مسألة
قال ﵀: "والاعتكاف من نوافل الخير، والعكوف: الملازمة"
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀:
وهذا لما روى عن النبي ﷺ أنه كان يفعله.
وروى الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عاما، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين ليلة.
وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾.
وقوله: ﴿طهرا بيتي للطائفين والعاكفين﴾.
فأما معنى الاعتكاف: فهو الملازمة واللبث. والعكوف: اللزوم.
ومنه قوله تعالى: ﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ أي: ملازمون
[ ١ / ٣٠٥ ]
وقوله: يعكفون على أصنام لهم.
أي: يلازمون.
وقولهم: (قد عكف فلان على عمله) معناه: قد أقبل عليه ولازمه.
وهو أشهر في اللغة من أن يذكر فيه أكثر من هذا.
مسألة
قال ﵀: "ولا اعتكاف إلا بصيام".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀: هذا قول أصحابنا جميعا، وهو قول القاسم بن محمد وناف، وقال أبو حنيفة وغيره من أهل العراق ﵃ أجمعين.
وذهب الشافعي ﵀ إلى أن الاعتكاف ليس من شرطه الصيام.
والدلالة على ما قلناه: قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾.
ووجه الاستدلال من هذا هو أن هذا خطاب للصائمين؛ لأن أول الآية استفتح بها الخطاب للصائمين؛ وما بعد ذلك من الخطاب عطف عليه؛ وذلك أنه تعالى قال: ﴿أجل لكم الصيام الرفث﴾ إلى قوله: ﴿فالآن
[ ١ / ٣٠٦ ]
باشروهن﴾ إلى قوله: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾.
وكان في صدر الإسلام إذا نام الإنسان منع من الأكل والشرب والجماع، فلحق الناس في ذلك مشقة؛ فأصاب بعض الصحابة ذلك والقصة معروفة؛ فنسخ الله تعالى ذلك بقوله سبحانه: ﴿فالآن باشروهن﴾، ثم عطف عليه قوله: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾؛ فبين أن تلك الإباحة هي لمن كان صائما غير معتكف؛ فلو كان الاعتكاف يصح بغير صوم لم يكن لقصر الخطاب بالمنع من ذلك على الصائمين معنى؛ لأن من يخالفنا لا يفرق في ذلك بين أن يكون المعتكف صائما أو غير صائم؛ فثبت بما قلناه أن الصوم شرط في الاعتكاف.
ويدل على ذلك أيض ما رواه سفيان بن حسين عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "لا اعتكاف إلا بصيام".
وهذا نص.
فإن قيل: لا دلالة في هذا الظاهر؛ لأن النفي تعلق بوجود؛ وذلك أن الاعتكاف يوجد وإن لم يقارنه صوم؛ فإذا المراد نفى حكم من أحكام الاعتكاف، وذلك الحكم غير مذكور يحتمل أن حمله الإجزاء، ويحتمل أن يكون الكمال فليس لكم حمله على أحدهما إلا ولنا حمله على غيره.
[ ١ / ٣٠٧ ]
فالجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: إن النفي تعلق بنفس الاعتكاف لا بحكم من أحكامه؛ لأن قوله: (لا اعتكاف) نفى الاعتكاف الشرعي.
ونحن نقول: إن اللبث في المسجد وإن كان بنية الاعتكاف إذا لم يقارنه صوم فليس باعتكاف شرعي؛ فبطل هذا السؤال.
والجواب الآخر: هو أن المقصود بهذا اللفظ كون الشيء شرطا فيما علق به وإن كان لفظه النفي فليس المقصد النفي؛ إذا الشرع ليس هو للنفي وإنما هو الثبات إلا أن يراد بلفظ النفي الإثبات على ما بيناه.
وإنما يعبر عنه بلفظ النفي لكونه آكد في الكشف عن الغرض المقصود؛ فكأنه ﷺ قال: الصوم شرط في الاعتكاف.
وإذا صح بطل ما قالوه.
ويدل على ذلك أيضا ما رواه عبد الله بن بديل بن ورقاء الليثي عن عمرو بن دينار عن ابن عمر ﵁ جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يوما عند الكعبة فسأل النبي ﷺ فقال: "اعتكف وصم".
هذا أمر فهو على وجوبه.
ويدل عليه ما قاله أصحابنا إن الاعتكاف لبث في مكان مخصوص؛ فوجب أن لا يكون قربة بمجرده دون أن ينضم إليه معنى آخر قربة في
[ ١ / ٣٠٨ ]
نفسه.
دليلة: الوقوف بعرفة.
فقال المخالفون: نحن نقول بموجب هذه العلة؛ وهو أنه لا يكون قربة بمجرده إلا بالنية.
فأجاب أصحابنا بأن النية على انفرادها ليست قربة؛ لأنها من شرط كل قربة لبثا كان أو غيره.
فإن قيل: فكذلك الإحرام الذي ضم إلى الوقوف بعرفة ليس بقربة في نفسه.
قيل له: بل هو قربة؛ بدلالة أنه قد تعلق به أحكام الشيء الذي أحرم به.
وقد اعترضوا فقالوا بعكسه فتقول فوجب ألا يكون من شرط صحته الصوم.
أصله: الوقوف.
والجواب: أن الوصف لا يؤثر في هذا الحكم؛ لأن اللبث ليس من شرط الصوم سواء كان في موضع مخصوص عندهم أو غير مخصص.
ويدل على ذلك أيضا أنا قد اتفقنا على أن لزوم الاعتكاف بالنذر وكل عبادة لزمت بالنذر فلا بد أن يكون من جنسها واجب بأصل الشرع؛ كالصلاة والصيام، وكل ما لا يلزم بالنذر لم يلزم هذا فيه؛ كالمشي في الأسواق وغيره.
وإنما صح لزوم الاعتكاف بالنذر ولم يكن من جنسه ما هو واجب
[ ١ / ٣٠٩ ]
بأصل الشرع علم أنه إنما وجب بالنذر لا من شرط صحته ما هو واجب بالشرع؛ وهو صوم.
فإن قيل: ينتقض بالعمرة تلزم بالنذر، وليس من جنسها ما هو واجب بأصل الشرع.
قيل له: من جنسها الحج، وهو واجب بأصل الشرع [ق/٦٧] فإن قيل: الوقوف بعرفة من جنس الاعتكاف، وهو واجب بأصل الشرع.
قيل له: الوقوف ليس باعتكاف، ولا له أحكام الاعتكاف.
واستدل من خالفنا بقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾. وهذا منتظم لكل معتكف.
فالجواب: أنا لا نسلم أن غير الصائم معتكف اعتكافا شرعيا.
فإن قيل: حقيقة الاعتكاف هو اللبث واللزوم.
قيل له: قد انتقلنا عن حقيقة في اللغة إلى أحكام تثبت له في الشريعة فمنها: لزوم جنس مخصوص، وتحريم أشياء تنضم إلى اللبث، ولبث في مكان مخصوص، وغير ذلك؛ فلا يجوز التعلق بالاسم في اللغة.
قالوا: وروى طاوس عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "ليس على المعتكف صوم إلا أن يجعله على نفسه".
فالجواب أن ظاهر هذا أنه ليس عليه صوم لأجل الاعتكاف، ونحن
[ ١ / ٣١٠ ]
كذلك نقول؛ لأن من شرط الاعتكاف، ونحن كلك نقول؛ لأن من شرط الاعتكاف أن يكون في صوم، سواء كان لنفسه أو لغيره، وليس يلزم مريد الاعتكاف أن يفرده بصوم له.
فإن قيل: ألستم توجبون عليه إذا نذر اعتكاف شهر أن يصوم ذلك الشهر؟
قيل له: بلى.
فإن قال: فقد جعلتم عليه أن يصوم للاعتكاف.
قيل له: هذا خطأ؛ لأنه لو أراد أن يصوم ذلك الشهر قضاء أو تطوعا أو عن نذر لجاز له هذا على قولنا.
فأما على قول عبد الملك فلا يجزئه إلا أن يصومه للاعتكاف.
قالوا: وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن أبيه قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام.
فقال النبي ﷺ: "أوف بنذرك".
فوجه الدلالة منه أن الاعتكاف يصح بالليل؛ ذا يقتضي أن الصوم ليس من شرطه.
فالجواب أنه يحتمل أن يكون نذر اعتكاف ليلة بيومها؛ لأن العرب تعبر عن الأيام بالليالي؛ ويبين ذلك قوله تعالى: ﴿فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾؛ يريد بأيامها.
[ ١ / ٣١١ ]
على أن ذلك قد روى من طريق آخر أيضا.
وأيضا فإنا قد روينا عن النبي ﷺ أنه قال: "أوف بنذرك وصم".
واعتكاف الليل يصح عندنا مع النهار على وجه التبع.
وقالوا: روى أن النبي ﷺ اعتكف العشر الأول من شوال؛ وهذا يقتضي أن يكون اعتكف يوم الفطر، وصم يوم الفطر غير جائز، ولا يصح اعتكافه عندكم.
فالجواب أن اللفظ إذا أطلق وجب حمله على عادة الاستعمال وعلى ما ينفيه دليل العرف، وقد علمنا أنه ﷺ لا يترك أن يصلي العيد مع أصحابهن ويتشاغل بالاعتكاف وغير ذلك مما يتعلق بأحكام العيد؛ فعلم أن قصد الراوي بتركه الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان أن الاعتكاف في العشر الأوائل من شوال دون بيان أول وقت الاعتكاف من العشر.
وأيضا فقد دل الدليل بما ذكرناه أن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم؛ فحملنا قوله: اعتكف العشر الأول من شوال على ما عدا يوم العيد، أو أنه دخل معتكفه قبل غروب الشمس من يوم الفطر بما قدمناه.
قالوا: ولأن الليل زمان يصح الاعتكاف فيه؛ فجاز أفراده بالاعتكاف فيه.
أصله: من النهار.
فالجواب: أنا لا نسلم هذا الإطلاق؛ لأن الليل إنما يصح الاعتكاف فيه
[ ١ / ٣١٢ ]
على طريق التبع للنهار؛ فحاله مع النهار كحال الخروج من المسجد لحاجة الإنسان مع حال اللبث في المسجد في أنه يكون معتكفا في ذلك الحال على وجع اتبع، واستصحاب حكم الاعتكاف.
وقولنا إنه زمان يصح فيه الاعتكاف يفيد أنه يصح اعتكافه بنفسه لا على اتبع لغيره؛ ويبين ذلك أن جوابنا لمن قاس الكون في غير المسجد على الكون في المسجد بهذه العلة فقال: لأنها حال يصح فيها الاعتكاف فكانت كحال اللبث في المسجد كجوابنا في مثل مسألتنا.
قالوا: ولأن كل عبادة صح استفتاحها بغير صوم صح استدامتها بغير صوم كالصلاة.
فالجواب أن الاستفتاح الذي يعنونه إنما يصح عندنا على طريق اتبع كحال الخروج من المسجد مع حال الكون فيه؛ فلا يصح أن يعتبر حكم المتبوع الحقيقة بحال ما هو تبع له، ومشبه به على غيره تحقيق.
قالوا: ولأنها عبادة من شرطها المسجد؛ فوجب ألا يكون من شرطها الصوم.
أصله: الطواف.
وهذا غير صحيح؛ لأن قولهم: من شرطها المسجد يفيد أن المكلف أن يوقعه في المسجد، وأنه إن أوقعه في غير المسجد فقد أتى به خلاف شرطه، والطواف بالنية لا يكون إلا في المسجد؛ فليس سبيل ذلك سبيل الاعتكاف في الصوم؛ لأنه لا يتصور إيقاعه في غير المسجد؛ فلا يصح أن يوصف ذلك بوجوبه على المكلف أو انتفاء وجوبه.
[ ١ / ٣١٣ ]
على أن المعنى في الطواف جواز وقوفه في أقل من يوم، وليس كذلك الاعتكاف.
قالوا: ولأنه لو كان الصوم شرطا في الاعتكاف لم يصح الاعتكاف في رمضان؛ لأن صومه واجب بأصل الشرع.
وهذا لا معنى له؛ لأنا لم ينقل إن الاعتكاف لا يصح إلا في صوم يقصد به، وإنما قلنا: إن من شرطه ألا يكون إلا في صوم؛ أي صوم كان.
والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: "ولا يكون إلا متابعا".
قال القاضي [ق/٦٨] ﵀: يعني إذا كان الاعتكاف أياما فإن أوجب ذلك على نفسه متتابعا وجب التتابع لا كلام، وإن أطلق فإن الإطلاق يفيد التتابع أيضا؛ ألا ترى أنه لو قال: والله لا كلمت زيدا شهرا أو عشرة أيام لكان إطلاق ذلك يفيد التتابع، إلا أ، ينوي التفرقة فيكون ذلك معنى زائدا على الإطلاق.
مسألة
قال ﵀: "ولا يكون إلا في المسجد كما قال الله سبحانه".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀:
[ ١ / ٣١٤ ]
وهذا لقوله: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾.
ولأن رسول الله ﷺ اعتكف في المسجد، ولم ينقل عنه أنه اعتكف في غيره، ولا خلاف في ذلك.
غير أن أبا حنيفة جوز للمرأة أن تعتكف في بيتها.
قال: لأنها عورة، وكونها في بيتها أستر لها، ولها في خروجها بذلة؛ فكانت معذورة في تركه كما عذرت في ترك صلاة الجماعة.
والدلالة على ما قلناه قوله ﷿: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾؛ فوصف الاعتكاف بكونه في المسجد.
ولأنه اعتكاف شرعي؛ فكان من شرطه المسجد كاعتكاف الرجل.
ولأن شخص معتكف؛ فأشبه الرجل.
ولأن ما هو شرط في صحة العبادة لا يختلف حكم الرجل والمرأة فيه.
أصله: الصوم في الاعتكاف، والطهارة للصلاة.
وما قالوه من أن العذر فإنما يؤثر في ترك الفضيلة. لا فيما كان شرطا في العبادات.
والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: "وإن كان في بلد فيه الجمعة فلا يكون إلا في الجامع، إلا أن ينذر أياما لا تأخذه فيها الجمعة".
[ ١ / ٣١٥ ]
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ﵀: هذا إذا كانت أيام اعتكافه لا يتهللها يوم الجمعة جاز الاعتكاف في أي مسجد شاء؛ لأن من شرطه ألا يكون إلا في المسجد، وليس في شرطه أن يكون في مسجد مخصوص؛ كما أن من شرطه أن يكون في صوم، وليس من شرطه أن يكون في صوم مخصوص.
ويدل على ذلك ما احتج به مالك ﵀ من قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾.
قال: فعم المساجد كلها، ولم يص منها شيئا، ولا خلاف أعلمه في ذلك.
فأما إذا كانت أياما تلزمه فيها الجمعة، وكان ممن تجب عليه الجمعة، أو في بلد يلزمه فيه الجمعة فلا يجوز له الاعتكاف إلا في الجامع، لا من أجل أن الاعتكاف لا يجوز في غيره من المساجد، لكن لأنه متى لم يعتكف فيه أدى إلى أحد أمرين ممنوعين: إلا أن يخرج إلى الجمعة؛ فينتقض بذلك اعتكافه؛ لأنه لا يجوز له الخروج إلا لحاجة الإنسان أو لما لعله أن تدعوه الضرورة إليه من شراء طعام وغيره، أو أن يتم على اعتكافه فيترك الجمعة، ووجوبها آكد من الاعتكاف.
فكان الوجه في ذلك ما قلناه من أن يبتدئ الاعتكاف في المسجد.
والله أعلم.
[ ١ / ٣١٦ ]
مسألة
قال ﵀: "وأقل ما هو أحب إلينا من الاعتكاف عشرة أيام".
قال القاضي ﵀: إنما قال هذا؛ لأنه لم ينقل أن النبي ﷺ اعتكف أقل من عشرة أيام؛ فلذلك كره الاقتصار عنها.
فأما الواجب فهو يوم كامل؛ لأنته أقل زمان يصح فيه الصوم على ما بيناه.
مسألة
قال ﵀: "ومن نذر اعتكاف يوم فأكثر لزمه".
قال القاضي ﵀: هذا لأنه زمان يصح فيه الصوم؛ فلزم الاعتكاف فيه بالنذر؛ لقوله تعالى: ﴿أوفوا العقود﴾.
ولأن النبي ﷺ قال لعمر وسأله عن نذره الاعتكاف: "في بنذرك وصم".
مسألة
قال ﵀: "وإن نذر اعتكاف ليلة لزمه يوم وليلة".
قال القاضي ﵀: من أصحابنا من قال: لا يلزمه شيء، ومنهم من قال: يلزمه يوم وليلة.
فإذا قلنا: لا يلزمه شيء؛ فلأنه بمنزلة من نذر صوم الليل؛ فلا يلزمه.
[ ١ / ٣١٧ ]
وإذا قلنا يلزمه؛ فلأن الليلة قد يعبر بها عن يومها.
يبين ذلك قوله تعالى: ﴿فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾.
وأقل الأمور أن يكون محتملا فيحمل على الوجه الذي تقتضيه الشريعة.
مسألة
قال ﵀: "ومن أفطر فيه معتمدا فليبتدئ اعتكافه، وكذلك [إذا] جامع فيه ليلا ونهارا، ناسيا أو معتمدا".
قال القاضي﵀: أما إذا أفطر عامدا فإنه يستأنف؛ لأنه قد اختار قطع التتابع، ومن شرطه أن يكون متتابعا؛ على ما بيناه.
وإذا أفطر ناسيا مضى وبني على اعتكافه؛ لأنه لم يختر قطع التتابع، وإنما أفطر لعذر؛ فهو يستأنف، بالمرض والحيض. وإذا كان ذلك بنى ولم يستأنف؛ ألا ترى أن هذه الأعذار إذا طرأت في صيام شهري التتابع يجاز معها البناء، ولم يلزم الاستئناف؟
فأما في فساد الصوم فيستوي حكم المفطر المتعمد وغيره مع العذر وعدمه؛ على ما بيناه في كتاب الصوم، وإنما يختلف الحكم في البناء والاستئناف.
وكذلك الاعتكاف يفسد بالأكل أو الجماع بالسهو والعمد، إلا أن في
[ ١ / ٣١٨ ]
السهو يبقى في المسجد على حكم المعتكف كما يمسك الآكل ناسيا في الصوم بقية النهار وإن كان صومه قد فسد بالأكل.
والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: "فإن مرض خرج إلى بيته، فإذا صح بني على ما تقدم.
وكذلك إن حاضت المعتكفة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: وهذا لأن المرض عذر يجوز معه [ق/٦٩] الإفطار والخروج من المسجد، وكذلك الحيض.
ولا معنى لكونه في المسجد؛ لأنه عذر يجوز له الفطر في الظاهر والباطن.
وليس كالنسيان؛ لأن المفطر ناسيا يبقى في المسجد؛ لأنه معذور في الظاهر، وليس عذره كعذر المريض، ولأن إقامته في المسجد تضر به، لأنه يحتاج إلى علاج ومراعاة وغير ذلك مما لا يجوز أن يفعل في المسجد.
وكذلك الحائض لا يجوز لها دخول المسجد لو لم تكن معتكفة؛ لان الحيض يمنع من ذلك؛ فكذلك إذا كانت معتكفة.
فإذا زال عذرهما بزوال المرض وانقطاع الحيض بنيا على ما تقدم؛ لأن
[ ١ / ٣١٩ ]
العذر لا يمنع البناء؛ على ما بيناه.
فإن أخرا ذلك استأنفا؛ لاختيارهما قطع التتابع.
والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: "وحرمة الاعتكاف عليهما في المرض، وعلى الحائض في الحيض".
قال القاضي ﵀: يعني أنه لا يجوز أن يفعلا ما كانا ممنوعين منه في الاعتكاف مما لا يقتضيه عذرهما الذي هو المرض والحيض، فمتى فعلا ذلك لم يجز لهما البناء واستأنفا؛ كالآكل لماسيا في اعتكافه فإنه يقضي وبيني، فمتى قبل أو باشر بطل اعتكافه واستأنف؛ فكذلك المريض والحائض.
مسألة
قال ﵀: "فإذا طهرت الحائض، أو أفاق المريض من مرضه في ليل أو نهار رجعا ساعتئذ إلى المسجد".
قال القاضي ﵀: وهذا لأن عذره الذي جاز له معه الخروج من المسجد قد زال، فوجب عليه الرجوع إلى المسجد. فإن أخر ذلك استأنف على ما بيناه.
مسألة
قال ﵀: "ولا يخرج المعتكف من معتكفه إلا
[ ١ / ٣٢٠ ]
لحاجة الإنسان".
قال القاضي﵀: هذا لأن من شرط الاعتكاف الكون في المسجد؛ فلا يجوز للمعتكف الخروج منه.
فأما إذا أراد الحاجة فإنه يجوز له الخروج للضرورة التي لا يمكن دفعها ولا الاحتراز منها.
والأصل في ذلك ما رواه مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف يدني إلى رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إنسان.
مسألة
قال ﵀: "وليدخل معتكفه قبل غروب الشمس من الليلة التي يرد أن يبتدئ فيها اعتكافه".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: وهذا ليستوفي الليلة بيومها في الاعتكاف؛ لأن أقل الاعتكاف المستحب هو اليوم والليلة.
فأما الواجب فهو أن يدخل قبل طلوع الفجر في وقت يمكنه أن ينوي الصوم فيه؛ لأن الاعتكاف لا يصح إلا بصيام؛ على ما بيناه.
مسألة
قال ﵀: "ولا يعود مريضا، ولا يصلي على جنازة،
[ ١ / ٣٢١ ]
ولا يخرج لتجارة".
قال القاضي أبو محمد عبد لوهاب بن علي ﵀: وهذا لأن من شرط الاعتكاف المسجد؛ فلا يجوز الخروج إلا لضرورة حاجة الإنسان، أو للطعام والشراب إذا لم يجد من ينوبه عنه فيه.
والأصل في ذلك ما رويناه عن النبي ﷺ أنه إذا اعتكف كان لا يخرج إلا لحاجة الإنسان.
مسألة
قال رحمه القاضي ﵀: "ولا شرط في الاعتكاف".
قال القاضي ﵀: وهذا كما قال: لا يجوز للمعتكف أن يشترط خروجه من اعتكافه لعارض أو غيره.
وقال الشافعي: يجوز ذلك.
والدلالة على ما قلناه: قوله ﷺ: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل".
ولأنها عبادة اشتراط فيها خلاف موجب عقدها المطلق ونقيضه فوجب ألا يصح؛ اعتبارا بالصلاة والصيام.
[ ١ / ٣٢٢ ]
مسألة
قال ﵀: ولا بأس أن يكون [في] إمام المسجد".
قال القاضي ﵀: هذا لأن ذلك لا ينافي الاعتكاف ولا يخالف موجبه؛ فجاز فعله.
وكذلك كل فعل لا ينافي الاعتكاف ولا يقطعه عن موجبه فجاز فعله.
ولأن الصلاة من فعل الاعتكاف ومن موجبه ومن صفة المعتكف.
وليس في كون المعتكف إماما ما يمنع ذلك؛ فجاز فعله.
مسألة
قال ﵀: "وله أن يتزوج، ويعقد نكاح غيره".
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀: هذا لأن العبادات كلها سوى الإحرام والعدة لا تمنع عقد النكاح ولا الولاية فيه؛ كالصيام والوضوء وعبادات الكفاية وغير ذلك؛ فكذلك الاعتكاف.
والفرق بين الاعتكاف والإحرام أن الإحرام يمنع التطيب؛ فمنع عقد النكاح كالعدة.
وليس كذلك الاعتكاف؛ لأنه لا يمنع التطيب فلم يمنع عقد النكاح كسائر العبادات.
فأما الظواهر فإنها مطلقة في إباحة عقد النكاح في الأحوال كلها إلا ما
[ ١ / ٣٢٣ ]
خصه الدليل كقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾، ولم يخص حال الإحرام والاعتكاف؛ فقامت الدلالة في الإحرام، ولم تقم في الاعتكاف.
مسألة
قال ﵀: "ومن اعتكف أول الشهر أو وسطه خرج من اعتكافه بعد غروب الشمس من آخره".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب﵀: وهذا لأنه لا يجوز له الخروج إلا بمقتضى مدة الاعتكاف.
وانقضاؤها هو بخروج آخر النهار؛ لأن بغروب الشمس يخرج وقت الصوم، ومن شرط الاعتكاف الصوم، فما دام [ق/٧٠] وقت الصوم باقيا فهو معتكف، ولا يجوز له الخروج منه.
مسألة
قال ﵀: "وإن اعتكف بما يتصل فيه اعتكافه بيوم الفطر فليبت ليلة الفطر في المسجد حتى يغدو منه إلى المصلى".
قال القاضي ﵀: هذا على طريق الاستحباب دون الوجوب ليتصل العملان والفراغ منهما، وكذلك روى عن النبي ﷺ أنه كان يفعل.
ولأنه إذا رجع إلى أهله لم يترفه بالقدر الذي يحصل عنهم إلى وقت
[ ١ / ٣٢٤ ]
خروجه لصلاة العيد.
والمبيت في المسجد قربة وفعل خير وذكرا لله تعالى؛ فاستحب أن يصله بالاعتكاف.
فإن لم يفعل ذلك جاز إذا انصرف بعد غروب الشمس، لزوال مدة اعتكافه.
والله أعلم.
[ ١ / ٣٢٥ ]