وقوله: «وإن كان أحدهما غائبًا،» يعني: أنَّ له إذا قدم الغائب أن يأخذه بحقه الذي أخَّره السلطان به الحاضر والقادم؛ لأنَّ على ذلك كتبا على أنفسهما، ثمّ يرجع المأخوذ منه الحق منهما على صاحبه.
•••
[١٦٣٤] مسألة: قال: وإذا تحمَّلت المرأة عن ابن زوجها بدينٍ ورهنته بذلك عبدًا لها عنه، فحل الأجل وهو غائبٌ، فتدفع ذلك بالسلطان أوثق لها، وإن دفعته بغير السلطان، أجزأها (^١).
• إنَّما قال ذلك؛ ليثبُتَ لها عند السلطان ما تدفعه من الحق، فترجع به على من تحملت عنه، وذلك أحوط لها.
فإن فعلت بغير سلطانٍ جاز لها ذلك.
وإنما هذا جواب مسألةٍ سُئل عنها مالك، فأشار بذلك.
•••
[١٦٣٥] مسألة: قال: ومن أحال رجلًا على رجلٍ وهو مليءٌ أو مفلسٌ، قد عَلِمَ بفَلَسِه، ثمّ رضي به وبرَّأه منه، فليس له أن يرجع على صاحبه.
وإن أحاله على مفلسٍ لا يعرفه، فإنّه يرجع عليه؛ لأنّه غره ولم يطَّلع منه على مثل ما اطلع هذا (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٢٣).
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٢٣)، المختصر الصغير، ص (٦٦٧)، موطأ ابن وهب، القضاء في البيوع، ص (٧٣)، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٢٤١].
[ ٢ / ٧٣٤ ]
• إنَّما قال: «إنه لا يرجع المحتال في الحوالة على المُحِيلِ الذي كان عليه الدَّين، متى فلَّس المحتال عليه أو كان مفلسًا فعلم به صاحب الحق - وهو المحتال -؛ لأنَّ الحوالة هي بيع دَينٍ بدَينٍ، باع صاحب الحق دَينه الذي له على زيدٍ بالدَّين الذي لزيدٍ على عمرو، فليس له أن يرجع على زيدٍ متى مات عمرو أو أفلس؛ لأنَّ حقه قد وجب على عمرو وفي ذمّته دون ذمة زيدٍ (^١).
وذلك مخالفٌ للحمالة والكفالة والضمان على ما ذكرناه؛ لأنَّ هذه وثيقةٌ وليس بيع شيءٍ بشيءٍ.
فأمّا إذا غره بِفَلَسٍ فإنّه يرجع على من غَرَّهُ؛ لأنَّ ذلك عيبٌ لم يرض به صاحب الحق، كما يرجع المشتري على البائع بأرش العيب إذا دلَّس له بالعيب، أو يرد السلعة إن كانت باقيةً.
والحوالة هي بيع دَينٍ بدَينٍ على ما ذكرنا، وهي مستثناةٌ من جملة الدَّين بالدَّين؛ لأنّها معروفٌ، كما كانت العَرِيَّةُ مستثناةً من المزابنة؛ لأنّها معروفٌ، وكما جاز قرض الدرهم بالدرهم إلى أجلٍ، وكذلك الطعام بالطعام؛ لأنَّ ذلك معروفٌ.
وقد رَوَى مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله صلى الله عليه قال: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ، فَلْيَتْبَعْ» (^٢).
ولو جاز أن يرجع المحتال على المحيل، لَمَا كان لذكر الملاء وجهٌ إذا كان له أن يرجع إذا لم يحتل على مليء.
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ٢٤٢]، هذه الفقرة عن الأبهري.
(٢) أخرجه مالك [٤/ ٩٧٢]، ومن طريقه البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم [٥/ ٣٤]، وهو في التحفة [١٠/ ١٨٨].
[ ٢ / ٧٣٥ ]
فإن قيل: قد رُوِيَ عن عثمان في الحوالة أنّه قال: «يَرْجِعُ إِلَى مَنْ أَحَالَه، وَلَا تَوَىً (^١) عَلَى مَالِ امْرِئ مُسْلِمٍ» (^٢) (^٣).
قيل: هذا مرسلٌ عن عثمان (^٤)، وإن صحَّ، فقد يجوز أن يكون أراد الحمالة، فنقله الراوي على لفظ الحوالة.
ويجوز أن يكون أراد إذا غرَّه المحيل بِفَلَسٍ، فيطابِقُ ما رُوِيَ عن عثمان ما ذكرناه من شهادة الأصول بصحَّة ما قلناه.
ورَوَى عبدة، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن: «إِذَا احْتَالَ عَلَى مَلِيءٍ، ثُمَّ أَفْلَسَ بَعْدُ، فَهُوَ جَائِزٌ عَلَيْهِ» (^٥).
ورَوَى أبو الأحوص، عن مغيرة (^٦)، عن إبراهيم، قال: «كُلُّ حَوَالَةٍ تَرْجِعُ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أَبِيعُكَ مَا عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا وَكَذَا، فَإِذَا بَاعَهُ فَلَا يَرْجِعْ» (^٧).
_________________
(١) قوله: «تَوَىً»، التوى: هو الهلاك، ينظر: مواهب الجليل [٢/ ١٦٣].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١٢٣٤.
(٣) ينظر الاعتراض في: بدائع الصنائع [٦/ ١٨].
(٤) يعني: أن معاوية لم يدرك عثمان بن عفان ﵁، وكذا قال البيهقي في السنن الكبرى [١١/ ٥٤٧].
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة [١٠/ ٦٥٦].
(٦) المغيرة بن مقسم الضبي مولاهم الكوفي الأعمى، ثقة متقن إلّا أنّه كان يدلس، ولا سيما عن إبراهيم، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٩٦٦).
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة [١٠/ ٦٥٦].
[ ٢ / ٧٣٦ ]
ورَوَى يحيى بن زكريا، عن ابن أبي غَنِيَّةَ (^١)، عن الحكم (^٢)، قال: «لَا يَرْجِعُ فِي الحَوَالَةِ إِلَى صَاحِبِهِ» (^٣).
وهذا قول جماعة علماء المدينة.
•••
[١٦٣٦] مسألة: قال: ومن أحال رجلًا بدَينٍ له على مُكَاتَبِهِ، ففلس المُكَاتَبُ أو عَتَقَ أو مات، فإنّه يرجع إلى سيد المُكَاتَبِ، وإن أحاله في أول نجمٍ أو آخره، فذلك سواءٌ.
وإنما الحَوْلُ (^٤): أن يُحَوِّلَ الرجُلُ الرجُلَ على مالٍ له على الذي أحيل له، فذلك الحَوْلُ الذي لا يرجع (^٥) به صاحبه على من أحاله.
فإن كان إنَّما أحاله عليه ولم يكن له عنده شيءٌ فأفلس الذي أحيل عليه، فإنّه يرجع إلى صاحبه الذي أحاله؛ لأنَّ ذلك حمالةٌ وليس بحولٍ (^٦).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ كتابة المكاتب ليست بدَينٍ لازمٍ؛ لأنّها تسقط بعجز
_________________
(١) عبد الملك بن حميد بن أبي غنية الخزاعي، الكوفي، ثقة، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (٦٢٢).
(٢) الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي، ثقة ثبت فقيه، إلّا أنّه ربما دلس، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٢٦٣).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة [١٠/ ٦٥٦].
(٤) قوله: «الحَوْلُ»، كذا في شب، وفي المطبوع: «الحوالة».
(٥) قوله: «الذي لا يرجع»، كذا في شب، وفي المطبوع: «الذي يرجع».
(٦) المختصر الكبير، ص (٣٢٣).
[ ٢ / ٧٣٧ ]
المكاتب، والحوالة إنَّما تكون إذا أُحيل صاحب الحق على دَينٍ ثابتٍ، لا على حقٍّ غير ثابتٍ.
وقد ذكرنا الفرق بين الحمالة والحوالة (^١)، وأنه يَرْجِعُ في الحمالة الذي لم يعطه الحمِيل؛ لأنّها وثيقةٌ كالرهن، وأنه لا يرجع في الحوالة؛ لأنّها بيع دَينٍ بدَينٍ، إلّا أن يكون غرَّه بِفَلَسٍ فإنّه عيبٌ، كما يرجع المشتري في العيب على البائع.
•••
[١٦٣٧] مسألة: قال: ومن كان عليه خمسون دينارًا، فأحيل عليه رجلٌ بمئةٍ، فخمسون حوالةً لا يرجع فيها، وخمسون حمالةً يرجع بها (^٢).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الحوالة إنَّما هي تحولٌ من دَيْنٍ إلى دَيْنٍ، فالذي تحول منه خمسون التي للمُحيل على المحتال عليه، وخمسون حمالةً، فيرجع بها إذا لم يُعطه الحمِيل، ولا يرجع بالحوالة؛ لأنّها وجبت للمحتال على المحتال عليه.
•••
_________________
(١) ينظر: المسألة رقم ١٦٢٢.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٢٣).
[ ٢ / ٧٣٨ ]