باب: في زكاة العين، والحرف، والماشية، وما يخرج من المعدن، وما يؤخذ من تجارة أهل الذمة والحربيين.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: أعلم أن معنى الزكاة في اللغة: النماء والزيادة. يقال: زكى المال يزكو إذا نما وزاد، وزكى الحرث إذا حسن وزاد وكثر ريعه، وفلان زكى أي: كثر الخير.
والأصل في وجوب الزكاة: الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
وقد سميت في الشرع بغير اسم؛ فمن أسمائها:
الزكاة، والحق، والنفقة، والصدقة، والعفو، وغير ذلك.
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾؛ ففي هذا دليلان:
أحدهما: أنه أمر بإتيانها، والأمر على الوجوب.
والآخر: أنه قرنها بالصلاة وهي من أركان الشرع؛ فكان ظاهر ذلك يقتضي تساويهما.
وبهذه الطريقة احتج أبو بكر الصديق ﵁ على من ناظره في قتال العرب حين منعت الزكاة فقال: (لا أفرق بين ما جمع الله)؛
[ ١ / ٣٢٦ ]
يريد أن القتال على الزكاة كالقتال على ترك الصلاة.
وقوله تعالى: ﴿وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾.
وهذا من آكد ما يدل على وجوب الشيء إذا قرن بالتهديد والوعيد.
وقوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾.
فشرط في المنع من قتلهم مع التوبة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة؛ وهذا يدل على أن بعض هذه الأمور إذا انخم فالأمر بقتلهم باق. وذلك دال على وجوب جميعها.
وقال ﷿: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾.
فشرط في كونهم من أهل الدين أداء الزكاة؛ فدل ذلك على وجوبها.
وقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾.
يعني: الزكاة الواجبة فيه؛ فتسمى الزكاة حقا.
وهذا مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين.
وقيل: بل هو حق كان في المال غير الزكاة فنسخته الزكاة.
وقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة﴾ فأخبر أنه أمرهم بالزكاة كما أمرهم بالصلاة.
[ ١ / ٣٢٧ ]
وقوله ﷿: ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى﴾.
قيل في تأويله: أدى زكاة الفطر، ثم خرج إلى المصلى لصلاة العيد.
وممن روى عنه ذلك أبو العالية، وعكرمة، وعمر بن عبد العزيز.
وقوله ﷿: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾.
يعني: الزكاة.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بها صدقة التطوع.
والصحيح هو الأول؛ ويدل على قوله ﷺ: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم".
وإنما عني به قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، وكذلك قوله ﷺ لمعاذ: "خذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم".
ويبين ذلك ما روى في الحديث أن العرب لما منعت الزكاة قالوا لأبي بكر رضوان الله عليه: إنا لا نؤدي الزكاة إليك؛ لأن الله يقول: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ قالوا: وهذا خطاب للنبي ﷺ، ولم ينقل عن أبي بكر إنكار عليهم لتأويلهم هذه الآية في الزكاة، ولا أنه قال
[ ١ / ٣٢٨ ]
لهم: ليس الأمر على ما قلتم لأن الصدقة التي أمر بأخذها بقوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾.
هي التطوع أو صدقة غير الزكاة، بل أقرهم على هذا التأويل، واستعمل معهم مناظرة.
وقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ الآية وقوله: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمي عليها﴾ إلى قوله: ﴿ما كنتم تكنزون﴾.
فروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا أتى به وبماله فأحمى عليه في نار جهنم فتكوى بها جنباه وظهره حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.
ولا عبد لا يؤدي صدقة إبله إلا أتى به وبإبله على أوفار ما كانت يعني يوم القيامة فيبطح لها بقاع قرقر فتسير عليها أولها، كلما مضى آخرها كر عليه أولها، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيلة إما إلى الجنة وأما إلى النار.
ولا عبد لا يؤدي صدقة غنمه إلا أتى به وبغنمه على أوفر ما كانت فيبطح لها بقاع قرقر فتسير عليها أولها، كلما مضى آخرها رد عليه أولها
[ ١ / ٣٢٩ ]
وتطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها، ليس فيها عقصاء ولاجلحاء حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" وروى أبو الزبير عن جابر قال: قال النبي ﷺ "أيما مال أدى [ق/٧١] زكاته فليس بكنز.
وروى عن عجلان عن سعيد المقبري قال: باع رجل أرضا له. فقال له عمر: احرز مالك؛ احفر له تحت فراش امرأتك.
فقال يا أمير المؤمنين: أليس كنزا؟ قال: ليس كنزا ما أدى زكاته.
وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر في المال: إذا أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت الأرض السابعة السفلى، وإن لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان على ظهر الأرض.
وروى مالك عن عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر يسأل عن الكنز ما هو. قال: المال الذي لا تؤدى منه الزكاة.
[ ١ / ٣٣٠ ]
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾. وقوله: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله﴾.
فروى أبو وائل عن عبد الله بن مسعود قال: من حبس زكاة ماله جعل له يوم القيامة شجاعا أقرع يطوقه في عنقه، ثم قرأ علينا رسول الله مصداقه في كتاب الله ﷿: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾.
وقوله تعالى: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم﴾ وقيل في التفسير: المراد به الزكاة.
وروى عن جماعة سمن التابعين.
فهذا من الكتاب.
وأما السنة: فقوله ﷺ: بني الإسلام على خمس " فذكر إيتاء الزكاة.
وقوله لمعاذ حين بعثه إلى اليمين: "خذ الصدقة من أغنيائهم فردها في فقرائهم".
[ ١ / ٣٣١ ]
وفيه أخبار كثيرة ترد في مسائل الكتاب.
وأما الإجماع: فالخبر المشهور فيما مضى لأبي بكر الصديق ﵁ مع أهل الردة؛ وذلك أن العرب منعت الزكاة فعزم أبو بكر على قتالهم؛ فقال له عمر: أتقاتلهم وقد قال النبي ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا من دماءهم وأموالهم إلا بحقها؟ " فقال له أبو بكر: فالزكاة من حقها يا عمر.
والله لو منعوني عقالا- وروى عناقا- مما كانوا يدفعونه إلى النبي ﷺ لجاهدته عليه.
فاستقر الإجماع على ذلك.
وفي هذه الجملة كفاية فيما ذكرناه.
مسألة
قال أبو محمد بن أبي زيد ﵀: "وزكاة العين والحرث والماشية فريضة.
فأما زكاة الحرث فيوم حصاده، والعين والماشية ففي كل حول مرة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀:
قد بينا وجوب الزكاة في هذه الثلاثة الأجناس في الجملة، وسنبين ذلك في التفصيل عند البلوغ إلى مواضعها من الكتاب.
فأما اعتبار الحول في العين والماشية: فلما رواه ثابت عن أنس قال:
[ ١ / ٣٣٢ ]
قال رسول الله ﷺ: "ليس من مال زكاة حتى يحول عليه الحول".
وروى مالك عن محمد بن عقبة عن القاسم بن محمد قال: كان أبو بكر ﵁ لا يأخذ عن مال زكاة حتى يحول عليه الحول.
وروى مثله عن علي بن أبي طالب ﵁.
وروى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا تجب في مال زكاة حتى يحول عليه الحول.
ولا خلاف في ذلك إلا ما حكى عن ابن عباس وابن مسعود فيمن ورث مالا أن عليه الزكاة حال ما ورثه من غير اعتبار بحلول الحول عليه.
واستدل لهذا القول بأنه مال مستفاد من غير عوض؛ فلم يعتبر فيه حلول الحول.
دليله: المعدن والثمار والزروع.
والأصل في هذا قوله ﷺ: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول".
وروى: من استفاد مالا فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول".
ولأنه مال مستفاد من مالك متعين تتكرر في عينه الزكاة؛ فأشبه ما يملك بعوض.
فأما المعدن: فإنه مشبه بالزرع.
[ ١ / ٣٣٣ ]
والمعنى في الزرع والحب أن نماءه يحصل في وقت واحد، وليس كذلك العين
والله أعلم.
مسألة
قال ابن أبي زيد ﵀: "ولا زكاة [في] الحب والثمر في أقل من خمسة أوسق؛ وذلك ستة أقفزة وربع قفيز.
والوسق: ستون صاعا بصاع النبي ﷺ وهو أربعة أمداد بمده ﷺ".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: أعلم أن زكاة الحب والثمار يعتبر فيها نصاب معلوم كما يعتبر ذلك في زكاة العين والماشية؛ وذلك النصاب خمسة أوسق، لا زكاة فيما دون ذلك.
هذا قول أصحابنا.
وروى عن جابر بن عبد الله، وأبي قلابة، وسعيد بن المسيب، وعطاء ابن أبي رباح، والحسن، نوهو قول المشيخة السبعة.
وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وعند أبي حنيفة أنه ليس هناك نصاب معتبر، وأن العشر أو نصف العشر يجب في القليل والكثير.
واستدل أصحابه بقوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾.
وهذا عام في القليل والكثير.
[ ١ / ٣٣٤ ]
وبقوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، وقوله ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾؛ فأصاب الحق إلى جميعه.
وقوله ﷺ: "فيما سقت السماء العشر".
فعم، ولم يخص مقدارا من مقدار.
وروى أبان بن أبي عياش عن أنس أن النبي ﷺ قال: "فيما سقت السماء العشر".
وقوله ﷺ لمعاذ: "خذ الحب من الحب" فم ولم يخص.
ولأن النصاب أحد شرطي وجوب الزكاة؛ فوجب [ق/٧٢] سقوط اعتباره في الزرع والثمار؛ اعتبارا بالحول.
ولأنه حق يجب في مال لا يعتبر فيه الحول؛ فوجب ألا يعتبر فيه النصاب.
أصله: خمس الغنيمة.
[ ١ / ٣٣٥ ]
ولأن النصاب وضع للتوقية كالحول، فلما لم يعتبر في الزرع حول فكذلك النصاب.
ولأن النصاب إنما يعتبر في الأموال التي يتكرر الوجوب فيها، والزروع لا يتكرر فيها ذلك؛ فلم يعتبر فيها نصاب.
ولأن كل مال اعتبر النصاب في تعلق الحق به فلا بد من حصول عفو فيه في ثاني؛ اعتبارا بالمواشي، فلما لم يكن في الثمار والحبوب عفو بعد الوجوب علم أنه لا نصاب فيها.
ولأنه لو اعتبر في الخارج من الأرض نصاب لوجب أن يختلف النصاب باختلاف أجناس الأموال؛ ألا ترى أنه لما اعتبر النصاب في زكاة العين والماشية كان نصاب المال غير نصاب الماشية، فلما قلتم: إن النصاب خمسية أوسق في الأجناس كلها غير مختلف دل ذلك على أن النصاب غير معتبر فيه.
ولأن العشر يسقط بعدم الانتفاع بالأرض كالخراج، فلما لم يعتبر في وجوب أخذ الخراج نصاب من الزرع؛ فكذلك العشر.
والدلالة على صحة قولنا: ما روى مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله ﷺ: "ليس فيما دون خمس ذو صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة".
وروى عمرو بن مرة الجملي عن أبي البختري الطائي عن أبي سعيد
[ ١ / ٣٣٦ ]
الخدري عن النبي ﷺ قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق زكاة".
وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة".
وروى ابن أبي أنيسة عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "لا زكاة في شيء من الحرث حتى يبلغ خمسة أوثق، فإذا بلغ خمسة أوسق ففيها الزكاة".
وهذه الأخبار نصوصا في موضع الخلاف.
فإن قيل: إنه لا دلالة في هذه الأخبار على موضع الخلاف؛ لأنه ليس فيها إلا نفي الزكاة والصدقة عن ما دون الخمسة الأوسق، ونحن كذلك نقول: إنه لا زكاة فيه أو صدقة، ولكن فيه العشر أو نصفه، وذلك ليس زكاة عندنا ولا صدقة.
فالجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: إن العشر زكاة وصدقة، ونحن ندل على ذلك فإذا ثبت كونه زكاة وصدقة صح الاستدلال بالخبر والذي يدل على ذلك أشياء:
أحدها: إن الذي نفاه عما دون الخمسة الأوسق هو الذي أثبته فيها، فلما كان المثبت فيها هو العشر وجب أن يكون ذلك هو المنفي عما دونها.
[ ١ / ٣٣٧ ]
والثاني: اتفاقنا على أنه يصرف مصرف الزكوات، ومصرف ربع العشر المأخوذ من الذهب والورق، فدل ذلك على أنه لا زكاة؛ ألا ترى أن الغئ والجزية وعشورة أهل الذمة لما لم يصرف شيء منهم مصرف الزكوات لم تكن زكاة ولا صدقة؟.
والثالث: ما رواه الزهري عن سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد قال: أمر رسول الله ﷺ أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيبا كما تؤخذ صدقة النخل تمرا.
فسمى المأخوذ من النخل والتمر زكاة وصدقة.
والرابع: إن هذا العشر محرم على النبي ﷺ تحريم الصدقة؛ فصح بذلك كونه صدقة.
يبين هذا أن الجزية وعشور أهل الذمة ليست محرمة عليه تحريم الصدقة، وإذا صح أن العشر صدقة وزكاة، وقد ورد الخبر بنفيها عما دون خمسة أوسق بطل ما قالوه.
ويدل أيضا على ما قلناه ابتداء وجوابا عن سؤالهم ما رواه الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمين: "وما كتب الله على المؤمنين من العشر ما سقت السماء، أو كان سحاء أوكان بعلاء ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وما
[ ١ / ٣٣٨ ]
يسقى بالغرب والدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق".
وروى ابن وهب عن أبيه عن ابن لهيعة عن عمارة بن عبد الله بن أبي بكر أخبره أن هذا كتاب رسول الله ﷺ لعمر بن حزم في النخل والزرع قمحه وسلته وشعيره؛ فما يسقى من ذلك له نصف العشر، وما يسقى بالعين أو كان عثريا تسقيه السماء أو كان بعلا لا يسقى العشر، وليس في تمر النخل صدقة حتى يبلغها خرصها خمسة أوسق، فإذا بلغت خمسة أوسق ففيها الصدقة كلها.
فشرط في أخذ العشر أو نصفه بلوغ المأخوذ منه خمسة أوسق.
وروى محمد بن مسلم بن عمرو بن دينار عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس في شيء من الكرم والنخل والزرع شيء حتى يكون خمسة أوسق، ولا في الدراهم حتى تكون مائتي درهم".
ومن جهة الاعتبار: لأنه مال تجب فيه الزكاة في عينه؛ فوجب أن يكون في أوله عفوا حتى يبلغ نصابا واحدا؛ اعتبارا بالماشية والعين.
فإن قيل: لما اعتبر في ذلك الحول اعتبر فيه النصاب، وها هنا فالحول غير معتبر؛ فلم يعتبر النصاب.
قيل له: هذا ينتقض على أصلنا بزكاة المعدن؛ لأن النصاب معتبر فيها، والحول غير معتبر.
قياس آخر: لأنه حق يجب في المال يصرف مصرف الزكوات؛ فانقضى
[ ١ / ٣٣٩ ]
[ق/٧٣] وجوبه نصابا في الابتداء؛ بزكاة الذهب والورق.
وإذا لبث هذا فظواهرهم عامة، وأخبارنا خاصة؛ فوجب القضاء بها عليها.
فأما قوله ﷺ: "فيما سقت السماء العشر" فعنه جوابان.
أحدهما: أنه قد نقلنا فيه زيادة؛ وهي قوله: "إذا بلغ خمسة أوسق" والزيادة مقبوله إذا أتى بها الثقة.
والثاني: أنه مخصوص ما ذكرناه.
قالوا: على هذا الجواب إذا ورد خبران: أحدهما: متفق على استعمال بعضه، والآخر: مختلف في استعمالها كان ما اتفق على استعمال بعضه أولى.
قالوا: وقد اتفقنا على أن خبرنا مستعمل في الخمسة أوسق فما فوقها، وخبركم مختلف في أصله؛ فكان خبرنا أولى.
فالجواب أنا لا نعتبر ما ذكروه، بل يقضى بالخاص على العام؛ على أن خبرنا أيضا متفق على استعمال بعضه؛ وهو ما رويناه عن أبي الزبير عن جابر أن النبي ﷺ قال: "لا زكاة في شيء من الحرث حتى يبلغ خمسة أوسق، فإذا بلغ خمسة أوسق ففيه الزكاة".
وما رويناه عن محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن جابر عن النبي ﷺ.
وجواب آخر: وهو أن المقصود بقوله: "فيما سقت السماء العشر".
[ ١ / ٣٤٠ ]
بيان القدر المأخوذ، ولم يبين له تحديد المأخوذ منه، ولا بيان أجناسه.
ومن يقول من أصحابنا أن وقف العموم على المقصود واجب؛ فالسؤال ساقط على أصله، ومن لا يقول بذلك يرى هذا الطريق ترجيحا لأحد الخبرين على الآخرين؛ فيحكم به.
وأيضا فإن الترجيح معنا؛ لأنه قد اتفقنا على هذا الاستعمال في نظير مثل أخبارنا؛ وذلك أن النبي ﷺ قال: "في الرقة ربع العشر".
وكان ظاهر ذلك يقتضي عموم الرقة. ثم قال: "ليس فيما خمس أواق صدقة"؛ فحكمنا بخصوص ذلك العموم بهذا الخبر؛ فكذلك يجب أن يكون حكم قوله: "قيما صقت السماء العشر" مع قوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة".
فإن قيل: إن قوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" لا يجوز أن يكون بيانا لقوله: "فيما سقت السماء العشر"؛ لأنه قوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" لا ينتظم إلا الموسق دون غيره، وقوله: "فيما دون خمسة أوسق صدقة" لاينتظم إلا الموسق دون غيره، وقوله: "فيما سقت السماء العشر" نظم الموسق وما ليس بموصق. ومن حق البيان أن يككون طبق المبين ووفقه، لا زائد عليه ولا نقصا عنه، ومتى جعلنا قوله "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" بيانا لقوله: "فيما سقت السماء العشر" كان ذل عائدا إلى بعض ما شمله العموم، وهو ما يصح أن يكون موسقا دون ما ليس بموسق، وهذا يخرجه عن أن يكون بيانا.
قيل له: لا معنى له؛ لأنه ليس يمتنع أن يكون بيانا لوجوب الزكاة في
[ ١ / ٣٤١ ]
الموسق أنه إذا بلغ هذا الحد فالزكاة فيه، وإن أسقطت الزكاة عما عدا الموسق فبديل آخر، فسقط اعتراضهم.
فإن قيل: يحتمل أن يكون المنفى بقوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" هو ما كان واجبا في المال قبل الزكاة من صدقة يأخذها العمال أو غير ذلك مما نسخ بالزكاة.
قيل له: فهذا الضرب من الاحتمال لا ينتقل عن ظواهر الأخبار موجباتها، على أنا روينا نصا: "لا زكاة فيما دون خمسة أوسق"؛ فسقط ما قالوه.
وأما ما رووه عن انس أن النبي ﷺ قال: "فيما سقت السماء العشر في قليله وكثيره".
فغير معروف ولا محفوظ، وعلى أن طريقه عن رجل مجهول، وليس هو عن انس، ورواه أبو مطيع البلخي وهو مجهول عند أهل النقل
عن أبي حنيفة عن أبان بن أبي عياش وأبان ضعيف عن رجل عن النبي ﷺ وفي هذا ما لا خفاء به.
على أنا لو سلمناه لكان الجواب عنه على ما قلناه؛ وهو أن معناه: إذا بلغ خمسة أوسق؛ بدلالة خبرنا.
فإن قيل: فما الفائدة في هذا التأكيد الذي هو قوله: "في قليلة وكثيره"؟
قلنا: فائدته أنه إذا بلغ هذا الحد وجبت الزكاة فيه، وفيما زاد عليه من
[ ١ / ٣٤٢ ]
عفو بعد النصاب والوجوب فرقا بينه وبين المواشي التي فيها نصابا وأوقاصا.
فأما قوله صلى الله عليه سلم لمعاذ: "خذ الحب من الحب".
فالمقصود به أن ما يؤخذ من الشيء من جنسه دون بيان تحديد المأخوذ منه على أنه مخصوص، ولو ثبت عمومه بما ذكرناه.
وقولهم: إن النصاب أحد شرطي وجوب الزكاة فأشبه الحول ينتقض بالإسلام والجزية؛ لأنهما أحد شرطي وجوب الزكاة ومع ذلك معتبرة في الزرع والثمار.
وينتقض على أصلهم بزكاة الفطر؛ لأنه لا تجب عندهم إلا على من يملك نصابا، والحول غير معتبر فيها.
وينتقض على أصلنا بزكاة المعدن؛ لأن النصاب معتبر فيها.
وعلى أن اعتبار النصاب بالحول لا يصح؛ لاختلاف موضوعهما؛ وذلك أن الحول إنما اعتبر ليتكامل نماء المال فيه. وهذا المعنى يحتاج إليه في العين والماشية؛ ليتكامل نماؤها بالتصرف في المال والولادة وزيادة السن في الماشية. وليس كذلك الزرع؛ لأن نماءه يتكامل باستحصاده وبلوغه؛ فلذلك لم يعتبر فيه حول؛ لأن المعنى الذي له نصب الحول معدوم فيه.
وأما النصاب إنما وضع ترفيها لرب المال، وليبلغ المال حدا يحتمل الصدقة [ق/٧٤] ويتسع للمواساة، وهذا ممكن فيما دون الخمسة الأوسق؛ فصح أن يعتبر النصاب في الزرع وإن لم يعتبر الحول.
واعتبارهم بخمس الغنيمة بعلة أنا حق يجب في مال لا يعتبر فيه
[ ١ / ٣٤٣ ]
الحول؛ فوجب ألا يعتبر فيه النصاب ينتقض بالمعنى على أصلنا وزكاة الفطر على أصلهم على الخمس لا يصرف مصرف الزكاة، وليس كذلك العشر.
وقولهم: إن النصاب وضع للترفيه كالحول؛ فإذا سقط أحدهما وجب أن يسقط الآخر: فقد بينا أن الترفيه الذي وضع له النصاب غير الترفيه الذي وضع له الحول بأن قلنا: إن الحول إنما وضع ليتكامل نماء المال، والنصاب إنما وضع ليبلغ حدا يحتمل المواساة؛ فما له أريد الحول لا يحتاج إليه الزرع؛ لأن نماءه يتكامل بلوغه؛ فسقط اعتبار الحول فيه، وبقي الترفيه الذي أريد بالنصاب؛ فلذلك وجب اعتبارهم.
وقولهم: إن النصاب يعتبر في الأموال التي يتكرر الوجوب فيها، والزرع لا يتكرر الوجوب فيه فهو قياس عكس غير مردود إلى أصل، على أن المعنى مختلف في الأصلين؛ وذلك أن تكرر الوجوب إنما هو لتكرر النماء واتصاله؛ فلذل تكرر الوجوب.
وليس كذلك الزرع والثمار؛ لأن النماء فيها لا يتكرر؛ فلم يتكرر الوجوب.
وقد علمنا أن تكرر النماء واتصاله لا يؤثر في النصاب؛ فكذلك عدمه.
وقولهم: كل ما اعتبر فيه النصاب فلا بد من عفو بعده قياس عكس
[ ١ / ٣٤٤ ]
أيضا غير مردود إلى أصل في الطرد، وهو منتقض على أصلنا بزكاة العين؛ لأنه لا عفو فيها بعد النصاب.
على أن ذلك إنما وجب في الماشية؛ لأن المأخوذ منه مختلف غير مقدر، وليس كذلك في الذهب والورق؛ لأنه مقدر بربع العشر.
وكذلك في الحبوب والثمار؛ لأنه مقد بالعشر أو نصفه.
وقولهم: كان يجب أن تختلف النصب باختلاف أجناس الأموال الخارجة من الأرض باطل من وجهين:
أحدهما: أن اختلاف النصب ليس معتبر باختلاف الأجناس؛ لأن نصب الجنس الواحد من المواشي مختلفة مع الاتفاق في الجنس.
والوجه الآخر: أن النصب إنما اختلف لاختلاف القدر المأخوذ من المال. وليس كذلك في الزرع والثمار؛ لأن القدر فيها معروف غير مختلف؛ وهو العشر أو نصفه.
وقولهم: إن العشر يسقط لعدم الانتفاع بالأرض كالخراج إن أرادوا تلف الأرض فالعلة غير صحيحة؛ لأنه إنما يجب عشر زرع قد حصل، فإذا تلف قبل حصوله فلم يجب؛ فلا معنى لأن يقال: سقط وجوبه.
وإن أرادوا بعدم الانتفاع بالأرض كثرة المؤنة ولزوم نفقة على الزرع أضعاف ما يساوى فإن هذا لا يسقط الزكاة عندنا.
على أن طريق الخراج طريق الأجرة، وطريق الزكاة المواساة؛ فموضوع الأمرين مختلف.
وبالله التوفيق.
[ ١ / ٣٤٥ ]
فصل
فأما قوله: يالوسق: ستون صاعا بصاع النبي ﷺ.
فلا خلاف في ذل أعلمه، وقد وردت الأخبار عن النبي ﷺ، وعن الصحابة رضوان الله عليهم بذلك.
وروى عمرو بن مرة عن بي البحتري عن أبي سعيد الخدري، والزهري، وعطاء، والشعبي، وابن سيرين، وإبراهيم، وشريك بن عبد الله القاضي، والحسن بن صالح، وغيرهم.
فصل
"وصاع النبي ﷺ أربعة أمداد بمده ﷺ".
ومده رطل وثلث بالبغدادي، هذا قول أصحابنا كافة، والشافعي، وإليه ذهب أبو يوسف لما ناظره مالك ﵀ بحضرة هارون الرشيد.
وعند أبي حنيفة أن صاع النبي ﷺ ثمانية أرطال بالبغدادي.
والذي يدل على ما قلناه: أنه قال أهل المدينة قرنا بعد قرن، وعصرا بعد عصر، وخلفا بعد سلف أن صاع النبي ﷺ هو الذي ذكرناه.
ومثل هذا النقل لا يجوز عليه الخطأ والغلط، ولا اعتماد الكذب؛ لأن ذلك لا يجوز على بعض عددهم، ولأنه لو حاز ذلك عليهم مع اجتماعهم على نقله لجاز عليهم في تقل القبر والمنبر وما أشبه ذلك حتى كنا نجوز أن يكون قبر النبي ﷺ هو غير هذا الذي نشير إليه اليوم،
[ ١ / ٣٤٦ ]
وكذلك منبره.
فلما كان هذا غير جائز عليهم، وكان الذي أمننا من ذلك اجتماعهم على نقله مع امتناع التساعف والتواطؤ واعتماد الكذب على مثل عددهم، فكذلك سبيل نقلهم الصاع والمد.
فإن قيل: لو كان سبيل نقلهم الصاع والمد سبيل نقلهم للقبر والمنبر لم يقع فيه خلاف، ولم يجز أن يختلف النقل؛ فيروي أهل المدينة شيئا ويروى غيرهم خلافه؛ كما لم يجز مثل ذلك في نقل القبر والمنبر.
فلما وجدنا الخلاف واقعا في ذلك علمنا أنه ليس بنقل منهم خلفا عن سلف، وإنما هو تقليد لبعض أسلافهم، أو غير ذلك.
فالجواب: إن هذا غير صحيح؛ وذلك أن وقوع الخلاف في الشيء لا يسقط قيام الحجة به؛ ألا ترى أن قائلا لو قال: إن النقل المتواتر لا يوجب العلم الضروري لأنه لو وجب ذلك لم يقع عليه خلاف في المشاهدات والمحسوسات وغير ذلك من الضرورات.
لقلنا له: إن هذا لا يقدح في موضع الحجة؛ لأن دفع الدافع للأمر الذي قد علمت صحته [ق/٧٥] وقامت الحجة به ترك قبول لا يخرجه عن موجبه؛ فكذلك سبيل نقل أهل المدينة إذا كان نقلا متواترا يحتج بمثله؛ فلم يسقط بورود خلاف فيه لا يجري مجراه.
ومثل هذا نقل المصحف المجتمع عليه، وما ورد من القراءات الشواذ التي تخالفه في أنه لا يعتد بها ولا تؤثر في صحة نقل المصحف؛ فبان
[ ١ / ٣٤٧ ]
بهذا أن وقوع الخلاف في الشيء لا يؤثر في قيام الحجة له.
فإن قيل: فقد نقل أهل الكوفة وغيهم أن صاع النبي ﷺ ثمانية أرطال، فإن اختلفت الروايات لم يكن أحدا أولى من الآخر إلا بضرب من الترجيح.
وقد علمنا أنه كان للنبي ﷺ صيعان مختلفة؛ فقال ابن عمر: كنا تخرج صدقة الفطر بالصاع الأول.
وقال أنس: كان رسول الله ﷺ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاغ.
والمد: رطلان.
وقال مجاهد: أخرجت إلينا عائشة عسا فقالت: كان النبي ﷺ يغتسل بمثل هذا.
فالعس ثمانية أرطال أو تسعة أرطال أو عشرة أرطال.
وإذا صح هذا.
ثم روى عن عمر ﵁ أنه قدر الصاع لإخراج الكفارات ثمانية أرطال بمحضر من الصحابة من غير أن ينكر أحد منهم عليه.
صح أن هذا تقدير صاع النبي ﷺ.
فالجواب أن هذه الروايات التي ذكروها لا يجوز أن يعارض بها نقل أهل
[ ١ / ٣٤٨ ]
المدينة؛ لأن أهل المدينة لذلك نقل تواتر متصل منذ كون النبي ﷺ وإلى زمان مالك ﵀، يتداولونه خلفا عن سلف مع شدة حاجتهم إليه في بياعاتهم وأشريتهم ومعاملاتهم وتصرفهم، ولم يكن مما انقطع في وقت من الأوقات، ولا مما ينذر وقوعه فيختلف الحال في نقله.
ونقل الأخبار التي ذكروها نقل آحاد منقطع غير متصل؛ فلم يجز أن يعارض بنقل أهل المدينة الذي وصفه ما ذكرناه. وهذا مثل ما ذكرناه في أمر المصحف سواء؛ وذلك أن نقل هذا المصحف متواتر مجتمع عليه، وقد علمنا أنه تروى أحاديث بقراءات تخالفه؛ فلا يعترض بها عليه؛ لأن نقله نقل استيفاض وتواتر لا يعترض عليه بأخبار آحاد يجوز في نقلها السهو والغلط واعتماد الكذب.
فأما خبر مجاهد فلا يسوغ التعلق به؛ لأنه لو ورد صريحا أن صاع النبي ﷺ ثمانية أرطال لم يقبل إذا كان في مقابلته نقل أهل المدينة؛ فكيف ومجاهد لم يقف على مقداره وإنما حرزه متفاوتا.
وخبر عمر يجوز أن يكون وضعه للتعامل به، لا لوجوب الرجوع إليه في تقدير الشريعة.
ومثل هذا غير ممتنع.
فإن قيل: فقد نقل عن أهل المدينة أن هذا الصاع بقدر صاع النبي ﷺ وروى يزيد بن أبي زياد عن ابن أبي ليلى أنه قال: عيرنا صاع أهل المدينة فوجدناه يزيد على الحجاجي مكيالا.
وذكر عبد الله بن داود أنه سأل مالكا عن صاعهم الذي في أيديهم ما
[ ١ / ٣٤٩ ]
أوله فقال: هو تحري عبد الملك بن مروان.
قيل له: أما نقلهم أن هذا قدر صاعه فليس فيه ما يوجب الخلاف؛ لأنه لا فضل بين أن يقولوا: هذا صاعه وهذا قدر صاعه إذا كان ذلك نقلا متواترا متصلا.
وما رووه عن ابن أبي ليلى فطريقه ضعيف.
على أنه روى خلافه عن إبراهيم، وإنه قال: القفيز الحجاجي هو الصاع.
وروى عن موسى بن طلحة قال: الحجاجي هو صاع عمرن وما زكروه عن مالك لا أصل له.
لا يحتج بنقل أهل المدينة خلفا عن سلف عن عصر النبي ﷺ إلى وقته أن هذا هو الصاع؛ فكيف يقول من بعد أن هذا تحري عبد الملك ابن مروان؟
وقال لما كلمه أبو يوسف بحضرة الرشيد: هذا صاع رسول الله ﷺ ينقله الخلف عن السلف، ثم استدعى أهل الأسواق فكلهم يقولون: حدثنا أبي عن جدي أن هذا صاع رسول الله ﷺ.
وذكر إسحاق بن سليمان الرازي فقال: قلت لمالك: يا أبا عبد الله خالفت شيخ القوم. قال: من قلت: أبو حنيفة يقول: ثمانية آصع. فقال مالك: ما يحفظون في هذه؟ فقال أحدهم: حدثني أبي عن أبيه أنه كان يؤدي إلى رسول الله ﷺ بهذا الصاع.
وقال الآخر: حدثني أبي عن أمه أنها أدت بهذا الصاع
[ ١ / ٣٥٠ ]
إلى رسول الله ﷺ.
فقال مالك ما معناه: أبلغه أن الأمر بخلاف ما قال.
فبان بهذه الجملة بطلان ما حكوه عن مالك في هذا.
والله أعلم.
فصل
فأما قوله: "إنه ستة أفقزه وربع قفيز".
يعني: كيل الخمسة الأوسق، فلا أعرف بأي مكيلة أراد؛ لأن هذه المكيلة غير معروفة عندنا، ولا بالعراق أصلا.
ويجوز أن يكون أراد بقفيز المغرب والأندلس، بل هذا مراده لا محالة؛ لأني رأيت ابن حبيب ذكر أن الخمسة الأوسق ثلاثون قفيزا بالقفيز القرطبي.
والجملة لا خلاف في مقدارها.
والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: "ويجمع القمح والشعير والسلق في الزكاة، فإذا اجتمع من جميعهم خمسة أوسق فليزك ذلك.
وكذل تجمع [أصناف] القطنية، وكذلك تجمع أصناف التمر،
[ ١ / ٣٥١ ]
وكذلك أصناف الزبيب والأرز.
والدخن والذرة كل واحد صنف لا [ينضم] إلى الآخر في الزكاة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀:
أما الجمع بين القمح والشعير والسلت في الزكاةفهو قول كافة أصحابنا، وروي ذلك عن الحسن وعكرمة وطاوس والزهري.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجمع شيء من ذلك إلى غيره.
والكلام في هذه المسألة في موضعين:
أحدهما: أن ندل على منع التفاضل بين القمح والشعير، وإذا ثبت ذلك فلا قول إلا قولنا.
والآخر: أن ندل على وجوب ضم أحدهما إلى الآخر.
والدلالة على جوب الضم في قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ وقوله ﷺ: "فيما سقت السماء العشر".
وقوله لمعاذ: "خذ الحب من الحب".
وكل هذا عموم في قليل هذا وكثيره.
فإن قيل: هذا كله عموم يخصه قوله ﷺ: "ليس فيما دون خمسة
[ ١ / ٣٥٢ ]
أوسق صدقة".
قيل له: أيضا هذا دليلنا؛ لأن يوجب الصدقة في الخمسة الأوسق من أي جنس كانت؛ لأن مفهوم في مقابلة النطق عاما؛ كذلك دليله ومفهومه.
فإن قيل: فقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "الصدقة من أربعة: القمح، والشعير، والزبيب، التمر، ولا زكاة في كل جنس منها حتى يبلغ خمسة أوسق".
ذكر هذا الحديث أبو الحسن الطبري في مسائله، وقال: أو كلمة كان معناها. وذكر أن بعض شيوخه ذكر هذا الحديث.
وهذا غير محفوظ ولا معروف في شيء من كتب الحديث.
على أنه منقول على المعنى دون اللفظ.
وإذا قلنا: إن الحنطة والشعير كالجنس الواحد قلنا بموجب الخبر.
ولا يبقى لهم إلا أن يقولوا: لما أفرد كل واحد منهما باسم وجب بذلك كونهما أجناسا.
وليس الأمر كذلك عندنا لما سنذكره.
ويحتمل أن يكون معناه: إذا انفرد عما ينضم إليه.
ويدل على ما قلناه أيضا: أن هذه المسألة مبينة على معنى التفاضل بين الحنطة والشعير، فإن سلم ذلك صح ما قلناه، وإن لم يسلم دللنا عليه بما
[ ١ / ٣٥٣ ]
روي أن النبي ﷺ قال: "الطعام بالطعام ربا، إلا يدا بيد مثلا بمثل".
فعم، ولم يخص. فإن قيل: المراد بها البر؛ لأنه قد فسر في حديث آخر؛ فقال: "البر بالبر مثلا بمثل".
قيل له: هذا ذلك بعض ما شمله عموم خبرنا؛ فلا يعترض عليه به، ولا له دليل خطاب فيخصه.
فإن قيل: إن الشعير لا يتناوله اسم طعام على الإطلاق؛ لأن ذلك مختص بالحنطة.
قيل له: هذا غير صحيح؛ لأن الطعام اسم عام يدخل تحته جميع أنواعه، وإن اختص كل واحد منها باسم؛ مثل: الحنطة، والشعير، وما أشبه ذلك.
ويبين ذلك أن قائلا لو قال: والله لا أكلت طعاما فأكل شعيرا لحنث.
وكذلك لو قال: ما أكلت طعاما وكان قد أكل شعيرا لكان كاذبا.
ولو قال: والله ما أكلت حنطة وكان قد أكل شعيرا لكان كاذبا.
ولو قال: والله ما أكلت حنطة وكا قد أكل شعيرا لم يكن كاذبا.
فبان بذلك بطلان ما ذكروه.
ويوضح ما قلناه ما روى أن معمر بن عبد الله منع غلامه أن يأخذ من
[ ١ / ٣٥٤ ]
السلت أكثر من الحنطة، وقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الطعام بالطعام مثلا بمثل"، وكان طعامنا يومئذ الشعير.
واحتج الصحابي بمنع التفاضل بين الحنطة والشعير بهذا الخبر، وعقل من قوله ﷺ: "الطعام بالطعام" وأنه يتناول الشعير كي يبين ذلك بقوله: وكان طعامنا يومئذ الشعير.
وهذا بين فيما قلناه.
وأيضا فقد ذكر أصحابنا أن هذا إجماع الصحابة؛ لأنه مروى عن عمر ابن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، ومعمر بن عبد الله، وعبد الرحمن ابن عبد يغوث، ومعيقب الدوسي، ولا مخالف لهم نعرفه.
وأيضا فإن منافعهما متقاربة، وأغراض الناس فيها غير متفاوتة، وهما مجتمعان في المنبت والمحصر؛ فوجب أن يكون حكمهما واحد في الضم ومنع التفاضل؛ كالعلس مع الحنطة، والسلت مع الشعير.
فإن قيل: إن العلس هو حنطة، والسلت هو شعير فالاسم جار عليهما والحنطة لا تسمى شعيرا.
فإن قيل: هذا غلط؛ لأن العلس مخالفا للحنطة في الخلقة والصورة والطعم، وكذلك السلت مخالفا للشعير؛ فبطل بهذا أن يكون العلس حنطة، وثبت بهذا أن حكمه حكمها؛ لكونه غير منفكة منه. واحتج من قال بأن قال: لأنهما جنسان؛ بدلالة تباين منافعهما وأسمائهما؛ فلم يجب ضم أحدهما إلى الآخر كالتمر والأرز، والحنطة والزبيب.
[ ١ / ٣٥٥ ]
والجواب: إن افتراقهما في الأسماء لا يمنع من وجوب الضم؛ فلا يوجب كونهما جنسين كالضأن والمعز، والشعير والسلت؛ فبطل ما اعتبروه.
وما ادعوه من تباين المنافع فيهما متقاربة، وهذا موضع، وإنما الذي تتباين منافعه: التمر والأرز، والحمص والزبيب. هذا هو الذي تختلف منافعه وتتباين تباينا شديدا.
فأما الحنطة والشعير فمنافعهما متقاربة غير متباينة.
قالوا: ولأنه قوت منفرد باسمه لا يرجع إلى الآخر بحكم النوع؛ فأشب البر والأرز، وهذا يبطل بالعلس والحنطة.
ولو ادعوا رجوعه إليه بحم النوع لم نسلمه إلا على الوجه الذي يقتضي رجوع الشعير إلى البر بهذا المعنى.
قالوا: ويروى أن النبي [ق/٧٧] ﷺ قال: "الحنطة بالحنطة مثلا بمثل، والشعير بالشعير مثلا بمثل، والتمر بالتمر مثلا بمثل".
فأفرد كل واحد من هذه الأجناس باسمه، فدل ذلك على أن لكل واحد منهما حكم نفسه، ولو كان الشعير والبر جنسا واحدا لكان يكفي في ذلك أن ينص على أحدهما.
فالجواب: أنه لو ذكر الحنطة باسمها الأعم لكان يلزم ما ذكروه، فأما إذا ذكروه باسمها الأخص فلا يعقل من ذلك الشعير؛ لأنه لا يطلق عليه اسم حنطة؛ كما إذا ذكر الضأن باسمها الأخص لم يتناول المعز.
والله أعلم.
[ ١ / ٣٥٦ ]
فصل
وأما القطنية فإما وجب ضم بعضها إلى بعض لهذا المعنى أيضا؛ وهو تقارب منافعها وأغراض الناس فيها.
وليس كذلك سائر الحبوب؛ لأن منفعة الدخن غير منفعة الأرز، وأغراض الناس فيها متفاوتة؛ فلم يكن كالقطاني.
مسألة
قال ﵀: "وإذا كان في الحائط أصناف من التمر أدى الزكاة عن الجميع من وسطة".
[ق/٧٦] قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب﵀: هذا لأنه نظر لأرباب المال والفقراء؛ لأنا إن ألزمنا أن يؤدي الزكاة من أعلاه أضررنا به، وإن أمرنا يخرجنا من أدناه أضررنا بالفقراء، فكان العدول والنظر أن يخرج من الوسط.
ومن أصحابنا من قال: يخرج من كل واحد بقدره. قال: لأن الوجوب لما كان جاريا على الجميع وجب أن يؤخذ من كل صنف بقدر ما يخصه، وأحسب أنه رواه أشهب عن مالك ﵀، وهو قول محتمل، والأول أظهر.
مسألة
قال ﵀: "ويزكى الزيتون إذا بلغ حبه خمسة أوسق أخرج من زيته.
ويخرج من [الجلجلان] وحب الفجل من زيته.
[ ١ / ٣٥٧ ]
فإن باع ذلك أجزأه أن يخرج من ثمنه إن شاء الله".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ﵀: أما وجوب الزكاة في الزيتون فهو قولنا، وقول أبي حنيفة.
وللشافعي قولان:
أحدهما: إن فيه الزكاة.
والآخر: إن لا زكاة فيه.
واستدل أصحابه على خلافنا بقول ﷺ:
"ليس في الخضروات صدقة"؛ فعم ولم يخص.
وقوله لمعاذ: لا تأخذه الصدقة إلا من الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب.
ولأنه لا يقتان؛ فأشبه التين.
والدلالة على صحة قولنا:
قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾؛ فعم.
وقوله: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ ولم يخص.
والحق: هو زكاته.
وقوله النبي ﷺ: "فيما سقت السماء العشر" فعم.
وقوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة".
ورواه أصحابنا عن عمر، وابن عباس.
ولأنه حب يقتات زيته غالبا؛ فوجب أن تجب فيه الزكاة.
أصله: السمسم.
ولأن الزكاة لما وجبت في الحمص واللوبيا، وكان الزيتون أعم منفعة
[ ١ / ٣٥٨ ]
في باب الأقوات كان بأن تجب فيه الزكاة أولى.
فأما قوله ﷺ: "ليس في الخضروات صدقة"، فلا يتناول الزيتون من حيث لم يتناوله الرطب وغيره، لأن اسم الخضروات يتناول البقول والبصل، فأما لثمار فله اسم أخص بها.
وما رووه من حديث معاذ غير محفوظ على الوجه الذي ذكروه، على أنه مرتب على ما قلناه.
واعتبارهم بالتين عنه أجوبة:
أحدهما: أنا لا نسلمه؛ لأنه من قول جماعة من أصحابنا فيه الزكاة؛ منهم: عبد الملك بن حبيب وغيره.
وأظنه قد روى عن مالك.
والثاني: أنا لا نسلم وصف العلة؛ لأن الزيتون يقتات زيته في الغالب؛ فسقط ما قالوه.
فصل
فأما قوله: يخرج من زيته. وكذلك السمسم، وحب الفجل؛ فلأن الزكاة إنما تؤخذ منه إذا تناهى وصار إلى حد يقتان.
ونهايته هو أن يصير زيتا لأن اقتياته هو في هذه الحال؛ كما أن زكاة الرطب إذا صار تمرا، والعنب إذا صار زبيبا؛ لأن اقتياتهما هو في هذه الحال.
فما بيع من ذلك جاز أن يخرج من ثمنه، على اختلاف في ذلك؛ أن ابن القاسم قال: لا يجوز أن يخرج من ثمنه. وهو أقيس على الأصول؛ اعتبارا بالزكاة كلها.
[ ١ / ٣٥٩ ]
مسألة
قال ﵀: "ولا زكاة في الفواكه والخضر".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب﵀: هذا قول أصحابنا كافة، وروى عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر ﵃، ومن التابعين عن المشيخة السبعة، وعطاء، ومجاهد، والشعبي، والحسن، ومكحول، وربيعة ﵃.
ومن الفقهاء: الشافعي، والأوزاعي رحمهما الله.
وقال أبو حنيفة﵀: تجب الزكاة في جميع ذلك بقوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ فعم.
ولقوله: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾.
ولا حق فيه سوى الزكاة.
ولقوله ﷺ: "فيما سقت السماء العشر".
ولأنه زرع يطلق بزراعته نماء الأرض في العادة؛ فأشبه الزرع المقتات.
ولأنه تجب في جنس المال لا تتكرر؛ فوجب ألا يختص به الجنس؛ اعتبارا لخمس الغنيمة.
والدلالة على صحة قولنا:
ما روى علي وطلحة ومعاذ عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس في الخضروات صدقة".
وروى محمد بن عبد الله بن جحش أن رسول الله ﷺ لما بعث [ق/٧٨] معاذا إلى اليمين قال له: "ليس في الخضروات صدقة".
وروى سفيان الثوري عن طلحة بن يحيى عن أبي بردة عن أبي موسى
[ ١ / ٣٦٠ ]
ومعاذ بن جبل حين بعثهما النبي ﷺ إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم ألا يأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتمر.
وقال معاذ: فأما البطيخ والقثاء والخضروات معفو عفا الله عنه.
قالت عائشة ﵂: جرت السنة ألا زكاة في الخضروات.
وأيضا فقد كانت هذه الخضروات موجودة في زمان النبي ﷺ وخلفائه فلم يأخذ منها شيئا، ولا أحد من الخلفاء بعده.
فإن قيل: يجب أن ينقلوا أنه لم يأخذ، ولم يكتفوا بأنه لم ينقل أنه أخذ؛ لأنه قد يفعل أشياء لا تنقل قيل له: القدر الذي ذكرناه كاف؛ لأن الزكاة أصل من أصول الدين، وركن من أركان الإسلام، والعادة قد جرت بنقل ما يأخذه ﵇ من الزكوات وما يظهر من قول أو فعل في ذلك.
ألا ترى أنهم قد نقلوا أخذ الزكاة من الذهب والحنطة والتمر وغير ذلك، فلما لم يره نقل عنه ﷺ ولا عن أحد من الخلفاء بعده أنه أخذ من الخضروات شيئا؛ علمنا بذلك أنه لم يأخذ منها شيئا.
ولأنه نبت لا يقتات؛ فأشبه الحشيش والقصب والحطب.
ولأنه جنس من المال لا يعتبر النصاب في ابتدائه؛ فلم يجب فيه عشر.
أصله: الحطب.
وتفرض المسألة في العدد اليسير من التفاح والقثاء؛ كالثلاثة والأربعة؛ فتقول: لأنه أضعف عن احتمال المواساة.
فأما قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ فعام يخصه ما ذكرناه.
وقوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ لا دلالة فيه؛ لأنه لا يتناول ما
[ ١ / ٣٦١ ]
تنازعناه؛ لأنه قال: "يوم حصاده"، وذلك منصرف إلى ما يحصد غالبا، فأما الفواكه والخضروات والبقول فلا يقال فيها حصدت. على أنه مخصوص بما ذكرناه.
وقوله ﷺ: "فيما سقت السماء العشر" عنه جوابان.
أحدهما: أنا قد روينا فيه زيادة؛ وهي قوله: "إذا بلغ خمسة أوسق"؛ فعلم أنه أراد به ما يكال أو يوصف، وذلك معدوم في البقول والخضر.
والآخر: أنه مخصوص بقوله: "ليس في الخضروات صدقة"، وما ذكرناه من تركه أخذ الصدقة منها.
فإن قالوا: خبرنا متفق على استعمال بعضه؛ وهو الزرع والنخل والكرم.
قلنا: وخبرنا أيضا متفق على استعمال بعضه؛ وهو الحشيش والقصب.
واعتبارهم بالزروع المقتاتة ينتقض بالحطب.
والخلاف على أن المعنى في ذلك أنه يقتان مع الاختيار، وليس كذلك الخضروات.
وقياسهم عىل الخمس باطل؛ لأنه لا تسلم له عبارة عن الحكم؛ لأنهم إن قالوا: فوجب ألا يختص ببعض الجنس لم يصح؛ لأن الحشيش والقصب والرطبة لا عشر فيها، وهي من الحشيش.
على أن المعنى في الخمس أنه لا يختص ببعض الماشية؛ ففارق الزكاة.
والله أعلم.
[ ١ / ٣٦٢ ]
مسألة
قال ﵀: "ولا زكاة من الذهب في أقل من عشرين دينارا، فإذا بلغت عشرين دينارا ففيها نصف دينار [وهو] ربع العشر، فما زاد فبحساب ذلك وإن قل.
ولا زكاة من الفضة في أقل من مائتي درهم؛ وذلك خمس أواق، والأوقية: أربعون درهما من وزن سبعة- أعنى أن [كل سبعة] دنانير وزنا عشرة دراهم- فإذا بلغت من هذه الدراهم مائتي درهم ففيها [ربع] عشرها خمسة دراهم، فلما زاد فبحساب ذلك".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب﵀-: أما إيجاب الزكاة في الفضة والذهب فقد ذكرناه فيما أوردنا من الآية والأخبار، وما نقلناه من إجماع الأمة، وذلك مغن عن إعادته ها هنا.
وأما قوله: ولا زكاة فيما دون عشرين دينارا من الذهب، وأن فيا نصف دينار، وأن لا زكاة في أقل من مائتي درهم من الفضة، وأن فيها خمسة دراهم: فلا خلاف في هذه الجملة مع تواتر الأخبار على هذا الشرح.
وروى مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبي عن أبي سعيد الخدري
[ ١ / ٣٦٣ ]
قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس فيما دون خمسة أواق صدقة".
وروى مالك عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة".
وروى أبو إسحاق عن عاصم، والحارث عن علي عن النبي ﷺ قال: "ليس عليك شيء حتى يكون لك عشرين دينارا، فأما إذا كانت عشرين وقد حال عليها الحول ففيها نصف دينار".
وروى القاضي إسماعيل بن إسحاق حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي عن النبي ﷺ قال: "ليس في تسعين ومائة درهم شيء، فإذا بلغت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم".
وروى ابن وهب عن جرير بن حازم، والحارث بن نبهان عن الحسن بن عمارة عن إسحاق عن عاصم، والحارث عن علي عن رسول الله ﷺ قال: "هاتوا ربع العشر من كل أربعين درهما درهم، وليس عليك شيء حتى تكون مائتي درهم؛ ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون دينار؛ ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك".
[ ١ / ٣٦٤ ]
وروى الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن في كل خمسة أواق من الورق خمسة دراهم، وفي كل أربعين دينارا دينار.
وقال ﷺ: "في الرقة ربع العشر".
واختلف الناس في اسم الرقة هل هو الذهب والفضة، أم يخص الفضة دون الذب. فأي ذلك كان ففيه دلالة على مسألتنا.
وهذه [ق/٧٩] جملة كافية في هذا الفصل.
وحكى عن الحسن البصري أنه لا زكاة في الذهب حتى يكون أربعين دينارا فيكون فيها دينار.
وهذا فاسد بما قدمناه من نصه ﷺ في العشرين دينارا نصف الدينار.
وبالله التوفيق.
فصل
وما زاد على العشرين أو المائتي درهم فبحساب ذلك- قل أم كثر- فهو قول أصحابنا كافة، وروى عن علي بن أبي طالب ويحيى بن سعيد وعمر ابن عبد العزيز، وقال المشيخة السبعة.
وقال أبو حنيفة﵁-: لا شيء في الزائد حتى يكون
[ ١ / ٣٦٥ ]
أربعين درهما؛ فيكون فيها درهم، ولا فيما زاد على العشرين حتى يكون أربعين دنانير.
واستدل عنه بما رواه يونس بن بكير عن أبي إسحاق عن المنهال بن الجراح عن حبيب بن يحيى، وعبادة بن نسى عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ أمر حين وجهه إلى اليمين ألا يأخذ من الكسور شيئا؛ إذا بلغ الورق مائتي درهم أخذ منا خمسة دراهم، ولا يأخذ مما زاد حتى يبلغ أربعين درهما.
وروى أبو إدريس عن عبد الله ومحمد ابني أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيهما عن جدهما أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: "فإذا بلغ مائتي درهم ففيها خمسة دراهم؛ في كل أربعين درهما درهم، وليس فيما دون أربعين صدقة".
وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي عن النبي ﷺ قال: "هاتوا ربع العشر من كل أربعين درهما درهم، وليس فيما زاد على المائتين شيء".
ولأن كل مال له نصاب في الابتداء وجب إثبات عفو فيه بعد النصاب.
أصله: المواشي.
[ ١ / ٣٦٦ ]
والدلالة على ما قلناه: عموم قوله ﷺ: "في الرقة ربع العشر".
وقوله ﷺ: "ليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة".
مفهومه: إيجاب الصدقة فيها، وفيما زاد عليها.
وروى ابن وهب قال: أخبرني جرير بن حازم، والحارث بن نبهان عن الحسن بن عمارة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة، والحارث بن عبد الله الأعور عن علي عن رسول الله ﷺ قال: "هاتوا ربع العشور؛ في كل أربعين درهما درهم، وليس عليك شيء حتى يكون لك مائتي درهم؛ ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون دينارا؛ ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك".
وهذا نص في موضع الخلاف.
ولأنها زيادة على نصاب في ذهب أو ورق يمكن إخراج ربع عشرها من غير مشقة.
دليله: الأربعون درهما، والأربعة دنانير.
ولأنه جنس تحب الزكاة في عينه وعلى متلفه مثله؛ فلم يكن فيه عفو بعد الإيجاب الأول.
أصله: الحبوب والثمار.
وإنما قيدناها احتزازا من المواشي.
[ ١ / ٣٦٧ ]
أو لأنه مال يحتمل التجزئة والتبعيض؛ فأشبه الحبوب والثمار.
فأما حديث معاذ: فقد تكلم الناس في روايته وقالوا: إنه من رواية المنهال بن الجرح؛ وهو متروك الحديث، وأن عبادة لم يسمع من معاذ. على أن الخبر لا دلالة فيه على ألا شيء فيما دون الأربعين الزائدة، وإنما يدل على أن معاذا لم يأمر بأخذه. وذلك يحتمل أن يكون لكونه عفوا، ويحتمل أن يكون لأن معاذا لم يولي ذلك، لا لأنه لا زكاة فيها.
وأيضا فإنا نحمله على أنه أراد ألا يأخذ منه درهما حتى يكون أربعين، بدلالة ما ذكرناه. وما رواه من حديث عمرو بن حزم: "ليس فيما دون أربعين صدقة". فليس بثابت عن أصحاب الحديث.
على أنه لو صح لكان معناه: صدقة هي أربعة دنانير. وما رووه من حديث علي- رضوان الله عليه فقد ذكرناه فيه زيادة؛ وهي قوله: "فما زاد فبحساب ذلك"، ويؤيده أن هذا مذهب علي- رضوان الله عليه- وهو راوي الحديث.
وقياسهم ينتقض- على أصلنا- بزكاة الحبوب والثمار؛ لأن لها نصابا في الابتداء، ولا عفو فيها بعد ذلك.
وأيضا فإن المواشي تفارق الذهب والفضة؛ لأن في إيجاب ذلك في الوقص ما أوجبنا في النصاب إجحاف برب المال، وفي إيجاب الجزء إضرار [] (١)
-----------------
(١) كلمة لم أتبينها بالأصل وتشبه [النسو].
[ ١ / ٣٦٨ ]
المشاركة.
وهذا المعنى معدوم في الذهب والفضة؛ لاحتماله التجزئة والقسمة؛ فلم بمثابته.
والله أعلم
* * *
فصل
فأما قوله: "والأوقية: أربعون درهما".
فهذا مما لا خلاف فيه؛ لأن الأوقية التي عناها النبي ﷺ بقوله: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة". أنها أربعون درهما، وأن الخمس الأواقي مائتي درهم.
وكذلك فرق بين المثقال درهم وثلاثة أسباع الدرهم، ول سبعة مثاقيل عشرة دراهم وهذا ما لا خلاف فيه.
* * *
مسألة
قال ﵀: "ويجمع الذهب والفضة في الزكاة؛ فمن له مائة درهم وعشرة دنانير فليخرج من كل مال ربعٌ عشره".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: أعلم أن الجمع بين الفضة والذهب في الجملة هو قولنا، وقول أبي حنيفة.
[ ١ / ٣٦٩ ]
وقال الشافعي: لا يجمع بينهما.
واستدل عنه بقوله ﷺ: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة".
وقوله: ليس فيما دون مائتي درهم شيء.
وقوله: لا شيء في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالا. فنص على سقوط الزكاة فيها إذا نقصوا عن قدر النصاب، ولم يفرق بين أن يكونا منفردين أو مجتمعين.
ولأنهما جنسان مختلفا النصب يجوز التفاضل في بيعها؛ فلم يضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة؛ كالإبل والبقر، [ق/٨٠] والزبيب والتمر.
ولأنه من الورق لما قصر عن النصاب؛ فلا زكاة عليه في عينه.
أصله: إذا انفرد به.
ولأن كل نوع من المال تجب عليه الزكاة في عينه؛ فلم يجز أن يضم إلى نوع آخر.
أصله: البقر والغنم.
والدلالة على ما قلناه: قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾.
والمراد بالإنفاق هاهنا: الزكاة، فتوعد من اجتمعا عنده ولم يخرج
[ ١ / ٣٧٠ ]
زكاتهما، ولم يخص.
وقوله ﷺ: "الرقة ربع العشر".
والرقة: إما أن تكون اسما للذهب والفضة أو لأحدهما.
وأي ذلك كان فعموم الخبر يتناوله. ولأنهما متفقان في المعنى المقصود بها، ولك واحد منهما يسد مسد الآخر وينوب منابه من كونهما ثمنا للأشياء وقيما للم.
وإذا كان كذلك وجب ضمها في الزكاة؛ اعتبارا بأنواع الذهب وأنواع الفضة، ويتبرها ومضروبها.
فإن قيل: إنما وجب ذلك؛ لأنها جنس واحد.
قيل له: وهما جنس واحد في أنها رقة؛ فالرقة اسم للذهب والفضة، وعلى ما يحكيه أصحابنا عن أهل اللغة.
فإن قيل: إنما وجب ضمهما؛ لاتفاقهما في النصاب.
قيل له: فيجب أن نضم الحنطة إلى الشعير وإلى الذرة والدخن؛ لاتفاقهما في النصاب.
فإن قيل: لما اختلف أسماؤها الأعمة دل ذلك على اختلاف أجناسها.
ولا يلزم- على هذا- ضم الضأن إلى المعز، والبخت إلى العراب؛ لأن الاسم الأعم يجمعهما؛ وهو اسم الإبل والغنم.
قيل: ينتقض بالزبيب والقشمش، والجواميس والبقر؛ لأنهما غير مجتمعين في اسم أعم يجمعهما جنسيه.
[ ١ / ٣٧١ ]
ومع ذلك فإنهما مجتمعان في الزكاة؛ فعلم أن المعنى في ذلك ما قلناه من اتفاق المنافع وتقاربها دون اتفاق الأسماء واختلافها
وأيض فقد اتفقنا على أنه إذا كان مائة درهم وعرض يساوي مائة درهم ضمه إلى المائة وزكى الجميع إذا كان مدبرا كان أدنى أحوال الذهب أن يكون كالعرض؛ فيقومه ويضمه إلى ما معه من الورق.
والمعنى في ذلك قيام الذهب مقام قيمة العرض. فأما الظواهر التي ذكروها فمخصوصة بما ذكرناه. وقياسهم على البقر لا معنى له؛ لأن إيجاب الضم يتعلق باتفاق المنافع أو تفاوتها كالجواميس والبقر، والزبيب والقشمش.
وهذه حال الذهب والفضة؛ لأن أغراض الناس فيها متساوية، وكل واحد منها ينوب مناب صاحبه فيما يراد له؛ لأنها يرادان للتعامل في الإثمان والقيم؛ فليس كذلك حال الإبل، ولا حال التمر والزبيب؛ فافترقا لهذا المعنى.
وعلى أن اختلاف النصب لا يؤثر في سقوط الضم؛ ألا ترى أن الحبوب والثمار متفقة في النصب، ولا يجوز ضم صنف منها إلى غير صنفه.
واعتبارهم بالمنفرد باطل إذا كان معه عرض يساوي تمام النصاب. ثم
[ ١ / ٣٧٢ ]
المعنى فيه أنه ليس معه ما يتم به النصاب مما يجري مجراه.
وبالله التوفيق.
والقياس الآخر قد أجبنا عنه.
* * *
فصل
قال القاضي ﵀: ووجه الجمع بينهما أن يعدل المثقال بعشرة دراهم؛ فإذا كانت مائة درهم وعشرة دنانير ضمهما، وإن كانت معه مائة درهم وتسعة دنانير تساوي مائة لم يضمهما. هذا قول أصحابنا.
وقال أبو حنيفة: يجمع بينهما بالقيمة؛ فمن له مائة درهم وخمسة دنانير تساوي مائة درهم لزمته الزكاة.
قالوا: لأنه لما ضمت عروض التجارة بالقيمة؛ فكذلك ضم الذهب إلى الفضة.
والأصل في هذا أن رسول الله ﷺ أقام المائتي درهم بإزاء عشرين دينارا.
فإذا صح ذلك كان ملك المائة بإزاء ملك العشرة، وليس في هذا إلا تعديل المثقال بإزاء العشرة دراهم؛ فلذلك وجب اعتباره به.
فأما عروض التجارة فإنما ضمت بالقيمة؛ لأنه ليس في أعيانها زكاة، وإنما الزكاة في أثمانها وقيمتها. وليس كذلك الذهب والفضة.
* * *
[ ١ / ٣٧٣ ]
فصل
فأما قوله: أن يخرج من كل واحد ربع عشره؛ فلأن الزكاة إنما وجبت في المائتين؛ فوجب إخراجها منهما.
فأما إخراج الفضة عن الذهب والذهب عن الفضة بالقيمة فإنه جائز عندنا.
وكيف وجه إخراجها: مختلفون فيه على وجهين. وليس منم من يقول: إنه يخرج أحدهما عن الآخر بدون القيمة على حساب الدينار بعشرة دراهم بل كلهم قال: يخرجها بالقيمة.
فإن قيل: هلا قلتم: إنه يخرجها بالأجزاء دون القيمة؛ لأجل أن إخراج أحدهما عن الآخر معنى يقوم فيه مقام في الشرع؛ فوجب أن يعتبر فيه الدينار بعشرة دراهم؟
أصله: التعديل في وجوب الضم.
قيل لهم: التعديل في الجمع أصل مقرر من تقييد صاحب الشرع، ليس طريقه طريق المعاوضة؛ فلذلك لم تعتبر فيه سواء قيمه الشرع، وفي مسألتنا فإنما قلنا: إنه يخرجه بالقيمة؛ لأنه معاوضة؛ لأنه بيع أحدهما بالآخر؛ فوجب أن تراعى فيه القيمة؛ لأنه يبيعها للمساكين. ثم هل يعتبر فيه حد ما، أو بالقيمة بالغة ما بلغت؟
اختلف أصحابنا؛ فقال ابن المواز: بالقيمة زادت أو نقصت.
وقال عبد الملك [ق/٨١] بن حبيب: يخرجها بالقيمة ما لم تنقص
[ ١ / ٣٧٤ ]
عن قيمة المثقال بعشرة دراهم، فإن نقصت تم النقصان. فإن زادت فبالقيمة بالغة ما بلغت الزيادة.
فوجه قول ابن المواز هو أنه بيع ذهب بفضة لا يراعى حد في زيادته؛ فكذلك لا يراعى في نقصانه.
دليله: في غير الزكاة.
ووجه قول ابن حبيب هو أن الأصل أن يخرج من كل واحد من المالين بالقسط، وإنما أخرجنا من أحدهما عن الآخر إذا كان فيه نظر المساكين واحتياط لهم.
فإذا زاد خرجت الزيادة؛ لأن في ذلك حظا لهم، وإذا نقص عن قدر الآخر لم ينتقصوا.
والله أعلم.
* * *
مسألة
قال ﵀: "ولا زكاة في العروض حتى تكون للتجارة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀-: إنما قال ذلك؛ لأن الأجناس التي تجب في أعيانها الزكاة هي العين والحرث والماشية، دون غيرها من الأشياء.
والدلالة على ذلك: ما رواه مالك عن عبد الله بن دينار عن سليمان
[ ١ / ٣٧٥ ]
ابن يسار عن عراك بن مالك عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ليس على المسلم في عبده، ولا فرسه صدقه".
وروى مكحول عن عراك بن مالك عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ليس في الخيل والرقيق زكاة، إلا أن زكاة الفطر في الرقيق".
وروى أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي قال: قال رسول الله ﷺ: "قد عفوت عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة".
ولا خلاف في أنه لا زكاة فيها إذا لم يرد بها التجارة.
* * *
فصل
فأما إذا أريد بها التجارة ففيها الزكاة عندنا، وعند أبي حنيفة والشافعي وذهب إلى أنه لا زكاة فيها؛ لقوله ﷺ: "عفوت عنكم عن صدقة الخيل والرقيق". فعم، ولم يخص. وقوله: "ليس على المسلم في عبده، ولا فرسه صدقة".
وقوله: "ليس في الخيل والرقيق زكاة، إلا أن زكاة الفطر في الرقيق".
فاستثنى الزكاة الواجبة في الرقيق- وهي الفطر؛ لأن التصرف في
[ ١ / ٣٧٦ ]
العروض قد كان ظاهرا على عهد رسول الله ﷺ، ولم ينقل أنه أخذ منها زكاة.
ولأنه أمر بذلك في جملة ما أمر بأخذ الزكاة منه. ولأنه عرض لا تجب الزكاة في عينه؛ فلم تجب في قيمته.
أصله: إذا لم يكن للتجارة.
ولأن الزكاة تجب في الأعيان لا في القيم؛ اعتبارا بالأصول كلها من المواشي النواض.
والأصل فيما قلناه: قوله ﷿: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾؛ فعم، ولم يخص.
وروى سمرة بن جندب قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع.
وروى أصحابنا عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال له: "أد زكاة البر".
ولأنه مال مرصد للنماء والزيادة؛ فأشبه الذهب والفضة.
ولأن الزكاة إنما وجبت في الدراهم والدنانير؛ لأنها مرصدة للنماء، ولا يجوز أن يكون التصرف فيها بما ينميها هو السبب في إسقاط الزكاة عنها.
وإذا بثت هذا فقوله ﷺ: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق"
[ ١ / ٣٧٧ ]
معناه زكاة العين دون القيمة؛ بدلالة ما ذكرناه.
وقوله: "ليس على الملم في عبده ولا فرسه صدقة" مفهومة العبد المحترم، والفرس المعد للروب. ومثل هذا لا صدقة فيه.
وقوله: "ليس في الخيل والرقيق زكاة" معناه إذا لم يرد بها التجارة، أو ليس في أعيانها زكاة.
وقولهم لم ينقل أنه ﷺ أخذ منها زكاة ولا أمر بذل باطل بما رويناه من أمره ﷺ سمرة بن جندب وأبي ذر وغيرهما.
واعتبارهم بما ليس للتجارة باطل؛ لأن المعنى في ذلك أنه غير مرصد للنماء.
وقولهم: إن الزكاة تجب في العين لا في القيمة دعوى، وهل الخلاف ألا في هذا؛ لأنا نقول: إن الزكاة تجب في العين مرة، وفي القيمة مرة أخرى.
والله أعلم.
* * *
مسألة
قال ﵀: "فإذا بعتها بعد حول [فأكثر] من يوم أخذت ثمنها أو [زكيت] ففي ثمنها الزكاة لحول واحد أقامت قبل البيع حولا أو أكثر، إلا أن تكون مديرا لا تستقر بيدك عين ولا عرض؛ فإنك تقوم
[ ١ / ٣٧٨ ]
عروضك كل عام، وتزكى ذلك مع ما بيد من العين".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: إذا كان للرجل عروض التجارة، ولم يكن مديرا تمكث عنده حولا أو أحوالا، فإنه إذا باعها زكى أثمانها لسنة واحدة.
وقال محمد بن الحسن عن أبي حنيفة- رحمهما الله- عليه أن يزكي أثمانها لما مضى من السنين، فإذا نقصت أثمانها مما تجب فيه الزكاة لم يكن عليه زكاة. وقال أبو حنيفة والشافعي: إذا لم يبعها وبقيت عنده أحوالا قومها في كل سنة، وأدى زكاتها واستدلوا بما رواه محمد بن سعيد عن أبي عمر بن حماس عن أبيه يبيع الجلود والقرون، فإذا فرغ من بيعها اشترى مثلها؛ فلا يجتمع عنده أبدا ما تجب فيه الزكاة.
فمر به عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- وعليه جلود يحملها للبيع فقال: زك مالك يا حماس. فقال: ما عندي شيء تجب فيه الزكاة. قال: تقوم. فقوم ما عنده، ثم أدى زكاته.
ولقول عثمان﵁- في ملأ من الصحابة: اجعلوا لزكاتكم شهرا تزكونها فيه.
ولم [ق/٨٢] يخص مديرا من غيره.
وروى أنه ﷺ أنفذ عمر مصدقا فعاد يشكو ثلاثة: منهم خالد. فقال ﷺ: "إنكم تظلمون خالدا؛ فإنه حبس وأعبده في سبيل الله".
[ ١ / ٣٧٩ ]
فلولا أن عمر طالبه بصدقة ذلك لم يكن ليعتذر له بأنه قد حبسها.
ولأنه لو باع العروض لوجبت الزكاة في أثمانها للحول الماضي.
وكل عين تعلق حكم الزكاة بها متى نقلت إلى عين غيرها واحتسب بما مضى من الحول فإنه يخرج من عينها الزكاة؛ كالذهب والورق.
ولأنه مال للتجارة؛ فوجب تقويمه في كل سنة.
دليله: إذا كانت مدارة.
ولأنه مال مرصد للنماء؛ فوجب تكرار الزكاة فيه بتكرار الأحوال عليه.
أصله: الذهب والفضة.
وقال محمد بن الحسن: ما في الأرض حيلة في ترك الزكاة مثل هذه إن كان كما قال أهل المدينة يكون للرجل المال الكثير فيشتري به التجارة من العروض الذي إذا تربص بها الرجل ازداد في ثمنها؛ فهي تزيد سنة في سنة في يده؛ لتربصه بها، وليس عليها فيها زكاة.
والذي يدل على ما قلناه: قوله ﷺ: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة".
وقوله: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق".
وقوله: "ليس في الخيل، ولا في الرقيق صدقة".
وهذا عام في سقوط الزكاة فيها، إلا في موضع قام عليه الدليل.
ولأنه عرض مملوك غير مدار فلم يلزم تقويمه في كل سنة.
[ ١ / ٣٨٠ ]
أصله: العروض المقتناة.
ولأن كل مال لا تجب الزكاة في عينه فلا يلزم يلزم إخراجها من غير قيمته كغير المدير.
أصله: عرض القنية.
واستدل القاضي ﵀ في رده على محمد بن الحسن بأن قال: إن أعيان العروض لا صدقة فيها؛ لقوله ﷺ: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة".
فإذا اشترى العبد أو الفرس بذهب أو ورق يريد به التجارة فالمشتري قد صرف ما تجب في عينه الزكاة إلى شيء لا تجب في عينه الزكاة؛ ينوي أن يرده إلى ما تجب في عينه الزكاة. فما دام عرضا فلا شيء فيه؛ لأن النية وحدها لا يجب بها شيء؛ لأنه لو وجب بالنية فقط قبل البيع لوجب على من كان عنده عرض للقنية ثم نوى به التجارة، ولوجب على من ورث عرضا فنوى به التجارة أن يزكيه إذا حال عليه الحال وإن لم يبعه.
فإذا لم يكن على هؤلاء زكاة بالنية دون أن يكون أوله عينا؛ فكذلك لا تجب حتى يصير آخره عينا، ويرجع الفرع إلى ما كان عليه من الأصل، وإلا فلا معنى فرق بينهما.
هذا معنى ما له على اختصار.
فإذا ثبت هذا؛ فحديث حماس يدل على أنه كان مديرا، ونحن نقول:
إن المدير يقوم في كلل سنة. وكذلك عثمان.
وحديث خالد: فإنما طلب منه غير صدقة التطوع فأعلمه النبي ﷺ بأن
[ ١ / ٣٨١ ]
حاله لا يحتمل أن يعاون بشيء؛ لأن عمدة ماله قد حبسه. وعلى أنه يحتمل أن يكون كان مدير.
وأما الذهب والفضة: ففي أعيانها الزكاة، فإذا نقلها إلى جنسها وما يتساوى الفرض فيه كان في طرق الحول على وجه واحد. وليس كذلك نقله إلى العروض.
فاعتبارهم بالعروض المدارة غير صحيح؛ لأن الزكاة إنما تجب فيها عندنا إذا نضى شيء من أثمانها.
فأما إذا كان بيع عروض بعروض ولا يكون في يذلك عين فلا زكاة فيها مدير كان أو غير مدير.
وعلى أن المعنى في ذلك أنه إذا كان مدير أو لم يقوم وانتظر بيع جميعها لأدى ذلك [ق/٨٦] إلى إسقاط الزكاة جملة؛ لأنه لا ينضبط له ثمن كل سلعة يبيعها، وسيما إذا كان ممن يبيع بالقليل والكثير. وليس كذل غير المدير.
وقياسهم على الذهب والفضة باطل؛ لأن الزكاة إنما تكررت فيها؛ لأن في أعيانها الزكاة؛ فجاز تكرار الزكاة فيها. وليس كذلك العروض.
وقاسهم على الذهب والفضة باطل؛ لأن الزكاة إنما تكررت فيها؛ لأن في أعيانهم الزكاة؛ فجاز تكرار الزكاة فيها. وليس كذلك العروض.
وقول محمد بن الحسن: ما في الأرض حيلة لإسقاط الزكاة مثل هذا.
فجوابه أن يقال له: إن كان كل تصرف سقطت معه الزكاة يسمى حيلة لإسقاطها فيجب أن يكون من ملك ألف دينار فإذا كان قبل الحول بيوم ابتاع
[ ١ / ٣٨٢ ]
بها ثيابًا؛ فإن عليه الزكاة؛ لأن هذه حيلة في سقوط الزكاة.
وكذلك إذا كان معه مائتين فأبحناه أن يشتري قبل حلول الحول بيوم أو يومين بدرهم أو نصف درهم فقد أبحناه حيلة سقط معها الزكاة.
فإن سمى هذا حيلة مع إباحته، وأوجب الزكاة معه، وهذا خرق بالإجماع.
وإن أبا أن يسميه حيلة لأمر ما فذلك الذي يصير إليه هو فصلنا في ما سماه حيلة في هذه المسألة.
وبالله التوفيق.
فصل
فأما إيجاب الزكاة فيها إذا باعتها بعد حول أو أحوال لسنة واحدة؛ فلأن العروض لا يتكرر حكم الزكاة فيها، إلا إذا كان أصلها عين؛ مثل أن يشتري بذهب أو فضة عرض ينوي به تجارة فيبقى عنده حول أو أكثر ثم يبيعه.
ولو ورث عرض أو وهب له أو اشتراه بعرض، ثم نوى به التجارة فحال عليه عنده أحوال لم تكن عليه فيه زكاة؛ لأن أصله ليس بعين.
وإذا كان الأمر على ما وصفنا كان أصل العين عرض ثم اشترى به عرض نوى به التجارة، ثم باعه بعد حول فقد تقرر حكم الزكاة فيه؛ لكونه عين في طرفي الحول. ولا اعتبار بكونه عرض في وسط الحول؛ ألا ترى أنه لو ضاع منه في وسط الحول وهو عين أو عرض ثم وجده آخر
[ ١ / ٣٨٣ ]
الحول لوجب عليه فيه الزكاة.
وإذا تقرر هذا، ثم ورد عليه حول ثان وهو عرض وخرج عنه وهو عرض لم يكن لهذا [ق/٨٣] الحول حكم؛ لأنه لم يكن في أوله عين كما كان في أول الحول الأول.
وإذا كان كذلك وجب لهذه العلة أن تزكيه زكاة واحدة.
* * *
فصل
فأما إذا كان مدير يبيع بالعين والدين، ولا يحصى ما يبيعه ولا يضبطه فإنه يجعل لنفسه شهر من السنة يقوم فيه ما عنده من العروض التي يديرها وما له من الدين الذي يرجوه، ويضم إليه ما عنده من العين، ثم يزكى ذلك كله، وإنما وجب ذلك لأن أمره لا يخلو من ثلاثة أحوال:
أما أن يؤخذ بحفظ كل ما يبيعه. فهذا يؤدي إلى تكليفه ما لا يضبطه ولا يطيقه.
أو أن يجعل لنفسه وقت من السنة بعينه يجعله حول له كل سنة. فهذا ما نقوله. أو أن تسقط الزكاة عنه. وهذا ما لا سبيل إليه.
وقد رويناه عن عمر بن الخطاب﵁- أنه أمر حماس أن يقوم ماله ويزكيه، وكان يريد التجارة؛ على ما بيناه.
وروى عن جابر بن زيد أن رسول الله ﷺ قال: "اجعلوا شهر تؤدون فيه زكاة أموالكم فما حدث من مال بعد فلا زكاة فيه حتى لحي رأس السنة".
[ ١ / ٣٨٤ ]
مسألة
قال ﵀: "وحول ربح المال حول أصله، وكذلك حول نسل الأنعام حول الأمهات".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: وهذا كما قال ربح المال مردود إلى أصله، وبناء على حوله.
وسواء كان الأصل نصاب أو دونه فمن ملك عشرة دنانير فتجر فيها فصارت عشرين، فإذا حال الحول زكى العشرين وكانت كأنها معها من أول الحول.
وكذلك لو حال الحول على العشرة، ثم تجر فيها فصارت عشرين فإنه يزكيها حين تكمل العشرين. وقال أبو حنيفة﵁: يستأنف بها الحول من يوم كملت نصاب.
وقال محمد بن الحسن: كيف قال أهل المدينة هذا وهم لا يخالفون في أن من أفاد مالا كثير فلا زكاة عليه إلا أن يحول الحول عليه من يوم أفاده؟
فإن قالوا: لأن هذا كان عنده أصل مال.
قيل لهم: إن أصل المال الذي كان عنده لم يكن مما تجب فيه الزكاة، وإنما تضم الفائدة إلى الأصل إذا كان الأصل نصاب.
قال: وقد وافقنا أهل المدينة فيمن أفاد ماشية دون النصاب أنه لا زكاة
[ ١ / ٣٨٥ ]
فيها حتى يحول الحول من يوم أفادها، إلا أن يكون عنده قبلها ماشية نصاب نم صنفها؛ فإن ما أفاد من ذلك يضم إلى الأول وإن لم يحل على الفائدة الحول.
فإن كان الأول لا زكاة فيه فلا زكاة في الفائدة حتى يحول الحول عليها.
هذا معنى ما قال.
والدلالة على صحة قولنا: قوله ﷺ: "في الرقة ربع العشر"؛ فعم.
وقوله: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" فمفهومه أن الصدقة تجب فيها وفيما زاد عليها.
وأيض اتفاقنا على أن الأصل إذا كان نصاب فإن الربح يزكى بحول أصله؛ فكان كذلك إذا كان الأصل دون النصاب؛ بعلة أنه نماء حادث عن مال تجب في عينه الزكاة؛ فكان حكمه حكم أصله. وأيض فإن هذه المسألة مرتبة لنا على الأصل؛ وهو أن حم سخال الماشية حكم أمهاتها- كانت الأمهات نصاب أو دونه، وسترد في موضعها إن شاء الله.
فأما ما قاله محمد بن الحسن من اعتبار هذا بفائدة فالفصل بين الموضعين هو أن النماء الحادث عن المال بالتصرف فرع له ومتولد عنه؛ فكان كأنه عين المال؛ فلذل كان حكمه حكمه.
[ ١ / ٣٨٦ ]
يدل ذلك إجماعهم على ما قلناه في النصاب، وما فوقه.
والفائدة بخلاف هذا؛ لأنها أجنبية من المال، وليست بفرع له.
فإن اعترضوا بالماشية فإنما أتبعناها النصاب لمعنى آخر يذكر في موضعه. ومحمد ظن أنا نضم فائدة الذهب إلى الأصل؛ فحكى عن الاعتلال على حسب ذلك.
وما ذكروه من فائدة الماشية صحيح.
ونحن لم نحكم بما قلناه في الربح على حسب ما يقوله أبو حنيفة في ضم فائدة الذهب إلى الأصل.
وبالله التوفيق.
* * *
فصل
فأما نسل الأمهات فحوله عندنا حول الأمهات، سواء كانت الأمهات نصاب أو دونه؛ فلو كان لرجل ثلاثون من الغنم فتوالدت قبل مجيء الساعي بيوم حتى كملت أربعين لوجبت فيها الزكاة مع الأمهات.
وقال أبو حنيفة والشافعي﵄: يستأنف الحول للجميع من يوم كمال النصاب، وإنما يكون حول السخال حول الأمهات نصاب واستدلوا بقوله ﷺ: "لا زكاة في مال يحول عليه الحول".
وهذا السخال لم يحل عليها الحول.
ولأنها زيادة كمل بها النصاب في نوع من الحيوان؛ فوجب أن يكون
[ ١ / ٣٨٧ ]
حولها من يوم كمل النصاب.
أصله: إذا كمل النصاب بشراء أو هبة أو ميراث.
وقولنا في نوع من الحيوان احتراز من الركاز وغيره. ولأن السخال من الأموال التي لا تجب فيها الزكاة إلا بالحل. وحولها تارة يعتبر بنفسها، وتارة يعتبر بغيرها.
ولا يجوز أن تبيع غيرها في الحول ولا حول لذلك الغير.
ولأن الأولاد إنما تتبع الأمهات في حكم إذا كان ذلك الحكم ثابت للأم حين الولادة.
فأما إذا لم يكن ثابت لها حين الولادة فلا يتبعها فيه؛ ألا ترى أن ولد المكاتبة إنما يتبعها إذا كانت مكاتبة حين الولادة، وكذلك ولد أم الولد.
وإذا ولدت قبل ثبوت الحكم لها لم تتبعها؛ ألا ترى أنها لو ولدت [ق/٨٤] من زوج أو زنا، ثم كوتبت أو دبرت لم يتبعها ولدها؟ فكذلك السخال لما لم يكن للأمهات حول الزكاة حين الأمهات لم تتبعها.
ولأن الأموال التي لا تجب الزكاة فيها إلا بالحول لا بد في وجوب الزكاة فيها من اعتبار أمرين:
أحدهما: كون المال مما يتسع للمواساة.
وأن تمضي عليه مدة يتكامل في مثلها النماء.
فإذا كان دون النصاب فلا زكاة فيه؛ لأنه لا يحتمل المواساة.
وإذا صار نصاب بالسخال فقد بلغ حد يحتمل المواساة واحتيج إلى اعتبار مدة يتكامل بها النماء.
[ ١ / ٣٨٨ ]
والدلالة على صحة قولنا قوله ﷺ: "في أربعين من الغنم شاة".
وهذه يقع عليها اسم غنم.
وروى مالك﵀- عن ثوربن زيد عن ابن لعبد الله بن سفيان الثقفي عن جده سفيان بن عبد الله أن عمر بن لاخطاب بعثه مصدق فكان يعد على الناس بالسخل. فقالوا: تعد علينا بالسخل ولا تأخذه منا؟
فلما قدم على عمر بن الخطاب﵁- ذكر ذلك له فقال له: نعم تعد عليهم بالسخلة يحملها الراعي، ولا تاخذها.
ولم يفرق بين أن تكون متولدة عن نصاب، أوت دونه. وقد روى ذلك عن النبي ﷺ؛ رواه علي بن حجر قال: حدثنا أيوب بن جابر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة شيء، ولا تؤخذ هرمته ويعد ضميرها وكبيرها". فعم ولم يخص.
ولأنها نتاج حادث عن حيوان تجب في عينه الزكاة؛ فوجب أن يكون معتبر به في حول الزكاة، أو نقول: فوجب أن يكون حكمه حكم ما لم يزل موجود مع أمهاته.
أصله: إذا كانت الأمهات نصاب.
فإذا قيل: المعنى في الأصل أن الأمهات حكم الحول؛ فجاز أن تتبعها في حولها. وليس كذلك إذا كانت الأمهات دون النصاب؛ لأنه لا حول
[ ١ / ٣٨٩ ]
لها؛ فلم يجز أن تتبعها في شيء لم يثبت لها.
قيل له: نحن لم نرد بقولنا أنه يجب أن يكون حول السخال حول الأمهات موضع الخلاف، وإنما أردنا أنه يجب أن يكون حكمها كأنها لم تزل وجودة مع أمهاتها.
وهذا المعنى لا يمكنهم دفعه.
على أن ما ذكروه فاسد على أصلهم؛ وذلك أن من مذهبهم أن الخليطين إذا كان لهما أربعون شاة ففيها الزكاة.
فقد جعلوا للعشرين حول معتبر لنا بنفسها أو بالعشرين الأخرى.
وهذا ما منعونا فيه.
وأيض فإن الحول معتبر في زكاة العين.
ولو كانت معه مائة درهم فأقامت معه حول إلا يوم فأخذ من معدن مائة درهم أخرى يضمها إلى الأولى وزكاها عندهم؛ فبطل بذلك ما قالوه.
وقياس آخر وهو أنه قد اتفقنا على أنه لو ابتاع سلعة بمائة درهم تساوي حال ابتياعها مائتين، ثم باعها بعد الحول بمائتين فإن الزكاة واجبة في ثمنها.
والعلة في ذلك أنه نماء حادث عن مال تجب في جنسه الزكاة؛ فكان حكمه حكمه.
فأما الخبر: قلنا فيه من التعلق مثل ما لهم؛ وذلك أن مفهومه وجوب الزكاة في الأمهات إذا حال عليها الحول.
[ ١ / ٣٩٠ ]
فإن قيل: لا حول للأمهات أصل إذا كانت دون النصاب.
قيل له: هذا غير صحيح؛ لأن الخبر أطلق ذلك ولم يقيده؛ على أنه مخصوص بما ذكرناه.
وقولهم: لأنها زيادة كمل بها النصاب كالشراء والميراث لا تأثير له على أصل أصحاب الشافعي؛ لأن الزيادة لا تضم إلى الأصل، سواء كان الأصل نصاب أو دونه؛ فتقيدها بهذا الوصف لا معنى له. على أن المعنى في الأصل كمال النصاب بغير تمامه. وليست كذلك مسألتنا؛ لأن كمال النصاب مما حادث عنه.
وما ذكروه من انه لا يجوز أن تتبع غيرها في الحول ولا حول لذلك الغير قد أجبنا عنه، وقلنا: إن الحول يعتبر في الأصل وإن لم يكن نصاب كما قالوا ذلك في الخليطين بينهما أربعون شاة، وكما قالوا فيمن كان معه مائة درهم فبقيت معه بعض الحول ثم أفاد من ركاز تمام النصاب فإنه يضمها إلى المائة التي كانت معه.
وما ذكروه من أن ما يعتبر فيه الحول لا بد فيه من أمرين:
أحدهما: أنه يكون قدر يحتمل المواساة.
والآخر: أن يرد عليه من المدة ما يكمل به النماء والمنفعة. ينتقض به إذا كان الأصل نصاب؛ وذلك أنه إذا كان معه ثمانون شاة أقامت أحد عشر شهر، وتوالدت قبل حلول الحول بشهر فإنها لم تبق مدة يكمل بها النماء، ومع ذلك فهي تابعة لها في الحول؛ فانتقض الاعتلال.
ولا معنى لقولهم إن هذا الزمان قد أتى على الأمهات؛ لأنهم لم
[ ١ / ٣٩١ ]
يشترطوا في الاعتلال كمال النماء والمنفعة في بعض المال دون بعض. فإن قنعوا بهذا فقد أتى أيض على الأمهات التي دون النصاب في مسألتنا زمان كمال النماء والمنفعة.
وقولهم: لأنه نتاج لم يتولد عن نصاب فلم تجب فيه الزكاة. أصله: إذا لم يتم الأصل بنتاجه نصاب. فالجواب أن المعنى فيه قصور الأصل عن نصاب، والنصاب معنى معتبر في الحيوان في الزكاة.
والله أعلم.
* * *
فصل
ولا خلاف بين فقهاء الأمصار في أن السخال تتبع الأمهات إذا كانت الأمهات نصاب.
وقال داود: لا تضم السخال إلى الأمهات أصل، سواء كانت الأمهات نصاب أو دونه؛ لقوله ﷺ: "لا زكاة في مال حتى يحول [ق/٨٥] عليه الحول".
وروى أنه ﷺ قال: "فما حدث من بال بعد فلا زكاة فيه حتى يجئ الحول".
قالوا: وقد اتفقنا على أنه لو استفاد في الحول جنس من المال مخالف لجنس ما معه لم يضمه إليه، لعله أنه مال مستفاد يعتبر الحول في جنسه؛ فكذلك السخال.
[ ١ / ٣٩٢ ]
والدلالة على ما قلناه: قوله ﷺ: "في أربعين من الغنم شاة"؛ فعم ولم يخص.
وما رواه على بن حجر حدثنا أيوب بن جابر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس فيما دون خمس من الإبل شيء، ولا تؤخذ هرمة، ويعد صغيرها وكبيرها".
وهذا نص.
وأيض فإن هذا إجماع الصحابة؛ لأنه مروي عن عمر، وعلي، ولا مخالف لهما.
وقد ادعوا أن ما قالوه مذهب أبي بكر الصديق رضوان الله عليه، وليس ذلك بصحيح.
وأيض فلأن الزكاة تجب في المال لأجل النماء؛ بدلالة أن ما لا نماء له لا زكاة فيه؛ كالعقارات وغيرها. وكذلك ما ترك التصرف فيه بالتسمية كالحلي الملبوس وغيره لا زكاة فيه.
وإذا كان كذلك فيستحيل أن تجب الزكاة في الأصل من أجل النماء ولا تجب في المنمى نفسه.
ويبين هذا ما نقلوه في التجارة أن الزكاة تجب في الأصل لأجل الربح ومحال ألا تجب في الربح. فأما قوله ﷺ: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" فمعناه: في الأصل دون النتاج؛ بدلالة ما ذكرناه.
[ ١ / ٣٩٣ ]
وقوله: "فما حدث من مال بعد فلا زكاة فيه حتى يجئ رأس الحول" فكلام لا يستقل بنفسه؛ لأنه معطوف على شيء لم يذكر. وعلى أن معناه في غير السخال بدلالة ما ذكرناه.
وقياسهم ينتقض- على أصلنا- بنماء الدراهم والدنانير. على أن العلة في الأصل أن الفائدة من غير جنس ما معه.
والله أعلم.
* * *
مسألة
قال ﵀: "ومن له مال [تجب] فيه الزكاة، وعليه دين مثله أو ينقصه عن مقدار مال الزكاة فلا زكاة عليه، إلا أن يكون عنده مما لا يزكى من عروض مقتناه أو رقيق أو حيوان مقتناة، أو عقار أو ريع ما فيه وفاء لدينه فليزك ما بيده من [عروض] ن فإن لم تفي عروضه بدينه حسب بقية دينه فيما بيده، فإن بقي بعد ذلك ما فيه الزكاة زكاه، ولا يسقط الدين زكاة حب ولا تمر ولا ماشية.
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: أعلم أن هذا الفصل يشتمل على عدة مسائل، ونحن نبينها ونوضح القول فيها.
أما قوله: إن من له نصاب من الذهب أو الورق، وعليه دين مثله أو
[ ١ / ٣٩٤ ]
ينقصه عن ما تجب في الزكاة، ولا عرض له سوى ذلك فإنه لا زكاة عليه.
فإن هذا قول أصحابنا وأهل العراق.
وللشافعي قولان:
أحدهما: أن عليه الزكاة.
والآخر: أنه لا زكاة عليه.
واستدلوا على خلافنا بقوله ﷺ: "في الرقة ربع العشر".
وما أشبه هذه الظواهر.
ولأنه نوع من المال تجب في عينه الزكاة؛ فوجب ألا تسقط الدين زكاته اعتبار بالماشية.
ولأنه مسلم تام الملك فأشبه من لا دين عليه. ولأنها زكاة فوجب ألا يسقط الدين؛ اعتبار بالعشر وزكاة الفطر.
والدلالة على ما قلناه: رواية عمير بن عمران عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان للرجل ألف درهم، وعليه ألف درهم فليس عليه زكاة، وليس على مال زكاة حتى يحول عليه الحول".
وهذا نص في موضع الخلاف.
وأيضا ما ذكره أصحابنا أن أداء الدين أولى من الزكاة؛ لأن الدين قد أخذ عوضه، والزكاة هي مواساة لم يؤخذ عوضها؛ فكان أداء ما قد أخذ عوضه أولى.
ولهذا المعنى شاهد من الأصول؛ وهو الاتفاق على أن الدين مقدم على
[ ١ / ٣٩٥ ]
الميراث وإن كان الميراث واجب للورثة.
وليس في ذلك إلا أن الدين قد أخذ عوضه، وأن الميراث لم يأخذ منه عوض؛ فلذلك كان أولى منه.
قالوا: وأيض فلأن الزكاة إنما تجب في الأموال النامية؛ ألا ترى أنها لا تجب في العقار وغيره من العروض التي لا تنمى؟
وإذا ثبت ذلك، وكان رب الدين قادر على الحجر على من عليه الدين ومنعه من تنمية المال الذي في يده خرج المال عن أن يكون نامي؛ فوجب سقوط الزكاة عنه لكونه على غير ثقة لحصول ما يمنع نماء المال.
وبهذا المعنى انفصل العين عن الماشية والحب؛ لأن النماء موجود فيها، ولا مجال للحجر في قطعه عنهما.
وقد ذكر أصحابنا في هذه الأشياء مدخولة بزكاة الحرث والماشية، والأقرب فيها ما قدمناه. فأما الظواهر فمخصوصة.
واعتبارهم بمن لا دين عليه باطل؛ لأن من لا دين عليه متمكن من تنمية ما في يده؛ لأن لا طريق لأحد عليه، ولأنه بإزاء الزكاة من هو أولى بها.
وقياسهم على الماشية والزرع فقد فصل أصحابنا عنها بشيئين:
أحدهما: أن قالوا: إن النماء موجود والماشية غير موقوف على من يتصرف فيهما؛ لأنهما نميان بأنفسهما.
وليس كذلك العين؛ لأنها لا تنمى إلا بتصرف من يتصرف فيها، ولصحاب الدين أن يقطع ذلك بحجره عن من هو في يده؛ فينقطع النماء
[ ١ / ٣٩٦ ]
فيه.
والوجه الآخر: أن زكاة الماشية والحرث إلى الأمام، فلو قبل أرباب الأموال فيما يدعونه من الديون عليه لأدى ذل إلى إسقاط الزكاة جملة؛ فحسم الباب بترك قبول ذلك منهم.
وليس كذلك زكاة العين؛ لأنها موكولة إلى أرباب الأموال.
هذا قدر ما فصل فيه أصحابنا بين الموضعين.
* * *
فصل
فإن كان عنده من العروضما يفي بدينه جعل الدين في العروض، وأدى الزكاة عما في يده من العين إن كان نصاب.
وإن كان ما عنده من العروض دون ما عليه من الدين ترك مما في يديه من العين ما إذا ضمه إلى قيمة العروض قام بإزاء الدين، ثم زكى ما بقى معه من العين إن بقى ما تجب فيه الزكاة.
والعروض التي يجعل فيها دينه هو كل ما يبيعه الحاكم عليه في دينه دون ما لا يبيعه عليه.
وعند أهل العراق إنه كمن لا عروض له؛ فيجعل الدين في العين، ويسقط الزكاة عنه.
قالوا: لأن ما في يده من العين لا يفصل عما عليه من الدين؛ فلم يتمكن يتكن عليه فيه زكاة.
أصله: إذا لم يكن له عروض.
[ ١ / ٣٩٧ ]
والدلالة على ما قلنا عموم الظواهر؛ مثل قوله: "في مائتين خمسة دراهم"، وفي الرقة ربع العشر، وما أشبه ذلك.
ولأنه حر مسلم مالك لنصاب قد حال عليه الحول أخذ الصدقة منه لا يبخس حق غيره؛ فوجب أخذ الزكاة منه.
أصله: من لا دين له، أو من عليه دين وفي يده من العين ضعف ما عليه من الدين.
ولأنه قادر على الجمع بين أداء الدين والزكاة فوجب ألا يسقط أحدهما الآخر.
أصله: إذا كان معه من العين ما يقوم بإزاء الدين، ويفضل معه نصاب.
ولأن العروض نوع من المال مأمون؛ فجاز أن يجعل في الدين.
أصله: العين.
فأما إذا لم يكن له عروض فالمعنى فيه أنه ليس هناك مال مأمون يقوم بإزاء الدين فيدافع الدين الزكاة، وإذا تدافعا كان اليوم أولى؛ على ما بيناه.
وليس كذلك في هذا الموضع؛ لأن العروض إذا أقيمت بإزاء الدين سقط التدافع بين الدين والزكاة.
والله أعلم.
* * *
[ ١ / ٣٩٨ ]
فصل
فأما قوله: إذا كان عليه دين وله ماشية أو زرع فإن عليه الزكاة: فقد ذكرنا فيما تقدم الفصل بين الذهب والفضة، وبين الماشية والزرع؛ فإن النماء يمكن قطعه عن الذهب والفضة بالحجر على من هي في يدهن ولا يمكن ذلك في الماشية والزرع. وبأن أمر الماشية والزرع إلى الأمام، وأمر الذهب والفضة موكول إلى أمانة أربابها. وبيناه بما يغني عن أعادته.
* * *
مسألة
قال ﵀: "ولا زكاة عليه في دين حتى يقبضه، وإن أقام أعوام فإنما يزكيه لعام واحد بعد قبضه. وكذلك العرض حتى يبيعه".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: أعلم أن حكم الدين والعروض واحد عندنا في أنه لا زكاة في الدين حتى يقبض، وفي العروض حتى يباع.
فإذا قبض الدين وبيع العروض زكيا لسنة واحدة وإن بقيا أحوال كثيرة إن كان أصلها عين معه. فإن لم يكن أصلها عنده عين فلا زكاة عليه في الدين إذا قبضه، ولا في ثمن العرض إذا باعه. ويستقبل بذلك حول من يوم حصل في يده.
[ ١ / ٣٩٩ ]
فالأول مثل أن يكون معه مال فيسلفه رجل أو يشتري به سلعة ثم يبيعها من رجل بدين في ذمته: فإن هذا لا زكاة عليه في هذا الدين حتى يقبضه وإن أقام عند من هو عليه أعوام.
فإذا قبضه زكاه لسنة واحدة.
وإنما زكاه إذا قبضه؛ لحصوله طرفي الحول في يده عين.
واقتصر على سنة واحدة؛ لأن ما بين ذلك لم يكن فيه عين؛ فلم يجر فيه حكم الزكاة.
وكذلك إذا كان معه عين فاشترى بها عرض فأقام عنده أحوال ثم باعه فإنه يزكى الثمن لسنة واحدة. والعلة فيه ما ذكرناه في الدين.
فأما الفصل الثاني: فمثل أن يرث دين أو يوهب له فيمكث على من هو عليه سنين ثم يقبضه فهذا يستقبل به حول من يوم قبضه؛ لأن أصله لم يكن غني؛ فلم يجر فيه حكم الزكاة.
وكذلك العرض إذا ورثه أو وهب له فأقام سنين ثم باعه فإنه يستأنف به الحول؛ لما ذكرناه.
* * *
مسألة
قال ﵀: "وإن كان الدين أو العروض من ميراث فليستقبل بما يقبض منه".
[ ١ / ٤٠٠ ]
قال القاضي ﵀: هذا لما ذكرناه من أن المراعى في وجوب الزكاة في الدين والعرض طرفي الحول في يده، فإذا عدم ذلك في الطرفين أو أحدهما لم تكن فيه زكاة.
فالدين إذا كان من ميراث فإنما نفى في يده ساعة قبضه، وهو أحد طرفي الحول؛ فلذلك لم تجب الزكاة فيه.
* * *
مسألة
قال ﵀: "وعلى الأصاغر الزكاة في أموالهم في الحرث والماشية والعين وزكاة الفطر".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: هذا قولنا، وقول الشافعي﵀.
وروى عن خلف من الصحابة منهم: عمر ابن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وعائشة رضوان الله عليهم أجمعين.
وذهب أهل العراق إلى سقوط الزكاة عن اليتيم في ذهبه وفضته وماشيته ووجوبها عليه في حرثه وفي الفطرة.
[ ١ / ٤٠١ ]
وزعموا أنه مروي عن ابن مسعود وعن ابن عباس.
واستدلوا بقوله ﷺ: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم".
ورفع القلم عبارة عن سقوط العبادات عنه، وإيجاب الزكاة عليه ينافي ذلك.
ولقوله ﷺ لمعاذ [ق/٨٧] بن جبل: "فإن أجابوك فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم".
فأوجب الصدقة على من يدعي إلى الإيمان، والطفل لا يصح إعلامه ولا دعاؤه.
قالوا: ولقول أبي بكر﵁- بمحضر من الصحابة من غير نكير من أحد منهم عليه: لا أفرق بين ما جمع الله- يعني بين الصلاة والزكاة- ولأقتلن من فرق بين الصلاة والزكاة.
وفي إيجابها على الصغير مع العلم بأن الصلاة لا تجب عليه تفريق بينهما.
قالوا: ولأنها عبادة محضة لا تلزم أحد عن أحد؛ فوجب ألا يلزم الصغير؛ اعتبار بالصلاة والصوم.
[ ١ / ٤٠٢ ]
وقولهم: لا تلزم أحد عن أحدن احتزاز من زكاة الفطر، لأنها تلزم الرجل عن أهله.
قالوا: ولأن الصبي ممن لا يصح منه في هذه الحال اعتقاد الإيمان، فأشبه الكافر.
قالوا: ولأنه ممن لا يتصرف في ماله بالفرض والهبة ونحوها، فأشبه المكاتب.
والدلالة على صحة قلنا قوله ﷺ: "في الرقة ربع العشر".
وقوله: "في أربعين شاة شاة"، فعم ولم يخص.
وقوله: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" وهذا نفي عام عن كل مالك.
فدليله أن الصدقة في خمس أواق فما فوقها في كل مالك، لأن حكم الإثبات في العموم هاهنا حكم النفي.
وقد استدل أصحابنا بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم﴾ ولم يخص الصغار من الكبار.
واعترضوا على هذا بأن قالوا: إن هذه الكناية عائدة على البالغين، لأنه نسق على قوله: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ الآية فلا تتناول الصغار، وهذا لا معنى له، لأن الظاهر أنها كناية عن الأمة، وليس هاهنا ضرورة
[ ١ / ٤٠٣ ]
توجب حملها على من ذكره، لأنه ليس هاهنا حرف عطف، ولا كلام الأول مفتقر إلى أن يتم بهذه الآيةن فكان الظاهر أنها كناية عن الأمة.
فإن قيل: أقل الأحوال أن يكون محتمل.
قيل له: ليس الأمر كذلك، لأن النبي ﷺ إذا خوطب بأمر أو نهب أو عبادات يلزمها غيره بلفظ كناية، فالظاهر عود تلك الكناية على الأمة، إلا ما يكون هناك ما يضطر إلى حمله على غير ذلك.
ويدل ما قلناه: ما رواه الأعمش عن أبي وائل عن معاذ أن النبي ﷺ لم وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة.
وعموم هذا يشمل الصغير والكبير.
ويدل على ذلك قوله ﷺ: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم".
فهذه الكناية عائدة على أمته، فعم ولم يخص صغير من غنى كبير.
ويدل على ذلك ما رواه القاضي إسماعيل بن إسحق قال: حدثنا الحماني قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: "من ولى يتيم فكان له مال فليتجر فيه لا تأكله الزكاة".
[ ١ / ٤٠٤ ]
فهذا صريح أن الصدقة في مال اليتيم.
قال الراوي: قد قيل: إن أصل الحديث إنما رواه عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن عمر، وغلط فيه من رواه عن النبي ﷺ فيقال له: هذا إن كان قد قيل فليس كل شيء قيل يجب أن يسمع ويعمل عليه إلا أن يبين قائله دلالة أو يأتي بحجة ولا يلزم تقليده وقبول قوله من غير دلالة على صدقه.
ولأن كل زكاة لزمت الكبير في لازمة للصغير، اعتبار بزكاة الحرث والفطر.
ولأنه ممن تلزمه زكاة الفطر في ماله، فوجب أن تلزمه زكاة عينه وماشيته.
أصله: الكبير، ن أو نقول: لأنه مسلم حر تام الملك، فأشبه الكبير.
وإذا ثبت فاستدلالهم بقوله ﷺ: "رفع القلم عن ثلاث" وذكر الصبي في ذلك غير صحيح، لأن رفع القلم عنه لا ينافي الحقوق التي تثبت في ماله، ألا ترى أنها لا ينافي أخذ إخراج العشر من زرعه، وإخراج صدقة الفطر، وغير ذلك مما يلزمه في ماله.
فبان بهذا سقوط تعلقهم بالخبر.
ويؤيد ما قلناه تسويته ﷺ وبين النائم في رفع القلم، وذلك يفيد تساويهما في كل ما يوجبه، فإذا كان وصف النائم بذلك فيه سبب مما قالوه فكذلك وصف الصبي بذلكن وإنما فائدة رفع القلم سقوط خطابه بالتكليف، وإيجاب عبادات الأبدان التي يحتاج فيها إلى القصود. فأما
[ ١ / ٤٠٥ ]
حقوق الأموال فلا تدخل في هذا.
وقوله ﷺ لمعاذ: "إن أجابوك فأعلمهم أن عليهم في أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم" حجة لنا، لأنه عم الأغنياء بأخذ الصدقة منهم، ولم يخص الكبار من الصغار.
فإن قيل: فقوله: من أغنيائهم يعود على المخاطبين، فكأنه قال: تؤخذ من الأغنياء ممن يجيبك.
قيل: هذا غير صحيح، وذلك أن الدعوة إذا توجهت إليهم وحصلت منهم الإجابة لزمت الإحكام بجميعهم، ألا ترى أن بإجابتهم يثبت لصبيانهم حكم الإسلام [ق/٨٨]، فبان أن قوله: "من أغنيائهم" عائد على جميعهم لا يخص صغير منهم دون كبير.
وقول أبي بكر ﵁: لا أفرق بين ما جمع الله: يريد أن الله أمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، فلا أدعهم وما راموه من أنهم يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة.
ولم يعن به: أي: لا أوجب الزكاة إلا على من وجبت عليه الصلاة، فلا معنى للتعلق بذلك.
ويقال لهم: إن كان في إيجاب الزكاة إلا على من وجبت عليه الصلاة تفرق بينهما فيجب أن يكون في إيجاب الصلاة على من لا زكاة عليه تفريق بينما.
ويورد عليهم ما ألزمهم أصحابنا من إسقاط الزكاة عن الحائض،
[ ١ / ٤٠٦ ]
لسقوط الصلاة عنها، وإسقاط الصلاة عن الفقير، لسقوط الزكاة عنه.
وهذا لا فصل فيه.
ويقال لهم: إذا أوجبتم الزكاة في حرثه، وألزمتم وليه إخراج صدقة الفطر من ماله فقد فرقتم بين الصلاة والزكاة، لأن أبا بكر ﵁ لما قال: لا أفرق بين الصلاة والزكاة لم يكن مراده زكاة دون زكاة. فإذا كان هذا ليس تفريق فكذلك زكاة ماله وماشيته.
وقولهم: لأنها عبادة محضة لا تلزم أحد عن غيره فأشبهت الصلاة: ينتقض بزكاة الحرث.
على أن المعنى في الأصل أنه من عبادات الأبدان المفترقة إلى المقصود.
وليس كذلك الزكاة، لأنها عبادة في المال دون البدن.
واعتبارهم بالكافر باطل، لأن الكافر لا تلزمه فروع الشريعة مع إقامته على كفره، فلا يصح اعتبار المسلم به في إسقاط العبادات عنه.
على أن الكافر لا تلزمه زكاة حرثه وفطره، فلذلك لم تلزمه فروع الشريعة مع إقامته على كفره، فلا يصح اعتبار المسلم به في إسقاط العبادات عنه.
على أن الكافر لا تلزمه زكاة حرثه وفطره، فلذلك لم تلزمه زكاة ماله.
وليس كذلك الصبي، لأنه ممن تلزمه صدقة الحرث والفطر في ماله، فكان بالبالغ أشبه.
والمعنى في المكاتب أنه ليس بتام الملك، لأنه على الرق الجزية أحد شروط وجوب الزكاة. والله أعلم.
[ ١ / ٤٠٧ ]
مسألة
قال ﵀: ولا زكاة على عبد، ولا على من فيه بقية رق في ذلك كله.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ﵀: وهذا لأن الحرية من شروط الزكاة كالإسلام، بدلالة أن البد غير مستقر الملك، لأن لسيده أن ينتزع ماله إذا شاء ذلك، على ما سنذكره في مسألة ملك العبد.
وإذا كان كذلك لم تجب الزكاة عليه، لأن الزكاة لا تجب إلا على تام لملكن لا على من ملكه مراعي غير مستقر.
فأما من فيه بقية رق فحكمه حكم العبد، فلذلك لم تجب عليه الزكاة.
وكذلك المكاتب لا زكاة عليه، خلافا لأبي ثور حيث قال: إن حكمه حكم الحر، لأنه كالعبد في الملك، بدلالة أنه لا تجوز له الهبة ولا التصرف فيه إلا بإذن سيده.
وقد روى ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر أن النبي ﷺ قال: "ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق".
ويشبه أن يكون صحيحا موقوفا.
وروى القاضي إسماعيل بن إسحاق: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا
[ ١ / ٤٠٨ ]
محمد بن بكر حدثنا ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: ليس في مال المكاتب زكاة، ولا العبد حتى يعتق.
وروى مالك عن نافع أن ابن عمر قال: ليس على المكاتب، ولا على العبد زكاة في ماله.
وروى القاضي إسماعيل حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن الحكم عن عبد الله بن نافع عن أبيه أنه سأل عمر ﵁ فقال: أزكى وأنا مملوك؟ قال: لا.
مسألة
قال ﵀: "فإذا أعتق فليأتنف حولا من يومئذ بما يملك من ماله".
قال القاضي: وهذا لأنه من ذلك الوقت تكاملت شروط وجوب الزكاة فيه، فوجب أن يستأنف الحول من ذلك الوقت.
مسألة
قال ﵀: "ولا زكاة على أحد في عبده، وخادمه، وفرسه، وداره، ولا ما يتخذ للقنية من الرباع والعروض".
[ ١ / ٤٠٩ ]
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب﵀: وهذا ما لا خلاف فيه أعلمه أن العروض إذا لم يرد بها التجارة فلا زكاة فيها.
والأصل في ذلك أن الزكاة إنما تجب في الأموال النامية، وهي العين والحرث والماشية.
وهذه الأشياء قد سقط النماء فيها، وليس في أعيانها الزكاة، فلا زكاة فيها.
وقد قال ﷺ: "ليس على المسلم في عبده، ولا فرسه صدقة".
وقال: "ليس في الخيل والرقيق صدقة".
مسألة
قال ﵀: "ولا فيما يتخذ للباس من الحلي".
قال القاضي ﵀: هذا قول أصحابنا كافة، وقول الشافعي وروى عن مر وعائشة وجابر ﵃.
وقال أبو حنيفة: فيه الزكاة. ورووه عن ابن مسعود وغيره.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾.
[ ١ / ٤١٠ ]
وقوله ﷺ: "في الرقة ربع العشر".
وقوله: في مائتي درهم خمسة دراهم.
وكل هذه الظواهر تعم الحلي وغيره.
وروى عطاء عن أم سلمة قالت: كنت ألبس أوضاحا من ذهب فقلت يا رسول الله: أكنز هو؟ فقال: "ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكى ليس بكنز".
فأخبر أن ما لم تؤد زكاته [ق/٨٩] فهو كنز.
وروى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها، وفي يدي ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب. فقال لها: "أتعطين زكاة هذا؟ " قالت: لا. قال: "أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيمة بسوار من نار".
وهذا نص فيما قلناه.
وروى حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله أن زينب الثقفية امرأة عبد الله سألت رسول الله ﷺ فقالت: إن لي طوقا فيه عشرون مثقالا
[ ١ / ٤١١ ]
أفأؤدي زكاته؟ قال: "نعم، نصف مثقال" قالت: فإن حجري بني أخ لي يتامى أفأجعله فيهم؟ قال: "نعم".
وروى محمد بن عمرو بن عطاء عن عبد الله بن شداد بن الهاد عن عائشة قالت: دخلت على رسول الله ﷺ فرأى في يدي فتخات من ورق.
فقال: "ما هذا يا عائشة؟ " فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله. قال: "أتؤين زكاتهن" قلت: لا. قال: "هو حسبك من النار".
ولأنه نصاب من ذهب أو ورق، فأشبه الدراهم والدنانير.
ولأنه مصوغ من ذهب.
دليله: إذا كان للتجارة.
والدلالة على صحة قولنا: أنه مال مقصود للاقتناء وترك التمني على وجه مباح، فوجب ألا تجب فيه الزكاة.
أصله: عروض القنية.
وأيضا فإن المعتبر في وجوب الزكاة هو النماء دون غيره، لأن الزكاة تجب بوجوده وتسقط بعدمه. ويبين ذلك أن الأموال على ضربين: منه ما تجب في عينه الزكاة كالذهب والفضة، وضرب آخر لا تجب في عينه الزكاة كالعروض.
ثم اتفقنا على أن ما لا تجب في عينه الزكاة إذا قصد به التمني وطلب
[ ١ / ٤١٢ ]
الفضل وجبت الزكاة لطلب النماء به، فوجب أن يكون ما يجب في عينه الزكاة إذا عدل به عن طلب النماء على وجه مباح أن تسقط الزكاة فيه.
ورأيت في بض كتب أصحابنا حديثا عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ قال: "ليس في الحلي زكاة" ولم أره في شيء من كتب الحديث، والله أعلم.
فإذا ثبت ما ذكرناه فالظواهر التي تلوها مخصوصة بما ذكرناه.
وحديث أم سلمة يحتمل أن تكون لبسته لا للتجمل لكن للقنية والدخر.
وكذلك حديث عائشة.
ويحتمل أن يكون ذلك وقت كان النساء منهيات عن لبس الذهب.
ويحتمل أن تكون اعتقدته كالعقدة، وتزينت له بها في بعض الأوقات.
وكل هذه الأخبار قضايا في أعيان لا تحمل إلا وجها واحدا.
وما رووه من حديث المرأة التي كانت في يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب ففيه ما يدل على أن الحلي لم يكن للبس، وذلك أنه قيل فيه أنهما غليظتان، فكأنهما خرجتا عن حد ما يتخذ من الحلي إلى حد ما يتخذ من الأواني، لأن الغرض لم يكن للسرف والتزين به، لأنه لو كان هذا غرضا لاتخذته على نحو ما يتخذه الناس، فدل هذا أيضا على ما قلناه. وحديث زينب الثقفية فلم يذكر أكثر من أن لها طوقا فيه عشرون مثقالا، ولم يقل أنه للبس، ويحتمل أن تكون اتخذته للبس.
[ ١ / ٤١٣ ]
فإن قيل: فقد أطلق، ولم تستفصل.
قيل له: يحتمل على الوجه الذي قلناه بالدليل.
واعتبارهم بالدراهم والدنانير باطل، لأنها لم تنقل عن طلب النماء إلى التجمل والتزين. وليس كذلك حال اللبس، لأنه معدول به عن طلب التمني.
وكذلك الجواب عن قياسهم على حلي التجارة.
والله أعلم.
فصل
فأما حلي التجارة ففيه الزكاة سواء كان مدارا أو غير مدار، ولا أعلم خلافا في ذلك بين أحد من أهل العلم.
فأما حلي الكراء: ففيه روايتان.
إحداهما: أنه لا زكاة فيه.
وهي رواية القاسم، وابن عبد الحكم.
والأخرى: إن فيه الزكاة.
ذكرها ابن الجلاب. والذي أعرفه أنه قول محمد بن مسلمة فوجه سقوط الزكاة فيه حبس عينه عن طلب النماء والزيادة، فأشبه حلي اللبس والنماء الحاصل عن إجارته لا اعتبار به إذا حبست عينه كالعبيد.
وإذا كانوا للقنية ولهم علة فلا زكاة في أثمانهم.
ووجه إيجاب الزكاة فيه وجوب النماء فيه، فأشبه حلي التجارة.
[ ١ / ٤١٤ ]
مسألة
قال ﵀: "ومن ورث غرضا أو وهب له أو رفع من أرضه زرعا فزكاة فلا زكاة عليه في شيء من ذلك حتى يباع فيستقبل به حولا من يوم قبض ثمنه".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: أما إذا ورث عرض أو وهب له فلا زكاة عليه إذا باعه، لأنه لم يحصل علينا في طرفي الحول، وقد قلنا فيما سلف أن الزكاة إنما تجب في أثمان العروض إذا كان أصلها عينا.
وأما الزرع إذا زكاه فلا زكاة عليه إذا باعه حتى يستقبل بثمنه حولا، لأنه العروض الذي لم ينض طرفي الحول.
ولأنه لما زكاه لم يزكه ثانية، لأنه يصير ثمنه فائدة.
والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: "وفيما يخرج من المعدن من ذهب أو فضة الزكاة إذا بلغ وزنه عشرين دينارا أو خمس أواق فضة ففي ذلك ربع العشر يوم خروجه".
وكذلك ما يخرج بعد ذلك متصلا به وإن قل فإن انقطع نيله بيده وابتدأ غيره لم يخرج شيئا حتى يبلغ ما فيه الزكاة.
[ ١ / ٤١٥ ]
وفي الركاز وهو دفن الجاهلية الخمس على من أصابه".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: أعلم أن المعدن عندنا غير الركاز، لأن الركاز هو دفن الجاهلية، [ق/٩٠] والمعدن هو الموضع الذي نبت فيه الذهب والفضة.
والواجب في الركاز الخمس في قليله وكثيره.
والواجب في المعدن الزكاة يعتبر فيه النصاب في ذهبه وفضته، وكذلك إذا أصيب بتكلف وعمل يلزمه فيه مؤنة وكلفة.
أما ما أصيب بغير مؤنة ولا تكلف عمل ففيه الخمس.
وفي الموضعين فلا اعتبار فيه بحول وإنما يخرج ذلك في وقته.
وعند أبي حنيفة أن المعدن ركاز، وفيه الخمس.
وسواء أخذ بتعب ومؤنة أو بغير ذلك.
وحكمه وحكم دفن الجاهلية واحد، يصرفان مصرفا واحد.
وللشافعي ثلاثة أقوال: المشهور منها أن الواجب في المعدن ربع العشر سواء أخذ بتعب ومؤنة أو بغير تعب ولا مؤنة.
وهذا قول أحمد وإسحاق.
والثاني: مثل قول أبي حنيفة.
والثالث: مثل قولنا.
فالكلام في هذه المسألة من وجوه:
[ ١ / ٤١٦ ]
أحدهما: أن المعدن ركاز أم لا؟
والموضع الآخر: هل فيه الخمس أم الزكاة؟
والموضع الآخر: الفرق بين ما يخرج بمؤنة وكلفة، وما يخرج بغير ذلك.
والذي يدل على أنه ليس بركاز: ما رواه مالك عن الزهري عن سعيد، وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "العجماء جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس".
ففرق بين اسميهما، فدل ذل على بطلان قول من جعلهما واحد، لأن معناهما لو كان واحدا لم يفرق بينهما، ولكن يقول: وفيه الخمس.
وأيضا فلأن الركاز مأخوذ من أركز الشيء إذا دفنه.
والمعدن عروق أنبتها في الأرض، وليست بوضع آدمي، فوجب ألا تكون ركاز.
والذي يدل على أنه فيه الزكاة دون الخمس قوله ﷺ: "في الرقة ربع العشر" فعم ولم يخص معدنا من غيره.
وروى مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن غير واحد من علمائهم أن رسول الله ﷺ أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية التي في ناحية الفرع، فتلك المعادن لا تؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم.
[ ١ / ٤١٧ ]
ورواه الدارقطني عن ربيعة عن الحارث بن بلال عن أبيه عن النبي ﷺ أنه أخذ من معادن القبلية الصدقة.
ولأنه مستفاد من الأرض بكلف ومؤنة لم يملكه غيره، فوجب أن يكون الواجب فيه الزكاة، لا الخمس، كالزرع.
وإنما قلنا: لم يملكه غيره، احترازا من الزكاة.
ولأن الخمس إنما يجب فيما أخذ من أموال الكفار بالسيف على وجه الغنيمة، أو وجده فيئا، أو يوج بغير تعب ولا مشقة ولا تكلف مؤنة، فيجري مجرى ذلك.
فأما المعدن فليس من هذا في شيء إلا أن يكون بدرة وما جرى مجراها.
ولأنه خارج من المعدن بمؤنة وكلفة فوجب ألا خمس فيه كالزئبق وما أشبه.
واستدلال لأبي حنيفة بما رواه عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن جده عن أبي هريرةقال: قال رسول الله ﷺ: "في الركاز الخمس".
قالوا: يا رسول الله وما الركاز؟ قال: "الذهب والفضة الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقت".
وبما رواه عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجل سأل النبي ﷺ عما يؤخذ في الخرب العادي فقال ﷺ: "وفي الركاز الخمس".
[ ١ / ٤١٨ ]
قالوا: ولأن العرب تقول: ركز المعدن إذا كثر ما فيه من الذهب والفضة.
ودل ذلك على أن أصل الركاز هو المعدن.
قالوا: ولأن الركاز اسم لما غيب في الأرض وأخفى فيها، ومنه قولهم: ركز رمحه في الأرض، ومنه قوله تعالى:
﴿أو تسمع لهم ركزا﴾ يعني: صوتا خفيا.
فلما كان ذهب المعدن خفيا مغيبا في الأرض كان ركازا كما كان المدفون ركازا.
واستدلوا بوجوب الخمس فيه بقول ﷺ: "المعدن جبار، وفيه وفي الركاز الخمس".
قالوا: ولأنه حق متعلق بالمال مقارن لاستفادته، فوجب أن يكون خمسا.
أصله: خمس الفيء والغنيمة.
قالوا: ولأنه ذهب خارج من المعدن، فوجب أن يخمس.
فالجواب: أن الزيادة التي رووها في حديث عبد الله بن سعيد غير محفوظة من طريق يوثق به، وإنما المحفوظ: "وفي الركاز الخمس" فقط.
على أنه لو صح لكان الجواب عنه أن يقال: إن السؤال إنما صدر عن معرفة حكم الركاز الذي يؤخذ منه الخمس فأجابهم بأنه الذهب والفضة
[ ١ / ٤١٩ ]
المخلوقات. ولم يكن السؤال عن ما الركاز، لأنهم كانوا يعرفونه.
وعلى أنه مخصوص بما ذكرناه.
وحديث عمرو بن شعيب المراد به أن فيما وجد في الخرب من دفن الجاهلية، وما وجد في العمران أيضا الخمس، وإن كان الكل ركاز.
وما قالوه من أنه يقال: أركز المعدن إذا كثر ما فيه من الذهب والفضة فذلك مجاز واتساع وتشبيه بالركاز، لكثرة منفعته وما يؤخذ منه. يبين ذلك أنهم يقولون في التجارة [ق/٩١] قد أركزت إذا كثرت منفعتها وفائدتها.
وقولهم: إن الركاز اسم لما خفي في الأرض وغيب فيها: فهو على ما قالوه في بعض ذلك دون بعض، وليس باسم لكل ما أخفى على الإطلاق.
وأما استدلالهم على وجوب الخمس بقوله ﷺ: وفيه "وفي الركاز الخمس" فمحمول على الندرة، لأن فيها الخمس عندنا.
واعتبارهم بالفيء والغنيمة والركاز باطل، لأنه لم يملك على مشرك، فلم يجب أن يخمس. أو نقول: إن المعنى في الركاز قلة المؤنة فيه، وليس كذلك المعدن، لأن المؤنة التعب تلحق فيه ما لا يلحق في الركاز، وذلك مؤثر في تخفيف المأخوذ من المال كالعشر ونصف العشر.
وكذلك الجواب عن قياسهم على الندرة.
والله أعلم.
[ ١ / ٤٢٠ ]
فصل
فأما قوله: "إنه تجب الزكاة فيه إذا بلغ النصاب"، فلأن كل مال وجبت فيه الزكاة فلا بد من اعتبار النصاب فيه.
أصله: سائر أصول الزكاة.
ولقوله ﷺ: "ليس فيما دون مائتي درهم شيء".
وسائر ما ذكرناه ما الظواهر.
فصل
فأما قوله: "إن الزكاة تجب يوم إخراجه من غير اعتبار بحول" فهو قولنا، وأحد قولي الشافعي.
وله قول آخر أنه يعتبر فيه الحول، لقوله ﷺ: "لا زكاة فيمال حتى يحول عليه الحول".
ولأنها فائدة فوجب أن تزكى لحولها كسائر الفوائد.
فالأصل في هذا أنه لما يعتبر الحول في الزرع فكذلك في زكاة المعدن.
والمعنى في ذلك انه مال مستفاد من الأرض تجب فيه الزكاة، وهذا القياس يخص الظاهر الذي أوروده.
[ ١ / ٤٢١ ]
واعتبارهم بالفوائد ينتقض على أصلنا- بفائدة الماشية إذا كان عنده نصاب منها، وأفاد إليها دون النصاب فإنها لا تزكي لحولها، بل لحول الأولى.
فإن قالوا: فوجب فيها حول كسائر الفوائد: ينتقض بالزرع.
والله أعلم.
فصل
فأما قول: "إذا انقطع نيل معدنه، ثم حدث نيل آخر لم يبن الثاني على الأول في النصاب، بل يستأنف له حكم آخر".
فلأن بناء أحدهما على الآخر مشروط باتصال خروجهما والعمل فيهما، فإذا انقطع أحدهما عن الآخر كان لكل واحد منهما حكم نفسه.
ولا خلاف أن المدة إذا تطاولت بينما فلكل واحد منهما حكم نفسه، فكذلك إذا علم انقطاع اتصالهما.
والله أعلم.
[ ١ / ٤٢٢ ]
باب الجزية
قال ﵀: "وتؤخذ الجزية من رجال أهل الذمة الأحرار البالغين، ولا تؤخذ من نسائهم وصبيانهم وعبيدهم وتؤخذ من المجوس، ومن نصارى العرب".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: والأصل في الجزية قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾.
وأخذ النبي ﷺ الجزية، وأصحابه بعده، ولا خلاف في ذلك.
فأما قوله: "إنها تؤخذ من أحرارهم البالغين الرجال"، فلقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ إلى قوله: ﴿صاغرون﴾.
فأوجب أخذ الجزية ممن يقاتل، وذلك في الرجال الأحرار، لأن النساء لا يقاتلون.
وكذلك الصبيان والعبيد، ولأنهم مال فهم تبع لمالكهم- أعني: العبيد- وكذلك الصبيان لآبائهم ولا تؤخذ منهم جزية.
وروى أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "لا
[ ١ / ٤٢٣ ]
تجري الجزية إلا على من جرت عليه المواسي".
وقال ابن عباس: ليس على النساء جزية وروى عبيد الله عن نافع عن أسلم قال: كتب عمر ﵁ إلى أمراء الجزية: لا تضعوا الجزية إلا على من جرت عليه الماسي، ولا تضعوا على النساء والصبيان.
فصل
فأما أخذ الجزية من المجوس فلما رواه مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر- رضوان الله عليه- ذكر المجوس فقال: لا أدري كيف أصنع في أمرهم.
فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب".
وروى سفيان عن عمر بن دينار عن بجالة قال: أتانا كتاب عمر قبل موته بسنة أن فرقوا بين كل رحم محرم من المجوس، ولم يكن أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر.
وروى هشيم عن داود بن أبي هند عن بشير بن عمرو عن بجالة بن عبده عن ابن عباس قال: جاء رجل من الأسبذيين من أهل البحرين- وهم
[ ١ / ٤٢٤ ]
مجوس أهل هجر- إلى رسول الله ﷺ فمكث عنده، ثم خرج فسأله ما قضاء الله ورسوله فيكم؟ قال: شر. فقلت: مه. قال: الإسلام أو القتل.
قال: وقال عبد الرحمن بن عوف: قبل الجزية منهم.
قال ابن عباس: فأخذ الناس بقول عبد الرحمن، وتركوا ما سمعت أنا من الأسبذي.
وروى عثمان بن عمر عن يونس عن الزهري عن سعيد أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر، وأن عمر أخذها [ق/٩٢] من مجوس السواد، وأن عثمان أخذها من البربر.
وروى عن حذيفة أنه قال: لولا أني رأيت أصحابي أخذوا الجزية من المجوس ما أخذتها منهم.
ولا خلاف في ذلك.
فصل
وإنما الخلاف في أنهم أهل كتاب أم لا، فعندنا إنهم ليسوا بأهل كتاب، ولا كانوا أهل كتاب.
وللشافعي قولان:
[ ١ / ٤٢٥ ]
أحدهما: أنهم أهل كتاب، ولكن رفع كتابهم.
والآخر: أنهم ليسوا أهل كتاب.
واستدل أصحابه على أنهم أهل كتاب بقول عمر بن الخطاب: ما أدري ما أصنع في أمر المجوس.
فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب".
فلولا أنهم أهل كتاب، وإلا لم يقل: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب".
وروى عن علي رضوان الله عليه أنه قال: أنا أعرف الناس بأمر المجوس، كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه، ثم إن ملكهم وقع على أخته أو ابنته فرآه بعض أهله. فلما أضحى اجتمع أهله ليقيموا الحد عليه فامتنع، وقال: لا أعرف دين خير من دين آدم، إنه زوج بناته من بنيه وأنا لا أرغب بكم عن دينه. ثم أمر أهله فقاتلوا القوم، فأسرى بكتابهم، ورفع من بين أظهرهم، ومحى العلم من صدورهم.
ولأنها طائفة تقر على دينها بأخذ الجزية، فوجب أن تكون من أهل الكتاب، اعتبار باليهود والنصارى أو نقول: فوجب أن تحل مناكحم وذبائحهم كاليهود.
والدلالة على ما قلناه قوله تعالى: ﴿أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا﴾.
[ ١ / ٤٢٦ ]
والطائفتان هم اليهود النصارى. ولو كان المجوس أهل كتاب لكانوا ثلاث طوائف.
وقوله ﷺ: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" فدل ذلك على أنه لا كتاب لهم.
فإن قيل: لولا أنهم أهل كتاب لم يقل: سنوا بهم سنة أهل الكتاب.
قيل له: هذا بالعكس من الواجب لولا أنهم ليسوا بأهل كتاب لم يقل: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، لأن هذه العبارة تفيد أنهم من أجروا مجراه.
فإن قيل: فائدة ذلك أن بلدانهم كانت بائنة عن بلدان العرب، ولم تكن العرب تعرف أن لهم كتاب، فلذلك قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" أي: الذي تعلمون أن لهم كتاب.
قيل له: العبارة عن هذا المعنى أن يقول: سنوا بهم سنة غيرهم من أهل الكتاب، أو أمثالهم.
وجملة الأمر أن هذا خلاف الظاهر، فلا سبيل إلى حمل اللفظ عليه إلا بدليل.
وقد استدل في ذلك بأن النبي ﷺ كتاب إلى ملوك الكفر، فكتب إلى ملوك قيصر: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ الآية.
ولم يكتب بذلك إلى كسرى، فدل على أن المجوس لا كتاب لهم.
[ ١ / ٤٢٧ ]
وأيضًا ما روي أن أبا بكر والصحابة ﵃ كانوا يفرحون لغلبة الروم لفارس، والمشركون يغتمون لذلك، ويحبون أن تغلب فارس الروم.
ولم يكن ذلك إلا لأن الروم أهل كتاب وأن المجوس لا كتاب لهم.
وروى عن حذيفة أنه قال: لولا أن أصحابي أخذوا الجزية من المجوس لم آخذها منهم، لأنهم ليسوا من أهل الكتاب، وإنما أمر الله أن تؤخذ الجزية من أهل الكتاب بقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ الآية.
وإن احتجاجهم بالخبر فقد أجبنا عنه.
وما رووه عن علي فطريقه ضعيف، على أ، بإزائه غيره من الصحابة.
على أن حكم كتابهم قد بطل برفعه، فخرجوا على أن يكونوا أهل كتاب.
وقياسهم ينتقض- على أصلنا- بعبدة الأوثان.
ولو سلم لكان المعنى في الأصل بقاء الكتاب، وليس كذلك المجوس، لأن كتابهم رفع عند من يزعم أنم من أهل الكتاب.
والله أعلم.
[ ١ / ٤٢٨ ]
فصل
وقوله: تؤخذ الجزية من نصارى العرب، فلعموم الآية.
ولأنه ﷺ أخذ الجزية من نصارى نجران، ولأنهم لا فرق بينهم وبين نصارى الروم، لاجتماعهم في التدين بالنصرانية من غير تحرم بالإسلام.
فصل
ويجوز عندنا أخذ الجزية من كل مشرك غير مرتد، ولا من هو في حكم المرتد من اهل الكتاب وعبدة الأوثان وغيرهم.
وقال الشافعي﵀- لا يجوز أخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، أو من له شبهة، لقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾، فعم.
ولأنه قياس على مشركي قريش.
ولقوله تعالى: ﴿من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية﴾، فدل على أن ما عدا أهل الكتاب بخلافهم. ودليلنا أن نقول: لأنه كافر غير مرتد، فأشبه الكتابي. ولقوله ﷺ في المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، فنبه بذلك أن أخذ الجزية غير مقصور على أهل الكتاب.
فأما الظواهر فمخصوصة، ولا يسلم لهم بالأصل الذي قاسوا عليه.
والله أعلم.
[ ١ / ٤٢٩ ]
مسألة
قال ﵀: "والجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وأربعون درهما على أهل الورق.
ويخفف عن الفقير".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: وهذا لأن عمر بن الخطاب﵁- فرضها هذا المقدار على أهل الذمة بمحضر من الصحابة، ولم يحتفظ نكير عليه من أحد [ق/٩٣] منهم، فلذلك قدره بهذا القدر.
فإن كان فيهم من يضعف عنه خفف عنهم منه، لأنه على الاجتهاد.
وما روى عن النبي ﷺ أنه أمر معاذ أن يأخذ من كل حالم دينارا فيحتمل أن يكون من كان هناك لا يتمكن إلا من ذلك فقط.
مسألة
قال ﵀: "وتؤخذ ممن تجر منم من أفق إلى أفق عشر ثمن ما يبيعونه، وإن اختلفوا في السنة مرارا".
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: أما إيجابه أخذ العشر منهم فلما رواه عطاء بن السائب عن جرير عن عبد الله عن جده أبي أمه عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "إنما العشر على اليهود
[ ١ / ٤٣٠ ]
والنصارى، وليس على المسلمين عشور".
وروى مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد قال: كنت عاملا مع عبد الله بن عتبة بن مسعود على سوق المدينة في زمان عمر بن الخطاب، وكنا نأخذ من النبط العشر.
قال مالك: سألت ابن شهاب على أي وجه أخذ عمر بن الخطاب من النبط العشر؟ فقال: كان ذلك يؤخذ منهم فني الجاهلية، فألزمهم ذلك عمر بن الخطاب.
وقوله: إنه يؤخذ منهم وإن اختلفوا مرارا في السنة: فالمخالف فيه أهل العراق والشافعي، لأنهم يقولون: إنه لا يؤخذ منهم إلا مرة واحدة في السنة، اعتبارا بالجزية، وهذا خطأ، لأن المعنى في أخذ العشر لو لبسطهم في بلاد الإسلام، وانتفاعهم بالتجارات، وحفظ الطرق لهم، فوجب أن يكون على حسب اختلافه في السنة.
ويفارق الجزية، لأنها مقدرة بحقن دمه، لأن ما من أجله أخذت مقدر معروف، فلذلك يقدر وقت أخذها.
وقد روى عن عمر- رضوان الله عليه- ما ظاهره يدل أنه يؤخذ مرة
[ ١ / ٤٣١ ]
واحدة.
وفي الحديث ما ينبئ عن غيره، وهو أنه كان يؤخذ منهم العشر عند إقبالهم، ويثنى عليهم عند رجوعهم فمنعهم عمر- رضوان الله عليه- من ذلك فهذا وجهه.
والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: "وإن حملوا الطعام خاصة إلى مكة والمدينة خاصة أخذ منهم نصف العشر من ثمنه".
قال القاضي ﵀: هذا لما رواه مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أن عمر﵁- كان يأخذ من النبط من الحنطة والزيت نصف العشر، يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة، ويأخذ من القطنية العشر.
وقد بين في الحديث المعنى في ذلك، وهو إرادة كثرة الحمل عليهم، لضيق شيء عنهم.
والله أعلم.
[ ١ / ٤٣٢ ]
قال ﵀: "ويؤخذ من تجار الحربين العشر، إلا أن ينزلوا على أكثر من ذلك".
قال القاضي ﵀: هذا لأن المعنى الذي له أخذت من أهل الذمة موجود في تجار أهل الحرب، بل هم أولى به، وعموم الخبر ينتظمهم، فلذلك أخذ منهم. فإن بدلوا أكثر منه جاز أخذه.
والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: "وفي الركاز- هو دفن الجاهلية- الخمس على من أصابه".
قال القاضي ﵀: وهذا لقوله ﷺ: "المعدن جبار، في الركاز الخمس".
فأوجب أن يؤخذ منه الخمس، وأخبر أنه غير المعدن، لأنه لو كان هو المعدن لكان مكررا للكلام من غير فائدة.
وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم، فأغنى عن إعادته. وبالله التوفيق.
[ ١ / ٤٣٣ ]
باب في زكاة الماشية
مسألة
قال القاضي أبو محمد﵀: قد دللنا على وجوب الزكاة في الجملة بظواهر من الكتاب والسنة وما ذكرناه من إجماع الأمة، والكلام على تفصيل ذلك يأتي في أعيان المسائل، ووجوب الزكاة في الماشية داخل فيما قدمناه.
ومن الدليل على ذلك أيضا: ما رواه ابن جريح عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "من كانت له إبل أو بقر أو غنم لم يؤد زكاتها بطح لها يوم القيامة بقاع قرقر تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها على ما نفذت أخراها عادت عليه أولادها".
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: القاع: المكان المستوي ليس فيه ارتفاع، ولا انخفاض.
قال أبو عبيدة: وهو القيمة أيضا، قال الله ﷿: ﴿كسراب بقيعة﴾، القيعة جمع قاع، القرقر: المستوى.
أيضا قال عبيد بن الأبرص يصف الإبل:
[ ١ / ٤٣٤ ]
هذلا مشافرها بما حناجرها تزجي مرابعها في قرقر ضاحي
فالقرقر: المكان المستوي.
والضاحي: الظاهر البارز للشمس.
وقد روى في بعض الحديث: "بقاع قرقر" وهو مثل القرقر في المعنى.
مسألة
قال ﵀: "ولا زكاة في الإبل في أقل من خمس ذود، وهي خمس من الإبل: ففيها جذعة أو ثنية من جل غنم أهل ذلك البلد من ضأن أو معز إلى تسعة.
ثم في العشرة: شاتان إلى أربعة عشر.
ثم في خمس عشرة: ثلاث شياه إلى تسع عشرة.
فإذا كانت عشرين: فأربع شياه إلى أربع وعشرين.
ثم في خمس وعشرين بنت مخاص- وهي بنت سنتين، فإن لم تكن فيها فابن لبون ذكر- إلى خمس وثلاثين.
ثم في ستة وثلاثين بنت لبون- وهي بنت ثلاثين سنين- إلى خمس وأربعين.
ثم في ست وأربعين حقة- وهي [ق/٩٤] التي يصلح على ظهره الحمل، ويطرقها الفحل، وهي بنت أربع سنين- إلى ستين.
ثم في إحدى وستين جذعة- وهي بنت خمس سنين- إلى خمس
[ ١ / ٤٣٥ ]
وسبعين.
ثم في ست وسبعين ابنتا لبون، إلى تسعين.
ثم في إحدى وتسعين حقتان، إلى عشرين ومائة.
فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون".
فقال القاضي أبو محمد بن علي﵀: أما نفيه الصدقة عما دون الخمس من الإبل فلما رواه مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة".
وروى مالك عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني عن أبي سعيد الخدري أن رسولا لله ﷺ قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة".
ولا خلاف في ذلك.
وأما إيجاب الصدقة فيها على الترتيب الذي ذكره، فلتواتر الأخبار عن النبي ﷺ بذلك، فروى يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن، فذكر إلى أن قال:
[ ١ / ٤٣٦ ]
"وفي كل خمس من الإبل سائمة شاة إلى أن تبلغ أربعا وعشرين، فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ففيها بنت مخاض، فإن لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر، إلى أن تبلغ خمسا وثلاثون، فإذا زادت على خمس وثلاثين واحدة ففيها بنت لبون، إلى أن تبلغ خمسا وأربعين، فإذا زادت على خمس وأربعين واحدة ففيها حقة طروقة الفحل، إلى أن تبلغ ستين، فإذا زادت على الستين واحدة ففيها جذعة، إلى أن تبلغ خمسا وسبعين، فإذا زادت خمس وسبعين واحدة ففيها بنتا لبون، إلى أن تبلغ تسعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقتان طروقتا الفحل، إلى أن تبلغ مائة وعشرين، فما زاد ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة طروقة الفحل".
ورواه ابن وهب عن أبي لهيعة عن عمارة بن عونة عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم أن هذا كتاب رسول الله ﷺ ثم ذكر نحوا من لفظ الحديث الأول.
وروى حماد بن سلمة قال: أخذت من ثمامة بن عبد الله بن أنس كتابا زعم أن أبا بكر كتبه لأنس، وعليه خاتم رسول الله ﷺ حين بعثه مصدقا، وكتبه له فإذا فيه: "هذه فريضة الصدقة".
وقد روى مسندا متصل السند من غير طريق حماد: حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى المالكي قال: حدثنا القاضي أبو عبد الله الحسين ابن إسماعيل الباهلي قال: حدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا محمد بن
[ ١ / ٤٣٧ ]
عبد الله بن المثنى الأنصاري قال: حدثنا أبي عبد الله بن المثنى قال: حدثنا ثمامة أن أنسا حدثه أن أبا بكر الصديق﵁- كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض الله على المسلمين التي أمر الله ﷿ بها رسول الله ﷺ فمن سألها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سأل فوقها فلا يعطها: في أربعة وعشرين من الإبل فما دونها الغنم، في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإن لم تكن فيها بنت مخاض أنثى فابن لبون وليس معه شيء. فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون. فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الفحل. فإذا بلغت واحدا وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة. فإذا بلغت ستة وسعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون. فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الفحل. فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة " وذكر باقي الحديث.
وروى الزهري عن سالم عن أبيه قال: كتب رسول الله ﷺ كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض فقرنه بسيفه فعمل به أبو بكر﵁- حتى قبض، ثم عمل به عمر﵁- حتى قبض، وكان فيه: من خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون إلى
[ ١ / ٤٣٨ ]
خمس وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإذا زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإن كان الإبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون.
وقد رويت على هذا الترتيب أخبار كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية.
ولا خلاف أنه لا شء فيما دون الخمس من الإبل وإن كان في الخمس شاة وفي العشر شاتين، وفي الخمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه. والدلالة [ق/٩٥] عليه ما قدمناه من الأخبار.
فصل
وفي خمس وعشرين بنت مخاض، وهو قول الفقهاء كافة، وحكى عن علي بن أبي طالب﵁- أنه كان يقول: في خمس وعشرين خمس شياه.
وذكر أهل الخلاف أنه قول الشعبي وشريك، فروى أبو بكر بن الجهم قال: حدثنا بشير بن موسى قال: حدثنا أبو نعيم عن سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي قال: في كل خمس وعشري خمس شياه.
[ ١ / ٤٣٩ ]
قال: وحدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا أبي قال أبو نعيم بهذا الحديث، ثم قال فيه قال سفيان: كان علي أفقه من أن يقول هذا.
قال لي موسى: أتراه اتهم أبا أسحاق؟ ما وقعت التهمة إلا على عاصم.
واستدل لهذا القول بحديث روى بهذا الإسناد عن علي عن النبي صلى الله عليه سلم أنه قال: "خمس وعشرين من الإبل خمس شياه".
ولأن الخمس التي فوق العشرين نصاب وقصه أربع، فوجب أن يكون فرضه شاة.
أصله: الخمسات التي قبل العشرين، وإن شئت قلت: كل فرض يتغير بخمس من الإبل، فالواجب فيها شاة اعتبار بما دون العشرين.
ودليلنا: ما رويناه من حديث عمرو بن حزم، وابن عمر، وأنس عن النبي ﷺ وفيها: في خمس وعشرين بنت مخاض.
فدل ذل على ضعف ما رووه.
على أنه مقابل بالأخبار التي رويناها، ونرجحها بأنه لم يختلف على رواتهان وبعلم الأئمة والخلفاء وكافة أهل العلم، وبشهادة الأصول أيضا لها، وذلك أنهم ليس في أصول صدقة الماشية اتصال فرضين من غير
[ ١ / ٤٤٠ ]
وقص يتخللهما، فإيجاب هذا خلاف الأصول.
وإذا جعلنا في خمس وعشرين خمس شياه، وفي ستة وعشرين بنت مخاض فقد أوجبنا خلاف الأصول.
فاما قياسهم على الخمس قبل العشرين فالمعنى فيه أنه يليه نصاب هو خمس، فلذلك كان فيه شاة، وليس كذلك الخمس الزائدة على العشرين.
والله أعلم.
فأما قوله: إن الشاة التي تؤخذ في الإبل من غالب أغنام أهل ذلك البلد، فلأن النبي ﷺ لما أطلق ولم يعين فقال: "في خمس من الإبل شاة" لم تكن الشاة مأخوذة من مال له موجود وجبت فيه معتبر به وجب أن يرجع فيها إلى غالب أغنام أهل ذلك البلد، لأنه ليس إلا هذا.
وتكليفه الأعلى فيكون في ذلك إضرار به، فكان العدل ما قلناه.
إذا ثبت أن في خمس وعشرين بنت مخاض فإن وجدها الساعي في إبله أخذها، فإن لم توجد في إبله فابن لبون ذكر.
وإنما قلنا ذلك لما رويناه في حديث عمرو بن حزم، وأنس وابن عمر أن في خمس وعشرين بنت مخاض، فإن لم توجد فابن لبون ذكر.
فأما وجه قيام ابن لبون مقام بنت مخاض من وجهة المعنى فقد قيل فيه: إن ابن لبون فيه شرف من وجه ونقص من وجه، كما أن في بنت مخاض شرفا من وج ونقصا من وجه، فشرفها الأنوثية، ونقصها قصورها أن ترعى من الإبل أو ترد الماء لصغرها.
وأما فضيلة ابن لبون فتكمنه من ورود الماء مع الإبل، لأنه أكبر سنًا من
[ ١ / ٤٤١ ]
بنت مخاض، ونقصه كونه ذكرا.
فكان في النظر والعدل جعله بدلا منها.
فصل
إذا وجد في مال رب المال بنت مخاض لم يكن للساعي أخذ ابن لبون ولا غيرهن وبه قال الشافعي.
وقال ابن حنيفة: يجزئه إخراج ابن لبون مع وجود بنت مخاض إذا تساوت قيمتها.
وبناه على أصله في جواز اخذ ابن لبون موقوفا على عدم بنت مخاض لوجب اعتبار عدمها من ملكه وعدم ما يشتريها به، واعتبارا بسائر الأبدال لما اعتبر في جوازها عدم الأصل اعتبر أيضا عدم القدرة على شرائه، ألا ترى أن القادر على شراء رقبة في الكفارة كالمالك لها، وكذلك القادر على ابتياع ماء في الطهارة كالمالك له. وفي اتفاقنا على جواز أخذ ابن لبون مع القدرة على شراء بنت مخاض دلالة على أن جواز أخذه غير موقوف على عدمها.
قالوا: ولأن ابن لبون لما كان فرضا ينوب مناب فرض مقدر في الصدقات لم يقف جواز أحدهما على عدم الآخر.
دليله: المائتان من الإبل إذا اجتمع فيه الفرضان.
قالوا: ولانه لما تعتبر القدرة على بنت مخاض لم يعتبر وجودها في ملكه، اعتبارا بسائر أنواع الحيوان.
[ ١ / ٤٤٢ ]
والدلالة على ما قلنا ما رويناه من حديث عمرو بن حزم أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن.
وفي الحديث: "فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ففيها بنت مخاض، فإذا لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر".
وفي حديث أبي بكر الذي كتبه لأنس: هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ. فذكر إلى أن [ق/٩٦] قال: فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون ذكر.
وكذلك في حديث ابن شهاب في الكتاب الذي استنسخه عمر بن عبد العزيز.
والاستدلال بهذه الأخبار من وجهين:
أحدهما: أنه أوجب في خمس وعشرين بنت مخاض، فهي واجبة سواء أخرج ابن لبون أم لا.
وإذا صح أن وجوبها باق ثبت أن ابن لبون لا يجزئ إخراجه مع وجودها.
والوجه الآخر: أنه شرط في إخراج ابن لبون عدم بنت مخاض في المال، فقال: "فإن لم توجد فابن لبون"، وهذا لفظ الشرط بلا خلاف.
وإذا ثبت ذلك وجب إذا أخرجه مع جودها ألا يجزئه، لعدم الشرط الذي جوز إخراجه معه.
وأيضا فلأن كل حق تعلق بمال ونقل منه إلى غيره بشرط عدم المنقول عنه فلا يجوز الانتقال إليه مع وجود أصله، اعتبارًا بالكفارات.
[ ١ / ٤٤٣ ]
فأما قولهم: لو كان عدمها شرطا لكان عدم ثمنها شرطا: فدعوى عارية عن حجة، على أن يبطل على أصلهم بالقادر على أن يتزوج حرة، لأن له عندهم أن يتزوج أمه وإن كان قادرا على الحرة، وليس له ذلك إذا كانت الحرة تحته. فقد فرقوا بين وجود العين وبين القدرة عليها.
على أن الفرق بين الزكاة والكفارة تتعلق بالذمم دون الأعيان، والزكاة تتعلق بعين المال دون الذمة، فاعتبر وجود المبدل في المال دون غيره.
وأيضا فإن عدم القدرة إنما يشترط في موضع تمكن، فأما إذا لم يمكن فلا يصح.
ومن معه خمس وعشرون من الإبل فمعلوم أنه قادر على شراء بنت مخاض، فلا يجوز أن يقال: إنه لو كان عدمها شرطا لكان عدم القدرة عليها شرطا، لأن عدم القدرة هاهنا لا يصح، ويبين ذلك أنه لو صرح فقال: من كان عنده خمس وعشرين، وليس معه بنت مخاض، ولا يمكنه شراؤها فليخرج ابن لبون لكان ذلك مناقضة، فبان بذلك أن ما اعتبروه لا يصح في هذا الموضع.
فأما بناؤهم ذلك على جواز أخذ القيم في الزكاة فإنا نخالفهم فيه، ونحن نتكلم عليه في موضعه إن شاء الله.
فأما اعتبارهم بالمائتين إذا اجتمع فيها الفرضان: فباطل، لأن الواجب فيها أخذ السنين على التخيير، فليس كذلك في مسألتنا، لأن الواجب فيها على طريق للبدل والترتيب دون التخيير. واعتبارهم بسائر الحيوان باطل، لأنه لا مدخل له في ذكل، لا بوجوب ولا بغيره. والله أعلم
[ ١ / ٤٤٤ ]
فصل
فأما قوله: "في ست وثلاثين بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا كانت ستا وأربعين ففيها حقة إلى ستين، فإذا كانت إحدى وستين ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا كانت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون إلى تسعين، فإذا كانت إحدى وتسعين ففيهما حقتان إلى عشرين ومائة".
فلا خلاف فيه بين أهل العلم أنه على هذا الترتيب.
ويدل عليه أيضا الأخبار التي رويناها، وهي واردة على هذا السياق والنظام.
فصل
وقوله: "وما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون".
فالخلاف فيه من وجوه: فأما أبو حنيفة فإنه يقول: يستأنف الفريضة على ما كانت عليه في الابتداء، فيكون في مائة وعشرين حقتان، وفي ثلاثين ومائة حقتان وشاتان، وفي خمس وثلاثين ومائة حقتان وثلاث شياه، وفي أربعين ومائة حقتان وأربع شياه، وفي خمس وأربعين ومائة حقتان وبنت مخاض، وفي خمسين ومائة ثلاث حقاق، وفي خمس وخمسين ومائة ثلاث حقاق وشاة على هذا الترتيب، وليس في ذلك بنت لبون إلا ما يجئ في الفريضة على حسب الابتداء.
[ ١ / ٤٤٥ ]
وعلى مذهب مخالفنا لا تتكرر بنت لبون قبل المائة وخمسين وتتكرر بعد ذلك.
وحكى عن حماد بن سليمان، والحكم بن عتبة أن في مائة وخمس وعشرين حقتين وبنت مخاض.
وذهب ابن جرير إلى أن الساعي بالخيار إن شاء أخذ حقتين، وإن شاء أخذ حقتين وشاة.
وعندنا وعندن الشافعي وأهل الظاهر أنه يؤخذ منها على حساب كل خمسين حقة، وكل أربعين بنت لبون على اختلاف بيننا في كمية الزيادة على المائة والعشرين سنذكره فيما بعد.
واستدل أهل العراق بما رواه عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن جده عن عمرو بن حزم عن النبي ﷺ أنه قال في كتاب الصدقات: فإذا كانت الإبل مائة وعشرين ففيها حقتان، فإذا كان أكثر من ذلك فاعدد في كل خمسين حقة. وما كان أقل من خمس وعشرين ففي كل خمس شاة. فلا يخلو أن يكون أراد أن ذلك حكم الابتداء أو حكم الزيادة على مائة وعشرين، ولا يجو أن يكون أراد به الابتداء؛ فإنه تقدم ذكره مفسرا حمل ما بعد ذلك عليه يسقط فائدته.
ولأن من حق الكلام أن يرجع إلى ما يليه، ولا يحمل على ما تقدمه إلا بدليل.
وإذا بطل هذا صح أنه أراد به ما زاد على المائة والعشرين [ق/٩٧]
[ ١ / ٤٤٦ ]
قالوا: وروى الحصيب بن ناصح عن حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن أبي بكر بن عمرو بن حزم أن النبي ﷺ كتب لجده عمرو بن حزم ذكر فرائض الإبل، وفيه: فإذا كانت الإبل أكثر من عشرين ومائة ففي كل خمسين حقة فما فضل فإنه يعاد إلى أول فريضة الإبل، فما كان أقل من خمس وعشرين ففيه الغنم؛ في كل خمس ذود شاة.
قالوا: وروى زهير وشريك عن أبي إسحاق عن عاصم بن حمزة عن علي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا زادت الإبل على عشرين ومائة استؤنفت الفريضة".
قالوا: ولأنه سن يتكرر قبل المائة؛ فوجب أن يتكرر بعد المائة.
أصله: الحقاق، وبنات اللبون.
قالوا: ولأنكم إذا قلتم أن في المائة وأحد وعشرين حقتين وثلاث بنات لبون فلستم تنفكون من مخالفة الخبر الذي رويتموه ومن مخالفة الزكاة؛ وذلك أن النبي ﷺ أوجب في كل أربعين بنت لبون. وعلى قولكم في كل أربعين ثلاث، وهذا خلاف الخبر.
وإن أوجبتم بنات اللبون في المائة والعشرين دون الواحدة الزائدة خالفتم أصول الزكاة؛ لأن أصول الزكاة مبينة على أن كل ما تغير به الفرض فإنه الفرض متعلق به ومأخوذ منه؛ يدل على ذلك الخامسة والعشرون، والسادسة والثلاثون وغير ذلك.
قالوا: وروى ما قلناه عن عمر، وعلين وابن مسعود ولا مخالف لهم.
[ ١ / ٤٤٧ ]
والدلالة على صحة قولنا: ما رواه الزهري عن أبي بكر عن عبد الله بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض، فذكر إلى أن قال: "فإذا زادت واحدة- يعني: على تسعين- ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فما زاد ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة طروقه الفحل".
وما رويناه من حديث أنس بن مالك أن أبا بكر كتب له حين بعثه مصدقا بكتاب فيه: هذا فريضة الصدقة التي فرضها الله على عباده، وفيه: فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
وما رواه الزهري عن سالم عن أبيه قال: كتب رسول الله ﷺ كتاب الصدقة، فذكر إلى أن قال: "فإذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، وإن كان الإبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون".
ووجه الاستدلال من هذه الأخبار هو أنه لا يخلو أن يكون أراد في كل أربعين وكل خمسين تزيد على المائة والعشرين دون المائة دون المائة والعشرين فهذا يوجب أن يكون في مائة وستين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وسبعين ثلاث حقاق.
وهذا فرق الإجماع.
أو أن يكون أراد في الجميع في الزيادة والمزيد على معنى بحساب أن في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
فهذا نص قولنا، وخلاف قول أبي حنيفة، لأن أبا حنيفة يقول: في
[ ١ / ٤٤٨ ]
مائة وثلاثين حقتان وشاتان، والأخبار التي رويناها توجب أن فيها حقة وابنتا لبون، فما قالوا خلاف الخبر.
ويدل على ما قلناه ما رواه أبو داود قال: حدثنا محمد بن العلاء أخبرنا ابن المبارك عن يونس عن يزيد عن ابن شهاب قال: هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه في الصدقة وهي عند آل عمر بن الخطاب﵁.
قال ابن شهاب: أقرأنيها سالم بن عبد الله فوعيتها على وجهها، وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وسالم بن عبد الله بن عمر. فذكر الحديث وقال: فإذا كانت أحد وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ تسعا وعشرين ومائة، فإذا كانت أربعين ومائة ففيها حقتان وبنت لبون حتى تبلغ تسعا وأربعين ومائة، فإذا كانت خمسين ومائة ففيها ثلاث حقاق إلى ستين ومائة ففيها أربع بنات لبون، فإذا كانت سبعين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون وحقة حتى تبلغ تسعا وسبعين ومائة، فإذا كانت ثمانين ومائة ففيها حقتان وبنتا لبون حتى تبلغ تسعا وثمانين ومائة، فإذا كانت تسعين ومائة ففيها ثلاث حقاق وبنت لبون حتى تبلغ تسعا وتسعين ومائة، فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون. أي السنين وجدت أخذت.
وأيضا ما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حبيب بن أبي حبيب حدثنا عمرو بن حرام قال: حدثنا محمد بن عبد
[ ١ / ٤٤٩ ]
الرحمن الأنصاري قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز أرسل إلى المدينة يلتمس كتاب رسول الله ﷺ في الصدقات، وكتاب عمر بن الخطاب، فوجد عند آل عمرو بن حزم كتاب رسول الله ﷺ ووجد عند آل عمر بن الخطاب كتاب عمر مثل كتاب رسول الله ﷺ في الصدقات فنسخا له.
قال محمد بن عمرو بن هريم أنه طلب آل محمد بن بد الرحمن أن ينسخه ما في ذانيك الكتابين [ق/٩٨] نسخ له ما في هذا الكتاب من صدقة الإبل والبقر والغنم والذهب والورق والتمر أو الثمر والحب والزبيب: إن الإبل ليس فيها شيء حتى تبلغ خمسا، فإذا بلغت خمسا ففيها شاة حتى تبلغ تسعا، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى أن تبلغ أربع عشرة، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى أن تبلغ تسع عشرة فإذا زادت واحدة ففيها أربع إلى أن تبلغ أربع وعشرين فذكر إلى أن قال: فإذا بلغت الإبل عشرين ومائة فليس فيما زاد فيها دون العشرة شيء، فإذا بلغت ثلاثين ومائة ففيها بنتا لبون وحقه وذكر الحديث.
وهذان الخبران نصان في موضع الخلاف من عدة وجوه.
على أنه لو اقتصر في الاستدلال على موضع الخلاف كفى.
وأيضا قوله ﷺ لمعاذ حين وجهه إلى اليمن: "خذ الإبل من الإبل، والبقر من البقر، والشاة من الغنم".
وهذا يدل على أنه لا يؤخذ من الإبل إلا منها، إلا أن يقوم دليل.
وأما من جهة الاعتبار فهم أنا وجدنا ما قبل المائة والعشرين من النصب أقرب إلى النصب التي تجب فيها الغنم مما دون المائة والعشرين، فلما لم تعد الشاة فيما قبل المائة مع كونها أقرب كانت بأن لا تعود فيما يعدها أولى.
[ ١ / ٤٥٠ ]
وأيضًا فإن أصول الزكاة مبنية على أن المأخوذ من الشيء من جنسه لا من غير جنسه، ألا ترى أن الواجب في الغنم والبقر والذهب والورق من جنسها لا من غيرها. وإذا صح ذلك ثم وجدنا الإبل تؤخذ في أوائلها من غير جنسها- وهو الغنم- اعتبرنا المعنى في ذلك فإذا أنه من أجل الضرورة، وهو أن الخمس من الإبل مال قليل لا يحتمل المواساة منه، وكذلك العشرة والعشرون لا يحتمل أنه يؤخذ منها الخمس أو العشر. ثم إذا كثرت الإبل واحتملت أن يؤخذ منها أخذ منها، وزال هذا المعنى.
وإذا ثبت ما قلناه، وكان ما زاد عن المائة والعشرين من الكثرة حيث يحتمل المواساة منه، وأن يخرج من جنسه، وجب أن يؤخذ منه ولا يعود إليه شيء من غير جنسه، لزوال المعنى الموجب لذلك.
وأيضا فإن المأخوذ من جنس الشيء آكد حكما من المأخوذ من غير جنسه، لأن الأخذ من الجنس هو الأصل، والأخذ من غيره إنما يكون لمعنى بعرض من ضرورة أو غيرها.
وإذا ثبت ذلك ثم وجدنا الجذعة لا تعود بعد المائة والعشرين وهي من جنس الإبل كانت الغنم التي ليست من الجنس بأن لا تعود أولى.
وأيضا فإنا نعلل على رواية ابن القاسم، وابن عبد الحكم وهو أن الفرض يتغير بزيادة الواحدة على المائة والعشرين فنقول: لأن ما زاد على أحد وتسعين إلى مائة وعشرين وقص حد في الشرع بحد في جنس يتغير الفرض فيه بزيادة السن والعدد، فوجب أن يتغير الفرض في بزيادة الواحد عليه، اعتبارا بسائر الأوقاص، ألا ترى أن الوقص الزائد على العشرين أربع لم يتغير الفرض بزيادة الخامسة فتكون فيها بنت مخاض إلى خمس
[ ١ / ٤٥١ ]
وثلاثين، ثم يتغير الفرض بزيادة واحدة إلى بنت لبون، وكذلك سائر الأوقاص بعده.
فإن قيل: لسنا نسلم أن وقص الحقتين محدود في الشرع.
قيل له: الذي يدل على أنه محدود قوله ﷺ: "إذا كانت أحد وتسعين ففيها حقتان إلى عشرين ومائة" فجعل المائة والعشرين حدا له، فبطل ما قالوه.
فأن قيل: ينتقض بأوقاص الغنم، لأن في المائتين شاة ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، ثم لا يتغير الفرض إلا بزيادة مائة أخرى.
قيل له: لا يلزم هذا على ما قلناه، لأنا قد احترزنا منه بأن قلنا: في جنس يتغير الفرض فيه إلى زيادة السن تارة والعدد أخرى، وهذا في الإبل دون الغنم، ألا ترى أن في الخمس وعشرين بنت مخاض، ثم يتغير الفرض إلى زيادة السن، وهو بنت لبون وحقة وجذعة، ثم يتغير بعد إلى زيادة عدد، وليس كذلك الغنم، لأن الفرض لا يتغير فيها إلى زيادة سن، وإنما يتغير إلى زيادة العدد فقط.
وأيضا فإنا نقيس بنت مخاض على الجذعة فنقول: لأنها سن لا تتكرر قبل المائة فوجب ألا تتكرر بعدها، اعتبارا بالجذعة.
فإن قيل: لا تأثير لهذا، لأن ما يتكرر قبل المائة أيضا لا يتكرر عندكم، وهي الغنم.
قيل له: قد وجدنا التأثير في بنات اللبون والحقاق، فكفى في ذلك، ولو قلنا: سن من الإبل لزال هذا الاعتراض.
[ ١ / ٤٥٢ ]
وأيضا فلأنها عدد من الإبل بل قد أخذ منها من جنسها فوجب ألا يؤخذ منه من غير جنسها، اعتبارا بالمائة والعشرين.
وإذا ثبت هذا فالكلام على أخبارهم من طريقين:
أحدهما: الترجيح.
والآخر: الاستعمال.
فأما الترجيح: فهو أن أخبارنا أصح سندا، وأثبت نقلا، وما رووه مختلف في وفي عدالة ناقليه.
أما ما رووه عن عمرو بن حزم فقد عارضه من طريقه ما رويناه.
وحديث قيس بن سعد فيه من الضعف ما تغني شهرته عن ذكره.
وحديث عاصم عن علي قد ضعف راويه، وقيل: إنه أخطأ فيه. واختلف أيضا فيه هل هو من قول النبي ﷺ- أو من قول علي- رضوان الله عليه.
وفيه أيضا حكم [ق/٩٩] قد اتفقنا على خلافه، وهو قوله: "في خمس وعشرين خمس شياه".
وليس في أحاديثنا ما ضعف نقلته واختلف في سنده أو اختلف على راويه.
وأيضا فلأن الأئمة عملت بأخبارنا، روي ذلك عن أبي بكر وعمر- على ما ذكرناه- وروي عن علي- رضوان الله عليه- عن النبي ﷺ مثل ما قلناه.
وأيضا فإن خبرنا متفق على استعمال بعضه- وهو ما دون المائة
[ ١ / ٤٥٣ ]
والعشرين- ومختلف في بعضه. وخبرهم متفق على ترك بعضه- وهو إيجاب الشاة في خمس وعشرين- ومختلف في البعض- وهو موضع الخلاف.
وأما الاستعمال فهو أن نقول: أما الحديث الذي رويتموه أولا عن عمرو بن حزم، وهو قوله ﷺ: "وما كان أقل من خمس وعشرين ففي كل خمس شاة" قيل فيه مثل ما لكم، وهو قوله: "فما زاد على المائة والعشرين فاعدد في كل خمسين حقة"، وقد ثبت أنه لم يرد بذلك الزيادة وحدها، وإنما أراد الزيادة والمزيد عليه، فحملنا قوله: "وما كان أقل من خمس وعشرين" على الابتداء.
فإن قالوا: لا يصح هذا، لأنه قد ورد في الابتداء مفسرا، فلا يجوز أن يقال بلفظ مجمل.
قلنا: ولا يجوز أن نزيل قوله: "في كل خمسين حقة" عن ظاهره.
وإذا لم يمكنهم استعمال هذا اللفظ على العموم حملوه على ما زاد على الخمس والعشرين، لأجل قوله: "وما كان أقل من خمس وعشرين ففي كل خمس شياه" جاز لنا نحمل هذا على الابتداء ليسلم عموم اللفظ الآخر.
فإن قالوا: ليس في استعمالنا إسقاط لفائدة أحد اللفظين، وفي استعمالكم إسقاط لفائدة لفظنا حمله على التكرار.
قلنا: إذا كان في حمله على الابتداء سلامة لعموم اللفظ في كل زيادة ساغ ذلك كما ساغ لكم تخصيص لفظنا ليسلم لكم حمل لفظكم على الاستئناف. على أن في حمله على الابتداء فائدة، وهي التأكيد وإيراده
[ ١ / ٤٥٤ ]
فلفظ مجموع وليس ذلك في أول الخبر.
فأما قوله: فما زاد استؤنفت الفريضة: فمعناه: استؤنفت الفريضة بترتيب آخر، وفرض مستأنف، وهو في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون.
فإن قالوا: نحن أيضا نستعمل فنقول: قوله: "في كل أربعين بنت لبون" على سبيل القيمة.
قلنا: هذا باطل من وجوه:
أحدها: أن إخراج القيمة في الزكاة غير جائز.
والثاني: أن القيمة تنوب عن المنصوص، ولابد أن يبين المنصوص حتى تخرج القيمة عنه، والمنصوص هو ابن لبون وحقة، فلم يجز أن يكون هو القيمة.
والثالث: أن هذا المقدار من العدد لا يختص بالقيمة، فلا معنى لحمله عليه، ولا لبنات لبون أيضا اختصاص بالقيمة حتى لا يجزئ إخراج غيرها.
فبطل ما قالوه.
ومن الترجيح أيضا إسناد أخبارنا إلى عموم قوله: "خذ الإبل من الإبل"، وما ذكرناه من شهادة الأصول، لكون المأخوذ من الجنس هو الأصل، وأنه آكد حكما من غيره.
وأما قولهم: إنه سن يتكرر قبل المائة فوجب أن يتكرر بعدها اعتبارا بالحقاق وبنات اللبون فغير صحيح، لأنا قد بينا أن ما كان من جنس الشيء فهو آكد حكما من الذي ليس من جنسه، لأن الآخذ من الجنس هو
[ ١ / ٤٥٥ ]
الأصل، والآخذ من غيره ليس بأصل، وإنما يكون لعلة أو سبب مراعي، فلم يمتنع تكرار ما هو آكد حكما، ولا يجب لذلك أن يكون الأضعف مثله.
وأما قولهم: إنكم لا تنفكون من مخالفة الخبر أو الأصول، لأنكم إن أوجبتم في كل أربعين وثلاث بنت لبون خالفتم الخبر، وإن أوجبتم في الأربعين وحدها وجعلتم الواحدة وقصا خالفتم الأصول فعنه جوابان:
أحدهما: أنا نقول: إن فرض الحقتين باق إلى أن تكون ثلاثين ومائة على رواية عبد الملك وأشهب عن مالك، وهي القياس عند أصحابنا، فالسؤال غير لازم على هذه الرواية.
والجواب الآخر: هو أنا إن قلنا: إن الفرض يتغير بزيادة الواحدة لم يلزم أيضا ما قالوه، لأنه ليس في ذلك مخالفة الخبر كما نقول: إن في أحد وتسعين حقتين، ولا نقول: إن في كل خمس وأربعين ونصف حقة، بل نوجب ذلك جملة لا تفصيلا.
وليس في ذلك مخالفة الأصول، لأنه قد وجد ما يعتبر به الفرض، ولا مدخل له فيه، وهو الأخوان مع الأبوان يحجبان الأم عن الثلث إلى السدس، ولا يرثان شيئا.
فإذا ثبت ذلك بطل ما قالوه.
وبالله التوفيق.
[ ١ / ٤٥٦ ]
فصل
فأما الزيادة التي يتغير فيها فرض الحقتين فقد اختلف أصحاب مالك فيها، واختلف أيضا عن مالك، فروى ابن القاسم، وابن عبد الحكم أن الفرض يتغير بزيادة واحدة، فيكون الساعي مخيرا إن شاء أخذ حقتين، وإن شاء أخذ ثلاث بنات لبون.
وقاله من أصحابنا عبد العزيز بن أبي حازم، وابن دينار، ومطرف، وأصبغ.
وهو قول عبد الملك بن حبيب، وروي عنه أن الفرض لا يتغير إلا بزيادة عشرة، فإذا مكث ثلاثين ومائة ففيها حقة وبنتا لبون. وهي رواية أشهب وعبد اللملك بن الماجشون، وإلى ذلك ذهب المغيرة وعبد الملك.
فوجه رواية ابن القاسم: ما روى في حديث عمرو بن حزم وأنسب أن في أحد وتسعين حقتين إلى [ق/ ١٠٠] عشرين ومائة، فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون، فأطلق الزيادة ولم يقيدها، فوجب أن يتعلق الحكم بأي زيادة كانت.
وفي حديث يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ في الصدقة، وهي عند آل عمر بن الخطاب﵁ أقرأنيها سالم بن عبد الله فذكر إلى أن قال: فإذا كانت أحد وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون.
ولأنه وقص حد في الشرع بحد في جنس يتغير الفرض فيه بالزيادة في
[ ١ / ٤٥٧ ]
السن والعدد، فوجب أن يتغير فرضه بزيادة الواحدة.
أصله: سائر الأوقاص.
ولأن الوقص لا يلي وقصا، فلو اعتبرنا المائة والعشرين عشرا أخر كنا قد اعتبرنا وقصا بعد وقص، وهذا خلاف ما بنيت عليه أوقاص الإبل وفرائضها.
ووجه رواية عبد الملك وأشهب وهو ما رويناه من حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي ﷺ كتب كتاب الصدقة. فذكر الحديث إلى قوله: "ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون" فاعتبر في تغيير الفرض على المائة والعشرين أن تكثر الإبل عنها، وزيادة الواحدة لا تكثر بها المائة والعشرون.
وأيضا ما رواه محمد بن عبد الرحمن الأنصاري أن عمر بن عبد العزيز لما استخلف أرسل إلى المدينة يلتمس كتاب النبيﷺ وكتاب عمر في الصدقات، فنسخا له. فذكر الحديث إلى قوله: "فإذا بلغت الإبل عشرين ومائة، وليس فيما زاد فيما دون العشرة شيء، فإذا بلغت ثلاثين ومائة ففيها بنتا لبون وحقة"
وهذا نص.
ولأن أصول الزكاة موضوعة على أن كل زيادة غيرت فرضا كانت داخلة فيه، فلو قلنا: إن الفرض يتغير بالواحدة والاثنين لكان في ذلك مخالفة الخبر، وإيجاب لبنت لبون في كل أربعين وثلاث وذلك خلاف الخبر.
وإن قلنا: إن الفرض يتغير بها ولا تدخل فيه كان في ذلك خلاف
[ ١ / ٤٥٨ ]
الأصول.
فإن قيل: نقول في هذا كما نقول في أحد وتسعين أن فيها حقتين في الجملة ولا نفصل.
قيل له: لا يصح ذلك، لأن في أحد وتسعين تعلق الفرض بالجملة، فلم يحتج إلى التفصيل، وفي أحد وعشرين ومائة تعلق الفرض بالتفصيل، لأنا نأخذه منها على حسب كل أربعين.
وإذا كان كذلك بان سقوط ما ذكروه.
فأما قوله: (فما زاد على ذلك)، وتعلقهم بأن إطلاق الزيادة تتضمن الواحدة والعشرة: فإنه دليلنا، لأن النبي ﷺ اعتبر الحساب بهذين العددين، فوجب أن يشترط في ذلك عددا يصح فيه، وليس ذلك إلا في ثلاثين ومائة دون ما دونها.
فإن قيل: ولم قلتم ذلك وما أنكرتم من حمل قوله: (وإن زادت) على العموم في القليل والكثير؟
قلنا: من قبل إنه ﷺ لما قال: ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون نبه بذلك على عدد يكون أربعينات وخمسينيات.
فإن قيل: إنما أراد بحساب كل خمسين وكل أربعين بنت لبون.
قلنا: يجوز أن يكون أراد الحساب مفردا من غير اعتبار عدد المال، ولكن الظاهر أنه أراده في مال لم يكن ذلك فيه، ويبين ذلك أنه لم يذكر حكم الوقص الباقي عنها بشيء كما بين حكمه فيما قبل المائة، فدل ذلك على أن العدد الذي اعتبره لا وقص فيه.
[ ١ / ٤٥٩ ]
وأما ما رووه من قوله: (فإذا زادت واحدة): فليس بمحفوظ من طريق صحيح. ولو صح لكان معارضا بما ذكرناه، ومرجحا عليه بأن خبرنا وارد بلفظين: صريح، وكناية وهو قوله: (فإذا كثرت الإبل) والمعنى في سائر الأوقاص دخولها في الفرض، فلذلك غيرته وليس كذلك الواحدة الزائدة على المائة والعشرين.
وقوله: (الوقص لا يلي وقصا): ينتقص بزكاة الغنم، لأن في المائتي شاة وشاة ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فما زاد على ذلك ففي كل مائة شاة شاة، ثم لا شيء في الزيادة حتى تكمل مائة.
ويمكن أن يقال: لأنه وقص محدود يعتبر الفرض بعده بحساب عدد علق عليه، فوجب ألا يعتبر الفرض فيه إلا بحصول عدد لا وقص فيه، اعتبارا بالغنم، لأن الوقص بعد المائتين والشاة هو إلى الثلاثمائة ثم ما زاد على ذلك وقص إلى المائة، كذلك ما بعد الأحد والتسعين إلى المائة والعشرين، وما زاد على ذلك إلى المائة والثلاثين.
وبالله التوفيق.
[ ١ / ٤٦٠ ]
فصل
إذا أجبنا برواية ابن القاسم أن الفرض يتغير بزيادة الواحدة فإنه يتغير إلى تغيير الساعي بين حقتين والثلاث بنات لبون.
وذهب ابن القاسم والشافعي إلى أن فيها ثلاث بنات لبون من غير تخيير، وهو قول الزهري. واستدلوا بحديث ابن شهاب أنه قال: هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ في الصدقة أقرأنيها سالم بن عبد الله وقد ذكرناه فيما تقدم: "وإن كانت أحد وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون" وهذا نص [ق/ ١٠١].
فالدلالة على ما قلناه قوله ﷺ في سائر الأخبار: فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون.
فإذا اعتبرنا تغيير الحكم بزيادة الواحدة ورجعنا إلى الحساب كان فيه إما ثلاث بنات لبون لثلاث أربعينيات، أو حقتان لخمسينيتين، فلذلك كان الساعي مخيرا.
وإذا جمعنا بين خبرهم وخبرنا لم يتنافيا فنقول: ثلاث بنات لبون بخبرهم، والتخيير بخبرنا.
والله أعلم.
[ ١ / ٤٦١ ]
فصل
إذا زاد على المائة والعشرين بعض بعير لم يتغير الفرض، وبه قال أصحاب الشافعي، وحكي عن بعضهم أنه يتغير الفرض بزيادة الجزء وكما يتغير بالبعير الكامل.
قال: لقوله ﷺ: "فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة" فعم.
واعتبارا بزيادة التغير الكامل.
والدلالة على ما قلنا: قوله ﷺ: "فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة" والكثرة لا تكون بزيادة بعض بعير.
وما رويناه من حديث ابن شهاب أنه قال: أقرأني سالم بن عبد الله كتاب رسول الله ﷺ في الصدقات، وفيه: "إذا كانت أحد وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون"، فلم يحكم بتغير الفرض إلا بزيادة واحدة.
ولأنها زيادة كسر في ماشية فوجب ألا يتغير بها فرض، اعتبارا بالبقر والغنم.
ولأنه وقص حد في الشرع بحد فوجب ألا يتغير الفرض فيه بزيادة دون الواحد، اعتبارا بسائر الأوقاص.
فأما قوله: (فما زاد) فمحمول على البعير الكامل، بدلالة ما قلناه.
واعتبارهم بالبعير الكامل باطل بما ذكرناه.
والله أعلم.
[ ١ / ٤٦٢ ]
فصل
فأما صفة الأسنان المأخوذة في صدقة الإبل فقد ذكره أصحابنا منهم: الفضل بن المعدل، وعبد الملك بن حبيب، وغيرهم.
ونحن نذكر جملة مما ذكروه ومما قال أهل العربية فيه: قالوا: إذا استكمل الفصيل الحول، ودخل قي الثاني فهو ابن مخاض، والأنثى بنت مخاض، وإنما سمي بذلك، لأنه لما فصل عن أمه لحقت أمه بالمخاض- وهو الحمل- وسواء حملت أو لم تحمل فلا يزال موصوفا بابن مخاض حتى يستكمل السنة الثانية. فإذا دخل في الثالثة فهو ابن لبون، والأنثى بنت لبون. وإنما سمي بذلك، لأن أمه أرضعته في السنة الأولى ثم حملت في السنة الثانية ثم وضعت، فصارت لبونا في السنة الثالثة، فلا يزال كذلك حتى يستكملها.
فإذا دخل في الرابعة فالذكر حق، والأنثى حقة وإنما سمي بذلك لاستحقاقه أن يحمل [] ويركب، فلا يزال كذلك حتى يدخل الخامسة فيصير جذع والأنثى جذعة.
وليس في الصدقة ما يزيد على ذلك من السن، فلذلك اقتصرنا عليه.
[ ١ / ٤٦٣ ]
مسألة
قال ﵀: "ولا زكة في البقر في أقل من ثلاثين، فإذا بلغتها ففيها تبيع: عجل جذع قد أوفى سنتين ثم كذلك حتى تبلغ أربعين ففيها مسنة، ولا تؤخذ إلا أنثى وهي بنت أربع سنين، وهي ثنية.
فما زاد ففي كل أربعين مسنة، وفي كل ثلاثين تبيع".
قال القاضي ﵀: أعلم أن هذه الجملة لا خلاف فيها بين فقهاء الأمصار والمعتمد عليهم من أهل العلم.
وقد وردت روايات متضادة أكثرها من طرق ضعيفة، ولا يثبت بمثلها حكم بأحكام مختلفة، ففي بعضها أن حكم البقر حكم الإبل في خمس شاة، وفي بعضها في كل عشرة شاة، وفي بعضها في كل خمس وعشرين بقرة تبيع. ونحن نذكرها لتعرف.
فمن ذلك ما روي عن عكرمة بن خالد أنه قال: استعملت على صدقات عك فلقيت أشياخا من صدق على عهد رسول الله ﷺ فاختلفوا علي، فمنهم من قال: اجعلها مثل صدقة الإبل، ومنهم من قال: في كل ثلاثين تبيع، ومنهم من قال: "في كل أربعين مسنة".
وروي عن عكرمة بن خالد أيضا [عن رجل] حدثه عن مصدق أبي
[ ١ / ٤٦٤ ]
بكر﵁- أنه أخذ من كل عشر بقرات بقرة.
وروى عبد الرازق عن معمر قال: أعطاني سماك بن الفضل كتابا من النبي ﷺ إلى مالك بن كفلان فيه: والبقر مثل الإبل.
وروى حماد عن قتادة عن أبي قلابة، والزهري أنهما قالا: في خمس بقرات شاة.
وروى همام عن قتادة عن سعيد بن المسيب، وأبي قلابة: في صدقة البقر في كل خمس شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياة، وفي عشرين أربع، وفي خمس وعشرين بقرة إلى خمس وسبعين، فإذا جاوزت فبقرتان إلى عشرين ومائة، فإذا جاوزت ففي كل أربعين مسنة.
وروي عن خالد بن أبي عمر أنه قال: سألت القاسم، وسالما، وسليمان بن يسار عن صدقة البقر فقالوا: كان يقال: في خمس وعشرين تبيع، وفي أربعين مسنة.
وروى ابن إدريس عن ليث عن شهر بن حوشب قال: في عشر من البقر شاة، وفي عشرين شاتان.
وكل هذا شاذ لا يلتفت إليه، وإنما ذكرناه لئلا يظن أن هناك خلافا ما عرفناه.
والأصل في هذا الباب الذي يجب أن يصار إليه، ويعول عليه ما رواه
[ ١ / ٤٦٥ ]
ابن وهب عن سليمان بن بلال عن شريك بن عبد الله بن أبي بكر عن عطاء ابن يسار عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ بعثه إلى اليمن فقال: "خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة [ق/١٠٢] من البقرة".
وروى الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا، ومن كل أربعين مسنة، فأتى بما دون ذلك فلم يأخذ منه شيئا، وقال: لم أسمع من رسول الله ﷺ فيه شيئا، حتى ألقاه فأسأله. فتوفى رسول الله ﷺ قبل أن يقدم معاذ.
وروى يزيد بن أبي حبيب عن سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم عن معاذ قال: بعثني رسول الله ﷺ مصدقا على اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا- والتبيع: جذع أو جذعة- ومن أربعين مسنة.
وفي حديث سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابا فيه الفرائض والسنن، وفيه: وفي كل ثلاثين باقورة تبيع أو تبيعة، جذع أو جذعة. وفي كل أربعين باقورة بقرة.
وروى خصيف عن أبي عبيدة عن عبد الله عن النبي ﷺ: في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة.
وقد روى ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين بأسانيد صحاح لولا
[ ١ / ٤٦٦ ]
كراهية التطويل لذكرتها وقد تكلف الناس إيراد سمعته لبعض ما قدمناه من الأقاويل المختلفة؛ فقالوا: يمكن أن تحتج لذلك بما روى في حديث عمرو ابن حزم أن النبي ﷺ ذكر صدقة الإبل، ثم عطف عليه وقال: وكذلك البقر.
وهذا الذي قالوه غير محفوظ في نقل صحيح. وقد روينا صدقة البقر مفسرة من طريق عمرو بن حزم وغيره.
ويحتمل ذلك- إن صح- يكون عطفا على وجوب الزكاة دون صفتها.
قالوا: ولما كانت البقر كالإبل في أن الواحد منها يجزئ في الأضحية عن سبعة كانت مثلها في صفة نصب الزكاة.
وهذا غير صحيح عندنا؛ لأن الاشتراك في الأضحية لا يجوز على أصلنا.
فبطل ما قالوه، والله أعلم.
فصل
وفي أربعين من البقر مسنة، ثم لا شيء في زيادتها إلى الستين فيكون فيها تبيعان.
وبه قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد.
وعن أبي حنيفة روايتان:
إحداهما: مثل قولنا.
والأخرى: أن ما زاد على الأربعين فبحساب ذلك؛ فيكون على هذه
[ ١ / ٤٦٧ ]
الرواية في إحدى وأربعين مسنة وربع عشر مسنة.
هذه رواية أبي سيف. ذكر هذه الجملة الطحاوي.
قال الرازي: وعنه رواية أخرى؛ وهي أنه ليس في الزيادة على الأربعين شيء حتى تبلغ خمسين فيكون فيها مسنة وربع مسنة.
واستدلوا عليه بأن قالوا: لأن زكاة البقر تزيد بزيادة السن مرة، وبتكرار العدد أخرى؛ فوجب أن يكون بين ابتدائه وتكراره فرضان.
أصله: زكاة الإبل.
وذلك أن بين بنت لبون في الابتداء وبين تكررها فرضان وهما: الحقة، والجذعة. كذلك يجب أن يكون بين التبيع والتبيعين فرضان: المسنة، وجزء المسنة.
قالوا: العشر الزائد على الأربعين عشر زائد كامل على عدد نصاب في البقر؛ فوجب أن يتغير به حكم الفرض.
أصله: العشر الزائد على الثلاثين.
قالوا: ولأن الؤقاص في صدقة البقر بعد تقرر الفرض تسعة تسعة؛ اعتبارا بالأوقاص بعد الثلاثين وبعد الستين والسبعين، فلو قلنا: لا شيء في الخمسين لكان الوقص تسعة عشر، وهذا خلاف الأصول.
وهذا الذي ذكروه غير صحيح.
والدلالة على صحة قولنا ما رواه أبو بكر بن الجهم حدثنا جعفر بن محمد الفريابي حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا بقية قال: حدثنا المسعودي عن الحكم عن طاوس عن ابن عباس قال: لما بعث رسول الله ﷺ معاذًا إلى
[ ١ / ٤٦٨ ]
اليمن سأله عن الأوقاص قال: ليس فيها شيء.
وروى أبو بكر حدثنا أبو بكر بن شاذان أخبرنا المعلي أخبرنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم عن معاذ قال: بعثني رسول الله ﷺ مصدقا على اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا- والتبيع: جذع أو جذعة-، ومن أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعا، ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتابيع، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشرين ومائة ثلاثة مسنات وأربع أتابيع، وأمرني رسول الله ﷺ أن لا آخذ فيما بين ذلك شيء من سائر الأوقاص حتى تبلغ مسنا أو جذعة.
وأيضا فلأن في إيجاب جزوء من مسنة مخالفة لأصول زكاة المواشي؛ لأنه ليس في شيء منها كسور، وكذلك زكاة البقر.
وتحريره أن يقال: لأنها زيادة على نصاب في ماشية تجب في عينها الزكاة؛ فوجب ألا يتغير الفرض بها إلى كسر؛ اعتبارا بالغنم والإبل.
ولأن ذلك يؤدي إلى أحد أمرين ممنوعين:
إما أن يشتري الساعي بقية تلك البهيمة؛ فيؤدي ذلك إلى إخراج القيمة في الزكاة، وذلك غير جائز. أو أن يشتري الرجل؛ فيؤدي إلى شراء الصدقة، وهذا أيضا ممنوع.
ولأن في إيجاب الكسور ضررا على أرباب المال وعلى المساكين؛ أما
[ ١ / ٤٦٩ ]
أرباب المال: فيصير له شريكا في الملك؛ وذلك إضرار به.
وأما المساكين: فإنهم لا يمكنهم استيفاء حقوقهم- وهو الجزوء- من الحيوان؛ وذلك ضرر.
قال أصحابنا: ولأن أبا حنيفة أولى [ق/١٠٣] بالامتناع من إيجاب الكسور لا يمتنع من ذلك فيما لا ضرر فيه؛ وهو ما زاد على المائتي درهم والعشرين دينارا، ففي الموضع الذي يدخل فيه الضرر على الفريقين أولى؛ فوجب ألا ينتقل منه إلى كسر.
أصله: العشرة الزائدة على الثلاثين.
ولا يصح عكسه بأن يقال: لأنها زيادة على نصاب في صدقة البقر؛ فوجب أن يتغير به الفرض.
أصله: العشرة الزائدة على الثلاثين.
لأنه بطل بزيادة الجزوء، وبزيادة الواحدة على الثلاثين. ولأن أصول الزكاة مبنية على أنه يؤخذ من كل شيء من جنسه، وقد ثبت أن النبي صلي الله عليه وسلم جعل في خمس من الإبل شيئا من غير جنسها؛ لأنها لا تحتمل أن يؤخذ منها؛ فلو كان للأجزاء والكسور مدخلا في زكاة الماشية لأوجبه ولم يعدل إلى إيجاب شيء من غير الجنس.
فدل ذلك على ما قلناه.
وأما قولهم: إن السن إذا وجبت لم تتكرر إلا بعد فرضين بين ابتدائها وتكررها: فإنه ينتقض بالشاة في أول فرض الإبل؛ لأنها تتكرر في غير تخلل فرض آخر، وبابنتي لبون في ست وسبعين؛ لأنها تتكرر بعد المائة
[ ١ / ٤٧٠ ]
والعشرين بعد تخلل فرض واحد؛ وهو الحقاق فقط. فلأن ذلك إنما وجب في الإبل لإمكان أخذ فرضين كاملين الابتداء والإعادة. وليس كذلك في صفة البقر؛ لأنه لا يمكن أخذ سنينين كاملين فافتقر على واحد.
وقياسهم على العشرة الزائدة على ثلاثين قد أجبنا عنه.
ولأنه إنما تغير الفرض به؛ لأنه يخرج منه إلى سن كامل، وليس كذلك مسألتنا.
وقولهم: لو لم يوجب في العشر الزائد على الأربعين شيئا لأدى ذلك إلى أن يكون الوقص أكثر من تسعة، وذلك مخالف لأصول الزكاة: فعنه جوابان.
أحدهما: أنه باطل بالتسعة والعشرين الأولى.
والثاني أن الأوقاص لا يقاس بعضها على بعض؛ لأنها قد تختلف الجنس الواحد؛ ألا ترى أن أوقاص الإبل منها أربعة ومنها عشرة، وغير ذلك؟
فلم يجب ما قالوه؟
والله أعلم.
فصل
وأما وصف التبيع فهو العجل الذي قد دخل في السنة الثانية وفطم عن أمه؛ فهو تبيع أمه، ويقوي على ذلك.
وذكر بعض أهل العلم أنه الذي استوى قرنا وأذناه، وروي هذا عن الشعبي وغيره.
[ ١ / ٤٧١ ]
وروي عن علي بن أبي طالب- رضوان الله عليه- أنه قال: هو الحولي- يعني الذي أتى عليه الحول-.
وقالوا: المسنة: التي قد دخلت في السنة الثالثة، وأتت عليها سنون فلم تلد سميت مسنة.
وقال بعض أصحابنا: هي التي دخلت في السنة الرابعة.
وإنما سميت ثنية؛ لأنها تلقي ثنيتها في السنة الثالثة.
وأما قوله: إن التبيع يؤخذ جذعا أو جذعة: فذلك لما رواه الحاكم عن موسى حدثنا يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابا فيه الفرائض والسنن، وفيه: وفي كل ثلاثين باقورة تبيع جذع أو جذعة، وفي كل أربعين باقورة بقرة.
وروى يزيد بن أبي حبيب عن سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم عن معاذ قال: بعثني رسول الله ﷺ مصدقا على اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر كل ثلاثين تبيعا- والتبيع: جذع أو جذعة، ومن أربعين مسنة.
وروى الأعمش عن سفيان عن مسروق [عن معاذ بن جبل] قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعة أو تبيع، ومن كل أربعين بقرة بقرة.
فأما المسنة فلا تؤخذ إلا أنثى، ووافقنا على ذلك الشافعي إذا كانت
[ ١ / ٤٧٢ ]
البقر إناثا كلها.
وإذا كانت ذكورا فلأصحابه في جواز أخذ المسنة ذكرا أم لا وجهان:
أحدهما أنه يجزئ.
والآخر أنه لا يجزئ.
والدليل على ما قلنا: الأخبار التي رويناها، وفيها دليلان.
أحدهما: إنه نص على وجوب المسنة، ولم يفرق.
والثاني أنه بين في البيع أنه يجوز أن يؤخذ ذكرا أو أنثى، ولم يذكر في المسنة إلا أنها أنثى فقط؛ فدل ذلك على أنها مقصودة في نفسها.
ولأن المأخوذ في فرائض الماشية الإناث إلا من ضرورة؛ اعتبارا بالإبل والغنم.
والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: "ولا زكاة في الغنم حتى تبلغ أربعين شاة، فإذا بلغتها ففيها جذعة أو ثنية إلى عشرين ومائة، فإذا بلغت إحدى وعشرين ومائة ففيها شاتان إلى مائتي شاة، فإذا ذادت واحدة ففيها ثلاث شياة إلى ثلاثمائة، فما زاد ففي كل مائة شاة شاة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀-: وهذا لتواتر الأخبار عن النبي ﷺ بذلك.
[ ١ / ٤٧٣ ]
وروى القاضي إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن المثني عن عبد الله بن أنس قال: حدثني أبي. قال حدثني عمي تمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس أن أبا بكر الصديق- رضوان الله عليه- لما استخلف وجه أنسا إلى البحرين كتب إليه هذا الكتاب: هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، التي أمر الله بها ورسوله: صدقة الغنم في سائمة إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة ففيها شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى أن تبلغ مائتين ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى أن تبلغ ثلاثمائة ففيها ثلاث شياة، فإذا زادت على ذلك ففي كل مائة شاة. فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين [ق/ ١٠٤] شاة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها.
وروى الزهري عن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن، وبعث به مع عمرو بن حزم، وهذه نسخته: في كل أربعين سائمة شاة إلى أن تبلغ عشرين ومائة وذكر مثل ما تقدم.
وفي حديث الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: كتب رسول الله ﷺ كتاب الصدقة ولم يخرجه إلى عماله فذكر في كل أربعين شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت شاة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت ففيها ثلاث إلى ثلاثمائة، فإذا زادت بعد فليس فيها شيء حتى تبلغ أربعمائة، فإذا كثر الغنم ففي كل مائة شاة شاة.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "ليس
[ ١ / ٤٧٤ ]
في أقل من أربعين شاة شيء".
فلا خلاف بين فقهاء الأمصار في هذه الجملة التي ذكرناها.
وحكى أهل الخلاف عن الشعبي والنخعي أنهما قالا: إذا زادت الغنم على ثلاثمائة واحدة ففيها أربع شياة؛ لقوله ﷺ: "فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة"؛ وذلك يقتضي أقل زيادة.
ولأنه وقص حد في الشرع بحد فوجب ألا يتعقبه وقص؛ اعتبارا بأوقاص الإبل.
وهذا الذي قالوه غير صحيح؛ لما رويناه من قوله ﷺ: "فإذا زادت على ذلك ففي كل مائة شاة، وليس في ذلك شيء حتى تبلغ مائة" وهذا نص.
وفائدة تحديد ثلاثمائة؛ لبيان النصاب الذي بعده؛ لأن النصب التي قبله مختلفة.
واستدلالهم بالخبر باطل؛ لأن زيادة واحدة على ثلاثمائة لا يمكن أخذ أربع شياة.
والعلة في أوقاص الإبل تغير الفرض فيها بالسن تارة وبالعدد أخرى. وليس كذلك الغنم؛ لأن الفرض لا يتغير فيها إلا بزيادة.
والله أعلم.
[ ١ / ٤٧٥ ]
مسألة
قال ﵀: "ولا زكاة في الأوقاص؛ وهو ما بين الفريصتين من كل الأنعام".
قال القاضي أبو محمد بن عبد الوهاب بن علي﵀-: وهذا كما قال لا شيء في الأوقاص كلها من الإبل والبقر والغنم؛ فإذا كان معه تسع من الإبل فالشاة مأخوذة عن الخمس والأربع عفو، وكذلك الثمانون من الغنم والشاة المأخوذة منها عن الأربعين والباقي عفو.
وهذا قولنا، وقول أبي حنيفة إلا ما ذكرناه عنه فى الزيادة على الأربعين في البقر.
ولأصحاب الشافعي وجهان.
قال الرازي: ويمكن أن يقال: فيه قولان:
أحدهما: أن الشاة المأخوذة عن التسع من الإبل إنما تؤخذ عن الخمس، والأربع عفو.
والقول الثاني: أنها مأخوذة عن التسع.
وفائدة هذا الخلاف في الخليطين بينهما تسع من الإبل لأحدهما خمس، وللآخر أربع، فإذا أخذ المصدق شاة فعندنا أنها على الخمس ولا شيء على صاحب الأربع، وعند الشافعي أنها بينهما على تسعة أجزاء في هذه المسألة وما أشبهها.
والدلالة على صحة قولنا: ما رواه المسعودي عن الحكم عن طاوس عن
[ ١ / ٤٧٦ ]
ابن عباس قال: لما بعث رسول الله ﷺ معاذا إلى اليمن عن الأوقاص قال: "ليس فيها شيء".
وروى ابن أبي ليلى عن الحكم عمن حدثه عن معاذ عن النبي ﷺ قال: "ليس في الأوقاص زكاة".
وهذان الحديثان نصان في موضع الخلاف.
وروى يزيد بن أبي حبيب سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم عن معاذ قال: بعثني رسول الله ﷺ مصدقا على اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعان، ومن السبعين مسنة وتبيع، وأمرني ألا آخذ فيما بين ذلك شيئا من الأوقاص، وزعم أن الأوقاص لا فريضة فيها.
فإن قيل: فقد روي عن معاذ أنه عرضت عليه الأوقاص فامتنع أن يأخذ منها شيئا فقال: لم يأمرني رسول الله ﷺ فيها بشيء.
وهذا يضاد ما رويتموه.
قلنا: يحتمل أن يكون أراد: لم يأمرني أن آخذ ما بذلتموه لي؛ بدلالة ما ذكرناه.
وقد روى أصحابنا ومن وافقنا من أهل العراق أحاديث في هذا منها أن رسول الله ﷺ قال: "في خمس من الإبل شاة، ولا شيء في زيادتها حتى تبلغ عشرا".
[ ١ / ٤٧٧ ]
وروي أيضا أن رسول الله ﷺ قال: إذا بلغت الإبل خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ ستا وثلاثين، وفي ست وثلاثين بنت لبون، ثم لا شيء في الزيادة حتى تبلغ ستة وأربعين.
وهذا يفيد أنه لا شيء في الوقص لا مبتدءا ولا تابعا.
ثم الذي لا يدل على ذلك حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله ﷺ كتب كتاب الصدقة وفيه: وفي الغنم في كل أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت على المائتين ففيها ثلاث شياة إلى ثلاثمائة، فإن كانت الغنم أكثر من ذلك ففي كل مائة شاة شاة ليس فيها شيء حتى تبلغ المائة.
ولأنه وقص قصر مقداره عن النصاب؛ فوجب ألا يتعلق به وجوب.
أصله: الأربعين من الإبل.
ولأن الاعتبار بالنصاب؛ بدليل أنه إذا قصر منه لم يجب فيه شيء، وإذا زاد عليه زيادة لا تبلغ النصاب لم يتغير الفرض؛ فعلم بذلك أن هذه الزيادة غير مؤثرة.
ولأن الواجب لو كان متعلقا بالنصاب والوقص لأدى ذلك إلى أن في النصاب أقل من المقدار المنصوص عليه؛ ألا ترى أنه إذا أوجبنا على من معه ثمانون [ق/ ١٠٥] من الغنم شاة، وقلنا: إن هذه الشاة مأخوذة عن الجميع حصل أن في أربعين نصف شاة. وهذا خلاف قوله ﷺ: "في أربعين شاة شاة، وفي خمس ذود شاة".
ولأن في ذلك إيجاب الشاة في البعير الواحد؛ لأن الشاة إذا كانت
[ ١ / ٤٧٨ ]
مأخوذة عن تسع من الإبل ثم تمت عشرة فأوجبنا فيها شاتين صارت الشاة الثانية مأخوذة عن البعير العاشر.
ولا معنى لقولهم إن الإيجاب قبل كمال النصاب تعلق بها على وجه التبع، وإذا تمت نصابا صار لها حكم نفسها؛ لأن الوجوب إذا تعلق بها فقد ساوت الخمس، وليس في حصول البعير العاشر أكثر من كمال كون الواجب شاة فقط.
واستدل من خالفنا بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾. قالوا: ففي هذا دليلان.
أحدهما: أنه عم الأموال بأخذ الصدقة منها.
والثاني: أنه قال: ﴿تطهرهم وتزكيهم بها﴾ وليس بعض المال بأن يطهر به رب المال أولى من بعض.
فالجواب عن الفصل الأول: أن قوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ مجمل قد بينه ما رويناه من قوله: "ولي فيما دون المائة شيء" وغير ذلك مما ذكرناه.
وعن الفصل الثاني: أن التطهير إنما يحصل لهم بأخذ الزكاة من أموالهم، فإذا دل الدليل على وجوب الزكاة في بعض المال أو في جميعه كان ما يؤخذ منه طهرة لهم.
فسقط ما قالوه.
[ ١ / ٤٧٩ ]
واستدلوا بما روي في حديث أنس من قوله ﷺ: "فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض إلى أن تبلغ خمسا وثلاثين"؛ فأوجب فيها وفيما زاد عليها إلى خمس وثلاثين بنت مخاض.
وقوله: "في أربع وعشرين فدونها الغنم"؛ فذكر النصاب والوقص.
فالجواب أن قوله: "في خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين" معناه: أن الفرض لا يتغير إلى خمس وثلاثين.
وقوله: "في أربع وعشرين فما دونها الغنم" دلالة عليهم؛ لأنه فسر ذلك بقوله: "في كل خمس شاة"، ولو كانت الشاة تتعلق بالنصاب وما زاد عليه من الوقص لكان في كل خمس أقل من شاة، وهذا خلاف الخبر.
وكذلك أيضا لو أراد بقوله: "في خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين" أنها واجبة فيها وفيما زاد عليها لكان في لخمس والعشرين أقل من بنت مخاض.
قالوا: ولأن كل جملة لا تجب فيها أكثر من فريضة فإذا تعلق جواز الأخذ بها وجب أن يتعلق الوجوب بها.
أصله: الأربعون من الغنم.
وهذا قياس ما زاد على الأربعين.
ويريدون بقوله: لا يجب فيه أكثر من فريضة الاحتراز عن النصابين؛ لأنه إذا كان معه مائة وخمسون من الإبل ففيها ثلاث حقاق، وله أن يأخذ كل واحد من الثلاث عن المائة والخمسين. وليس ذلك الواحد واجبا في المائة والخمسين، لأن الجملة وجب فيها أكثر
[ ١ / ٤٨٠ ]
من فريضة.
ويريدون بقولهم: فإذا تعلق جواز الأخذ بكل الجملة الاحتراز منه إذا كان معه ثمانون شاة أربعون منها معلوفة وأربعون سائمة، وأربعون ماعزا وأربعون ضائنة؛ فهذه جملة لا يجب فيها أكثر من فريضة، ولا يتعلق الوجوب بكل الجملة.
هذه جملة ما فسروا به كلامهم، وهو على إبهامه؛ لأن الوجوب لم يتعلق عندنا إلا بالبعض دون الجملة، وجواز الأخذ لا تعلق له بالوجوب؛ لأن له أن يخرج من العاملة إلى السائمة، ومع ذلك فالجواب لا يتناولها عندهم.
قالوا: ولأن الوجوب قد يتعلق بمقدار معلوم، فإذا زال ذلك المقدار تعلق به وبالزيادة عليه؛ كالمحرم إذا حلق ثلاث شعرات فعليه دم، ولو حلق جميع رأسه لكان ذلك الدم، وإذا سرق السارق ربع دينار قطع وكذلك إذا سرق دينار قطع ذلك ولو أوضحه كان عليه خمس من الإبل، ولو عمت الموضحة رأسه كان عليه خمسا أيضا؛ فكذلك لا يمتنع أن تكون الشاة مأخوذة عن الخمس فإذا زاد على الخمس كانت واجبة فيها وفيما زاد عليها.
ونكتة هذا أن النبي ﷺ نص على الخمسة؛ لأنها أقل نصاب يتعلق به الفرض، لا أن الزكاة تؤخذ منها دون ما زاد عليه.
فالجواب: أن ما قالوه غير لازم؛ لأن الحكم في هذه المواضع تعلق بحصول الاسم من غير اعتبار بما زاد عليه في تغيير الحكم؛ فبين ذلك أن المحرم يجب عليه الدم بحصول الحلق؛ فلا فرق بين القليل والكثير،
[ ١ / ٤٨١ ]
وسارق ربع دينار قد سرق الحد الذي يجب فيه القطع، فإذا سرق أكثر منه فالنص قد تناوله بوجوب القطع فيه؛ لقوله ﷺ: "القطع في ربع دينار فصاعدا"؛ فالذي يجب بحصول الإيضاح فلا فرق بين قليلة وكثيرة؛ لوقوع الاسم عليه.
وليس كذلك في الزكاة؛ لأن إيجاب الصدقة تعلق فيها على ترتيب معلوم بتغير الفرض بتغييره؛ فلذلك وجب أن يتعلق الوجوب بالنصاب دون ما زاد عليه. على أن قولهم: لا يمتنع ولا ينكر: لا معنى له؛ لأن الوجوب ثابت عندهم في تسع من الإبل، وهذه ألفاظ تجويز وشك فبإزائها أنه قد يمتنع وينكر؛ لأن في الشريعة أحكاما تتعلق بمقادير لا يجوز الزيادة عليها.
قالوا: ولأن الأربع الزائدة على الخمس زيادة من جنس مال جرى عليه حكم الزكاة فوجب أن يتعلق [ق/ ١٠٦] وجوب الأخذ بها؛ قياسا عليه إذا كانت له أربع من الإبل فزادت واحدة.
فالجواب: أن الوصف غير موجود في الأصل؛ لأن الأربع من الإبل لم يجر عليها حكم الزكاة.
على أن المعنى في الأصل أنها زيادة كمل بها نصاب، وليس كذلك زيادة الأربع على الخمس.
قالوا: ولأن الأربع التي دون الخمس لو انفردت لم يجب فيها شيء، فإذا تمت نصابا وجبت فيها شاة، وكانت مأخوذة عن الجميع؛ كذلك
[ ١ / ٤٨٢ ]
الوقص الزائد على النصاب إذا انفرد لا شيء فيه، فإذا كان معه نصاب كانت الزكاة فيها في جميعه.
فالجواب أن الأربع التي دون الخمس إذا تمت نصابا وجبت الزكاة فيها؛ لكونها نصابا والأربع الزائدة على الخمس ليست بنصاب، ولا معتبر بانضمام النصاب معها؛ لأن ذلك النصاب له الحكم نفسه. قالوا: ولأن النصاب إنما وجبت فيه الزكاة لكثرته، والكثرة موجودة فيه مع الزيادة عليه؛ فكانت الزكاة مأخوذة عن جميعه.
فالجواب: أن الوجوب تعلق بالكثرة على ما رتبته الشريعة؛ لأن الكثرة علة في وجوب كل ما يجب فيها.
فبطل ما قالوه، والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: "وتجمع الضأن والمعز في الزكاة، والجواميس والبقر، والبخت والعراب".
قال القاضي ﵀: وهذا لأن الجنس والاسم بجميع ذلك كله؛ ألا ترى أن الضأن والمعز يقع على واحد منهما اسم غنم وشاة؟؛ فقد دخل تحت قوله: "في أربعين من الغنم صدقة"، وكذلك قوله: "في كل خمس من الإبل شاة" يشمل البخت والعراب؛ لكون جميعها إبلا. والجواميس حكمها حكم البقر؛ لتقارب منافعها، وأن بعضها يسد مسد بعض؛ فهي جنس منها.
والله أعلم.
[ ١ / ٤٨٣ ]
مسألة
قال ﵀: "وكل خليطين فإنهما يترادان بينهما بالسوية، ولا زكاة على من لم تبلغ حصته عدد الزكاة".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب﵀-: أعلم أن للخلطة تأثير في الزكاة إذا كان لكل واحد من الخليطين نصاب كامل فما زاد، ولا تأثير لها إذا كان لأحدهما دون النصاب، سواء كان جميع المال نصابا أو دونه؛ فإن الاعتبار بحصول النصاب في ملك كل واحد منهما.
وهذا التأثير أنهما يزكيان زكاة المالك الواحد، ويكون حكم مالهما حكم المالك الواحد؛ فمرة يعود ذلك بتخفيف، ومرة يعود بتثقيل؛ مثل أن يكون للخليطين ثمانون شاة لكل واحد منهما أربعون فتزكي ماشيتهما زكاة المالك الواحد؛ فتؤخذ منها شاة واحدة يكون على كل واحد نصفها؛ فهذا من تخفيفها.
ومثل أن يكون لأحدهما مائة شاة وللآخر مائة شاة وشاة؛ فيكون عليهما ثلاثة شياه؛ فهذا من تثقيلها.
ووافقنا الشافعي﵀- في هذه الجملة، وزاد علينا فجعل تأثير الخلطة في النصاب وما دونه إذا كان جميع المال نصابا.
وقال أبو حنيف- رضي الله عته-: لا تأثير للخلطة في الزكاة، وينظر إلى ملك كل واحد منهما فيزكى كما كان يزكي في الانفراد.
فالخلاف بيننا وبين أبي حنيفة في جملة المسألة وبيننا وبين الشافعي في
[ ١ / ٤٨٤ ]
جهة منها؛ وهي ما دون النصاب.
فالدليل بدءا على فساد قول أهل العراق ما رواه يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن: لا تؤخذ في الصدقة هرمة، ولا عجفاء ولا ذات عوار، ولا تيس الغنم، ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خيفة الصدقة، وما أخذ من الخليطين فإنهما يتراجعان بالسوية.
وروى محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثنا عمي ثمانة بن عبد الله ابن أنس أن أبا بكر الصديق﵁- لما استخلف وجه أنسا إلى البحرين، وكتب له: هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ، وفيها: لا يجمع بين مفترق ولا يقرق بين مجتمع خشية الصدقة.
وهذا نهي لأرباب الماشية الذين يخشون الصدقة فيفرقون بين المجتمع ويجمعون بين المفترق، ليخف عنهم، ويقل ما يؤخذ منهم، فثبت بذلك أن الجمع والتفريق إذا لم يقصد به الفرار من الصدقة تأثيرا فيها، ولولا ذلك لم يكن للنهي عنه معنى إذا خيف من الصدقة، لأن الحكم لا يتغير به. فإن قيل: ولم زعمتم أن النهي يتوجه إلى أرباب الأموال؟
قلنا من قبل: إنه لا يخلو إما أن يكون متوجها إليهم أو إلى السعادة، فلما قرنه بخيفة الصدقة علمنا أنه أراد أرباب الأموال، لأن خيفة الصدقة لا تكون إلا منهم فيعملون تخفيفا عنهم بهذا الضرب من الفعل فنهوا عن ذلك. والعمال لا صدقة عليهم يخافونها، فلم يكن لتوجيه النهي إليهم معنى.
[ ١ / ٤٨٥ ]
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون مقصود به العمال دون أرباب الأموال من قبل أنه لا يخلو قوله: لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق أن يكون أراد في الملك أو في المكان، وقد بطل أن يكون أراد به في المكان، لأن من له أربعون شاة في مكانين أو أكثر فإن عليه الصدقة، فثبت أن المراد بنهيه عن الجمع والتفرقة في الملك، مثل أن يكون لرجل مائة وعشرون شاة في [ق/ ١٠٧] ثلاثة أماكن فيكون عليه فيها شاة، وليس للمصدق أن يفرقها في الملك فيأخذ منها ثلاث شياه كما لو كانت لثلاثة نفر لأجل افتراقها في المكان، مثل أن يكون للرجلين ثمانون شاة لكل واحد أربعون، فيكون عليهما شاتان فليس للمصدق أن يجمعهما ليكون عليهما شاة.
فالواجب: أن هذا باطل من وجوه:
أحدها: أن النهي توجه عن جمع وتفريق يفعلان خوفا من الصدقة، وقد بينا أن ذلك لا يكون إلا في أرباب الأموال دون الساعي، لأن خشية الصدقة هي الخوف من لزومها ووجوبها، والساعي إذا فعل ما قالوه فإنما يفعله رجاء لوجوبها، وقصدا لكثرتها، لا خوفا منها وخشية منها، فبطل حمل الخبر عليه.
فإن قيل: معنى قوله: خشية الصدقة: خشية قلة الصدقات.
قلنا: لا معنى لذلك، لأن هذه الخشية لا محصول لها، لأن الذي عليه أن يأخذ من أرباب الأموال فأوجب عليهم كثر ذلك أو قل، ولو لم يجب على أحد منهم شيء لم يلزمه شيء، فلا معنى لخشيته. وإنما الذي يخشى أرباب الماشية، لكثرة ما يؤخذ منهم. وهذا ظاهر.
والوجه الآخر: هو أن حمله على التفريق بين المجتمع في الملك الواحد
[ ١ / ٤٨٦ ]
لا معنى له لأنه حمل له على أمر لا يؤثر في إسقاط الصدقة، فعلم أن المراد بذلك في المالكين لا في الملك الواحد.
والوجه الآخر: أنا نحمله على الساعي في الوجه الذي ذكروه، وعلى أرباب الأموال في الوجه الذي ذكرناه، ولا تنافي بين الأمرين.
وأيضا فإن التفرقة في الملك على ما قالوه لا تكون إلا مجازا أو اتساعا. وعلى ما قلناه حقيقة، فحمله عليه أولى.
والدلالة الثانية من الخبر قوله ﷺ: "وما كان من خليطين فإنهما يترادان بالسوية"، والخليطان ها هنا هما المذكوران في حديث سعد، وقد ورد ذلك في الحديث أيضا فروى يحيى بن سعيد عن السائب بن يزيد قال: صحبت سعد بن أبي وقاص، فذكر إلى أن قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق. الخليطان ما اجتمعا في الحوض والراعي والفحل".
وقال: وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية.
فأثبت للخلطة حكما وميزها بوصف تبين به من الشركة، وجعل حكمها أن يترادا الخليطان بالتساوي فيما أخذ منهما، وذلك لا يكون إلا على ما قلناه، وهو أن يأخذ الساعي من ثمانين شاة من رجلين نصفين قد اختلطا شاة تكون بينهما نصفين. هذا يقتفي التساوي بينهما في التراجع، ولا يجوز حمله على الشركة، لأن الشركة لا تميز مال أحدهما من الآخر.
ويختلف الحكم في جميعها على راع واحد وفحل أولى.
[ ١ / ٤٨٧ ]
فإن قيل: فذكر الخليطين بعد قوله: لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق يفيد أن اللفظ الأول لم يرد به الخلطة، لأنه لو كان قد أريد به ذلك لم يكن لإعادته معنى.
قيل له: ليس الأمر على ما قلته، لأنه ليس في اللفظ الأول أكثر من المنع، وباللفظ الثاني استفدنا وجوب التراجع وصفته، فله فائدة صحيحة لا تعلق من اللفظ الأول.
وأيضا فلأن غلظ المؤنة يؤثر في تخفيف الزكاة، وكذلك خفتها تؤثر في الزكاة.
وقد ثبت أن الخلطة تغير، فوجب أن يكون ذلك مؤثرا في حكم الزكاة، كاختلاف الحكم في السقي بالسيح والنضح.
قال أصحابنا: ولأن حكم الاجتماع قد يخالف حكم الانفراد، كالمصلي منفردا إذا أراد الصلاة في جماعة تغير حكم الانفراد في صلاته ولزمه إتباع إمامه حتى أنه يسجد معه في سهوه وإن لم يكن منه سهو، ويسقط عنه سجود السهو لسهوه وإن كان يلزمه لو كان منفردا، فبان أن للاجتماع تأثير في ذلك، فلا ننكر مثله في الزكاة.
والمعتمد ما قدمناه من الأخبار.
واحتج أصحاب أبي حنيفة بقوله ﷺ: "في أربعين شاة شاة" وظاهره أنه يوجب أن كل أربعين فيها شاة، وأنتم تزعمون أن صاحبها إذا كان مخالطا بها أربعين ففيها نصف شاة.
فالجواب: أنه قال عقيب ذلك: "فإذا زادت على مائة وعشرين ففيها
[ ١ / ٤٨٨ ]
شاتان" فعم ولم يخص أن تكون لمالك واحد أو تكون لمالكين فقد تقابل الظاهران.
فإن حملوا هذا على المالك الواحد حملنا قوله: "في أربعين من الغنم شاة" على المالك الواحد المنفرد.
واستدلوا بقوله ﷺ: "لا خلاط ولا وراط" فنفاه اسما وحكما.
فالجواب: أن معنى ذلك فيما دون النصاب، بدلالة ما قدمناه.
قالوا: ولأن الخلطة لا تغير حكم الزكاة.
دليله: إذا خالط بها ذميا أو مكاتبا.
فالجواب: أنا لسنا نقول أن حكم الزكاة يتغير لوجود خلطة فقط، لكن لخلطة مخصوصة على صفة مخصوصة، فأما فمجرد الخلطة فلا.
فإن قالوا: لأنها خلطة فوجب ألا يتغير حكم الزكاة، كخلطة الذمي أو العبد أو من ليس من أهل الزكاة.
قلنا: إن أردتم أنه لا يتغير بها حكم الزكاة فيها لم يصح، لأنه لم يثبت في الأصل للزكاة حكم فتغيره الخلطة.
وإن أردتم لا يتغير حكم الزكاة في أحد الماشيتين دون الأخرى لم يؤثر
[ ١ / ٤٨٩ ]
ذلك عندكم، لأن الاعتلال موضوع لسقوط التأثير في كل موضع بأصل الخلطة. وإن أبوا إلا الإجمال أخذناهم بالتفسير.
على أن المعنى في الأصل أنها خلطة لمن لا زكاة عليه، وليس [ق/ ١٠٨] كذلك هاهنا، أنها خلطة لمن عليه زكاة.
قالوا: ولأن الحج لما لم يجب بالخلطة لم تجب الزكاة، لأنهما مضمنان جميعا بالمال.
فالجواب أن لا نوجب بالخلطة الزكاة ابتداء وإنما نقول: إنها تؤثر فتخفف تارة وتثقل، على ما بيناه.
قالوا: ولأن الخلطة لما لم توجب الزكاة ابتداء لم يسقط ما كان واجبا قبل حصولها.
فالجواب أن هذه دعوى أنا قد بينا أن حظ الخلطة وهو التأثير في التخفيف والتثقيل فكما تؤثر تارة في الإسقاط فقد تؤثر أخرى في الإيجاب.
ولا يجوز اعتبار التثقيل والتخفيف بأصل الإيجاب، لأنهما تابعان له إذا كانا لا يحصلان إلا بعد تقرره، ألا ترى أن المؤنة في السقي تارة تثقل وتارة تخفف، ولا يجوز أن يقال: لما لم يكن لها تأثير في ابتداء الإيجاب لم يكن لها تأثير في التثقيل والتخفيف؟ كذلك هاهنا.
قالوا: ولأن الخلطة لما لم تؤثر في الدنانير والدراهم في الزكاة لم تؤثر في الماشية.
فالجواب: أن هذا موضع فاسد، لأن صفة الخلطة المؤثرة لا توجد إلا في الماشية، فلا يجوز أن يقال: إنه يجب أن تؤثر في غيرها وهي لا توجد
[ ١ / ٤٩٠ ]
في ذلك الغير.
وعلى أن زكاة الماشية تختص بمعنى لا يوجد في غيرها، وهو أن أمرها موكل إلى الإمام، وإنما يجيء الساعي مرة في كل سنة، فيشق عليه تمييز الغنم، فجعل تزكيتها على ما يجدها، فيعود ذلك مرة تثقيل ومرة تخفيف.
فإن قيل: هلا أجزتم ذلك في النصاب وما دونه لهذا المعنى؟
قلنا: لا يلزم ذلك، لأن حظها التأثير- على ما بيناه- دون استئناف إيجاب.
والله أعلم.
فصل
قد ذكرنا أن تأثير الخلطة هو في النصاب فما فوقه، وأن الشافعي يعتبر في النصاب ودونه إذا كان جميع الماشية نصابا.
واستدل أصحابه بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾. وقوله ﷺ: "خذ الإبل من الإبل" وقوله: "في أربعين من الغنم شاة".
فعم ولم يخص المالك من المالكين.
وقوله: "لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق" فعم ولم يخص كون ملك كل واحد نصابا أو مع اتفاقنا على أن ذلك وارد في الخليطين.
وقوله: "وما كان من خليطين فإنهما يتراجعا بالسوية" ولم يفرق بين
[ ١ / ٤٩١ ]
أن يختلطا بنصاب واحد أو لكل واحد منهما نصاب.
قالوا: ولأن النصاب ملك مالكين لو انفرد أحدهما به لوجبت عليه الزكاة، فجاز أن تجب عليه الزكاة حال الاشتراك.
أصله: الثمانون من الغنم تكون بين اثنين.
قالوا: ولأن قلة المؤنة تكثر معها الزكاة، كوجوب العشر فيما سقي بالسيح، ونصف العشر مع سقي النضح، ووجدنا للمؤنة ثقل بالخلطة، فوجب أن تكثر معها الزكاة لأنهما ترفهان بأجرة الراعي والفحل، وغير ذلك مما لو انفرد كل واحد منهما به لزمه من المؤنة أكثر مما يلزمه مع الاختلاط.
قالوا: ولأن الزكاة تجب بوجود الملاك والأشياء المملوكة، وقد ثبت أنه إذا افترق الملك فلا يؤثر ذلك في سقوط الوجوب. وكذلك إذا افترق الملاك، ألا ترى أنه لو كان له أربعون شاة في أربعين بلد لوجب فيها الزكاة؟ فكذلك كانت أربعون لأربعين رجلا.
قالوا: ولأنه نصاب بين شخصين لو انفرد كل واحد منهما بملكه كان عليه زكاته، فكذلك إذا كانت بينهما.
أصله: النخيل الموقوفة عليهما إذا أخرجت خمسة أوسق.
قالوا: ولأن الوقصين بعد كمال النصاب في صدقة الغنم لا زكاة فيهما عند الانفراد، وتجب فيهما عند الاجتماع فكذلك المالان الناقصان عن النصابين.
بيانه: إذا كانت لأحدهما مائة شاة، وللآخر مائة شاة، وكانا مفترقين
[ ١ / ٤٩٢ ]
فعليهما شاتان، فإذا اختلطا كان عليهما ثلاث شياه.
قالوا: ولأن الخلطة موضوعة على العدل بين الفقراء وأرباب الأموال، وقد وجدنا العشرين ومائة شاة بين ثلاثة يكون عليهم شاة واحدة فيها، فكان هذا نظرا لأرباب الأموال، فيجب بإزائه أن ينظر للفقراء أيضا، فيكون على الرجلين لهما أربعون شاة شاة.
فيكون ذلك عدلا بين الفريقين.
قالوا: وأصولكم أولى بهذا الحكم، لأنكم تقولون: إن الرجلين إذا سرقا ربع دينار قطعا، ولو كانا منفردين لم يقطعا، فكذلك أيضا لا يمتنع أن يجب على الرجلين لهما أربعون شاة الزكاة، وإن كانا لو انفردوا لم يزلمهما شيء.
والدلالة على صحة قولنا: ما رويناه في حديث أنس أن أبا بكر- رضوان الله عليه- كتب له فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ وفيه: "فإن لم تبلغ سائمة الرجل أربعين فليس فيها شيء".
وقبله في هذا الحديث في ذكر صدقة الإبل: "ومن لم يكن عنده إلا أربع فليس فيها شيء".
وهذا يفيد عموم الأحوال من الانفراد والاختلاط.
ويدل على ذلك قوله ﷺ: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة" وهذا نفي يتناول كل ملك وكل ملك في نفسه.
فإن قيل: فمفهومه أنها إذا كانت خمس ذود ففيها الصدقة.
قيل له: إذا كان صريحه مقدرا بما ذكرناه لم يصح ما قلتموه، لأنه إذا
[ ١ / ٤٩٣ ]
كانت خمس ذود بين اثنين فالنص بتناوله أنها أقل من خمس في الملك.
فإن قيل: لم قال: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة" فنفي نفيا مطلقا كان مفهومه من الإثبات مطلقا أيضا، لأن نفي الصدقة عما دون الخمس يعم، لكونها لواحد أو اثنين فكذلك إثباتها في الخمس.
قيل له: هذا ليس بصحيح لأن النفي مقدر [ق/ ١٠٩] بالمالك، لأنه إنما قصد بيان حكم كل مالك في نفس. فإذا كان النفي على هذا الوجه فكأنه قال: ليس فيما دون خمس ذود لمالك صدقة؛ فمفهومه مرتب على هذا الوجه، وهو أنه إذا كان للمالك فحسب خمس من الإبل ففيها الصدقة، ويبين ذلك أن نظير هذا اللفظ قد تلقته الأمة على الوجه الذي قلناه، وهو قوله ﷺ: "ليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"، فإذا كان النفي في ذلك متوجها إلى المالك فكذلك في هذا الموضع.
ومن أصحابنا من أجاب عن ذلك بأن قال: دليل هذا الخطاب أو مفهومه لا يجري مجرى نطقه، لأن نطقه نفي في نكرة فهو عام.
ودليله: إثبات في نكرة، فلا يكون عاما.
ويدل على ذلك أيضا ما رواه ابن عباس لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: أعلمهم أولا أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم.
وقد روي هذا عن النبي ﷺ أنه قال: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها على فقرائكم".
[ ١ / ٤٩٤ ]
وقد بين أن الغني هو المالك للنصاب، فعلم بذلك أن مالك دونه ليس بغني تؤخذ منه الصدقة.
ولم يفرق في ذلك بين المنفرد والمخالط أيضا، فإن من يملك بعيرا واحدا أو شاة واحدة أو بعض بعير فقير ليس بغني، فلم تجب عليه زكاة.
وأيضا فلما قال النبي ﷺ: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها على فقرائكم" وصف من تؤخذ منه ومن ترد فيه، فوجب بذلك أن يكون المأخوذ منه غير المردود فيه.
وما قالوه يؤدي إلى خلط أحد الأمرين بالآخر، وهذا خلاف الخبر.
فإن قيل: هذا عائد عليك لأنك تأخذ الصدقة ممن له نصاب وتعلمه صدقة.
أيضا إذا لم تكن غنيا بنصابه فقد أخذت الصدقة ممن يجب أن تعطيه، وهذا دخول فيما أنكرته.
قيل: ليس الأمر على ما ظننته، لأن الغنا في الأصل على ضربين: غنيا بالكفاية، وغنيا بالنصاب. فالغني المعتبر في وجوب الزكاة هو الغني بالنصاب، فبطل ما قالوه من جهة الاعتبار أن قصور الملك عن نصاب مسقط للزكاة، اعتبارا بالمنفرد.
ولأن كل من لو انفرد لم يكن من أهل الزكاة، فإذا خالط غيره كان حكمه كحكمه منفردا.
أصله: إذا كان معه عشرين من الغنم خالطا بها عبدا أو ذميا.
ولأن الزكاة لما كانت موضوعة على المواساة، ولذلك وضع لها نصاب
[ ١ / ٤٩٥ ]
ليكون المال محتملا للمواساة، وكان من يملك دونه لا يأخذ منه شيء، استوى في ذلك حكم الانفراد والاجتماع، وكان من يملك جزءا من شاة أولى بأن لا يؤخذ منه شيء، لكون حاله أقل احتمالا للمواساة.
فأما قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، وقوله ﷺ: "خذ الإبل من الإبل" فعام يخص بعض ما ذكرناه.
وقوله: في أربعين من الغنم شاة، وفي كل خمس من الإبل شاة: معناه: إذا كانت لمالك واحد، بدلالة ما ذكرناه.
وقوله: "لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق" عام في النصاب وما دونه، فخصصناه ببعض ما قدمناه.
وقوله ﷺ: "وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية"، فلا دلالة فيه، لأنا نقول: أيهما أخذ منهما تراجعا، لكون ذلك مختلفا فيه بين أهل العلم، وخلافنا في أصل الوجوب فليس في الخبر أنه يجب عليهما إذا لم يكن في ملك كل واحد منهما نصاب، وإنما فيه أن الأخذ متى حصل وجب التراجع فيه. وهذا القدر نقول به، وإن لم نحكم بوجوبه قبل الأخذ.
وإذا كان الأمر على ما وصفنا بان أنه لا دليل لهم في الخبر.
فأما قياسهم على الثمانين من الغنم، لأن المعنى فيه أنه لو انفرد كل واحد منهما بحصته منها للزمته الزكاة. وليس كذلك الأربعون بين الاثنين، لأن كل واحد منهما لو انفرد بحصته منها لم تلزمه الزكاة.
وقولهم: إن قلة المؤنة تكثر معها الزكاة: لا ننكره إذا كانت قد وجبت
[ ١ / ٤٩٦ ]
أن تكون المؤنة قد أثرت في تكثيرها، وإنما ننكر أن يبتدئ بها وجوب لم يكن من قبل.
وما ذكروه من وجوب العشر أو نصفه شاهد لنا على ما قلناه.
وقولهم: لما لم يؤثر تفرق الأملاك في الزكاة، فكذلك تفرق الملاك: عبارة ليست بصحيحة، لأن من معه أربعون شاة في عدة مواضع لا يقال: إن الملك فيها مفترق بافتراق أماكنها. على أن المملوك إذا افترق وهو دون نصاب فلا زكاة فيه، كذلك الملاك إذا اجتمعوا ولكل واحد منهم دون النصاب فلا زكاة عليهم.
وقولهم: إنه نصاب من شخصين لو انفرد كل واحد منهما بملكه لوجبت عليه زكاته، فكذلك إذا كانت بينهما. أصله: إذا خرج لهما بخمسة أوسق من أرض وقف عليهما.
فالجواب عنه: أنا لا نسلمه، لأنهما إن كان حبسا غير محرم فهي على ملك واقفها فالزكاة عليه دون من حبست عليه، وإن كان الحبس محرما على الفقراء فإنما يستحقونه بالجذاذ بعد تفرق حكم الزكاة فيه، فبطل ما قالوه.
وقولهم: لما كان الوقصان الزائدان على النصاب في زكاة الغنم لا زكاة فيهما في الانفراد لم تجب الزكاة [ق/ ١١٠] في الاجتماع كذلك ما قصر عن النصاب: لا معنى له، لأن ذلك إنما وجب لتقرر حكم الزكاة في الأصل حال الانفراد. وليس كذلك في مسألتنا، ألا ترى أن ذلك يفترق في خلط المسلم والذمي، والحر والعبد؟
[ ١ / ٤٩٧ ]
وقولهم: إن الخلطة موضوعة على العدل بين الفقراء وأرباب الأموال إلى آخر ما قالوه.
فجوابه: أن يقال: إن أرباب الأموال كما احتملوا التخفيف بسقوط ثلثي شاة عن كل واحد منهم في المائة والعشرين فقد تحملوا بإزائه التثقيل من جهة أخرى، وهي إذا كانت لهم مائتا شاة وشاة بين رجلين فعليهما ثلاث شياه، ولو انفردوا بهذا لكان على كل واحد شاة.
فهذا وجه التثقيل والتخفيف.
فأما إيجاب زكاة ما ابتداء بالخلطة فيما لا تجب فيه حال الانفراد فليس من العدل، وإنما كان يستمر ذلك لو كانت الخلطة تسقط زكاة كانت تجب فكان بإزائها أن توجب زكاة لم تكن وجبت واعتبارهم باجتماع الرجلين في سرقة ربع دينار لا يلزم، لأن كل واحد منهما تناوله اسم سارق الربع، فكانا كالشريكين في القتل. وليس كذلك الخليطان، لأن كل واحد منهما ليس بمالك لنصاب، بل مالك لبعضه وإن كان ملكه غير متميز.
والله أعلم.
[ ١ / ٤٩٨ ]
مسألة
قال ﵀: "ولا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة، وذلك إذا قرب الحول، فإذا كان ينقص أداؤهما باقترافها أو باجتماعها أخذا بما كان عليه قبل ذلك".
قال القاضي ﵀: وهذا لنهي النبي ﷺ عن الجمع بين المفترق، والتفرقة بين المجتمع خشية الصدقة.
وإنما يكون ذلك إذا قرب الحول، لأن ذلك هو وقت الصدقة فيخاف أن يدركهم المصدق على ما هم عليه فيكثر الأخذ منهم.
فأما إذا عدلوا على تغيير ما هم عليه بما هو أقل للأخذ لم ينفعهم، وأخذوا بما كانوا عليه من قبل، لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، وفساده ينفي حكمه ويصيره كأنه لم يكن أصلا.
وإذا كان كذلك كان هذا التفريق أو الجمع كأنه لم يقع، فلذلك أخذا بما كان عليه من قبل.
والله أعلم.
[ ١ / ٤٩٩ ]
مسألة
قال ﵀: "ولا تؤخذ في الصدقة السخلة، وتُعد على رب الغنم. ولا تؤخذ العجاجيل في البقر، ولا الفضلان من الإبل، وتعد عليهم. ولا يؤخذ تيس، ولا هرمة، ولا الماخض، ولا فحل الغنم. ولا شاة العلف، ولا التي تربي أولادهما، ولا خيار أموال الناس".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: اعلم أنه لا يجوز أن تؤخذ في الصدقة صغيرة لا ذات عور أو عيب وسواء كان المال كله معيبًا أو سليمًا، فمن كان غنمه سخالًا كلها، أو كانت بقرة عجاجيل كلها، أو إبله فصلات كلها لم يجز للمصدق أخذ شيء منها، وكلف ربها أن يأتي بالسند الجائز في الصدقة.
وكذلك إذا كانت كلها مراضي أو ذات عور وعيب لم يجز أخذ شيء منها، وكلف شراء السن الجائز أخذه في الزكاة.
وقال أبو حنيفة، والشافعي- رحمهما الله: إذا كانت كلها صغارًا أخذ منها ولم يكلف شراء كبيرة، وكذلك إن كانت مراضي أو معيبة أخذ منها ولم يكلف شراء صحيحة.
واستدل عنهما بقوله ﷺ لمعاذ: "إياك وكرائم أموالهم" فنهاه عن أخذ الكريمة إذا كان في المال جيد وردئ، فنبه بذلك عن أنه إذا كان المال كله معيبًا كان أولى المنع من أخذ الكريمة.
[ ٢ / ٥ ]
وقوله ﷺ لمعاذ: "خذ الإبل من الإبل، والشاة من الغنم" فعم ولم يخص.
وبقوله تعالى:﴾ خذ من أموالهم صدقةً ﴿فعم الأموال.
وروى عن أبي بكر الصديق -رضوان الله عليه- أنه قال في حديث أهل الردة: "والله لو منعوني عناقًا مما أعطوا رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه" فدل ذلك على أن العناق يؤخذ في الزكاة.
قالوا: ولأن الزكاة موضوعة على العدل بين الفقراء وأرباب الأموال فكما لو كانت إبله صحاحًا كلها لم نأخذ منه مريضة، لأن ذلك ضرر على الساعي، وكذلك إذا كانت مراض كلها لم نأخذ منه صحيحة لأن في ذلك إضرارًا به.
قالوا: ولأن الزكاة موضوعة على التخفيف وعلى أخذ القليل من الكثير، فلو أوجبنا في أربعين سخلة، وفي خمس من الإبل مراض كلها شاة لاستغرقت المال أو كثرة، وفي ذلك أكبر التغليظ والإجحاف.
قالوا: ولأن الزكاة تجب من جنس المال، بدلالة أن في التمر والزبيب وسائر الحبوب تؤخذ إن كان جيدًا أو رديئًا، ولا يكلف غيره.
قالوا: ونعلل لجواز أخذ البعير من الخمس فنقول: لأن كل جملة جاز أن يؤخذ منها شيء جاز أن يؤخذ ذلك الشيء في أبعاض تلك الجملة.
أصله: إذا أخذ مكان بنت مخاض بنت لبون أن ذلك يجزئه.
قالوا: ولأن السخال حيوان تجب الزكاة فيه، ويعد مع جنسه، ويضم
[ ٢ / ٦ ]
إليه، ويثبت فرض الزكاة فيه إذا انفرد، فوجب أن يجزئ فيه فرضه إذا انفرد.
دليله: الكبار.
والدلالة على ما قلنا: ما روى إسماعيل بن إسحاق حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس قال: حدثنا أبى قال: حدثنا عمي ثمامة بن عبد الله بن أنس [ق/ ١١١] أن أبا بكر الصديق - ﵁ لما استخلف وجه أنسًا إلى البحرين، وكتب له هذا الكتاب: (هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، التي أمر الله ورسوله: صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى العشرين ومائة ففيها شاة)، فعم ولم يخص كونها صغارًا أو كبارًا.
وقال ﷺ في البقر: "في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة"، وهذا على ظاهره ووجوبه ويدل على معنى آخر المريضة والمعيبة ما روى إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه عن عبد الله، ومحمد ابني أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيهما أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ مع عمرو ابن حزم حين بعثه إلى اليمن: "ولا تخرج في الصدقة تيس ولا هرمة ولا ذات عوار إلا أن يشاء المصدق".
وفي حديث سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: كتب رسول الله ﷺ كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض فقرنه بسيفه فكان فيه: "ولا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عيب" وروى رافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "ليست للمصدق هرمة، ولا تيس، ولا ذات عوار، إلا أن يشاء المصدق".
[ ٢ / ٧ ]
وروى مالك -﵁- عن ثور بن يزيد الديلي عن ابن لعبد الله ابن سفيان الثقفي عن جده سفيان أن عمر بن الخطاب -﵁- بعثه مصدقًا فكان يعد على الناس بالسخال. فقالوا: تعد علينا بالسخال ولا تأخذ منه شيئًا؟ فلما قدم على ذكر ذلك له فقال عمر: تعد عليهم السخلة يحملها الراعي ولا تأخذها، ولا تأخذ الأكولة ولا الربى ولا الماخض ولا فحل الغنم، وتأخذ الجذعة والثنية، وذلك عدل بين عر المال وخياره.
وروى يحيي بن جابر عن جبير بن نفير عن عبد الله بن معاوية الغافري قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا الله وأنه أعطى زكاة ماله طيب بها نفسه ولم يعط الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة، ولكن من وسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره".
وأيضًا فلأن الزكاة موضوعة على العدل بين الفقراء وأرباب الأموال، فلما كنا لا نأخذ من إبله إذا كانت كلها حوامل أو لوابن، بل نكلفه السن الوسط، فكذلك إذا كانت صغارًا أو معيبة، لأن في أخذها كذلك إضرارًا بالفقراء كما أن في الأخذ منها إن كانت كرائم ضرر بأرباب المال.
فأما قولهم: إنه لما نهى عن أخذ الكريمة إذا كان في المال الجيد والردئ دل ذلك على أن منع أخذها إذا كان كل المال رديئًَا أولى: فليس بصحيح،
[ ٢ / ٨ ]
لأن الكرائم الممنوع من أخذها هو ما لا يؤخذ في الصدقة بوجه إلا أن يتطوع بذلك أربابها، كالحوامل واللبون، وهي التي منع أخذها إذا كان في المال جيد وردئ.
ونحن نقول: إن أخذها ممنوع أيضًا إلا أن يشاء ربها، وإنما نكلفه السن الوسط.
وأما قوله ﷺ: "خذ الإبل من الإبل" فقد قال عقيبه: "والشاة من الغنم"، وهذا يوجب أن تؤخذ من أربعين سخلة شاة.
وأما قول أبي بكر -رضوان الله عليه-: "والله لو منعوني عناقًا" فالمراد به: جذعة، بدلالة ما روى في بعض الحديث أن مصدقًا للنبي ﷺ امتنع من أخذ الصغيرة، وقال: "لا آخذ إلا عناقًا جذعة" وذكره أبو داود وغيره.
وقولهم: إن ذلك يؤدي إلى استغراق المال أو أكثره، فإن ذلك خلاف أصول الزكاة.
فالجواب عنه: أن الزكاة تارة تثقل وتارة تخف، فهي وإن ثقلت في هذا الموضع فإنها تخفف في موضع آخر، وهو أن تكون الإبل حوامل أو لوابن فلا يؤخذ منها غير السن الوسط.
وقوله: لما لم يكلف من الصحاح مريضة، لأن في ذلك إضرار بالمساكين، كذلك لا يكلف من المراض صحيحة: باطل، إنما لم يكلف
[ ٢ / ٩ ]
من الصحاح مريضة لأن هناك وسطًا هي عدل بين أرباب الأموال وبين الفقراء، فيجب ألا تختلف باختلاف أسنان المال.
ووزان ما قالوه أن تكون إبله كلها مراض فلا نكلفه السن الأعلى، لأن في ذلك إضرارًا به.
وقولهم: إن الاعتبار من الجنس كالتمر والزبيب: باطل من وجهين:
أحدهما: أنا جميعًا قد فرقنا في ذلك بين الماشية وبين الثمار فقلنا: إذا كان الإبل حوامل لم نأخذ منها وإن كان يأخذ من خير التمر عندهم.
والثاني: أن الماشية لا تحتاج إلى حمل. وليس كذلك التمر والزبيب، لأنه لابد فيه من حمل في الجيد والردئ منه بمثابة واحدة، وإذا أخذ السخلة والمريضة احتاج لها إلى تكلف حمل والتزام مؤنة، وفي ذلك إضرار بالمساكين.
فأما إذا أخذ مكان بنت مخاض بنت لبون فإنه يجزئه، لأنه تطوع من جنس ما عليه بأعلى منه، وليس كذلك إذا أعطى بعيرًا من خمسة مراض، لأن الذي عليه فيها شاة فلم يعطه من جنس ما عليه.
واعتبارهم [ق/ ١١٢] بالكبار باطل من وجهين:
أحدهما: أن أخذها جائز على كل وجه، وليس كذلك الصغار عند مخالفنا.
والآخر: أن في أخذ الصغار ضرر بالفقراء من الوجه الذي ذكرنا، وهو التزام المؤنة بحملها.
والله أعلم.
[ ٢ / ١٠ ]
فصل
وأما قوله: إن السخال تعد على أربابها وإن لم تؤخذ منها، فلما رويناه عن عمر أنه قال: تعد عليهم بالسخلة وإن جاء بها الراعي على كتفه، ولا تأخذها.
وروى عاصم بن ضمرة عن علي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تأخذ الكريمة ولا اللئيمة، وعد عليهم الصغيرة والكبيرة".
ولأنه نماء حادث عن مال تجب من جنسه الزكاة، فأشبه ربح المال.
فإن قيل: فقد روى الشعبي أن النبي ﷺ قال: "لا صدقة في السخال".
قيل له: ليس هو ثابت عند أهل النقل هذا الحديث، لو صح لحملناه على غير النتاج، بما ذكرناه.
فإن قيل: لأنها فائدة، وقد قال ﷺ: "لا صدقة في الفائدة" فعم.
قيل له: إذا قلنا: إن حكم هذا النتاج حكم أمه لم نقل: إنه فائدة، لأن ذلك عبارة عما لم يتقدم عليه ملك ولا أصل ملك.
فإن قيل: إنها ماشية لم يحل عليها الحول فأشبهت السخال المشتراة.
قيل له: هذا لا معنى له، لأن النتاج فرع عن أصل هو تابع له، فحكمه حكم أصله. وليس كذلك المستفاد أو غيره، لأنه أصل في نفسه فاعتبر به حكم نفسه.
وقد تكلمنا في هذه المسألة قبل هذا الموضع. فأما قوله: لا تؤخذ شاة
[ ٢ / ١١ ]
العلف، ولا فحل الغنم، ولا التي تربي ولدها، ولا خيار أموال الناس، فلما رويناه من قوله ﷺ: "إياك وكرائم أموالهم" فعم.
وقوله: "ولكن من وسط أموالكم، إن الله لم يسألكم خيره، ولم يكلفكم شره".
وروى عن النبي ﷺ أنه نهى عن أخذ الشافع -وهي الحامل.
وفي حديث عمر بن الخطاب -﵁- أنه قال لمصدقه: لا تأخذ الأكولة، ولا الربى، ولا الماخض، ولا فحل الغنم.
وروى عن يحيي بن سعيد عن القاسم عن عائشة -﵂- أنها قالت: مر عمر بن الخطاب - ﵁ - بغنم من المصدقة فرأى فيها شاة خافلا ذات ضرع عظيم. فقال عمر: ما أعطى هذه الشاة. أهلها وهم طائعون، لا تفتنوا الناس، ولا تأخذوا حزرات المسلمين نكبوا عن الطعام.
فلهذا قال مالك: إنه لا يأخذ شيئًا مما ذكروه. إلا أن ما لا يؤخذ في الصدقة على ضربين: منه ما لا يؤخذ لدنائته ونقصه كالهرمة والتيس وذات العوار. فهذا لا يجوز أخذه إلا أن يرى المصدق في ذلك نظرًا للمساكين.
ومنه ما لا يأخذه لنفاسته وقدره وكونه مجحفًا بأرباب الأموال كفحل الغنم المعد لضرابها، والماخض - وهي الحامل - وشاة اللحم - وهي المعلوفة - والربى - وهي التي تربى ولدها - إلا أن يتطوع بذلك رب الماشية فيجوز،
[ ٢ / ١٢ ]
لأن المنع من تلك ليس بضرر يعود على المساكين لكن من أجل حق ربها، فإذا طاع به جاز.
وقد روى أبي بن كعب قال: بعثني النبي ﷺ مصدقًا فأتيت إلى رجل عليه بنت مخاض فقلت له: أدها. فقال: ذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة فتية سمينة فخذها. فأتينا رسول الله ﷺ فقص عليه: فقال له رسول الله ﷺ: "ذاك الذي عليك، فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه، وقبلناه منك" قال: هي هذه قد جئتك بها فخذها. فأمر رسول الله ﷺ بقبضها، ودعا له في ماله بالبركة.
مسألة
قال ﵀: "ولا يؤخذ في ذلك عرض، ولا ثمن".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب - ﵀: والأصل في ذلك أنه لا يجوز إخراج القيم في الزكاة.
هذا قولنا، وقول الشافعي - ﵀.
وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك.
والدلالة على صحة قولنا: ما رواه ابن وهب عن سليمان بن بلال عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء عن معاذ أن رسول الله ﷺ لما بعثه
[ ٢ / ١٣ ]
إلى اليمن قال له: "خذ الحب من الحب، والغنم من الغنم، والبقر من البقر، والإبل من الإبل".
ففي هذا دليلان:
أحدهما: تعيينه ما يؤخذ من كل جنس يفيد إيجاب ذلك، وأنه متى أخرج غيره لم يجزئه.
والثاني: أنه لما ساق الجميع على أخذ الجنس من الجنس نبه بذلك على كون المنصوص عليه مستحقًا للأخذ، لكونه من الجنس، وذلك مانع من أخذ القيمة.
ويدل عليه أيضًا قوله ﷺ: "في خمس وعشرين بنت مخاض، فإن لم توجد فابن لبون ذكر"، ففي هذا الخبر أدلة:
أحدها: أنه عين بنت مخاض، فوجب بذلك انحتامها، وأن لا يجزئ غيرها.
والثاني: أنه شرط في جواز إخراج ابن لبون عدمها. ومخالفنا يجوز ذلك مع وجودها. وفي ذلك إسقاط الخبر.
والثالث: أنه عين ما يخرج عند عدمها، ولو كان إخراج القيمة جائزًا لكان لا معنى للتعيين.
والرابع: أن النبي ﷺ علق الجواز على إخراج ما يسمى ابن لبون، فاقتفى ذلك تعلق الإجزاء بإخراج ما تناوله الاسم.
ومخالفنا يراعى في ذلك أن تكون قيمته مثل قيمة بنت مخاض من غير اعتبار بالاسم [ق / ١١٣] وهذا خلاف ما راعاه النبي ﷺ.
[ ٢ / ١٤ ]
فإن قيل: لو كان جواز إخراج ابن ليون مشروطًا بعدم بنت مخاض لوجب أ، يكون مشروطًا بثمنها وقيمتها، ألا ترى أن الرقبة في الكفارة لما كان عدمها شرطًا في جواز الصوم كان عدم ثمنها شرطًا فيه؟
قلنا: ليس هذا السؤال بمعترض على الخبر، وإنما هو معترض على معنى الشرط. ومع ذلك ليس بصحيح، لأنه لو كان مالكًا للرقبة ولكن يحتاج إليها للخدمة لم يجز له الصوم.
ولو كان مالكًا لقيمتها إلا أنه محتاج إليه يجحف به ابتياع رقبة به لجاز الصوم.
وكذلك إن كانت له دار يسكنها جاز له الصوم مع وجود ثمن رقبة وإن لم يجز له مع وجود عينها.
على أن في الكفارة اعتبر في المنع من الصوم وجود الرقبة، والواجد لثمنها القادر على شرائها كالواجد لعينها وليس كذلك في الزكاة، لأن المعتبر فيها عدم الملك لعين بنت مخاض. فإذا كان مالكًا لقيمتها أو ثمنها فهو غير مالك لها.
وقد تكلمنا على هذه المسألة قبل هذا الموضع.
ويدل على ما قلناه أيضًا ما روى أن رسول الله ﷺ - فرض في صدقة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من قمح أو صاعًا من شعير.
ففي هذا دليلان:
أحدهما: أنه يفيد انحتام ما نص عليه.
والثاني: أنه نص على أشياء مختلفة، وأقوات متباينة، فلو كان الاعتبار
[ ٢ / ١٥ ]
بغير المنصوص بل بقيمته لم يكن للنص على أشياء مختلفة معنى، ولكن يكفي في ذلك النص على واحد دون غيره، فعلم بذلك أن أعيانها مقصودة.
ويدل عليه أيضًا من جهة الاعتبار أن إخراج القيمة يؤدي إلى سقوط المنصوص، لأن النبي ﷺ نص على أن في خمس من الإبل شاة، وقد تؤدي القيمة إلى نصف شاة، وذلك خلاف المنصوص فيجب منعه، ألا ترى أنه لو جاز إخراج القيمة جاز أن يخرج نصف شاة قيمته عشرة دراهم عن شاة قيمتها عشرة دراهم، ولجاز أن يخرج نصف صاع برني، وفي منع ذلك بطلان اعتبار القيمة.
ولأنه عوض عن الواجب المنصوص في الزكاة على وجه القيمة فوجب ألا يجزئ.
أصله: إذا أخرج سكنى دار لا خلاف بيننا أنه لا يجزئ.
فإن قيل: إنما لم يجز ذلك، لأن السكنى ليست بمال.
قلنا: هي في معنى المال، بدلالة أنه يجب في مقابلتها المال، على أن الاعتبار عندهم بالمعنى ﷺ لأن قيمة الشاة والبقرة ليست بعين الشاة.
فإن قيل: إن السكنى منفعة مؤجلة متأخرة، فلذلك لم يجز.
قلنا: تأخر المنفعة لا يمنع الجواز إذا كان المخرج مما يجوز إخراجه، بدلالة أنه لو وجبت عليه عن مائتين درهم خمسة دراهم فأجرجها في عشرين يومًا أو في شهر كل يوم شيئًا يسيرًا لجاز وإن تأخرت المنفعة به.
ولأن الزكاة حق يخرج على وجه الطهرة فوجب ألا تجزئ فيه القيمة.
[ ٢ / ١٦ ]
أصله: الرقبة في الكفارة، لأنه لو تصدق بقيمة العين لم يجزئه بالاتفاق. وأيضًا فلأنه حق وجب في مال مسلم لا يسقط العفو والإبراء، فلم يجز إخراج القيمة فيه اعتبارًا بالهدايا.
ولأنه لو أخرج في زكاة الفطر نصف صاع من غير قوت بلده قيمته صاع من قوت بلده لم يجزئه، لأنه إخراج زكاة بقيمة، كذلك في مسألتنا فإن قيل: إنما منعن هذا للربا، لأنه كأنه أبدل صاعًا بنصف صاع.
قلنا: لا مدخل للربا في هذا، بدلالة أنه لو أخرج صاعين بقيمة الصاع من قوت بلده لأجزأه وإن كان حكم الربا في الزيادة والنقصان واحدة.
ولأنه لو كان المنع لأجل الربا - على ما قالوه - لوجب إذا لزمه في إحدى وتسعين حقتان أن يجزئه إخراج ما خص قيمتها، لأنه لا ربا في الحيوان. فلما لم يجز ذلك بطل ما قالوه.
ويدل على ما قلناه أيضا أن إخراج القيمة عما وجب في المال من الزكاة كأنه شراء الصدقة بالقيمة، وذلك لا يجوز، لأن الصدقة وجبت للمساكين، وهذا المخرج ليس بقيم لهم ولا ولى عليهم، فلا يجوز له أن يتصرف فيما وجب عليه لهم بنقله إلى غير جنسه. ولا يدخل على شيء مما استدللنا به ما نقلوه من جواز إخراج الذهب عن الفضة والفضة عن الذهب، لأن ذلك ليس على طريق القيمة عندنا، وإنما هو بدل، لأن أحد الشيئين ينوب مناب الآخر ويسد مسده في اتفاق الغرض فيه، واستواء المنافع، وما له يراد كل واحد منهما، فإذا أخرج أحدهما كان كإخراج الآخر، ولم يكن كالقيمة.
[ ٢ / ١٧ ]
واستدل من خالفنا بقوله ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: "خذ عدله من المعارفري"، ويقول معاذ: (ائتموني بخميص أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة؛ فإنه أنفع للمهاجرين والأنصار، وأهون عليكم).
وقد علم أن الزكاة لا تجب في الثياب، وثبت زنه آخذها على وجه القيمة.
وبقوله ﷺ في صدقة الفطر: "اغنوهم عن الطلب في هذا اليوم"؛ فدل ذلك على أن الغرض ما يحصل به الغني عن الطلب والمسألة.
وبقوله ﷺ: "من بلغت صدقته جذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة أخذت، وما استيسر من شاتين أو عشرين درهمًا"، وهذا هو إخراج القيمة في الزكاة.
ويقول أبو بكر - ﵁ - في أهل الردة: والله لو منعوني عقالًا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لجاهدتهم عليه.
فالعقال لا يؤدي إلا على وجه القيمة، وهذا إنما كان في الزكاة.
قالوا: ولأنه إيصال منفعة عاجلة غير مترقبة إلى المساكين من غير با؛ فأشبه ما نص عليه.
قالوا: ولأن الواجب في الزكاة لو تعين في الجنس لتعين في العين، فلما جاوز العدول عن التعيين إلى [ق/ ١١٤] الجنس جاز عن الجنس إلى غير الجنس؛ ألا ترى أنه لما لم يجز في حقوق الآدميين العدول عن الجنس
[ ٢ / ١٨ ]
إلى غير الجنس لم يجز العدول عن العين إلى الجنس وهو في الشركة؛ لأنه لا يجوز أن يعطيه من غير ذلك المال.
قالوا: ولأنه لما جاز أنه يخرج القيمة في زكاة التجارة؛ كذلك في زكاة المواشي وغيرها.
قالوا: ولأن المبتغى في الزكاة هو المساواة ودفع الخلة، وذلك لا يتعلق بجنس ولا بعين.
قالوا: ويدل على جواز إخراج غير المنصوص فنقول: لأنه نوع مال فجاز أن يجزئ إخراجه في الصدقة اعتبارًا بالمنصوص.
فالجواب عن ذلك أن يقال: أما أحاديث معاذ فإنه وارد في الجزية، وكلامنا في الزكاة. وكذلك قوله: ائتوني بخميس ولبيس.
ويبين ذلك أنه نقلها من اليمن إلى المدينة، وعندهم أن الزكاة تعرف إلى الفقراء في الموضع الذي وجبت فيه.
وأيضًا فإن الجزية قد كانت تؤخذ من قوم من العرب باسم الصدقة؛ فيجوز أن يكون معاذ أراد هذا ك بدلالة قول النبي ﷺ له: "خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل".
وعلى أن أكثر ما في هذا أن معاذًا اعتقد جواز ذلك، واعتقاده ليس بحجة، وليس المسلم إجماعًا.
وأما قوله ﷺ: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم" فإنه مجمل فيما يقع الغني به.
[ ٢ / ١٩ ]
وقد بين في حديث آخر وهو قوله: "أدوا صاعًا من قمح أو صاعًا من شعير"؛ فوجب الرجوع فيما به يقع الغنى إلى ذلك.
وأما قوله: يأخذ منه شاتين أو عشرين درهمًا: فهذا الخبر لم يثبت عند أصحابنا، ولم يجوزوا الجبران في الزكاة، ومن يجوز ذلك فإنما يجوزه بدلًا لا قيمة؛ لأنه منصوص عليه.
وأما قول أبي بكر - ﵁ -: "والله لو منعوني عقالًا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لجاهدتهم عليه" فلا دلالة لهم فيه؛ لأن العقال صدقة عام، وليس المراد به مما يخرج بالقيمة؛ يبين ذلك قول الشاعر يذم مصدقًا كان عليهم:
سعى عقالًا فلم يترك له سبدا فكيف لو قد سعى عمرو عقالين
يريد أنه ولى علينا صدقة عام فأساء في المعاملة فكيف لو ولي صدقة عامين.
وقد قيل: إن أبا بكر أراد أخذ الناقة بعقالها.
وأيضًا فإن أبا بكر - ﵁ - أخرج هذا القول مخرج التعظيم للقصة والتكثير على من منعه حربهم، وهو عليه التسامح بترك الأداء للزكاة، وأراد أن يبين أنه يستجيز حربهم على منع القليل والكثير مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ؛ فضرب المثل في التقليل بذلك. ومثل هذا
[ ٢ / ٢٠ ]
يعلم أنه لم يقصد به عين المذكور فقط.
وأيضًا فليس في الخبر أنهم لو منعوني عقالًا مما كانوا يؤدونه في الزكاة؛ فلا يمتنع أن يكون أراد في الزكاة وغيرها وإن كان السبب الخارج هذا الكلام هو الزكاة؛ فعلم أنه لا تعلق لهم في ذلك.
فأما قياسهم على المنصوص عليه فباطل؛ لأن تجويز القيمة يؤدي إلى رفع المنصوص على ما بيناه من أنه يقتضي جواز إخراج نصف صاع عن صاع إذا كان بقيمته، ونصف شاة عن شاة.
ولا يجوز أن يستنبط من النص معنى يسقط النص الذي استنبط فيه.
وأيضًا ينتقض بسكنى الدار وخدمة العبد.
فإن قالوا: قد احترزنا عن ذلك بأن قلنا عاجلة غير مترقبة.
قلنا: إذا وجبت عليه صدقة مائتي درهم خمسة دراهم فخرج أربعة دراهم، وأسكن الفقراء داره يومًا، وسكناها ذلك اليوم يسوي درهمًا فأكثر؛ فالمنفعة متعجلة غير مترقبة فوجب انتقاض ما قالوه.
وقولهم: لو تعينت الصدقة في الجنس لتعينت في العين دعوى، وتقلب عليهم.
فيقال: لو لم يتعين في الجنس لجاز العدول إلى كل جنس كالسكنى والإخدام على أن التعلق في الجنس لا يوجب التعيين في المعنى؛ ألا ترى أن الرقاب في الكفارات تتعلق بالجنس ولا تتعلق بالعين؟.
وأما زكاة التجارة فإنها للضرورة؛ لأن الزكاة تجب في القيمة لا في العين.
[ ٢ / ٢١ ]
وقولهم: إن الفرض في الزكاة المواساة: فليس على الإطلاق، ولكن على وجه مخصوص؛ ألا ترى أنه لو دفع نصف شاة عن شاة ونصف صاع عن صاع وسكنى دار أو إخدام عبد لم يجز وإن كانت مواساة.
وقياسهم على المنصوص قد بيناه.
والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: فإن أجبره المصدق على أخذ الثمن في الأنعام وغيره أجزأه".
قال القاضي ﵀: وهذا لأن ذلك مذهب قوم من أهل العلم والحكم إذا وقع بما فيه خلاف مضاد لم يرد؛ فكأن ذلك بمنزلة حكم الحاكم بما فيه خلاف أنه يمضى ولا ينقض.
والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: "ولا يسقط الدين زكاة حب ولا ماشية".
قال القاضي ﵀: قد ذكرنا فيما تقدم في باب زكاة الدين، وبينا الفرق بين ذلك وبين زكاة الغنم بما يغنى عن إعادته هاهنا.
[ ٢ / ٢٢ ]
باب زكاة الفطر
مسألة
قال ﵀: "وزكاة الفطر سنة فرضها رسول الله ﷺ على كل صغير أو كبير ذكرًا أو أنثى، حر أو عبد من المسلمين، صاعًا عن كل نفس بصاع النبي ﷺ".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ﵀: قوله: إنها سنة فرضها رسول الله ﷺ: ظاهره الجمع بين كونها مسنونة، وذلك متناقض؛ لأن بقوله: "إنها سنة" قد أثبتها سنة بدئًا؛ لأن معنى [ق/ ١١٥] السنة في عرف الفقهاء خلاف الفريضة.
وبقوله: فرضها رسول الله ﷺ قد أثبتها واجبة؛ لأن المفروض والواجب واللازم بمعنى واحد. والجمع بني الأمرين لا يصح؛ فلابد من تأويل أحد اللفظين.
ويجوز أن يكون أراد أن وجوبها معلوم من السنة، أو أن النبي ﷺ ابتدأ فرضها.
ولكن لا فرق عندنا بين ذلك وبين سائر الزكوات في الوجوب، وهذا هو قولنا وقول الشافعي.
وعند أبي حنيفة أنها سنة مؤكدة، وليست بواجبة، وربما قال أصحابنا: أنها واجبة وليست بفريضة؛ لأنهم يفرقون بين الواجب والفرض على ما حكيناه عنهم في الوتر.
[ ٢ / ٢٣ ]
والخلاف في الموضعين واحد؛ لأنه إذا أعطى لفظ الوجوب ومنع معناه؛ فالخلاف معه ثابت.
واستدل أصحابه بما روى عن قيس بن سعد أنه قال: أمرنا بصيام عاشوراء، فلما فرض رمضان لم نؤمر به ولم ننه عنه، ونحن نفعله. وأمرنا بصدقة الفطر، فلما فرضت الزكاة لم نؤمر بها ولم ننه عنها، ونحن نفعلها.
والدلالة على ما قلنا: ما رورى مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين".
ففي هذا دليلان:
أحدهما: إخباره بأن رسول الله ﷺ فرضها، وأبو حنيفة يقول: ليست بفريضة.
والآخر: أنه سماها زكاة، وعند أبي حنيفة ليست بزكاة.
وروى ابن عباس أن رسول الله ﷺ فرض صدقة رمضان.
وروى حماد بن زيد عن النعمان بن راشد عن الزهري عن ابن ثعلبة بن صغير عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ في صدقة الفطر أدوا صاعًا من قمح أو تمر عن كل ذكر أو أنثى أو صغير أو كبير أو غنى أو فقير أو حر أو
[ ٢ / ٢٤ ]
مملوك".
ولأنها زكاة في المال؛ فأشبهت سائر الزكوات.
فإن منعوا أن تسمى زكاة دللنا عليه بما روى عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر.
ولأنه حق يتعلق بمال اليتيم كتعلقه بمال البالغ؛ فكان سائر الحقوق اللازمة.
فأما ما رواه عن قيس بن سعد فإنه دليلنا؛ لأن الشيء إذا ثبت وجوبه لم يسقط إلا بالنسخ.
وقوله إنا لم نؤمر بها: معناه أنه لم يجدد لنا أمر بها، وليس في ذلك دلالة على أنها غير واجبة؛ لأن الأمر الأول كاف في الوجوب ما لم ينسخ، وتكرار الأمر بالشيء ليس بشرط في استقرار وجوبه.
وإذا كان الأمر على ما وصفنا سقط ما تعلقوا به من ذلك.
والله أعلم.
فصل
فأما قوله: إنها على كل حر وعبد، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير من المسلمين؛ فلورود الخبر بذلك فيما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين.
[ ٢ / ٢٥ ]
وفي حديث [عبد الله بن] ثعلبة بن صغير عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال في صدقة الفطر: "أدوا صاعًا من قمح أو تمر عن كل ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، غني أو فقير، حر أو مملوك".
فأما قوله: إنها تؤدي صاعًا عن كل إنسان: فلا خلاف في ذلك فيما عدا البر، وإنما الخلاف في البر؛ فعندنا وعند الشافعي أنه لا يجزئ أقل من صاع من أي شيء أخرجه، وعند أبي حنيفة أنه يجزئ نصف صاع من بر دون غيره إلا الزبيب فعنه فيه روايتان.
واستدل أصحابه بما رواه ثعلبة بن صغير أن رسول الله ﷺ فرض صدقة الفطر صاعًا من بر عن كل اثنين.
وروى داود بن الزبرقان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "صدقة الفطر صاع من تمر أو صاع من شعير أو مدان من حنطة".
وروى الحسن عن ابن عباس قال: "فرض رسول الله ﷺ الصدقة على كل حر أو عبد، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى صاعًا من تمر أو شعير أو نصف صاع من بر".
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن رسول الله ﷺ أمر مناديه
[ ٢ / ٢٦ ]
ينادي: ألا إن صدقة الفطر مدان من القمح".
وذكروا أنه قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وجابر وعائشة ومعاوية وابن الزبير وأبي هريرة وقيس بن سعد، ولا مخالف لهم.
ولأن الزكاة إذا تعلقت بالأجناس اختلف مقدارها؛ اعتبارًا بزكاة الأموال.
والدلالة على ما قلنا: ما رواه المبارك بن فضالة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من بر على كل حر وعبد، ذكر أو أنثى من المسلمين.
وروى سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ فرض صدقة الفطر صاعًا من قمح.
وروى حماد بن زيد عن النعمان بن راشد عن الزهري عن [عبد الله بن] ثعلبة بن أبي صغير عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ في صدقة الفطر أدوا صاعًا من قمح أو تمر عن كل ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، غني أو فقير، حر أو مملوك.
وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: كنا نخرج زكاة الفطر
[ ٢ / ٢٧ ]
صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير أو صاعًا من إقط أو صاعًا من زبيب.
قال مالك ﵀: وذلك بصاع النبي ﷺ ورواه أحمد بن [ق/ ١١٦] حنبل حدثنا وكيع عن داود بن قيس الفراء عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد قال: كنا نخرج الفطر إذ كان فينا رسول الله ﷺ صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من شعير أو صاعًا من إقط. فلم نزل كذلك حتى قدم علينا معاوية المدينة قدمة فكان فيما كلم به الناس أن قال: ما أرى مدين من سمراء الشام إلا تعدل صاعًا من هذه؛ فأخذ الناس بذلك.
قال أبو سعيد: فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد رسول الله ﷺ.
ورواه محمد بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن عثمان بن حكيم بن حزام عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد قال: لا أخرج إلا ما كانت أخرج في عهد رسول الله ﷺ صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير.
فقيل له: أو مدين من قمح. قال: لا تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها.
ووجه الاحتجاج به هو أبا سعيد أخرج ذلك فخرج الاحتجاج؛ فأخبر أن إخراجها كان من عهد رسول الله ﷺ صاعًا كاملًا إلى عهد معاوية.
فإن قيل: يجوز أن يكون ذلك بغير علم النبي ﷺ فلا يكون فيه
[ ٢ / ٢٨ ]
حجة.
قلنا: هذا باطل من وجوه:
أحدهما: أن المقادير لا تؤخذ إلا توقيفًا، وليس في هذا قياس، سيما في عصر النبي ﷺ.
والثاني: أن ظاهر قول الصحابي: كنا نفعل كذا على عهد رسول الله ﷺ يفيد أنه مع علمه إلا أن يقيده بأنه كان لا يعلم.
والثالث: أنه أخرج ذلك مخرج الاحتجاج، وقد علم أن مجرد فعله لا حجة فيه؛ فقد تضمن ذلك أنه بأمر النبي ﷺ.
والرابع: أنه يبين العلة التي لم يعدل لأجلها إلى نصف صاع؛ فقال: "تلك قيمة معاوية"؛ فدل ذلك على أن ما كان يفعله على أمر النبي ﷺ.
والخامس: أن الزكاة كانت تحمل إلى النبي ﷺ؛ فبطل أن يكون لا يعلم بها.
وأيضًا فلأنه قوت يخرج في صدقة الفطر؛ فوجب أن يقدر بصاع؛ اعتبارًا بالشعير والتمر.
وأيضًا فلأن القيمة لا اعتبارًا بها في صدقة الفطر؛ بدلالة زيادة قيمة التمر على الشعير، والزبيب على التمر، وهي مع ذلك متفقة في المقدار المعتبر فيها.
فأما حديث ثعلبة فمختلف فيه عنه فروى ما قالوه وروى ما قلناه؛ فكان الأخذ بما ذكرناه أولى؛ لأنه أزيد.
[ ٢ / ٢٩ ]
وحديث ابن عمر قد روى من طريقه ما يقابله؛ فروى سليمان بن حرب عن حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: "فرض رسول الله ﷺ صدقة رمضان صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير فعدل الناس به نصفه برا" فهذا يدل على أن تقدير البر بنصف صاع حادث بعد النبي ﷺ.
وحديث ابن عباس مرسل؛ لأن الحسن لم يسمع من ابن عباس شيئًا. ويبين ضعف الحديث أن ابن عباس - هو راويه - يخالفه؛ فروى القاضي إسماعيل بن إسحاق حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن أيوب قال: سمعت أبا رجاء يقول: سمعت ابن عباس يخطب على المنبر يقول: صدقة الفطر صاع من طعام.
وروى شهاب عن محمد بن سيرين قال: قال ابن عباس في صدقة الفطر صاع عن الصغير والكبير والحر والعبد والذكر والأنثى، من جاء ببر قبل منه، ومن جاء بزبيب قبل منه.
وكذلك روى إسماعيل القاضي عن مسلم بن عرفطة قال: سمعت الحسن يقول في زكاة الفطر: صاع بر أو صاع تمر.
على أن أكثر ما في الأخبار أن تتقارب فيكون الزائد أولى.
وادعاؤهم الإجماع باطل؛ لأن ما قلناه مروي عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري وابن الزبير وغيرهم؛ فأما ابن عباس فقد روينا عنه في ذلك، وأما أبو سعيد فهو المعتمد في الاستدلال، وما روى من إنكاره على معاوية.
[ ٢ / ٣٠ ]
وأما ابن الزبير: فروى شعبة عن أبي إسحاق قال: كتب إلينا ابن الزبير: "بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان"؛ صدق الفطر صاعًا صاعًا.
واعتبارهم باطل بالشعير والتمر؛ لأنها جنسان، وقدر الزكاة فيها مختلف.
فبطل ما قالوه.
وبالله التوفيق.
فصل
لا خلاف أن صاع النبي ﷺ أربعة أمداد، وإنما الخلاف في قدر المد؛ فعندنا وعند الشافعي أن المد رطل وثلث بالبغدادي؛ فيكون قدر الصاع خمسة أرطال وثلث، وإلى هذا رجع أبو سيف.
وعند أبي حنيفة أن المد رطلان بالبغدادي؛ فلذلك قال: إن الصاع ثمانية أرطال بالبغدادي.
والذي يدل على ما قلناه نقل أهل المدينة خلفًا عن خلف وآخر عن أول أن صاع النبي ﷺ مقداره ما ذكرنا. وهذا الضرب من إجماعهم حجة على كل أهل الأمصار؛ لأنه نقل متواتر.
وعلى نحو ذلك روى أن مالكًا - ﵁ - لما جمع الرشيد بينه وبين يعقوب، وسألهما عن صاع النبي ﷺ فقال فيه مالك ما ذكرنا، وقال يعقوب: إنه ثمانية أرطال، جمع مالك النس بالمدينة وسألهم عن صاع رسول الله ﷺ فكلهم يقول: حدثنا أبى عن جدي، وأمي عن جدتي، وأخبرني سلفي وكل من أدركت من أهلي أن هذا هو صاع النبي ﷺ؛
[ ٢ / ٣١ ]
فرجع يعقوب عن قول أبي حنيفة إلى قول مالك - ﵀.
وقال الواقدي: طفت بصاع النبي ﷺ إلى مالك، وأبي الزناد، وابن أبي ذئب، وابن أبي شبرمة فوجدت عياره خمسة أرطال وثلث.
وحكى عن أحمد بن حنبل - ﵀ - أنه عيره فوجده مثل ذلك.
فوجب [ق/ ١١٧] بما ذكرناه من النقل المتواتر في ذلك من أهل المدينة - على ما وصفناه - أن يكون صاع رسول الله ﷺ هو هذا المقدار؛ كما وجب ذلك في نقلهم غزواته وموضع قبره ومنبره.
فأما قول الكرخي - فيما حكى عنه - أن أبا يوسف لم يكن من سبيله أن يرجع؛ لأن أهل المدينة لم يقولوا إنه خمسة أرطال وثلث بالبغدادي، وإنما أرادوا برطل أهل المدينة: فإته باطل؛ لأن مالكًا - ﵀ - ويعقوب ومن حضر معهما من فقهاء المدينة وغيرهم لم يخف عليهم قصد أهل المدينة في ذلك مع كثرة أهل البحث وطول الفحص وشدة اهتمام الرشيد بهذا الأمر؛ فبطل ما قالوه.
ولأن رطل أهل المدينة مائتا درهم؛ فلا يحصل منه واحد من المذهبين. وهذا الدليل هو عمدة المسألة.
ويدل عليه أيضًا قوله ﷺ لكعب بن عجرة: "أتؤذيك هوام رأسك؟ " قال: نعم. قال: "احلق رأسك وانسك بشاة، أو صم ثلاثة أيام وتصدق بثلاثة أصوع على ستة مساكين".
وروى أنه قال: "تصدق بفرق".
[ ٢ / ٣٢ ]
ولا خلاف أن الفرق ستة عشر رطلًا؛ فدل ذلك على أن الثلاثة الأصوع مقدارها مقدار الفرق.
فحصل من ذلك ما قلناه.
فأما الأخبار التي ينعلقون بها فضعيفة مطعون على ناقلها. ولو سلمت من تضعيف رواتها لم تثبت في مقابلة المتواتر؛ لأنها أخبار آحاد، وقد بينا وجه الجواب عنها فيما سلف بما فيه كفاية عن الإعادة.
فصل
ومدار الكلام في هذا الباب على إجماع أهل المدينة، ووجوب إتباعه، وهل هو حجة أم لا. فإذا بينا ذلك بأن وجه الاستدلال به على فروعه، وما بني عليه.
ونحن نذكر منه جملة مختصرة توضح من صحة ما نذهب إليه من ذلك، والله الموفق.
اعلم أن إجماع أهل المدينة حجة عند مالك وأصحابه رحمة الله عليه وعليهم، وعليه بنوا الكلام في كثير من مسائلهم؛ مثل الأذان، والإقامة، وتقديم الأذان لصلاة الفجر قبل طلوع الفجر، ومقدار الصاع والمد، وإسقاط الزكاة في الحضر، ومعاقلة المرأة الرجل إلى ثلث الدية، وبغير ذلك.
والكلام في هذا الباب في أربعة فصول:
أحدها: في بيان الإجماع الذي نذهب إلى أنه حجة.
والثاني: في الدلالة على ما نذهب إليه من ذلك، والكلام على أسئلة
[ ٢ / ٣٣ ]
المخالفين فيه.
والثالث: الترجيح بما ليس بحجة منه، واختلاف أصحابنا فيه.
والرابع: في حكم أخبار الآحاد إذا وردت في مقابلة هذا الإجماع الذي نقول إنه حجة.
وقد أكثر الناس الكلام على أصحابنا في هذا الباب، وشنعوا عليهم فيه، وصنفوا عليهم فيه الكتب من غير علم بحقيقة مذاهبهم فيه، فإذا تأمل المصنف كلامهم وجدهم قد وضعوا مذاهب وتكلموا على فسادها. وليس هذا من الإنصاف، ولا مما يرضاه أهل الدين والتحصيل. والله المستعان.
واعلم أن إجماع أهل المدينة في الأصل ضربين:
أحدهما: نقل، وما في معنى النقل.
والآخر: عن اجتهاد واستنباط.
فأما النقل: فإنه على ضروب: منه نقل قول، ومنه نقل فعل، ومنه نقل قرار، ومنه نقل ترك.
وأما الاجتهاد فيما لم يكن عندهم فيه نقل فاجتهدوا فيه؛ فأداهم اجتهادهم إلى بعض الأقاويل فصاروا إليه. وهذا يرد الكلام عليه فيما بعد.
والكلام في هذا الموضع هو في القسم الأول، وهو الذي فيه الخلاف؛ فنقول وبالله التوفيق: إن الذي يخالفنا في هذا إما أن تكون مخالفته في كون النقل الذي هذه صفته حجة، أو في أن ما يدعى وجوده من ذلك غير
[ ٢ / ٣٤ ]
ثابت وأنه إن ثبت لم يخالفه.
فإن كانت مخالفته في قيام الحجة به فذلك مخالفة لإجماع جميع أهل العلم من وجوب الرجوع إلى مخبر الخبر المتواتر إذا نقله ممن تقوم الحجة بنقله وإن لم يكونوا جميع الأمة؛ لأن شرط التواتر إذا حصل في النقل لزم العمل به، وليس من شرطه ألا يبقى أحد إلا وينقله، ولا يخالف في هذا محصل، وإن كان يخالف في أن هذا موجود في مسألتنا فنحن نبين ذلك.
وقد اختلف أجوبتهم عند هذا التقرير بعد أن حكوا مذهبنا على غير وجهه، وأضافوا إلينا ما لا نقوله نحن ولا غيرنا؛ فمن ذلك حكاية جمهورهم عن مالك - ﵀ - أنه قال: الإجماع الذي تحرم مخالفته هو إجماع أهل المدينة، وأنه لا معتبر بمن خالفهم.
وهذا ليس بقول مالك، ولا لأحد من أصحابه، ولا أعلمه قولًا لمسلم أيضًا؛ لأن الناس في الإجماع على أضرب: منهم من لا يقول به أصلًا، ومنهم من يقول بإجماع الصحابة فقط دون بعدهم وهذه طريقة أهل الظاهر، ومنهم من يقول بإجماع أهل الأعصار وهذا مذهب مالك - ﵀ - وكافة أهل العلم وفقهاء الأمصار، ويزيد مالك وأصحابه عليهم بقسم آخر وهو إجماع أهل المدينة. فأما أن يقول: لا إجماع إلا إجماع أهل المدينة، ولا معتبر بغيرهم: فغلظ عليه، وأضافه للمحال إليه.
وحكى أبو بكر الصيرفي الشافعي - من أصحابنا - في مثل هذا المسألة التي عملها في إجماع أهل المدينة فقال ما حكيته.
وقال فريق: الإجماع إجماع أهل المدينة، والخلف تبع لهم - يريد:
[ ٢ / ٣٥ ]
مالكًا وأصحابه-، وقد بينا أن هذا ليس بقولنا.
ثم قال: يقال لمن قال ذلك: ما [ق/١١٨] تعني بقولك: الإجماع إجماع أهل المدينة؟ أتعني إجماع الصحابة الذين كانوا بعد موت رسول الله ﷺ ممن هو منزله، وممن هاجر إليها فنزل بها، وممن قد تفقه فيها، ومن خرج عنها ممن ولاه رسول الله ﷺ الأمصار، ومن عماله في البلدان؟.
فإن قال: هذا أعني.
قيل له: فما يخالف في هذا الإجماع عالم ولا فقيه؛ لأنه إجماع الكافة حيث كانوا.
وإن قيل: ليس هذا أعني، ولكن إجماع البعض. قيل له: كيف يكون بعضهم حجة على بعض دون أن يكون ذلك البعض حجة على من سميت؟
ثم بني كلامه وحجاجه على هذا التقسيم.
وكل ذلك ليس بقول لنا، وقولنا خارج عن قسمته.
وجوابنا عما أوردوه أن نقول: إن مرادنا بما نذكره من إجماع المدينة؛ وهو أنا وجدناهم ينقلون حكمًا من الأحكام نقلًا متواترًا يخبر به خلفهم عن سلفهم قرنًا بعد قرن إلى أن يتصل ذلك بعصر الرسول ﷺ إما قولًا كالأدان، أو عملًا؛ كنقلهم أن أذان الصبح لم يزل يقدم على وقتها، أو بإقرار، أو ترك؛ كنقلهم ترك أخذ النبي ﷺ الزكاة من الخضر والبقول.
وهذا النقل الذي نذكر متصور معقول، لا نطالب فيه بكل الصحابة أو ببعضهم ولا بأعيانهم وأسمائهم؛ وكذلك كما ينقل أهل بلد من البلاد عن
[ ٢ / ٣٦ ]
أسلافهم قضية منتشرة بينهم يتوارثون نقلها خلفًا عن سلف وقرنًا بعد قرن، ولا يطالبون بتسمية من نقلوا عنه.
وهذا المخالف بني تقسيمة على أن إجماعهم إجماع اعتقاد متجرد عن نقل؛ فلذلك قال: إن كان إجماعًا من البعض فالبعض لا يكون حجة.
فإن قيل: فمحصول هذا يرجع على أن الاحتجاج بنقلهم الذي صفته ما ذكرتموه.
قيل له: ذلك هو.
فإن قيل: فهذا حالة للمسألة؛ لأن الكلام هو في إجماعهم، لا في نقلهم.
قيل له: من هاهنا خبطت وخلطت؛ لأنك ظننت أن مرادنا بقولنا: إجماع أهل المدينة اعتقادهم للشيء رؤية واجتهادًا، وهذا لم نرده، وله باب آخر، وهو من أدنى ما ذكرناه.
وقال آخرون: هذا جحد منكم لمذاهبكم؛ لأنكم عند التقرير عدلتم عن الإجماع إلى النقل، وكيف يسمى النقل إجماعًا؟ فعلم أن مذهبكم هو أن أهل لمدينة إذا أجمعوا على شيء كان لإجماعهم تأثير في الحكم؛ وعلى هذا تكلمنا.
فالجواب: أن هذا تقويل لنا ما ليس بقول لنا، زعموا أنه يلزمنا الاعتراف به لئلا يثبت غلطهم علينا في الحكاية عنا، وأتى شيء يلزمنا إذا عبرنا عن الفعل المجمع عليه بأنه إجماع؟ وهل هو آكد من تسمية إجماعهم على الشيء اجتهادًا بأنه إجماع لأن هذا إجماع على الحكم فقط، وفي
[ ٢ / ٣٧ ]
مسألتنا إجماع على الحكم وعلى النقل. إلا أن موضع الاحتجاج هو بإجماعهم على النقل الذي لا يختلفون فيه، وهو كنقلهم المتواتر أن هذا قبر رسول الله ﷺ ومنبره وصاعه ومده، ولم ينقل فريق منهم هذا وفريق آخر غيره؛ فيقع اختلاف في النقل بالنقل جميعهم على حد واحد وصفة واحدة.
وقد حكى شيخنا أبو بكر الأبهري - ﵀ - أنه لما وافق الصيرفي على هذا اعتراف له به، وقال له: إن الإجماع من طريق النقل لا نخالفكم فيه؛ لأن قول مالك والشافعي فيه واحد؛ فما معنى احتجاج مالك علينا فيه؟ قال: فقلت له: إن مالكًا إنما احتج به على فقهاء العراق وغيرهم الذين يخالفونه فيه.
وقال بعض من تكلم في هذه المسألة: ليس يخلو ما أجمع عليه أهل المدينة مما خالفوا فيه من أن يكون إجاعهم عن رواية اتصلت بهم لا مخالف لها فالحجة أداء الخبر دون القول والعمل.
فيقال له: لسنا نقول بهذا، ولكن نقول: إن إجماعهم هو نقلهم الذي لا مخالف عليه منهم النقل الذي وصفناه، ولا نقول: اتصل بهم، ولا نحتج، باعتقادهم لموجب النقل منفردًا عن النقل.
فأما قوله: الحجة إذا اتصل دون القول والعمل: فجوابه أنا كذل؛ نقول، ولسنا نحتج بمصيرهم إلى النقل واعتقادهم إياه، ولكن بنقلهم التواتر على أقسامه الذي قدمنا شرحها.
فإن قال: فنحن لا نمنع أن يكون الخبر حجة، وإنما ننكر أن يكون إجماعهم عليه وعملهم به حجة، فإذا سلمتم أن العمل ليس بحجة في
[ ٢ / ٣٨ ]
النقل فقد سلمتم المسألة.
قيل له: ليس الأمر على ما ظننته؛ لأن المسألة هي في نقلهم الذي وصفناه إذا نقلوه مجمعين عليه فعبرنا عن صفة هذا النقل بأنه إجماعهم، وكيف يكون قائلًا به وأنت مخالف له لقولك في الصاع والمد أنه غير الذي نقلوه، وكذلك في الأذان وزكاة الخضر وغير ذلك مما أجمعوا على نقله؟.
فإن قال: إنما قلت: إنكم قد سلمتم المسألة؛ لأن النقل إنما يحتج به بنفسه دون الإجماع عليه ولا يوصف بأنه إجماع ناقليه.
قيل له: من أين وجب هذا؟ أو لسنا نعلم ضرورة من دون الأمة أن صلاة الظهر أربع ركعات، وأنه لا يجهر في جميعها، وأن ذلك إجماع منها، وأنه مأخوذ من غير طريق الاجتهاد والقياس، بل بالنقل المتواتر المتصل؟ أفيمنعهم نقلهم له أن يسمي إجماعًا من ناقليه عليه؟ فكذلك سبيل نقل أهل المدينة.
فإن قال: فما الفائدة في [ق/ ١١٩] إجماعهم على النقل، وما الحاجة إلى ذلك في قيام الحجة بنقلهم وهو عندكم على ما وصفتموه من التواتر؟.
قيل له: أترى أنهم لم يختلفوا فينقل بعضهم ذلك وبعضهم خلافه؟.
وهذا نزاع في عبارة لا طائل فيها، ثم عندنا إلى بقية كلامه قال: أم يكون إجماعهم عن رواية قد خولفوا بمثلها كما تختلف الروايات، فإن كان كذلك فالواجب الرجوع إلى النظر بين الخبرين، وتأمل الروايتين دون تقليد أحد الفريقين.
فيقال له: ما زدت في هذا الفصل على السجع دون ذكر ما تحتاج إليه،
[ ٢ / ٣٩ ]
أو لسنا قد بينا أم الذي تريده هو نفس نقلهم دون اعتقادهم له وإجماعهم على القول به؟ فأي معنى لقولك: أو يكون اجتماعهم عن رواية قد خولفوا فيها، والحجة هي نفس الرواية.
فأما إن خولفوا فيما نقلوه فإن ينظر فإن خولفوا فيه إلى تواتر فلا حجة في أحد النقلين وإن خولفوا فيه إلى نقل آحاد كان نقلهم هو الحجة ولم يلتفت إلى النقل المخالف لنقلهم؛ لأنه آحاد في مقابلة تواتر. والمسألة مبنية على هذا القسم.
ثم قال: أو يكون إجماعهم على استنباط؛ فبإزائهم استنباط المخالفين لهم، والحق إنما يعرف بالدليل.
يقال له: أيضًا هذا تقسيم من لا يعرف قول مخالفيه، وقد بيناه؛ فلا فائدة في تكراره.
فأما إجماعهم من طريق الاستنباط فليس هو مرادنا في هذا الموضع، ونحن نذكره فيما بعد إن شاء الله.
فصل
فإذا تقرر من مذهبنا ما ذكرناه فالذي يدل على أنه حجة أتصال نقله على الشرط المعتبر في التواتر من تساوي أطرافه، وكون ناقليه من الكثرة بحيث لا يصح عليهم التشاغر والتواصل والاجتماع على الكذب، ولا خلاف في قيام الحجة فيما هذا وصفه من النقل.
فإن قالوا: هذه دعوى؛ لأنا لو سلمنا أن نقلهم لما نقلوه في هذه المسألة على هذه الصفة لم نخالفوه فبينوا ذلك.
[ ٢ / ٤٠ ]
قلنا: هذه مطالبة بوجود نقلهم الذي وصفناه، وذلك أمر مستفيض منتشر؛ لأن الذين نقلوا صاع النبي ﷺ ومده هم الذين نقلوا قبره ومنبره؛ لأن ذلك نقل جميعهم خلفًا عن سلف وقرنًا بعد قرن، وكذلك إنهم لم يطالبوا بزكاة الخضر فنقلوا القول كما نقلوا الفعل، وأن الأذان كان على الصفة التي يؤذنون بها من الترجيح والتثنية دون الإفراد الذي يدعيه أهل العراق؛ وبذلك احتج مالك - ﵀ - على أبي يوسف لما تكلما في الصاع والمد بحضرة الرشيد فقال مالك - ﵀ -: هذا صاع رسول الله ﷺ ينقله الخلف عن السلف، وبعث إلى أهل الأسواق فكانوا يأتون أقوامًا يخبرون بأن هذا صاع النبي ﷺ الذي كانوا يؤدون إليه الزكاة به يخبرهم بذلك سلفهم عن سلفه إلى أن يتصل ذلك بعصره ﷺ.
وكان أبو يوسف يتعلق برواية يرويها عن مجاهد أو غيره، فلما رأى من ذلك ما لا يمكن دفعه ترك مذهب أبي حنيفة واعترف بصحة ما يذهب إليه أهل المدينة.
وكذلك لما تكلم في الحبس والوقف، واحتج مالك بنقل أهل المدينة قرنًا بعد قرن أحباس رسول الله ﷺ وصدقاته ووقوف أصحابه؛ فرجع أيضًا أبو يوسف إلى قولهم فيه.
فإن قالوا: لو كان نقلهم ذلك متواتر - على ما وصفتم - لوجب أن نعلمه ضرورة، ولم يحسن الخلاف فيهن وكان يجب أن يكون ناقلوه أيضًا يعلمونه ضرورة، ولو كان كذلك كان مالفه جاحدًا للضرورة، وإن صرتم إلى هذا لزمكم أن تقولوا: إن أبا حنيفة وأصحابه وكافة فقهاء العراق، والشافعي وأصحابة جاحدون للضرورة، وفي هذا ما لا خفاء فيه.
[ ٢ / ٤١ ]
قالوا: ويوضح هذا أن مدعيًا لو ادعى أن هاهنا خبر واحد لم يسمع هؤلاء الذين ذكرناهم به على مر الأعصار إلى هذا الوقت، ولا أحد منهم، ولا من أصحابهم لقدحت دعواهم مع كونه نقله أخفى وأقل ظهورًا وانتشارًا؛ فادعاؤه ذلك في النقل المتواتر أبعد.
قلنا: أما قولكم أن ذلك لو كان على ما زعمناه لوجب أن يعلموه على حد ما علمناه، ولكن خفي عليكم؛ لقلة العناية به؛ لأن العلم لمخبر الخبر المتواتر يحتاج إلى مخالطة أهل الأخبار والناقلين لها ومكاثرتهم العلم به ابتداء من أول وهلة؛ ألا ترى أن كثير نقل الدين قد خفي على من لم يدخل فيه وعلى عوام الناس لقلة مخالطتهم.
فإن قالوا: فهب هذا على العامة ومن لا يخالط أهل العلم فكيف يحسن ادعاء ذهابنا عنه مع حصرنا على العلم وعنايتنا به وأنا من ذلك بحيث يعلمون.
قلنا: ليس هذا بمنكر ولا عجيب، وقد يحرص الإنسان على شيء ويقل حرصه وعنايته بطلب نظيره وما يشاركه في بابه وحكمه؛ ألسنا نحن وأنتم مع حرصنا على العلم وشد عنايتنا له ولزومنا له ومواضبتنا عليه وتوفر دواعينا على معرفة مذاهب المخالفين به ومناظرة بعضنا لبعض في المجالس وتصنيفنا الكتب فيه لشذ على بعضنا العلم بمذهب غيره في المسائل الظاهرة المنصوصة حتى يحكمها عنه بخلاف قوله ثم يسأله عنها يرجع عما حكاه إذا أخبرنا بخلافه. وأبين من هذا أنا نسمي لكم مخلفًا [ق/ ١٢٠] في مسألة من المسائل من فتنكرون أن تكونوا سمعتم بذكره وأن تكونوا علمتم وجوده في العالم فضلًا عن خلافه، ولا أحصى من كلمته من
[ ٢ / ٤٢ ]
المخالفين فذكر له خلاف ابن المواز وابن حبيب مع موضعها من العلم وتصنيفهما فيه الكتب التي ما سبقا إلى مثلها فقالوا: ما سمعنا بها ولا القوم ولا عرفنا في الفقهاء من يسمي بهذا الاسم أفترى أن هؤلاء القوم لا نعلم أنهم كانوا موجودين علمًا ضروريًا لا يخالفنا فيه شك ولا ريب على حد ما نعلم وجود مالك وأبي حنيفة والشافعي، ولكن قلة المخالطة والنظر في كتب المخالفين وسماع الأخبار بجلب هذا، ولسنا نخصكم بذلك، بل علينا مثله فيما نقل فيه مخالطتنا وسماع أخبار الناقلين له، فحصل من هذه الجملة أنه ليس كل ما علمه بعض الناس متواتر الأخبار مما يحتاج إلى حرف من العناية والبحث، ومطالعة الأخبار، ومخالطة الناقلين؛ فيجب أن يعلمه من لم يشاركه في ذلك.
ويقال لأصحاب الشافعي خاصة: ألستم تحتجون على أبي حنيفة بالنقل المتواتر في الصاع والمد؟ أيمكنكم إذا جاء بكم أصحابه بمثل ما اعترضوا علينا به من أن ذلك لو كان متواترًا لعلموه كما علمتموه أن تجيبونهم إلا بمثل ما أجبناكم به؟؛ فاعلموا أنكم إذا اعترضتم بمثله علينا فإن اعتراضكم عائد عليكم؛ فجوابه يسقط عنا.
وأما قولهم لو كان ذلك معلومًا ضرورة لم يحسن الخلاف فيه: فدعوى؛ لأن ذلك غير ممتنع فيما يحتاج إلى مخالطة وبحث؛ على ما ذكرناه في كثير من الأخبار. ولأن كثير من أهل الأصول يتقول وقوع العلم الضروري بمخبر خبر المتواتر ويحسن مناظرته عليه؛ ويبين ذلك أنه قد لا يحسن الخلاف في جملة خبر مقبول ويحسن الخلاف في تفصيله؛ ألا ترى أن "الموطأ" لمالك "والكتاب" لسيبويه معلوم في الجملة لا يحسن الخلاف
[ ٢ / ٤٣ ]
فيه ويحسن في تفصيله ومسائله؛ إذ قد يعلم الجملة من لا يعلم التفصيل؛ ولذلك حسن تجاحد أشياء معلومة هي معلومة بالتواتر أو بالآحاد، وهل هي معلومة ضرورة أو استدلالًا لما كان الحال فيها ما وصفناه!.
فأما قولهم على هذا أنه يوجب أن يكون من خالف جاحدين للضرورة: فجوابه أنا لا ندعي عليهم ذلك مع علمهم به، ولكن كما يدعون علينا مثله في بسم الله الرحمن الرحيم وغيرها، فأما أصحاب الشافعي فيلزمهم الاحتجاج على أهل العراق بنقل الصاع والمد مثل ما ألزمونا، ويقال لهم في جوابه هذا لو لم يكن ذلك معلومًا ضرورة، لكن مالك بن أنس وأصحابه وغيرهم من فقهاء المدينة ﵃ يدعون الضرورة فيما هم غير منظرين إليه ولا عالمين به؛ فما يستحسنون من الجواب في هذا فيجب أن يرضوا بمثله، وما ذكروه من خبر الواحد، وأنه لا يجوز أن يخفي على مسلم إلا أن يبين كذب مدعيه أو أن يرد على وجه مخالف العادة في الأخبار.
فإن قالوا: فقد ثبت في الجملة أن كل خبر متواتر فإنه حجة يلزم المصير إليه فما فائدة تخصيص أهل المدينة ومثله لازم في نقل كل أهل بلد؟
قيل لهم: لسنا نزعم أن الخصة تخص نقل أهل المدينة فقط دون غيرهم من أهل البلاد، ولكن لم يتفق لغيرهم من ذلك ما اتفق لهم، ولو اتفق لغيرهم مثل نقلهم لكان حجة، وليس ذلك لمعنى يرجع إلى البلاد ولا إلى من ولد فيه وأقام فيه، ولكن لأمور اتفقت لهم عدمت فيمن سواهم من مصاحبة الرسول ﷺ، وكونه بينهم، ومشاهدتهم لما يقوله ويفعله ويقر عليه أو يتركه إلى أن مات؛ فتوارثوه بينهم نقلًا كما توارثت أهل كل بلد
[ ٢ / ٤٤ ]
نقل سيرة سلطانهم وما كان تعاملهم به واستفاض بينهم معرفة غيرهم منهم؛ فكذلك سبيل غير اهل المدينة مع نقل أهل المدينة أنهم يعرفون ما عرفه أهل المدينة من قبل نقلهم إليهم؛ فكان أصل التواتر بها. فهذا وجه اختصاصهم بثبوت الحجة بنقلهم.
هذا عمد ما يورده المخالفون، وما نجده من كلامهم سواه فإنما هو على ظنهم أنا نقوله؛ فمن ذلك إفسادهم الاحتجاج لإجماع أهل المدينة للأخبار المورثة في فضلها، وهذا لا يتعلق به نحن ولا غيرنا.
ومن ذلك قولهم أن أهل المدينة بعض الأمة، والخطأ جائز عليهم، وأن الدليل إنما قام على عصمة جميع الأمة دون بعضها.
وهذا أيضًا لا تعلق فيه؛ لأنه كلام على من يزعم أن إجماعهم من طريق الاجتهاد حجة، وليس هذا مسألتنا.
ومنه أيضًا قولهم: إنه قد ذهب عليهم ما استعملوه من غيرهم ولهذا لا تمنع الحجة بمتواتر نقلهم كما لم يمنع ذلك في نقل الأمة. ونحن نعقب هذا بالكلام من إجماعهم من طريق الاجتهاد إن شاء الله.
فصل
قد بينا أن الإجماع من طريق النقل حجة، وأما إجماع أهل المدينة من طريق الاجتهاد فاختلف أصحابنا فيه على مذهبين:
أحدهما: أنه حجة يلزم المصير إليه.
والآخر: أنه ليس بحجة على انفراده، ولكن يرجح به اجتهاد غيرهم من أهل العلم كما يرجح سائر المذاهب المقتضية للترجيح. وهذا مذهب
[ ٢ / ٤٥ ]
أصحابنا البغداديين، وهو الذي كان ينصره شيخنا أبو بكر الأبهري، ويحكيه عن ابن [ق/ ١٢١] بكير، وابن متاب، وأبي الفرج، وأبي يعقوب.
والأول قول قوم من متقدمي أصحابنا، وهو الذي يدل عليه قول ابن مصعب الزهري وأحمد بن المعدل وغيرهما، وإليه أشار أبو محمد بن أبي زيد في مقدمة كتاب الكبير، وقد نصره قاضي القضاة أبي الحسن بن أبي عمرو في مسألته في إجماع أهل المدينة التي عملها نقضًا على أبي بكر الصيرفي الشافعي، واحتج من نصر هذا بأن قال: لأن المدينة لما كانت عرصة النبوة، ودار الوحين وأهلها قد شاهدوا التنزيل، وسمعوا ألفاظ الرسول ﷺ كانوا أعرف بطرق الأدلة وأبصر من غيرهم ممن ثبت له هذه المزية بوجوه الاجتهاد وطرق الاستخراج والاستنباط.
قالوا: ولأن السنن والأحكام منها ابتدئت، وعنها انتشرت إلى أهل الآفاق، وقد كان الحكم مستفيضًا بها، ثم لا يعلم بغيرها إلا بعد مدة من نقل من ينقله إليهم، فإذا وجدناهم مجمعين وترك غيره من الأقيسة؛ لأن ذلك محمول على أنه عن توقيف علموه أنه نسخ لذلك الخبر فاستغنوا عن إيراده اكتفاء بإجماعهم على خلافه كما تستغني الأمة عن نقل ما عنه اجتمعت على الحكم؛ لأنه ليس إلا ذلك. أو القول بأنهم تركوا التوفيق عنادًا إلى قول ابتدعوا، وذلك باطل.
واحتجت الفرقة الأخرى من أصحابنا بأن قالوا: إنهم بعض الأمة، والعصمة إنما تثبت لجميعها، فلا يؤمن من وقوع الخطأ منهم فيما اجتهدوا
[ ٢ / ٤٦ ]
فيه، وبذلك فارق النقل.
قالوا: وقد قال الله تعالى:﴾ فإن تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله والرسول ﴿وقال:﴾ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴿، وهذه سبل لبعض المؤمنين.
وقال شيخنا أبو بكر: وعلى هذا معنى السلف الصالح من أمة نبينا ﷺ ومن بعدهم إلى هذا العصر، ولم يحك عن أحد فيما طريقه الاجتهاد أنه قال لمن خالفه: اتبعني في الاجتهاد ودع اجتهادك من غير حجة يقيمها له أو برهان يبرهنه.
قال: ولأن طريق الاستدلال مبذول مفتوح لأهل العلم لجعلهم الله فيه شرعًا واحدًا، وإن كان قد فضل بعضهم على بعض في الفهم فلا يجب أن يكون حجة عليه.
قالوا: فأما ما تعلقوا به من معرفتهم بأسباب التأويل وطرق الدلالة: فالأمر فيه على ما قالوه، ولكنه يصلح أن يرجح به اجتهادهم.
وقولهم: إن ذلك محمول على أنه توفيق من علمهم بنسخ أو تخصيص: فبإزائه أن يقال ذلك في اجتهاد غيرهم.
فإن قالوا: فهذا ينقض ما عليه كافة فقهاء أصحابنا من ثبوت المزية لهم على غيرهم، وفضيلتهم بالمشاهدة، واختصاصهم بالقرب والمعاينة على من نأى ولم يشاهد واعتمد على خبر ينقل إليه دون المعاينة.
قلنا: ليس الأمر كذلك؛ بل كل هذه المزية ثابتة في الترجيح
[ ٢ / ٤٧ ]
باجتهادهم؛ على ما ستذكره.
وأما في تحريم غيره وترك سائر الأدلة له فلا.
وكذلك فقد أثبتنا في إجماعهم من طريق النقل وهو الذي يعتمد في كثير من المسائل.
وأما تقسيمهم أن ذلك لا يخلو أن يكون عن سنة عملوها أو بدعة أحدثوها فقد أخلو فيه بقسم آخر؛ وهو أن يكون عن اجتهاد واعتقاد كون الأمر على ما صاروا إليه، وليس في هذا أنهم أحدثوا شرعًا ابتدعوه، ولا أنه لابد أن يكون الأمر على ما ادعوه.
والله أعلم.
فصل
فإذا ثبت هذا فمتى نزلت حادثة لا نص فيها فقال أهل المدينة فيها قولًا من طريق الاجتهاد، وأدى غيرهم من أهل الأمصار اجتهادهم إلى قول يخالفه؛ فرجح القولان؛ فإن اجتهاد أهل المدينة أولى من اجتهاد غيرهم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه الشافعي: إن اجتهادهم واجتهاد غيرهم سواء.
ورأيت بعض من صنف الأصول من أصحاب الشافعي يذكر أن الخبرين إذا تعارضا وقد عمل بأحدهما أهل المدينة فإنه يرجح على الخبر الآخر؛ ويحتج في ذلك بما نحتج في هذه المسألة.
والذي يدل على ما قلناه: أن الترجيح إنما يثمر قوة الظن فيكون القول الذي يقاربه أقرب إلى الحق، وأولى إلى الصواب، ووجدنا العلماء قد
[ ٢ / ٤٨ ]
سلكوا فيما هذه سبيله طرقًا فمنها: كثرة عدد رواة الخبر، ومنها كون رواته أبصر بالحكم وأعرف وأخبر بالقصة التي ينقلها؛ كنقل أبي رافع تزويج النبي ﷺ بميمونة حال إحلاله، ونقل ابن عباس لذلك أنه كان حال إحرامه، وإن أبا رافع كان السفير بينهما؛ فالظاهر أن السفير يخبر عن أمر القصة ما لا يخبره غيره. ومثل كون الراوي أقدم صحبة للرسول ﷺ، وأكثر اجتماعًا به منه؛ كما قال الشافعي في رواية أسامة: "إنما الربا في النسيئة": إن عمر وعبادة والمشيخة أعلم برسول الله ﷺ من أسامة.
وكذلك في تفسير الراوي لأحد محتملي الخبر أو عمله به أو تعليله قولًا لصحابي، والآخر عريًا من ذلك، وأن أحد المذهبين يعضده قول صحابي والآخر قول تابعي، وما جرى مجرى ذلك.
وإذا ثبت هذه الجملة وجدنا الترجيح لاجتهاد أهل المدينة ثابتًا من عدة وجوه: منها ما ذكره أصحابنا في الفصل الذي قبل هذا؛ وهو أن لهم من حرمة القرب والمشاهدة والمعرفة بمخارج الكلام وأسباب الأحكام ما ليس لغيرهم ممن يرجع إلى أمر ينقل له وخبر يروى له؛ فكان اجتهادهم أولى؛ لأن سببه الذي بني عليه أقوى كما حكينا في وجوه ترجيحات الأخبار؛ ويدل على ذلك قوله ﷺ: "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز [ق/ ١٢٢] الحية إلى جحرها"؛ وهذا يدلك على أن ما يصيرون إليه أقرب إلى الحق والصواب من قول غيرهم كما رجح بعض من يخالفنا اجتهاد عمر - ﵁ - على اجتهاد غيره بقوله ﷺ: "الحق ينطق
[ ٢ / ٤٩ ]
على لسان عمر وقلبه"؛ ويدل عليه أن الصحابة كانوا يتوقفون على الفتيا في الحادثة إذا نزلت وهم غائبون عنها، ويؤخرون ذلك إلى وقت عودهم إليها، وروى ذلك عن ابن مسعود وابن عمر، وأشار عبد الرحمن به على عمر فقال: أمهل يا أمير المؤمنين لتقدم دار الهجرة وبها الصحابة. وقد علمنا أن ذلك لاعتقادهم أن النفوس تكون بها أشرح والاجتهاد فيها أقوى والتبين لأسبابه أمكن.
وهذه طرق واضحة في وجوب ترجيح اجتهادهم على اجتهاد غيرهم. وبالله التوفيق.
وبمثل ذلك قال الشافعي للربيع: يا بني إني والله لك ناصح إذا جاءك الأصل من أصل أهل المدينة فاشدد يديك به.
وقال: ما في الأرض كتاب بعد كتاب الله أكثر صوابًا من كتاب مالك - ﵀-.
فصل
أما الكلام في عملهم المتصل إذا عارضه خبر واحد، وأن المصير إلى عملهم هو الواجب وترك الخبر الواحد له: فالذي يدل عليه أنه إذا ثبت أن هذا العمل طريقه طريق النقل لا الاجتهاد دخل فيما دللنا عليه من أ، هـ نقل تواتر، فإذا ورد في مقابلته آحاد وجب تركها له عما يجب ذلك في تركها للقول؛ لأن الحجة في النقل المتصل عملًا كان أو قولًا.
[ ٢ / ٥٠ ]
وقد أكثر المخالفون التشنيع على أصحابنا في ذلك بتقويلهم ما لا يقولون من أنه لا يقبل الخبر إلا إذا صحبه على أهل المدينة، ورووا أخبارًا لم يصحبها عمل أهل المدينة، ولا كان عندهم علم بأحكامهم حتى رجعوا إليها من رجوع عمر في الجزية إلى خبر عبد الرحمن بن عوف، وفي توريث المرأة من دية زوجها إلى حديث الضحاك بن سفيان وغيره.
وكل هذا تقويل لنا غير قولنا، وإنما مذهبنا أن الخبر إذا روى لم يخل حاله من عمل أهل المدينة من أحد ثلاثة أمور:
إما أن يكون عملهم مطابقًا له؛ فهذا يؤكد العمل به والأخذ بموجبه. أو أن يكون عملهم بخلافه؛ فهو الذي يقول: إن عملهم أولى منه، وأن الخبر يجب أن يترك له؛ ويريد بذلك العمل المنقول.
أو أن لا يكون عندهم عمل به ولا يخالفه في المسألة لا يتصور إلا على هذا الوجه.
فأما أن نقول: لا يقبل الخبر حتى يصحبه العمل فمعاذ الله، وليس إذا قلنا أن العمل أولى منه متى كان بخلافه فوجب أن نكون قد قلنا: إنه لا يقبل حتى يصحبه العمل؛ فبان بذلك غلطهم علينا فيما يضيفونه إلينا.
وهذا الذي يذهب إليه مالك وأصحابه من ترك الخبر للعمل المنقول ليس بمذهب انفردوا به؛ بل هو مذهب أكابر التابعين؛ قال أبو الزناد في خبر وجد العمل بخلافه ألف عن ألف أحب إلي من واحد عن واحد.
وقال غيره: لو رأيتهم يتوضئون إلى الكوعين وأنا أقرأ إلى المرفقين لتوضأت إلى الكوعين.
[ ٢ / ٥١ ]
وذكر عن جماعة من التابعين أنهم يتركون أحاديث إذا سئلوا عنها قالوا: ما نجهل هذا، ولكن وجدنا العمل على غيره.
وروى أن أبا بكر بن محمد بن حزم، وكان إذا قيل له: لم لم تقض بحديث كذا؟ يقول: لم أجد العمل عليه.
والكلام في فصول هذه المسألة طويل، وقد ذكرنا ما فيه إن شاء الله مقنع وبلاغ، وأشبعنا ذلك في مقدمات كتاب "الفروق"، وتكلمنا فيه كلامًا شافيًا، والله ولي التوفيق، ثم عدنا إلى الكتاب.
مسألة
قال ﵀: "وتؤدى من جل عيش أهل ذلك البلد من بر أو شعير أو سلت أو تمر أو إقط أو زبيب أو دخن أو ذرة أو أرز.
وقيل: إن كان العلس قوت قوم أخرجت منه. وهو حب صغير يقرب من خلقة البر".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي - ﵀ - أعلم أن أول ما في هذا أن زكاة الفطر متعلقة بالأقوات فلا يجزئ أن يخرج فيها ما ليس بقوت.
هذا قولنا، وقول الشافعي.
وحكى عن أبي حنيفة جواز إخراج كل مأكول في زكاة الفطر حتى ذكر عن يونس بن بكير أنه حكى عنه أنه قال: إن أخرج صاعًا من الهليج أجزأ عنه. وهذا يدل على أنه لا يعتبر بالقوت، ولا يجوز أن يحمل ذلك على
[ ٢ / ٥٢ ]
أنه قال على أصله في القيمة؛ لأنه اعتبر الصاع.
والدلالة على ما قلنا: قول ابن عمر: "فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير الخبز"؛ فوجب بذلك حصرها على قدر ما ذكر فيها إلا أن تقدم دليل.
وقوله ﷺ: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم" وقد علم أن غناءهم إنما هو بتحصيل أقواتهم؛ لأنهم لا يستغنون بالهليج، ولأنه ليس بقوت؛ فأشبه غير المأكول.
فصل
ولا خلاف في جواز إخراج البر في زكاة الفطر، وذهب بعض من لا يعتد بخلافه إلى منعه قال: لأنه روى عن ابن عمر أنه كان لا يخرج إلا الشعير، فقيل له: قد وسع الله الخير والبر. فقال: إن أصحابي يسلكوا سبيلًا أريد أن أسلكه.
وعندنا أن هذا القول خرقًا للإجماع؛ فلا يعتبر به، ليس في هذه الحكاية عن ابن عمر أنه كان لا يجوز إخراج البر، ولا أصحابه كانوا لا يجوزون ذلك؛ فلا تعلق فيها.
ثم الذي يؤكد ما قلناه: ما رواه الزهري عن ثعلبة بن أبي صغير عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ في صدقة الفطر أدوا صاعًا من قمح أو شعير.
وروى وكيع عن داود بن قيس الفراء عن عياض بن عبد الله عن أبي
[ ٢ / ٥٣ ]
سعيد قال: "كنا نخرج صدقة الفطر إذ كان فينا رسول [ق/ ١٢٣] الله ﷺ صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من أقط".
ولأنه قوت؛ فجاز إخراجه في صدقة الفطر؛ اعتبارًا بالتمر.
فصل
وأما الأقط فإن إخراجه جائز لأهل البادية.
وللشافعي قولان:
أحدهما: أنه يجوز إخراجه.
والآخر: أنه لا يجوز.
ومن أصحابه من قال: أنه علق القول فيه.
ونكتتهم في منع إخراجه أنه قوت لا تجب في عينه الزكاة؛ فلم يجز إخراجه في زكاة الفطر؛ اعتباره اللحم و[].
والدلالة على ما قلنا: ما روى مالك عن زيد بن أسلم عن عياض بن عبد الله بن سعد أنه سمع أبا سعيد يقول: "كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب".
ورواه داود بن قيس عن عياض عن أبي سعيد فزاده فيه: "إذ كان فينا رسول الله ﷺ" ولا يجوز أن يحمل ذلك على عدم إذنه؛ لأن أبا سعيد أخرج ذلك مخرج الاحتجاج وفعله بغير إذن صاحب الشريعة لا حجة فيه.
[ ٢ / ٥٤ ]
وروى كثير بن عبد الله بن عمر، والمزني عن ربيح بن عبد الرحمن عن أبي سعيد أن رجالًا من أهل البادية قالوا: يا رسول الله إنا أولوا أموال فهل تجوز عنا من زكاة الفطر؟ قال: لا؛ فأخروجها عن الصغير والكبير والذكر والأنثى والعبد والحر، صاعًا من تمر أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من شعير".
وقال أصحابنا: ولأنه مقتات مدخر مستفاد من أصل تجب الزكاة في عينه يجزء منه الصاع؛ فأشبه الحبوب. وما ذكروه ليس بقوت عام، والسنة أولى منه.
وأما جواز إخراج الزبيب فلا خلاف فيه بين فقهاء والأمصار، وحكى عن بعض المتأخرين منعه.
والدلالة على جوازه ما روى الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير عن أبيه "أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من بر". وهذا نص.
وفي حديث أبي سعيد: "كنا نخرج على عهد رسول الله ﷺ صاعًا من تمر أو شعير أو زبيب". ورواه ابن عباس أيضًا.
ولأنه قوت مدخر؛ فأشبه التمر.
فصل
فأما التمر والشعير: فلا خلاف في جواز إخراجهما؛ ويؤكد ذلك ما رويناه من الأخبار فيه.
فأما ما عدا ذلك مما ذكرناه فإنها أقوات عامة؛ فإذا كانت عيش قوم جاز إخراجها في الزكاة؛ اعتبارًا بالمنصوص فيما يخرجه بعيش أهل البلد غالبًا.
[ ٢ / ٥٥ ]
فإن كان ممن يخص نفسه بقوت أعلى منه استحب له أن يخرج الزكاة مما يقتاته، فإن أخرج قوت أهل البلد أجزأه.
وإن كان يقتات دون قوت أهل البلد، وهو قادر على قوت أهل البلد لزمه إخراج ما يقتاته غالب الناس، ولم يجزئه إخراج ما يأكله هو.
وزعم عبد الملك بن حبيب أن هذا في غير التمر والحنطة والشعير، فأما في هذه الثلاثة الأشياء فإنه مخير يخرج.
فحصل من هذا أنه إذا كان غالب قوت أهل البلد الحنطة فأخرج هو شعير أنه لا يجزئه.
وللشافعي قولان:
أحدهما مثل قولنا.
والآخر مثل قول ابن حبيب.
والدلالة على ما قلنا: قوله ﷺ: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم". والطلب إنما هو للقوت، فإذا أعطاهم الشعير وقوتهم الحنطة فلم يغنهم عن الطلب.
ولأنه لما كان عليه إذا كان يقتات أعلى من قوتهم أن يخرج من قوتهم الغالب، ولا يلزمه أن يخرج مما يقتاته؛ كذلك إذا كان يقتات دونه فالواجب أن يخرج من غالب أقواتهم.
ووجه قول ابن حبيب قوله ﷺ: "صاعًا من تمر أو شعير"، وذلك يفيد التخيير بين هذه الأشياء؛ فمن أيها أخرج أجزأه.
والله أعلم.
[ ٢ / ٥٦ ]
مسألة
قال ﵀: "ويخرج السيد عن عبده، والصغير الذي لا مال له يخرج عنه والده، ويخرج الرجل زكاة الفطر عن كل من تلزمه نفقته، وعن مكاتبه وإن كان لا ينفق عليه، لأنه عبد له بعد".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي - ﵀: اعلم أن قولنا وقول فقهاء الأمصار أن على الإنسان إخراج صدقة الفطر عن من تلزمه نفقته في الجملة وإن اختلفنا في تفصيل ذلك على ما سنذكره.
وعند داود: أنه لا يلزم الإنسان زكاة الفطر عن أحد غيره، لا عن ولده ولا عن عبده. والدلالة على بطلان قوله ما روى أن رسول الله ﷺ قال: "أدوا زكاة الفطر عن من تمونون".
وروى الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر قال: أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر عن الصغير والكبير، والحر والعبد ممن تمونون".
وروى ابن وهب قال: كتب إلى كثير بن عبد الله عن ربيح بن عبد الرحمن عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال لقوم من أهل البادية في زكاة
[ ٢ / ٥٧ ]
الفطر: "أخرجوها عن الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والعبد والحر صاعًا من تمر أو صاعًا من زبيب.
ولأنها طهرة تحري مجرى المؤنة، فأشهبت النفقات.
فصل
فأما ولده الصغير إذا لم يكن له مال فيلزمه عندنا وعند أبي حنيفة والشافعي إخراج زكاة الفطر عنه فأما الكبير الزمن إذا لم يكن له مال، وقد لزمته نفقته فيجب أن تلزمه زكاة الفطر عنه، وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه ذلك.
ودليلنا: قوله ﷺ: "عمن تمونون" ولأنه ممن تلزمه مؤنته مع كونه من أهل الطهرة، فأشبه الصغير.
ولأن البلوغ لا يمنع من وجوب فطرته على غيره إذا كانت مؤنته لازمة لغيره، وكان من أهل الطهرة في نفسه، اعتبارًا بالعبد.
وإن قاسوه على الحر البالغ الموسر قلنا: المعنى فيه أنه [ق/ ١٢٤] لا تلزمه نفقته.
فصل
ويلزمه عندنا أن يؤدي زكاة الفطر عن زوجته المسلمة وإن كانت موسرة، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه ذلك، لما روى أن النبي ﷺ فرض صدقة الفطر عن كل حر وعبد ذكر وأنثى من المسلمين، وظاهر هذا العموم
[ ٢ / ٥٨ ]
يقتضي أن تكون فرضًا عليها عن نفسها.
ولأن كل من خوطب بإخراج زكاة الفطر عن رقبته وجب أن يكون مخاطبًا بذلك عن نفسه.
دليله: الرجل.
ولأن الزوج لما لم يلزمه أداء زكاة الفطر عن رقيقها لم يلزمه أداؤها عنها، اعتبارًا بالأجنبية ولأن منافعها مستحقة بعوض فلم يلزم مستحقها أداء الفطر عنها.
دليله: الأجير.
ولأنها زكاة فلم يتحملها عنها الزوج، اعتبارًا بزكاة المال، ولأنها عبادة متعلقة بالمال، فأشبهت الكفارات.
والدلالة على صحة قولنا: ما روى الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر قال: أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر عن الصغير والكبير، والحر والعبد ممن تمونون.
والزوجة ممن يمونها الإنسان، فلزمه أداء زكاة فطرتها عنها بهذا الظاهر. وروى أن النبي ﷺ قال: "أدوا زكاة عمن تمونون".
ولأنها من أهل الطهرة، فوجب أن يلزم فطرتها من تلزمه مؤنتها إذا كان قادرًا على ذلك.
أصله: الولد الصغير.
ولأنه التزم نفقتها بسبب يوجب التوارث من الطرفين، فوجب أن تكون فطرتها على من تلزمه النفقة الراتبة إذا كان من أهل الطهرة.
[ ٢ / ٥٩ ]
أصله: الأبوان، والولد الصغير.
ولأنها مستباحة البضع بالعقد فأشبهت الأمة. ولأن الفطرة تابعة للمؤنة فيمن هو أهلًا للطهرة، بدلالة أن العبيد لما لزمت ساداتهم مؤنتهم لزمتهم فطرتهم.
فأما قوله ﷺ: "على ذكر وأنثى" فمعناه: من يمون نفسه دون من تلزم غيره مؤنته، بدليل خبرنا.
ولا يصح قياس الزوجة على الزوج، لأن مؤنته على نفسه، والفطرة تابعة للمؤنة، وليس كذلك الزوجة. على أن إخراجها زكاة الفطر عن رقيقها دليلنا، لأنه إنما لزمه ذلك لا لتزامها مؤنتهم، فلما كان الزوج ملتزمًا لمؤنتها لزمه أداء فطرتها كما لزمها هي في رقيقها.
ولا يصح اعتبارها بالأجنبية، لأنه لا يلزمه مؤنتها، ولا بالأجير أيضًا، لأن مؤنتها يقصد بها الوصلة لا المعاوضة المحضة، ففارقت الأجير.
ولا يصح اعتبارها بزكاة المال، لأن موضوعها يختلف، وذلك أن زكاة المال طريقها طريق العبادات، فالإنسان يختص به في نفسه من غير أن يخاطب غيره به عنه، وما طريقه المؤن فهو تابع للنفقة، ألا ترى أن مخالفنا قد فرق بينهما في اليتيم فأوجب في ماله زكاة الفطر دون زكاة المال، وتفارق الكفارات، لأنها لا تصح النيابة فيها على وجه. وليس كذلك الفطرة، لأن التحمل يصح فيها، بدلالة أن على الرجل أن يخرجها عن أصاغر ولده وعن عبيده، والله أعلم.
فأما عبده المكاتب فعنه في إلزامه إخراج فطرته روايتان:
[ ٢ / ٦٠ ]
أحداهما: أن ذلك يلزمه.
والأخرى: أنه لا يلزمه.
فوجه قوله إنه يلزمه، اعتبارًا بالعبد والأمة وأم الولد والمدبر، بعلة وجود الرق مع كونهما من أهل الطهرة.
ووجه قوله إنه لا يلزم أن زكاة الفطر تابعة للنفقة، فلما لم يلزم السيد النفقة على مكاتبه لم يلزمه إخراج فطرته.
فصل
فأما اشتراطه أن يكون المخرج عنه مسلمًا فهو قولنا، وقول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يلزمه أن يخرج عن عبيده الكفار زكاة الفطر، لقوله ﷺ: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر".
ولقوله: "ممن تمونون" فعم.
وفي الأخبار على كل حر وعبد مسل أو نصراني.
ولأن المؤدي من أهل الطهرة فوجب أن تلزمه نفقة رقيقه.
أصله: إذا كان العبد مسلمًا لمسلم.
ولأن كون العبد كافرًا لما لم يمنع وجوب الزكاة فيه للتجارة لم يضع وجوب الفطرة عنه إذ الاعتبار بالسيد المزكي عنه، لا بالعبد.
والدلالة على ما قلنا: ما روى عكرمة عن ابن عباس قال: فرض رسول الله ﷺ - زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمًا للمساكين.
[ ٢ / ٦١ ]
وفي حديث آخر: زكاة الفطر بلى ذكر فرض. فأخبر عن صفة الزكاة، وعن علة فرضها، وهي كونها طهرة للصائم، فنفى بذلك وجوبها عن الكافر، ولأنه ليس بصائم، فلا تكون طهرة له.
فإن قيل: فليس في الخبر ذكر لصائم دون صائم، فيقول: إنها طهرة للسيد.
قلنا: هذا فاسد من وجهين:
أحدهما: إن الظاهر أن المراعي في الطهرة للصائم والمخرج عنه، لا المخرج، لأن ما طريقه التكفير من اللغو والرفث لا يحصل بالأداء عن الغير.
والوجه الآخر: إن الإجماع حاصل على أن طهرة الشخص الواحد صاع واحد، وأنتم توجبون عليه صاعين:
أحدهما عنه، والآخر عن غيره، فيصير الصاع الآخر طهرة عن ليس بصائم.
وأيضًا قوله ﷺ: "على كل حر وعبد ذكر وأنثى من المسلمين" فدل ذلك على أن الكفارة بخلافهم، وأنه ليس من أهل الطهرة، فلم يلزم أن تخرج عنه الفطرة.
دليله: العبد الكافر إذا كان لكافر، والأبوان الكافران. ولأن حال السيد آكد من حال عبده، وقد ثبت أن السيد لو كان كافرًا لم تلزمه فطرة نفسه، فبأن لا تلزمه عن غيره أولى.
ولأن الاعتبار بالمؤدي عنه لا بالمؤدي، يدلك عليه أن المسلم يلزمه أداء
[ ٢ / ٦٢ ]
الفطرة عن أبيه المسلم، والكافر لا يلزمه أداء الفطرة عن أبيه الكافر، لأن المؤدي عنه ليس من أهل الطهرة.
ولو ارتد ابن المسلم لسقط عن أبيه أداء الفطرة، لأن الذي يؤدي عنه صار من غير أهل الطهرة [ق/ ١٢٥]، ويبين هذا عندنا في الابن إذا بلغ زمنًا فقيرًا، أو ارتد أن فطرته تسقط عن الأب. وعلى مذهب أبي حنيفة في الصغير إذا ارتد، لأن ردته صحيحة عندهم.
فأما قوله ﷺ: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر" فمفهومه أن عليه أن يؤدي عنه الفطرة في الجملة، وأن الفطرة ليست كزكاة الرقاب.
فأما شروطها والأحوال التي إذا كان العبد عليها أديت عنه ينبئ الخبر عنه.
وقوله: "ممن تمونون" مقيد بقوله: "من المسلمين" وقوله: "مسلم أو نصراني" غير معروف ولا ثابت، فلا يلزمنا الجواب عنه.
وقولهم: إن المؤدي من أهل الطهرة فأشبه إذا كان العبد والسيد مسلمين: لا معنى له، لأن الاعتبار المودي عنه على ما ذكرناه على أن المعنى في الأصل كون المؤدي عنه من أهل الطهرة، وليس كذلك في الفرع.
واعتبارهم بزكاة التجارة باطل، لأنها تكون طهرة للسيد، وزكاة الفطر طهرة للمخرج عنه، فإذا لم يكن من أهل الطهرة لم تلزم عنه، على أنه باطل بما ذكرناه من ارتداد الابن.
والله أعلم.
[ ٢ / ٦٣ ]
مسألة
قال ﵀: ويستحب إخراجها إذا طلع الفجر من يوم الفطر".
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي - ﵀: والأصل في ذلك قوله تعالى:﴾ قد أفلح من تزكى * وذكر اسم رب فصلى ﴿. قيل في تأويله: أدى زكاة الفطر، ثم خرج لصلاة العيد، فروى إسماعيل بن إسحاق حدثنا أبو ثابت حدثنا عبد الله ابن نافع المدني عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده: سئل رسول الله ﷺ ممن قوله تعالى:﴾ قد أفلح من تزكى ﴿قال: "زكاة الفطر".
وروى عبيد الله عن نافع قال: كان ابن عمر إذا صلى الغداة قال: يا نافع أخرج الصدقة، فإنما أنزلت في هذا:﴾ قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى ﴿.
وروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز وأبي العالية. هذا من الظاهر.
فأما من الأثر: فما رواه موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة.
وروى حكيم بن حزام عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ
[ ٢ / ٦٤ ]
يقول: "قربوا قبل خروجكم زكاة الفطر".
والمعنى في ذلك هو أن يستغني بها الفقير في ذلك اليوم عن الطلب.
واستحب قبل الصلاة، ليشتغل الفقراء بالصلاة عن الطلب في ذلك الوقت، وفي جملة اليوم، وقد وردت السنة بهذا، قال النبي ﷺ: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم".
فصل
فأما وقت وجوبها فتخرج فيه روايتان:
إحداهما: أنها تجب بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان.
والأخرى: أنها تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر.
وللشافعي - ﵁ - قولان:
وعند أبي حنيفة - ﵀ - أنها تجب بطلوع الفجر.
وكان أبو بكر بن الجهم يقول: الصحيح من قول مالك أنها تجب بطلوع الشمس يوم الفطر وهذا ليس بشيد مما سنذكره.
فوجه قوله إنها تجب بغروب الشمس ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان.
فأضافها إلى الفطر من رمضان، وحقيقة ذلك لا تكون إلا بغروب الشمس، لأن ذلك أول فطر يتعقب خروج رمضان.
[ ٢ / ٦٥ ]
وسألوا عن هذا فقالوا: إطلاق اسم الفطر لا يتناول إلا زمانًا يصح في مثله الصوم، وزمان الليل لا يصح فيه الصوم، فلم ينتظمه الخبر.
الجواب: إن هذا باطل، لأنه لو لم يتناول الليل لما قالوه لوجب ألا يتناول يوم الفطر به أيضًا، لأن صومه لا يصح في الشرع، ولكان لا يجب أن يسمى يوم الفطر كما لا يسمى بذلك، لأن حكم يوم الفطر في أنه لا يصح الصوم فيه كحكم أجزاء الليل، فعلم بذلك بطلان ما قالوه. على أن اسم الفطر متعلق على زمان الليل باللغة والشرع، فأما الشرع: فقوله ﷺ: "إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم"، فسمى زمان الليل زمان فطر.
وقوله ﷺ: "للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه".
فأما اللغة: فإن الفطر ضد الإمساك الذي هو الصيام، لأن الإنسان لا يخلو من هذين الحالين، وهما يتعاقبان عليه الصوم والفطر، فإذا انتفى عنه الوصف لأحدهما ثبت له الوصف الآخر.
وسألوا فقالوا: لو تناوله الخبر ليلة الفطر لتناول سائر ليالي رمضان، فعلم بذلك أنه ﷺ لم يرد الليل، لأنه وقت الفطر في تضاعيف رمضان أيضًا.
فالجواب: أن هذا لا يعترض على الخبر، لأن لوجوب علق بالفطر في
[ ٢ / ٦٦ ]
رمضان، وهذا يقتضي أن يكون فطرًا عن جميع رمضان لا عن بعضه، فبطل ما قالوه.
وسألوا أيضًا فقالوا: روى أن النبي ﷺ قال: "فطركم يوم تفطرون" فأضافه إلى اليوم دون الليلة.
فالجواب عن هذا أنه خص اليوم بذلك لمعنى، وهو أنه أول فطر من رمضان نهارًا، فأما ليلة شوال فإنه أول فطر يتعلق رمضان ليلًا بالخبر الذي رويناه، فثبت أن اسم الفطر من رمضان يتعلق على الموضعين.
فإن قالوا: فلم صرتم بأن تعلقوا حكم الوجوب بالليل بأولى منا أن نعلقه بالنهار؟
قلنا: لأنه أول ما يسبق إلى تناول الاسم كما فعلنا ذلك في الأب وفي التفرق بالقول، وكما فعلناه نحن في الشقيقين، وغير ذلك.
وسألوا أيضًا فقالوا: لو كانت ليلة شوال فطرًا من رمضان لم يسم الزمان الذي بعدها فطرًا، ألا ترى أن يوم الفطر لما سمى بذلك لم يسم ما بعده باسم الفطر؟
فالجواب أن هذا حجة حجة لنا، لأن اسم الفطر لا يتناول يوم الفطر إلا بتقييد الزمان، لأنه يقال: [ق/ ١٢٦] يوم الفطر، وهذا يوم الفطر، وقد وجدنا هذا يستعمل في الليلة أيضًا فيقال: ليلة الفطر كما يقال: يوم الفطر.
فإن قيل: معنى ذلك الإضافة إلى اليوم الذي يقع فيه الفطر.
قيل له: هو للأمرين معًا.
[ ٢ / ٦٧ ]
وجواب آخر: وهو أنه إنما يسمى ذلك، لأنه أول فطر من جنس زمان صوم رمضان، فلم يقع الاسم على ما قبله من جنسه.
هذه جملة الأسئلة على الخبر.
ومن الدلالة على ما قلنا: ما رواه ابن عباس قال: فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر طهارة للصيام من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين.
فأخبر عن المعنى الذي من أجله فرضت، وهو أن تكون طهرة للصائم أو من هو في حكم الصائم، وذلك يفيد أن من صام رمضان ثم مات قبل طلوع الفجر فقد وجبت عليه الزكاة. فأما من ولد بعد غروب الشمس فلم يدرك الصوم ولم يحصل له تحرم بإدراكه فلم يتعلق به حكم الوجوب، ولأنه لم يدرك شيئًا من رمضان فلم يلزم إخراج الفطرة عنه.
أصله: إذا ولد بعد طلوع الفجر يوم الفطر.
ولأن كل ليلة فحكمها حكم اليوم الذي بعدها إلا ليلة عرفة، يبين ذلك أن ليلة شوال من شوال، وكذلك ليلة رمضان، وكذلك إذا أراد الاعتكاف دخل قبل غروب الشمس إلى معتكفه ليستوفي اليوم بليلته.
وإذا ثبت ذلك ثم اتفقنا على أن من ولد يوم الفطر لا يحرم إخراج الفطرة عنه، كذلك من ولد ليلة الفطر.
فهذا وجه هذا القول.
ووجه القول أنها تجب بطلوع الفجر ما روى أنه ﷺ فرض زكاة الفطر
[ ٢ / ٦٨ ]
من رمضان. وإطلاق الفطر من رمضان لا يفهم منه إلا يوم الفطر.
وقوله ﷺ: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم"، فنبه بذلك على ما تعلق الوجوب باليوم.
ولأنه حق في مال يخرج يوم عيد على طريقة المواسة، فوجب أن يتعلق بطلوع الفجر.
أصله: الأضحية.
ولأنه فطر في ليل، فأشبه تضاعيف الشهر.
ولأنه أدرك طلوع الفجر يوم الفطر وهو في ماله، فأشبه إذا أدرك الطرفين.
فهذا وجه هذا القول.
والأول أنظر وأقيس، وقد مضى في أدلته ما هو جواب عن هذا.
وبالله التوفيق.
[ ٢ / ٦٩ ]
مسألة
قال ﵀: "ويستحب الفطر فيه قبل الغدو إلى المصلى، وليس ذلك في الأضحى، ويستحب في العيدين أن يمضى في طريق ويرجع في أخرى".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي - ﵀: قد بينا ذلك في باب صلاة العيدين بما يغني عن إعادته، فلذلك لم نعده هاهنا.
كمل آخر كتاب الزكاة.
[ ٢ / ٧٠ ]
بسم الله الرحمن الرحيم