يكون في ذلك إبطال لفائدة الحصر؛ لأن فائدة التنبيه به على ما سكت عنه. وهذه من شبه مبطلي القياس.
ويقال لهم: وأنتم أيضًا إذا أبحتم قتل الذي وليس في الخبر فقد أبطلتم فائدة الحصر، والسؤال عائد عليكم.
ويقال [ق/ ١٥٤] لهم: إنما لم يبطل فإنما [] لأنا لم نزد عليه وذلك أنا قد بينا تناول الظاهر للسبع بالنص في قوله: "والسبع العادي"،
[ ٢ / ٢٠٧ ]
وبقوله: "﵇: والكلب العقور"، وأوضحناه بما يغني عن إعادته.
وأما اعتلالهم بأنه سبع متوحش لا يعم الأذى به كالضبع: فباطل من قبلي أن الأذى يعم بالسبع أشد من كل شيء. وليس الاعتبار بقلة وجوده وكثرته؛ لأن ذلك يقف على المواضع المسلوكة؛ ألا ترى أن الذئاب قد تعم البلوى بها وتقل على حسب المواضع التي تكثر بها وتقل في بعضها؟.
وبالله التوفيق
* * *
فصل
فأما الشافعي فالخلاف معه في الصقر والبازى والثعلب، وكل متوحش لا يؤكل لحمه مما لا ضرر فيه أو لا يبتدئ بالضرر؛ فعنده أن لا يضمن، وعندنا أنه مضمون ممنوع من قتله.
والدلالة على صحة قولنا قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾، وقوله ﷿: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾؛ فعم ولم يخص ما يؤكل لحمه مما لا يؤكل.
ولأنا حملنا صيد البر على حقيقته في الاصطياد الذي هو الفعل جائز؛
[ ٢ / ٢٠٨ ]
فكأنه قال ﷿: وحرم عليكم أن تصيدوا في البر ما دمتم حرمًا. وهذا على عمومه.
فإن قيل: هذه الظواهر لا تتناول موضع الخلاف من قبيل أن الصيد اسم موضع لما يؤكل، فإذا استعمل فيما لا يؤكل فبقرينة؛ يبين ذلك قوله سبحانه: ﴿لا تقتلوا الصيد﴾ حصر لما كان حلالًا أكله قبل الإحرام.
فأما من كان أصله محرمًا فهو على الأصل.
فعلم بذلك أن اسم الصيد لا يتناول السباع والخنازير والطير التي لا تؤكل.
قلنا: إن الصيد اسم للمتمتع المتوحش في البر، واسم الاصطياد نطق على ذلك كله. وأهل اللغة لا يفرقون في ذلك بين ما يؤكل وبين ما لا يؤكل؛ ألا ترى أنهم يقولون: اصطاد فلان سبعًا وذئبًا وفهدًا وظبيًا وغزالًا، ولا يقولون: صاد جملًا وشاة؟ وإنما افترق الحكم في ذلك؛ لوجود الامتناع والتوحش في إحدى الجنسين وعدمه في الآخر.
فإن قيل: إنما يقولون ذلك بقرينة؛ لأنهم لا يقولون: صاد سبعًا فقتله، ويقولون: صاد ظبيًا فأكله؛ فعلم أن قولهم صاد سبعًا معناه: قتل سبعًا.
قلنا: هذا باطل من وجوه.
أحدهما: أنهم يقولون: صاد سبعًا ويسكتون على هذا من غير أن
[ ٢ / ٢٠٩ ]
يقرنوا إليه ذكر القتل.
والثاني: أن الأسد وغيره قد يصاد ويستبقى كما تفعل الملوك في اقتناء السباع والفيلة.
فبطل بهذا قولهم أن صيده عبارة عن قتله. إنما يقرنون القتل بذكر السبع؛ لشدة امتناعه وأنه لا يتمكن منه إلا بالقتل؛ لأنه لا يقال فيه أنه صيد.
فإن قيل: إن قوله ﷿: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ لم ينتظم إلا ماله مثل النعم، والأسد وغيره مما لا مثل له من النعم.
قيل له: هذا تسليم لوقوع اسم الصيد عليه، وانحطاط من تلك [] ونقل الكلام إلى أن الآية قد تتناوله أم لا. ولأصحابنا في ذلك وجهان.
أحدهما: أن الظاهر متناول له؛ لأن قوله سبحانه: ﴿لا تقتلوا الصيد﴾ عام، وقوله ﷿؛: ﴿فجزاء مثل ما قتل﴾ خاص بماله مثل.
والآخر أنه لا يتناول إلا ماله مثل من النعم.
والصقر والبازي والثعلب وما أشبه ذلك مما له مثل من النعم.
فإن قيل: لما قال تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾، ثم عقبه فقال ﷿: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾ دل
[ ٢ / ٢١٠ ]
بافتتاح الآية على أن التحريم إنما يتناول ما يؤكل لحمه دون ما لا يؤكل.
وكذلك قوله ﷿: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾.
قيل له: ليس بممتنع أن يكون قوله سبحانه: ﴿وحرم عليكم صيد البر﴾ عامًا فيما يؤكل وفيما لا يؤكل، وإن كان مقابلة لفظ خاص؛ ويبين ذلك أن المحرم على المحرم هو الاصطياد، والاصطياد نفسه هو الإتلاف لا الأكل؛ ألا ترى أن له أن يأكل لحم الصيد إذا صاده الحلال من نفسه؟
فبان ذلك أن التحريم تناول الإتلاف في جنس الصيد فقط.
[ ٢ / ٢١١ ]
ويدل على ما قلناه أيضًا أنا قد اتفقنا على أن الضبع لا تقتل وأنها مضمونة بالجزاء متى قتلت؛ والعلة في ذلك أنها حيوان ممتنع برى لا يبتدئ بالضرر في الغالب؛ فكذلك الثعلب وما أشبهه.
فإن قيل: العلة في ذلك أنه مما يؤكل لحمه؛ فلهذا كان عليه الجزاء. وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه لا يؤكل لحمه؛ فلم يكن فيه جزاء.
قلنا: ينتقض هذا على أصلكم بالحمار المتولد بين الأهلي والوحشي، وأن الشافعي نص على منع أكله، وفيه الجزاء متى قتله. وكذلك المتولد بين الذئب والضبع - وهو السبع - لا يؤكل عندك وفيه الجزاء.
فإن قيل: لأنه متولد مما لا يؤكل لحم شيء من جنسه؛ فلم يجب الجزاء في قتله.
أصله: الذئب.
واحترزوا بهذا من المتولد بين الحمار الأهلي والوحشي؛ لأنه متولد عما يؤكل لحم شيء من جنسه، ومن المتولد بين الذئب والضبع؛ لأن الضبع تؤكل عندهم.
والجواب: أن الضبع لا تؤكل عندنا، ومجراها مجرى سائر السباع.
ولأن إباحة الأكل وتحريمه إذا لم تؤثر في الصيد المقتول نفسه فهو بأن لا تؤثر إذا وجد في أصله أولى.
وعلى أن المعنى في الذئب ابتداؤه بالضرر في الغالب.
وبالله التوفيق.
[ ٢ / ٢١٢ ]
مسألة
قال ﵀: "ويجتنب في حجه وعمرته النساء، والطيب، ومخيط الثياب، والصيد، وقتل الدواب، وإلقاء التفث".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي - ﵀ -: وأما اجتناب النساء في الإحرام فلا خلاف في وجوبه، وأنه إذا وقع الجماع فيه أفسده.
لا فرق في ذلك بين الحج والعمرة.
والأصل فيه قوله تعالى: [ق/ ١٥٥] ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾.
والرفث ها هنا: الجماع؛ بدلالة قوله تعالى ذكره: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ يعني: الجماع.
وروى عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما في قوله ﷿: ﴿فلا رفث﴾ أن المراد به الجماع.
ولا خلاف في منع ذلك في الإحرام، وانه إذا وقع فيه أفسده في الجملة.
ولم يذكر صاحب الكتاب تفصيل مسائل هذا الباب؛ لأنه قصد
[ ٢ / ٢١٣ ]
الاختصار والتقريب، ونحن نذكر ما يمكن أن يذكر ها هنا منها ونبين القول فيها إن شاء الله.
وليس لأحد أن ينسبنا إلى قلة علم بالتصنيف ونقصان خبرة بالتأليف لزيادتنا في الكتاب ما ليس منه مع نسبتنا إياه إلى أنه شرح، فليعلم أنا على حجة فيما أثبتناه مع كون الباب مما يوجب ذلك ويقتضيه؛ لأنه من فروعه ومسائله، وإن عادة حذاق المصنفين من الفقهاء والمتكلمين قد جرت بالتسامح في ذلك، وإن الزيادة أولى من النقصان ما لم تطل فتخرج عن حكم الكتاب، والله المستعان.
وأول ذلك أن المحرم عندنا ممنوع من عقد النكاح لنفسه أو لغيره ما دام محرمًا. وهو قول الشافعي.
وعند أبي حنيفة أنه ذلك جائز، وأن الإحرام لا يمنع.
وهذه المسألة موضعها كتاب النكاح؛ لأن أبا محمد بن أبي زيد ذكرها هناك، ولكنا نذكرها ها هنا جملًا من الكلام فيها؛ لتعلق الباب بها.
والذي يدل على ما قلناه: ما رواه مالك عن نافع عن نبيه بن وهب أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر بنت شيبة بن جبير فأرسل إلى أبان عثمان - ﵁ - ليحضر ذلك - وأبان أمير الحاج - فأنكر ذلك، وقال: سمعت عثمان بن عفان - رضوان الله عليه - يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب".
ولأنه معنى يثبت به حكم الفراش؛ فأشبه وطء الأمة.
ولأنه عبادة منع فيها الوطء والطيب؛ فوجب أن يمنع عقد النكاح.
[ ٢ / ٢١٤ ]
أصله: العدة.
فإن قيل: فقد روى ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - تزوج ميمونة وهو محرم.
قلنا عنه أجوبة:
أحدها: أنه قد اختلف عن ابن عباس في ذلك؛ فروى عنه أنه قال: تزوج رسول الله - ﷺ - ميمونة وهو حلال.
وروى عن ميمونة نفسها أنها قالت: تزوجني رسول الله - ﷺ - ونحن حلالان.
وروى مثل عن أبي رافع، وقال: وكنت السفير بينهما.
فإما أن يتعارضا ويسقطا ويرجع إلى النهي، أو يرجح ما ذكرناه بأن المرأة أعلم بحالها، وبأن الرسول والسفير أعلم بالقصة التي سفر فيها من غيره. وبأن رواة خبرنا لم يختلف عليهم ورواة خبرهم مختلف عليهم فيه.
ونستعمل فنقول: إنه قد علم من مذهب ابن عباس أن الإنسان يكون محرمًا لتقليد الهدى وإشعاره؛ فيجوز أن يكون رأي رسول الله - ﷺ - قلد هدية وقت تزويج ميمونة صغيرًا بأنه كان محرمًا على اعتقاده أن من فعل ذلك كان محرمًا.
فإن قيل: إنه عقد يتوصل إلى استباحة البضع؛ فأشبه شراء الأمة.
قلنا: شرى الأمة ليس بموصل إلى إباحة البضع لا محالة؛ لأنه قد يشتري من لا يجوز له وطئها. على أن المقصود من شراء الأمة ليس هو؛
[ ٢ / ٢١٥ ]
لما ذكرنا، وإنما المقصود منه التملك والتجارة والخدمة، وهذه المعاني لا يمنع الإحرام منها؛ فذلك لم يمنع من الشراء الموصل إليها. وليس كذلك النكاح؛ لأن المقصود منه الوطء، والإحرام يمنع منه؛ فجاز أن يمنع من العقد المؤدي إليه.
والله أعلم.
* * *
فصل
وإذا وطء ناسيًا فسد حجه، وبه قال أبو حنيفة. وللشافعي قولان:
أحدهما: أن حجه يفسد.
والآخر: أنه لا يفسد، وهو الأظهر عند أصحابه. قالوا: لما روى عن النبي - ﷺ - قال: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"، وهذا ينفي فساد الحج وغيره.
ولأنه استمتاع على وجه النسيان؛ فلم يبطل الحج به؛ اعتبارًا بالتطيب.
ولأنه وطء لا يوجب في الأجانب حدًا؛ فأشبه الوطء دون الفرج.
والدلالة على ما قلنا قوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾.
فوصف سبحانه الحج بأنه لا رفث فيه؛ فاقتضى ذلك ألا يكون حجًا
[ ٢ / ٢١٦ ]
شرعيًا إلا على هذه الصفة، ووقوع الرفث فيه يخرجه عن الوصف الذي وصف.
ولأنه محرم لم ينحل من حرمة إحرامه شيء حصل واطئ في الفرج؛ فوجب أن يبطل حجه.
أصله: المتعمد.
فأما الخبر: فمفهومه رفع المأثم والعقاب، فأما غير ذلك من الأحكام فليس في الخبر ما ينفيه.
وقياسهم على المتطيب باطل؛ لأن جنس الاستمتاع بالطيب لا يبطل الحج؛ فلا معنى لتقييد العلة بالنسيان.
على أن الاستمتاع بالطيب عمدًا لا يبطل الحج؛ فكذلك السهو منه. وليس كذلك الوطء؛ لأنه استمتاع يبطل الحج عمده؛ فكذلك سهوه.
وأيضًا فإن الطيب شاهد لنا على أصلنا؛ لأنه لما كان استمتاعًا محرمًا في الحج استوي عمده وسهوه فيما يجب به، فيجب أن يكون كذلك الوطء، وقد ثبت أن عمده يفسد الحج؛ فكذلك سهوه.
واعتبارهم بالوطء فيما دون الفرج باطل من وجوه:
أحدها: أنه يفسد الحج عندنا، وإن لم يكن معه إنزال لم يسم وطئًا.
والثاني: أنهم إن أشاروا بقولهم: لا يوجب حد في الأجانب إلا في نفس الوطء في الفرج: فذلك غلط بالاتفاق، وإن أشاروا بذلك إلى وقوعه على وجه السهو: لم يؤثر في الأصل؛ لأنه لا يختلف حكمه في أن لا حد فيه بين أن يقع على وجه السهو والعمد.
والله أعلم.
[ ٢ / ٢١٧ ]
فصل
فإذا وطئ دون الفرج فأنزل، أو قبل فأنزل، أو باشر فأنزل: فسد حجه.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يفسد حجه؛ لأن الوطء في الفرج إذا خرج مع غيره كان له مزية على [ق/١٥٦] ما حرم معه فلولا أن الحج يفسد بالإنزال عن القبلة والمباشرة فيما دون الفرج لأدى ذلك إلى سقوط مزيته.
ولأنه إنزال بما لا يوجب جنسه الحد.
دليله: إذا هزته الدابة، أو نظر فأنزل.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿فلا رفث﴾، وهذا من الرفث.
ولأن الإنزال هو المقصود من الجماع، وهو أبلغ من الإيلاج فجاز أن يفسد الحج به إذا انفرد كالإيلاج إذا انفرد.
ولأنها عبادة يفسدها الوطء في الفرج فالإنزال مع المباشرة تفسدها، اعتبارًا بالصوم.
ولأنه إنزال حصل عن نوع من الاستمتاع والملامسة فأشبه الإنزال في الفرج.
فأما المزية التي ذكروها فغير مسلمة لهم، لأنه لو ثبتت في بعض المواضع لم نسلمها في هذا الموضع.
[ ٢ / ٢١٨ ]
وأما من هزته الدابة، أو نظر: فقد نص مالك﵀- على أنه إذا استدام ذلك حتى أنزل فسد حجه.
فبطل ما قالوه.
على أن فساد العبادة بالجماع لا على ما يوجب منه الحد أو لا يوجبه كالصيام والاعتكاف.
ويبطل أيضًا بوطء البهيمة في الفرج؛ لأن الشافعي يوافقنا على فساد الحج به وإن لم يوجب حدًا.
والله أعلم.
* * *
فصل
إذا وطئ بعد الوقوف بعرفة وقبل رمي جمرة العقبة يوم النحر فسد حجه، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يبطل حجه.
وقيل: إن عن مالك رواية مثل قول أبي حنيفة، واستدل من ذهب إلى ذلك بقوله ﷺ: "من صلى معنا صلاتنا، ووقف موقفنا بالأمس من ليل أو نهار فقد أتم حجه، وقضى تفثه".
ولفظة التمام ترد في أمرين:
أحدهما: الفراغ من العبادة.
والآخر: لقطع تطرق الفساد عليها.
[ ٢ / ٢١٩ ]
وقد ثبت أنها ليست في هذا الموضع للفراغ من الفعل؛ فثبت أنها لنفي الفساد.
ولأنه رفث قد أمن فيه الفوات فالوطء فيه لا يفسد الحج.
أصله: إذا جامع بعد الرمي.
ولأن الفساد معنى يوجب القضاء؛ فوجب ألا يلحق بعد الوقوف.
أصله: الفوات.
ولأن بقاء طواف الإفاضة لا يوجب فساد الحج بالجماع؛ فكذلك بقاء الرمي؛ بعلة أن كل واحد منهما لا يوجب الفوات.
ولأن منع الوطء بعد الوقوف لأجل الطواف لا للرمي؛ بدلالة أنه يمنع أيضًا منه بعد الرمي ما لم يطف، وأن بقاء الرمي بعد الطواف والحلاق لا يمنع، فإذا كان بقاء الطواف لا يوجب فساد الحج بالجماع فبقاء الرمي أولى بأن لا يوجب ذلك.
ولأن ترك الرمي لا يوجب فساد الحج فالجماع الذي هو ممنوع لأجله أولى أن لا يفسده.
والدلالة على صحة قولنا: قوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾.
وهذا صيغته صيغة الخبر، والمراد به النهي؛ فتقديره: لا ترفثوا في الحج.
وإذا ثبت ذلك فالنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
وإن حملناه على ظاهره- وهو الخبر- صح التعلق به أيضًا؛ لأنه تعالى ذكره جعل من وصف الحج لا رفث فيه؛ فوجب أن يكون ما وقع فيه الرفث فليس بحج شرعي.
ولأنه وطء صادف إحرامًا منعقدًا لم يقع منه تحلل؛ فأشبه الوطء قبل الوقوف بعرفة.
فأما الخبر: فلا تعلق فيه؛ لأن حقيقة اسم التمام للفراغ من العبادة وأنه لم يبق منها شيء. فإن استعمل في غيره فمجاز. وقد يستعمل مجاز في عدة مواضع منها: القرب من الفراغ، والإتيان بكثير الفعل ومعظمه؛ فيعبر عما قارب الفراغ من العبادة بأنه قد أتمها كما قال تعالى ذكره: ﴿فإذا بلغنا أجلهن فأمسكوهن بمعروف﴾.
أراد: إذا قاربن انقضاء عدتهن دون حقيقة البلوغ؛ لأن الريبة لا تكون مع انقضاء العدة.
وكذلك ما روي: "إذا فعلت هذا- يعني: التشهد- فقد تمت صلاتك" معناه: قاربت الإتمام.
ومنها الإتيان بالفرد المقصود الذي هو عظم العبادة والمقصود منها فيقال فيه: إذا أتى به قد أتمها. معناه: قد أتى بالمقصود منها وما يؤمن معها فواتها؛ مثل قوله ﷺ: "من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها". معناه: قد أمن أن تفوته، لا أنه قد أمن من طروء الفساد
[ ٢ / ٢٢١ ]
عليها.
وإذا كانت الحقيقة في استعمال هذه اللفظة ما ذكرناه، ولم تكن هي المراد في هذا الموضع لم يكن لهم حمله على بعض ما يصلح أن يتحرز به فيه إلا ولنا حمله على غيره؛ لأن كل ذلك مجاز واتساع، مع أن ما نذكره هو الأسبق إلى فهم السامع؛ وهو أنا قد أتى بالمقصود الذي تفوت العبادة بفواته وإن لم يمنع ذلك من طروء الفساد كما ذكرناه في إدراك الصلاة مع الإمام.
ولأن الأمن من طروء الفساد لا يحصل عندنا إلا مع الفراغ من العبادة فالأمر يعود إلى ما ذكرناه من أن الحقيقة من الإتمام الاستيفاء والفراغ.
فأما قولهم: لأنه وقت قد أمن فيه من الفوات فلم يلحقه الفساد بالوطء كما لو وطأ بعد الرمي: فليس بصحيح؛ لأن الأمن من فوات الشيء لا يمنع طروء الفساد عليه؛ اعتبارًا بالأصول كلها؛ ألا ترى أن العمرة وصوم الكفارة مأمون الفوات وغير مأمون الفساد؟
وكذلك إذا أدرك الصلاة مع الإمام فقد أمن فواتها معها، ومع ذلك يلحقها الفساد.
فإن قيل: هذا لا يلزم على ما قلنا؛ لأن العمرة لا تطرق للفوات عليها؛ فلم يمتنع أن يلحقها الفساد، وليس كذلك الحج؛ لأن الفوات يلحق فيه؛ فكان الأمن أمنًا من الفساد.
قيل له: هذا باطل بالعمرة المنذورة في وقت معين؛ لأن الفوات يلحق فيها ثم لو أحرم آخر الشهر الذي قدرها فيها لكان قد أمن الفوات، ولم يأمن الفساد.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
ويبطل أيضًا بما ذكرنا من إدراك الصلاة مع الإمام، وبالجمعة؛ لأنها يخشى فواتها والظهر ولا يخشى فواتها، والفساد غير مأمون فيها.
وجواب آخر عن أصل القياس؛ وهو أن المعنى في الأصل أنه وطء صادف إحرامًا قد تحلل منه بعض التحلل؛ ألا ترى أن بعد الرمي قد أبيح له لبس [ق/ ١٥٧] الثياب؛ وقتل القمل وغير ذلك ما لم يكن مباحًا له فقد انحل من حرمة إحرامه؛ فلذلك لم يفسد [] حجه وليس كذلك قبل الرمي؛ لأن حرمة الإحرام مبقاة على حالها فكان بمنزلة الوقوف.
فأما اعتبارهم الإفساد بالفوات فإنه باطل؛ لأنه لا يجوز أن يعلق امتناع أحدهما بامتناع الآخر، وإمكانه بإمكانه؛ لأن معنى الفوات يقضي الوقت الذي تعلق الفعل به ولم يؤت به فيه؛ فلا يجوز أن يقابل عليه الفساد في أنه إذا أمن أحدهما أمن الآخر؛ لأن بعد الوقوف قد تقضي زمن الفعل الذي كان متعلقًا به فلحق الفوات إن لم يؤت به فيه، والفساد ليس بمتعلق بوقت من أوقات العبادة يأمن منه إذا انقضى ذلك الوقت؛ لأنه ما دام فيها فوروده جائز؛ فعلم بهذا أن الفوات أمن بعد الوقت لا لأنه يوجب القضاء لكن ليقضي الوقت الذي علق به. وليس كذلك الفساد على ما بيناه.
فأما قولهم: إن بقاء طواف الإفاضة لا يوجب إفساد الحج فكذلك بقاء الرمي: فلا معنى له؛ لأنا لم نعلل الفساد ببقاء الرمي، وإنما عللناه ببقاء حرمة الإحرام وأنه ما لم يرم في وقت الرمي فلم يتحلل، وبالرمي يتحلل بعض التحلل ويكمل بالطواف، وقد يتحلل بالرمي في وقته تارة وينقضي وقت الرمي وإن لم يرم فيه أخرى؛ فليس المؤثر بقاء الرمي، وإنما المؤثر
[ ٢ / ٢٢٣ ]
عدم التحلل من الإحرام؛ فبطل ما قالوه.
وأما قولهم أن بقاء طواف الإفاضة لأجله منع من الوطء بعد الوقوف لا لأجل الرمي: فإنه باطل؛ لأن المنع إنما هو لعدم كمال التحلل الذي لا يكون إلا بالطواف.
فأما إذا أفاض قبل الرمي فقد مالك﵀: يعيد الإفاضة.
واختلف أيضًا أصحابه إذا قدم الطواف على الرمي ثم وطئ قبل الرمي؛ فقال ابن كنانة وابن القاسم: لا يبطل حجه.
وقال ابن وهب وأشهب: إذا أفاض ثم وطئ يوم النحر قبل الرمي بطل الحج.
ثم يقال لهم: فاعلموه على أنا سلمنا لكم أن منع الوطء بعد الوقوف لأجل الطواف ما الذي يوجب ذلك. فإن قالوا: إذا كان بقاء الطواف الذي لأجله منع الوطء لا يوجب الفساد فبقاء الرمي أولى.
قلنا: قد بينا أن أصحابنا مختلفون في فساد الحج بالوطء بعد الرمي وقبل الطواف؛ فبطل سؤالهم من هذا الوجه.
ثم لو لم نقل بذلك لم يلزم ما قالوا؛ لأن بقاء الطواف الذي لأجله منع من الوطء إنما لم نوجب الفساد؛ لأنه قد تقدمه بعض التحلل، وأن حرمة الإحرام ليست بمبقاة.
وقولهم فبقاء الرومي أولى أن لا يفسده: باطل أيضًا؛ لأنا قد ذكرنا القول بأن الفساد ليس من أجل بقاء الرمي، لكن لعدم التحلل على ما بيناه. فأما قولهم أن ترك الرمي لما لم يوجب فساد الحج فالوطء الذي منع لأجله أولى: فغير مسلم؛ لأن الوطء لم يمنع لأجل الرمي لكن لعدم
[ ٢ / ٢٢٤ ]
التحلل، والتحلل يقع بالرمي والطواف؛ يدلك عليه أنه لو تقضى وقت الرمي لجاز له الوطء إذا طاف؛ لأنه قد تحلل بتقضي الوقت فهو كالمنع من الكلام بعد فراغه من التشهد في الصلاة حتى يسلم لا لأجل السلام، لكن لبقاء كونه في الصلاة، ولكن بالسلام يقع التحلل.
وبالله التوفيق
* * *
فصل
فإذا وطئ بعد الرمي وقبل الطواف لم يفسد حجه وبه قال الشافعي﵀.
هذا هو المعتمد من قول أصحابنا.
وذكر ابن الجهم أن رواية وقعت إليه عن أبي مصعب عن مالك أن حجه يفسد متى وطئ قبل أن يطوف طواف الإفاضة.
قال ابن الجهم: وهو أقيس عندي، ووجهها قوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾، وما لم يحصل كمال تحلله فقد أوقع الرفث في الحج؛ فيجب فساده.
ولأنه حال هو ممنوع فيها من الوطء لبقاء الإحرام؛ فوجب أن يفسد الحج بوقوعه فيها؛ اعتبارًا بوقوعه قبل الرمي.
ولأنها حال لو قتل فيها الصيد لزمه الجزاء؛ فوجب إذا وطئ فيها أن يفسد حجه.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
أصله: قبل الرمي والوقوف.
ولأنها عبادة من شرطها الطواف المشروط يفسدها.
أصله: العمرة.
ولأن الوطء مع بقاء نسك من مناسك الحج ركن يوجب فساد.
أصله: إذا وطء قبل الوقوف.
قال ابن الجهنمي: ولأن أول الإحرام مرتبط بآخره فلما كان الوطء محرمًا عليه في آخره كما هو محرم عليه في أوله فسد أوله بآخره؛ كالصلاة والصيام.
وروى ذلك عن ابن عمر من طرق، وادعى أنه إجماع؛ لأنه لا مخالف له.
والدلالة على الرواية المشهورة.
ولأنه لا يوجب ذلك فساد الحج هو أنه وطء صادف إحرامًا قد انحل شيء من حرمته فلم يفسد الحج.
أصله: إذا وطئ بعد الطواف.
فإن قيل: إذا طاف طواف الإفاضة فقد كمل تحلله فلا يقال: انحل شيء من حرمته؛ لأن هذا يفيد أنه قد بقى شيء من التحلل.
قيل له: هذا منع عبادة لا طائل في منعها؛ لأن مرادنا من ذلك أن الوطء لم يصادف إحرامًا منعقدًا، وهذا معنى معقول موجود في مسألتنا.
وأيضًا فلأنها حال أبيح له فيها اللباس من غير فدية، أو لأنه لو تطيب
[ ٢ / ٢٢٦ ]
فيها لم تلزمه فدية؛ فأشبه ما بعد الطواف.
فأما الظاهر: فإنه مخصوص في الوطء الذي يكون في إحرام منعقد لم ينحل شيء منه؛ بدلالة ما ذكرناه.
وقولهم أنها حال منع من الوطء فيها لبقاء الإحرام مثل قبل الرمي: غير صحيح؛ لأنه لا يمنع من الوطء لبقاء الإحرام نفسه، وإنما منع لعدم كمال التحلل؛ فالوصف غير موجود في الفرع، والمعنى في الأصل لبقاء حرمة الإحرام التي لم يحصل منها تحلل أصلًا. على أن علة الفساد غير علة المنع؛ لأن علة المنع بقاء شيء من حرمة الإحرام، وعلة الفساد عدم التحلل على وجه؛ فلا يجب إذا امتنع الوطء أن يفسد الحج.
فإن قيل: ما أنكرتم [ق/١٥٨] أن تكون العلة في الأمرين عدم كمال التحلل.
قلنا: لا يجوز ذلك؛ لأن الفساد إنما يتوجه إلى إحرام منعقد، وحصول شيء من التحلل يمنع الفساد؛ لأن الفساد لا يكون مع الخروج عن العبادة بالتحلل أو يبعضه والمنع فقد يكون في إحرام منعقد وغير منعقد؛ لأن التحلل منه ما لم يكمل لا ينافي استصحاب المنع؛ فبان بذلك الفرق بين الموضعين.
وقولهم: لأنها حال لو قتل فيها الصيد للزمه الجزاء؛ فوجب أن يفسد الحج الوطء فيها غير صحيح.
إنما تجب الفدية بفعل يخالف موضوعه ما يجب الفساد به؛ لأن الفساد يتعلق بإحرام منعقد، والجزاء والفدية تتعلق بكمال التحلل؛ لأنه منع من
[ ٢ / ٢٢٧ ]
ذلك ما (بقي) من حرمة الإحرام شيء؛ فطريقتهما مختلف.
وقياسهم على العمرة باطل؛ لأن التحلل منها قبل الطواف لا يصح.
فإذا وطئ قبل أن يطوف فالوطء صادف إحرام منعقد؛ فنظيره في مسألتنا أن يطأ قبل الوقوف أو بعده وقبل الرمي. فأما في مسألتنا فيخالف ذلك.
وهذا أيضًا هو الجواب عن قولهم أن الوطء مع بقاء ركن من أركان الحج يفسده؛ لأن الاعتبار ببقاء حرمة الإحرام لا ببقاء شيء من الأركان، وها هنا قد أنحل من حرمة الإحرام شيء.
قال ابن الجهنمي: التحلل بلبس الثياب وإلقاء النفث لا يدفع عنه فساد الحج؛ لأن هذه الأمور وإن كانت ممنوعة في الإحرام فإن وقوعها لا يفسد الحج؛ ألا ترى أنها إذا حصلت قبل الوقوف لم تبطل الحج ولو وطئ في تلك الحال؟ فلم يكن تحليل ما لا يفسد الحج بوقوعه مؤثرًا في دفع الفساد بما يفسد الحج بوقوعه.
قلنا: نحن لم نقل أن إباحة اللبس وإلقاء النفث هو الذي منع الفساد بالوطء، وإنما قلنا: بالرمي قد انحل بعض حرمة الإحرام وانحلال بعض الحرمة مانع من الفساد؛ لأنه يرفع الانعقاد فسواء انحل إلى ما كان يفسد الحج بوقوعه أو يوجب فدية من غير إفساد في أنه لا اعتبار بموجب التحلل.
فإذا كان كذلك بطل ما قالوه.
وأما قوله أن أول الإحرام مرتبط بآخره: فإن أراد مع انعقاده فصحيح، وإن أراد مع التحلل من بعض حرمته فلا نسلمه في باب الفساد؛ لأن ذلك
[ ٢ / ٢٢٨ ]
متعلق بانعقاد حرمة الإحرام وعدم التحلل من شيء منها. والله أعلم.
وعلى هذه النكتة مدار الكلام في هذه المسلة التي قبلها، وما رواه عن ابن عمر فقد روى عن ابن عباس خلافه، وعن غيره أيضًا.
والله أعلم.
* * *
فصل
إذا أجبنا بالرواية المشهورة؛ وهي أن حجة لا يفسد بالوطء بعد الرمي وقبل الطواف فعليه عندنا العمرة والهدى بعد أن يطوف.
وقال أبو حنيفة والشافعي: عليه الهدى، ولا عمرة عليه.
والدليل على ما قلناه من وجوب العمرة: أنه لما وطئ قبل كمال التحلل إذا كان كمال التحلل لا يحصل إلا بأن يطوف طواف الإفاضة كان قد أتى بركن من أركان الحج وهو الطواف في إحرام قد أفسد بقيته؛ لأنه وطئ قبل كمال التحلل منه وعليه أن يأتي به في إحرام صحيح الجملة غير ناقص؛ فوجب أن يمضي فيه كما يمضي في الإحرام الفاسد ويوقع الطواف في إحرام مستأنف لم بتداخله شيء من الفساد؛ فلذلك أمرنا بالعمرة؛ لأن الطواف في إحرام لا يكون إلا في حج أو عمرة.
وقد روى مالك عن ثور بن زيد الديلي عن عكرمة لا أظنه إلا عن ابن عباس في الذي يصيب أهله قبل أن يفيض قال: يعتمر ويهدى.
فإن قيل: كل وطء لم يفسد ماضي الحج لم يفسد بقيته.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
أصله: وطئه بعد الطواف.
قيل له: إذا وطئ بعد الطواف فقد وطئ خارجًا عن الإحرام جملة؛ فلم يتعلق به فساد. وليس كذلك الوطء قبل الإفاضة.
فإن قيل: فكذلك إذا وطئ بعد الجمرة وقبل الطواف فإنما وطئ بعد الخروج من الإحرام.
قيل له: ليس هذا بصحيح عندنا؛ لأن ما بقى عليه شيء من فرائض الحج فالإحرام باق عندنا.
فإن قيل: كل عبادة لا تبعض فلا تبعض إفسادها كالصلاة والصيام. وقد ثبت أن ما مضى من الحج لا يفسد؛ فكذلك ما بقى.
قيل له: قد تبعض الإفساد فيما لا تبعض. أصله: الوضوء؛ ألا ترى أنه إذا مسح على خفية ثم خلعه فقد بطلت طهارة رجليه ولم يبطل ما مضى من طهارة باقي الأعضاء؟؛ فأنتفض ما ذكروه.
على أن الإحرام يمضي في فاسدة وتتعلق به من الأحكام ما تتعلق بالصحيح، وليس كذلك سائر العبادات.
ولسنا نعني بقولنا أنه فسد ما نعنيه بالفساد قبل التحلل، ولعمري إن الفساد قبل التحلل لا تبعض، وإنما نريد أنه يأتي بهذا الركن في إحرام قد حصل فيها فساد بعد التحلل وقبل كماله؛ فلم يبلغ به أن يكون كوروده على كمال حرمته وانعقادها قبل التحلل. والله أعلم.
فأما وجوب الهدى: فما رواه مالك عن أبي الزبير المكي عن عطاء بن أبي رياح عن ابن عباس أنه سئل عن رجل وقع على أهله وهو بمبنى قبل أن
[ ٢ / ٢٣٠ ]
يفيض فأمره أن ينحر بدنه.
ولأنه أوقع نقصُا في حجة بإتيانه بالطواف في إحرام قد أفسد بقيته؛ فوجب أن يجبره بالهدى.
والله أعلم.
* * *
فصل
إذا أفسد حجه عليه القضاء والهدى، ولا خلاف بين المسلمين في وجوب القضاء إذا كان الحج فرضًا أو نذرًا؛ لأن الفرض باق في الذمة على ما كان عليه؛ لأنه كان يلزمه أداء حجة صحيحة، والفاسد لا يبرئ من الصحيح.
وإن كان الحج تطوعًا فالقضاء واجب أيضًا؛ لأن التطوع يلزم بالدخول [ق/١٥٩] فيه، فإذا أفسده وجب قضاؤه، بناء على العبادات كلها؛ لأن كل عبادة لزمت بالدخول فيها لزم قضاؤها.
وأما الهدى فلأنه لما كان يجب بالنقص الذي يوقعه من ترك شعيرة من شعائره كان النقص بالفساد أولى بأن يجب به.
ولأن تأخر الحج عن وقته بالفوات يوجب الهدى؛ فكذلك بالفساد.
وقد روى ذلك عن عمر، وعلي، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة (﵁) أنهم سئلوا عمن أصاب أهله وهو محرم فقالوا: عليهما حج قابل، والهدى.
[ ٢ / ٢٣١ ]
وروى ابن عبد الحكم عن ابن لهيعة عن يزيد عن أبي حبيب عن حرملة عن سعيد بن المسيب أن رجلًا من جذام جامع امرأته وهما محرمان فسأل الرجل رسول اللهﷺ- فقال رسول اللهﷺ-:"أتما حجكما وأرجعا، وعليكما حجة أخرى وهديان".
* * *
فصل
والهدى الذي يجب بفساد الحج بدنه. فإن أخرج شاة مع القدرة على البدنة فقال مالك: يجزئه على تكره منه.
وقال أبو حنيفة فيما حكاه والكرخي: عليه شاة، والبقرة والجذور أفضل.
وعند الشافعي أن الواجب بدنه لا يجوز غيرها.
والذي يدل على وجوب بدنه أنه مذهب الصحابة ﵃.
وروى أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حفص عن أشعت عن الحكم عن علي﵁- قال: على كل واحد منهما بدنه.
وروى شريح بن النعمان عن عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مليكه قال: سأل رجل ابن عباس فقال: إني أصبت أهلي بعد رمى الجمرة. فقال: أمعك راحلة؟ قال: نعم. قال: أنحرها.
وذكر أصحابنا عن عمر، وابن عمر. ولا مخالف لهما نعلمه.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
ولأنه وطء صادف إحرامًا منعقدَا لم يتحلل منه شيء؛ فوجب أن يلزمه بدنه إذا كان قادرًا عليها.
دليله: إذا وطئ بعد الوقوف وقبل الرمي؛ لأن أبا حنيفة يقول: إذا وطئ قبل الوقوف أفسد حجه، وعليه بدنه.
ولأن الوطء قبل الوقوف أكد حكمًا وأغلظ أمرًا من الوطء بعد الوقوف؛ لأن الوطئ قبل الوقوف متفق على فساد الحج به، وهو بعد الوقوف مختلف فيه، فإذا لزمنه البدنة في الحال الأخف كانت في الحال الأثقل أولى.
ولآن البدنة لما وجبت على القرآن للنص الذي أوقعه بجمعه بين الحج والعمرة في إحرام واحد مع صحة حجة كانت بأن تجب مع النقض بالفساد أولى.
فإن قيل: لما كان الفساد معنى يجب به قضاء الحج والقضاء في الأصول قائم مقام المقضي وجب إذا أتى بالقضاء على الوجه الذي كان أتى بالمقضي أن لا يلزمه حق آخر. وهذا هو مقتضى القياس؛ كمن نذر شهرًا معينًا فأفطره لا يلزمه أكثر من القضاء.
فإذا ثبت ذلك كنا لو تركنا القياس لا يوجب عليه سوى القضاء. فلما قامت دلالة لي وجوب الشاة لم يجب ما زاد عليها إلا بدلالة. قيل له: قد تعلق في الأصول بالقضاء الكفارة فلا يسلم قولهم أن القياس يقتضي ألا شيء عليه؛ لكون القضاء قائمًا مقام المقضي؛ لأن القضاء قد يكون ناقصًا عن المقتضي أيضًا؛ لأن القضاء قد يكون ناقصًا عن المقتضي أيضًا كمن أخر
[ ٢ / ٢٣٣ ]
قضاء رمضان عن وقته.
على أنهم اتفقوا على وجوب دم عليه فسقط تعلقهم بالأصل.
فإن قيل: إن قضاء رمضان لا يمكن أن يؤتي به على الوجه الذي كان يأتي بالمقضي؛ لأنه لا تحصل له حرمة الوقت.
قلنا وكذلك الحج إذا أحرم به في سنة فقد لزمه إتمامه، ويثبت الموقوف حرمة الإحرام فليس يقدر أن يأتي بالقضاء في ذلك الوقت.
على أن القضاء لو كان يقوم مقام المقضي لسقطت الكفارة على ما قلناه.
فإن قيل: لو أوجبنا البدنة لكنا قد غلطنا عليه من وجهين: بإيجاب القضاء، وإيجاب البدنة؛ لأن القضاء إيجابه تغليظ، والبدنة تستحق على وجه التغليظ، والجمع بينهما في كفارة الحج خلاف الأًول.
قيل له: هذا لا معنى له؛ لأن إيجاب الكفارة نفسها تغليظ، وكذلك إيجاب شاة تغليظ أيضًا يجب على قولهم ألا تجمع عليه.
وعلى أنهم يقولون: إذا كرر الوطء في مجلس واحد لزمته بدنه.
وعلى أن الأصول لا تنفى التغليظ بوجهين وأكثر؛ كالوطء في شهر رمضان عليه القضاء والكفارة، وكالقاتل خطأ عليه الدية والكفارة.
فبطل ما قالوه.
فإن قيل: إذا لم يتعلق بالفوات بدنه؛ فكذلك الإفساد؛ لأن كل واحد منهما يوجب القضاء.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
قيل له: يلزم عندنا بالفوات بدنه؛ فسقط السؤال، لو لم نقل ذلك لجاز أن يفرق بينهما؛ لأن الفوات أخف حالًا من الإفساد؛ لأنه يمكن أن يقيم فيه على إحرامه ليحج الله في العام المقبل، ولا يمكن مثل ذلك في الإفساد؛ لأنه لا يقام على إحرام فاسد، ولأن الفوات في الغالب يقع غالبًا لا عن قصد؛ لأنه إما أن يكون لصد عدو أو مرض أو مانع أو خطأ وقت، والوطء الذي يتعلق به الإفساد لا يكون في الغالب إلا عن قصد؛ فجاز أن يغلظ فيه ما لا يغلظ في الفوات.
فإن قيل: لما لم تجب في اللبس والطيب بدنه لم تجب في الوطء. والمعنى في الجميع أنه فعل محظور في حال الإحرام لأجل الإحرام.
قيل له: ينتقض على أصولكم بالوطء بعد الوقوف؛ لأن فيه بدنه عندهم مع وجود العلة.
ولأن المعنى في الأصل أنه لا يوجب فسادًا فلم يغلظ فيه بالكفارة، وليس كذلك الوطء؛ لأن الفساد يتعلق [ق/١٦٠] به، على أن هذا يلزم على أصلهم من قبيل أن جنس اللباس والطيب لما كان لا يفسد الحج لم يختلف الحكم فيه قبل الوقوف وبعده في أن ما يجب به على حد واحد في الموضعين فيجب أن الوطء الذي يتعلق به فساد الحج حكمه فيما يجب به قبل الوقوف وبعده. وقد بينا أن من قولهم أن من وطئ بعد الوقوف فعليه بدنه؛ فيجب أن يكون كذلك الوطء الذي يجب به الإفساد.
والله أعلم.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
فصل
إذا أفسد حجه أو عمرته مضى فيها ولم يخر بالفساد من إحرامه وهو على ما كان عليه فيأتي ببقية أفعال الحج والعمرة.
وحكي عن عطاء أنه إذا وطئ قبل عرفة رفضه، وابتدأ إحرامًا جديدًا، ولم يلزمه أن يأتي ببقية أفعاله. وتعلق من ذهب إل ذلك بقوله (ﷺ): "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو باطل".
وروى: "فهو رد".
وإذا ثبت بطلان هذا الإحرام بالوطء فيه لزم الخروج منه وترك المضي فيه.
ولأن الحكم بفساد العبادة يمنع المضي في بقيتها؛ اعتبارًا بسائر العبادات.
والدليل على صحة قولنا: إجماع الصحابة (﵃)؛ لأنه روى عن عمر، وعلى رضوان الله عليهما، وابن عباس وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وأبي هريرة. ولا مخالف لهم.
وروى عن يزيد [بن] جابر قال: سألت مجاهد عن المحرم بواقع امرأته فقال: كان ذلك على عهد عمر- رضوان الله عليه- فقال: يقضيان حجهما، والله أعلم بحجهما، ثم يرجعان حلالًا، فإذا
[ ٢ / ٢٣٦ ]
كان من قابل حجا وأهديا.
وقال مالك: بلغني أن عمر وعليًا وأبا هريرة ﵃ سئلوا عن ذلك فقالوا: ينفذان لوجههما حتى يقضيا حجمها، ثم عليهما حج قابل الهدي.
وروى عن عبد الله بن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: أتى رجل عبد الله بن عمرو فسأله عن محرم وقع بامرأته فأشار إلى عبد الله بن عمر فلم يعرفه الرجل. فقال شعيب: فذهبت معه فسأله فقال: بطل حجه. قال: فيقعد؟ قال: لا بل خرج مع الناس فيصنع ما يصنعون، فإذا أدركه قابل حج وأهدى. فرجعنا إلى عبد الله بن عمرو فأخبرناه فأرسلنا إلى ابن عباس. قال شعيب: فذهبت معه فقال مثل ما قال ابن عمر. فرجع إليه فأخبره فقال الرجل: ما تقول أنت؟ قال: مثل ما قالا.
فحصل من الخبر قول ثلاثة من الصحابة: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو.
وروى حماد بن سلمة عن حميد عن أبي الطفيل أن رجلًا قال لجبير بن مطعم أنه وقع على أهله وهو محرم فغلظ عليه وشدد، فلما مضى دعاه ابن عباس فقال: إن هذا قد شدد عليك وغلظ أتفعل ما أمرك به؟ فقال:
[ ٢ / ٢٣٧ ]
لو أمرت بنار فأججت ثم أمرتني أن أقتحمها لفعلت. فقال: الأمر أيسر من ذلك؛ اقضيا حجكما هذا، وحجا من قابل، واهديا هديين.
ومن طريق آخر: اقتضيا ما بقى عليكما من نسككما، وعليكما الحج من قابل.
ويدل على ما قلنا أيضًا: أن الفساد سبب يجب معه قضاء الحج؛ فوجب ألا يخرج به من الإحرام.
أصله: الفوات؛ وذلك أن الحج إذا فاته لم يخرج من الإحرام به، بل يكون مخيرًا بين أن يتحلل بعمل العمرة أو يبقى إحرامه إلى قابل.
فإن قيل: ألستم تقولون في الفوات أنه لا يمضي في بقية الحج، ولا يلزمه المبيت بمنى ولا رمى الجمار ولا غير ذلك من توابع الوقوف؟ أو ليس هذا خروجًا من الحج بالفوات.
فإن قيل: ألستم تقولون في الفوات أنه لا يمضي في بقية الحج، ولا يلزمه المبيت بمنى ولا رمى الجمار ولا غير ذلك من توابع الوقوف؟ أو ليس هذا خروجًا من الحج الفوات؟
قلنا: ليس الأمر كذلك من قبيل أن الفوات لا يخرج به من الإحرام؛ بدلالة ما ذكرناه أنه لو أقام على إحرامه إلى قابل لكلن له ذلك، ولكن جعل له أن يتحلل بالطواف والسعي.
فأما سقوط الرمي عنه والمبيت فلسقوط الوقوف الذي هذه توابعه، وليس ذلك بخروج من الإحرام، والحج الفاسد بخلاف ذلك؛ لأنه يأتي فيه بالوقوف وإن كان لا يجزئه؛ فلذلك يأتي بتوابعه.
فأما الخبر فلا تعلق فيه؛ لأنه يوجب أن يكون المردود هو المنهي عنه الذي ليس عليه أمره- وهو الوطء- وهذا لا يوجب الخروج من العبادة.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
فإن قالوا: إذا ثبت أنه منهي عنه ثبت فساد العبادة فيه، والفساد لا يمضي فيه.
قلنا: هذا بعينه موضع الخلاف فكيف يجوز أن يحتج به فيه؟
فأما الصوم فإنه يمضي في فساده عندنا، وأما الصلاة وغيرها فإنه يخرج منها بالقول، واعتقاد القطع؛ فصح أن يخرج منها بالفساد، وليس كذلك الحج؛ لأنه لا يخرج منه بالقول، ولا بنية القطع فلم يخرج منه بالفساد، والله أعلم.
[] فسد حجة بالوطء وجب عليه الهدى، إن وطئ بعد ذلك فلا كفارة عليه [] المجلس أو بعده كان قد كفر عن الأولى أم لا.
وقال أبو حنيفة [] ومرة بعد مرة في مجلس واحد فعليه لكل مرة دم- وهو شاة-، إلا أن [] الجماع الثاني على وجه الرفض للحج والقطع له والإحلال فإنه لا يلزمه إلا دم واحد.
وقال الشافعي: إن كان قد كفر عن الأول فعليه للوطئ الثاني كفارة، وإن كان لم يكفر عن الأول حتى وطئ ثانيًا فله قولان:
أحدهما: لا كفارة.
والآخر أن عليه الكفارة.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
وعندنا أن الهدى يجب بالوطء الذي به يقع الفساد دون ما بعده.
واستدل من خالفنا بأن قال:
إن فساد الحج لا يمنع بقاء حظر الوطء، وإذا ثبت حظر الوطء لحرمة الإحرام كان بمنزلة الوطء الأول في وجوب الكفارة به. ولأنه لما وجبت [ق/ ١٦١] الفدية باللبس والطيب وإن كان الحج فاسدا [] الإحرام كذلك تجب الكفارة في تكرار الوطء؛ لأنه ممنوع بعد الفساد للإحرام.
ولأن الوطء الثاني يتعلق به جميع أحكام الوطء لإفساد الإحرام، ووجوب الكفارة غير موقوف على حكم الفساد.
دليله:" اللبس والطيب.
ولأن وطئ الثاني وطئ عمد صادف إحرامًا لم ينحل منه شيء؛ فوجب أن تتعلق به الفدية كالوطء الأول.
ولأن الوطء إتلاف فجاز أن يتكرر الهدى بتكرره كقتل الصيد.
والدليل على ما قلناه: أن الكفارة تجب بالوطء في الحج لأحد أمرين: إما للفساد، وإما للتأخير.
وكل ذلك مستقر بالوطء الأول، لاحظ للثاني فيه؛ فلم تتعلق به الكفارة؛ لأن الفساد لا يتكرر، وكذلك التأخير.
أصله: إذا وطئ بعد التكفير عن الأول.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
وعلى وجه الرفض للحج مع أبي حنيفة.
ولأنها عبادة يفسدها فوجب إن أوقع الفساد به وتعلقت الكفارة بوقوعه ألا تلزم كفارة بتكراره.
أصله: الصوم.
فإن قيل: إنما وجب ذلك في الصوم؛ لأنه لا يمضي في فساده فالوطء لا يصادف عبادة، وليس كذلك الحج؛ لأنه يمضي في فساده، فالوطء فيه قد صادف عبادة.
قيل له: الصوم يمضى في فساده عندنا.
فأما قولهم أن الوطء الثاني محظور لحرمة الإحرام فهو كالوطء الأول: فالجواب عنه أن مجرد حظر الوطء ليس هو الموجب للكفارة، وإنما الموجب للكفارة حصول الفاسد به، وذلك معنى يختص بالوطء الأول لا يتكرر.
واعتبارهم باللباس والطيب باطل من قبيل أن المعنى الموجب له يتكرر بتكرره؛ وهو حصوله في إحرام صحيح أو فاسد، وهذا المعنى يتكرر فتعلقت الكفارة به وليس كذلك الوطء. لأن المعنى الذي أوجبت الكفارة فيه هو فساد الحج به وذلك لا يتكرر في الحج كتكرر معنى [].
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون المعنى في الوطء هو المعنى في اللبس والطيب واستحالة وقوعه في إحرام فاسد أو صحيح.
قيل له: أنكرنا ذلك؛ لأنه تعليل فاسد؛ لأن الكفارة الواجبة بالوطء
[ ٢ / ٢٤١ ]
في العبادات متعلقة بإفساد العبادة؛ اعتبارًا بالصوم وغيره؛ ألا ترى أنه إذا وطئ فيه وتعلقت به الكفارة ثم وطئ ناسيًا لم يفسد؛ لأن المعنى الموجب للكفارة تعلق الإفساد بالوطء.
فأما قولهم: إن وجوب الكفارة غير موقوف على حكم الفساد؛ اعتبارًا باللبس والتطيب: فغير صحيح؛ لأن اللبس والتطيب لا يتعلق بهما إفساد أصلًا، وليس كذلك الوطء؛ لأنه يتعلق به الإفساد؛ فجاز أن تكون الكفارة موقوفة عليه.
واعتبارهم بالوطء الأول ينتفض به إذا كان كفر من الأول.
ولا تأثير لقولهم وطئ عمد؛ لأن الوطء على شبهة النسيان يفسد الحج كالعمد. والمعنى في الأصل أنه يحصل به الفساد، وليس كذلك الثاني وقولهم إن الوطء إتلاف كالصيد: لا معنى له؛ لأن المعنى الموجب للكفارة بإتلاف الصيد يتكرر، وليس هو الفساد الذي لا يتكرر، والوطء الذي لا يوجب الفساد ليس فيه المعنى المقتضي لوجوب الكفارة؛ فلم تجب به.
والله أعلم.
قال القاضي: قد ذكرنا جملًا من مسائل الوطء وإفساد الحج وما يتعلق به من الأحكام، ورأينا الاقتصار على قدر ما ذكرناه دون استيفاء جميع ما في الباب؛ إيثارًا للاختصار، وتفريقًا بين هذا الكتاب وبين الكتب الكبار؛ لأن مصنفه قصد به التقريب على المتعلمين والتخفيف على المبتدئين؛ فيجب أن يكون الكلام عليه على هذا الوجه أيضًا. وبالله التوفيق.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
ثم عدنا إلى مسائل الكتاب قلنا: وأما الطيب فلا خلاف أيضًا في منعه للمحرم، وتعلق الفدية به إذا فعله في الجملة؛ ويدل عليه نهيه ﷺ عن الإحرام في ثوب قد مسه زعفران أو ورس.
ولأن الطيب من دواعي الجماع، ومن منع الجماع لحرمة عبادة ومنع من سببه الذي هو النكاح منع من دواعية كالمعتدة.
وأما لبس المخيط فإن المحرم ممنوع أيضًا من قليله وكثيره إذا لبسه على هيئته.
والدليل على ذلك:
ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن رجلًا سأل رسول اللهﷺ ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول اللهﷺ-: "لا يلبس القميص، ولا العمائم، ولا السروايلات".
ولا خلاف في منع ذلك للرجال دون النساء.
* * *
فصل
وأما قتل الصيد فلا خلاف أيضًا في منع المحرم منه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾. وهذا نهى.
وقوله سبحانه عقيبه: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من
[ ٢ / ٢٤٣ ]
النعم﴾ إلى قوله: ﴿ليذوق وبال أمره﴾.
وقوله ﷿: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾.
وقوله ﷿: ﴿غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾.
وروى أن النبيﷺ- أهدى إليه لحم صيد فرده، وقال: "أنا محرم". وكذلك قتل الدواب، وإلقاء التفث هو ممنوع منه أيضًا حتى يحل.
ولهذه الجملة تفصيل يرد فيما بعد إن شاء الله.
* * *
مسألة
قال ﵀: "ولا يغطى رأسه في الإحرام ولا يحلقه إلا من ضرورة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀-: أما منع تغطية الرأس للمحرم فلا خلاف فيه أعلمه [ق/١٦٢] للرجال دون النساء.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
والأصل في ذلك نهى رسول اللهﷺ- عن لبس العمائم والبرانس، ثم اتصال العمل بذلك من غير خلاف [] وبقى مدة ينتفع [] بتغطيته فيها فإنه يفتدى.
وأما منعه من حلق رأسه إلا من ضرورة فلا خلاف فيه أيضًا.
والأصل فه قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾، وقوله ﷿: ﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم﴾ يعني: بعد نحر الهدايا يوم النحر.
فإن كانت به ضرورة جاز ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ فمعناه: مخلق فأباح ذلك مع الضرورة.
وروى أن النبيﷺ- أباح لكعب بن عجزة عندما رأى به من الأذى أن يحلق رأسه، وأمره بالفدية.
وسنذكر ذلك فيما إن شاء الله
* * *
[ ٢ / ٢٤٥ ]
مسألة
قال ﵀: "ثم يفتدى بصيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين؛ مدين لكل مسكين، أو ينسك بشاة يذبحها حيث شاء من البلاد".
قال القاضي ﵁: والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسكٍ﴾ معناه: فحلق فأوجب الله تعالى الفدية في ذلك بالأصناف التي ذكرها، وخير المكلف فيها باللفظ الموضوع للتخيير- وهو حرف أو- فوجب كونه مخيرًا فيه.
ثم بين النبيﷺ- مقدار الفدية وصفتها وما أجمل في الظاهر من أحكامها؛ فروى مالك عن عبد الكريم بن مالك عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أنه كان مع النبيﷺ- فأذاه القمل في رأيه فأمره رسول اللهﷺ- أن يحلق رأسه، وقال: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين مدين لكل إنسان، أو انسك بشاة أي ذلك فعلت أجزأ عنك".
وروى حماد بن زيد عن أيوب عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عن كعب قال: أتى على رسول اللهﷺ- زمن الحديبية وأنا أوقد تحت برمة لي،
[ ٢ / ٢٤٦ ]
والقمل يتناشر على وجهي. فقال: "أتؤذيك هوام رأسك؟ " فقلت: نعم. فقال: "احلق وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك بنسيكة" لا أدري بأيها بدأ.
وروى مالك عن حميد بن قيس عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عن كعب أن رسول الله ﷺ- قال: "لعلك أذاك هوام رأسك؟ " فقلت نعم فقال رسول اللهﷺ-: "احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين، أو انسك بشاة".
وروى داود بن أبي هند عن الشعبي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أن رسول اللهﷺ قال: "إن شئت فانسك بنسيكة، وإن شئت فصم ثلاثة أيام، وإن شئت فأطعم ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين".
فلهذا قال: إن الفدية واجبة، وإنها تكون إطعامًا أو صيامًا أو نسكًا، وإن للصائم ثلاثة أيام، وإن الإطعام مدان لكل مسكين لستة مساكين، وإنه مخير في ذلك غير مستحق عليه ترتيب فيه.
* * *
فصل
ولا خلاف بينا وبين أي حنيفة والشافعي في أن الصيام في ذلك جائز في كل موضع، وإنما الخلاف في الإطعام والذبح؛ فعندما أنهما بمثابة
[ ٢ / ٢٤٧ ]
الصيام له أن يفعلها حيث أحب.
وعند أبي حنيفة أن الإطعام يكون حيث أحب، وأن النسك لا يكون إلا بمكة.
وعند الشافعي إن النسك والإطعام لا يجزآن إلا بمكة.
والذي يدل على ما قلناه: قوله تعالى: ﴿ففديه من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ﴾؛ فأطلق ولم يقيد؛ فوجب أن يكون كل ليه أتى به فإنه يجزئ عنه، سواء كان في الحرم أو غيره.
ويدل على ذلك ما روى مالك عن يحيى بن سعيد عن يعقوب بن خالد المخزومي عن أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر أنه كان مع عبد الله بن جعفر معه من المدينة فمروا على حسين بن علي﵄- وهو مريض بالسقيا فأقام عليه عبد الله بن جعفر حتى إذا خاف الفوات خرج وبعث إلى علي بن أبي طالب رضوان الله عليه- وأسماء بنت عميس وهما بالمدينة فقدما عيه ثم إن حسينًا أشار إلى رأسه فأمر علي بن أبي طالب- رضوان الله عليه- برأسه فحلق بالسقيا ونسك عنه فنحر بعيرًا.
وهذا فعل صحابي إمام لا مخالف له.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
ويدل عليه أنه نوع من كفارة الأذى؛ فجاز الإتيان به بمكة وغيرها. أصله الصيام.
* * *
مسألة
قال محمد بن الحسن محتجًا لأبي حنيفة: كيف يكون النسك بغير [] إنما النسك من الحج؛ ألا ترى أنه يقال: مناسك الحج ونسك الحج إنما هذا [] من نسك الحج؛ فلا يجزئ أن يذبح ذلك [] حيث يذبح الهدى.
فالجواب عن هذا ما أجاب به القاضي إسماعيل [] من أن النسيكة هي الذبيحة كانت هديًا أو غير هدى.
وليس كل نسيكة [] والعقائق نسك، وليست بهدايا، وفعلها جائز في كل مكان، ولو [].
فإن قيل: فإن هذه النسك هدى؛ فيجب ألا يكون بمكة [ق/
[ ٢ / ٢٤٩ ]
١٦٣]، والدليل على أنه هدى قوله ﷺ لكعب بن عجرة: "أمعك هدى؟ " قال: لا. قال: "فصم ثلاثة أيام". قال كعب: وفي نزلت: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه﴾، ولو كان معي درهما لو جهدت بهما هديًا.
قيل له: ليس في سؤاله عن ذلك ما يقتضي أنه واجب عليه هناك؛ لأنه قد يسأله عن الاستحباب كما يسأله عن الإيجاب؛ ألا ترى أنه نفله إلى الإطعام والصيام عند عدمه.
وقد اتفقنا على أنه مخير مع وجود النسك بينه وبين الإطعام والصيام.
فإن قيل: لأنه دم وجب لحرمة الإحرام فأشبه جزاء الصيد.
قيل له: المعنى في ذلك كونه هديًا؛ فلذلك وجب فعله بمكة دون غيرها.
على أن اعتبار الكفارة بجنسها أولى من اعتبارها بغيرها.
والله أعلم.
* * *
[ ٢ / ٢٥٠ ]
فصل
فأما قوله إن النسك شاة؛ فلأن الله تعالى ذكره قال: ﴿أو نسك﴾ فأطلق.
وروى عن النبي -ﷺأنه قال لكعب بن عجرة: "انسك بشاة".
وروي أنه ﷺ قال: أمعك هدى؟ قال: لا. قال: "انسك ما استيسر لك فدل ذلك على أنه غير مقدر، وأنه على حسب الميسور.
والله أعلم
* * *
مسألة
قال ﵀: "وتلبس المرأة الخفين والثياب في إحرامها؟ "
قال القاضي ﵁: وهذا لما رواه ابن عمر عن النبي -ﷺأنه نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مسه الورس، وقال: "لتلبس بعد ذلك ما أحبت من الثياب من قميص أو سراويل أو خفين".
وروى عن عائشة -﵂أن امرأة سألتها: ما تلبس المحرمة من الثياب؟ فقالت: لك الخفان والسراويل، ونهيت عن الكحل والنقاب.
[ ٢ / ٢٥١ ]
وتفارق الرجل؛ لأن بدنها عورة فالغالب أنه لا يستر إلا بالمخيط؛ فجاز لها لبسه، ولا أعلم خلافًا في ذلك.
* * *
مسألة
قال ﵀: "وتجتنب ما سوى ذلك مما يجتنب الرجل".
قال القاضي ﵁: يعني من الطيب، وقتل الصيد، وإلقاء التفث، وغير ذلك؛ للاتفاق على تساويهما في هذه الأحكام.
مسألة
قال ﵀: "وإحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في وجهه ورأسه".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب -﵀ -: لا خلاف في منع المحرمة من تغطية وجهها؛ ويدل عليه نهيه ﷺ النساء عن القفازين والنقاب.
وروى أنه -ﷺ قال: "إحرام المرأة في وجهها".
[ ٢ / ٢٥٢ ]
ولا خلاف أيضًا في منع المحرم الرجل من تغطية رأسه، وقد بينا ذلك فيما سلف.
فأما تغطية الرجل وجهه في الإحرام فإنه ممنوع منه ندبًا، إلا أنه إن غطاه فقد أساء، ولا كفارة عليه واجبة وذلك ما فوق الذقن.
وعن أبى حنيفة أنه واجب عليه كشف وجهه كوجوب كشف رأسه.
وعند الشافعي أنه ليس عليه كشف وجهه في الإحرام.
وإنما قلنا: إن عليه كشف وجهه من طريق السنة؛ لقوله ﷺ: "المحرم أشعث أغبر" فجعل من وصفه أن يكون كذلك؛ فيقضي نفي كل ما نفى عنه هذا المعنى. والوجه اختص بهذا المعنى من غيره من الأعضاء.
وروى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرم.
ولأنه محرم؛ فأشبه المرأة.
فإن قيل: إن ابن عمر إنما ذهب إلى ذلك؛ لاعتقاده أنه من الرأس لا لأن الوجه يجب تغطيته.
قلنا: لا نظن بابن عمر أن الوجه يسمى رأسًا.
على أن الفرض تغطية ما فوق الذقن دون تسمية، وأنتم تقولون: لا يغطى على كل الوجه.
فإن قيل: فقد روى مالك عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد
[ ٢ / ٢٥٣ ]
عن الفرافصة بن عمير الحنفي أنه رأي عثمان -رضوان الله عليه -بالعرج يغطى وجهه وهو محرم.
قيل له: قد يفعل الصحابي ما الأولى غيره لضرب من العذر؛ فلا تعلق في هذا.
فإن قيل: لأنه شخص تعلق به حكم الإحرام؛ فوجب ألا يلزم كشف عضوين؛ اعتبارًا بالمرأة.
قيل له: المرأة يلزمها كشف عضوين عندنا وهما: الوجه والكفان؛ حتى إن لبست القفازين لزمتها الفدية.
فأما تعلق الفدية بتغطية الوجه: فالذي نص عليه مالك أن إحرام الرجل في وجهه ورأسه، وأنه لا يغطى رأسه ولا وجهه، وأنه إن غطى رأسه فكأنه من حر أو برد افتدى.
وقال ابن المقسم: لم أسمع منه في الفدية إذا غطى وجهه شيئًا، وأنا أرى ألا فدية عليه؛ لما جاء عن عثمان -رضوان الله عليه -أنه كان يغطي وجهه وهو محرم. وفيه نظر.
* * *
مسألة
قال ﵀: "ولا يلبس الرجل الخفين، إلا أن لا يجد نعلين
[ ٢ / ٢٥٤ ]
فليقطعهما أسفل من الكعبين".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب -﵀: وذلك لما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن رجلًا سأل رسول الله -ﷺ -: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال ﷺ: "لا يلبس المحرم القمص ولا السراويلات ولا الخفاف، إلا أن لا يجد نعلين فيلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين".
ولا خلاف في منع ذلك مع وجود النعلين، وأن الفدية تتعلق به.
فأما إذا عدم النعلين لبس الخفن، وقطعهما أسفل من الكعبين؛ لما رويناه في الحديث.
ولا خلاف أيضًا في جواز ذلك وأنه لا فدية فيه.
فأما إذا لبسهما مع عدم النعلين من غير قطع وجب عليه الفدية كما لو لبسهما مع وجود النعلين هذا قولنا، وقول أبى حنيفة والشافعي [ق/ ١٦٤]، وكافة الفقهاء.
وحكى عن قوم من أصحاب الحديث أنه إذا لم يجد النعلين لبس الخفين التامين ولم يقطعهما؛ لما رواه أبو الزبير عن جابر، وجابر بن زيد عن ابن عباس أن رسول الله -ﷺقال: "إذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين"؛ فأطلق ولم يأمر بالقطع.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
قالوا: ولأن في ذلك إضاعة المال وإتلافه -أعنى: قطعه أسفل من الكعبين؛ فوجب ألا يلزمه.
قالوا: ولأنه لما جاز له عند عدم الإزار أن يلبس السراويل على جهته من غير أن يفتقه، ثم جاز له عند عدم النعلين أن يلبس الخفين وجب جواز لبسه لهما على جهتهما من غير أن يقطعهما.
والدلالة على ما قلنا: ما رويناه من حديث ابن عمر أن رسول الله -ﷺقال: "إلا أن لا يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين"؛ ففي هذا دليلان:
أحدهما: أنه أمر بالقطع، وذلك على الوجوب.
والآخر: أنه استثناء من حظر على صفة -وهي القطع -فدل ذلك على أن ما خالفه على أصله الذي هو المنع. ولأنها حال إحرام من رجل؛ فوجب ألا يجوز فيها لبس الخف التام مع القدرة على قطعه؛ اعتبارًا بحال وجود النعلين.
فأما خبرهم فإنه مجمل، وخبرنا مفسر.
فأما قولهم أن ذلك إضاعة المال: فغلط؛ لأن أوامر الشرع إذا تعلقت بإتلاف لم يكن امتثالها إضاعة.
واعتبارهم بالسراويل باطل؛ لأن الغرض منه ستر العورة، وإذا فتق لم يوجد منه هذا المعنى.
على أن السروال إذا لبس على جهته ففيه الفدية عندنا؛ لأنه ليس ما ينوب عنها، وقطع الخفين حال العذر بانت الفدية.
وبالله التوفيق.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
مسألة
قال ﵀: "والإفراد بالحج أفضل عندنا من التمتع ومن القران، فمن قرن أو تمتع من غير [أهل] مكة فعليه هدى يذبحه أو ينحره بمنى أن [أوقفه] بعرفة.
وإن لم [يوقفه] بعرفة فلينحره بمكة بالمروة بعد أن يدخل به من الحل. فإن لم يجد هديًا [فصيام] ثلاثة أيام في الحج [يعني] من وقت يحرم إلى يوم عرفة.
فإن فاته ذلك صام أيام منى وسبعة إذا رجع. وصفة التمتع أن يحرم [بعمرة]، ثم يحل منه في أشهر الحج، ثم يحج من عامه قبل الرجوع إلى أفقه أو إلى مثل أفقه في البعد.
ولهذا أن يحرم من مكة إن كان بها، ولا يحرم منها من أراد أن يعتمر متى يخرج إلى الحل.
وصفة القران أن يحرم بحجة وعمرة معًا، [ويبتدئ] بالعمرة في
[ ٢ / ٢٥٧ ]
نيته.
[فإن] أردف الحج على العمرة قبل أن يطوف ويركع فهو قارن.
وليس على أهل مكة هدى في تمتع [أو] قران.
ومن حل من عمرته قبل أشهر الحج ثم حج من عامه فليس بمتمتع".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي -﵁ -: اعلم أن إذا أجملنا مسائل الباب لتعلق الكلام على بعضها بالكلام على بعض، وللحاجة إلى تقديم بعض ما أخره صاحب الكتاب وتأخر بعض ما قدمه على ما رأيناه من حق الترتيب، ونحن نستوفى الكلام على جميعها، والله الموفق للصواب.
اعلم أن الإفراد عندنا أفضل من التمتع والقران. هذا قول جميع أصحابنا، وروى عن جماعة من الصحابة ﵃، والسلف ﵃.
وقال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: إن القران أفضل من الإفراد والتمتع.
ووافقنا الشافعي في أن الإفراد أفضل من القران، وله في الإفراد والتمتع قولان:
أحدهما: أن الإفراد أفضل مثل قولنا.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
والآخر: أن التمتع أفضل.
وحكى التنوخى عن إسحاق بن راهويه أنه إن ساق في قرانه هديا كان القران أفضل، وإن لم يسق هديًا كان الإفراد أفضل.
والاحتجاج لهذه المسألة يقع من طرق ثلاث:
أحدها: في صفة حج النبي -ﷺ -؛ فمن ثبت له ما يدعيه فيه ثبت ما ذهب إليه من الأفضل؛ لأنه ﷺ لم يحج بعد وجوب الحج عليه إلا مرة.
والطريق الثاني: في صفة القران والتمتع هل هو دم نسك أو جبران للنقص؟
والثالث: الاستدلال على عين المسألة؛ وهي أن الإفراد أفضل. فأما الاستدلال بصفة فعله، وأنه ﷺ أفرد الحج: فقد روى عن جماعة من الصحابة ﵄؛ منهم ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وعائشة.
وروى مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أن رسول الله -ﷺأفرد الحج.
ورواه مالك عن أبى الأسود عن عروة عن عائشة -﵂أن رسول الله -ﷺأفرد الحج.
وروى الدراوردى عن هشام بن عروة عن عائشة -﵂أنه ذكر لها
[ ٢ / ٢٥٩ ]
أن أنسًا يقول: قرن رسول الله ﷺ فقالت: كان أنس صغير. أفرد رسول الله ﷺ الحج. ولم يعتمر. فأما حديث ابن عمر: فروى أبو بكر بن خزيمة حدثنا جعفر بن محمد الثعلبي حدثنا عبد الله بن نافع الصائغ عن ابن حفص -وهو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب -رضوان الله عليه -عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله -ﷺوأبا بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف رضوان الله عليهم جردوا الحج ولم يتمتعوا ولم يقرنوا.
وروى [عبيد] الله عن نافع عن ابن عمر قال: أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج مفردًا.
وأما حديث جابر: فرواه عبد العزيز بن أبى حازم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي -ﷺأفرد الحج.
وروى ابن جريح عن عطاء عن جابر قال: أهللنا مع رسول الله -ﷺبالحج خالصًا.
وروى الليث بن سعد [ق/ ١٦٥] عن أبى الزبير عن جابر قال: أقبلنا مع رسول الله - ﷺمهلين بالحج مفردًا.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
وأما حديث ابن عباس: فروى شعبة عن قتادة عن أبى حسان الأعرج عن ابن عباس أن النبي -ﷺصلى الظهر بذي الحليفة، وقلد بدنة، ثم أوتى براحلته فلما استوت به بالبيداء أهل بالحج.
وفي بعض طرق حديث جابر أن النبي -ﷺقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدى ولجعلتها عمرة"؛ فدل ذلك على أنه محرم بحج مفرد. فإن قيل: معناه: لجعلتها عمرة مفردة.
قيل له: يحصل من هذا فضيلة التمتع على القران والإفراد؛ فهو عائد عليك.
وإذا ثبت بما ذكرناه من الروايات المستفيضة في صفة فعله ﷺ للحج أنه كان مفردًا علم أن ذلك هو الأفضل؛ لأنه ﷺ لم يحج بعد الفرض إلا حجة واحدة، وما لم يفعله إلا مرة في العمر فإنه لا يأتي به إلا على أفضل صفاته وأكمل وجهته؛ لأنه لو لم يفعل ذلك لترك الأفضل أصلًا، وهذا غير جائز وإنما يفعل ذلك في المواضع التي تتكرر منه؛ فيختلف فعله فيها؛ فمرة على الكمال ومرة على الجواز.
وقد اعترضوا على هذه الروايات بما روى في مقابلتها بما ينفيها؛ قالوا: والروايات الظاهرات أن رسول الله -ﷺكان قارنًا؛ فروى أبو داود حدثنا يحيى بن معين حدثنا حجاج حدثنا يونس عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب قال: كنت مع علي -رضوان الله عليه -حين أمره رسول الله -ﷺ
[ ٢ / ٢٦١ ]
-على اليمن، فلما قدم علي قال: أتيت النبي -ﷺفقال لي: "كيف صنعت؟ " قلت: أهللت بإهلال النبي -ﷺثم قال: "فإني قد سقت الهدى وقرنت". وهذا تصريح منه ﷺ بأنه كان قارنًا.
وروى علي بن الحسين عن مروان بن الحكم عن علي بن أبي طالب -رضوان الله عليه -أن النبي -ﷺقرن بين الحج والعمرة.
وروى يحيى بن أبى إسحاق عن النبي -ﷺأهل بحجة وعمرة.
وفي حديث آخر أنه قال: سمعته يقول: لبيك بحجة وعمرة معًا.
وروى يونس بن عبيد عن بكر بن عبد الله المزني قال: سألت أنسًا هل كان رسول الله -ﷺأهل بالحجج والعمرة؟ قال: نعم أهل بهما جميعًا، وكان يقول: "لبيك بحجة وعمرة".
وروى شعبة عن حميد بن هلال عن مطرف قال: قال لي عمران بن حصين: جمع رسول الله -ﷺبين الحج والعمرة.
وروى مروان بن معاوية عن إسماعيل عن عبد الله بن أبى أوفى قال: إنما جمع رسول الله -ﷺبين الحج والعمرة؛ لأنه علم أنه ليس بحاج بعد ذلك.
وروى الحجاج بن أرطاة عن الحسين بن سعد قال: حدثني ابن عباس
[ ٢ / ٢٦٢ ]
قال: حدثنا أبو طلحة قال: قدم رسول الله -ﷺقارنًا بالحج والعمرة.
وروى أبو بكر بن خزيمة قال: حدثنا العباس بن أبي طالب قال: حدثنا عبد الله بن عمران الأصبهاني حدثنا عكرمة بن عمار عن الهرماس بن زياد قال: سمعت رسول الله -ﷺيقول: "لبيك بعمرة وحجة معًا".
فهذه رواية جماعة من الصحابة ﵄: علي، وابن عباس، وأبو طلحة، وأنس، وعمران بن حصين، والهرماس، وابن أبى أوفى.
قالوا: وأما حديث جابر، وابن عمر: فقد اختلف عليهما فيه؛ فروى أبو الزبير عن جابر أن النبي -ﷺقرن بين الحج والعمرة، وطاف لهما طوافًا واحدًا.
وروى سلميان التيمى عن عطاء ونافع عن ابن عمر وجابر أن النبي -ﷺ إنما طاف بحجة وعمرة طوافًا واحدًا وسعى سعيًا واحدًا، ثم لما قدم مكة لم يسمع للصدر.
وقد روى عن ابن عباس مثل هذا أيضًا رواه ابن خزيمة قال: حدثنا يوسف بن موسى حدثنا عبد الله بن الجهم الرازي حدثنا عمرو بن أبى قيس عن الحجاج عن عطاء عن ابن عباس أن النبي -ﷺطاف طوافًا واحدًا بحج وعمرة.
فالجواب: عن هذه الأخبار من وجهين:
[ ٢ / ٢٦٣ ]
أحدهما: الترجيح.
والآخر: الاستعمال.
فإما الترجيح: فمن وجوه:
أحدها: أن أخبارهم قد تكلم فيها؛ فأما حديث علي -رضوان الله عليه -: فقيل: قد روى: "أما أنا فإني قد سقت الهدى وأفردت"، وهو رووه: "وأقرنت".
وأما حديث أنس: فقد أنكرت عليه عائشة، وابن عمر ذلك. وقالا: إنه كان صبيًا لم يضبط ما ينقله؛ لصغره.
وحديث ابن عباس: رواه الحسن بن سعد، وهو غير معروف. وقد روينا عنه من طريق صحيح. أنه أفرد الحج ﷺ.
على أنها لو تساوت في صحة السند وكثرة العدد لكانت أخبارنا أولى؛ لأن عائشة -﵂نقلت أن النبي -ﷺأفرد الحج، وأنكرت علي من قال إنه قرن، وادعت أنه لم يضبط ما قاله، ولها من الاختصا بالنبي ﷺ ومعرفة خلواته، والوقوف على الظاهر والباطن من أموره ما يعلم معه أنه لا يكاد يخفى عليها حال إحرامه؛ فكان نقلها أولى من نقل غيرها.
وحديث جابر نقل القصة من أولها إلى آخرها؛ فكان أقرب إلى الضبط.
ولأن في أخبارنا قولًا وفعلًا؛ وهو قوله ﷺ: "إني مفرد بالحج".
وقوله ﷺ: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدى
[ ٢ / ٢٦٤ ]
وجعلتها [ق/ ١٦٦] عمرة".
فأما الاستعمال: فيجوز أن يكون من روى أنه ﷺ قرن أراد أنه أتى بالعمرة بعد الفراغ من الحج، وأنه أتى بذلك في سفر واحد؛ كما روى أنه ﷺ جمع بين الصلاتين.
ويجوز أن يكون الراوي سمعه يأمر بالقران، وأضاف ذلك إليه؛ كما رآه أمر برجم ماعز فأضاف ذلك إليه.
وكذلك ما روى أنه ﷺ قال: "لبيك بعمرة وحجة" يحتمل أن يكون الراوي سمعه في وقتين.
وقوله: معا من عند الراوي؛ كما روى أنه نهى عن استقبال القبلتين؛ فالجمع بينهما في اللفظ من عند الراوي.
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه﴾ لم يرد أن إيمانه مع إيمانهم في وقت واحد.
وما روى أنه ﷺ طاف بحجة وبعمرة طوافًا واحدًا يحتمل أن يكون أراد لكل واحد منهما. وفي هذا نظر، والترجيح أولى.
فإن قيل: نحن نستعمل ما روى أنه أفرد الحج؛ فنقول: أفرد الإحرام.
قيل له: الإحرام عند أبى حنيفة ليس من الحج، وفي الخبر أنه أفرد الحج.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
على أن ابن عمر روى أنه لم يقرن، ولم يجمع.
وهذا يسقط استعمالهم.
فإن قالوا: إذا تعارض النافي والمثبت فالمثبت أولى.
قلنا: كلانا مثبت وناف؛ لأن رواة أخبارهم أثبتوا القران ونفوا الإفراد، ورواة أخبارنا أثبتوا الإفراد ونفوا القران؛ لا مزية لأحدهما على الآخر في نفي ولا إثبات.
هذا الكلام في أحد الطرق؛ وهو صفة إحرامه ﷺ.
فأما الطريقة الأخرى: فهي أن ندل على أن الإفراد أفضل. والذي يدل على ذلك ما رواه أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن قتادة عن أبى شيخ الهنائي أن معاوية بن أبى سفيان -﵀قال لأصحاب النبي -ﷺ -: هل تعلمون أن رسول الله -ﷺنهى عن ركوب جلود النمور؟ قالوا: نعم. قال: أتعلمون أنه نهى عن أن يقرن بين الحج والعمرة؟ قالوا: أما هذه فلا. قال: إنها معهن، ولكن نسيتم.
فإن قيل: أبو شيخ عن معاوية مرسل؛ بدلالة ما روى يحيى بن أبى كثير قال: حدثنا أبو شيخ النهائي عن أبى جمان أن معاوية قال: وذكر الحديث. قلنا: عنه جوابان:
أحدهما: على هذه الصفة قد اتصل، فيجب قبوله.
والآخر: إنه قد روى في الحديث ما يمنع ما قالوه؛ فروى ابن خزيمة
[ ٢ / ٢٦٦ ]
عن (أبي) موسى محمد بن المثنى حدثنا عثمان بن عمر أخبرنا بهس عن أبى شيخ قال: كنت عند معاوية وعنده ناس من المهاجرين الحديث.
ويدل على ذلك أيضًا أن الإفراد هو الأصل، والجمع رخصة وتخفيف؛ لأن الأصل إفراد كل عبارة على وجهها من غير خلطها غيرها. والإتيان بالعزيمة أولى من الرخصة.
ويبين ذلك أيضًا أن القارن والمتمتع يأتيان بالعمرة في أشهر الحج، وذلك رخصة وتخفيف؛ لأن العرب كانت تمنع من ذلك وتعتقده فجورا حتى أمر النبي ﷺ أصحابه ﵃ بفسخ الحج ونقلهم إلى العمرة.
وإذا صح أنه رخصة كان الأصل أفضل منها.
والذي يدل على ذلك أيضًا أن المفرد يأتي بأفعال النسكين على كما لهما وتمامهما، وليس كذلك القارن والمتمتع؛ لأنه يقتصر على فعل أحدهما في الجميع عندنا وفي البعض عند مخالفنا؛ لأن عندنا أنه يجتزئ لهما بإحرام واحد وطواف واحد وسعى واحد وحلاق واحد.
وعند أبى حنيفة في الحلاق والإحرام قضاء.
وإذا صح ذلك وجب أن يكون الإتيان بهما على الوجه الذي يقتضى كمالهما وتمامهما من غير تداخل أولى من أن يؤتى بهما على وجه التبعيض؛ لأن كثرة الثواب بكثرة الأفعال.
ويدل على ذلك أيضًا اتفاقنا على وجوب الدم في القران والتمتع وسقوطه في الإفراد، وذلك الدم إنما وجب جبرانًا للنقص الواقع في الحج؛ فوجب أن يكون الإتيان بالحج على وجه لا نقص فيه لا يحتاج إلى جبران
[ ٢ / ٢٦٧ ]
أفضل وأولى.
والذي يدل على أن الدم الواجب في ذلك للنقص والجبران أنه دم تعلق بالإحرام أو يختص وجوبه بالإحرام؛ فوجب أن يكون لنقص وجبران؛ اعتبارًا بدم الجزاء أو نسك الأذى.
ويدل عليه أيضًا أنه دم يجب بترك الميقات؛ فوجب أن يكون لنقص؛ اعتبارًا بالدم على من جاوز الميقات فأحرم؛ وذلك أن المتمتع إنما سمى بذلك لتمتعه بإسقاط أحد السفرين مع تقديم العمرة على الحج في شهوره؛ لأنه كان عليه في الأصل أن يسافر سفرًا للعمرة وسفرًا للحج، ولما جمعهما في سفر واحد كان ذلك نقصًا؛ بدلالة أنه لو عاد إلى بلده لسقط عنه الدم، وكذلك لو عاد إلى مثله في البعد.
فإن قيل: إن فضيلة العمل كثرة ثوابه، وقد تقرر أن البدر والمسارعة أكثر ثوابًا من التأخر عنها والإبطاء عن فعلها، ومعلوم أن المفرد يأتي بأحد النسكين بعد الآخر والقارن يأتي بهما جميعًا؛ فوجب بذلك أن يكون القران أفضل.
فالجواب: أن البدار الذي يكثر معه الثواب هو الذي تكثر معه الأعمال لا الذي يسقط الأعمال، وقد علمنا أنه إذا أتى بالنسكين على انفرادها فقد أتى بالعمل بكماله، وإذا أتى بهما مفترقين فقد أسقط أكثر العمل؛ فعاد ذلك بالعكس من الصواب [ق/ ١٦٧]، وصح أن الإتيان بأحدهما بعد الآخر يقتضي كثرة العمل الذي هو العلم على كثرة الثواب.
فإن قيل: لما كانت أشهر الحج أفضل من غيرها وأشرف، وكان الإتيان
[ ٢ / ٢٦٨ ]
بالعمرة فيها أفضل من الإتيان بها في غيرها، ووجدنا القارن يأتي بالعمرة في أشهر الحج؛ وجب أن يكون فعله أفضل من الإفراد.
فالجواب: أن الإتيان بالعمرة في أشهر الحج إنما هو رخصة وفي الحج عزيمة، وفعلها في غير أشهر الحج عزيمة، والأخذ بالعزيمة أولى.
وعلى أن شرف الوقت لا يقوم بإزاء سقوط أكثر العمل فكان الإتيان بها على وجه لا يسقط عملها أولى.
فإن قيل: إن القارن يفعل النسكين والمنفرد يأتي بأحدهما؛ فكان فاعل الأمرين أفضل.
قلنا: إن أردتم أنه يفعل النسكين بالنية فصحيح، ولكنه يؤدى إلى نقصان الأفعال؛ على ما ذكرناه، وقد بينا أن الإتيان بالعبادة على وجه يستوفى به عملها أفضل.
فإن قيل: إن الدم الواجب في القران دم نسك، وليست من أجل نقص ولا جبران؛ بدلالة أن أكله جائز؛ لقوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا﴾، وما أبيح أكله لم يكن جبرانًا؛ لأن الجبران لا يجوز أكله كفدية الأذى وجزاء الصيد.
فالجواب: أنا قد دللنا على كونه نقصًا وجبرانًا فيما سلف بما يغنى عن إعادته، وليس في جواز أكله ما ينفي كونه خسرانًا؛ كالدم الواجب على من أحرم به بعد تجاوز الميقات هو جبران ويجوز الأكل منه.
فأما ما نذر للمساكين فإنما لم يجز الأكل منه؛ لأنه مسمى للمساكين
[ ٢ / ٢٦٩ ]
مخصوص لهم. وكذلك جزاء الصيد ونسك الأذى هو مجعول للمساكين؛ بدلالة الإطعام للمساكين.
والهدى في مسألتنا بدله الإطعام.
وإذا ثبت ذلك بطل أن يكون في جواز الأكل ما يمنع من كونه جبرانًا.
فإن قيل: إن كل دم كان نقصانًا وجبرانًا لم يجز فعل سببه إلا مع وجود عذر؛ كدم الحلاق واللباس، فلما جاز فعل التمتع والقران من غير عذر علم أن الدم الواجب فيهما ليس بدم جبران ولا وجب عن نقصان.
قيل له: ليس بممتنع أن يكون الأفضل للمتمتع إذا أراد الإحرام من مكة أن يحرم من الميقات وإن كان إحرامه من مكة جائزًا له.
وإذا كان كذلك لم يلزم ما قالوه.
فإن قيل: لو سلمنا كونه جبرانًا لم يدل ذلك على نقص القران؛ لأن بالدم ينجبر؛ فيصير كاملًا غير ناقص؛ لأن النقصان قد أنجبر بالدم، وصار الإحرام جامعًا للنسكين معًا.
قيل له: هذا غلط؛ لأن دم الجبران لا يجعل الشيء كالذي لم يفعل فيه ذلك النقص؛ ألا ترى أن الحج الذي لم يتطيب فيه ولا لبس فيه ولا اضطر فيه إلى فعل أمر ممنوع مع عدم العذر أفضل من الذي وقعت فيه هذه الأمور وافتدى لها؟ وكذلك الصلاة السليمة أفضل من التي وقع فيها سهو وجبرت بالسجود؛ فكذلك سبيل مسألتنا.
على أن موجب هذا السؤال تساوى الإفراد والقران في الفضيلة. وهذا
[ ٢ / ٢٧٠ ]
فاسد بالاتفاق.
وبالله التوفيق.
* * *
فصل
فأما من ذهب إلى أن التمتع أفضل فاحتج بما رواه علي، وسعد، وابن عباس أن النبي -ﷺتمتع بالحج.
وما رواه جابر أن النبي -ﷺقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدى، ولجعلتها عمرة".
ووجه الاستدلال منه أنه تأسف على ترك العمرة؛ فعلم أن التمتع أفضل.
ولأن المتمتع يأتي بالنسكين في أشهر الحج، والمفرد يأتي بأحدهما في أشهر الحج والآخر في غير أشهره؛ فكان بذلك التمتع أفضل.
فالجواب: أن الأخبار الأولى مجملة، وقد أجيب عنها بأن قيل: إن حقيقة التمتع هو التنعيم والترفه من الحلق واللباس والتحلل؛ فمخالفنا يقول: إنه اعتمر ثم تحلل ثم حج، ونحن نقول: إنه حج ثم تمتع ثم اعتمر [] من صاحبه.
على أنا قد دللنا أن حج النبي ﷺ كان مفردًا.
[ ٢ / ٢٧١ ]
فأما حديث جابر -﵀فظاهره متروك؛ لأنه يوجب أنه تأسف على ترك العمرة؛ وذلك يقتضى أنه لم يكن عالمًا وقت أحرم أي النسكين أفضل حتى تأسف بعد ذلك لما انكشف له في ثاني. وهذا لا يجوز أن يقال.
فإن قيل: فما فائدة هذا القول؟
قلنا: فائدته تطيب نفوس أصحابه؛ لأنهم تحللوا وبقى هو على إحرامه؛ فشق عليهم أن يكونوا في نسك والنبي -ﷺفي غيره. ولم يقل ذلك على وجه التأسف؛ على ما بيناه.
وقولهم: إنه يأتي بالنسكين في وقت شريف: فالجواب عنه أن فعل العمرة في هذا الوقت رخصة -على ما بيناه -فهو شريف للحج، رخصة للعمرة.
ولأن دم الحيوان واجب فيه؛ فعلم أنه لضرب من النقص.
والله أعلم.
* * *
فصل
إذا ثبت ما قدمناه من فضيلة الإفراد على التمتع والقران فلا خلاف بين فقهاء الأمصار في جواز التمتع في الحج، وهو مرو عن جماعة من جلة من الصحابة مثل علي، وسعد، وابن عباس، وابن عمر.
وقد روى عن عمر، وعثمان، وابن الزبير، ومعاوية منع ذلك؛ فأما
[ ٢ / ٢٧٢ ]
عمر: فروى عنه أنه قال: متعتان [ق/ ١٦٨] كانتا على عهد رسول الله -ﷺأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج.
وروى حماد بن سلمة عن علي بن يزيد، وعاصم الأحول عن أبى نضرة عن جابر قال: تمتعنا متعتين على عهد رسول الله -ﷺفلما كان عمر فنهانا فانتهينا.
وأما عثمان: فروى إبراهيم التيمى عن أبيه عنه أنه سئل عن المتعة في الحج فقال: كانت لنا، وليست لكم.
وأما معاوية: فإنه كان ينهى عن المتعة فقال: انظروا فإن وجدتموها في كتاب الله ﷿، وذكر الحديث.
وهذه الأخبار لها تأويلات يمكن أن تكون هي المرادة بها دون تحريم المتعة، ونحن نذكرها بعد أن ندل على جواز المتعة وأنها غير ممنوعة.
والذي يدل على ذلك ما روى أن رسول الله ﷺ قال: "من شاء أن يهل بالحج فليفعل، ومن شاء أن يهل بالعمرة فليفعل".
وأيضًا فإن الصحابة ﵃ قد تمتعوا على عهد رسول الله -ﷺومعه في حجه فلم ينقل عنه ﷺ أنه نهى عن ذلك ولا منع منه، بل
[ ٢ / ٢٧٣ ]
نقل إباحته إياه وإطلاقه له وتصويب الكل في ذلك.
وقد استدل أصحابنا بقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ فأوجب الدم ولم ينه عنها.
وما قدمنا أولى بأن يعتمد لأنه ليس في هذه الآية أكثر من وجوب الدم على المتمتع، والإخبار عن وجوب الدم بفعل من الأفعال فلا يدل على إباحته ولا حظره. وأما ما روى عن عمر -رضوان الله عليه -من منع ذلك فإنه على الاحتياط والاستحباب؛ لأنه كان يذهب إلى أن الإفراد أفضل، وإلى أن سبيل الحاج أن يكون أشعت أغبر كما قال النبي -ﷺ -: "الحاج أشعث أغبر" يريد أن ذلك أفضل أحواله، وإذا تحلل من العمرة ثم أحرم بالحج زال الشعث عنه؛ لأنه يحرم بالحج وقد ترفه بالإحلال.
وقد روي هذا المعنى سعيد بن المسيب عن عمر -﵁.
وروى عنه أيضًا أن ذلك لأن إيقاع العمرة في غير أشهر الحج هو الأتم؛ فروى مالك عن نافع عن ابن عمر أن عمر -﵁قال: افصلوا ابن حجكم وعمرتكم؛ فإنه أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج.
وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم قال: سئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها. فقيل له: فإنك تخالف أباك. قال: إن عمر لم
[ ٢ / ٢٧٤ ]
يقل الذي تقول، إنما قال عمر: (أفردوا الحج عن العمرة؛ فإنه أتم للعمرة)؛ أي: إن العمرة لا تتم في شهور الحج إلا أن يهدى وأراد أن يزار البيت في غير شهور الحجج، فجعلتموها أنتم حرامًا وعاقبتم الناس عليها، فقد أحلها الله ﷿، وعمل بها رسول الله -ﷺ -، فإذا أكثروا قال: أفكتاب الله أحق أن تتبعوا أم عمر؟.
وروى الحارث بن أبى أسامة حدثنا روح حدثنا شعبة عن الحكم عمارة ابن عمير عن إبراهيم بن أبى موسى عن أبى موسى أنه كان يفتى بالمتعة -يعني في الحج -فقال له رجل: يا عبد الله بن قيس رويدك بغض فتياك فإنك لا تدرى ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك. قال: فجعل كأنه ينهى عنه حتى لقيه فسأله. فقال عمر بن الخطاب -﵁ -: قد علمت أن النبي -ﷺفعله وأصحابه، ولكنى كرهت أن تظلوا في الأراك معرسين، ثم يروحوا بالحج تقطر رؤوسهم.
وقد تأول بعض الناس منع عمر -﵁من ذلك على المنع من مثل المتعة التي فعلها الصحابة ﵃؛ لأنهم فسخوا الحج ثم اعتمروا وتمتعوا، وهذا بأن يجعل تأويلًا لخبر عثمان -﵁أولى؛ لأن عمر قد صرح بالمعنى الذي له منع من ذلك؛ فلا معنى لحمله على غيره. ولأن عثمان -﵁أخبر بأن ذلك الفعل كان للصحابة الذين فعلوه خاصة، وهذه إشارة إلى ما قلناه دون غيره.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
وقد روى مالك عن ابن شهاب عن محمد بن عبد الله بن الحارث ابن نوفل بن عبد المطلب أنه حدثه أنه سمع سعد بن أبى وقاص، والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبى سفيان وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج؛ فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله.
فقال سعد: بئس ما قلت يا بن أخي.
قال الضحاك: إن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك.
فقال سعد: قد صنعها رسول الله -ﷺوصنعناها معه -يعني بقوله: صنعها أي: جوزها، وأذن فيها -.
وروى الحارث بن أبى أسامة حدثنا روح حدثنا شعبة عن مسلم القرى قال: سألت ابن عباس عن متعة الحج فرخص فيها. فكان ابن الزبير ينهى عنها. فقال: هذه أم [ابن] الزبير تحدث أن رسول الله - ﷺرخص فيها، فادخلوا عليها فسلوها. قال: فدخلنا عليها فإذا امرأة ضخمة عمياء قالت: قد رخص رسول الله -ﷺ فيها.
أخبرناه الثقة عن أحمد بن يوسف بن خلاد عن الحارث.
وإذا ثبت هذا صح ما قلناه. والله أعلم.
* * *
[ ٢ / ٢٧٦ ]
فصل
فأما صفة التمتع الذي يجب به الدم فقد ذكره صاحب الكتاب، وجملته: أن يحرم بعمرة، ثم يحل منها في أشهر الحج، ثم يحج من عامه قبل أن يرجع إلى أفقه أو إلى مثل أفقه في البعد؛ فيجب عليه [ق/ ١٦٩] الدم للمتعة.
فمتى انخرم بعض هذه الأوصاف بشيء لم يكن متمتعًا تمتعًا يلزم به الدم. وفي هذه الأوصاف ما يتفق على اعتباره وفيها ما يختلف فيه، ونحن نبين ذلك.
فمما لا يختلف فيه أن تقدم العمرة على الحج في شهور الحج؛ لأنه إن حج ثم اعتمر في تلك السفر عقيب فراغه من الحج فليس بمتمتع.
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى﴾.
والمتمتع هاهنا هو المترفه بإسقاط أحد السفرين؛ لأنه كان عليه في الأصل أن ينشئ سفرًا من دويرة أهله للعمرة، وسفرًا للحج، فإذا جمعهما في سفر واحد فقد تمتع بإسقاط أحد السفرين.
وإذا ثبت ذلك، وكأن الله تعالى إنما علق وجوب الدم بأن يتمتع بالعمرة إلى الحج؛ اقتضى ذلك أن يكون مقدمًا للعمرة على الحج في أشهره التي هي أخص به، فمن قدمه عليها لم يكن متمتعًا.
ولأن الإحرام بالعمرة لمن قد حج لا يكون بعد الفراغ من عمل الحج،
[ ٢ / ٢٧٧ ]
وذلك إنما يكون بتقض أشهره عند من يراها شوال وذا القعدة وعشرًا من ذي الحجة.
فأما اشتراطنا أن توقع العمرة في أشهر الحج فهذا مما لا اختلاف فيه.
والأصل في ذلك أن الرخصة إنما وردت بإيقاع العمرة في أشهر الحج التي الحج أولى بها؛ لأن العرب كانت تمتنع من فعل العمرة في أشهر الحج، وترى ذلك من أعظم الفجور؛ ولذلك روجع النبي -ﷺلما أمرهم أن يحلوا بعمرة؛ فروى وهيب عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفرًا، ويقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر. فلما قدم رسول الله -ﷺصبح رابعة مهلين بالحج أمرهم أن يحلوا فتعاظم ذلك عندهم؛ فقالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال: "الحل كله".
وإذا صح ذلك -وكانت رخصة المتعة متعلقة بارتفاع العمرة في أشهر الحج التي الحج أولى بها -وجب سقوط الدم مع عدمها؛ لأنه لم تحصل المتعة لإيقاعها في وقت ليس للحج فيه مدخل؛ فلم يترك التشاغل بالحج لأجلها.
وذلك مروى عن جماعة من السلف من الصحابة والتابعين لا خلاف بينهم فيه -أعنى: اعتبار وقوع العمرة في أشهر الحج.
وليس من شرطه عندنا أن يبتدئ الإحرام بالعمرة في أشهر الحج؛ لأنه
[ ٢ / ٢٧٨ ]
لو أحرم بها من شعبان أو رمضان ثم استصحبها واستدامها حتى حل منها في أشهر الحج فهو متمتع إذا حج على الصفة المشترطة.
وإنما المعتبر أن يفعلها أو يجعل محرمًا بها في أشهر الحج، سواء كان بإحرام مستأنف أو مستدام.
هذا قول أصحابنا، وأهل العراق، وروى عن جماعة من التابعين منهم: النخعى، وعطاء، والحسن.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل هذا.
والآخر: أنه لا يكون متمتعًا إلا بأن يبتدئ للإحرام بالعمرة في أشهر الحج.
والدليل على ما قلناه: أن الدم إنما يجب لجمعه بين الحج والعمرة في سفر واحد في شهور الحج، ولا فصل بين أن يفعل ذلك بإحرام مستأنف أو مستصحب؛ لأنه في الحالين موقع للعمرة في أشهر الحج على الصفة التي ذكرناها.
فإن قالوا: لأنه إحرام بعمرة في رمضان لا يصح فيه التمتع؛ فأشبه من فرغ من العمرة قبل أشهر الحج. وعكسه إذا أحرم بها في أشهر الحج؛ لأنه أحرم بها في زمان يصح فيه التمتع.
قلنا: إذا فرغ منها قبل أشهر الحج فلا يأت بها في أشهر الحج فلم يحصل منه التمتع؛ لأنا متفقون على اعتبار التشاغل بها في شهور الحج التي هي بالحج أولى منها بالعمرة.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
فإن قالوا: المعنى في الأصل أنه أحرم بالعمرة في زمان يصح فيه التمتع، وليس كذلك في مسألتنا.
قلنا: علتنا تنتظم الأصل، وهذا الإعلال أيضًا؛ لأن من أحرم في زمان يصح فيه التمتع إنما كان متمتعًا لتشاغله بالعمرة في أشهر الحج.
والله أعلم.
* * *
فصل
فأما اشتراطنا أن يحج من عامه ذلك؛ فليحصل متمتعًا بجمعه بين الحج والعمرة في سفر واحد، فإذا لم يحج فلم يحصل منه هذا المعنى.
ويبين ذلك قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾.
فدل ذلك على أنه يجب أن يكون جامعًا بينهما في سفر واحد.
وقد روى هشام عن قتادة عن سعيدة بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله -ﷺ - إذا أهلوا بالعمرة في شهور الحج ثم لم يحجوا من عامهم ذلك لم يهدوا.
* * *
[ ٢ / ٢٨٠ ]
فصل
وأما اشتراطنا أن لا يرجع إلى بلده أو إلى مثل بلده في البعد فإن الشافعي يخالفنا في ذلك فيقول: إن رجع إلى الميقات فأحرم منه بالحج لم يكن متمتعًا.
وعندنا أن التمتع لا يسقط عنه إلا أن يرجع إلى أفقه أو إلى مثل أفقه.
وإن سافر من مكة دون ذلك فهو متمتع؛ مثل البغدادي إذا خرج من مكة إلى المدينة أو إلى الطائف أو ما أشبه ذلك، فإن خرج إلى مثل مصر أو الشام ثم حج من عامه فليس بمتمتع.
وحكي عن الحسن البصري أنه يكون متمتعًا رجع أو لم يرجع.
فالذي يدل على بطلان هذا أولا أن معنى التمتع هو الترفه بإسقاط أحد السفرين في الجمع بين الحج والعمرة؛ لأنه كان عليه في الأصل أن ينشئ لكل واحد [ق/ ١٧٠] منهما سفرًا من دويرة أهله، فإذا عاد إلى أهله ثم سافر إلى الحج فلم يحصل منه تمتع. ولعل من حجته أن الاعتبار بالإتيان بالعمرة في أشهر الحج سواء رجع أو لم يرجع.
فالجواب: أنا لا نسلم هذا؛ لأن مجرد فعل العمرة في شهور الحج ليس بمتمتع إلا أن يحصل هناك ترفه في السفر.
وعلى ما قلناه روى نافع عن ابن عمر -رضوان الله عليه -قال
[ ٢ / ٢٨١ ]
[من]: أهل بالعمرة في أشهر الحج، ثم أقام حتى الحج فهو متمتع، وإن رجع إلى أهله من عامه ثم رجع فليس بمتمتع.
فأما ما يدل على أن الرجوع المسقط للدم هو الرجوع إلى أفقه أو مثله في البعد؛ فلأن معنى المتعة لما كان الترفه بإسقاط أحد السفرين وجب أن يعتبر بموضع السفر، فإن وجد مترفهًا فيه بإسقاط أحدهما فقد وجد فيه معنى التمتع، والبغدادي إذا أحرم بالعمرة ثم خرج إلى المدينة أو الطائف ثم أحرم بالحج أو أحرم به من الميقات فلم ينشئ سفرًا من بلده أو ما يوازي مسافة بلده؛ فقد حصل متمتعًا لا محالة بإسقاط أحد السفرين جامعًا بين الحج والعمرة في سفر واحد، وإذا كان كذلك وجب عليه الدم.
وقد روى وكيع عن سفيان المكي عن عبد الكريم عن يزيد الفقير قال: عرجنا مهلين بالعمرة في أشهر الحج من البصرة، فلما قضينا عمرتنا أتينا المدينة بدا لنا فحجبنا من عامنا قبل أن نأتي البصرة، فسألنا ابن عباس فقال: أنتم متمتعون.
وروى هشام عن قتادة عن ابن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله ﷺإذا أهلوا بالعمرة في أشهر الحج ثم لم يحجوا من عامهم لم يهدوا.
وروى عمر -رضوان الله عليه -قال: إذا أهل بالعمرة في أشهر الحج ثم أقام حتى حج فهو متمتع، وإن رجع إلى أهله من عامه ثم حج فليس بمتمتع.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
فصل
فأما صفة القران فهو الجمع بين الحج والعمرة في إحرام واحد، وذلك على وجهين:
أحدهما: أن يبتدئ الإحرام لها بنية القران؛ فيكون قارنًا.
والآخر: أن يبتدئ الإحرام باعمرة، ثم يضيف إليها الحج قبل أن يطوف ويركع، أو قبل أن يطوف ويركع، أو قبل أن يتلبس بشيء من الطواف -على حسب اختلاف أصحابنا في ذلك -؛ فهذا يصير قارنًا لجمعه بين الحج والعمرة بإحرام واحد.
فأما إيجاب الدم على القارن والمتمتع فالأصل فيه قوله تعالى ذكره: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾.
وروى عن عائشة -﵂أنها قالت: أهدى رسول الله -ﷺعن أزواجه البقر، وكن متمتعات.
ولأنه أدخل على حجه نقصًا بمتعته بإسقاط أحد السفرين؛ لأنه كان يجب عليه في الأصل أن ينشئ من بلده سفرًا للحج وسفرًا للعمرة.
ولأن أشهر الحج بالحج أولى منها بالعمرة، فإذا وضع العمرة في أشهر الحج فقد ارتخص بوضعها في موضع غيرها فلزمه الدم لذلك. ولا خلاف
[ ٢ / ٢٨٣ ]
في ذلك.
فأما القارن فعليه الدم أيضًا، ولا خلاف في ذلك بين من يعتمد عليه.
وقد روى وجوب الدم بالقران عن عمر، وعلي، وابن عباس، وجابر والشعبي، والنخعي، والأسود، وسعد بن جبير، وعطاء، ومجاهد.
ولأنه اقتصر على إحرام واحد، وميقات واحد، وطواف واحد، وسعى واحد؛ فوجب عليه الدم لذلك.
ولأنه لما وجب الدم على التمتع لإسقاط أحد السفرين كان القارن أولى بوجوب الدم لإسقاطه كل عمل العمرة.
وفي حديث عائشة -﵂أن رسول الله -ﷺأهدى عنها بقرة لما أدخلت الحج على العمرة.
فصل
قال: ولأهل مكة أن يتمتعوا، ولا دم عليهم؛ وذلك بأن يعتمروا من الحل. فإذا فرغوا من العمرة أحرموا من منازلهم بالحج. وبه قال الشافعي.
وعند أبى حنيفة أنه ليس للمكي أن يتمتع ولا يقرن، فإن فعل فعليه الدم.
فالكلام معه في موضعين:
أحدهما: هل له أن يتمتع أم لا؟.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
والآخر: هل عليه الدم أم لا.
وعند عبد الملك وابن الماجشون أن القارن من أهل مكة عليه الدم، ولا دم على المتمتع؛ ففصل بين التمتع والقران.
والدليل على جواز تمتع أهل مكة قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾.
وهذا خبر عن التمتع يقتضى إباحته على العموم. ثم استثنى أهل مكة من جملة من أوجب عليه الهدى؛ فوجب بذلك جواز التمتع لهم، وسقوط الدم عنهم.
فإن قيل: هذا دليلنا؛ لأن قوله ﷿: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ استثناء؛ فهو عائد على الفعل المباح الذي هو التمتع.
قيل له: لا يصح ذلك؛ لأن الأول بمنزلة اسم مبتدأ لا يفيد بنفسه؛ لا يمكن الاستثناء منه، وإنما يتعلق بما تعلق به من الأحكام؛ ألا ترى أنه لو قال: (من تاب قبلت توبته إلا فلانًا) لم يتناول الاستثناء إلا قبول التوبة دون وقوعها؟ وكذلك قوله: (من دخل دار أبى سفيان فهو آمن) لو وصله باستثناء فقال: (إلا فلانًا) لعاد على الأمن دون الدخول؛ فكذلك في مسألتنا.
ويدل على ما قلناه أيضًا: أن كل من جاز له الإفراد جاز له التمتع؛
[ ٢ / ٢٨٥ ]
اعتبارًا بغير المكي فمر [ق/ ١٧١] الدليل على أنه لا دم عليه قوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾.
فاستثناه من جملة من ألزمه الدم.
ولأنه لم يتمتع بإسقاط أحد السفرين كما تمتع بذلك غير المكي؛ فلا معنى لوجوب الدم.
فأما عبد الملك: فإنه اعتل للفصل بين التمتع والقران بأنه جعل العملين واحدًا -أعنى القران -فلزمه الدم، ولم يلزمه في التمتع؛ لأنه لا يتمتع بإسقاط أحد السفرين.
والصحيح ما قاله مالك؛ لأنه لا فرق بين القران والتمتع، وقد ثبت بما قدمناه أن للمكي أن يتمتع ولا دم عليه؛ فكذلك في القران.
والله أعلم.
فصل
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب -﵀ -: اختلف الناس في المراد بقوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾.
فقال أصحابنا: حاضروا المسجد الحرام: أهل مكة خاصة أهل الوادي طوي وما أشبههم دون أهل الحرم وغيرهم.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وروي نحوه على الحسن، وطاوس، ونافع، وعبد الرحمن الأعرج.
فأما أهل منى وعرفات وما قرب ذلك من المناهل مثل قديد وعسفان ومر الظهران فليسوا من حاضري المسجد الحرام، وعليهما الدم عندنا في التمتع والقران.
وروى عن ابن عباس، ومجاهد أنهم أهل الحرم.
وقال عطاء، ومكحول: هم من دون المواقيت إلى مكة. وهو قول أبى حنيفة وأصحابه، إلا أنهم قالوا: أهل المواقيت بمنزلة من بعدهم.
وقال الشافعي: هم من كان من الحرم على مسافة لا تقصر فيها الصلاة؛ فكل من كان بين منزله وبين طرفا من أطراف الحرم من المسافة أقل من حد ما تقصر فيه الصلاة -فهو ستة عشر فرسخًا -فإنه متى تمتع أو قرن فلا دم عليه.
والذي اعتبرناه متفق عليه؛ فلسنا نحتاج إلى دلالة تتناوله، وإنما الخلاف فيما زاد عليه.
والذي يدل على أن من عدا أهل مكة فليس بمراد بالآية أن الله تعالى ذكره علق وجوب الدم بمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام. والحاضر للشيء هو المجاور له والقريب من موضعه؛ ولك يفيد أن من لم يكن من أهل مكة فليس بحاضر المسجد لأنه غاب عنه.
فإن قيل: إن حاضر الشيء هو الذي يجاوره، لا الذي يحل فيه؛ لأن القائل إذا قال: حضرت زيدًا فمراده: إني جاورته وقريب منه، لا أنى حللت مكانه.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
قيل: فأي منفعة لك في هذا، بل هو إلى ما تقوله أقرب؛ لأن أهل مكة هم المجاورن للمسجد المقاربون له، وليسوا حلولًا فيه؛ فهو على نحو ما قلته من قولهم: حضرت زيدًا معناه: جاورته.
فإن قيل: إن ذكر المسجد الحرام في الآية عبارة عن الحرم، لا عن المسجد.
قيل له: هذا غير الظاهر؛ لا يجب المصير إليه إلا بحجة، والحقيقة هي المسجد نفسه.
فإن قالوا: يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا﴾، وإنما أسرى به من بيت خديجة -﵍وقوله ﷿: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾، وإنما أراد الحرم؛ فكذلك في هذا الموضع.
قلنا: إنما حملت هذه الآيات على غير المسجد؛ بدلالة دلت على ذلك، ولولا تلك الدلالة لحملناها على الحقيقة، وليس يجب ترك ظاهر بعض الألفاظ في موضع لتركه في غيره بغير دليل.
على أن الإسراء به ﷺ كان من بيت خديجة -﵂وذلك بحضرة المسجد وبقربه.
فإن قيل: كل من كان من البيت على مسافة لا تقصر الصلاة في مثلها
[ ٢ / ٢٨٨ ]
فلا يمتنع عليه؛ اعتبارًا بمساكن مكة [] فوجب أن يكونوا من حاضري المسجد الحرام اعتبارًا بأهل مكة.
قلنا: إن عللتم بسقوط دم التمتع عنهم فعلتنا في الأصل كون أهل مكة حاضري المسجد الحرام، وليس كذلك غيرهم.
وإن عللتم بكونهم حاضري المسجد الحرام فذلك باطل؛ لأن الحاضر ليس هو الحاصل معه المشاهد له، فأما الغائب عنه فليس بحاضر له، ولا فرق بينه وبين من كان على مسافة تقصر الصلاة فيها فإنه في حكم المقيم في الحرم؛ ألا ترى أنه إذا قطع تلك المسافة لم تكن له الترخص بشيء من رخص المسافرين، بل هو في حكم السائر في الحرم؟، وليس كذلك حكم من كان بينه وبين الحرم من المسافة ما تقصر في مثله الصلاة؛ لأنه في حكم المسافر خارج عن حكم المقيم؛ بدلالة جواز السفر له والفطر.
قلنا: إنما وجب ذلك؛ لأن الرخص التي ذكروها من القصر والفطر إنما تعلقت بكون الإنسان مسافرًا، ودلت الدلالة على أن المراد حد من السفر مخصوص، وليس كذلك في المتعة؛ لأن الذي تعلق فيها بأن لا يكون الإنسان حاضر المسجد مطلقًا من غير تحديد.
فبطل بذلك ما ادعوه، والله أعلم.
فأما أصحاب أبى حنيفة فاحتج لهم الرازي بأن قال: أهل المواقيت فمن دونها إلى مكة لهم أن يدخلوها بغرر إحرام وجب أن يكونوا بمنزلة أهل مكة؛ ألا ترى أن من خرج من مكة فلم يجاوز الميقات فلهم الرجوع
[ ٢ / ٢٨٩ ]
ودخولها بغير إحرام، وكان تعرفهم في الميقات وما دونه كتعرفهم في مكة؛ فوجب أن يكونوا بمنزلة أهل مكة في حكم المتعة.
وهذا ليس بصحيح عندنا؛ لأنه لا يجوز لأحد دخول مكة بغير إحرام إلا من كثر منه الدخول والخروج والتردد [ق/ ١٧٢]، كالحطابين وأصحاب الفاكهة، ومن يدخل في اليوم مرارًا من غير أن يفرق بين المواقيت ومن قرب منهم أو بعد.
فبطل ما قاله.
فإن قيل: إن موضع الميقات وهو موضع النسك فوجب أن يكون أهله حاضري المسجد الحرام؛ اعتبارًا بأهل منى وعرفات: فهذا أيضًا غير مسلم لهم، وإن قاسوه على أهل مكة فقد مضى الجواب عنه.
وبالله التوفيق.
فصل
وإذا ساق القارن أو المتمتع الهدى فإنما يسوقانه من الحل إلى الحرم، فإن اشترياه من الحرم أخرجاه إلى الحل ثم عادا به فنحراه.
فإن لم يشتره من الحل أو لم يخرجه إن اشتراه من الحرم إلى الحل فلا يجزئه.
وعند الشافعي أنه إن اشتراه من الحرم ونحره أجزأه.
والدليل على ما قلناه أن رسول الله -ﷺساق هديه من الحل إلى
[ ٢ / ٢٩٠ ]
الحرم، ووقف به بعرفة، ثم أدخله الحرم ونحره؛ فوجب بذلك ما قلناه؛ لأن أفعاله على الوجوب.
ولقوله ﷺ: "خذوا عنى مناسككم".
وروى عن ابن عمر قال: الهدى ما قلد، وأشعر، ووقف به بعرفة.
ولأنه لم يهده من الحل إلى الحرم؛ فوجب ألا يجزئه. أصله: إذا اشتراه في الحل ونحره فيه من غير أن يسوقه إلى الحرم.
ولأن اسم الهدى مأخوذ من الهدية والإهداء؛ فيجب أن يهديه من غير الحرم إلى الحرم.
ولأنه لما كان المحرم -يجمع في إحرامه بن الحل بن الحل والحرم؛ فكذلك في هدية؛ لأن الهدى له محل كما أن الإحرام له محل.
واحتج من خالفونا بقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾.
والهدى اسم لما يهدى؛ لأنه مشتق من الهدية، فإذا أهداه من ملكه إلى منحره فقد أتى بما عليه الاسم؛ فوجب أن يجزئه.
ولأن نحره في الإحرام بسبب الإحرام؛ فوجب أن يجزئه، وأن يكون هديًا؛ اعتبارًا بما أهدى من الحل إلى الحرم.
فالجواب: أن الظاهر يقول بموجبه، ولكن ليس هذا هديًا؛ فوجب أن يثبتوا الاسم.
فأما قولهم أن الهدى اسم لما يهدى: فليس كذلك على التجريد، بل
[ ٢ / ٢٩١ ]
على وجه مخصوص؛ وهو ما أهدى إلى الحل من الحرم، وليس كل شيء أهو كان هديًا وإن جرى الاسم عليه في اللغة ووجد فيه معنى الاشتقاق الذي هو الفدية؛ لأنه قد تقرر له عرف في الشرع زائد على مجرد الاشتقاق، والمعنى فيه إذا أهداه من الحل أنه مجموع فيه بين الحل والحرم، وليس كذلك إذا اشتراه في الحرم ولم يخرجه إلى الحل.
والله أعلم.
فإن وقفه بعرفة نحره بمنى، وإن لم يقفه بعرفة نحره بمكة؛ لأنه لا ينحر بمنى إلا ما وقف به بعرفة.
وروى عن النبي -ﷺأنه قال: "منى كلها منحر فحجاج مكة منحر".
فصل
ولا يجوز نحر هدى التمتع والقران قبل يوم النحر، وهو قول أبى حنيفة.
وقال الشافعي: يجوز نحره عقيب الإحرام بالحج. واستدل أصحابه بقوله تعالى ذكره: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾.
فأخبر بوجوب الهدى عليه إذا حصل متمتعًا، ولم يفرق بين جواز نحره عقيب الإحرام وما بعده. ولأنه قال ﷿: ﴿فمن لم يجد فصيام
[ ٢ / ٢٩٢ ]
ثلاثة أيامٍ في الحج﴾ فجعل سبحانه الصوم في الحج بدلا من الهدى إذا لم يوجد؛ فعلم بذلك أن نحر الهدى في الحج أجوز.
ولأنه جبران للمتعة فجاز فعله قبل يوم النحر.
أصله: الصوم.
ولأن كل فعل له بدل فإنه يجوز أن يكون وقت فعل البدل وقتًا للفعل المبدل، أو يجب أن يفعل المبدل في الوقت الذي يفعل فيه البدل؛ اعتبارًا بالكفارات؛ ألا ترى أن العتق في الكفارة لما كان بدله الصوم كان وقت الصوم يجوز أن يفعل فيه العتق.
وقد ثبت أن الصوم جائز قبل يوم النحر؛ فكذلك يجب أن يكون الهدى.
ولأنه حيوان له بدل -هو صوم -فوجب جواز إخراجه في الوقت الذي يجوز فيه فعل الصوم؛ كالعتق في الكفارة.
والدلالة على ما قلنا: قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾.
وقد ثبت أن الحلاق لا يجوز قبل يوم النحر؛ فدل ذلك على أن الهدي لا يبلغ محله إلا يوم النحر، والألف واللام في هذا الموضع للجنس.
وروى أن النبي -ﷺقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما
[ ٢ / ٢٩٣ ]
سقت (الهدي)، ولجعلتها عمرة"، ولو كان النحر جائزًا قبل يوم النحر لم يتأسف على ذلك.
ولأنه وقت لا ينحل فيها فأشبه ما قبل الإحرام.
فأما الظاهر: فلا تعلق عليه؛ لأنه لا يدل على أكثر من الوجوب، وخلافنا في الأداء.
وليس بمتمتع أن يثبت الوجوب في وقت يتأخر عنه الأداء.
ووقته أن يبلغ محله على ما بيناه. فأما قولهم أن الله تعالى جعل الصوم بدلًا من الهدى إذا عدم، فلما جاز الصوم في الحج كان الهدى أجوز: فلا معنى له؛ لأن الهدى له محل لا يجوز نحره قبل بلوغه، والصوم -الذي هو بدله -ليس له محل ينتظر به وإن كان بدله.
وغير ممتنع أن يقول: قد أوجبت عليكم الهدي إذا وجدتموه ولا تنحروه حتى يبلغ محله، فإن لم تجدوه فصوموا بدلًا عنه من وقتكم؛ فيتقدم أداء البدل على أداء المبدل لو كان موجودًا.
ومثال ذلك الوضوء والتيمم؛ لأنه قد أخذ علينا بعد دخول أن نتوضأ بالماء، فإن لم نجده تيممنا بالصعيد [ق/ ١٧٣] والتيمم شرط الوضوء فهو يؤدى في أأقصر من مدة أداء الوضوء لو وجد الماء وإن كان بدلا منه.
وقولهم أنه حيوان للمتعة فأشبه الصوم: غير صحيح؛ لأنه لا يجب اعتبار الصوم بالهدى؛ لأن للهدى محلًا يجب بلوغه إليه. وليس كذلك الصوم؛ لأن السبب الموجب لصوم الثلاثة الأيام والسبعة سبب واحد، وقد
[ ٢ / ٢٩٤ ]
جاز فعل أحدهما في غير وقت الهدى؛ فلم يمتنع مثله في الآخر.
وقولهم: كل فعل له بدل فإنه يجوز فعل المبدل في الوقت الذي يجوز فيه فعل البدل كالكفارات: باطل؛ لأن هذا غير موجود في الكفارات؛ لأن الإطعام في كفارة الظهار بدل عن الصوم، وهو يجوز بالليل وإن لم يجر مبدله -الذي هو الصوم -بالليل. وكذلك العتق يجوز بالليل، ولا يجوز بدله -الذي هو الصوم -بالليل. وكذلك يجوز العتق في شهر رمضان، ولا يجوز بدله -الذي هو الصوم -فيه.
وهذا أيضًا جواب عن قياسهم الآخر.
وبالله التوفيق.
فصل
فأما قوله: "أنه إذا لم يجد الهدى فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع"؛ فلو رود النص بذلك؛ وهو قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾.
فأوجب الله تعالى على من حصل متمتعًا أن يهدى إذا وجد، فإن لم يجد صام.
ولا خلاف في ذلك.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
فصل
فأما قوله أنه: "من وقت يحرم إلى يوم عرفة" فإنه مروى عن جماعة من الصحابة والتابعين ﵃، وجملته أن المتمتع إذا عدم الهدى فله أن يصوم الثلاثة الأيام من حين يحرم بالحج إلى يوم عرفة، فإن فاته ذلك صام أيام منى؛ على ما سنبينه إن شاء الله.
ولا يجوز له أن يصوم قبل أن يحل من العمرة ولا بعد الإحلال بها وقبل الإحرام بالحج.
وهذه الجملة قولنا، وقول لشافعي إلا في صيام أيام منى فله قولان.
وعند أبى حنيفة أن الصيام جائز للمتمتع إذا أحرم بالعمرة قبل فراغه منها وبعد فراغه أيضًا، وقبل إحرامه بالحج، ولا يجوز ذلك قبل إحرامه بالعمرة.
فالخلاف معه في جواز الصوم قبل الإحرام بالحج.
والذي يدل على صحته ما قلناه: قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج﴾.
ووجه الاستدلال منه أنه تعالى أوجب الهدى على من حصل متمتعًا إن وجده، فإن لم يجده فالصيام، وما لم يحرم بالحج فليس بممتنع بعد؛ فلا يلزمه الهدى؛ فأحرى أن لا يجوز له الصوم الذي هو بدل عنه؛ لأن الصوم مشروط بعدم الهدى في الحال الذي خوطب بوجوبه فيها.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
ولأن قوله ﷿: ﴿فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج﴾ يقتضى أن يكون في التلبس بالحج، وما لم يحرم به فليس في حج، وإنما هو في عمرة.
فإن قيل: قوله تعالى ذكره: ﴿في الحج﴾ إنما المراد به في وقت الحج لا في أفعال الحج، وذلك أنه لا يخلو أن يكون قوله: ﴿في الحج﴾ يراد به في الفعل الذي هو عدمه للحج الذي يفوت الحج بفواته؛ وهو الوقوف بعرفة الذي سماه النبي -ﷺحجًا؛ فقال: ﴿الحج عرفة﴾ فهذا غير صحيح من قبيل أن هذا الفعل إنما يكون بعد الزوال من يوم عرفة، ومحال صوم الثلاثة الأيام في ذلك الوقت، ولا خلاف في جوازها قبله.
أو أن يكون المراد به في الإحرام بالحج أو في أشهر الحج؛ لأن ذلك ينطق عليه اسم الحج؛ لقوله ﷿: ﴿الحج أشهر معلومات﴾، وأي ذلك كان فهو جائز؛ لأنه إيقاع للصوم في الحج.
فعن هذا جوبان:
أحدهما: أن قوله تعالى: ﴿في الحج﴾ حقيقته بعد التلبس بالحج، والإنسان لا يكون حقيقة في الحج إلا بعد أن يحرم به، وإذا حصل في وقت الحج ولم يحرم فإنما يقال: إنه في الحج مجازًا أو اتساعًا. والظاهر والحقيقة ما ذكرناه.
والجواب الآخر: أن الصوم في الحج مشروط بعدم هدى كان واجبًا
[ ٢ / ٢٩٧ ]
على من حصل متمتعًا، وذلك أجمع لا يوجد إلا بعد الإحرام بالحج؛ فكذلك بدله.
ويدل على ما قلناه: أنه صوم علق وجوبه بشرط؛ لم يجز تقديمه قبل وجود شرطه؛ اعتبارًا بالكفارة.
ولأنه صوم عن المتعة حصل قبل التلبس بالحج؛ فأشبه صيام السبعة الأيام.
ولأنه صوم جعل بدلًا عن إخراج حيوان؛ فأشبه الصوم في كفارة الظهار.
واحتج من خالفنا: بأن قال: إن العمرة سبب في وجوب الصوم بدليل أن وجوب الصوم متعلق بحصول التمتع، والتمتع هو الجمع بن الإحرامين على صفة؛ لأنه لو أفرد أحدهما عن الآخر لم يتعلق به الوجوب؛ فصح بذلك أن العمرة سبب في الوجوب.
وإذا ثبت ذلك كان تأثير أحدهما كالآخر.
وأيضًا فإن الوجوب إذا تعلق بشيئين يجوز اجتماعهما فالمقدم منهما سبب؛ كالنصاب والحول.
فالجواب: أن العمرة ليست بسبب في وجوب الصوم، وإنما هي سبب في وجوب المتعة، والمتعة سبب في وجوب الهدى، والتمتع لا يكون إلا بالإحرام بالحج.
على أن العمرة إن كانت سببًا في وجوب الصوم مع كونه مشروطًا بعدم الهدى فهي بأن تكون سببًا في وجوب الهدى أولى.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
ثم قد اتفقنا على أن الهدى لا يجوز تقديمه قبل الإحرام بالحج؛ فكذلك الصوم.
ويبطل أيضًا بكفارة اليمين؛ لأنه لا يجوز تقديمها على سببها الذي هو اليمين.
قالوا: ولأنه صيام بعد الإحرام باعمرة؛ فأشبه إذا صام بعد التلبس بالحج.
فالجواب: أن المعنى في ذلك أنه صيام [ق/ ١٧٤] حصل بعد التمتع أو بعد وجوب شرطه الذي هو عدم الهدى الواجب، وليس كذلك في هذا الموضع.
وبالله التوفيق.
فصل
فإذا ثبت ما ذكرناه فإن فاته الصيام إلى يوم عرفة صام أيام منى.
وهو أحد قولي الشافعي، وروى عن علي، وابن عمر، وعائشة ﵃.
وعن ابن عباس روايتان.
وقال أبو حنيفة: لا يصومها، ويستقر الهدى في ذمته. وهو القول الآخر للشافعي.
وهذه المسألة قد مضت في كتاب الصيام، إلا أنا نذكر ها هنا بعض ما
[ ٢ / ٢٩٩ ]
يمكن أن يذكر فيها.
والكلام فيها من طرفين:
أحدهما: أن ندل على جواز صوم أيام التشريق.
والآخر: أن ندل على جواز الصوم بعدها، وأن الهدي لا يستقر في الذمة.
فالدليل على أن له أن يصوم أيام التشريق: قوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيامٍ﴾؛ أطلق، وهذه ثلاثة أيام في الحج فجاز صومها.
قال الرازي محتجًا لأبي حنيفة: هذا لا يجب من وجوه:
أحدهما: أن النبي -ﷺنهى عن صيام هذه الأيام؛ فكان النهى قاضيًا على العموم مخصصًا له؛ كما كان قاضيًا على قوله ﷿: ﴿فعدة من أيامٍ أخر﴾.
والثاني: أنه لو كان جائزًا لأنه من أيام الحج لوجب أن يكون صوم يوم النحر أجوز؛ لأنه أخص بأفعال الحج من هذه الأيام.
والثالث: أن النبي -ﷺخص يوم عرفة بالحج بقوله: "الحج عرفة"، وقوله تعالى: ﴿في الحج﴾ يقتضى أن يكون آخرها يوم عرفة.
والرابع: أنه روى أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، وروى أنه يوم النحر،
[ ٢ / ٣٠٠ ]
وقد اتفقوا على أنه لا يصوم يوم النحر مع أنه يوم الحج الأكبر؛ فما لم يسم يوم الحج من الأيام المنهي عن صومها أحرى ألا يصوم فيها.
قال: وأيضًا فإن الذي يبقى يوم النحر إنما هو من توابع الحج -وهو رمى الجمار -فلا اعتبار به في ذلك؛ فليس هو إذًا من أيام الحج، ولا يكون صومها صومًا في الحج.
فيقال له: أما قولك أن نهى النبي -ﷺعن صيام هذه الأيام يقضى على العموم: فإنه منوال من قد سلم الاحتجاج بالظاهر وتناوله لمسألة الخلاف إلا أن ينظر في النهى الذي أوردته، وسنتكلم عليه فيما بعد إن شاء الله.
وأما قولك أنه لو جاز صومها لكونها من أيام الحج لكان يوم النحر أجوز لكونه أخص بأفعال الحج: فغير صحيح؛ لأنا لسنا نقول: إنه كونه من أيام الحج علة في جواز صومه فليزمنا أن يكون ما كان داخل في العلة أولى بالحكم، والعموم يقتضي ذلك لولا الإجماع.
وأما قولك أن النبي -ﷺخص عرفة بالحج فقال: ﴿الحج عرفة﴾: فالمراد بذلك معظم الحج المقصود الذي يفوت بفواته هو الوقوف بعرفة، وليس في ذلك نفى لكون غيره من أيام الحج.
فأما قولك: إن ذلك يقتضى أن تكون ثلاثة أيام آخرها يوم عرفة: فدعوى عارية عن حجة، أكثر ما فيه أن تكون ثلاثة أيام منها يوم عرفة. فأما آخرها يوم عرفة فبأي وجه وجب ذلك؟
[ ٢ / ٣٠١ ]
فأما قولك: إنه قد روى: الحج الأكبر يوم عرفة، وروى: يوم النحر، وأنه إذا لم يجز صومه مع تسميته بأنه يوم الحج كان ما لم يسم أولى بذلك للنهى عن صومه: فإنه غلط؛ لأن الظاهر اقتضى أن يصام في الحج، ولم يفصل بين أن يصام ما لم يسم يوم الحج وبين ما لا يسمى بذلك بعد أن يكون في الحج.
وقد اتفقنا على جواز صوم يوم التروية ومن أول شهور الحج وإن لم تسم بأنها يوم حج؛ فكذلك أيام منى.
فأما قوله أن أيام منى أولى ألا تجوز للنهى عن صيامها: فالنهى إذًا هو المعتبر لا نفى كونه يوم حج؛ لم يحصل من هذه الجملة إلا على محض التحكم.
فأما قوله أن الذي يبقى بعد يوم النحر وذلك من توابع الحج فلا اعتبار به: فإنه باطل؛ لأن الظاهر أوجب أن يوقع الصيام في الحج، ولم يوجب أن يقع في فعل هو المقصود منه؛ ألا ترى أنه يجوز أن يصوم في أيام لا يفعل فيها شيئًا من الحج أصلًا؟ وقد ثبت أنه متلبس في هذه الأيام بأفعال الحج، وأنه ليس له أن يحرم بعمرة إلا بعد تقضيها.
وإذا كان كذلك بطل ما قالوه.
وقد ذكر أصحابنا أن هذه الآية التي هي قوله ﷿: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج﴾ نزلت يوم التروية والناس بمنى، وقد علم أنه لا يمكنهم أن يصوموا في الحج إلا يوم عرفة وبعد يوم النحر؛ فكان ذلك
[ ٢ / ٣٠٢ ]
كالنص في جواز صومها.
فقال المخالفون: إن هذا وارد في بيان وقت الصوم من السنة القابلة، ولم يرد بها بيان الصوم في سنتهم تلك؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكن فرضهم إذ ذاك الصوم؛ لأنهم كانوا على ضربين: من معه هدى، ومن لا هدى معه؛ فمن معه هدي نحره ولم يجزئه الصوم، ومن لا هدى معه نحر النبي -ﷺعنه؛ فعلى كل وجه لم يكن الصوم من فرضهم.
والجواب عن ذلك: أنه دعوى؛ لأن الظاهر عام في تلك السنة وما بعدها، وليس كل الصحابة كان يجد الهدى، ولا عن جميع المتمتعين نحر النبي -ﷺ -؛ فلم يلزم ما قالوه.
ومن الدليل على ما قلنا: ما [ق/ ١٧٥] رواه يحيى بن سلام أن شعبة حدثه عن ابن أبى ليلى عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: رخص النبي -ﷺللمتمتع إذا لم يجد الهدى، ولم يصم حتى فاتته أيام العشر أن يصوم أيام التشريق. أخبرنا الشيخ أبو بكر الأبهرى حدثنا محمد ابن الحسن القزوينى حدثنا محمد بن عبد الله بن الحكم حدثنا يحيى ابن سلام.
وأخبرنا الشيخ أبو بكر أيضًا عن ابن الجهم عن موسى بن إسحاق الأنصاري عن عبد الله بن أبى شيبة حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: سمعت عبد الله بن عيسى يحدث عن الزهري عن عروة عن عائشة -
[ ٢ / ٣٠٣ ]
﵂وعن سالم عن ابن عمر قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدى.
فإن قيل: فقد روى أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام أيام التشريف.
وروى ابن شهاب عن سعيد بن المسبب عن أبى هريرة أن رسول الله -ﷺبعث عبد الله بن حذافة يطوف ألا تصوموا هذه الأيام، وإنها أيام أكل وشرب وذكر.
وروى إسماعيل بن محمد [بن] سعد بن أبى وقاص عن أبيه عن جده قال: أمرني رسول الله -ﷺأن أنادى أيام منى: إنها أيام أكل وشرب فلا تصموا.
وهذا نهى عام.
والآخر: وصفه إياها بأنها أكل وشرب، وهذا ينفى كونها أيام صيام.
فالجواب أن يقال: أما النهى فإنه في غير المتمتع؛ بدلالة ما رويناه من ترخيصه ﷺ للمتمتع في صومها.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
وأما وصفه إياها بأنها أكل وشرب فلا ينفى جواز صومها على وجه، وإنما ذلك وصف لها بالمقصود منها والغالب؛ لأن صومها هو النادر؛ ألا ترى أنه قد وصف يوم عرفة بذلك وصومه جائز باتفاقنا؛ فروى موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله -ﷺ -: "إن يوم عرفة ويوم النحر، وأيام التشريق عندنا وعند أهل الإسلام أيام أكل وشرب".
فإن قيل: كل يوم لا يصح صومه تطوعًا لم يجز صومه في التمتع؛ اعتبارًا بيوم النحر.
فالجواب: أن اعتبار الفرض بالنفل في هذا ليس بصحيح من قبيل أن الفرض لتأكده يجوز فعله في وقت لا يجوز فعل النفل؛ ألا ترى أن صلاة التطوع منه عنها بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الفجر حتى تطلع لم يجوز أن يصلى في هذه الأوقات فرضًا يذكر؟.
والذي يدل على جواز الصوم بعد أيام التشريق، وأن الهدى لا يستقر في ذمته بمضيها أنه صوم واجب؛ فوجب جواز أن يفعل قضاء وأداء، أو نقول: فوجب ألا يسقط بفوات وقته، أو نقول: فوجب أن يفعل بعد ذهاب وقته؛ اعتبارًا بصيام رمضان وبالصوم في كفارة الظهار.
ويبين ذلك أيضًا ما قاله أصحابنا أن الصوم في الأصول على ثلاثة أضرب: منه ما يتعلق بوقت مخصوص به متعين فيه؛ وهو صوم رمضان والنذر المعين. ومنه ما يتعلق فعله بشرط من غير أن يختص (بزمان) معين إلا
[ ٢ / ٣٠٥ ]
أن ذلك الشرط يجرى مجرى التعيين فيما قبله، وكذلك كصوم كفارة القتل والظهار.
وإذا ثبت ذلك لم يخل الصوم في التمتع أن يكون كأحدها، وكلها يجوز في وقته، وقضاؤه بعد فوات وقته.
ويوضح ذلك أيضًا أن وقت البدل أوسع في الأصول من وقت المبدل؛ اعتبارًا بقضاء الصلوات والصيام.
وأيضًا فلأنه عادم للهدى فجاز له الصوم، ولم يستقر الهدى في ذمته.
أصله: إذا كان في الحج.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى ذكره: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج﴾ فوقته بالحج، وكل فرض موقت فإنه يسقط بفوات وقته وزوال الشرط الذي علق به، ويحتاج في إثبات مثله إلى دلالة مستأنفة.
فالجواب: أن هذا يبطل بما قدمناه من صيام رمضان وكفارة الظهار.
وأيضًا فإن الشرط الذي علق به -وهو عدم الهدى -لم يزل، وإنما زال الوقت الذي علق الوجوب به، وذلك لا يمنع من قضائه بعد فواته على ما بيناه.
فإن قيل: لأنه بدل من أصل فإذا فات وقت البدل رجع إلى حكم الأصل؛ كالجمعة هي بدل من الظهر، فإذا فات وقت الجمعة رجع إلى الظهر.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
قيل له: ينتقض بالصوم في كفارة الظهار؛ لأنه بدل عن العتق، وهو مشرط بأن لا يقع المسيس، ثم لو وقع المسيس لجاز فعله بعده.
وأيضًا فإن الجمعة قد أكد حتى سقطت عن المسبوق بها مع بقاء الوقت، وليس كذلك حكم الصيام.
على أن القياس يبطل بقضاء سائر الصلوات.
فإن قيل: إن الصيام جوز له بشرط أن يكون في الحج كما جوز له بعدم الهدى، فإذا زال الشرط الذي هو كونه في الحج رجع إلى أصله؛ كما لو لم يصم حتى وجد الهدى لرجع إلى الهدى.
قيل له: إنما وجب ذلك في الهدى؛ لأن الصوم بدل عنه، فإذا وجد المبدل سقط حكم البدل، وليس كذلك زوال أفعال الحج؛ لأنها شرط في فعل البدل، ولا يمتنع فعله مع فواته؛ كما بيناه من اشتراط عدم المسيس في كفارة الظهار؛ ألا ترى أن الصوم مشروط بأن يفعل قبل المسيس، ثم لو وقع [ق/ ١٧٦] يمنع فعله؟ فكذلك حكم مسألتنا.
ويدل على ما قلناه أيضًا: أن هذا الصوم معنى يسقط به ما وجب عليه من أجل تمتعه فلم يمنع من فعله بعد خروج وقته؛ اعتبارًا بالهدى؛ لأنه لو أخره عن وقته لوجب عليه نحره بعده.
والله أعلم
[ ٢ / ٣٠٧ ]
فصل
وإذا دخل في الصوم بعد عدم الهدى، فلما صام يومًا أو يومين وجد هديًا: فإنما يستحب له أن يهدى، فإن مضى على صومه أجزأه.
هذا قولنا، وقول الشافعي -﵀ -.
وقال أبو حنيفة -﵁ -: إن وجد الهدى قبل فراغه من صيام الثلاثة الأيام فإنه يهدى، وإن فرغ منها ثم وجده قبل صيام السبعة أو بعد الشروع فهيا فإنه يمضى ولا يلزمه البدل.
قالوا: ولأن الصيام بدل عن الهدى، والقدرة على الأصل تمنع تمام البدل؛ اعتبارًا بالمتيم إذا رأى الماء في الصلاة أو قبل الدخول فيها.
ولأن ابتداء الصيام لا يجوز مع وجود الهدى، وكل معنى ينافى الدخول في الصيام لأجل المتعة فإنه ينفى البقاء عليه؛ اعتبارًا بالجماع.
ولأنه قادر على الهدى قبل وقوع التحلل بالصوم؛ فأشبه إذا وجده قلب الشروع فيه.
والدلالة على ما قلنا: أنه بدل تلبس به عند عدم البدل مقصود في نفسه؛ فلم يلزمه الخروج منه بوجود المبدل؛ اعتبارًا به إذا وجده بعد الدخول في صيام السبعة، وإنما قيدناها احترازًا من المتيمم إذا وجد الماء قبل الدخول في الصلاة.
ولأنه تلبس بصوم المتعة بعد عدم أصله فلم يلزمه الرجوع إلى الأصل
[ ٢ / ٣٠٨ ]
عند وجوده.
أصله: إذا وجده الثلاثة والتحلل.
فإنه قيل: إن صوم السبعة ليس ببدل عن الهدي، وإنما البدل هو صوم الثلاثة التي شرطت بأن تكون في الحج.
قيل له: لسنا نريد بقولنا أنها بدل أكثر من أنها تجب بعدم الهدى، ويسقط بوجوده، وهذا موجود في الثلاثة والسبعة.
على أن ما قالوه فاسد؛ لأنه لو كان الهدى في مقابلة الثلاثة لما احتاج إلى صيام السبعة، ولما سقطت بالهدى.
فأما قياسهم فمنتقض به إذا وجد الهدى في السبعة الأيام، ووزان وجود الماء قبل الدخول في الصلاة أن يجد قبل الشروع في الصوم فيلزمه أن هدى.
واعتبارهم بالجماع باطل؛ لأن بطلان الصوم به لا ماضي جنسه، وليس كذلك وجود الهدى؛ ألا ترى أنه لو وجد في السبعة لم يبطله.
واعتبارهم بما إذا وجده قبل الشروع في الصوم غير صحيح أيضًا؛ لأنه لم يتلبس ببدل يتعلق به حكمه.
والله أعلم.
فصل
فأما قوله أنه: "يصوم السبعة إذا رجع إلى أهله"؛ فلأن الله تعالى
[ ٢ / ٣٠٩ ]
قال: ﴿وسبعةٍ إذا رجعتم﴾ فجعلها بعد الرجوع، وذلك يفيد رخصة عندنا.
فإن صامها في الطريق أجزأه، وهو قول أبى حنيفة، وأحد قولي الشافعي، وله قول آخر أنه لا يصومها حتى يرجع إلى أهله.
واستدل أصحابه لهذا القول بأن قالوا: لما قال الله تعالى: ﴿وسبعةٍ إذا رجعتم﴾ لم يخل أن يكون أراد رجوعًا عن السفر وعودًا إلى الوطن، أو رجوعًا عن الحج، وهو الذي تقدم ذكره بقوله ﷿: ﴿فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج﴾، ولا يجوز أن يكون أراد الرجوع عن الحج؛ لأن قوله سبحانه: ﴿فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج﴾ معناه: في الوقت الحج فالوقت لا يصح الرجوع عنه، وإذا لم يصح ذلك علم أنه أراد الرجوع إلى الأهل والوطن.
قالوا: ولأنه صامها قبل الرجوع إلى الأهل؛ فأشبه إذا صامها في الحج.
والدلالة على ما قلنا: قوله تعالى: ﴿وسبعةٍ إذا رجعتم﴾؛ فعلقه بالرجوع؛ فوجب أن يتعلق بأول الرجوعين كما فعلنا ذلك في الشفقين والأبوين والغريقين وغير ذلك.
[ ٢ / ٣١٠ ]
ولأنه إذا لم يكن بد من إضمار في الظاهر كان إضمار الحج أولى؛ لأنه لم [] الضمير إليه إلا الحج؛ لأنه تعالى قال عز من قائل: ﴿فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعةٍ إذا رجعتم﴾ فكان الظاهر أراد إذا رجعتم منه، وذلك الفراغ منه.
فأما اعتراضهم بأن قوله: "في الحج" معناه: في وقت الحج، وأن الوقت لا يصح الرجوع منه: فإنه غير صحيح؛ لأنه لا يمتنع أن يعبر عن الفراغ من الشيء والانصراف عنه بالرجوع؛ كما يقال: رجع الناس من الصلاة معناه: أنهم فرغوا وانصرفوا وإن لم يبلغوا منازلهم.
ولأنه إذا انصرف إلى أهله فليس براجع أيضًا عن الوقت على ما قالوه؛ فالسؤال عائد عليهم. ويدل على ما قلناه أيضًا أنه قد فرغ من أفعال الحج؛ فجاز له الصوم؛ اعتبارًا به إذا رجع إليه.
ولأنه لو كان رجوعه إلى أهله ووطنه شرطًا في جواز هذا الصوم لوجب ألا يجزئه فعله إذا قام بمكة؛ لأن شرط الجواز لم يحصل مع قدرته عليه وتمكنه منه، فلما جاز ذلك له باتفاق دل على بطلان ما قالوه.
وقياسهم غير صحيح؛ لأنه ما دام في الحج فليس براجع؛ فلم يوجد الشرط.
والله أعلم.
[ ٢ / ٣١١ ]
فصل
فأما قوله أن: "من أراد الإحرام بالعمرة فليس له أن يحرم بها من الحرم حتى يخرج [ق/ ١٧٧] إلى الحل" فإنه قول كافة أهل العلم.
والأصل فيه أن الإحرام من حقه أن يجمع فيه بين الحل والحرم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس﴾ يعنى: إنه يتكرر مجيئهم إليه.
ويفارق العمرة؛ لأن الحج لابد أن يأتي به في الحل؛ لأن فيه الوقوف بعرفة -وهي حل -وليس كذلك العمرة؛ لن أفعالها كلها في الحرم.
وكذلك روى عن النبي -ﷺأنه اعتمر وأعمر عائشة -﵂فاعتمر من الجعرانة، وأعمر عائشة من التنعيم.
وروي عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: يا أهل مكة إنما عمرتكم الطواف بالبيت؛ فاجعلوا بينكم وبين مكة بطن وادٍ. أحرموا بالعمرة من الحل.
فإن أحرم بالعمرة من مكة خرج إلى الحل، ثم طاف وسعى، وأجزأه.
فيكون قد جمع في إحرامه بين الحل والحرام.
وبالله التوفيق.
[ ٢ / ٣١٢ ]
مسألة
قال ﵀: "ومن أصاب صيدًا فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل من فقهاء المسلمين.
ومحله منى إن وقف به بعرفة، وإلا [فمكة ويدخل به] من الحل.
وله أن يختار ذلك أو كفارة طعام مساكين [أن ينظر إلى قيمة الصيد طعامًا فيتصدق به] أو عدل ذلك صيامًا؛ أن يصوم عن كل مد يومًا، ولكسر المد يومًا كاملًا [والعمرة سنة مؤكدة مرة في العمر].
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي -﵀ -: جملة القول في ذلك أن الصيد المقتول لا يخلو [] مما له مثل من النعم، أو مما لا مثل له.
فإن كان له مثل وشبه من النعم فجزاؤه []؛ وذلك كالنعامة التي تشابه البدنة، وحمار الوحش الذي يشبه البقرة.
[ ٢ / ٣١٣ ]
فإذا [] ففي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة؛ لأنها أقرب الأشياء شبهًا بها.
فهذا [] فيه مثله.
فأما ما لا مثل كاليربوع والأرنب وغير ذلك فقد [] الواجب هو المثل، فإن وجوبه ليس بمتحتم بل إن شاء.
المثل أخرجه، وإن شاء أن يخرج بقيمته طعامًا فعل، وإن شاء أن يعدل إلى الصيام فيصوم مكان كل مد يومًا بالغًا ما بلغ فعل.
وسنبين هذه الفصول فيما بعد إن شاء الله. ووافقنا الشافعي في ذلك كله إلا في التقويم بالطعام فإنه قال: يقوم المثل بالدراهم، ثم تقوم الدراهم بالطعام.
والاختيار عندنا أن يقوم الصيد نفسه، لا المثل.
فالكلام في ذلك يأتي فيما بعد إن شاء الله.
وقال أبو حنيفة: جميع الصيد الذي له مثل والذي لا مثل له مضمون بقيمته لا بمثله، فإذا قتل المحرم صيدًا وله مثل ضممنه بقيمته، ثم إن شاء اشترى بتلك القيمة هديًا أو طعامًا، أو صام بدل كل صاع يومين.
فالخلاف معه في الصيد الذي له مثل من النعم؛ فعندنا إنه مضمون بمثله سواء كان ذلك المثل بقيمته أو بأكثر أو بأقل، لا اعتبار بالقيمة أصلًا.
[ ٢ / ٣١٤ ]
وعنده إنه مضمون بقيمته لا بمثله.
فالدلالة على صحة قولنا: قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾.
والاستدلال بهذا الظاهر من وجوه:
أحدها: أنه لو [] إطلاق قوله ﷿: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ لأوجبنا في الظبي طبيًا مثله؛ فكذلك في بقرة الوحش وسائر الصيد؛ لأن إطلاق المماثلة يقتضى الاتفاق في الصورة والجنس، فلما قيده بأن يكون من النعم -وهي الإبل والبقر والغنم -علمنا أنه لم يرد الجنس، وإنما أراد الخلقة والصورة فقط.
وعند مخالفنا إنه لا اعتبار بالمثل من النعم، وإنما الاعتبار في ذلك بالقيمة.
والوجه الآخر: قوله ﷿ عقيب قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم﴾.
وهذا الهاء كناية ترجع إلى ما تقدم -وهو الجزاء -فلا تخلو أن تكون عائدة إلى جميع المذكور أو إلى أقربه، فإن كانت عائدة إلى جميعه فقد
[ ٢ / ٣١٥ ]
عادت إلى (مثلي) المقتول من النعم، وإن كانت عائدة إلى أقرب مذكور فأقرب المذكور هو النعم؛ فيجب أن يكون هو المحكوم به.
ولا يجوز أن يرجع إلى القيمة؛ لأنه لم يجز لها ذكر في الآية فتعود الكناية إليها.
والوجه الآخر: قوله ﷿: ﴿هديًا بالغ الكعبة﴾؛ فأوجب أن يكون نفس الشيء المحكوم به هديًا بالغ الكعبة، وهذا لا يمكن في القيمة؛ لأنها لا يمكن أن يبلغ بها الكعبة على صفتها دون أن تبدل، وإنما يصح ذلك في المثل الذي يعتبره؛ فصح بذلك ما قلناه.
فإن قيل: ما أنكرتم من أنه لا دلالة لكم في الظاهر من قبيل أنه من ليس فيه أنه مضمون بمثله من النعم، وإنما فيه فجزاء مثل ما قتل من النعم، وهذا لابد فيه من إضمار، وذلك الإضمار هو أن يشترى بالقيمة من النعم أو يعرفه إليها.
قلنا: هذا لا يصح من وجهين:
أحدهما: أن الظاهر مستقل بنفسه غير مفتقر إلى إضمار؛ لأنه تعالى أخبر بأن الواجب بقتل الصيد الجزاء بمثله من النعم. وهذا كان فيما قلناه.
والوجه الآخر: هو أن الإضمار الذي ذكروه يسقط الظاهر ولا يصح؛ لأنهم إذا جعلوا معناه أن يشترى به مثله من النعم أسقطوا اعتبار المثل في الجزاء، وهو الذي ورد به الظاهر؛ فبطل ما قالوه.
[ ٢ / ٣١٦ ]
فإن قيل: قد ثبت أنه لم يرد بالمثل المماثلة في الجنس علم أن المراد به القيمة [ق/ ١٧٨] وأن تلك القيمة تصرف في النعم.
قلنا: هذا يبطل من غير وجه؛ وذلك أنه محتاج إلى ترك الظاهر وإضمار فيه؛ فيكون تقديره: فجزاء مثل ما قتل قيمة تصرف في النعم.
وهذا ما لا سبيل إليه، مع إمكان إجرائه على ظاهره؛ وهو أن يكون الجزاء مثل النعم مماثلا للمقتول في الخلقة والصورة؛ فيستغنى بذلك عن الإضمار.
والوجه الآخر: أن الإضمار إنما يسوغ ما لم يكن مسقطًا لصريح الظاهر. فأما إذا عاد بإسقاط بعضه فلا يصح ذلك؛ مثل قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدة﴾ إذا أضمرنا فيه (فأفطروا).
وقوله ﷿: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففدية﴾ إذا أضمرنا فيه (فخلق).
فإن هذه إضمارات سائغة؛ لأنها لا تعود بإسقاط شيء من الصريح.
فإذا أضمر في اللفظ القيمة -على ما قالوه -سقط بعضه؛ وهو قوله ﷿: "من النعم"؛ لأن صرف القيمة إلى النعم ليس بشرط في الجزاء عند المخالف، وإنما يفعله المكلف إن اختار.
وأيضًا فإنه تعالى قال: ﴿يحكم به ذوا عدلٍ منكم﴾، ولابد أن
[ ٢ / ٣١٧ ]
يكون أراد الجميع أو أقرب مذكور، وكيف كان الأمر فيجب أن تكون النعم محكوم بها. وعند المخالف إنه لا يحكم بها؛ فبان بذلك سقوط اعتراضهم.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون المراد بالمثل المذكور في الآية القيمة؛ بدلالة قوله ﷿: ﴿لا تقتلوا الصيد﴾، وهذا عموم في جنس الصيد -ما لم مثل من النعم وما لا مثل له -وقد ثبت أن ما لا مثل له مضمون بالقيمة؛ فيجب أن يكون ما له مثل مضمونًا أيضًا بالقيمة؛ لأمرين:
أحدهما: أنه إذا ثبت ذلك فيما ذكرنا ثبت في النوع الآخر؛ لامتناع أن يعبر باللفظ الواحد عن معينين مختلفين.
والوجه الآخر: أن القيمة إذا اعتبرت في بعض الصيد صارت كالمنطوق به؛ فانتفى حمل الآية على معنى سواها.
فالجواب عن هذا من وجوه:
أحدهما: إنا لا نسلم قوله ﷿: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ عموم في جنس الصيد؛ لأنه قد عقبه بما يدل أن المراد به ما له مثل من النعم؛ فقلنا: إن التحريم إنما يتناول هذا النوع، فأما ما عداه فمعلوم تحرمه من قوله ﷿: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾، وقوله
[ ٢ / ٣١٨ ]
تعالى ذكره: ﴿غير محلي الصيد﴾ ومن سنن الرسول -ﷺ -، والإجماع، وغير هذا الظاهر من أدلة الشرع؛ فبطل استدلالهم على هذه الطريق.
هذا جواب أكثر شيوخنا المتقدمين؛ مثل القاضي إسماعيل بن إسحاق، والقاضي أبى بكر بن بكير.
والوجه الآخر: وهو أولى من هذا -أنا لا نسلم لهم أن الظاهر عام في جميع الصيد، ولكن بيان الخبر أخص في نوع منه -وهو ما له مثل من النعم -، وهذا غير ممتنع أن يكون أول اللفظ عامًا وآخره خاصًا. وإيجاب الجزاء فيما لا مثل له معقول بغير ذلك من الأدلة.
فأما قولهم أنه إذا ثبت كون ما لا مثل له مضمونًا بالقيمة ثبت مثله فيما له مثل؛ لأن اللفظ الواحد لا يعبر به عن معنيين مختلفين: فعنه جوابان:
أحدهما: أنه لا يسلم أن ذلك مستفاد من الظاهر.
والآخر: أنه لو ثبت لم يمتنع حمل اللفظ على المعنيين المختلفين إذا كانا في حالين، وإنما يمتنع ذلك في حال واحدة. وفي مسألتنا يحمل على حالين وحكمين؛ فلم يمتنع.
فإن قيل: إن إطلاق المثل في الشريعة صار عبارة عن القيمة؛ بدلالة قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾، وإذا ثبت ذلك فالاسم إذا تقرر به عرف في الشرع وجب حمله عليه أبدا بما
[ ٢ / ٣١٩ ]
لم يمنع من ذلك دليل.
قلنا: لم يعقل من صريح هذا الظاهر بالقيمة، ولا يعقل منه إلا مثل الفعل ومن جنسه؛ يبين ذلك أن من جرح رجلًا جراحة يمكن القصاص منها فعلنا به مثل فعله بهذا الظاهر، وكذلك لو أتلف عليه شيئًا من المكيل والموزون أغرمناه مثله من جنسه. فإن تعلق شيء من ذلك بالقيمة فبدليل صرنا إليه غير الظاهر.
فإن قيل: إن المثل يعبر به عن أمرين:
أحدهما: من طريق اللغة.
والآخر: من طريق الشرع.
فأما من طريق الغة فهو المثل في الجنس.
وأما من طريق الشرع فهو القيمة.
فإذا بطل أن يكون المراد ها هنا المثل من طريق الجنس ثبت أن المراد في القيمة.
فالجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن هاهنا مثلًا زائدًا على ما ذكروه؛ وهو الدية في الحر في قتله وجراحه؛ لأن الدية في الشريعة قد جعلت كالمثل للحر؛ لأنها بدل من القتل، وليست من طريق الجنس ولا القيمة.
والوجه الآخر: أن ما ذكروه لو صح لكان إنما يثبت في المثل المطلق لا في المثل المقيد، ومسألتنا في مثل مقيد؛ لأنه تعالى قال: ﴿مثل ما قتل من
[ ٢ / ٣٢٠ ]
النعم﴾. وإذا ثبت هذا بطل اعتباره بالمثل المطلق، ووجب تعليقه بما قيد به.
والوجه الآخر: أن القيمة ليست بمثل، وإنما أقيمت مقام المثل عند تعذره في المواضع التي دلت الدلالة عليها؛ ولذلك تختلف فتقدر تارة ويجتهد فيها أخرى. وإذا كان هذا حكمها لم يعقل من إطلاق المثلية.
فإن قيل: لما قال تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدلٍ منكم﴾ فأوجب [ق/ ١٧٩] أن يحكم بالمثل شاهدان عدلان ثبت أن المراد به القيمة لا الخلقة والصورة؛ لأن ذلك يوصل إليه بغير حكم؛ إذ كل أحد يعرفه، وإنما يحتاج إلى الشاهد في حصر القيمة وضبطها.
فالجواب: أن الأمر بخلاف ما يظنوه؛ لأن القيمة مما لا تكاد تخفى على أحد، وإنما المماثلة من أي صفة تكون ومن أي شيء تلتمس يحتاج فيها إلى الشهود ولإمكان حصول الشبهة في حيوان دون حيوان؛ فبطل ما قالوه.
على أن الحكم يحتاج إليه في التخيير بين المثل والتقويم على ما سنبينه؛ فلا يلزم هذا السؤال.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون هذا الظاهر دالًا على ما نقوله من قبيل أن الله تعالى قال: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل﴾ فأوجب فيه الجزاء بالمثل، وهذا كلام مستقل بنفسه. ثم ابتدأ فقال ﷿: ﴿من
[ ٢ / ٣٢١ ]
النعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم﴾.
فالجواب: أن هذا غلط ظاهر؛ لأن قوله ﷿: ﴿من النعم﴾ من تمام الكلام الأول؛ لأنه لا يجوز أن يبتدئ به ويصلح أن يكون صلة لما تقدم؛ لأنه بيان للجنس الذي منه تلتمس المماثلة؛ فسقط ما قالوه.
فإن قيل: إن جمل الآية على القيمة يسلم معه عموم اللفظ الذي هو قوله ﷿: ﴿لا تقتلوا الصيد﴾، وحملها على المثل من طريق الخلقة والصورة يؤدى إلى نخصيصها في بعض الصيد -وهو ما له مثل من النعم؛ فكان ما قلناه أولى.
قيل له: إذا حملنا الآية على الصيد الذي له مثل من النعم فقد حملناها على عموم ما وردت فيه، وحملنا قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ على ظاهره الذي هو بيان له، ووجوب اعتبارهم النعم من غير حاجة إلى إضمار. وإذا حمل على ما قالوه احتجنا معه إلى إضمار القيمة في اللفظ، وإلى إسقاط اعتبار النعم؛ فكان ما قلناه أولى.
هذه جملة الكلام في الآية والأسئلة عليها. ثم عدنا إلى الاستدلال على أصل المسألة فقلنا: ومما يدل على ذلك أيضًا ما روى عطاء عن جابر أن رسول الله -ﷺقال: "الضبع صيد، وفيها جزاء كبش مسن إذا أصابه المحرم".
[ ٢ / ٣٢٢ ]
ورواه أبو بكر بن الجهم حدثنا أحمد بن الهيثم حدثنا سليمان بن حرب حدثنا جرير بن حازم عن عبد الله ببن عبيد عن عبد الرحمن بن أبى عمار عن جابر أن النبي -ﷺسئل عن الضبع فقال: "هي صيد، وجعل فيها كبشًا".
ففي هذا الخبر أدلة:
أحدهما: أن النبي -ﷺأوجب فيها كبشًا، ومخالفنا يقول: الواجب فيها القيمة لا الكبش. وهذا خلاف للخبر من وجهين:
أحدهما: أنه إيجاب لما لم يوجبه.
والآخر: إسقاط ما أوجبه.
والثاني: أنه جعل الواجب فيها كبشًا، سواء كان بقدر قيمتها أو أقل أو أكثر. ومخالفنا يقول: تجب تارة كبشًا وتارة جملًا وتارة كبشان؛ على حسب اختلاف القيمة.
والثالث: أنه أوجب فيها جزاء مقدرا؛ فدل ذلك على سقوط التقويم؛ لأن ما يدخله التقويم لا يجوز أن يجعل المبدل منه أصلًا في الشرع؛ لأن القيمة تختلف باختلاف البلدان والأوقات؛ كقيم المتلفات وأرش الجنايات.
فلما قدر الموجب بأنه كبش علم بذلك سقوط اعتبار التقويم.
والرابع: أنه لما خص الكبش بكونه جزاء للضبع من شائر الحيوان وغيره.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
دل ذلك على أن هو المقصود، ولا اعتبار بالقيمة؛ لأنه لو كان التقويم هو المعتبر لم يفرق الحكم بين الكبش وغيره من الحيوانات المتملك من جنسه وغير جنسه.
ويدل أيضًا على ما قلناه إجماع الصحابة ﵃؛ لأنه مروى عن عمر، عثمان، وعلى -﵄ -، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، ومعاوية، وعائشة -﵃ -، ولا مخالف لهم نعرفه؛ فروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أن عمر قضى، وعثمان، وعليا، وزيدا، وابن عباس، ومعاوية في النعامة ببدنة من الإبل.
وروى سماك عن عكرمة أن عليا -رضوان الله عليه -حكم في الضبع كبشًا.
وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: في الضبع كبش.
وروى حماد بن سلمة عن عمار بن أبى عمار عن رباح مولى عبد الله ابن الزبير أنهم أصابوا ضباعًا وهم محرمون فسألوا ابن عمر فقال: اذبحوا كبشًا.
وروى مغيرة عن إبراهيم أن عمر، وعبد الله -﵄حكما في الظبي بشاة.
وروى مجاهد أن ابن مسعود حكم في اليرببوع جفر أو جفرة.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
[والجفر: الذي يشتد ويأكل من صغار كل شيء].
وروى الضحاك عن ابن عباس قال: في النعامة بدنة، وفي البقرة بقرة، وفي الوعل بقرة، وفي البغل والأروى والآيل: كبش كبش.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكونوا حكموا بذلك على طريق القيمة.
قيل له: لا يجوز ذلك لأمور.
أحدهما: أن النقل ورد عنهم بإيجاب هذه الأشياء، ولم يرد بإيجاب القيمة.
والثاني: أن القيمة في غالب الحال تختلف باختلاف البلدان والأوقات. والحكم ورد بذلك في أوقات مختلفة ومواضع متفرقة يبعد أن تتفق القيمة في جميعها في العادة والغالب.
وإذا صح ذلك ثبت أنهم حكموا ببدل مقدر، لا على وجه القيمة فإن قيل: لما لم يجد بين الضبع والكبش شبهًا علمنا أن ذلك كان على طريق القيمة.
قيل له: ليس المراعى الشبه في كل شيء، وإنما المراعى شبه في الخلق، ولولا أن الأمر على ذلك لم يتكلف إيصاله إلى الكعبة هديًا، وفي إيجابهم لذلك دلالة في فساد ما قالوه. ومن جهة الاعتبار أن الصيد مما يضمن بالإتلاف، ووجدنا الأصول [ق/ ١٨٠] مبينة على أن ما يضمن
[ ٢ / ٣٢٥ ]
بالإتلاف على ضربين: منه ضمان الأموال والعبيد وما جرى مجرى ذلك، وإتلاف أبدان. ثم وجدنا كل واحد من هذين تارة يضمن بالمثل وتارة بالقيمة؛ ألا ترى أن من أتلف على رجل حنطة أو عسلًا أو ما أشبه ذلك ضمنه بمثله، وكذلك العبد إذا قتل عبدًا قتل، وقد تجب فيه القيمة إذا اختار السيد.
وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون كذلك ضمان الصيد.
ويدل عليه أيضًا: أنه حيوان يخرج في كفارة؛ فوجب ألا يكون إخراجه على القيمة.
أصله: عتق الرقبة.
وكذلك لا خلاف بيننا وبين أبى حنيفة أن إخراج الكبش وغيره من حائر في قتل الصيد، وإنما الاختلاف في أنه يخرج على وجه القيمة أو على وجه البدل والمثل.
واستدل أصحاب أبى حنيفة بقوله تعالى ذكره: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾.
قالوا: والمثل على ضربين: من طريق الجنس، ومن طريقة القيمة.
وقد اتفقنا على أنه لا يجب بقتل الصيد مثله من جنسه؛ فثبت أن الواجب مثله من قيمته.
وهذا فاسد أجبنا عليه فيما سلف بما يغنى عن رده.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
وقد تعلقوا بغير هذا أيضًا، وقد تقصيناه عند استدلالنا بالظاهر؛ فلا معنى لإعادته.
واعتلوا بأنه حيوان مضمون لحرمة الإحرام؛ فوجب أن يكون مضمونًا بالقيمة.
أصله: ما لا مثل له في الصورة وهذا الوصف لا يؤثر في الأصل؛ لأن ما لا مثل له مضمون بالقيمة، سواء ضمن لحرمة الإحرام الإحرام أو لغيره. وإن تركوا تقييده انتقض بالآدمي؛ لأنه مضمون لغير حرمة الإحرام لا بالقيمة بل بالدية، والدية ليست [] عند بعض أصحابنا.
عل أن المعنى في الأصل أنه لا مثل له في الخلقة، وليس كذلك في الفرع.
قالوا أيضًا: ولأن كل عين لم تضمن بمثلها بجنسها وجب أن تضمن بقيمتها؛ اعتبارًا بالأموال.
وهذا أيضًا ينتقض بقتل الآدمي خطأ؛ لأنه لا يضمن بقيمته مع العلة التي ذكروها -على ما حكيناه عن بعض أصحابنا.
فإن زادوا في التعليل ذكر المال لم نسلمه في الصيد؛ لأنه ليس بمال.
على أن ضمان الأموال دليلنا من الوجه الذي ذكرناه. قالوا: وأيضًا فيما قالوه بخلاف الأصول؛ لأنه يؤدى إلى أن يجب بإتلاف العين الواحدة بدلان مختلفان؛ وذلك أن المحرم إذا قتل صيدًا مملوكًا لزمته قيمته لمالكه،
[ ٢ / ٣٢٧ ]
ومثله من النعم لحق الله ﷿، وهذا خلاف الأصول؛ إتلاف عين يجب به بدلان مختلفان.
وهذا السؤال غير لازم؛ لأنه يعود على مورده؛ لأنه من قول أبي حنيفة أنه يضمن ببدلين متفقين -وهو القيمة.
وهذا أيضًا خلاف الأصول؛ لأنه ليس في الأصول عين واحدة يجب بإتلافها بدلان متفقان؛ فسقط هذا الإلزام.
وجواب آخر: وهو أن ما قالوه إنما يمتنع إذا كان وجه الضمان واحدًا، فإذا كان من وجهين مختلفين فلا يمتنع؛ كالآدمي هو ممنوع من قتله لحرمته ولحق الله ﷿. ثم لو قتل المسلم خطأء لوجب على قاتله إذا كان مسلمًا الدية والكفارة؛ فقد ضمن ببدلين مختلفين؛ لأن جهة الضمان مختلفة؛ فكذلك في هذا الموضع.
قالوا: وقد خالفتم الأصول من وجه آخر؛ وهو أنكم تقولون: إنه يضمن بمثله من غير جنسه، والأصول موضوعة على أن الضمان إما أن يكون بالقيمة أو بمثل من الجنس، فأما بمثل من غير الجنس فليس في الأصول.
وهذا عندنا أصل بنفسه؛ لورود النص على ما بيناه. والذي قالوه ينكسر بقتل الآدمي؛ لأنه تجب به الدية، وهو مثل من غير الجنس.
والله أعلم.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
فصل
فأما الدلالة على وجوب التحكيم فقوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدلٍ منكم﴾، ولا خلاف في ذلك.
ووجب أن يعلما أن الواجب عليه بقتل الصيد إن كان مما له مثل من النعم ثلاثة أشياء: إما مثله من النعم، وهو جزاء.
أو إطعام: وهو قيمة الصيد المتلف طعام.
أو الصيام بدل كل مد يومًا.
وإنه خير في ذلك.
ثم ينظر فما اختار أن يحكما به عليه حكما بذلك الذي يختاره.
وإن كان مما لا مثل له حكما عليه بقيمته. ولا خلاف بين فقهاء الأمصار في أن كفارة الصيد على التخيير دون الترتيب.
وحكي بعض أهل الخلاف عن ابن عباس، وابن سيرين أنها على الترتيب دون التخيير، وأن من قدر على المثل لم يجز له العدول إلى الإطعام أو الصيام.
وحكي أبو ثور أن هذا مذهب الشافعي في القديم، وأصحابه ينكرونه.
والدليل على أنها على التخيير دون الترتيب قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم هديًا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو
[ ٢ / ٣٢٩ ]
عدل ذلك صيامًا﴾، و(أو) موضوعة للتخيير إذا وردت في أمر أو إباحة في جنس؛ كقولك: جالس الحسن أو ابن سيرين. وقوله تعالى ذكره في النهي: ﴿ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا﴾ أي: لا تطع هذا الضرب.
وإذا صح ذلك ثبت أنها في هذا الموضع للتخيير؛ كقول القائل: أعط زيدًا ثوبا أو درهمًا أو عبدًا.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون قوله ﷿: ﴿أو كفورًا﴾ عائدًا على الصيد الذي لا مثل له، أو يكون قوله تعالى ذكره: ﴿فجزاء مثل ما قتل﴾ من الصيد الذي له مثل.
قيل له: أنكرنا ذلك؛ لأنه خلاف الظاهر فلا نصير إليه إلا بدليل.
وأيضًا فإن الصيغة في هذا الموضع كهى في قوله ﷿ في فدية الأذى ﴿ففدية من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ﴾، فلما كانت هنالك للتخيير كذلك هاهنا. [ق/ ١٨١] أو يجمع بينهما من جهة المعنى فنقول: لأنه حق وجب بإتلاف كان ممنوعًا منه لحرمة الإحرام؛ فوجب أن يكون على التخيير.
أصله: كفارة الأذى.
واستدل لمن ذهب إلى أنها على الترتيب بأن يقال: لأنها كفارة لنقص
[ ٢ / ٣٣٠ ]
تعلق بالإحرام؛ فأشبهت كفارة التمتع والقران.
ولأنه تكفير وتعلق بإتلاف نفس؛ فأشبهت كفارة قتل الآدمى.
فالجواب: أن القياس الأول يبطل بفدية الأذى، والثاني يدفع النص على أن اللفظ ورد به مرتبًا؛ فوجب ترتيبه على أنها مغلظة، وليس كذلك جزاء الصيد.
والله أعلم.
فصل
ويلزم التحكيم في كل قتل، وفيما حكمت فيه الصحابة، وما لم تحكم. وهو قول أبى حنيفة.
وقال الشافعي: يكتفي في ذلك إلى ما حكمت به الصحابة، ولا يحتاج إلى التحكم.
واستدل عنه بقوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدلٍ منكم﴾، وعدالة الصحابة متحققة، وعدالة غيرهم مشكوك فيها؛ فكان الرجوع إلى من تحققت عدالته أولى. ودليلنا قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم﴾؛ فشرط حكم العدلين على كل قاتل لصيد.
ولأن كل صيد لزم بقتله الجزاء فلابد من التحكيم فيه. أصله: ما لم
[ ٢ / ٣٣١ ]
يضمن فيه حكومة.
فأما قولهم أن عدالة الصحابة ﵃ متحققة، وعدالة غيرهم مشكوك فيها: فلا معنى له؛ لأنا لسنا نقول: إنه يحكم عليه لجواز أن يحكم عليه في النعامة بغير البدنة، وإنما ذلك عبادة عندنا.
والله أعلم.
فصل
فأما قوله: إن محله منى إن وقف به بعرفة، وإلا فبمكة؛ فلما قدمناه أن المنحر في الحج منى وفي العمرة مكة.
والأصل أن ذلك يكون بمكة، إلا إنها نزهت عن ذلك في أيام الحج؛ لكثرة الدماء فيها؛ فجعل الذبح بمنى. وقوله: إن وقف به بعرفة؛ فلما ذكرناه من قبل أنه لا ينحر بمنى إلا ما وقف به بعرفة، فإن لم يقف به بعرفة نحر بمكة؛ لأن النحر لا يكون في الحج والعمرة إلا بمنى أو بمكة. فإذا لم يوجد فيه شرط الذبح بمنى كان بمكة.
وقوله: يدخل به من الحل؛ لأنه هدى، وقد بينا أن الهدى لا يجوز إلا أن يجمع فيه بين الحل والحرم.
فصل
فإما قوله أنه إن اختار التكفير بالإطعام قوم الصيد بالطعام لا المثل؛
[ ٢ / ٣٣٢ ]
فلأنه الله تعالى قال: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾، وظاهر ذلك يقتضى أن يكون الإطعام جزاء عن المقتول معتبرًا به دون المثل، ولا الصيد هو المتلف دون المثل؛ فوجب أن يكون هو المقدم؛ اعتبارًا بسائر المتلفات.
ولأن الإطعام بدل عن نفس المتلف؛ فوجب أن يكون معتبرًا به لا بغيره.
أصله: المثل من النعم.
ولأنه طعام أخرج في جزاء الصيد؛ فوجب أن يكون معتبرًا بقيمة الصيد.
دليله: كفارة ما لا مثل له من النعم.
ومخالفنا في هذه المسألة الشافعي، لأنه يقول: يقوم المثل لا الصيد.
وقد استدل عنه بقوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ على القراءة بالخفض؛ وذلك يفيد أن الكفارة بالإطعام جزاء لمثل الصيد المتلف.
وإذا ثبت ذلك صح أن المعتبر بقيمة المثل لا بقيمة الصيد نفسه.
والجواب: أنه لا دلالة في هذا؛ لأنه فسر الجزاء بأنه هدى يبلغ به
[ ٢ / ٣٣٣ ]
الكعبة، ثم قال ﷿ مستأنفًا: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾؛ فسقط ما قالوه.
قالوا: ولأنه لما وجب اعتبار الصيام بالإطعام الذي هو بدل؛ كذلك يجب اعتبار الطعام بالمثل.
فالجواب: أنه إنما اعتبرنا الصيام بالإطعام؛ لأنا أقمنا مقام كل مد يومًا، فدعت الضرورة إلى أن نعتبر بما يقدر بالأمداد، والصيد لا يمكن أن يقدر أمداد، ولا أن يجزأ الصوم على عدد أجزائه، ولم تدعنا ضرورة مثل هذه في الإطعام؛ فلم يجب أن يكون كالصيام.
فصل
وإذا ثبت أنه يقوم الصيد لا المثل؛ فالمختار أن يقوم الصيد نفسه بالطعام، وإن تقوم بالدراهم ثم قوم بالطعام جاز.
والاختيار الأول، وإنما قلنا ذلك لما بيناه أن الإطعام بدل عن الصيد؛ فوجب أن يقع التقويم به، وإنما يقوم بالدراهم إذا كانت هي المأخوذة في القمة. هذا هو المختار، فإن لم يفعل ذلك جاز على ما بيناه.
فصل
وإذا اختار الصيام صام عن كل مد يومًا، وبه قال الشافعي.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
وقال أبو حنيفة: يصوم بدل كل مدين يومًا.
وإنما قلنا ذلك؛ لأن الصوم المبدل عن الإطعام في العبادات فد أقيم في الشرع عن كل مد يومًا؛ بدلالة أن النبي -ﷺجعل في كفارة الفطر في رمضان إطعام ستين مسكينًا أو صيام شهرين متتابعين.
وفدية الأذى مخصوصة بأن جعل فيها مكان كل أربعة أمداد يومًا. وهذا غير معتبر في هذا الموضع باتفاقنا.
فلم يبق إلا ما قلناه.
فإن قيل: ففي كفارة الظهار قد جعل بدل كل مدين يومًا فهلا اعتبرتموه بالظهار؟.
قيل له: اعتباره بما قلنا أولى؛ لأنه صيام وجب لحرمة عبادة، وليس كذلك كفارة الظهار.
على أن كفارة الظهار مغلظة؛ بدلالة أنه اعتبر فيها الترتيب، وليس كذلك كفارة الصيد؛ لأنها مخففة؛ بدلالة سقوط الترتيب فيها؛ فكانت بكفارة الصيام أشبه.
والله أعلم.
فصل
فأما قوله: أن يصوم لكسر مد يومًا كاملًا؛ فلأنه لا يخلو من ثلاثة أمور:
[ ٢ / ٣٣٥ ]
إما أن يصوم يومًا كاملًا: فهو ما قلناه.
أو أن يصوم بحسابه من اليوم: فذلك باطل؛ لأن الصوم لا يتبعض في اليوم.
أو أن لا يصوم أصلًا: وذلك غير جائر؛ لأن عليه أن يصوم بدلًا عن جملة [ق/ ١٨٢] الإطعام.
والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: "والعمرة سنة مؤكدة؛ مرة في العمر".
قال القاضي ﵁: هذا قولنا وقول أبى حنيفة، وقال الشافعي: هي فرض كالحج، وإليه ذهب أبو بكر بن الجهم.
والدلالة على صحة قولنا ما رواه محمد بن المنكدر عن جابر قال: سئل رسول الله -ﷺعن الحج أفريضة هو؟ قال: "نعم". قيل: والعمرة؟ قال: "لا، وأن تعتمر خير لك".
فنص على كون العمرة غير فريضة، وفرق بينهما وبين الحج، ونفى
[ ٢ / ٣٣٦ ]
وجوبها نفيًا مطلقًا؛ فدل ذلك على ما قلناه.
فإن قيل: رواى هذا الحديث الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف.
قيل له: لم نقل فيه أكثر من أنه مدلس، وهذا لا يسقط حديثه؛ لأن الأعمش وغيره من كبار أصحاب الحديث يدلسون ومع ذلك فلا يترك حديثهم.
فإن قيل: يحتمل أن يكون نفى وجوب العمرة.
قيل له: إن السؤال صدر عن العمرة على حد ما صدر عن الحج، فلما بطل أن يحمل السؤال على ذلك؛ فكذلك في العمرة.
على أن هذا ترك للظاهر؛ فلا يصادر إليه إلا بدليل.
فإن قيل: يحتمل أن يكون السائل سأل عن حال نفسه، وكان قد اعتمر.
قيل له: الظاهر غير هذا؛ لأن السؤال صدر مطلقًا، وكذلك الجواب؛ فلا يجب تقييدهما والاقتصار بهما على صفة دون صفة إلا بدليل.
فإن قيل: يدل على ذلك قوله ﷺ: "ولأن تعتمر خير لك"، فلو كان السؤال عنه وعن غيره لكان يقول: ولأن تعتمروا خير لكم.
قيل له: التعلق بهذا ضرب من الانقطاع والعجز؛ لأن النبي -ﷺوفي الجواب حقه، وإنما قصد بهذا القول الإبانة عن فضيلة النافلة أنها وإن لم تكن فرضًا حتمًا ففعلها خير من تركها.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
ولا فرق بين أن يخاطب بذلك من سأله مفردًا وبين أن -يجمعه وغيره في الخطاب.
فما في هذا مما يدل على أنه علم من حاله أنه كان قد اعتمر لولا النحر.
ودليل آخر: وهو ما روى يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن عمر عن أبى الزبير عن جابر قال: قلت: يا رسول الله العمرة كفريضة الحج؟ قال: "لا، ولكن تعتمر خير لك".
اعترض أبو بكر بن الجهم عن هذا الحديث بثلاثة أشياء:
أحددهما: أن قال: أما يحيى بن أيوب فغيره أثبت منه، وعبيد الله بن عمر فليس محله محل أخيه.
وهذا الجنس من اعتراضات أصحاب الحديث، وأما الفقهاء فلا يرتفعون به.
وإن جاز أن يقع الترجيح به في بعض المواضع فيقال: ليست من شرط قبول نقل الراوي أن يكون أحفظ أهل عصره وأثبتهم، ولا يجوز سقوط عدالته ورد حديثه لكون غيره أضبط منه وأثبت؛ فبطل ما ظننته معترضًا على الخبر.
ثم قال: قد روينا عن جابر نحوه من الضعيف، وروى عن إبراهيم بن حماد عن الفضل بن العباس الرازي عن قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة عن جابر -﵀أن النبي -ﷺقال: "الحج والعمرة فريضتان
[ ٢ / ٣٣٨ ]
واجبتان".
واعلم أنه ليس في طريق هذا الحديث ضعف على طريقة الفقهاء؛ لأن عطاء عن جابر لا ارتياب به، وابن لهيعة رجل مشهور بالنقل وقد نقل عنه الثقات والأثبات، وإن غمز عليه بعضهم فلا يلتفت إلى مجرد غمزه، ولم يصح ما حكى أنه اضطرب حفظه آخر عمره. ومن بعده إلى أبى بكر بن الجهم ثقات.
ولكنه سلك في تضعيفه النحو الذي بيناه.
ونحن نحمله على أنهما واجبان على الداخل فيهما؛ بدلالة خبرنا.
ثم قال: الإسناد الصحيح عن جاب حدثناه أبو قلابة حدثنا الأنصاري إلى أن ذكر عن ابن الزبير عن جابر قال: ليس من مسلم إلا وعليه حجة وعمرة من استطاع إليه سبيلا.
فكيف يزعم أن العمرة واجبة ويدع ما رواه عن النبي -ﷺ -؟ هذا بعيد.
فيقال له: ليس من شرط صحة الحديث أن يصير الراوي إلى موجبه؛ أنه قد يتركه؛ لأنه لا دليل عنده فيه، ولأن غيره عارضه أو نسخه، أو لغير ذلك.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
على أن جابر لم يبين هل هي على كل مسلم من طريق السنة أو الحتم، وإن كان وجوبها عن طريق الفرض أظهر فتحتمل السنة أيضًا.
ودليل آخر: وهو ما روى سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ -: "الحج جهاد، والعمرة تطوع".
رواه طلحة بن موسى عن عمه إسحاق بن طلحة عن طلحة بن عبيد الله أنه سمع النبي -ﷺيقول: "الحج جهاد، والعمرة تطوع".
فنص على أنها تطوع؛ فانتفى وجوبها.
ودليل آخر: وهو ما روى مكحول عن أبى أمامة عن النبي - ﷺقال: "من مشى إلى مكتوبة فهي كحجة، ومن مشى إلى صلاة تطوع فهي كعمرة تامة".
وروى القاسم عن أبى أمامة عن النبي -ﷺقال: "من مشى إلى مكتوبة متطهرًا فأجره أجر الحاج، ومن مشى إلى تسبيح الضح فأجره كأجر المعتمر".
[ ٢ / ٣٤٠ ]
فنبه على أن العمرة نفل حيث شبهها بالنفل، وشبه الحجج لما كان فرضًا بصلاة الفرض.
ومن طريق الاعتبار: لأنه نسك ليس له وقت معين؛ فوجب ألا يكون فرضًا.
أصله: طواف القدوم.
فإن قيل: قولنا: نسلك عبارة عن جملة أفعال الحج. والطواف. فلا يقال: إنه نسك.
قيل له: قد ينطلق اسم النسك على جملة الحج وعلى أبعاضه؛ بدلالة قوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم﴾ يريد: متعبداتكم وأفعال حجكم؛ فسماه مناسك؛ فثبت أن كل فعل منه منسك.
واستدلال أصحابنا بأن قالوا: إنا وجدنا عبادات الأبدان التي هي فرائض على الأعيان تتعلق بأوقات معلومة لاسيما ما تعلق منها بمكان.
وذلك كالصلاة [ق/ ١٨٣] والصيام والحج، فلو كانت العمرة من قبيلها لتعلقت بوقت معلوم، فلما لم تتعلق بذلك بل كانت جائزة في كل الأوقات لحقت بالنفل الذي لا يتعلق بوقت معلوم وإنما هو على حسب ما يختار المتنفل أن يوقعه في أي وقت شاء. ولا يلزم عليه الإيمان؛ لأن وقت وجوبه معلوم وهو البلوغ.
ولأنه لا يتعلق بمكان مخصوص، وإنما ذكرنا ما يتعلق بمكان.
واستدلوا أيضًا أن اسم الحج يقع عليها؛ لأنه سميت في الشرع الحجة الصغرى.
[ ٢ / ٣٤١ ]
وإذا صح ذلك فالذي يدل على سقوط وجوبها ما روى أن الأقرع بن حابس قال للنبي -ﷺ -: يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرة واحدة؟
فقال ﷺ: "بل مرة واحدة، فمن زاد فهو تطوع"؛ فأخبر أنه مرة واحدة؛ فانتفى بذلك ما زاد عليه العمرة وغيرها؛ لأنه نفى بذلك وجوب ما زاد على الحجة الواحدة، والسؤال صدر عن جنس الحج؛ فثبت بذلك ما قلناه.
واستدل من خالفنا بأشياء منها: قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾.
قالوا: إن التعلق من هذه الآية من وجوه
أحدهما: أنه روى أن عبد الله بن مسعود كان يقرؤها: "وأقيموا الحج والعمرة لله"، وهذه القراءة وإن كانت شاذة فإنها تجرى مجرى خبر الواحد؛ فأقل ما يجب أن تكون بمنزلة أن يروى ابن مسعود عن النبي ﷺأنه قال: "وأقيموا الحج والعمرة لله".
وقوله: (أقيموا): أمر؛ فهو على الوجوب.
فالجواب: أن هذا ليس بصحيح؛ لأن كل قراءة تخالف المصحف المجمع عليه وما أشهر عن الأئمة فلا يعتد لها، ولا يلتفت إليها، ولا يثبت حكم بها، سيما وما روى عن ابن مسعود وأبى مما يخالف المصحف مما لا يعتد به جميعًا.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
وإذا كان الأمر على هذا وجب إطراحها جملة، وألا تنزل منزلة الخبر الواحد ولا غيره. وإنما يعتد بخبر الواحد إذا ورد مفردًا لا في حكم يقابله إجماع، أو بغير قراءة ثابتة في المصحف المجمع عليه؛ فسقط ما قالوه.
قالوا: والوجه الآخر أنه تعالى قال: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾، واسم الإتمام ينطلق على الابتداء بالشيء وعلى إتمام ما دخل فيه.
فأما دخوله للبناء على ما دخل فيه فإنه بين مستغن عن إقامة دليل عليه.
وأما ما وردوه في الابتداء فبدلالة قوله ﷿: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾ قيل: فأتى بهن.
وقول على بن أبى طالب -﵁ -: إتمامهما: أن تحرم من دويرة أهلك.
وإذا كان كذلك كان الأمر عامًا في الابتداء والبناء.
قالوا: على أنه لو ثبت أن الحقيقة في الإتمام البناء لم يمتنع أن يراد بهذه الدلالة الابتداء؛ بدليل وهو ما روى عن عمر وعلى -﵄أنهما قالا: إتمامهما أن تحرم من دويرة أهلك.
والصحابي إذا فسر شيئًا من القرآن لم يخل أن يكون فسره من طريق اللغة أو التوقف، فإن كان من حيث اللغة فقد ثبت ما قلناه.
وإن لم يكن من اللغة كان من التوفيق فكأن النبي -ﷺقال: ابتدؤوا
[ ٢ / ٣٤٣ ]
الحج والعمرة؛ وذلك يقتضى وجوبهما.
فالجواب أن حقيقة الإتمام في اللغة هو البناء على ما فعل بعضه.
فإذا استعمل بمعنى الابتداء كان ذلك مجازًا واتساعًا، والمجاز يحتاج إلى دليل، وما أوردوه من قول الصحابة ﵃ لا يوجب كونه حقيقة فيه، لأنه إذا ثبت كونه حقيقة فيما ذكرناه امتنع كونه حقيقة فيما ذكروه.
على أنا لو سلمنا أنه حقيقة لكان الظاهر هو البناء. فأما الابتداء فلا يعقل من ظاهره، وقد صاروا إلى أنه معقول بالدليل، وهو ما روى عن الصحابة ﵃. وليس ذلك بدليل؛ لأنه ليس كلامًا يقوله الصحابي في تفسير القرآن لا يكون إلا لغة وتوفيقًا، بل يقوله لأنه يرى الحكم بالقراءتين، والدليل على غير ذلك.
وقد روى عن بعضهم أن ذلك في البناء دون الابتداء، وقاله مجاهد وغيره.
والوجه الآخر: أنا لو سلمنا أن الإتمام هو الإتمام هو البناء لو يمنع ما قلناه؛ لأن ذلك لا يوصل إليه إلا بالابتداء؛ فوجب أن يكون الابتداء واجبًا؛ لأنه مما لا يتم الأمر إلا به، وبذلك احتج ابن عباس في وجوب العمرة.
والجواب: أن موجب هذا الاستدلال يقتضى أن الابتداء غير مقصود با وجوب، وأنه إنما يراد لغيره لا لنفسه. وهو الإتمام؛ لأن هذا سبيل كل ما ورد من هذا الباب إذا لم ينص عن النبي بل فهم الأمر به من الأمر بغيره؛
[ ٢ / ٣٤٤ ]
كقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ أن ذلك يوجب طلب ما يتخطى إلي أخذ الماء، وليس هذا سبيل الابتداء بالعمرة. على أنا نحمله على الندب بما ذكرناه. واستدلوا بما روى عن عطاء عن جابر أن رسول الله -ﷺقال: "الحج والعمرة فريضتان واجبتان".
وروى عن عائشة -﵁أنها قالت: أعلى النساء جهاد يا رسول الله؟ فقال ﷺ: "نعم الحج والعمرة". وهذا مستند لما رويناه من الأخبار في سقط وجوبها. أن نحمله على الداخل فيها، والخبر الآخر على الندب؛ لأن الندب المتأكد قد يوصف بأنه على الإنسان كما يوصف الفرض بذلك، ولكن بدليل غير الظاهر.
واستدلوا بما روى أبو رزين أن رجلًا سأل النبي -ﷺفقال: إن أبى لا يستطيع الحج والعمرة. فقال: "حج عن أبيك واعتمر" وهذا السؤال لا يصح على أصلنا؛ لأن حج الإنسان عن الإنسان غير واجب ولا ثابت، وإنما هو ﴿ق/ ١٨٤] تطوع، ولا يسقط به فرض.
واستدلوا بما روى أن سراقة أو الأقرع قال للنبي ﷺ -: أعمرتنا هذه لعامنا أو للأبد؟.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
فلو لم تكن واجبة لم يسأل عن تكرر وجوبها؛ لأن تكرر الوجوب فرع للوجوب.
وهذا غلط من المستدل؛ لأنه ليس في الخبر أن السائل سأل عن تكرر الوجوب، وإنما سأل عن تكرر الفعل، وقد يتكرر المسنون كما يتكرر المفروض؛ فلا طائل لهم في ذلك.
واستدلوا بقوله ﷺ: "الإسلام أن تحج وتعتمر".
فالجواب: أن الإسلام يشتمل على المفروض والمسنون، وقد روى: "الإيمان بضع وسبعون خصلة: أعلاها الشهادة، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق".
قالوا: ولأنها نوه عبادة من شرطها الطواف؛ فوجب أن يكون من جنسها واجب بأصل الشرع كالحج.
ولأنه أحد نسكى القران؛ فأشبه الحج.
ولأن العمرة كالحج في كثر الأحكام من وجوب الإحرام، والطواف، والسعي، ومنع الصيد والطيب واللباس وغير ذلك؛ فكذلك في الوجوب.
فالجواب: أن المعنى في الحج تعلقه بوقت مخصوص، وليس كذلك العمرة.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
فإن قيل: هذا لا ينفى الوجوب؛ لأن الطواف والإحرام واجبان، وليس لهما وقت مخصوص، وكذلك الكفارت.
قلنا: أما الطواف فله وقت معلوم، وهو يوم النحر؛ لأنه لو أتى به قبله لكان قد أتى به في غير وقته، وإنما جوز له تأخيره توسعة. والإحرام أيضا وقته معلوم، وهو أن يكون بعد الزوال من يوم عرفة أو قبل طلوع الفجر من ليلة النحر. هذا وقت تضييق وجوبه.
فأما الكفارات فإنها من حقوق الأموال فليست مما نحن فيه. قالوا: ولأنها عبادة تجب في إفسادها الكفارة؛ فوجب أن [] فيها نفلًا وفرضًا كالصوم.
فالجواب: أن وجوب الكفارة بالإفساد لا يدل على الوجوب بدلالة العمرة الثانية، والحجة الثانية، وإنما يدل على تأكد العبادة.
على أن المعنى في الأصل ما قلناه من تعلقه بوقت مخصوص. والله أعلم.
فأما قوله: إنها تكفى في العمر؛ فلما رويناه من سؤال السائل النبي -ﷺأعمرتنا [] أم للأبد؟ فقال: "بل للأبد".
ولأن المشقة فيها كما في الحج؛ فكانت مثله [] تكررها.
[ ٢ / ٣٤٧ ]
مسألة
قال ﵀: "ويستحب لمن انصرف من مكة من حج أو عمرة أن يقول: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن على -﵀: هذا لما روى عن النبي -ﷺأنه كان يقوله؛ فلذلك استحببناه.
* * *
[ ٢ / ٣٤٨ ]