[١٦٣٨] قال: وما ادَّانَ به السفيه، فلا يلحقه ذلك إذا صلُحَت حاله، وذلك مخالفٌ للعبد (^١).
• إنَّمَا قالَ ذلك؛ لأنَّ السفيه ممن لا تجوز عقوده وأخذه وإعطاؤه؛ لنقصه في نفسه، لا من أجل حقِّ غيره عليه، ولو لزمه ما استدانه إذا صَلُحَت حاله، لَمَا كان للحجر عليه فائدةٌ.
فأمّا العبد، فإنّه لم يُحْجَر عليه من أجل نقصه، وإنما حُجِر عليه من أجل حق السيد، فإذا زال عنه حقُّ السيد لزمه ذلك.
ألا ترى: أنَّ السيد لو أذِنَ له في ذلك للزمه، وليس يجوز ذلك في المحجور عليه، فافترقا لهذه العلة.
واتبع العبد بما يستدينه، ولم يتبع المحجور عليه به إذا صلحت حاله؛ لأنَّ الذي داينه أتلف ماله (^٢).
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٢٤)، المختصر الصغير، ص (٦٦٨)، موطأ ابن وهب، القضاء في البيوع، ص (٧٤)، المدونة [٤/ ٧٣]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٤٦]، البيان والتحصيل [١٠/ ٤١٢].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ٤٦]، هذا الشرح عن الأبهري.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
[١٦٣٩] مسألة: قال: ومن أراد أن يحجر على ولِيِّهِ، فَلْيَحْجُرْ عَلَيْهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ، حتى يوقفه للناس ويُسْمَعَ به في مجلسه، ويُشْهِدُ على ذلك، وَيَرُدُّ بَعْدَ ذَلِكَ مَا بُويِعَ به (^١).
• إنَّمَا قالَ ذلك؛ لأنْ يشتهر أمره ويعرِفُ النّاس حالَه، فيمتنعوا من معاملته ومداينته، فيجب أن يكون ذلك عند الحاكم؛ ليُظْهِره ويُشْهِره في مجلسه وغيره؛ لأنَّ في ذلك احتياطًا له ولغيره من الناس.
•••
[١٦٤٠] مسألة: قال: وإذا مات المُوَلَّى عَلَيْهِ وقد ادَّانَ، فلا يقضى عليه، وهو في موته بمنزلته في حياته، إلّا أن يوصي بذلك في ثلثه، فيكون ذلك له إذا بلغ مثله الوصية (^٢).
• إنَّمَا قالَ ذلك؛ لأنَّ المُوَلَّى عَلَيْهِ ليس ممن يُدَايَنُ مِثْلُهُ، فمن داينه فقد أتلف ماله إن كان عالمًا بأنه مُولَّى عليه، أو قَصَّر في تركه تَعَرُّفَ ذلك إن لم يعلم، ولو لزمه ما استدانه، لَمَا كان للحجر عليه فائدةٌ.
فأمّا وصيته بذلك في ثلثه، فإنّه يجوز إذا كان صحيح التمييز، كما تجوز وصية الصبي إذا كان مثله يميز وكان ذلك في ثلثه؛ لأنّه لمّا جاز أن يوصي بثلثه
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٢٤)، وقد نقل هذا النص عن ابن عبد الحكم، الجصاص في أحكام القرآن [١/ ٦٦٩]، وينظر: موطأ ابن وهب، القضاء في البيوع، ص (٧٤)، المدونة [٤/ ٧٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٢٤)، النوادر والزيادات [١٠/ ٩٨].
[ ٢ / ٧٤٠ ]
ابتداءً لمن لم يأخذ منه شيئًا وينفُذُ ذلك، جاز أن يوصي به لمن أخذ منه شيئًا على وجه الدَّين، والله أعلم.
•••
[١٦٤١] مسألة: قال: وإذا بلغ الولد، فله أن يخرج عن أبيه وإن كان أبوه شيخًا ضعيفًا، إلّا أن يكون الابن مُوَلَّى عليه أو سفيهًا أو ضعيف العقل يُخاف عليه، فلا يكون ذلك له (^١).
• إنَّمَا قالَ ذلك؛ لأنَّ الابن إذا بلغ فقد ملك أمر نفسه وتدبيرها، وكذلك تدبير ماله إذا كان رشيدًا مميزًا، فله أن يفعل ما شاء في نفسه وماله إذا كان مما يجوز فعله، وله أن يخرج عن أبيه وينفرد بنفسه.
فإن كان سفيهًا أو مُوَلَّى عليه، فإنّه لا يجوز أن يخرج عن ولاية أبيه وحجره؛ لأنّه ليس بأهلٍ أنْ يلي نفسه وماله، لأنَّ الحجر يزول عن الإنسان بالبلوغ مع إيناس الرشد، وذلك هو التمييز والصلاح في التّصرف في المال دون الفساد والتبذير، وقد قال الله ﷿: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:٥]، أي: أموالهم، بدلالة قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٢٤)، النوادر والزيادات [١٠/ ١٠٠]، البيان والتحصيل [١٠/ ٤١٢].
[ ٢ / ٧٤١ ]
وإنما يزول السفه بالبلوغ والرشد، يعني (^١): البلوغ، وإذا لم يكن كذلك، لم يجز دفع المال إليه؛ لأنّه في الحجر بَعْدُ، وكذلك لا يجوز له أن يخرج عن ولاية أبيه.
ولهذا المعنى قال مالك: «إنَّ الحجر على السفيه واجبٌ وإن كان بالغًا، إذا كان مبذرًا لماله غير رشيدٍ فيه» (^٢)؛ لأنَّ المعنى الذي من أجله وجب أن لا يُدْفَع المال إلى الصغير والمجنون هو السفه وأنَّه ليس رشيدًا لماله والتصرف فيه، فإذا وُجِدَ ذلك في الإنسان بعد بلوغه وجب الحجر عليه؛ لأنَّ في ذلك معونةً على الخير ومنعًا من الفساد، وقد قال الله ﷿: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢].
•••
[١٦٤٢] مسألة: قال: وإذا تزوَّجت المرأة بالبلد وولدت، فأراد أبوها الخروج بها وكرهت فراق ولدها، فذلك لها، وليس ذلك لأبيها (^٣).
• إنَّمَا قالَ ذلك؛ لأنَّها إذا تزوجت ودخل بها زوجها وكانت صحيحة العقل والتمييز، فقد خرجت من حجر الأب، وملكت نفسها ومالها والتصرُّف فيهما، فلها أن تقيم حيث شاءت، وتخرج حيث شاءت، وليس لأبيها منعها من ذلك؛ لأنّها قد خرجت عن حجره.
فإن كانت سفيهةً فلأبيها منعها من ذلك؛ لأنّها في حجره.
_________________
(١) قوله: «يعني»، كذا رسمها في شب، ولعلها: «بعد».
(٢) ينظر: المدونة [٤/ ٧٥].
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٢٤)، البيان والتحصيل [٤/ ٣٤٣].
[ ٢ / ٧٤٢ ]
وكذلك له منعها من مالها حتى يُؤْنِسَ رُشْدَهَا بتمييزها وعقلها، فيكون ذلك لها.
•••
[١٦٤٣] مسألة: قال: ومن تصدق على أمِّهِ وهو مُوَلَّى عليه بدارٍ حياتَهَا، ثمّ مَرْجِعُها إليه، فأجاز ذلك وليه، فلا يجوز ذلك، وليس ذلك له، ولا ينبغي أن يُشْهَدَ عليه، ومن شهد على ذلك فليمح شهادته، وإن أبوا ذلك، فليرفعه إلى السلطان حتى يرده أو يجيزه (^١).
• إنَّمَا قالَ ذلك؛ لأنَّ المُوَلَّى عَلَيْهِ لمّا لم يجز له التّصرُّف في ماله على وجه المعاوضة، كان تصرُّفه على غيرها أولى، وسواءٌ وهب ذلك لأمِّهِ أو غيرها من ذوي أرحامه، لا يجوز له ذلك، ولا تجوز الشّهادة عليه، ولا للحاكم أن ينفذ ذلك، إلّا أن يرى له وجهًا، بأن تكون الأم محتاجةً إلى مال ابنها المحجور عليه، فيجيز لها الحاكم ذلك؛ لحاجتها إليه؛ لأنَّ كفايتها لقوتها وكسوتها ومسكنها واجبٌ لها في مال ابنها، محجورًا عليه كان أو غير محجورٍ.
•••
[١٦٤٤] مسألة: قال: ومن ولَّاه السلطان كبيرًا ضعيف العقل وهو كثير المال، وفرض له نفقته، وهو يخرِجُ له جوائز وأعطيةٌ، فلا ينبغي أن يعطيه منها شيئًا إلّا بالسلطان (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٢٤)، البيان والتحصيل [١٣/ ٤١٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٢٤).
[ ٢ / ٧٤٣ ]
• إنَّمَا قالَ ذلك؛ لأنَّ السفيه لا يجوز دفع شيءٍ من ماله إليه، من أي وجهٍ حدث له مالٌ، بل يُنْفَقُ عليه حسب كفايته وحاجته، ولا يجوز له أن يدفع إليه شيئًا يستغني عنه؛ لأنَّ في ذلك إتلاف ماله، ولا يجوز لمن يلي سفيهًا أنْ يُتلف شيئًا من ماله، فمتى فعل ذلك، لزمه غُرْمه.
•••
[١٦٤٥] مسألة: قال: وإذا رأى الولي من يلي عليه يبيع ويشتري، فليس على الولي في ذلك شيءٌ يَلْزَمه (^١) (^٢).
• إنَّمَا قالَ ذلك؛ لأنَّ المُوَلَّى عَلَيْهِ لا يجوز بيعه وشراؤه، قد عُلِمَ ذلك من حاله، فمتى باعه أو اشترى منه، فقد أتلف ماله، وليس سكوت وليه رضًا بذلك؛ لأنَّ من عرف حاله وجب عليه امتناعه من ذلك، وإن لم يعرف حاله، وجب عليه تَعَرُّفَهَا.
•••
[١٦٤٦] مسألة: قال: وإذا تجر المُوَلَّى عَلَيْهِ في السوق وماله بيد وصيه، ولا يُعْرَف منه إلّا خيرًا، ويكون وصيه قد أراد أن يختبره، فيدَّانُ دَينًا، فإنَّ ذلك يبطل عنه وإن كان وصيه قد خلَّى بينه وبين التجارة، إذا كان ماله بيد غيره (^٣).
_________________
(١) قوله: «فليس على الولي في ذلك شيءٌ يَلْزَمه»، كذا في شب، وفي المطبوع: «فليس يلزمه في ذلك شيءٌ».
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٢٤).
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٢٥)، المدونة [٤/ ٧٣]، النوادر والزيادات [١١/ ٣١١].
[ ٢ / ٧٤٤ ]
• إنَّمَا قالَ ذلك؛ لأنّه لا يخرج من الحجر الذي هو عليه إلّا بفك الحاكم عنه ذلك ودفعه ماله إليه وإذنه له في التصرُّف، واختبار الوصي إياه بإذنه في البيع والشراء ليس فكًا لحجره مما داين قبل زوال الحجر.
•••
[١٦٤٧] مسألة: قال: وإذا كان للموَلَّى عليه أختٌ فتزوجت، فأراد صلتها، فلا يُخلَّى بينه وبين ذلك، ولا ينبغي له أن يجيز ذلك له (^١).
• إنَّمَا قالَ ذلك؛ لأنَّ المُوَلَّى عَلَيْهِ لا يجوز له التّصرُّف في ماله بإخراجه بعوضٍ وغير عوضٍ على وجهٍ، إلّا بإذن من يليه، فمتى فعل ذلك، كان لمن يليه رَدُّ ذلك، ولو جاز فعله، لَمَا نفع الحجر عليه شيئًا، ولا كان في ذلك حفظ ماله.
•••
[١٦٤٨] مسألة: قال: وإذا كسب المُوَلَّى عَلَيْهِ مالًا بيده، نزعه منه وليه، وإنْ كان كَسَبَهُ وسعى فيه (^٢).
• إنَّمَا قالَ ذلك؛ لأنَّ المُوَلَّى عَلَيْهِ يجب منعه من ماله كله وتصرُّفه فيه، سواءٌ كان ذلك من كسبه، أو غير ذلك من وجوه الفوائد؛ لأنّه غير موضعٍ لحفظ ماله وكونه في يده وتصرُّفه فيه؛ لأنَّ ذلك سببٌ لإتلاف ماله الذي قد أُمِرنا
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٢٥).
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٢٥)، البيان والتحصيل [١٣/ ٤٥].
[ ٢ / ٧٤٥ ]
بحفظه عليه، بقوله ﷿: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء:٥].
•••
[١٦٤٩] مسألة: قال: وإذا باع المُوَلَّى عَلَيْهِ ثوبًا بثلاثين درهمًا، ثمّ باعه المشتري بأكثر، ثمّ باعه الذي اشتراه أيضًا بأكثر، ثمّ صبغه الآخر بدينارٍ، فيُقَوَّمُ على المبتاع أيضًا بغير صبغٍ، ويترادَّان الأرباح فيما بينهم، ولا يكون لأحدٍ في ذلك ربحٌ، وما أخذ اليتيم من ذلك بطل عنه (^١).
• يعني: أنهم يتراجعون فيما بينهم بالثمن، ويُؤخذ الثوب إذا كان باقيًا؛ لأنّه لم يزل عن ملك المُوَلَّى عَلَيْهِ ببيعه إياه.
وإن كان قد تلف، كان على الذي تلف عنده قيمته إذا كان تلفه بصبغه.
ولا يلزم المحجور عليه شيءٌ في ماله؛ لأنَّ من اشتراه منه أتلف ماله بدفع المال إلى من لا يجوز له دفعه إليه وشراؤه ممن لا يجوز شراؤه منه.
وإن كان قد صبغه أحدٌ منهم [] (^٢) حقه الذي وجب له في مال المحجور عليه، وإنما يمنع من حق المحجور عليه وماله دون ما زاد عليه.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٢٥).
(٢) ما بين []، قرابة سطر كامل ساقط من التصوير.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
[١٦٥٠] مسألة: قال: وإذا تكارى المُوَلَّى عَلَيْهِ الدابَّة فتعدَّى عليها فتلفت، فلا ضمان عليه (^١).
• إنَّمَا قالَ ذلك؛ لأنَّ الذي أكرى دابته من المُوَلَّى عَلَيْهِ هو الذي أتلفها حيث سلَّطه عليها وائتمنه عليها، فلا يلزم المُوَلَّى عَلَيْهِ قيمتها في ماله ولا كراؤها؛ لأنَّ ربها أتلفها بدفعها وكرائها ممن لا يجوز له كراؤها منه ولا ائتمانه عليها لحفظها، فمن قِبَلِه أتي؛ لأنّه لا يخلو أن يكون عالمًا بحاله، فقد اختار إتلاف ماله، أو غير عالمٍ، فقد قصر بترك تعرفه، وذلك فمن قِبَلِهِ أُتِيَ في إتلاف ماله في الوجهين جميعًا.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٢٥)، النوادر والزيادات [١١/ ٣١١].
[ ٢ / ٧٤٧ ]