[٢٠٨٨] قال عبد الله: قال مالكٌ: ومن ضُرِبَ مُوضِحَةً (^٢) فصارت مُنَقِّلَةً (^٣) فله عَقْلُ المُنَقِّلَةِ، وإن ذهبت عينه فله عَقْلُ مُوضِحَةٍ وعقل عَيْنِهِ، ولو ذهبت يده ورجله، لكان له عقل المُوضِحَة واليدِ والرِّجْلِ (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الدّية تجب لِمَا استقرَّ عليه أمر الجرح، فإذا استقرّ على شيءٍ ما، كانت ديته إن كانت مسمّاةً، وإن لم تكن، كانت فيه حكومةٌ.
وهذا في جرح الخطأ؛ لأنَّ الجاني هو سبب ذهاب الأعضاء ومنافعها؛ لِأَنَّهَا ذهبت بجنايته.
_________________
(١) قوله: «العقول»، هي جمع عقلٍ، وهي الدِّيَة، وعَقَلْت القتيل: أي: أعطيت ديته، وعقلت عن القاتل، أي: لزمته ديةٌ فأديتها عنه، ينظر: طلبة الطلبة، ص (١٦٨).
(٢) قوله: «مُوضِحَةً»، سيبيِّن الشارح معناها، ص (٢٤٩)، وهي الجرح الواقع على الرأس أو الوجه، حيث توضح العظم وتبدي بياضه، فيما أوضحت عظم الرأس والجبهة والخدين، ينظر: المنتقى للباجي [٧/ ٨٧]، الموسوعة الفقهية الكويتية [٣٩/ ٣١٥].
(٣) قوله: «مُنَقِّلَةً»، سيبيِّن الشارح معناها، ص (٢٤٩)، وهي الجرح الواقع على الرأس أو الوجه، حيث يكسر العظم، ويزيله عن موضعه إلى موضعٍ آخر، سواء أوضحته أو هشمته، أم لا، ينظر: المنتقى للباجي [٧/ ٨٩]، الموسوعة الفقهية الكويتية [٢١/ ٨٢].
(٤) المختصر الكبير، ص (٣٨١)، الموطأ [٥/ ١٢٨٧].
[ ٣ / ٢٦٦ ]
وكذلك الجرح إذا كان عمدًا، فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ منه بعد اندماله؛ لجواز أن ينتقل إلى غيره، ولا يجوز القَوَدُ منه قبل استقراره.
•••
[٢٠٨٩] مسألة: قال: ومن عَضَّ أُصْبُعَ رجلٍ، فبرئ منها، فمات (^١)، فَإِنَّهُ يُقْسِم ولاته إن أحبّوا.
وإن شُلَّت أصبعه: فإن قُدِرَ على أن يُصْنَعَ بالجارح مثل ذلك، فُعِلَ به (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحُكْمَ بالقسامة واجبٌ كما ذكرنا، فإذا مات المعضوضُ أُصْبُعَه، أقسم أولياؤه أَنَّهُ مات من العضّة، ثمَّ كان لهم القَوَدُ مِمَّنْ عضَّه؛ لأنَّ موته كان بفعله.
وكذلك يقاد من أصبعه إذا شُلَّت إن قُدِرَ على ذلك؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤].
وإذا لم يمكن القَوَدُ في الجرح، كانت فيه ديته، بمنزلة المأمومة والجائفة والمنَقِّلَةِ، أنَّ في ذلك الدّية وإن كانت عمدًا؛ لتعذُّرِ القَوَدِ في ذلك كلّه.
•••
_________________
(١) المسألة في المدوَّنة [٤/ ٦٥٦]: في رجل قطع يد رجلٍ، فعفا عنه، ثم مات بسبب القطع.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٨١)، المدوَّنة [٤/ ٦٥٦]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٢٢].
[ ٣ / ٢٦٧ ]
[٢٠٩٠] مسألة: قال: وليس على الجارح قَوَدٌ، إلَّا في الجرح الَّذِي أصاب بعينه، فَأَمَّا ما يبرأ من الجراح ففيه العقل، إلَّا أن يبلغ ذلك النَّفس فيقتل به.
ولا يكون في شيءٍ من الجراح قَسَامَةٌ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، فليس يجوز أن يُقْتَصَّ من الجاني أكثر مِمَّا جنى، وإن آل جَرْحُه إلى أكثر مِمَّا جَرَح، لكنّه يُقتص منه مثل الجرح:
(فإن آل جَرْحُه إلى مثل ما استقرت عليه جرح الأول، فقد أخذ حقه - أعني: المجروح -.
(وإن نقص عن ذلك، عقل الجارح ما بينهما؛ لأنَّهُ قد أتلف على الرّجل بجنايته عضوًا ومنفعة عضوٍ، فوجب عليه بدل ذلك.
(وإن زاد جرح المقتَصِّ منه على جرح الأوّل، لم يكن على الأوّل شيءٌ؛ لأنَّهُ لم يتعدّ بأخذ القَوَدِ، وإنّما فعل ما له فعله، وذلك بمنزلة الحاكم إذا أقام الحدّ على رجلٍ فمات منه، فلا شيء على الحاكم في ماله، ولا على عاقلته؛ لأنَّهُ فَعَلَ مَا لَهُ فِعْلُهُ، فكذلك المجروح إذا استقاد، ثمَّ مات الجارح أو زاد جرحه على الأوّل، لم يكن على المستقيد شيءٌ؛ لأنَّهُ فعل ما له فعله.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٨١)، الموطأ [٥/ ١٢٤٩]، المدوَّنة [٤/ ٢٩ و٥٦٢]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٥٥٨].
[ ٣ / ٢٦٨ ]
ولأنَّ الجاني هو المعتدي الظّالم، وقد قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى:٤٢].
•••
[٢٠٩١] مسألة: قال: وإذا جُرِحَ الرَّجُلُ، فترامى جُرْحُه إلى ما هو أعظم منه، فَإِنَّهُ يستقاد من الجارح بِقَدْرِ الجُرْحِ الأوّل.
فإن برأ ما جَرَحَه إلى مثل ما ترامى جُرْحُ المجروح أوّلًا أو أكثر، كان ذلك بذلك، وإن جاء دون ذلك، عُقِلَ له ما بينهما (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يتعدَّى في القصاص الموضع الَّذِي وقعت الجناية فيه إلى غيره، ولا إلى أكثر منه، إلَّا أن يؤدّي إلى النفس فيكون فيه القَوَدُ؛ لأنّ الجناية تقرّرت على القتل، فجزاؤها القتل، كما قال الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، وقال: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤].
وقوله: «إذا استقر جُرْحُ المستقيد، وزاد جُرح المستقاد منه عليه، أنَّه لا شيء على المُستقيدِ»؛ فذلك لِمَا قد ذكرناه، وهو أَنَّهُ فَعَلَ ما له فِعْلُهُ وأَخَذَ حقّه، ولم يكن متعدّيًا في ذلك، فكان كالإمام يجلد إنسانًا في حدٍّ فيموت منه، فلا شيء عليه في ماله ولا على عاقلته؛ لأنَّهُ فعل ما له فعله، وكذلك المستقيد لا شيء عليه فيما زاد المستقاد منه؛ لأنَّهُ فَعَل ما له فعله، والجاني هو الظّالم.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٨١)، المدوَّنة [١٣/ ٤٢١].
[ ٣ / ٢٦٩ ]
[٢٠٩٢] مسألة: قال: وفي المُوضِحَةِ في الوجه خمسون دينارًا، ويزاد فيها بقدر الشَّيْنِ على ما يُرَى (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ أوجب في الموضِحَةِ خمسًا من الإبل، وهي نصف عُشْرِ الدّية، ونصف عشر الدّية إذا كانت ذهبًا خمسون دينارًا، وإذا كانت ورِقًَا ستّمئة درهم.
ورَوَى الحكم بن موسى، حدثنا يحيى بن حمزة (^٢)، عن سليمان بن داود، حدثنا الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ اليَمَنِ، أَنَّ فِي المُوضِحَةِ خَمْسًَا مِنَ الإِبِلِ» (^٣).
وقوله: «إنَّه يُزاد فيها بقدر الشَّين»؛ فلأنَّ الشَّين كَأَنَّه جُرْحُ غير المُوضِحَةِ، فيُجْتَهَد فيه.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٨١)، الموطأ [٥/ ١٢٤٣]، المدوَّنة [٣/ ٣٩٠]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٣٥].
(٢) يحيى بن حمزة بن واقد الحضرمي، أبو عبد الرحمن الدمشقي القاضي، ثقة رُمِيَ بالقدر، من الثامنة. تقريب التهذيب، ص (١٠٥٢).
(٣) أخرجه النسائي في الكبرى [٦/ ٣٧٣]، وهو في التحفة [٨/ ١٤٧].
[ ٣ / ٢٧٠ ]
[٢٠٩٣] مسألة: قال: ومن جرح رجلًا مِلْطَاةً (^١) فصارت مُوضِحَةً، أُقِيدَ من مِلْطَاةٍ، فإن صارت مُوضِحَةً فذلك بذلك، ولا عقل له (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز له أن يُتَعدَّى في القصاص الموضع الَّذِي وقعت الجناية فيه؛ لقول الله جَلَّ ثناؤه: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤].
فإن زاد جرح المُستقيد على جرح المُسْتَقَاد منه، عقل ما بينهما؛ لأنَّهُ سبب ذهاب عضوه أو منفعته أو الجناية عليه، وإن جاء مثله فقد أخذ حقّه.
•••
[٢٠٩٤] مسألة: قال: ومن أصاب رجلًا بضربةٍ في رأسه، فذهبت منه يده ورجله:
(فيُفْعَلُ (^٣) له ذلك إن كان خطأً.
(وإن كان عمدًا اقتُصَّ له بقدر الجرح الأوّل، وعُقِلَ له ما بعد ذلك (^٤).
_________________
(١) قوله: «مِلْطَاةً»، المِلطاةُ هي القشرة الرقيقة التي بين عظم الرأس ولحمه، وبها سميت الشجة التي تقطع اللحم كله وتبلغ هذه القشرة، ينظر: المنتقى للباجي [٧/ ٨٩]، المغرب للمطرزي، ص (٤٤٦).
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٨١)، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٢٦]، البيان والتحصيل [١٦/ ٨٥].
(٣) قوله: " فيُفْعَلُ"، كذا في جه، والمطبوع، وهو تصحيف، صوابه: "فيعقل"، كما هو السياق، وفي البيان والتحصيل [١٦/ ١٠٥]: " فقضي له بعقل ذلك كله"، والله أعلم.
(٤) المختصر الكبير، ص (٣٨١)، البيان والتحصيل [١٦/ ١٠٥].
[ ٣ / ٢٧١ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا ذهبت عن جنايته؛ فعليه ديتها؛ لِأَنَّهَا سبب ذهابها، وقد ذكرنا هذا.
•••
[٢٠٩٥] مسألة: قال: ومن شجَّ رجلًا مُوضِحَةً فصارت مُنَقِّلَةً، فإن أراد أن يأخذ عَقْلَ المُنَقِّلَةِ فذلك له؛ لأنَّ الضَّربة هشَّمت العظم، والبَطُّ لا تأتي منه مُنَقِّلَةٌ، والمُنَقِّلَةُ ما طارت فِرَاشُهَا (^١) (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المنقِّلة إِنَّمَا حدثت عن الضّربة لا عن العلاج بالبطّ والشق؛ لِأَنَّهَا تهشم العظم.
وقوله: «ما طار فراشها»، يعني: انتقل من العظم شيءٌ أو خرج منه.
•••
[٢٠٩٦] مسألة: قال: ومن شَجَّ رجلًا مُوضِحَةً فصارت مُنَقِّلَةً عند العلاج، استُقِيدَ منه مُوضِحَةٌ، ثمَّ عُقِلَ له ما بين المُوضِحَةِ والمُنَقِّلَةِ.
ولو عُلِمَ أنَّهَا كانت مُنَقِّلَةً من أوّل ضربةٍ، كان له فيها ما في المُنَقِّلَةِ (^٣).
_________________
(١) قوله: «فراشها»، الفراش هي العظام الرقاق، يركب بعضها على بعض في أعلى الخياشيم، كقشر البصل، يطير عن العظم إذا ضرب، ينظر: شرح مختصر خليل للخرشي [٨/ ١٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٨٢)، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٢٤]، البيان والتحصيل [١٦/ ١٠٥].
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٨٢)، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٢٥].
[ ٣ / ٢٧٢ ]
• يعني: من الدّية لا القَوَدِ؛ لأنَّهُ لا قَوَدَ في المنقِّلة عنده، قال مالكٌ: «لم يبلغني أنَّ أحدًا أقاد منها غير ابن الزبير» (^١)؛ لأنَّهُ لا يُتَوصَّلُ إلى المماثلة فيها، وكذلك في الجائفة والمأمومة؛ لأنَّهُ جُرْحٌ على مضٍّ (^٢) في البدن، لا يُوقَف على غوره.
ولأنَّ في المنقّلة والمأمومة والجائفة فيهما خوفًا عظيمًا على النّفس، ولا قَوَدَ فيها لهذا المعنى أيضًا.
فأمَّا الموضِحَة ففيها القَوَدُ؛ لأنَّهُ يُتوصل إلى القَوَدِ فيها، ويُعْرَف غورها وحدّها؛ لأنَّ الموضحة ما أوضح عن العظم، وحَدُّ ذلك معروفٌ.
•••
[٢٠٩٧] مسألة: قال: وكلُّ ما كُسِرَ من الإنسان - يدٌ أو رجلٌ - عمدًا، لم يُقَدْ منه ولم يعقل، حَتَّى يبرأ جرح صاحبه فيقاد منه.
(فإن جاء جُرح المستقاد منه مثل جرح الأوّل حين يصحّ، فهو القَوَدُ.
(وإن زاد جرح المستقاد منه، فليس على المجروح الأوّل شيءٌ.
(وإن برئ جرح المستقاد منه وشُلَّ المجروح الأول، أو برئت جراحه
_________________
(١) ينظر قول مالك في: النوادر والزيادات [١٣/ ٥٠٠]، وأثر ابن الزبير في الموطأ [٥/ ١٢٦١]، ومصنف ابن أبي شيبة [١٤/ ١٥٠].
(٢) قوله: «على مضٍّ»، كذا في جه، وفي شرح التلمساني للتفريع [١٠/ ١٣٩]، نقلًا عن الأبهري: «غائصٌ».
[ ٣ / ٢٧٣ ]
وبها عيبٌ أو نقصٌ، لم يَسْتَقِدِ الجارح (^١) ثانيةً، ولكن عليه عقل ما بينهما، فإن مات المُقْتَصُّ منه فلا قَوَدَ فيه (^٢).
• إنّما قال: «إنه لا يُستقاد من الجرح حَتَّى يبرأ صاحبه»؛ لأنَّهُ لا يُدْرَى على ما يتقرّر أمره، على ذهاب النّفس أم غيرها من الأعضاء، فيراعى ذلك؛ حَتَّى يقع القَوَدُ موقعه، أو يستقر حكم الدّية؛ لأنَّهُ لا يُدْرَى ما هي ولا ما يؤول أمر الجرح إليه فيُحْكَم فيه.
وقوله: «إنَّ جرح المستقاد منه إن زاد أو مات منه فلا شيء على المستقيد»؛ فلأنّه فَعَلَ ما له أن يفعله، وليس يقدر أن يأخذ حقّه بغير الوجه الَّذِي أخذه، كما لا يقدر الإمام أن يأخذ الحدّ بغير الوجه الَّذِي أخذه، فلا شيء عليه فيما حدث بعد ذلك، وقد ذكرناه (^٣).
•••
[٢٠٩٨] مسألة: قال: وإذا ضرب النَّفرُ الرّجُلَ حَتَّى يموتَ تحت أيديهم، قُتِلُوا به جميعًا (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾
_________________
(١) قوله: «يَسْتَقِدِ الجارح»، كذا في جه، ولعلها: «يُسْتَقَد من الجارح».
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٨٢)، الموطأ [١٥/ ١٢٨٧]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٣٦].
(٣) ينظر: المسألة [٢٠٩٠].
(٤) المختصر الكبير، ص (٣٨٢)، الموطأ [٥/ ١٢٩٨]، المدوَّنة [٤/ ٦٥٢]، النوادر والزيادات [١٤/ ٦٠].
[ ٣ / ٢٧٤ ]
[البقرة:١٧٨]، وكلُّ واحدٍ من هؤلاء يقع عليه اسم قاتلٍ، وقد قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء:٣٣]، فجعل الله تعالى لوليِّ المقتول أن يقتل مَنْ قَتَلَ وليّه، سواءٌ كان واحدًا أو جماعةً.
ولأنه لو لم تُقتل الجماعة بواحدٍ؛ لأدَّى ذلك إلى الهرج والفساد وقتل النّفوس؛ لأنْ لا يشاء أحدٌ قتل أحدٍ إلَّا دعا معه غيره فَقَتَلا، حَتَّى يكون (^١) عليهم القَوَدُ.
وقد روِّينا عن عمر بن الخطاب ﵁، أنَّه قتل سبعةَ نفرٍ بواحدٍ، وقال: «لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ» (^٢).
وفي ترك قتل الجماعة بواحدٍ، زوال ما جعل الله ﷿ في القصاص من الحياة؛ لأنَّ الجماعة كانت تَقْتُلُ واحدًا فلا تُقْتَلُ به.
•••
[٢٠٩٩] مسألة: قال: وإن هو مات بعد ضربهم كانت قَسَامةً، وإذا كانت قسامةً، لم تكن إلَّا على واحدٍ، وعلى هذا الأمر عندنا في الرِّجال والنِّساء والعبيد والإماء (^٣).
• يعني: إذا حُمِلَ المضروب، ثمَّ مات بعد ذلك، لم يُقتل أحدٌ مِمَّنْ يُدَّعى
_________________
(١) قوله: «حَتَّى يكون»، كذا في جه، ولعلها: «حَتَّى لا يكون».
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٠٥٢.
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٨٢)، الموطأ [٥/ ١٢٩٨]، النوادر والزيادات [١٤/ ٦٠].
[ ٣ / ٢٧٥ ]
أَنَّهُ قتله - إذا لم تكن بيّنةٌ - بغير قسامةٍ؛ لجواز أن يكون موته كان بغير سبب ضَرْبِ من ضَرَبَه، إِنَّمَا هو بمعنى آخر عَرَضَ له.
وإذا كانت قسامةً، كانت على واحدٍ من الجماعة دون الباقين، وقد ذكرنا هذا (^١).
وقوله: «وعلى هذا الأمر عندنا في الرِّجال والنِّساء والعبيد والإماء»، يعني: أَنَّهُ يُقْتَل رجالٌ برجلٍ، ونساءٌ بامرأةٍ، وعبيدٌ بعبدٍ، وإماءٌ بأمةٍ، لا أنَّه يُقتل حرٌّ بعبدٍ، ولا حُرَّةٍ بأمةٍ.
•••
[٢١٠٠] مسألة: قال: وإذا أَمْسَكَ الرَّجُلَ للرَّجُلِ فَقَتَلَهُ:
(فإن كان أمسكه وهو يرى أَنَّهُ يَقْتُلُهُ، قُتِلَا به جميعًا.
(وإن كان لا يرى أَنَّهُ يقتُلُهُ، وإنّما يضربه كما يضرب النّاسُ، لا يرى أَنَّهُ عَمَدَ لقتله، قُتِلَ القاتل، وعوقب الممسك أشدّ العقوبة، وحُبِسَ سنةً (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الممسك مشاركٌ في القتل كالجارح، والإمساك فيجب القَوَدُ فيه.
ألا ترى: أنَّ رجلًا لو أمسك رجلًا وضغطه حَتَّى مات، لقُتِلَ به، فكذلك الممسك إذا شارك غيره؛ لاشتراكهما في القتل، مع جواز أن تكون الرّوح
_________________
(١) ينظر: المسألة [٢٠٥٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٨٢)، الموطأ [٥/ ١٢٨٤]، النوادر والزيادات [١٤/ ٦٥]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٩٩٣].
[ ٣ / ٢٧٦ ]
خرجت بفعل أحدهما دون الآخر، كما يجوز ذلك في الجارحين، ثمَّ مع ذلك يكون عليهما القَوَدُ.
فإن قيل (^١): فيجب على هذا، إذا قطع رجليه، ثمَّ قتله آخر، أن يُقتلا؛ لأنّهما قد اشتركا، وكذلك إذا ناول رجلٌ آخر سكينًا فقتل بها رجلًا، وجب أن يكون عليهما القودُ؛ لأنّهما قد اشتركا؟
قيل له: لا يشبه ما ذكرته ما قلنا؛ لأنَّ الممسك مشاركٌ للقاتل في حال القتل، قد اجتمع فعلاهما في زمنٍ واحدٍ، وليس كذلك ما ذكرته من مناولة السّكين وقطع الرِّجلين؛ لأنَّهُ لم يتفق فعلاهما في زمنٍ واحدٍ اشتركا فيه.
فإن قيل (^٢): فيجب أن يكون الحدّ على من أمسك امرأةً، فزنا بها آخر؟
قيل له: لا يجب ما قلت؛ من قِبَلِ أنَّ الاشتراك في فعل الزنا لا يصحّ في زمنٍ واحد، فكان الممسك أو الجارح جميعًا مشاركًا لغيره.
فإن قيل (^٣): يجب أن يكون على من لم يتعمّد قتله نصف الدّية - يعني: الممسك -؛ لأنَّهُ مشاركٌ في قتل الخطأ.
قيل: ليس يحفظ عن مالكٍ في هذا شيءٌ، ويحتمل أن تكون على عاقلته نصف الدّية بمنزلة الخاطئ والعامد إذا اجتمعا في القتل، كان على العامد القودُ،
_________________
(١) لم أقف على من قال بهذا الاعتراض.
(٢) ينظر الاعتراض في: الأم للشافعي [٩/ ١٦٣].
(٣) لم أقف على من قال بهذا الاعتراض.
[ ٣ / ٢٧٧ ]
وعلى عاقلة الخاطئ نصف الدّية، فكذلك هذا، وقد قال هذا الَّذِي قلناه جماعةٌ من مشايخنا.
وقوله: «إنَّه يُضْرَبُ الممسك ويُحبس، إذا لم يُرِدِ القتل بالحبس (^١)، ولم يَعْلَمْ ذلك من صاحبه»؛ فلأنّه فرط في ترك تعرُّفِ ذلك.
ولأنّه كان عاصيًا بإمساكه لمن يرى أَنَّهُ يضربه غيره ويتعدَّى عليه، فوجب أن يعاقب على فعله ذلك.
•••
[٢١٠١] مسألة: قال: وإذا قامت البيّنة على نفرٍ أنّهم شرعوا إلى رجلٍ بالضّرب فضربوه وافترقوا وبه مُوضِحَةٌ، لا يُدرَى مِنْ أَيِّهِمْ كانت الشَّجَّة، فعليهم العقل كلّهم (^٢).
• إنّما قال: «إنَّ عليهم دية الموضحة كلّهم»؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يبطل الحكم فيها، إمّا بالقَوَدِ أو الدّية؛ لأنَّ الجناية لم تخرج عنهم، ولا يمكن القَوَدُ فيها؛ لأنَّهُ لا يُعْرَفُ الشَّاجُّ بعينه فيقاد منه، وليس في الجرح قسامةٌ فيُقْسَم على واحدٍ، فوجب أن تكون ديتها على جماعتهم؛ إذ ليس أحدهم بذلك أولى من الآخر.
•••
_________________
(١) قوله: «بالحبس»، كذا في جه، ولعلها: «بالمسك».
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٨٢)، النوادر والزيادات [١٤/ ٦٢]، البيان والتحصيل [١٦/ ١١١].
[ ٣ / ٢٧٨ ]
[٢١٠٢] مسألة: قال: وإذا قَتَلَ السَّكران، قُتِلَ به (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ السَّكران مؤاخذٌ بأفعاله معاقبٌ عليها؛ لأنَّ القلم غير مرفوعٍ عنه؛ لأنَّهُ عاصٍ بالفعل الَّذِي فعله، بإدخاله على نفسه ما أزال تمييزه من المحرَّمِ الَّذِي تناوله، فوجب عليه القَوَدُ (^٢)، ولزمه حدود ما يرتكبه من الأفعال الَّتِي فيها الحدود، كالزنا والقذف وأشباه ذلك، وقد قال الله ﷿: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨]، وقال: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، وهذا على عمومه في كلّ قاتلٍ، إلَّا ما خرج بالدّلالة، والسّكران قاتلٌ، فوجب قتله كما وجب حدُّه إذا زنا.
•••
[٢١٠٣] مسألة: قال: وأمَّا المجنون والمعتوه حين يؤخذا، فلا نرى عليهما إلَّا العقل (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القلم عنهما مرفوعٌ؛ لعدم تمييزهما وزوال قصدهما للقتل، والقَوَدُ إِنَّمَا يجب على من قتل قاصدًا للقتل، وكذلك لا حدّ عليهما إذا زنيا.
وقد روى حمّاد بن سلمة، عن حمادٍ، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٨٣)، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ١٣٥]، النوادر والزيادات [٥/ ٩٤ و١٣/ ٥٠٨]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٩٩٤].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ١٣٥] هذا التعليل عن الأبهري.
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٨٣)، الموطأ [٥/ ١٢٤٦]، المدوَّنة [٤/ ٦٣٠]، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٠٧]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٧٦٢].
[ ٣ / ٢٧٩ ]
عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «رُفِعَ القَلَمُ عَنِ ثَلَاثَةٍ، عَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَنْتَبِهَ» (^١).
•••
[٢١٠٤] مسألة: قال: وجناية المعتوه فيما فوق الثُّلث تحمله العاقلة، وما دون الثّلث مِمَّا لا تحمله العاقلة فهو بمنزلة الصَّبي في جنايته، فإن وُجِدَ له مالٌ أُخِذَ منه، وإن لم يوجد له مالٌ لم تحمله العاقلة - يعني: ويُتْبَعُ به دينًا عليه -، كما لو أتلف مال غيره (^٢).
• إنّما قال هذا؛ لأنَّ العاقلة إِنَّمَا تحمل ثلث الدّية فصاعدًا، فَأَمَّا ما دون ذلك فعلى الجاني في ماله، أو يُتْبَعُ بذمَّتِه إن لم يكن له مالٌ؛ لأنَّ الجناية في الأصل على الجاني، لا تنتقل عنه إلى غيره إلَّا بدليلٍ.
ولأنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ جعل دية الجنين على الجانية - فيما أحسب - دون عصبتها، وجعل دية أُمِّه على عصبتها (^٣).
•••
_________________
(١) أخرجه أبو داود [٥/ ٨٣]، وابن ماجه [٣/ ١٩٨]، وهو في التحفة [١١/ ٣٥٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٨٣)، المدوَّنة [٤/ ٦٣٠]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٩٣].
(٣) كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أَنَّهُ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ، عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إِنَّ المَرْأَةَ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا بِالغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ العَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا»، أخرجه البخاري (٦٧٤٠)، ومسلم [٥/ ١١٠]، وهو في التحفة [١٠/ ٣٨].
[ ٣ / ٢٨٠ ]
[٢١٠٥] مسألة: قال: ومن قتل رجلًا عمدًا، ثمَّ أصاب إنسانًا خطأً، أو قتل إنسانًا خطأً، ثمَّ أصاب إنسانًا عمدًا، عَقَلَتْ عنه العاقلة ما أصاب من الخطأ.
ولو أصيب هو خطأً بعدما قَتَلَ عمدًا، عُقِلَ له؛ لأنَّهُ رجلٌ من المسلمين، يرث، ويورث، ويَحْجِبُ، ويُعْقَلُ عنه، ما لم يُسْتَقَد منه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قتلُهُ لا يخرجه عن لزوم الأحكام إياه فيما عليه وله؛ لأنَّهُ مِمَّنْ تجري الأحكام عليه حَتَّى يُقْتَل، وقد فسّره مالكٌ بقوله: «لأنَّه رجلٌ من المسلمين»، وقد قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «لَا أُعَافِي مَنْ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ» (^٢).
•••
[٢١٠٦] مسألة: قال: ومن قَتَل رجلًا عمدًا، ثمَّ عدا عليه رجلٌ فقتله، فَإِنَّهُ يقال لأولياء المقتول الآخَرِ: «أَرْضُوا أولياء المقتول الأوَّل، وشأنكم فقاتل (^٣) صاحِبِكُم، اقْتُلُوا أو اعفوا»، فإن لم يَرْضَوهُ، دُفِعَ القاتل الثاني إلى أولياء المقتول الأوّل، فقتلوا أو عفوا.
وقد قال مالكٌ فيمن قتل رجلًا عمدًا، أو فقأ عين رجلٍ عمدًا، ثمَّ قُتِلَ القاتل أو فُقِئَتْ عين الفاقئ قَبْلَ يُقْتَصّ منه: إنَّه لا دية له ولا قود؛ لأنَّهُ قد ذهب
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٨٣)، المدوَّنة [٤/ ٦٥٥]، النوادر والزيادات [١٤/ ٥٦].
(٢) أخرجه أبو داود [٥/ ١٣٦]، وهو في التحفة [٢/ ١٦٨].
(٣) قوله: «فقاتل»، كذا رسمها، ولعلَّها: «بقاتل»، كما يقتضيها السياق.
[ ٣ / ٢٨١ ]
حقّه، وإنّما ذلك بمنزلة ما لو مات القاتل أو الفاقئ فذهب حقّه، والأوّل أعجب إلينا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ أولياء المقتول الأوّل قد استحقّوا عين القاتل بأن يقتلوه أو يعفوا عنه إن شاؤوا، ليس لأحدٍ منعُهُم من ذلك، فإذا أتلف هذه العين المستحقَّة مُتْلِفٌ، كان لهم فيه مثل ما كان لهم في القاتل الأول؛ لأنَّ هذا القاتل الثاني أيضًا أتلف عينًا قد استحقّوا قتلها؛ فكانوا أولى بها من أولياء المقتول الثاني، إلَّا أن يُرضوهُمْ أولياء المقتول الثاني على ما فسره مالكٌ، فيكون حينئذٍ أولياء المقتول الثاني أولى بالقاتل الثّاني؛ لِأَنَّهُم قد أَرْضَوا أولياء المقتول الأوّل وصار الحقّ لهم، فكان لهم القتل، أو العفو وأخذ الدّية إذا بُذلت لهم.
وليس يشبه موت القاتل كقتله؛ لأنّ موته حتف أنفه هو بغير سببٍ يجب على أحدٍ فيه قودٌ أو ديةٌ، فَأَمَّا إذا قُتِلَ، فيجب على قاتله القَوَدُ إن كان عمدًا، أو الدّية على عاقلته إن كان خطأً.
ووجه قوله: «أنْ لا شيء لأولياء المقتول الأوّل إذا قُتِلَ القاتل»، فلأنَّ قتله بمنزلة موته، فلو مات حتف أنفه لم يكن لهم شيءٌ، وكذلك إذا قُتِلَ؛ لأنَّ الَّذِي وجب لهم القَوَدُ لا لأخذ المال (^٢)، فإذا قُتِلَ القاتل، فقد تعذّر القَوَدُ فيه، فهو بمنزلة ما لو مات، والقول الأوّل أصحُّ لِمَا ذكرناه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٨٣)، ومن قوله: «وقد قال مالكٌ فيمن قتل»، حكاه ابن أبي زيد في النوادر والزيادات [١٤/ ٥١]، عن ابن عبد الحكم، وينظر: الجامع لابن يونس [٢٣/ ٩١٦].
(٢) قوله: «لا لأخذ المال»، كذا رسمها في المخطوط، ولعلَّها: «لا أخذ المال».
[ ٣ / ٢٨٢ ]
وكذلك فَقْؤُ العين إذا كان عمدًا، وقطع الجوارح، مثل القتل سواءٌ، إذا قُطِع ذلك من القاطع أو فُقِئَ عين الفاقِئ، فالحكم فيه على ما ذكرناه في القتل سواءٌ؛ لأنَّ الحق إِنَّمَا وجب في الشّيء الَّذِي قد تلف.
•••
[٢١٠٧] مسألة: قال: ومن قتل رجلًا عمدًا، ثمَّ عدا عليه رجلٌ فقتله خطأً، فإنَّ لأولياء المقتول الأوَّل أن يأخذوا الدِّية من قاتل قتيلهم، وهو أحبُّ إلينا (^١).
• هذا على أحد الرِّوايتين اللّتين ذكرنا؛ لِأَنَّهُم لَمَّا استحقّوا عين القاتل، وجب أن تكون لهم الدِّية؛ لِأَنَّهَا بدل العين المستحقّة لهم.
•••
[٢١٠٨] مسألة: قال: ومن جَرَحَ رجلًا، ثمَّ قَتَلَ آخر، فالقتل يأتي على ذلك كلّه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القَوَدَ أُريد به الرَّوعُ والانزجار عن مثل ذلك الفعل، قال الله ﷿: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩]، معناه: أنَّ الإنسان إذا علم أَنَّهُ يُقْتَل إذا قَتَلَ، امتنع من القتل، فكان في ذلك حياةٌ، وإذا كان هذا هكذا، ثمَّ قتل القاتل، لم يُقْتَص منه للجراح قبل القتل؛ لأنَّ القتل يأتي على ذلك كلّه؛ إذ لا بقاء معه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٨٣)، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٩١٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٨٣)، الموطأ [٥/ ١٢٧٩]، المدوَّنة [٤/ ٦٥١]، النوادر والزيادات [١٤/ ٥٥].
[ ٣ / ٢٨٣ ]
وقد قال مخالفنا في هذه المسألة (^١): «إنَّ المحارب لو أخذ المال قُطِعت يده ورجله من خلافٍ، ولو قَتَلَ قُتِلَ، ثمَّ لو قَتَلَ وأخذ المال لقُتِلَ ولم تقطع يده ورجله»، فكذلك يجب أن يكون هذا في كلّ جرحٍ أو قطعٍ إذا كان معه قطعٌ إذًا (^٢) أنَّ القتل يجزئ عن ذلك.
فإن قيل: إنَّ القَوَدَ هو حقّ آدميٍّ، وما ذكرته فهو حقٌّ لله ﷿، يدخل بعضه في بعض؟
قيل له: لو كان كما ذكرت، لوجب أن يدخل قطع السّرق في القتل، وحدّ الخمر في القتل، وليس هذا قولك، وفي هذا نقض ما قلته.
والصحيح ما قاله مالكٌ: إنَّ القتل ينوب عن غيره من الجراح والحدود، إلَّا حدّ الفرية وحده، ونذكره فيما بعد إن شاء الله (^٣).
•••
[٢١٠٩] مسألة: قال: ومن جرح رجلًا، ثمَّ قتله:
(فإن كان مثَّل به، جُرِحَ، ثمَّ قُتِل.
(وإن كان لم يُمَثِّلْ به قُتِلَ، والقتل يأتي على ذلك كلّه (^٤).
_________________
(١) المخالف هو الشافعي، وأحمد كما في الأم [٧/ ٥٦]، والحاوي [١١/ ٣٩٤]، ورؤوس المسائل الخلافية للعكبري [/١٣٧٦]، والمغني [١١/ ٥٢٩].
(٢) قوله: «إذًا»، كذا رسمها، ولعلها: «إذ».
(٣) ينظر: المسألة [٢٤٨٤].
(٤) المختصر الكبير، ص (٣٨٤)، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ١٤٤]، النوادر والزيادات [١٤/ ٣١].
[ ٣ / ٢٨٤ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا مثَّل به، فقد قصد بهذا الفعل الفساد والتّنكيل، فوجب أن يُفْعَل به مثله، ليرتدع غيره عن فعل مثله.
فأمَّا إذا قصد قتله من غير تنكيلٍ، قُتِل بأوجى ما يُقْدر عليه، وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه، فيما روى عمران بن حصين: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى خَلْقِهِ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ، فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ» (^١)، أو كما قال (^٢).
•••
[٢١١٠] مسألة: قال: وإذا قُتِلَ رجلٌ، فعدا وليّه على القاتل فقتله، فإن كان هو وليه الَّذِي إليه العفو أو القتل، أدَّبه الإمام بافتئاته عليه (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ أَخَذَ مَا لَهُ أَنْ يأخذه - وهو حقّه من القَوَدِ -، وليس
_________________
(١) لم أقف عليه من حديث عمران بن حصين، وهو في صحيح مسلم [٦/ ٧٢]، من حديث شداد بن أوس، وفي التحفة [٤/ ١٤٠]. وروى أبو داود [٣/ ٢٨٨] وغيره، من حديث الهياج بن عمران: «الهَيَّاجِ بْنِ عِمْرَانَ، أَنَّ عِمْرَانَ أَبَقَ لَهُ غُلَامٌ، فَجَعَلَ لِلهِ عَلَيْهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ لَيَقْطَعَنَّ يَدَهُ، فَأَرْسَلَنِي لِأَسْأَلَ لَهُ، فَأَتَيْتُ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَحُثُّنَا عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَانَا عَنِ المُثْلَةِ، فَأَتَيْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَحُثُّنَا عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَانَا عَنِ المُثْلَةِ»، وهو في التحفة [٤/ ٨٥].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ١٤٤]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٨٤)، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٧٠٩].
[ ٣ / ٢٨٥ ]
لأحدٍ دفعه عنه، ولو طالب الإمام بفعله، لفعل مثله، وإنّما يُؤَدَّب؛ لتقدُّمِهِ على ذلك بغير أمر الإمام.
•••
[٢١١١] مسألة: قال: وشِبْهُ العمد باطلٌ، إِنَّمَا هو عمدٌ وخطأٌ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله تعالى إِنَّمَا ذكر في القتل العمد والخطأ لا غيرها (^٢)، فليس هاهنا قتلٌ ثالثٌ يُعْرَف، والحديث الَّذِي ذُكِرَ فيه شبه العمد (^٣) غير صحيحٍ عند أهل المدينة.
•••
[٢١١٢] مسألة: قال: وقَتْلُ العَمْدِ، لمن عَمَدَ القتل - فيما يرى النّاس -،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٨٤)، المدوَّنة [٤/ ٥٥٨]، النوادر والزيادات [١٤/ ٢٤]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٥٣٢].
(٢) كما في الآيتين: ٩٢ - ٩٣ من سورة النساء.
(٣) أخرجه أبو داود [٥/ ١٥٧]، وابن ماجه [٣/ ٦٤٧]، والنسائي في الكبرى [٦/ ٣٥١]، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَطَبَ يَوْمَ الفَتْحِ بِمَكَّةَ، فَكَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، أَلَا إِنَّ كُلَّ مَأْثُرَةٍ كَانَتْ فِي الجَاهِلِيَّةِ تُذْكَرُ وَتُدْعَى مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ تَحْتَ قَدَمَيَّ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ سِقَايَةِ الحَاجِّ وَسِدَانَةِ البَيْتِ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا إِنَّ دِيَةَ الخَطَأِ شِبْهِ العَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالعَصَا مِئَةٌ مِنَ الإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا»، وهو في التحفة [٦/ ٣٦٥].
[ ٣ / ٢٨٦ ]
أو الضربَ الَّذِي هو الضَّرْبُ فيكون فيه هلاك المضروب، فذلك العمد الَّذِي فيه القَوَدُ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العمد للقتل، هو بما يظهر عند النّاس قصد الإنسان للقتل بالضّرب والرّمي وأشباه ذلك، إذا تعمَّد فيما يُعْرَف ذلك من غالب أمر الضارب؛ لأنَّهُ لا سبيل إلى معرفة ما في قلبه، وهل تعمَّد القتل أم لا، لأنَّ هذا لا يعلمه إلَّا الله ﷿، غير أَنَّهُ يُسْتَدَل على مراده بظاهر حاله وفعله:
(فإن كان فيما يرى النّاس أَنَّهُ عَمَدَ ذلك، قُتِلَ به، إذا كان ما فَعَلَهُ مِثْلُهُ يَقْتُلُ من الضّرب والمضروب به؛ لأنَّهُ قد قَتَلَ، وقد أوجب الله القَوَدَ على القاتل.
(وإن كان مثله من الضّرب أو المضروب به لا يَقْتُلُ مثله في الأغلب، لم يُقْتَل به؛ لأنَّهُ لم يتعمّد القتل، وإنّما أتى على يده من غير قصدٍ لذلك، فكانت الدّية على عاقلته.
وبما ذكرناه يُعْتَبَر أمر القاتل، هل تعمَّد أو أخطأ.
وقد يُخطِئ أيضًا بأن يريد شيئًا فيخطئه إلى قتل إنسانٍ، فهذا هو من الخطأ.
•••
[٢١١٣] مسألة: قال: ومن العمد، أن يضرب الرجلُ الرّجل حَتَّى تَفِيضَ نَفْسُهُ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٨٤)، الموطأ [٥/ ١٢٨٢]، النوادر والزيادات [١٤/ ٢٤].
[ ٣ / ٢٨٧ ]
أو يضربه في النَّائِرَةِ (^١) بينهما، ثمَّ ينصرف عنه وهو حيٌّ، فَيُنْزَى (^٢) فِي ضَرْبِهِ، فَيَمُوتُ، فَتَكُونُ فِي ذَلِكَ القَسَامَةُ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا تعمَّد ضربه فقد قصد قتله في الظاهر، فوجب عليه القَوَدُ إذا (^٤) مات مكانه.
فإن مات بعد أن حُمِلَ وبَرَأَ ما جرحه، كانت فيه قسامةٌ؛ لجواز أن يكون موته من غير سبب الضّرب.
•••
[٢١١٤] مسألة: قال: ومن قَتَلَ رجلًا بعصا، قُتِلَ بعصا، وإن لم يمت في ضربةٍ واحدةٍ، ضُرِبَ حَتَّى يموت، ولا يُطَوَّل عليه في ذلك (^٥).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤].
وروى همامٌ، عن قتادة، عن أنسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ رَضَخَ رَأْسَ
_________________
(١) قوله: «النَّائِرَةِ»، هي العداوة والشحناء، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٤٧٣).
(٢) قوله: «فَيُنْزَى»، يعني: يسيل دمه حتى يموت، ينظر: الاقتضاب في غريب الموطأ وإعرابه على الأبواب [٢/ ٣٧٣].
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٨٤)، وينظر: الموطأ [٥/ ١٢٨٣]، النوادر والزيادات [١٤/ ٢٤].
(٤) قوله: «فإذا»، كذا رسمها في جه، ولعلها: «إذا».
(٥) المختصر الكبير، ص (٣٨٤)، الموطأ [٥/ ١٢٨٢]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٩٠٢].
[ ٣ / ٢٨٨ ]
يَهُودِيٍ رَضَخَ رَأْسَ مُسْلِمَةٍ عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا» (^١)، فوجب أن يُقْتَل بمثل ما قَتَل إذا كان موجيًا، فإن لم يكن موجيًا قُتِل بالسيف.
وقد روى النعمان بن بشير، عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «لا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ» (^٢).
•••
[٢١١٥] مسألة: قال: وإذا كان القِصَاص: قُصَّت المرأة من الرَّجل، كما يقتَصُّ الرّجلُ من المرأة.
وإذا كان العقل: كانت المرأة والرَّجل فيه سواءٌ، إلَّا أن تبلغ المرأة ثلث دية الرّجل، ثمَّ تكون في عقلها ويكون الرّجل في عقله (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله جلَّ وعزَّ قال: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، معناه: إذا كانت النّفوس متكافئةً في الحريّة والدِّين، وقال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، والمرأة مكافئةٌ للرّجل في الحريّة والدِّين، فكان بينهما القَوَدُ، ولا خلاف في هذا بين العلماء.
وقوله: «إنّها تساوي الرّجل إلى ثلث دية الرّجل، ثمَّ ترجع في ثلث ديته وما زاد إلى ديتها - وهي نصف دية الرّجل»؛ فلأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه سوَّى
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٢٤١٣)، مسلم [٥/ ١٠٤]، وهو في التحفة [١/ ٣٥٧].
(٢) أخرجه ابن ماجه [٣/ ٦٧٧]، من حديث النعمان بن بشير، وهو في التحفة [٩/ ٣١]، و[٣/ ٦٧٨]، من حيث أبي بكرة، وهو في التحفة [٩/ ٤٢].
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٨٤)، الموطأ [٥/ ١٢٥٠]، المدوَّنة [٤/ ٦٥١]، المنتقى للباجي [٧/ ١١٩].
[ ٣ / ٢٨٩ ]
في القليل من الدّية بين الذَّكر والأنثى - وهو الجنين -، جعل فيه خمسًا من الإبـ[ـل] (^١)، وسوَّى بين الذَّكر والأنثى، فوجب أن يستوي في الذّكر والأنثى في كلّ قليلٍ من الدّية (^٢).
وحَدُّ ذلك دون الثّلث من الدّية، بدلالة: أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه جعل الثّلث من الشّيء كثيرًا، ودونه قليلًا، بقوله ذلك لسعدٍ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (^٣).
ولَمّا وجب أن تكون الجناية في الأصل على الجاني، كانت عليه حَتَّى تقوم الدّلالة على زوالها إلى غيره، ولم تقم عندنا على الثّلث فدونه، فكانت على الجاني.
فأمَّا ما زاد على ذلك فعلى العاقلة، ويستوي أيضًا فيها الرّجل والمرأة؛ لأنَّ ذلك قليلٌ منها، كما استوى الذّكر والأنثى من الجنين في ديته.
•••
[٢١١٦] مسألة: قال: والقَوَدُ بين الأحرار، بين النِّساء والرّجال (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله تعالى ذكره قال: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، إلى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وهذا إذا تكافؤوا في الحريّة والدِّين، بدلالة: أَنَّهُ
_________________
(١) ما بين [] غير مثبت، ولعله مطموس، والسياق يقتضيه.
(٢) ينظر الحديث في المسألة رقم ٢١١٧.
(٣) متفق عليه: البخاري (١٢٩٥)، مسلم [٥/ ٧١]، وهو في التحفة [٣/ ٢٩٦].
(٤) المختصر الكبير، ص (٣٨٤)، الموطأ [٥/ ١٢٨٣]، المدوَّنة [٤/ ٦٠٣].
[ ٣ / ٢٩٠ ]
لا يقتل السيّد بعبده ولا المؤمن بالمعاهد باتفاق العلماء، وكذلك لا يُقْتَل حرٌّ بعبدٍ، ولا مؤمنٌ بكافرٍ ذميٍّ.
•••
[٢١١٧] مسألة: قال: وإذا قَتَلَتِ المرأَةُ رَجُلًَا، والتي قَتَلَتْ حَامِلٌ، لم يُقَدْ مِنْهَا حَتَّى تَضَعَ حملها.
فإن قُتِلَتْ وهي حامل عمدًا، فَيُقْتَلُ قاتِلُهَا، وليس عليه في جنينها شيءٌ.
وإن كان خطأً، فعلى عاقلته الدّية، ولا شيء عليهم في جنينها (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يُقْتَلَ معها من لم يَقْتُلْ، وهو الولد الَّذِي هي حاملٌ به؛ لأنَّهُ لا يجوز قتل غير القاتل، وقد قال النَّبيُّ ﷺ للغامدية حيث زنت، ثمَّ حملت: «اذْهَبِي حَتَّى تَضَعِي» (^٢)؛ لأنَّهُ لم يجز أن يُقتَلَ من لم يزنِ؛ لزنا غيره، فكذلك هذا.
وقوله: «فإن قُتلَت وهي حاملٌ فلا شيء في جنينها»؛ لأنَّ الجنين إذا لم يُزَايِل أمَّهُ قبل موتها، فهو بمنزلة عضوٍ منها، فلا حكم له ينفرد به، فوجب قَتْلُ قاتلها إذا كان عمدًا، وليس عليه في جنينها شيءٌ، وإن كان خطأً فعلى عاقلته ديتها دون دية الجنين إذا لم يزايل أمَّهُ قبل موتها.
فإن زايل أمَّه قبل موتها كانت فيه الغرّة، وهي عُشْرُ دية أمّه، أو نصف عُشْرِ دية أبيه؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه حكم بذلك في الجنين، وهو خمسٌ من الإبل.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٨٤)، الموطأ [٥/ ١٢٥٤]، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٤٢].
(٢) أخرجه مسلم [٥/ ١١٨]، وهو في التحفة [٢/ ٧٣].
[ ٣ / ٢٩١ ]
فروى شعبة، حدثنا منصور، عن إبراهيم، عن عبيد بن نَضْلَةَ، عن المغيرة بن شعبة: «أَنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ هُذَيْلٍ، فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِعَمُودٍ فَقَتَلَتْهَا، واخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: كَيْفَ نَدِي مَنْ لَا صَاحَ وَلَا أَكَلَ وَلَا شَرِبَ وَلَا اسْتَهَلَّ؟، قَالَ: أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الجَاهِلِيَّةِ، وَقَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ» (^١).
وروى ابن وهبٍ، أخبرني يونس، عن ابن شهابٍ، عن سعيد بن المسيّب وأبي سلمة، عن أبي هريرة قال: «أَقْبَلَتْ (^٢) امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ: دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةً، عَبْدًَا أَوْ وَلِيدَةً، وَقَضَى بِدِيَةِ المَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ، فَقَا [لَ حَمَلُ بْنُ] (^٣) مَالِكِ النَّابِغَةِ الهُذَلِيُّ (^٤)» (^٥).
وروى أسباطٌ (^٦)، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة حَمَلِ بن
_________________
(١) أخرجه مسلم [٥/ ١١١]، وهو في التحفة [٨/ ٤٨٠].
(٢) قوله: «أَقْبَلَتْ»، كذا في جه، وصوابه: «اقْتَتَلَتِ»، كما في مصادر التخريج.
(٣) ما بين [] مطموس في جه، والمثبت من مصادر التخريج.
(٤) قوله: «فَقَالَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ النَّابِغَةِ الهُذَلِيُّ»، كذا في جه، وفي مصادر التخريج: «فَقَالَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ الهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أَغْرَمُ دِيَةَ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ وَنَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الكُهَّانِ».
(٥) متفق عليه: البخاري (٦٩١٠)، مسلم [٥/ ١١٠]، وأخرجه أبو داود [٥/ ١٧١]، والنسائي [١/ ٩٣٦]، كلّهم من طريق ابن وهبٍ به، وهو في التحفة [١٠/ ٦٠].
(٦) أسباط بن نصر الهمْداني، صدوق كثير الخطأ، يغرب، من الثامنة. تقريب التهذيب، ص (١٢٤).
[ ٣ / ٢٩٢ ]
مالكٍ، قال: «فَأَسْقَطَتْ غُلَامًَا وَقَدْ نَبَتَ شَعْرُهُ مَيِّتًَا، وَقَدْ مَاتَتِ المَرْأَةُ، فَقَضَى عَلَى العَاقِلَةِ الدِّيَةَ» (^١)، فعُلِم بهذا الخبر أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه إِنَّمَا جعل في الجنين الدّية إذا زايل أمَّهُ قبل موتها، فَأَمَّا إذا لم يزايلها لم تكن له ديةٌ، ودخلت ديته في دية أمِّهِ، كما يكون حكمه قبل مزايلة أُمِّه حُكْمَ أُمِّه في الزّكاة والحريّة والعبودية، وإذا زايل أمه، ثبت حكمه في نفسه دون حكم أمِّهِ لِمَا ذكرناه، فكذلك في ديته وغرّته، فإذا استهل صارخًا بعد طرحه، كانت فيه الدّية، وإذا لم يستهل، كانت فيه الغرّة.
•••
[٢١١٨] مسألة: قال: ومن فقأ عين رجلٍ اليمنى، ثمَّ فقأ عين آخر اليمنى، ثمَّ آخر اليمنى، فقُئِت عينه اليمنى لجميعهم، ولم يكن عليه بعد ذلك شيءٌ.
وكذلك لو قتل رجلًا عمدًا، ثمَّ قتل آخر عمدًا، ثمَّ آخر قتله عمدًا، قُتِلَ لجميعهم، ولم يكن عليه بعد ذلك شيء (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الَّذِي يجب في العمد من القتل والجرح القصاص لا غيره، إلَّا أن يتراضوا على الدّية فيجوز ذلك؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨]، الآية، وقال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]،
_________________
(١) أخرجه النسائي في السنن الكبرى [٦/ ٣٦٥]، وهو في التحفة [٥/ ١٤٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٨٥)، المدوَّنة [٤/ ٦٥٤]، البيان والتحصيل [١٦/ ١٨٥].
[ ٣ / ٢٩٣ ]
فإذا قُتِل القاتل أو فُقِئَ الفاقئ، فقد توصّل جميعهم إلى الغرض منه، فلا دية بعد ذلك؛ لأنَّ الأصل أن لا دية في العمد.
ولأنه ليس يخلو أن يكون القَوَدُ وجب لجميعهم، فقد وصلوا إليه بقتله أو فَقْءِ عينيه، أو هو للأوّل دون مَن بعده، فيجب إذا عفا الأوّل أن لا يكون لمن بعده القَوَدُ، وهذا لا يقوله أحدٌ، وإذا كان كذلك، ثبت أنَّ الَّذِي وجب لجميعهم القَوَدُ لا غيره من الدّية.
ومعنى قوله ﷿: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، معناه: من ترك له شيءٌ من المال، فاتّباع بمعروفٍ، والعافي عند مالكٍ هو القاتل، أن يَتْرُكَ ماله ويُتْرَكَ له القَوَدُ، لا أولياء المقتول؛ لأنَّ ولي المقتول إذا عفا فقد ترك ما له من القَوَدِ، فكيف يتبع بشيءٍ، إلَّا أن يُدَّعَى في الآية ضميرٌ أَنَّهُ يُترك القَوَدُ على مالٍ، وهذا ليس فيها.
فإن قيل (^١): إنَّ النَّبيَّ صلَّى الله [عليه قال: «مَنْ قُتِلَ] (^٢) لَهُ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ، بَيْنَ أَنْ يَقْتُلُوا، أَوْ يَأْخُذُوا الدِّيَةَ» (^٣)؟
قيل له: معنى هذا الخبر، هو إباحة النَّبيِّ صلَّى الله عليه أخذ الدّية إذا بُذِلت، لا أنَّ القاتل يجبر على ذلك، ولولا هذا الخبر لَما جاز أخذ الدّية إذا بُذِلت، ولكان العفو أو القَوَدُ دون غيره.
_________________
(١) ينظر الاعتراض في: الحاوي للماوردي [١٥/ ٢٤٦].
(٢) ما بين [] مطموس في جه، والمثبت من التخريج، وقد تقدَّم.
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٠٨٠.
[ ٣ / ٢٩٤ ]
وقد روى الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ، أَنْ يَقْتُلُوا، أَوْ يُفَادُوا» (^١)، والمفاداة إِنَّمَا تكون من اثنين لا من واحدٍ، إلَّا في ألفاظ يسيرةٍ محفوظةٍ عند العرب.
فدل هذا الحديث أَنَّهُ ليس للولي جبر القاتل على أخذ الدّية منه إذا بذل القَوَدَ (^٢).
•••
[٢١١٩] مسألة: قال: والقصاص من المسلمين فيما كان عن أصلِ عداوةٍ أو نائرةٍ.
فَأَمَّا الدّم، فهم يعفون إن شاؤوا ويقتلوا، أو يُعقَل لهم فيأخذون الغِيَرَ، يعني: الدّية (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لجَعْلِ الله ﷿ القصاص بينهم بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨]، وقال: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥].
فما كان عن نائرةٍ أو عداوةٍ، فللولي القَوَدُ والعفو والمراضاة على الدّية، كما وصفنا.
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٠٨٠.
(٢) تقدَّم كلام الشارح هذا عند شرح المسألة [٢٠٨٠].
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٨٥)، الجامع لابن يونس [٢٢/ ٢٦٢]، البيان والتحصيل [١٦/ ٣٧٠].
[ ٣ / ٢٩٥ ]
وما كان على وجه الغيلة - وهي المحاربة وأخذ المال عليها -، لم يجز العفو عنه؛ لأنَّ قتله على هذا الوجه هو لجماعة المسلمين، يقوم الإمام به، فلا يجوز للوليّ العفو عنه؛ لأنَّ من قَتَلَ لأخذ المال لم يقصد إنسانًا في نفسه لعداوةٍ ما، وإنّما يقصد النّفوس للمال، فكان ضرره أعظم مِمَّنْ قتل بعداوةٍ؛ لأنَّهُ لا يريد قتل جملة النّاس، فجاز العفو عنه، ولم يجز العفو عن المغتال والمحارب لِمَا ذكرناه.
•••
[٢١٢٠] مسألة: قال: ومن ضرب رجلًا فاتّقاه بيده فكسرها، أُقِيدَ منه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا انكسرت بِضَرْبِهِ وجنايته، فعليه القَوَدُ؛ لقوله ﵎: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥].
•••
[٢١٢١] مسألة: قال: ومن جدع أنف رجلٍ أو فقأ عينه أو كسر يده، لم يُتْرَك يَسْتَقِيدُ منه، ولكن يُدْعَى له أهل العلم بذلك، فيُقَاد منه بحساب ما نقص من الأنف واليد والرِّجْلِ وما أشبه ذلك، ويقاد من الكسر.
وما كان من الجراح في الجسد ففيه القصاص، كما قال لله ﷿.
والدَّامِيَةُ (^٢) وَالبَاضِعَةُ (^٣)، وما يستطاع القَوَدُ منه، ففيه القَوَدُ (^٤).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٨٥)، المدوَّنة [٤/ ٥٦٤]، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٥]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٥٨٤].
(٢) قوله: «الدَّامِيَةُ»، هي جرح يقع على الرأس أو الوجه، وهي التي تدمي موضعها، ولا تقطع شيئًا من الجلد، ينظر: المنتقى للباجي [٧/ ٨٩]، الموسوعة الفقهية الكويتية [١٦/ ٧٩].
(٣) قوله: «وَالبَاضِعَةُ»، هي جرح يقع على الرأس أو الوجه، تقطع الجلد وتصل إلى اللحم، ولا تبلغ العظم، ولا يسيل بها الدم، ينظر: المنتقى للباجي [٧/ ٨٩]، الموسوعة الفقهية الكويتية [٨/ ٨].
(٤) المختصر الكبير، ص (٣٨٥)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٢]، المنتقى للباجي [٧/ ١٢٩].
[ ٣ / ٢٩٦ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد يَحْمِلُه ما في نفسه على من جنى عليه، أن يتعدَّى إلى أكثر مِمَّا وجب له، فلم يُمَكَّن هو من القَوَدِ، وجُعِلَ ذلك إلى غيره.
ومعنى آخر، وهو أَنَّهُ قد يجوز أن لا يعرف هو وجه القَوَدِ، فيُرْجَع في ذلك إلى أهل البصر به.
وقوله: «إنَّ في الكسر والجرح القَوَدَ، وكذلك كلّ ما يستطاع القَوَدُ فيه ولم يكن الغالب التّلف فيه، مثل المَأْمُومَةِ (^١) وَالجَائِفَةِ (^٢) والمنَقِّلَةِ، وكسر الفخذ»؛ فلأنَّ الله ﷿ قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، وقال النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ:
_________________
(١) قوله: «المَأْمُومَةِ»، هي جرح يقع على الرأس أو الوجه، يخرق العظم ويصل إلى الدماغ، ينظر: المدوَّنة [٤/ ٥٦٦].
(٢) قوله: «والجائفة»، هي جرح يقع على بدن الإنسان، تصل إلى جوفه، ينظر: المدوَّنة [٤/ ٥٦٦]، الموسوعة الفقهية الكويتية [١٥/ ٨٢].
[ ٣ / ٢٩٧ ]
«كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ» (^١) فوجب القَوَدُ في كلّ جرحٍ يُسْتَطاع القَوَدُ منه إذا طالب بذلك المجروح، إلَّا أن يكون مَخُوفًَا، أو يُتَعَذَّرُ فيه البلوغ إلى المماثلة، فتكون فيه الدّية، وذلك كالمأمومة والمنَقِّلة والجائفة وكسر الفخذ، ففي ذلك كلّه ديته ولا قَوَدَ فيه؛ لأَّن ذلك كلّه مخوفٌ؛ ولأنّ الوصول إلى المماثلة متعذرٌ فيه.
•••
[٢١٢٢] مسألة: قال: ومن لطم رجلًا، فذهب بصره والعين قائمةٌ، أو بَخَصَهَا (^٢):
(فإن كان فقأها، فُقِئَت عينه.
(وإن كان ذهب البصر والعين قائمةٌ، فإن كان يُستطاع القَوَدُ منه أُقِيد، وإلا عُقِلَ له (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لقول الله ﷿: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، فإذا فقأ عين أحدٍ، فُقِئت عينه، إذا كان مماثلًا له في الحريّة والدِّين، وكذلك الأعضاء كلّها، وكذلك النّفس.
فإذا ذهب بصر العين من غير فَقْءٍ، أُقيد منه إن أمكن ذلك، وإن لم يمكن
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٢٧٠٣)، مسلم [٥/ ١٠٥]، وهو في التحفة [١/ ٢٠٣].
(٢) قوله: «بخصها»، يعني فقأها وعوَّرها، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٣٥).
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٨٥)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٨]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٥٨٠].
[ ٣ / ٢٩٨ ]
كانت فيه الدّية، بمنزلة المأمومة والجائفة، فيهما الدّية وإن كانت عمدًا؛ لتعذّر القَوَدِ فيهما.
•••
[٢١٢٣] مسألة: قال: وإذا قتل رجلٌ كبيرٌ وصبيٌّ صغيرٌ رجلًا عمدًا، قُتِلَ الكبير، وكان على الصَّغيرِ نصف الدّية.
وكذلك لو كان رجلٌ وعبدٌ قَتَلا عبدًا، قُتِلَ به العبد، وكان على الحرِّ نصف ثمنه.
وقَتْلُ الصَّغيرِ لا يكون إلَّا خطأً (^١).
• إِنَّمَا قال: «إنَّ الكبير يُقْتَل»؛ لأنَّهُ قاتل عمدٍ، وقد قال الله تبارك اسمه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء:٣٣]، فلا فرق بين أن ينفرد الكبير بالقتل، أو يشاركه فيه صغيرٌ؛ لأنَّ كلّ واحدٍ مأخوذٌ بجنايته لا بجناية غيره.
ولو لم يُقْتَلِ الكبير، لأدّى ذلك إلى إتلاف النّفوس، وزال معنى الحياة الَّتِي جعلها الله جلَّ وعزَّ في القصاص؛ لأنَّهُ لا يشاء أحدٌ أن يقتل أحدًا، إلَّا دعا صغيرًا أو مجنونًا فقتل معه، وهذا يؤدِّي إلى الهرج والفساد.
وقوله: «إنَّ على الصّغير نصف الدّية» - يعني: على عاقلة الصّغير -؛ فلأنَّ عمد الصغير خطأٌ، ودية قتل الخطأ على العاقلة.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٨٥)، الموطأ [٥/ ١٢٤٦]، المدوَّنة [٤/ ٦٣٣].
[ ٣ / ٢٩٩ ]
وقوله: «في الحرّ والعبد إذا قَتَلا عبدًا قُتِل العبد به»؛ فلأنَّ المقتول مماثلٌ للقاتلِ، فوجب القَوَدُ فيه، وقد قال الله ﷿: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة:١٧٨]، فكان على الحرّ نصف ثمن العبد المقتول؛ لأنَّهُ لا يُقْتَلُ حرٌّ بعبدٍ؛ لعدم التكافؤ بينهما.
وكان عليه قيمة ما أتلفه على سيِّده من ماله؛ لأنَّ العبد مالٌ.
وقوله: «إنَّ قتل الصغير خطأٌ»؛ فلأنَّ الصغير معدوم القصد في فعله القتل وغيره، فجرى مجرى المجنون والنائم، وقد قال النَّبِيُّ صلَّى الله عليه: «رُفِعَ القَلَمُ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَنْتَبِهَ» (^١)، فَرَفَعَ الإثم عنهم كلّهم، وأجراهم مجرىً واحدًا، ومعلومٌ أَنَّهُ لا قصد لفعل النّائم ولا المجنون، فكذلك الصّبي مثله.
•••
[٢١٢٤] مسألة: قال: ولو قتل صغيرٌ وكبيرٌ رجلًا خطأً، كان على عاقلة كلّ واحدٍ منهما نصف الدّية، وتحمله العاقلة (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنّهما قد اتَّفقا في قتل الخطأ؛ لأنَّ عمد الصبي خطأٌ؛ لعدم قصده وتمييزه.
ودية الخطأ فعلى عاقلة القاتل؛ بإلزام النَّبيِّ صلَّى الله عليه إيّاهم ذلك.
•••
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢١٠٣.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٨٦)، الموطأ [٥/ ١٢٤٧]، المنتقى للباجي [٧/ ٧١].
[ ٣ / ٣٠٠ ]
[٢١٢٥] مسألة: قال: وإن جرح كبيرٌ صغيرًا، استُقِيدَ منه إن شاء أولياء الصّبيّ، وإن شاؤوا أخذوا العقل.
وكذلك الحرُّ والعبد يَقْتُلَانِ الحرَّ عمدًا (^١).
• هذا يحتمل أن يقال على أحد الروايتين عن مالكٍ: إِنَّهُ يُخَيَّرُ وليّ المقتول في بعض الرّوايات عنه، وقد قال في الأعور إذا فُقِئَتْ عينه: «هو مخيّرٌ بين أن يأخذ الدّية أو القَوَدَ».
ويحتمل أن يقال: إنَّ هذا إِنَّمَا هو نظرٌ للصّغير وحاجته إلى المال، فخُصَّ بذلك لهذه العلّة.
والتخيير أصحّ، وهو أحد الروايات عن مالكٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه خَيَّر ولي المقتول بين أخذ الدّية أو القَوَدِ، فكان له الخيار؛ لأنَّهُ مُتَعَدَّى عليه في وليّه، والقاتل ظالمٌ، وقد قال الله جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى:٤٢].
ووجه قوله: «إنّه لا يكون مخيّرًا»؛ فلأنَّ القتل العمد وكذلك الجرح، إِنَّمَا فيه القصاص دون الدّية، فليس للمجني عليه وولي المقتول جبر الجاني على الدّية، وقد ذكرنا هذا (^٢).
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٨٦)، النوادر والزيادات [١٤/ ٩]، المنتقى للباجي [٧/ ٧٣].
(٢) ينظر: المسألة [٢٠٨٠].
[ ٣ / ٣٠١ ]
[٢١٢٦] مسألة: قال: ومن قطع يد رجلٍ اليمنى، ثمَّ سرق، فأُتِيَ به وقام المجروح، فَإِنَّهُ يُقْطع بالسَّرِقَة ولا شيء للمجروح؛ وذلك لأنَّ السَّرقة أمرٌ لله ﷿ لا يُعْفَى عنه، وأنَّ المجروح رُبَّما عفا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القاطع إذا قُطِعَت يده، فقد وصل المجنيّ عليه إلى غرضه من القَوَدِ، وهو قطع قاطع يده.
ولأنَّ القطع في السّرقة أقوى منه في القَوَدِ، فوجبت تقدمته؛ لجواز ترك القطع في القَوَدِ وعدم جواز ترك القطع في السَّرَقِ، فإذا قُطِعَ في السَّرَقِ، سقط حقُّ الآدمي من القَوَدِ، وكان بمنزلة قاتل العمد إذا مات، أَنَّهُ لا شيء لولي المقتول من ديةٍ ولا غيرها، وقد ذكرناه.
•••
[٢١٢٧] مسألة: قال: والقِصَاص بين الرِّجال والنِّساء الأحرار، كما يكون بين الرِّجال، فَنَفْسُ المرأة بِنَفْسِهِ، وَجُرْحُهَا بِجُرْحِهِ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لقول الله جل ثناؤه: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، وهذا على عمومه في كلّ نفسٍ، إلَّا ما خصَّت منه دلالةٌ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٨٦)، المدوَّنة [٤/ ٥٤٨]، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٤٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٨٦)، الموطأ [٥/ ١٢٨٣]، المنتقى للباجي [٧/ ١٢٠].
[ ٣ / ٣٠٢ ]
وقد روى همامٌ، عن قتادة، عن أنسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ رَضَخَ رَأْسَ يَهُودِيٍ رَضَخَ رَأْسَ مُسْلِمَةٍ عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا» (^١).
•••
[٢١٢٨] مسألة: قال: ويُقْتَلُ الرَّجلان الحرَّان والثلاثَةُ بالرَّجُلِ الحُرِّ، والمرأتان بالمرأة الحرَّةِ، والعبيد والإماء كذلك، إذا كان قتل العمد (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لقول الله ﷿: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨]، وقال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء:٣٣]، فلا فرق بين أن يكون القاتل واحدًا أو جماعةً؛ لوقوع اسم القِتْلَةِ عليهم؛ ولِجَعْلِ الله الحُجَّة لولي المقتول عليهم.
ولو لم تُقْتَلِ الجماعة بواحدٍ؛ لأدَّى ذلك إلى رفع الحياة في القصاص الَّذِي جعله الله جَلَّ وعزَّ حياةً، ولَمَا شاءَ شاءٍ أن يَقْتُلَ آخر ثمَّ لا يُقْتَلَ به، إلَّا دعا من يقتل معه.
وقد قتل عمر بن الخطاب ﵁ سبعة نفرٍ من أهل صنعاء قتلوا رجلًا، وقال: «لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ» (^٣).
•••
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢١١٤.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٨٦)، النوادر والزيادات [١٤/ ٦٠].
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٠٥٢.
[ ٣ / ٣٠٣ ]
[٢١٢٩] مسألة: قال: ومن أمر رجلًا بقتل رجلٍ، فليس العبد في ذلك كالحرِّ؛ لأنَّ الحرّ لا يطيع هذا، كَأَنَّه يرى أنَّ المأمور الحرَّ إذا قَتَلَ قُتِلَ هو بعينه.
وقال ابن القاسم: يُقْتَل العبد والسيِّد إذا أمره، وإذا أمر حُرًّا، قُتِلَ القاتل وحُبِسَ الآمر وضُرِبَ (^١) (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المأمور الحرّ لا يجوز له طاعة غيره في معصية الله ﷿، فإذا قَتَلَ بأمر غيره - إذا لم يضْطَرّه إلى ذلك ويُكرِهُه عليه -، فهو القاتل دون الآمر؛ لأنَّهُ المختار للقتل المنفرد به دون الآمر.
فأمَّا إذا كان مِمَّنْ يخاف الآمر ويُلزم طاعته، فالقتل عليهما جميعًا، وذلك بمنزلة السيّد والعبد، إلَّا أن يكون المأمور غير مميّزٍ ولا عارفٍ بتحريم القتل، فلا قتل عليه، وعلى الآمر له بذلك القتل؛ لأنَّهُ هو القاتل دون المأمور.
فأمَّا إذا كان مميّزًا - أعني: العبد -، كان القتل عليه وعلى سيِّده؛ لأنَّهُ أطاع سيّده فيما لا يجوز له، وعلى السيّد القتل؛ لأنَّهُ اضطره إلى ذلك، فصارا مشتركين في القتل، السيّد بالأمر، والعبد بالفعل.
فأمَّا الآمر إذا كان المأمور مِمَّنْ لا تلزمه طاعة الآمر، فَإِنَّهُ يُضْرَبُ ويُحْبَسُ؛ أدبًا له على فعل ما لا يجوز له فعله، وهو أمره بقتل من لا يجوز قتله.
_________________
(١) من قوله: «هذا كأنه يرى»، إلى نهاية المسألة، ساقط من المطبوع.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٨٦)، النوادر والزيادات [١٤/ ٨٥]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٩٩٢]، البيان والتحصيل [١٦/ ٣٠٦].
[ ٣ / ٣٠٤ ]
فأمَّا القَوَدُ فهو على المأمور؛ لأنَّهُ متعدٍّ بالقتل دون الآمر.
•••
[٢١٣٠] مسألة: قال: ومن اطَّلَعَ على رجلٍ في بيته، ففقأ عينه بحصاةٍ، فعليه القَوَدُ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ فَعَلَ ما لا يجوز له فعله من فَقْءِ عينه؛ لأنَّ الَّذِي أُبِيحَ منه هو دفعه عن النّظر، فأمَّا فَقْءُ عينه قاصدًا لذلك فغير جائزٍ.
وذلك بمنزلة من أراد مال غيره بغير حقٍّ، أو دمه أو نفسه، فَإِنَّهُ مباحٌ له أن يدفعه عن ذلك من غير قصدٍ منه إلى قتله، فإن أدَّى الدفع إلى القتل لم يكن عليه شيءٌ إذا لم يقدر على غيره؛ لأنَّ دفعه عن ذلك مباحٌ له، فكذلك هذا مباحٌ له دفعه عن النّظر والاطّلاع عليه من غير تعمّدٍ إلى فَقْءِ عينه، فإن تعمّد فَقْءَ عينه من غير دفعٍ منه، كان عليه القَوَدُ.
والخبر الَّذِي قيل فيه: «لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَعْمَدُنِي - فِي الَّذِي نَظَر فِي بَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، فَاطَّلَعَ عَلَيْهِ - لَفَقَأْتُ عَيْنَكَ» (^٢) هو على وجه التّغليظ، أو على وجه الدفع عن النّظر.
والدَّليل على صِحّة ما قلناه، أنَّ فَقْءَ عينه لو كان مُسْتَحِقًّا لفُقِئت وإن تَرَك
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٨٦)، النوادر والزيادات [١٤/ ٢٢٥]، الكافي لابن عبد البر [٢/ ١١٢٧].
(٢) متفق عليه: البخاري (٥٩٢٤)، مسلم [٦/ ١٨٠]، وهو في التحفة [٤/ ١٣٢].
[ ٣ / ٣٠٥ ]
الاطّلاع، فلمَّا لم يجز ذلك، دلَّ على أنَّ الخبر على وجه التّغليظ؛ لأنَّ (^١) الفَقْءَ واجبٌ، أو يكون على وجه الدّفع وإن أدَّى إلى فَقْءِ العين، والله أعلم.
•••
[٢١٣١] مسألة: قال: وإذا تعمَّد الرّجل قَتْلَ ابنِهِ، قُتِلَ بِهِ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لعموم قول الله ﷿: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨]، وقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وهذا على عمومه في كلّ نفسٍ متكافئةٍ للقاتل، إلَّا أن تقوم دلالةٌ على تخصيص شيءٍ من ذلك، ولا فرق بين الأب وغيره إذا صَحَّ أَنَّهُ تعمَّد القتل وزالت الشّبهة فيه، وذلك مثل أن يذبحه، أو يضرب عنقه، أو يجزل وسطه، وأشباه ذلك مِمَّا يُعْلَم أَنَّهُ قصد قتله.
فَأَمَّا إذا فعل به شيئًا يُعْلَم أَنَّهُ لم يرد قتله فأدَّى ذلك إلى قتله، لم يُقْتَلْ به، وكان عليه ديةٌ مُغَلَّظَةٌ في ماله.
فإن قيل (^٣): أليس لو فعل الأجنبيُّ ذلك بالأجنبيِّ قتلته به، فكذلك يجب أن يُفْعَل ذلك بالأب إذا فعل بابنه، فيُسَوَّى بينهما في القَوَدِ، أو يُفَرَّق بينهما في إسقاطه؟
_________________
(١) قوله: «لأنَّ»، كذا في جه، ولعلها: «لا أنَّ»، كما يقتضيه السياق.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٨٦)، المدوَّنة [٤/ ٤٩٨]، المنتقى للباجي [٧/ ١٠٤]، البيان والتحصيل [١٥/ ٤٧٠].
(٣) ينظر الاعتراض في: شرح مختصر الطحاوي للجصاص [٥/ ٣٧٨].
[ ٣ / ٣٠٦ ]
قيل له: إِنَّمَا قلنا ذلك؛ لأنَّ للآباء أن يؤدِّبوا أبناءَهم، ومع ذلك، فليس الأغلب منهم إرادة قتل أولادهم، بل الأغلب منهم الشَّفَقَة عليهم والرأفة، وليس كذلك الأجنبيُّ؛ لأنَّهُ ليس له أن يؤدب أجنبيًا منه، وليس فيه الشّفقة عليه كشفقة الأب على ابنه، فإذا أمكننا حمل أمر الأب على ما هو عليه في الأصل، حملناه على ذلك؛ لأنَّ ذلك للأغلب والأقوى، فإذا زال ذلك بتعمّده لقتله، زال ما كان عليه من الأصل ووجب قتله، لعموم قوله ﷿: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥].
وقد روى مالكٌ والليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب: «أَنَّ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ المُدْلِجِيّ أَتَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ يُدْعَى قَتَادَةُ، حَذَفَ ابْنَهُ بِسَيْفٍ فَأَصَابَ سَاقَهُ فَنُزِيَ مِنْهَا فَمَاتَ، فَجَاءَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ سُرَاقَةُ: إِنْ كُنْتَ وَلِيَّ أَمْرِنَا فَأَقْبِلْ عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ إِلَى غَيْرِكِ فَرُدَّنَا إِلَيْهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ، فَقَصَّ القِصَّةَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعْدُدْ لِي عَلَى قُدَيْدٍ عِشْرِينَ وَمِئَةَ بَعِيرٍ، فَلَمَّا جَاءَ عُمَرُ، أَخَذَ مِنْهُ ثَلَاثِينَ حِقَّةً، وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً، ثمَّ قَالَ: أَيْنَ أَخُو المَقْتُولِ؟، فَقَالَ لَهُ: خُذْهَا، ثمَّ قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ قَالَ: لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ» (^١).
وقد رُوِيَ عن عمر من غير هذا الحديث: «أَنَّهُ أَرَادَ قَتْلَهُ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ: إِنَّهُ لَمْ يُرِدْ قَتْلَهُ، وَإِنّما أَرَادَ أَدَبَهُ، وَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَعَزّ النّاسِ عَلَيْهِ، فَأَلْزَمَهُ
_________________
(١) حديث مالك في الموطأ [٥/ ١٢٧٣]، وابن ماجه [٣/ ٦٦٢]، وهو في التحفة [١١/ ١٩٦]، ولم أقف على حديث الليث بن سعد.
[ ٣ / ٣٠٧ ]
بَعْدَ ذَلِكَ الدّيَةَ مُغَلَّظَةً» (^١)، ولو لم يجز قتل الأب بابنه إذا تعمّد قتله، لم يكن عمر يريد قتله به.
فإن قيل (^٢): قد رُوِيَ عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ أَنَّهُ قال: «لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدٍ» (^٣)؟
قيل له: معناه إن صحَّ، إذا قتله على غير تَعَمُّدٍ لقتله، بل إذا عمد أَدَبَهُ لا قتله؛ لأنَّ له أن يؤدِّبَه كما ذكرناه.
وقد قال مخالفنا (^٤) في هذه المسألة: «إنَّه إذا قتله على وجه الغيلة، أَنَّهُ يُقْتَل به» (^٥).
•••
[٢١٣٢] مسألة: قال: ومن قتل رجلًا بِعَصًَا، فإن شاء وليّه قَتَلَهُ بالسّيف،
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى [١٦/ ٤٧٩].
(٢) ينظر الاعتراض في: شرح مختصر الطحاوي للجصاص [٥/ ٣٧٧].
(٣) أخرجه الترمذي [٣/ ٧٣]، من حديث ابن عباس، وهو في التحفة [٥/ ٢٢]، وأخرجه الترمذي [٣/ ٧٢]، وابن ماجه [٣/ ٦٧٤]، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب، وهو في التحفة [٨/ ٧٨].
(٤) المخالف هنا هم الحنفية والشافعية والحنابلة، ينظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص [٥/ ٣٧٧]، الحاوي للماوردي [١٥/ ١٦٣]، المغني [١١/ ٤٨٣].
(٥) لم أقف على من قال بهذا القول.
[ ٣ / ٣٠٨ ]
وإن شاء قتله بالعصا إذا كانت تُجْهِزُ في ضربةٍ واحدةٍ، لا يكون شيءٌ عنيفٌ، فَأَمَّا ضرباتٍ فلا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، فلوليّ المقتول، أن يقتل القاتل بمثل ما قَتَلَ وليّه، لا يزيد عليه في الضّرب، ولا بغير ما قتل به.
فإن قتل بما هو أوجأ منه كان له ذلك؛ لأنَّهُ قد أحسن حينئذٍ إلى القاتل وخفّف عنه.
•••
[٢١٣٢ - ٢] مسألة: قال: وأحب إلي [أن يولِّيَ] (^٢) القاضي على [الجراح] (^٣) رجلين يبصران ذلك، ويقيسـ[ـان] (^٤) ويجتمعان [في] (^٥) معرفة ذلك (^٦).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٨٦)، المدوَّنة [٤/ ٦٥٠]، المنتقى للباجي [٧/ ١١٩]، البيان والتحصيل [١٥/ ٤٦١].
(٢) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، والمثبت من النوادر والزيادات [١٤/ ٤٢].
(٣) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، والمثبت من النوادر والزيادات [١٤/ ٤٢].
(٤) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، والمثبت هو ما يقتضيه السياق، وفي النوادر والزيادات [١٤/ ٤٢]: «ويقيمانه».
(٥) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، والمثبت هو ما يقتضيه السياق.
(٦) هذه المسألة ساقطة من المطبوع، وهي وما بعدها مثبتة من حاشية جه، وينظر: النوادر والزيادات [١٤/ ٤٢].
[ ٣ / ٣٠٩ ]
[إنما] قال ذلك ليـ[] (^١) بهما العدل بيـ[ـن] (^٢) الجاني والمجـ[ـني عليه] (^٣) وليشدَّ كـ[ـلٌّ منهما] (^٤) الآخر، وقد جعـ[ـل الله] (^٥) تعالى ذلك في جـ[ـزاء] (^٦) الصيد، ويقـ[] (^٧) المقتول بالمثـ[ـل] (^٨)، فقال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥]، فكـ[ـان] (^٩) هذا مثله، وإ [ذا] (^١٠) كان واحدًا [] (^١١) هذا جاز، كـ[ـما] (^١٢) يجوز في قيمة [] (^١٣) المتلف، والـ[ـ ] (^١٤) يجوز فيه و[] (^١٥) الحكم، فكذلك [] (^١٦).
•••
_________________
(١) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير.
(٢) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، والمثبت يقتضيه السياق.
(٣) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، والمثبت يقتضيه السياق.
(٤) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، والمثبت يقتضيه السياق.
(٥) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، والمثبت يقتضيه السياق.
(٦) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، والمثبت يقتضيه السياق.
(٧) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، ولعل الكلمة: ويقاس.
(٨) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، والمثبت يقتضيه السياق.
(٩) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، والمثبت يقتضيه السياق.
(١٠) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، والمثبت يقتضيه السياق.
(١١) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير.
(١٢) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، والمثبت يقتضيه السياق.
(١٣) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، ولعلها: «الصيد»، أو «الشيء».
(١٤) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير.
(١٥) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير.
(١٦) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير.
[ ٣ / ٣١٠ ]
[٢١٣٢ - ٣] وإذا جرح الرَّجلُ الـ[ـرجلَ] (^١)، ثُمَّ جرحـ[ـه] (^٢) الآخرُ مثل جرحه، ثُمَّ طلب [] (^٣) ثانية، أو طـ[ـ ] (^٤) أحدهما [] (^٥) بينهما؛ لأنـ[] (^٦) أخذ قوده (^٧).
قد ذكر [مالكٌ] (^٨) العلَّة [في ذلك] (^٩)، وهو لأنه قد [أخذ] (^١٠) حقه، وتنـ[] (^١١) كل واحـ[ـدٍ] (^١٢) منهما [] (^١٣)، وكذلك [] (^١٤) لهما بغير إذ [ن] (^١٥) الإمام.
•••
_________________
(١) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، والمثبت يقتضيه السياق.
(٢) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، والمثبت يقتضيه السياق.
(٣) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، ولعلها: القود.
(٤) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، ولعلها: «طلب».
(٥) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير.
(٦) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير.
(٧) هذه المسألة مثبتة من الحاشية.
(٨) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، والمثبت يقتضيه السياق.
(٩) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، والمثبت يقتضيه السياق.
(١٠) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، والمثبت يقتضيه السياق.
(١١) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير.
(١٢) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، والمثبت يقتضيه السياق.
(١٣) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير.
(١٤) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير.
(١٥) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، والمثبت يقتضيه السياق.
[ ٣ / ٣١١ ]
[٢١٣٣] مسألة: قال: وإذا اقْتَصَّ الرَّجُلُ من الجرح، فأرى أن يَقْتَصَّ له طبيبٌ، وأرى جُعْلَهُ على الَّذِي يُقْتَصُّ له (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الطبيب أبصر بذلك من غيره؛ لئلا يتعدّى في أكثر مِمَّا له، أو يقصر عنه.
وجَعَلَ جُعْلَه على الَّذِي يَقْتَصُّ؛ لأنَّهُ شيءٌ يقدر هو على تناوله، وليس هو غير مميّزٍ كالقفيز من الصّبرة، فتكون أجرته على المأخوذ منه وهو البائع.
•••
[٢١٣٤] مسألة: قال: ومن وُجِدَ متعلِّقًا بِرَجُلٍ في جُرْحٍ جرحه، وليس له إلَّا شاهدٌ واحدٌ، حلف واقتصّ، فإن ردّ اليمين على المدّعى عليه فنكل، اقْتَصَّ منه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا حقٌّ من الحقوق، وقد يدخله المال وينتقل إليه، فجاز أن يُحْكَم فيه بالشّاهد واليمين، وكذلك بالشّاهد ونكول المدّعى عليه، كما يحكم بالمال.
وليس يجوز أن يحكم فيه بالقتل؛ لغلظ أمر القتل.
ألا ترى: أنَّ في القتل قسامةٌ؛ لغلظه ووكود حرمته، وليس ذلك في الجراح،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٨٧)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٢]، البيان والتحصيل [١٦/ ٨٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٨٧)، المدوَّنة [٦/ ٦٤٣]، المنتقى [٥/ ٢١٤].
[ ٣ / ٣١٢ ]
وكذلك يُحكم بالشّاهد واليمين في الجراح، ولا يحكم في القتل ولا في الحدود؛ لغلظ أمرها.
وقد قال مالكٌ: «إنَّه لا يحكم بالشّاهد واليمين في جراح العبد، وإنّما يحكم في الأموال خاصةً»، وهذا القول هو أصحّ.
ووجهه: أنَّ الحكم بالشاهد واليمين إِنَّمَا جاء عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه في المال دون غيره، والمال أخفض حرمةً من البدن، وما يثبت منه مِمَّا ليس بمالٍ.
ألا ترى: أَنَّهُ لا يجوز الحكم بشاهدٍ ويمينٍ في الحدود والقتل والعدالة وما أشبه ذلك؛ لِأَنَّهَا أشياء تثبت في البدن، فكذلك الجرح مثله إذا كان عمدًا، لا يحكم بذلك فيه.
ولو جاز أن يُحْكَمَ فيه؛ لأنَّهُ قد يدخله مالٌ وينتقل إليه، لجاز ذلك في القتل؛ لأنَّهُ قد يدخله مالٌ وينتقل إليه، وهذا غير جائزٍ.
•••
[٢١٣٥] مسألة: قال: ومن جرح رجلًا عمدًا، فأراد المجروح أخذ العقل، و[أبى] (^١) ذلك الآخَر، فليس له إلَّا القصاص، إلَّا أن يرضى (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله ﷿ أوجب القصاص في القتل، وقال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، فالذي ألزم القاتل والجارح القَوَدُ منه دون المال،
_________________
(١) ما بين []، مطموس، والسياق يقتضيه.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٨٧)، النوادر والزيادات [١٤/ ٩ و١٤/ ١٧]، البيان والتحصيل [١٦/ ١٢٨].
[ ٣ / ٣١٣ ]
وليس عليه غيره، إلَّا أن يحبّ ذلك ويرضى به، فَأَمَّا أن يُجْبَرَ عليه فغير جائزٍ، وقد ذكرناها فيما تقدَّم (^١).
•••
[٢١٣٦] مسألة: قال: ومن قَتَلَ أخاه عمدًا، وللمقتول ابنٌ غلامٌ وأبٌ، فأبى الأب أن يَقْتُلَ ابنه، وأبى الابن إلَّا أن يَقْتُلَ عمَّه، فالأمر في ذلك إلى الابن، إن شاء قتل، وإن أحبّ عفا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الابن هو الوليّ هاهنا؛ لقوَّة سببه، بدلالة: أَنَّهُ أولى بالولاء وكثرة الميراث، فكذلك هو أولى بالقيام بالدّم دون جدِّه.
ألا ترى: أنَّ الأب يرث من ابنه إذا ترك الابن ابنًا مثلما ترث الأمّ، وهو السُّدس بالولادة، والابن يرث ما بقي من ذلك بالتّعصيب، فكذلك وجب أن يكون الابن أولى بالقَوَدِ والعفو من الأب؛ لأنَّهُ العصبة، وقد قال الله جَلَّ وعزَّ: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء:٣٣]، فكان الابن هو الوليّ دون الأب، له القَوَدُ والعفو.
_________________
(١) ينظر: المسألة [٢٠٨٠].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٨٧)، النوادر والزيادات [١٤/ ١١٣].
[ ٣ / ٣١٤ ]
ولأنه أيضًا أقرب إلى الأب من ابنه (^١)، وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي» (^٢)، فالولد أولى بالأب.
•••
[٢١٣٧] مسألة: قال: ويُقْتَلُ الأخ بأخيه، إذا قتله عمدًا على وجه العداوة (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لقول الله ﷻ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، وهذا على عمومه في كلّ نفسٍ مكافئةٍ للقاتل، ولا فرق بين الأخ وغيره، ولا خلاف في هذا نعلمه.
•••
[٢١٣٨] مسألة: قال: وإذا فَجَرَتِ امرأةٌ، فقال لها ابنها: «لأخبرنَّ أبي»، فقتلته، قُتِلَتْ بِهِ (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لعموم قوله ﷿: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، فوجب قتل الأبوين بالولد إذا تعمّدا قتله، وقد ذكر هذا فيما تقدَّم (^٥).
•••
_________________
(١) قوله: «ابنه»، كذا في جه، ولعلها: «أبيه».
(٢) متفق عليه: البخاري (٣٧١٤)، مسلم [٧/ ١٤١]، وهو في التحفة [٨/ ٣٨١].
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٨٧)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٣].
(٤) المختصر الكبير، ص (٣٨٧)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٣]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٥٤٢].
(٥) ينظر: المسألة [٢١٣١].
[ ٣ / ٣١٥ ]
[٢١٣٩] مسألة: قال: ومن قطع يد رَجُلٍ وهو أقطع، قطعها عمدًا، فإن كان إِنَّمَا قطعها؛ لأنَّهُ يرى أن لا قَطْعَ عليه، رأيت أن تُقْطَعَ يَدُهُ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لقول الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، فوجب القَوَدُ في كلّ جرحٍ عمدًا إذا أمكن ذلك، مع وجود التكافؤ بينهما.
•••
[٢١٤٠] مسألة: قال: ومن كانت بينهما منازعةٌ، ثمَّ تفرَّقَا، ثمَّ تعلَّق أحدهما بالآخر وأصبعه مجروحةٌ فزعم أَنَّهُ جَرَحَهُ، فليأت ببيِّنَةٍ، وإلا فيمين المدَّعَى عليه، وإن كان من أهل التُّهْمَةِ رأيت أن يُضْرَبَ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ مدَّعٍ على صاحبه الجرح، فعليه البيِّنَة، وإلا فيمين المدّعى عليه؛ للَّوَثِ الواقع بينهما.
ويحلف يمينًا واحدةً؛ لأنَّهُ ليس في الجراح قسامةٌ.
وقوله: «يضرب إذا كان متَّهَمًَا»؛ لأنَّ الغالب من حاله أَنَّهُ مِمَّنْ فعل مثل هذا.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٨٧)، النوادر والزيادات [١٤/ ١٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٨٧)، النوادر والزيادات [١٤/ ٢١٣]، البيان والتحصيل [١٦/ ١٠٣].
[ ٣ / ٣١٦ ]
[٢١٤١] مسألة: قال: ومن قُطِعَ إحدى قصبتي يده، فعليه (^١) القَوَدُ إن كان يُسْتَطَاعُ ذلك (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لقول الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]:
(فكلّ جرحٍ يُستطاع القَوَدُ فيه، ففيه القَوَدُ؛ لإيجاب الله القَوَدَ فيه إذا طالب بذلك المجروح.
(وكلُّ ما لا يُستطاع القَوَدُ فيه، ففيه الدّية، وذلك مثل المأمومة والجائفة العمد، فيهما الدّية؛ لتعذّر القَوَدِ فيهما، فكذلك كلُّ ما يستطاع القَوَدُ فيه مثله.
•••
[٢١٤٢] مسألة: قال: ومن قَطَعَ يد رجلٍ صحيحةً سليمةً، أو فقأ عينه، وَيَدُ القاطِعِ أو عَيْنُ الفَاقِئِ بها نقصٌ أو عيبٌ وفيها استمتاعٌ، فأراد المجروح القَوَدَ بيده، فذلك له.
وأمَّا إن كان لا استمتاع له بها، واليد شلّاء والعين قائمةٌ، فأراد القَوَدَ، فلا قَوَدَ له (^٣).
_________________
(١) قوله: "فعليه"، كذا في جه، ولعلها تصحيف، صوابه: "ففيه"، كما يقتضيه السياق، وفي البيان والتحصيل [١٦/ ١٠٤]: " فقطعت إحدى قصبتي يده أترى فيه قودًا"، والله أعلم.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٨٨)، البيان والتحصيل [١٦/ ١٠٤].
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٨٨)، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٩١٣]، البيان والتحصيل [١٦/ ١٠٦].
[ ٣ / ٣١٧ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا كان فيها استمتاعٌ ففيها القَوَدُ؛ لحصول المنفعة فيها، فللمجروح إزالتها في القَوَدِ؛ لِأَنَّهَا تكافِئُ يده في وجود المنفعة فيها.
فأمَّا إذا لم تكن فيها منفعةٌ، وكانت يدًا شلّاء، أو عينًا قائمةً، فلا قَوَدَ في ذلك؛ لعدم التكافؤ في وجود المنفعة فيها، وإنّما يريد تعذيبه بذلك، فليس له ذلك.
•••
[٢١٤٣] مسألة: قال: وإن قَطَعَ بعض أصبع رجلٍ، وأصبع القاطع أطول من أصبع المقطوع، والمقطوع أطولُ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إلى أُنْمُلَةِ المقطوع - ما أصيب منها -، فإن كان ثلثها أو ربعها، قُطِعَ من أصبع القاطع بقدر ذلك، على هذا الحساب يكون، كانت أنملته طويلةً أو قصيرةً (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله جَلَّ وعزَّ قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، فوجب بهذا أن يُقْتَصَّ من الجارح بمقدار ما جرح أو قطع، كانت أصبعه أطول أو أقصر، كما تُقْطَع يدٌ طويلةٌ بيدٍ قصيرةٍ، وقصيرةٌ بطويلةٍ، ويُقْتَل طويلٌ بقصيرٍ، وقصيرٌ بطويلٍ، مع وجود التكافؤ في ذلك كلّه، فكذلك هذا، يُقْتَصُّ من الجارح مقدار ما قطع من أصبع المقطوع، أو يده، أو غيره من الأعضاء، كان قَدْرُ ذلك أطول أو أقصر.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٨٨)، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٩١٥]، المنتقى للباجي [٧/ ١٢٩].
[ ٣ / ٣١٨ ]
[٢١٤٤] مسألة: قال: وقال ابن شهابٍ: مضت السُّنَّةُ، أنَّ الرّجل إذا أصاب امرأته بجرحٍ، أنَّ عليه عقل تلك الجراح، ولا يُقاد منه (^١).
قال مالكٌ: وإنّما ذلك في الخطأ، أن يَضْرِبَ الرّجل امرأته فيصيبُها مِنْ ضَرْبِه ما لم يتعمَّد، يضربها بالسوط فيفقأ عينها أو نحو هذا، وأمّا العمد ففيه القَوَدُ، إذا فقأ عينها أو كسر يدها أقيدت منه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله جلَّ وعزَّ قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وقال: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، وهذا على عمومه في كلّ أحدٍ، إلَّا ما خرج بالدّلالة.
ولا فرق في ذلك بين الرّجل وامرأته إذا كان الجرح عمدًا، فَأَمَّا إذا كان خطأً، فدية ذلك على عاقلته إذا كانت ثلث ديتها فصاعدًا؛ لأنَّهُ لم يتعمّد ذلك.
•••
[٢١٤٥] مسألة: قال: ومن أصاب امرأته - بكرًا إلى الصِّغَرِ ما هِيَ -، فعنَّف عليها في وطئه إيّاها، فلم يُقِمْ إلَّا سبعًا حَتَّى ماتت، فإن عُلِمَ أنَّ موتها من إصابته إيّاها، فعليه الدّية، وأرى أن تُعْلِمَ أهلها بالّذي صنع، فيَرَوا فيه رأيهم، وأرى أن يُحَرِّرَ رقبةً (^٣).
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ [٥/ ١٢٥١]، عن الزهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٨٨)، الموطأ [٥/ ١٢٥١ و١٢٨٧]، الاستذكار [٢٥/ ٦٤]، المنتقى للباجي [٧/ ٧٩].
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٨٨)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥١٠]، التبصرة [١٣/ ٦٢٢١].
[ ٣ / ٣١٩ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا قاتل خطأٍ؛ لأنَّ موتها كان بسبب فعله، وهو وطؤها إذا كانت مِمَّنْ لا تطيق الوطء، فكانت ديتها على عاقلته.
وعليه تحرير رقبةٍ مؤمنةٍ، وديةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهلها.
•••
[٢١٤٦] مسألة: قال: وإذا كانت حرّةٌ تحت عبدٍ، شجَّها أو كسر ضِلْعًَا من أضلاعها، فهو لها عبدٌ، إلَّا أن يفتكَّه السَّيِّد بِدِيَةِ الجراح.
(فإن أسلمه: انفسخ النّكاح بينهما، وحَرُمَت عليه.
(وإن افتكَّه: فهي امرأته على حالها.
وإن قال: «أَنَا أَفْتَكُّهُ عَلَى أنَّكِ لَسْتِ بِزَوْجَةٍ»، فلا ينفعه ذلك، وهي امرأته على حالها (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العبد إذا جنى على حرٍّ، فسيِّده بالخيار، بين أن يفتكَّه بأرش الجناية، أو يسلمه إلى المجني عليه عبدًا له، لا بدّ له من ذلك.
فإن افتكَّ السيِّدُ هذا العبدَ الزَّوجَ بأرش جنايته، فالزَّوجية باقيةٌ بينهما.
وإن أسلمه إلى امرأته بجنايته، صار عبدًا لها وانفسخ النّكاح؛ لأنَّ ملك أحد الزوجين الآخر يفسخ النّكاح.
وشرطه أَنَّهُ إن افتكه لم تكن زوجةً له باطلٌ؛ لأنَّ الزوجية ثابتةٌ، لا ترتفع
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٨٨).
[ ٣ / ٣٢٠ ]
بشرطه، وإنّما ترتفع بحصول أحد الأشياء الواقع لها، من: طلاقٍ، أو مُلْكٍ، أو ردّةٍ، أو ما أشبه ذلك.
•••
[٢١٤٧] مسألة: قال: وإذا اقتتل جماعةٌ، فانكشفوا وبينهم قتيلٌ أو جريحٌ، ولا يُدرَى من قَتَلَهُ ولا من جَرَحَهُ، فَعَقْلُهُ على القبيلة الَّتِي نَازَعَته.
وإن كان من غير الفريقين، فعقله على الفريقين جميعًا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا كان قتالهم على غير وجه التَّدين والتّأويل، فالعقل على القبيلة الَّتِي نازعته؛ لِأَنَّهُم هم الَّذِينَ قتلوه في الأغلب.
ولم يكن فيه قودٌ؛ لأنَّهُ لا تُعرف عين القاتل فيُقتصّ منه.
ولا يمكن فيه قسامةٌ؛ لأنَّ القسامة تكون على واحدٍ من جماعةٍ ثبتت الدّعوى عليه.
وإن كان من غير الفريقين، فعقله عليهما جميعًا؛ من قِبَلِ أنَّهم سبب قتله، لأنَّ قتله لم يخرج عنهما، ولا يجوز إسقاط دمه، ولا بدّ فيه من قودٍ أو ديةٍ، فكان فيه الدّية عليهما.
فأمَّا إذا كان قتالهم على وجه التأويل والتَّدَيّن، فلا قَوَدَ بينهم ولا دية، بدلالة: قتل الحربي الكافر للمسلم، لا دية عليه، ولا قَوَدَ إذا أسلم.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٨٨)، الموطأ [٥/ ١٢٨٠]، الاستذكار [٢٥/ ٢٢٩]، المنتقى للباجي [٧/ ١١٤].
[ ٣ / ٣٢١ ]
وبدلالة قتل الجمل وصِفَّين، أَنَّهُ لم يُقَدْ بعضهم من بعضٍ، ولا كانت بينهم دياتٌ، فكذلك كلّ من اقتتل من المسلمين على وجه تأويل دينٍ فهو مثله، في أَنَّهُ لا قَوَدَ ولا دية فيه.
فأمَّا إذا كان على غير وجه الدِّين، وكان على وجه عصبيَّةٍ أو عداوةٍ أو طَلَبِ مُلْكٍ، فبينهم القَوَدُ إذا تعمَّد القتل والجرح وثبت ذلك على أحدٍ، وعلى عواقلهم الدّية في القتل الخطأ؛ لِأَنَّهُم غير معذورين فيما فعلوه من القتال.
•••
[٢١٤٨] مسألة: قال: وإذا وقعت بينهم جراحٌ، استُحْلِفُوا على من ادَّعوا، ثمَّ يُقَادُوا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لَمَّا بيَّنَّاه أنَّ بينهم القَوَدَ إذا اقتتلوا في النّفس والجرح، إذا كان على غير وجه التأويل؛ لعموم إيجاب الله ﵎ القصاص في ذلك بقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨].
وقوله: «إنهم يُقَادُون باليمين»، يعني: مع الشَّاهد الواحد.
وقد قال مالكٌ: إِنَّمَا الجراح بمنزلة القتل، لا تكون إلَّا ببيّنةٍ، فإذا لم تكن بيّنةٌ، فإنَّمَا فيه العقل، وكذلك القتل إذا لم تكن بيّنة، في النّائرة في العين.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٨٩)، النوادر والزيادات [١٤/ ٧٩]، التبصرة للخمي [١٣/ ٦٤٧٢].
[ ٣ / ٣٢٢ ]
[٢١٤٩] قال ابن القاسم: إن أقام شاهدًا واحدًا على جرحه، حلف واقتصّ، وإلّا ففيه الدِّيَة (^١).
• قد ذكرت وجه قوله: «إنه يُحْكَم بالشاهد الواحد بالقَوَدِ في الجراح»، ووجه قوله: «إنه لا يحكم به» فيما تَقَدَّمَ (^٢).
ولا فرق في ذلك بين النّائرة وغير النّائرة، إلَّا أن يكون ذلك على وجه التّدين والتّأويل، وأنّه لا قَوَدَ فيه ولا دية على ما بيّناه.
•••
[٢١٥٠] مسألة: قال: وإذا اقتتل نفرٌ، فافترقوا وبينهم قتيلان، إلَّا أنَّ بأحدهم جَدْعُ أُذُنٍ وجراحٌ، فإنَّمَا فيهم العقل، وليس في جراحهم شيءٌ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يُدرى من قتلهم ولا من جرحهم، فلا قَوَدَ فيه، وفيه الدّية لا غير.
وليس في الجراح شيءٌ؛ لأنَّ الدّية تأتي عليه، بمنزلة ما لو قَطَع يدي رجلٍ ثمَّ قتله، لكانت فيه ديةٌ واحدةٌ؛ لِأَنَّهَا دية النَّفس، فإذا اجتمع قطع الأعضاء والقتل، كان الحكم للقتل دون الأعضاء في الدّية والقَوَدِ.
•••
_________________
(١) هذه المسألة ساقطة من المطبوع، وينظر: النوادر والزيادات [١٤/ ٢١١]، وفيه أن ابن عبد الحكم قال: «لا أرى ذلك في العمد، إلّا في اليسير من الجراح».
(٢) ينظر: المسألة [٢١٣٤].
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٨٩)، النوادر والزيادات [١٤/ ٨٠].
[ ٣ / ٣٢٣ ]
[٢١٥١] مسألة: قال: ولا يُقَاد [في الجـ]ـائفة (^١) والمأمومة، وتركُ القَوَدِ من المُنَقِّلَةِ أعجبُ إليَّ، ولا يقاد من الفخذ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الغالب في الجائفة والمأمومة التّلف، وكذلك المنقِّلة وكسر الفخذ، فوجب ترك القَوَدِ فيها كلّها؛ لغلبة الخوف على النّفس.
قال [] (^٣): وأمّا ما لا يخاف منه التّلف في الغالب إذا أقيد منه؛ فلقول الله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥].
•••
[٢١٥٢] مسألة: قال: ولا يُقَاد من اللَّطمة، ولكن يعاقبه الإمام في ذلك، وذلك يختلف.
وأمّا هؤلاء السُّودَانِ والصبيان يلتطمون في كلّ ساعةٍ، فذلك خفيفٌ، وأمّا الرّجل ذو الهيئة يُلْطم، فذلك مخالفٌ لهما (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ اللّطمة لا يمكن فيها المماثلة، فلا قَوَدَ فيها، ويعاقَبُ الفاعل لها على قدر اجتهاد الإمام فيمن لطمه، بحسب دينه وشرفه وحاله، وقد
_________________
(١) ما بين []، مطموس، والسياق يقتضيه.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٨٩)، المدوَّنة [٤/ ٥٦٣]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٢١]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٥٦١]، التبصرة للخمي [١٣/ ٦٤٠٥].
(٣) ما بين []، كلمة غير واضحة.
(٤) المختصر الكبير، ص (٣٨٩)، المدوَّنة [٤/ ٦٥٣]، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٩]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٩١٠].
[ ٣ / ٣٢٤ ]
قال رسول الله صلَّى الله عليه: «نَزِّلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» (^١)»، وقال: «إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ» (^٢)، وطرح رداءَه لجرير بن عبد الله ليقعد عليه (^٣)، وقال: «أَقِيلُوا ذَوِي الهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ» (^٤)، فالنّاس مختلفون في هذا كما قال مالكٌ، يُتْرَكُ أمرهم على حسب حالهم والاجتراء عليهم، فيؤدَّبُ من فعل ذلك بهم على حسب جنايتهم.
•••
[٢١٥٣] مسألة: قال: ومن ضرب رجلًا حَتَّى أحدث، فعليه العقوبة من السُّلطان بقدر ما يرى (^٥).
• قال أبو بكر: وهذا مثل ما ذكرناه: أنَّ الإمام يؤدِّبه بقدر اجتهاده، وحسب حال من فعل ذلك به.
•••
[٢١٥٤] وليس في الظُّفْرِ قودٌ، ويُسْتَأْنى حَتَّى يُنْظَر إلى ما يصير إليه، وفي عقله الاجتهاد.
_________________
(١) أخرجه أبو داود [٥/ ٢٨٩]، وهو في التحفة [١٢/ ٣٣٠].
(٢) أخرجه ابن ماجه [٤/ ٦٦٠]، من حديث ابن عمر، وهو في التحفة [٦/ ٢٣٠].
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك [٤/ ٤٢٨].
(٤) أخرجه أبو داود [٥/ ٧٢]، والنسائي في الكبرى [٦/ ٤٦٨]، من حديث عائشة، وهو في التحفة [١٢/ ٤١٣].
(٥) المختصر الكبير، ص (٣٨٩)، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٠١ و١٤/ ٤١].
[ ٣ / ٣٢٥ ]
وقد قال: إن كان يُستطاع القَوَدُ منه أقيد (^١).
• وجه قوله: «لا قَوَدَ في الظُّفر»؛ فلأنَّ ذلك متعذّرٌ فيه، فكان بمنزلة الجائفة والمأمومة، لا قَوَدَ فيهما، وفيه حكومةٌ.
ووجه قوله: «إنَّ فيه القَوَدَ»؛ فلأنَّ القَوَدَ يستطاع فيه بقلعه، كما يمكن ذلك في السنّ، فليس قلعه مخوفًا ككسر الفخذ والجائفة والمأمومة، فكان فيه القَوَدُ إذا كان عمدًا، وهذا هو الصّحيح.
وإن كان خطأً ففيه حكومةُ عدلٍ، وذلك أن يقال: كم كانت قيمته لو كان صحيحًا لو كان عبدًا، وكم قيمته وبه هذا العيب، فما قيل من شيءٍ كان عليه ما بين القيمتين من الدّية بقدر ذلك، كان عُشْرُ الدّية مثلًا أو أقل أو أكثر.
وقوله: «يُستأنى بالظفر حَتَّى يُنظر إلى ما يصير أمره»؛ فلجواز أن يرجع كما يرجع السنُّ.
•••
[٢١٥٥] مسألة: قال: ومن لطم رجلًا فذهب بصره والعين قائمةٌ، أو نَخَسَهَا (^٢):
(فإن كان فقأها، فُقِئت عينه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٨٩)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٦].
(٢) قوله: «نخسها»، من النخس، وهو الطعن بالعود ونحوه، ينظر: البناية شرح الهداية [١٣/ ٢٧١].
[ ٣ / ٣٢٦ ]
(فإن ذهب البصر والعين قائمةٌ، فَإِنَّهُ إن استُطِيعَ القَوَدُ أُخِذَ، وإلا عُقِلَ له (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة:٤٥]، وقال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، فكلُّما استُطِيع القَوَدُ منه أقيد، بعد أن لا يكون الغالب منه التّلف وخوفٌ على النّفس، وإذا كان كذلك، لم يُقَدْ منه، وكانت فيه الدّية.
•••
[٢١٥٦] مسألة: قال: وإذا اقتتل رجلان، فعضَّ أحدهما لسان الآخر، فقطع منه ما منعه الكلام شهرًا، ثمَّ تكلَّم وقد نقص من كلامه، فأُحِبُّ أن لا يُقاد منه؛ لأنَّهُ يُعْرَفُ حده (^٢)، وأخاف أن يَشْرَعَ حديدةً فيُذْهِب كلامه أو جُلَّه، فأحبُّ إليَّ أن لا يُقاد منه.
وكُلُّ ما لا يُستطاع القَوَدُ منه، فلا قَوَدَ فيه (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المماثلة في القَوَدِ غير ممكنةٍ؛ لأنَّهُ لا يُقْدَر على مثل
_________________
(١) هذه المسألة ساقطة من المطبوع، وقد تقدمت برقم [٢١٢٢]، وينظر: النوادر والزيادات [١٤/ ٣٨]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٥٨٠].
(٢) قوله: «لأنه يُعرف حده»، كذا في جه، ولعلها: «لأنه لا يعرف حده»، والله أعلم.
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٨٩)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٨]، البيان والتحصيل [١٦/ ١٠٣].
[ ٣ / ٣٢٧ ]
ما قُطِعَ منه فيقاد به، وإذا كان كذلك، كانت فيه الدّية بقدر ما ذهب منه، ويعتبر ذلك بقدر ذهاب الكلام.
•••
[٢١٥٧] مسألة: قال: وإذا قُطِعَ مِنَ اللِّسانِ مَا مَنَعَ الكَلَام، ففيه الدّية كاملة، وكذلك العين إذا ذهب بصرها وهي قائمةٌ، ففيها الدِّية (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد أبطل الغرض من اللِّسان والمنفعة به بذهاب الكلام، ففيه الدّية كاملة، فكذلك العين إذا ذهب البصر منها، ففيها الدّية كاملة - أعني: دية العين بذهاب المنفعة -، وهذا مِمَّا لا خلاف فيه، وقد قال النَّبيُّ صَلَّى الله عليه: «فِي العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ».
رواه يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزمٍ، عن أبيه، عن جده، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال ذلك (^٢).
•••
[٢١٥٨] مسألة: قال: ويُنْتَظَرُ باللِّسان حَتَّى يُنْظر، أينبت أم لا (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لجواز أن ينبت إذا عولج باللَّبن وغيره.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩٠)، المدوَّنة [٤/ ٥٦١]، التفريع [٢/ ٢١٥]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٠٤].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٠٩٢.
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٩٠)، المدوَّنة [٤/ ٥٦٢]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٣٧].
[ ٣ / ٣٢٨ ]
وقد قيل: إِنَّهُ إذا قُطِع من أصله رجع.
•••
[٢١٥٩] مسألة: قال: ومن قتل رجلًا في الحَرَمِ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ في الحرم، وإن قتله في الحلّ فلم يُقْدَرْ عليه إلَّا في الحرم، قُتِلَ في الحرم، وتقام الحدود الَّتِي افترض لله جلَّ وعزَّ على عباده في الحرم وغيره، ولا يُسْتَأْنَى بصاحبه بعد أن وجب عليه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله ﷿ سوَّى في وجوب القَوَدِ في الحرم وغيره بقوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، وقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وكذلك إقامة الحدود فيه كهي في غيره؛ لعموم إيجاب الله الحدود على من ارتكبها بقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، ولم يفرِّق في ذلك بين الحرم والحل.
والحرم أولى الأماكن بإقامة الحدود فيه، من الحدود والقصاص وغيرها، كما تقام فيه حقوق الأموال.
وقد قتل النَّبيُّ صلَّى الله عليه في الحرم جماعةً وجب قتلهم، ولم يخرجهم إلى الحلّ، منهم: ابن خَطَلٍ والقِينَتَيْنِ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩٠)، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ١٤٣]، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٠٥]، البيان والتحصيل [١٥/ ٤٧٤].
[ ٣ / ٣٢٩ ]
فروى مالك، عن الزهري، عن أنس: «أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ قِيلَ لَهُ: هَذَا ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، قَالَ: اقْتُلُوهُ» (^١).
ومعنى قوله ﷿: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧]، أي: فأَمِّنوه، أي: لا تهيِّجُوه.
وهذا أمرٌ، ثُمَّ أمر الله تعالى بإقامة الحدود من القتل والجرح والقطع، وأخذ الحقوق من المال وغيره على من وجب ذلك عليه، حيث كان في حلٍّ أو حرمٍ.
•••
[٢١٦٠] مسألة: قال: ومن أُخِذَ في تُهمةٍ في قتل رجلٍ، فاعترف عند السُّلطان بغير ضربٍ، ثمَّ أُخْرِجَ المقتول من بئرٍ أو مَدْفَنٍ وجيء بِسَلَبِهِ، فلما أُمِرَ به ليُقْتَل، قال: «ما قتلته، ولكن رأيت من قتله»، فلا ينفعه إنكاره بعد ذلك، وكذلك السَّارق (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ إقراره قد ثبت عليه ولزمه حكمه، فلا ينفعه الرّجوع عنه، ولا يسقط عنه ما قد لزمه من القتل، كما يُقِرُّ بالمال، ثمَّ يريد الرّجوع عنه، أَنَّهُ لا يقبل ذلك منه.
وكذلك حدُّ القاذف والسّارق، لا يُقبل ذلك منه.
_________________
(١) أخرجه مالك [٣/ ٦٢٢]، ومن طريقه البخاري (١٨٤٦)، ومسلم [٤/ ١١١]، وهو في التحفة [١/ ٣٨٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٠).
[ ٣ / ٣٣٠ ]
وقد اختلف قول مالكٍ في رجوعه بعد إقراره في حدِّ الزّنا:
(فقيل: إنَّ إقراره يُقْبَل؛ لأنَّهُ حقٌّ لله ﷿، لا يتعلَّق به حقُّ آدميٍّ.
(وقيل: لا يُقبل رجوعه، وسنذكره في موضعه إن شاء الله (^١).
•••
[٢١٦١] مسألة: قال: وإذا عدا ستَّة نفرٍ على رجلٍ، فأخذ اثنان منهم بيده، واثنان منهم برجله، وآخر يخنقه بعمامته، وآخر يضربه حَتَّى مات في أيديهم، ثمَّ هربوا، فلم يؤخذ منهم إلَّا واحد، فحُبِسَ ومعه غيره من أولياء الهاربين، فأقرَّ الَّذِي أُخِذَ من السِّتَةِ فقال: «كنَّا نَصْطَرِعُ لاعِبِينَ في موضعٍ غليظٍ فصرعته، ثمَّ تغاضبنا وتحامينا، فلم أزل عليه، فألزقته إلى الأرض حَتَّى غُشِيَ عليه، فقمت عنه وقد مات، ولم أُرد قتله»، فدعا قومُهُ عَشِيرَةَ الرّجِلِ المعتَرِفِ وأولياءَ الهاربين: «أن تُسَلِّمُوا إلينا بدِيَة صاحبنا خمس دياتٍ، وهذا المعتَرِفُ إن شئنا قتلناه وإن شئنا تركنا».
فقال مالكٌ: أمَّا الدّيات فلا أرى بأخذها بأسًا، وأمّا قَتْلُ هذا المعترف فلا أرى ذلك (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ يجوز أخذ المال في القتل على وجه الصّلح، دِيَةً كانت أو خمس دِياتٍ أو أكثر أو أقلّ، حسب ما يقع الصّلح عليه.
_________________
(١) ينظر: المسألة [٢٤٠١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٠)، النوادر والزيادات [١٤/ ٢٧]، التبصرة للخمي [١٣/ ٦٣٦١].
[ ٣ / ٣٣١ ]
وأما قَتْلُ المعترف فلا يجوز؛ من قِبَل أَنَّهُ لم يعترف بقتل العمد، إِنَّمَا قال: «كنّا لاعبين»، أي: لا قصد لنا في القتل، فلم يجز قتله لهذه العلّة.
•••
[٢١٦٢] مسألة: قال: ومن أقرَّ بقتل رجلٍ خطأً، فلا أرى في ماله شيئًا.
وقد قال مالكٌ: إن لم يُتَّهم في قوله أن يكون خِيفَ محاباة أحدٍ؛ ليخبر به على قومٍ، فأرى أن يُصَدَّق إذا كان مأمونًا، وتحمله العاقلة بخمسين يمينًا (^١).
• وجه قوله: «إنه لا يلزمه شيءٌ في ماله ولا عاقلته (^٢)»؛ فلأنه لم يُلْزِم نفسه شيئًا بقوله: «إنه قتل خطأً»، وإنّما أراد إلزام غيره وهم عاقلته، فلم يلزمهم ذلك أيضًا؛ لأنَّهُ لا يُقْبَل قوله على غيره بغير بيّنةٍ؛ لأنَّ إقرار الإنسان على غيره غير مقبولٍ عليه.
ووجه قوله: «إنه يصدّق إذا لم يُتَّهَم في إقراره مع قسامة أولياء المُقِرِّ بقتله»؛ فلأنَّ المقرّ إِنَّمَا أقرّ بفعله دون فعل غيره، فلزمه الإقرار، ثمَّ جرَّ الإقرار ثبوت الدّية على العاقلة متى أقسم أولياء المقتول، وأَسْوَأُ حال إقراره أن يكون لوثًا لعاقلة المقتول، يُقسَمُ معه فتُستحق الدِّيَةُ.
•••
[٢١٦٣] مسألة: قال: ومن اتُّهِمَ بقتل نفسٍ، فأُخِذَ فاعترف، ثمَّ حُبِسَ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩٠)، المدوَّنة [٤/ ٦٣٥]، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٠١].
(٢) قوله: «ولا عاقلته»، غير مثبت في كلام ابن عبد الحكم.
[ ٣ / ٣٣٢ ]
للقتل، فلمَّا أُخْرِج ليُقْتَل، قال: «إنَّما اعترفت خوفًا من الضَّرب، وأعوذ بالله أن أكون قتلته»، فلا يقبل قوله، إلَّا أن يأتي بأمرٍ معروفٍ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حكم الإقرار قد لزمه بإقراره، فلا يُقْبَل قوله، كما لو أقر بحقٍّ لغيره، ثمَّ رجع فيه لم يُقْبل، فكذلك الإقرار بالقتل، هو حقٌّ لآدميٍّ، فلا يُقبل رجوعه فيه، وقد ذكرنا هذا (^٢).
•••
[٢١٦٤] مسألة: قال: وإذا عُفِيَ عن قاتل العمد، ضُرِبَ مئةً وحُبِسَ سنةً.
وكذلك من استُحِقَّ دمه بالقَسَامَةِ، ضُرِب مئةً وحُبِس سنةً.
قال: ومن قتل عبدًا عمدًا، ضُرِبَ مئةً وحُبِس سنةً (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القتل فيه حقَّان: حقٌّ لله جَلَّ وَعَزَّ، وحقٌّ لآدميٍّ.
(فإذا قُتِلَ: دخَلَ حقُّ الله في حق الآدميِّ.
(وإذا عُفِيَ عنه: أُقيم حقُّ الله عليه، وهو الضّرب والحبس؛ لارتكابه ما قد نهاه الله ﷿ عنه، وكان كالزاني البكر الَّذِي لا يُقْتل، بل يُجلَد ويُحْبَس إذا بقي.
وكذلك إذا قَتَلَ حُرٌّ عَبْدًَا، وجبَ ضربُهُ مئةً وحُبِسَ سَنَةً؛ لفعله ما قد
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩٠)، النوادر والزيادات [١٤/ ١٨٠].
(٢) ينظر: المسألة [٢١٦٠].
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٩١)، الموطأ [٥/ ١٢٨٦]، المدوَّنة [٤/ ٦٣٣].
[ ٣ / ٣٣٣ ]
حظره الله جَلَّ وَعَزَّ؛ ولوجوب ردعه عن مثل ما فعله، إذ لا يمكن ردعه بالقَوَدِ بينهما؛ لنقصان حرمة العبد عن الحرِّ.
•••
[٢١٦٥] مسألة: قال: وإذا أصيبت النَّفس، ففيها الدِّية.
وإن تفرقت الجراح في جسده بيدٍ واحدةٍ أو أيدٍ متفرقةٍ، فشُجَّ مَأْمُومَةً وقُطِعَتْ يده ورجله، كان في ذلك العقل وثلث العقل.
وإن قُطِعَت يده ورجله، ففي ذلك العقل.
وإن أصيبت يداه وعيناه ورجلاه، فله ثلاث ديات.
وإن أصيب بمأمومةٍ فذهب عقله، فله العقل وثلث العقل (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في النَّفس الدِّيَة، وفي اليد نصف الدِّيَة، وكذلك في الرِّجل نصف الدِّيَة، وفي اليدين جميعًا الدِّيَة، وكذلك الرِّجْلَيْنِ، وفي المأمومة ثلث الدِّيَة، فإذا اجتمعت هذه الجراح في بَدَنِهِ، وجبت في كلّ واحدةٍ من ذلك ديته؛ لذهاب العضو أو منفعته، أو حصول الجناية عليه.
فإن مات من هذه الجراح، كانت فيه ديةٌ واحدةٌ؛ لأنَّ أمرها قد صار إلى النَّفس، فكان الحكم لها دون الجراح.
وقد روى يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزّهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزمٍ، عن أبيه، عن جده: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ كَتَبَ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩١)، الموطأ [٥/ ١٢٥٦]، المنتقى للباجي [٧/ ٨٥].
[ ٣ / ٣٣٤ ]
إِلَى أَهْلِ اليَمَنِ، أَنَّ فِي المُوضِحَةِ خَمْسًَا مِنَ الإِبِلِ، وَفِي الأَصَابِعِ، فِي كُلِّ إِصْبَعٍ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي البَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ» (^١).
وقد روى محمد بن راشد (^٢)، عن سليمان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ قَضَى فِي الأَنْفِ إِذَا جُدِعَ الدِّيَة، وَفِي اليَدِ إِذَا قُطِعَتْ نِصْفُ العَقْلِ، وَفِي الرّجل نِصْفُ العَقْلِ، وَفِي المَأْمُومَةِ ثُلُثٌ، وَفِي الجَائِفَةِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَفِي الأَصَابِعِ فِي كُلِّ إِصْبُعٍ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي الأَسْنَانِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ فِي كُلِّ سِنٍّ» (^٣).
وهذا قول الفقهاء السّبعة، وقول جماعة الفقهاء من الصّحابة والتّابعين.
•••
[٢١٦٦] مسألة: قال: وإذا خَتَنَ الطّبيبُ فقطع الحشفة، فعليه العقل، وكلّ ما أخطأ به الطّبيب أو تعدّى - ما لم يتعمّد - فيه العقل.
وقد قال مالكٌ: ليس على الطّبيب شيءٌ، إلَّا أن يكون تعدَّى (^٤).
• وجه قوله: «إنَّ عليه العقل - يعني: في ماله إذا قلَّ، وإن كثر فعلى
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٠٩٢.
(٢) محمد بن راشد المكحولي الخزاعي الدمشقي، نزيل البصرة، صدوق يَهِمُ ورُمِيَ بالقدر، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (٨٤٤).
(٣) أخرجه أبو داود [٥/ ١٦٥]، وابن ماجه [٣/ ٦٤٩]، والنسائي في الكبرى [٦/ ٣٥٤]، وهو في التحفة [٦/ ٣١٥].
(٤) المختصر الكبير، ص (٣٩١)، الموطأ [٥/ ١٢٥٠]، النوادر والزيادات [٧/ ٧٤].
[ ٣ / ٣٣٥ ]
عاقلته -»، هو أنَّه لَمَّا لم يُؤمر بقطع الحشفة وأخطأ في ذلك، وجب عليه العقل، وكذلك كلّ ما أتى عليه به من الخطأ فعليه عقله؛ لأنَّ ذلك ليس مِمَّا أُمِر به، والجناية منه واقعةٌ بتركه التحرُّز، كقاتل الخطأ أنَّ عليه الدِّية.
ووجه قوله: «إنّه لا شيء عليه ولا على عاقلته»؛ فلأنَّ الطبيب مجتهدٌ في الصّلاح فيما يعالجه، فلا يُؤَاخذ بما أخطأ؛ لأنَّهُ قد أُمِر بالفعل، فأشبه الحاكم الَّذِي يقيم الحدّ على إنسانٍ فيموت في حدّه ذلك، فلا شيء عليه؛ لأنَّهُ فعل ما له فعله، وليس كذلك القاتل خطأً؛ لأنَّهُ لم يؤمر بما فعله من القتل الخطأ.
فيشبه أن يكون الطبيب إذا قطع الحشفة، أن تكون الدّية على عاقلته؛ لأنَّهُ قد أخطأ في نفس العقل، وقد كان قادرًا أن يحترس من القطع، وليس كما يؤتى على يديه من غير خطأٍ في القتل؛ لأنَّه فَعَلَ ما لا بد له منه، وذلك بمنزلة القوس يُقَوَّمُ فينكسر، فلا شيء على الصانع إذا لم يعنِّف؛ لأنَّهُ لا بد له من ذلك.
وهذا القول كَأَنَّه أصحّ، أعني: الفرق بين قطعه الحشفة وبين خطئه في طريقة العلاج؛ لأنَّ هذا اجتهادٌ، وليس القطع وتركه اجتهادٌ، فافترقا لهذه العلَّة.
•••
[٢١٦٧] مسألة: قال: وإذا شربت المرأة دواءً فسقط ولدها، فلا شيء عليها إذا كان دواء سلامةٍ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا فعلت ما لها فعله من شرب الدواء، إذا كان سليمًا
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩١)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٠٣]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٧٧١].
[ ٣ / ٣٣٦ ]
في الأغلب، فلم يكن عليها أَمْرُ مَا آلَ إليه، كالإمام إذا أقام حدًّا على أحدٍ فمات فيه، والمجروح إذا اقتَصَّ من جارحه فمات منه، أَنَّهُ لا شيء عليهما؛ لأنَّهما فعلا ما لهما فعله، فكذلك المرأة مثل ذلك.
•••
[٢١٦٨] مسألة: قال: وإذا سقى طبيبٌ إنسانًا دواءً فمات، وقد كان سقى آخر قبله فمات منه من ساعته، فلا غُرَّةَ عليه، ولكن لو تُقُدِّمَ في ذلك، وقيل لهم: أيَّما طبيبٍ سقى إنسانًا أو أبطله فعليه الضَّمان، ويُتَقَدَّم أن لا يداووا أحدًا إلَّا بعلمٍ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأن (^٢) فعل ما يجوز له فعله، وهو سقي الدَّواء إذا كان سليمًا في الأغلب، وقد أُمِر بفعله، وهذا على القول الَّذِي قال: إِنَّهُ لا شيء عليه فيما يخطئه.
وعلى القول الآخر، يجب أن تكون الدّية على عاقلته؛ لأنَّ تلفه كان بسبب فعله.
والصّحيح أَنَّهُ لا شيء عليه؛ لأنَّهُ قد أُمِر بفعل ما فعله، ولم يفرط بترك التحرّز، وليس هذا بمنزلة قطع الحشفة؛ لأنَّهُ كان يمكن أن لا يقطعها.
فأمَّا إذا كان الطّبيب غير عالمٍ بالعلاج، فَإِنَّهُ متعدٍّ، يؤدَّب على فعله، وتكون
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩١)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥١٠]، البيان والتحصيل [٩/ ٣٦٨].
(٢) قوله: «لأن»، كذا في المخطوط، ولعلها: «لأنه».
[ ٣ / ٣٣٧ ]
الدّية عليه وعلى عاقلته إذا كثرت على ما بيَّنَّاه؛ لأنَّهُ لم يؤمر بالعلاج إذا لم يكن من أهل البصيرة، فهو متعدٍّ بفعله.
•••
[٢١٦٩] مسألة: قال: ومن جُرِحَ، فأتى بشاهدٍ واحدٍ أنَّ فلانًا جرحه خطأً؛ حلف واستحقَّ دِيَةَ جرحه.
والخطأ: أن يصيب الرَّجلُ الرَّجُلَ بالشّيءِ لم يعمد به (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الَّذِي يجب في جرح الخطأ مالٌ، فيجوز أن يُسْتَحقَّ بشاهدٍ ويمينٍ؛ لأنَّهُ يجوز الحكم بذلك في الأموال.
وحقيقة الخطأ: هو ما كان من غير قصدٍ للقتل أو الضَّربة، ففيه الدّية لا القَوَدُ، وقد قال الله ﷿: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥]، فعُلِم بهذا أنَّ الخطأ هو ما لم يتعمّد فعله ولا القصد إليه، لكنّه ما كان على غير وجه قصدٍ.
ألا ترى: أنَّ الصبي والمجنون لا قَوَدَ عليهم فيما كان منهم من قتلٍ أو جرحٍ؛ لعدم قصدهم، فكذلك حقيقة المخطئ، هو من لا قصد له في فعله.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩١)، وقد تقدَّمت مسألة شهادة الواحد على جرح العمد في [٢١٣٤]، وينظر: الجامع لابن يونس [١٧/ ٤٣٩ و٢٣/ ٨٣٦]، البيان والتحصيل [١٦/ ٩٠].
[ ٣ / ٣٣٨ ]
[٢١٧٠] مسألة: قال: ولا يُعقل الخَطَأُ، حَتَّى يبرأ المجروح ويصحَّ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حكم الجرح إِنَّمَا يستقرُّ بعد اندماله، فيكون فيه حينئذٍ دية ما يستقرُّ عليه إن كان خطأً، أو القَوَدُ إن كان عمدًا؛ لأنَّهُ قد يؤول إلى النَّفس، فلا يجوز القَوَدُ منه قبل اندماله، ولا أخذ ديته لهذه العلَّة، وهو أنَّ حكمه لم يستقرّ ولم يتناه أمره.
•••
[٢١٧١] مسألة: قال: ومن استعان صبيًّا أو عبدًا مملوكًا في شيءٍ له بالٌ، فهو ضامنٌ لِمَا أصابهما إذا كان بغير إذنٍ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ تلفه بسببه، وبغير إذن صاحبه، فهو ضامنٌ لقيمته وإن (^٣) كان عبدًا، أو ديته إن كان حرًّا.
•••
[٢١٧٢] مسألة: قال: ومن أمر صبيًّا حرًّا أن ينزل في بئرٍ أو يرقى نخلةً، فهلك في ذلك، فالذي أمره ضامنٌ لِمَا أصابه من هلاكٍ أو غيره (^٤).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩٢)، الموطأ [٥/ ١٢٤٨]، المدوَّنة [٤/ ٥٦٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٢)، المدوَّنة [٣/ ٤٤١]، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٤٨].
(٣) قوله: «وإن»، كذا في جه، ولعلها: «إن».
(٤) المختصر الكبير، ص (٣٩٢)، الموطأ [٥/ ١٢٧٨]، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٣٥].
[ ٣ / ٣٣٩ ]
• يعني: أَنَّهُ ضامنٌ للدّية، وتَحْمِلُهَا العاقلة؛ لأنَّهُ قاتل خطأٍ؛ لأنَّ قتله كان بسببه، وإن كان دون الثّلث ففي ماله.
•••
[٢١٧٣] مسألة: قال: وإن استعان كبيرٌ آخَرَ فأعانه، فلا شيء عليه، إلَّا أن يستغفِلَ أو يستجْهِلَ، أو يُقَرِّبَ له فيما لا يَعْلَمُ مِنْهُ مِثْلُ مَا يَعْلَمُ الَّذِي قَرَّبَ لَهُ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا كان كبيرًا مميّزًا، فقد اختار ذلك بنفسه، وأَمْرُهُ إلى نفسه، فلا شيء على من أَمَرَهُ بذلك؛ لأنَّهُ لم يجبره عليه.
فأمَّا إذا كان سفيهًا أو به غفلةٌ، فهو كالصَّبي، ليس له اختيارٌ صحيحٌ، فيلْزَمُ مَنْ أَمَرَهُ ما أصابه؛ لأنَّهُ حَمَلَه على ذلك.
وكذلك إذا قرَّبَ لغير الجاهل ما تلف به؛ لزمه ذلك؛ لأنَّهُ قد غرَّه بالتّقريب له.
ولأنَّه تلفه كان بسببه، فوجب دية ذلك على عاقلته؛ لأنَّ تلفه كان بسببه على وجه الخطأ لا على وجه القصد له.
•••
[٢١٧٤] مسألة: قال: ومن اقتنى كلبًا لماشيةٍ في داره، فعقر الكَلْبُ إِنْسَانًَا، فهو ضامنٌ لِمَا عَقَرَ إذا كان اقتناه وهو يعلم أَنَّهُ يَفْرِسُ الناسَ (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩٢)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٣٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٢)، المدوَّنة [٤/ ٦٦٦]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٩٧٦].
[ ٣ / ٣٤٠ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ متعمِّدٌ (^١) باقتنائه بعد علمه بأنه عقورٌ، فيلزمه ما عقر أو تلف.
وكذلك كلّ من فعل شيئًا ليس له فعله، كالبئر يحفرها في الطّريق، أو الدَّابَّة يقيمها، فيَتلَف به أحدٌ، فهو ضامنٌ؛ لأنَّهُ متعمِّدٌ (^٢) بما فعله، مخطئٌ في ذلك.
فَدِيَةُ من تلف به على عاقلته، وما كان أقلَّ من ثلث الدّية في ماله، وكذلك ما تلف به من مالٍ ففي ماله دون عاقلته.
وكلّ من فعل ما يجوز له فعله، من حفر بئرٍ وإقامة دابّةٍ في موضعٍ له، فعل ذلك فتلف به إنسانٌ أو دابَّةٌ، لم يكن على من فعل ذلك شيءٌ؛ لأنَّهُ فعل ما له فعله.
وذلك بمنزلة الإمام إذا أقام حدًّا على أحدٍ فتلف فيه، أو المجروح إذا اقتصّ فتلف المُقْتَصُّ منه، أَنَّهُ لا شيء عليهما؛ لأنّهما فعلا ما لهما فعله.
فكذلك حافر البئر والمقيم للدَّابَّة وأشباه ذلك، إذا كان له فعله فلا شيء عليه.
•••
[٢١٧٥] مسألة: قال: ومن حفر بئرًا على طريقٍ، أو ربط دابَّته، أو صنع أشباه ذلك على طريق المسلمين:
• فما كان من ذلك مِمَّا لا يجوز له أن يصنعه، فأصيب فيه إنسانٌ، فهو
_________________
(١) قوله: «متعمِّد»، كذا في جه، ولعلها: «متعدٍّ»، والله أعلم.
(٢) قوله: «متعمِّد»، كذا في جه، ولعلها: «متعدٍّ»، والله أعلم.
[ ٣ / ٣٤١ ]
ضامنٌ لهٌ، إن كان أقلّ من الثّلث كان في ماله، وإن كان أكثر من الثّلث كان على العاقلة.
• وما صَنَع من ذلك مِمَّا يجوز له أن يصنعه، فلا شيء له عليه فيه ولا غرم (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ كلّ من فعل ما له فعله، من حفر بئرٍ أو إقامة دابّةٍ في موضعٍ له إقامتها، فهو غير متعدٍّ في ذلك، فلا شيء عليه، كالإمام إذا أقام حدًّا فمات فيه، والمُقْتَصُّ منه إذا تلف.
وكلّ من فعل ما لا يجوز له فعله، من حفر بئرٍ وأشباه ذلك، فتلف به مالٌ أو إنسانٌ، كان غُرْمُ المال في ماله، والدِّيةُ على عاقلته إذا كانت الثّلث فصاعدًا؛ لأنَّهُ فعل ما ليس له فعله، فكان بمنزلة الإمام إذا تعدَّى الحدّ، والمجروح إذا تعدَّى في القصاص، أنَّ ذلك يلزمهما، فكذلك هذا؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهم متعدٍّ جائرٌ، والمتعدِّي يلزمه حكم ما تعدَّى فيه.
•••
[٢١٧٦] مسألة: قال: ومن جعل على حائطه عيدانًا أو قَصَبًَا لتَدْخُلَ في رِجْلِ من دَخَل حائطه، فهو ضامنٌ لَمَّا أصيب به، وكذلك الكلب يقتنيه لِيُحْرِزَ ثَمَرَهُ فيعقر إنسانًا، فهو ضامنٌ لمَا أصاب (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩٢)، الموطأ [٥/ ١٢٧٧]، المدوَّنة [٤/ ٦٦٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٢)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥١٨]، المنتقى للباجي [٧/ ١١٠].
[ ٣ / ٣٤٢ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز له أن يقصد بفعل ذلك ليعقر به أحدًا؛ لأنَّهُ متعدٍّ بهذا القصد؛ لأنَّهُ يقدر على حفظ حائطه بغير هذا الوجه.
ومن أصحابنا من كان يقول: «معنى هذا من قول مالكٍ، إذا أخفاها ولم يُظهِرها حَتَّى يراها من يدخل».
فأمّا الكلب، فإنَّ اقتناءَه لحرز الثّمرة لا يجوز؛ لأنَّهُ إِنَّمَا أُرْخِصَ له في كلب الماشية والصيد دون غيره.
ويجوز أن يَعْلَمَ أَنَّهُ عقورٌ، فيكون باقتنائه له - مع علمه - متعدِّيًا، ويلزمه أرش ما عقر بعد علمه واقتنائه.
•••
[٢١٧٧] مسألة: قال: وإن جعل حِبَالَةً أو حفر حفيرًا للسّباع، فعطب به إنسانٌ، فإذا كان مِمَّا يجوز له أن يصنعه في حائطه، فلا شيء عليه فيه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه: أَنَّهُ فعل ما له فِعْلُهُ، وكلُّ من فَعَلَ ما له فعله مِمَّا به حاجةٌ إليه ولا مندوحة له عنه فتلف به إنسانٌ أو مالٌ، فلا شيء عليه.
والأصل في هذا الإمام، إذا حدَّ إنسانًا فتلف فيه، أَنَّهُ لا شيء عليه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩٢)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥١٨]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٩٧٥].
[ ٣ / ٣٤٣ ]
ولأنَّ هذا لم يقصد بالحفر تلف إنسانٍ فيَضْمَنُ ذلك لتعدِّيه في القصد، وإنّما قصد تلف السَّبع، وذلك جائزٌ له.
•••
[٢١٧٨] مسألة: قال: وإذا قاد رجلٌ بصيرٌ أعمى، فوقع البصير في بئرٍ ووقع الأعمى عليه، فمات البصير، فديته على عاقلة الأعمى (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ تلفه إِنَّمَا كان بوقوع الأعمى عليه وبسببه، فهو قاتل خطأٍ، وعلى عاقلته دية المقتول.
•••
[٢١٧٩] مسألة: قال: ومن نزل في بئرٍ، فأدركه رجلٌ آخر، فجبذ الأسفَلُ الأعلى، فخرَّا جميعًا فماتا، فعلى عاقلة الجاذب الدِّية (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الجاذب هو القاتل للَّذي جذبه ولِنَفْسِهِ، فَدِيَةُ من قتله على عاقلته؛ لأنَّهُ قاتل خطأٍ، وليس له دِيَةٌ؛ لأنَّهُ قاتلٌ نفسه.
•••
[٢١٨٠] مسألة: قال: ومن أمسك لرجلٍ حبلًا في بئرٍ، فانقطع الحبل فسقط المتعَلِّقُ فمات، فلا شيء على المُمْسِكِ، وإن انفلت من يده فهو ضامنٌ (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩٣)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٣٢]، المنتقى للباجي [٧/ ١١١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٣)، الموطأ [٥/ ١٢٧٨]، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٣٠].
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٩٣)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٣١].
[ ٣ / ٣٤٤ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الإتلاف هو من صُنْعِهِ، حيث ترك حفظه والتحرُّز من انفلاته من يده، فكان هو سبب سقوطه وتلفه.
فأمَّا قطع الحبل فليس هو بسببه وصنعه، فلا شيء عليه في ماله، ولا على عاقلته، إذ لا صنع له في تلفه.
•••
[٢١٨١] مسألة: قال: والدِّيَةُ في ذهاب السَّمع، اصْطَلَمَتْ (^١) الأذنان أو لم تصطلما، وكذلك العين القائمة، وما كان من عمدٍ ففيه القَوَدُ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في ذهاب السَّمع ذهاب منفعةٍ عظيمةٍ، ففي ذلك إذا ذهب العقل كلّه، وفي واحدٍ منه نصف الدَّية.
وكذلك العينان مثل ذلك، في ذهاب بصرهما الدِّية، وفي واحدٍ منهما نصف الدِّية.
وكذلك كلّ عضوٍ من الإنسان، إذا ذهب جزءٌ منها ففيه نصف الدَّية، وفي ذهابهما جميعًا الدَّية، وذلك كاليدين والرجلين وأشباه ذلك.
وقد رُوِّينَا عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه أَنَّهُ قال: «فِي السَّمْعِ الدِّيَةُ، وَفِي العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي اليَدَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ» (^٣).
_________________
(١) قوله: «اصطلمت»، الاصطلام هو الاستئصال، يعني: قطعت من أصلها، ينظر: طلبة الطلبة، ص (١٦٤).
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٣)، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ١٠٣].
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ.
[ ٣ / ٣٤٥ ]
والدِّيات ومقاديرها، فإنَّما يُؤخَذُ ذلك اتِّبَاعًا، وليس يؤخذ باجتهادٍ إذا كان مؤقَّتًا، فَأَمَّا إذا لم يكن مؤقتًا فطريقه الاجتهاد، ويُقَدَّر النَّقص الَّذِي رفع بالجناية، وقد بيَّنَّاه (^١).
•••
[٢١٨٢] مسألة: وفي ثديي المرأة الدّية كاملة، وفي اللّسان الدّية كاملة، وفي ذَكَرِ الرَّجُلِ الدّية كاملة، وفي الحشفة إذا قُطِعَت الدّية كاملة، وفي الصُّلْبِ إذا كُسِرَ الدّية كاملة، وإن بَرِئَ وبه انحناءٌ أُعْطِي بقدر ذلك، وفي الشَّفَتَينِ الدِّيَةُ، وفي كلّ شفةٍ نصف الدِّيَةُ (^٢).
• إنّما قال هذا؛ اتّباعًا لِمَا رُوِيَ عن رسول الله صلَّى الله عليه أنَّه أوجب في هذا الدّية.
فمنه ما رُوِيَ عنه ﵇ نَصًّا أَنَّهُ أوجب فيه، ومنه ما أجمع العلماء عليه.
ولا خلاف فيما ذكره مالكٌ من وجوب الدّية فيه على ما ذكره لذهاب هذه الأعضاء أو منافعها؛ لأنَّ الدّية تجب بذهاب العضو ومنفعته، وذلك بقطعه، أو ذهاب منفعته مع بقائه، وذلك كاليد تُشَلُّ، والعين تُقَام ويذهبُ بصَرُها، والشمّ يذهب مع بقاء الأنف.
_________________
(١) ينظر: المسألة [٢١٥٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٣)، الموطأ [٥/ ١٢٦٥]، المدوَّنة [٤/ ٥٦٥]، التفريع [٢/ ٢١٤].
[ ٣ / ٣٤٦ ]
والذَّكَر يُسَلُّ ففيه ديةٌ واحدةٌ، ولو قُطِعَ لكان فيه ديةٌ واحدةٌ، وفي قطعه ذهاب العضو ومنفعته.
وقد روى يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزّهريّ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزمٍ، عن أبيه، عن جدّه: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ اليَمَنِ: أَنَّ فِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي البَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ» (^١).
وهذا قول جملة أهل العلم، لا خلاف بينهم فيه نعلمه.
•••
[٢١٨٣] مسألة: قال: ومن قُطِعَ ذَكَرُهُ وأُنثَيَاه جميعًا، فله ديتان، فإن كان أحدهما بعد الآخر، ففي كلّ واحدٍ ديةٌ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهما عضوان فيهما منفعةٌ تامَّةٌ في وَقْتِ قَطْعِهِمَا، ففيهما ديتان؛ لإيجاب النَّبيِّ صلَّى الله عليه الدّية فيهما، وسواءٌ قُطِعَا في ضربةٍ واحدةٍ أو ضربتين.
فإن كان قَطْعُ أحدهما بعد اندمال الآخر، ففي الثّاني حكومةٌ؛ لأنَّ منفعته غير تامَّةٍ بعد قطع الأوّل منهما، وذلك بمنزلة ذكر الخصي فيه حكومةٌ؛ لأنَّ منفعته في حال القطع غير تامَّةٍ.
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٠٩٢.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٣)، المدوَّنة [٤/ ٥٦٥]، التفريع [٢/ ٢١٥].
[ ٣ / ٣٤٧ ]
وقد قال مالكٌ: «إنَّ في المقطوع منهما بعد الأوّل حكومةٌ، سواءٌ كان ذلك في قطعٍ واحدٍ أو قطعين»؛ لأنَّ الثّاني لا منفعة فيه كاملة بعد قطع الأول.
وكأنَّ هذا القول أقيس، وتكون في المقطوع الثّاني حكومةٌ.
•••
[٢١٨٤] مسألة: قال: وإن أصيب بعض ثديي المرأة، كان فيه حكومة العدل المجتهد.
وكلُّ ما كُسِرَ من الإنسان خطأً: يدٌ، أو رِجْلٌ، أو غير ذلك من الجسد، فبرأ وعاد لهيئته، فلا شيء فيه، وإن كان نَقَصَ أو كان فيه عَثْلٌ (^١)، ففيه عَقْلُه بحساب ما نقص.
(وإن كان ذلك العظم مِمَّا فيه عقلٌ مُسَمّىً عن النَّبيِّ صلَّى لله عليه، فبحساب ما فُرِضَ.
(وإن كان لم يأتِ فيه عن رسول لله صلَّى لله عليه ولم تمضِ فيه سُنَّةٌ، فإنَّمَا يُجْتَهَد فيه.
وليس في الجراح إذا كانت خطأً في الجسد عقلٌ إذا برئ وعاد لهيئته، إلَّا الجائفة، فإنَّ فيها ثلث النَّفْسِ.
_________________
(١) قوله: «عثلٌ»، العثل أن تنقص اليد أو الرّجل فلا تعود الأولى، فينظر إلى حالها اليوم كم نقص من حالها الأولى، فإن كان ثلثًا فله ثلث الدِّيَة، وإن كان أقل أو أكثر فبحساب ذلك»، ينظر: المنتقى للباجي [٧/ ٧٥].
[ ٣ / ٣٤٨ ]
وليس في مُنَقِّلَةِ الجسد عقلٌ، وهي مثل مُوضِحَةِ الجسد (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ما قُطِعَ من العضو الَّذِي فيه شيءٌ مؤقتٌ، ففيه من ديته بمقدار ما قُطِعَ منه، نصفًا أو ثلثًا، يُتَحَرَّى ذلك فيكون فيه.
فأمَّا ما لا دية فيه مؤقتةٌ من الجراح والكسر، فإنَّ في ذلك حكومة عدلٍ، بأن يُجْعَلَ ما بين قيمته صحيحًا أن لو كان عبدًا، وبين قيمته معيبًا، ثمَّ يكون عليه من الدّية بحسب ذلك ما كان من كسرٍ أو غيره.
وإن عاد لهيئته وبَرِئَ فلا شيء فيه، لأنَّهُ ليس ثَمَّ نقصٌ يُرْجَع إليه يُعتبر منه أرشٌ الجناية، فلا شيء فيه.
وإن كان الجرح مِمَّا فيه عقلٌ مُسَمَّىً، ففيه ديته وإن بَرِئَ، وذلك بمنزلة الجائفة والمأمومة والمنقِّلَةِ وأشباه ذلك، فإنَّ فيها ديتها وإن برئت؛ لِأَنَّهَا مؤقتةٌ؛ ولعظم الخوف فيها على النّفس.
•••
[٢١٨٥] مسألة: قال: ومن شجَّ رجلًا شجَّةً لا قَوَدَ فيها، مثل المُنَقِّلَةِ، فعليه عقوبةٌ مع العقل.
ويضرب في ذلك مجرَّدًَا، إلَّا أن تكون امرأةً تترك عليها ثيابها، وإن كان فروًا أو قطيفةً نُزِعت، وتُجْلَدُ الحدّ جالسةً، ولم أَرَ أحدًا ضرب امرأةً ولا رجلًا إلَّا قاعدين (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩٣)، الموطأ [٥/ ١٢٤٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٤)، المدوَّنة [٤/ ٤٨٧]، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٠٧].
[ ٣ / ٣٤٩ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ: «إنّه يعاقب من فعل ذلك مع وجوب العقل»؛ فلأنَّه فعل ما لا يجوز له فعله إذا تعمَّد ذلك، فوجب زجره وأدبه على ما فعله.
وتُجَرَّد في الضّرب كلّه من الحدود وغيرها؛ ليصيبها أَلَمُهُ، وقد قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢] يعني: في ترك إقامة الحدود وترك إيلامه.
•••
[٢١٨٦] مسألة: قال: وإذا استُؤْصِلَ مَارِنُ (^١) الأنف، ففيه الدّية كاملةً (^٢).
• هذا إِنَّمَا قاله؛ لذهاب جمال الأنف، ففيه الدّية كاملةً.
وقد روى محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جده: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ قَضَى فِي الأَنْفِ إِذَا جُدِعَ الدِّيَةَ كَامِلَةً» (^٣).
•••
[٢١٨٧] مسألة: قال: وليس في الحاجبين عقلٌ مسمَّىً (^٤).
_________________
(١) قوله: «مارن»، المارن هو ما دون قصبة الأنف، وهو ما لان منه، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٤٤٠).
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٤)، المدوَّنة [٤/ ٥٦٠]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٠٢].
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢١٦٥.
(٤) المختصر الكبير، ص (٣٩٤)، المدوَّنة [٤/ ٥٦٤]، التفريع [٢/ ٢١٤]، النوادر والزيادات [١٣/ ٣٩٦].
[ ٣ / ٣٥٠ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنّهما ليسا بعضوٍ ثابتٍ كاليد والرِّجل، ففيها حكومة عدلٍ بقدر ما نقص، على ما بيَّنَّاه (^١).
•••
[٢١٨٨] مسألة: قال: ومن ربط رجلًا بحبلٍ فدلَّاه في بئرٍ، وربط حبلًا آخر في خشبةٍ، وتدلَّى الرّجل في طلب حَمَامٍ، فانقطع الحبل الَّذِي في الخشبة فخرَّ هابطًا، فخشي الرّجل أن يذهب معه فخلَّى سبيل الحبل؛ فعليه الدّية، ولا يشبه هذا السّفينة (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ اختار تخلية الحبل من يده، فكان هو سبب تلف الرّجل المتدلِّي في البئر، فوجب أن تكون عليه الدّية، تحملها عاقلته؛ لأنَّهُ قاتلُ خطأٍ إذا لم يقصد قتله.
فأمَّا السَّفينة إذا غلب صاحبها الرِّيحُ، فلا شيء عليه؛ لأنَّهُ لم يختر ما حدث عليها وعلى أهلها، وإنّما غُلِبَ على ذلك.
•••
[٢١٨٩] مسألة: قال: وإذا كان للعبد ولدٌ من امرأةٍ حرَّةٍ، فجعله أبوه في
_________________
(١) ينظر: المسألة [٢١٨٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٤)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٣٠]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٩٦٤].
[ ٣ / ٣٥١ ]
البحر بغير إذن أمِّه فغرق المركب وغرق الغلام ونجا الأب، ثمَّ طلبت أمّه وأولياء أمّه ديته، فلا شيء على الأب في حُمْلَانِهِ إيَّاه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النّاس يركبون البحر وغالبهم السّلامة فيه، فلم يتعدَّ بحمله في البحر، فلا شيءَ عليه.
•••
[٢١٩٠] مسألة: قال: ومن استعان رجلين يحملان معه خشبةً، فحملاها معه وهم ثلاثةٌ، وللمستعير ابنٌ صغيرٌ يمشي في الخشبة، فلمَّا ألقوها، ألقوها على الصّبي، فلم يلبث أن مات، وشهد شاهدان: «أنَّهم مرَّوا بنا يحملون الخشبة والصَّبِيُّ في ظلّها، فلمَّا ألقوها سمعنا وقعها وصوت الصَّبي، فابتدرنا فوجدنا الصَّبيَّ في حجر أبيه يمسكه، فلم يلبث أن مات»، فعليهم الدّية على قبائلهم، وعلى كلّ واحدٍ منهم عتق رقبةٍ، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩٤)، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٨٠ و٥٤١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٤)، النوادر والزيادات [١٤/ ١٦٩].
[ ٣ / ٣٥٢ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ من حَمَلَ الخشبة، هو سبب قتل الصَّبيِّ بطرحهم لها عليه، فعلى عاقلتهم ديته، وعلى كلّ واحدٍ منهم كفارةٌ؛ لأنَّهُ قاتِلُ خطأٍ؛ لإيجاب الله ﷿ ذلك عليه بقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، إلى قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء:٩٢].
•••
[٢١٩١] مسألة: قال: وفي العقل إذا ذهب وعُرِفَ ذهابه الدِّيَةُ كاملة (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العقل أفضل شيءٍ في الإنسان وأعظمه منفعةً.
ألا ترى: أَنَّهُ يعرف الله ﷿ به، ويلزمه الخطاب مع وجوده، ويزول عنه مع عدمه، وكانت منفعته أعظم من اليدين والرِّجْلَين (^٢).
•••
[٢١٩٢] مسألة: قال: وكلُّ ما ليس فيه عقلٌ مسمَّىً، مثل: المِلْطَاةِ وَالبَاضِعَةِ، فلا شيء فيه إذا بَرِئَ، إلَّا أن يشين، فيكون فيه بقدر الشَّيْنِ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذه الأشياء إذا برئت على غير نقصٍ، فلم يؤثر فعلها، فلا شيء فيها، وإذا أبقت نقصًا، فقد أثَّرت، فعليه بقدر ما نقص من الأَرْشِ، وذلك يُعْلَم بِحُكومة العدل على ما بيَّناه (^٤).
•••
[٢١٩٣] مسألة: قال: ومن كان بينه وبين رجلٍ قتالٌ، فأتى وبه أثر ضَرْبٍ وجِرَاحٍ، فزعم أنَّ فلانًا وفلانًا قاتلاه، وأنه أَثَّرَ فيهما موضع كذا وكذا، وأنَّهما
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩٥)، المدوَّنة [٤/ ٥٦٣]، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ١٠٠].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ١٠٠]، شرح المسألة عن الأبهري.
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٩٥)، النوادر والزيادات [١٣/ ٣٩٨].
(٤) ينظر: المسألة [٢١٨٤].
[ ٣ / ٣٥٣ ]
اللَّذان فعلا به هذا، ثمَّ مات، فأرى أن يُسْجَنَا حَتَّى ينكشف أمرهما، وأُحِبُّ في مثل هذا لو اصطلحوا، فَأَمَّا القِصَاص في مثل هذا فلا أعلمه (^١).
• إنّما قال: «إنّهما يسجنان»؛ لِمَا ثبت من اللَّوث بقول المجروح: «إنّهما فعلا به ذلك».
ولم يبلغ الأثر الَّذِي به أن تكون القسامة كقوله: «قتلني فلانٌ»، فلم ير فيه قسامةٌ؛ لِأَنَّهَا تجب بلوثٍ من بَيِّنَةٍ أو قول المجروح: «قتلني فلانٌ وفلانٌ دون غيرهما».
فأمّا الصُّلح على المال فجائزٌ؛ لأنَّ الصُّلح على المال بين المسلمين جائزٌ، والقصاص لا يجب إلَّا ببيِّنةٍ تثبت، أو إقرارٍ، أو قسامةٍ مع لوثٍ.
•••
[٢١٩٤] مسألة: قال: وإذا سقط حَمْلٌ على جاريةٍ:
• فالحَمَّالُ ضامِنٌ إن كان حرًّا.
• وإن كان عبدًا كان ذلك في رقبته، إلَّا أن يفديه سيّده بقيمتها (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ تلف الجارية بسبب الحمَّال وطرحه الحمل عليها.
وكان ضامنًا لقيمتها؛ لأنَّ ضمان المال يجب بالعمد والخطأ إذا تلف.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩٥)، النوادر والزيادات [١٤/ ٧٩]، البيان والتحصيل [١٥/ ٤٥٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٥)، المدوَّنة [٤/ ٦٦٦]، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٢٦].
[ ٣ / ٣٥٤ ]
وهذا إذا طَرَحَ الحمل، فَأَمَّا إذا سقط منه من غير صنعٍ له فيه، فيشبه أن لا يكون عليه شيءٌ في ذلك؛ لأنَّهُ لم يكن تلفها عن فعلٍ منه عمدًا ولا خطأً.
فإن كان الحمَّال عبدًا، كان ذلك في رقبته؛ لأنَّ ما أخطأه العبد على المال والنّفس ففي رقبته، إلَّا أن يفديه سيّده بقيمة ذلك، فإن فعل، وإلا أسلم رقبته؛ لجنايته.
•••
[٢١٩٥] مسألة: قال: وإذا جُبِرَتِ التَّرْقُوَةُ، فليس فيها شيءٌ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ التَّرْقُوَةَ لم يجعل فيها النَّبيُّ صلَّى الله عليه شيئًا مؤقتًا، فإذا برئت، فلا شيء فيها، كسائر جروح البدن إذا برئت وعادت كهيئتها - مِمَّا ليس فيها شيءٌ مؤقتٌ -، فلا شيء فيها.
وما رُوِيَ عن عمر بن الخطاب ﵁: «أَنَّهُ جَعَلَ فِي التَّرْقُوَةِ بَعِيرًَا» (^٢)، يشبه أن يكون إذا كان هناك نقصٌ باقٍ، ففيها بقدر ما نقص، فكان ذلك المقدار شيئًا حكم فيه عمر.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩٥)، المدوَّنة [٤/ ٥٧٠]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٠٠].
(٢) أخرجه مالك [٥/ ١٢٦٣]، وابن أبي شيبة [١٤/ ٨٢].
[ ٣ / ٣٥٥ ]
[٢١٩٦] مسألة: قال: وفي أَشْرَافِ الأُذُنَيْنِ (^١)، والعينين القائمة (^٢)، واليد الشَّلَاءُ (^٣)، الاجتهاد (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأذنين ليس جمالها ظاهرٌ كجمال الأنف فتكون فيهما الدّية كما تكون في الأنف إذا قُطِع؛ لأنَّهما يُغَطَّيَانِ بالعمامة والقلنسوة والرّداء وأشباه ذلك، والأنف لا يمكن فيه، وقد قال أبو بكرٍ الصّديق رضوان الله عليه: «تَسْتُرْهُمَا القَلَنْسُوَةُ وَالشَّعِيرَةُ» (^٥)، والدِّية فإنَّمَا تجب:
(بذهاب العضو الظّاهر الجمال كالأنف.
(وذهاب منفعته وإن لم يكن له جمالٌ ظاهرٌ، كشلل الذّكَرِ، وقطع الحشفة.
وقد قال مالكٌ: في الأذنين إذا قُطِعتا الدّية كاملة.
ووجه هذا القول: أنَّ الأذنين عضوٌ فيهما منفعةٌ وجمالٌ كغيرهما من
_________________
(١) قوله: «أشراف الأذنين»، هو جلد بين العذار والبياض الذي حولهما، ينظر: الفروع لابن مفلح [٦/ ٢٤].
(٢) في الموطأ [٥/ ١٢٥٨]: «القائمة إذا أطفئت».
(٣) في الموطأ [٥/ ١٢٥٨]: «الشلاء إذا قطعت».
(٤) المختصر الكبير، ص (٣٩٥)، وقد ذكر ابن أبي زيد في النوادر [١٣/ ٤٠٢]، هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر: الموطأ [٥/ ١٢٥٨].
(٥) أخرجه عبد الرزاق [٩/ ٣٢٣]، وابن أبي شيبة [١٤/ ٥٦].
[ ٣ / ٣٥٦ ]
الأعضاء، ففيهما الدّية، فَأَمَّا اليد الشَّلاء ففيها حكومةٌ ولا دية فيها؛ لذهاب منفعتها، وليس جمالها ظاهرًا كجمال الأنف، فكان فيها حكومةٌ.
•••
[٢١٩٧] مسألة: قال: ومن كُسِرَتْ فخذه، ثمَّ جُبِرَتْ مستويةً، فليس على الكاسر نفقته ولا علاجه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنْ ليس في هذا أصلٌ يُرْجَعُ إليه في إيجاب ذلك على الجاني.
ولأنه لو جُعِلَ عليه نفقته، لأمكن أن يتجَاوَزَ ذلك عَقْل شيءٍ مسمّىً، وذلك غير جائزٍ.
•••
[٢١٩٨] مسألة: قال: وإذا كان أهل بلادٍ قد جَرَوا على عقلٍ مُسَمَّىً فيما دون المُوضِحَةِ، في الباضِعِ وما أشبهه، فأرى أن يُبْطَلَ ذلك من البلدان، وهو باطلٌ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأصل في هذه الأشياء الاجتهاد وحكم عدلٍ، بأن ينظر كم ثمنه لو كان عبدًا صحيحًا، ثمَّ ثمنه وبه هذا العيب، ثمَّ يكون ذلك النَّقص
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩٥)، النوادر والزيادات [١٣/ ٣٩٧]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٥٦٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٥)، وقد نقل ابن أبي زيد في النوادر [١٣/ ٣٩٩]، هذه المسألة عن ابن عبد الحكم.
[ ٣ / ٣٥٧ ]
من مقدار ديته على الجاني في ماله، أو على عاقلته إذا بلغ ما تحمله، فليس يجوز أن يكون في ذلك عقلٌ مسمَّىً.
•••
[٢١٩٩] مسألة: قال: ومن شجَّ رجلًا شَجَّةً، فزعم أَنَّهُ ذهب منها سمْعُهُ، فلا يُعْجَلُ في أمره، ويُعْتَقَلُ (^١) ويُصَاحُ به، ثمَّ يحلف بالله الَّذِي لا إله إلَّا هو: «لقد أَصَمَّ، وما حدث هذا الصَّمم إلَّا منذ ضُرِبْتُ هذه الضَّربة» (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يُقْدَر في علم صِحَّةِ ما قال في ذهاب سمعه أكثر مِمَّا وصفه مالكٌ، فيُجَرَّبُ ذلك كما ذكره مرارًا، ثمَّ يُسْتَحْلف ويُعْطَى الدّية، إذ لا يتهيَّأ في أمره غير هذا، وقد ظهر دلائل ذهاب سمعه، فَدِينَ في ذلك، وأُعْطِيَ الدّية مع يمينه.
•••
[٢٢٠٠] مسألة: قال: ومن حفر بئرًا أو شِرْبًَا للماء أو للرِّبح - مِمَّا مثله يُعْمَلُ - في داره أو أرضه، فسقط فيها إنسانٌ فمات، فلا ضمان عليه (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ فعل ما له أن يفعله، فلا شيء عليه فيما تلف فيه من إنسانٍ أو مالٍ، كالإمام إذا أقام حدًّا على رجلٍ فمات، فلا شيء عليه.
_________________
(١) قوله: «ويُعْتَقَلُ»، كذا رسمها في جه، ولعلها تصحيف، صوابه: «ويُغْتَفَلُ»، كما في النوادر والزيادات [١٣/ ٤٥٤]، والجامع لابن يونس [٢٣/ ٨٠٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٦)، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٥٤]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٨٠٤].
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٩٦)، المدوَّنة [٤/ ٦٧٢]، النوادر والزيادات [١٣/ ٥١٨].
[ ٣ / ٣٥٨ ]
وكالمقتصِّ منه إذا مات من الجرح، أَنَّهُ لا شيء على من اقْتَصَّ منه؛ لأنَّهُ فعل ما له فعله.
•••
[٢٢٠١] مسألة: قال: وإن جعل حِبَالَةً في داره أو شيئًا؛ يُتْلِفُ به إِنْسَانًا، فتَلَفَ، فعليه ضمانه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد قصد إتلاف الإنسان، ولا يجوز له قصده إتلافه، فهو ضامنٌ له؛ لأنَّهُ فعل ما لا يجوز له فعله، وذلك كما لو حفر بئرًا، أو فعل شيئًا، في موضعٍ لا يجوز له فعله، فتَلَفَ به إنسانٌ أو مالٌ، فعليه ضمان ذلك؛ لأنَّهُ متعدٍّ بالفعل، والذي فَعَلَ ما لَهُ فِعْلُهُ فغير متعدٍّ، فلا شيء عليه فيما تلف به من إنسانٍ أو مالٍ.
•••
[٢٢٠٢] مسألة: قال: ومن حمل إنسانًا على دابَّةٍ ليسقيها، فصرعته فقتلته:
(فإن كان كبيرًا، فلا شيء عليه.
(وإن كان صغيرًا، فعليه عقله.
(وإن كان عبدًا، فعليه ثمنه (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩٦)، المدوَّنة [٤/ ٦٧٢]، النوادر والزيادات [١٣/ ٥١٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٦)، المدوَّنة [٤/ ٦٦٤]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٩٤٧].
[ ٣ / ٣٥٩ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الكبير إذا كان صحيح العقل مميِّزًا، فقد اختار ركوب الدَّابَّة، فلا شيء على من حمله إذا تلف؛ لأنَّهُ هو سبب تلف نفسه.
فأمَّا الصَّغير، فعلى عاقلته ديته - أعني: عا [قلة] (^١) الحامل -؛ لأنَّهُ سبب تلفه؛ لأنَّ الصبي لا اختيار له في فعله.
وأما العبد فعليه قيمته في ماله؛ لأنَّهُ فعل به ما لا يجوز له أن يفعله به بغير إذن سيّده.
ولأنَّه هو سبب تلفه.
•••
[٢٢٠٣] مسألة: قال: ومن قُتِلَ وترك ابنًا له صغيرًا، وترك أباه (^٢)، فللأب أن يقطع أمره بالعقل إن قَبِلَه (^٣)، فأمَّا عفوه فلا أدري.
وإن كان قَتْلُهُ على ماله، فليس للأب فيه عفوٌ ولا للسُّلطان (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الابن الصغير لا ينتفع بالعفو، ولا فائدة له فيه، فلا يجوز عفوه.
فأمَّا إن عفا على مالٍ، فذلك جائزٌ؛ لأنَّ الصغير ينتفع به، وفي ذلك نظرٌ له.
_________________
(١) ما بين []، مطموس في جه، والسياق يقتضيه.
(٢) قوله: «وترك أباه»، يعني: أنه ترك أباه وليًا للصبي، وقد تقدَّم في المسألة [٢١٣٦] ما إذا أراد الابن القتل، وأراد الأب العفو.
(٣) قوله: «قَبِلَه»، كذا في جه، وبه يستقيم السياق، وفي المطبوع: «قتله».
(٤) المختصر الكبير، ص (٣٩٦)، المدوَّنة [٤/ ٦٩٥]، النوادر والزيادات [١٤/ ٩٨].
[ ٣ / ٣٦٠ ]
فإن قُتِلَ على أخذ مالٍ، لم يجز العفو فيه؛ لأنَّهُ قتله هو (^١) على وجه غيلةٍ - وهي المحاربة -، ولا يجوز العفو في حدِّها؛ لأنَّهُ من حقوق الله ﷿، كحدِّ الزِّنا والسَّرق وأشباهه.
•••
[٢٢٠٤] مسألة: قال: ومن قُتِلَ وله ولدٌ صغارٌ، فيَنْظُرُ لهم وليُّهم في القَوَدِ.
وإذا كان خطأً، لم يكن له العفو؛ لأنَّهُ مالٌ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ وليّ الصّغار - القيِّم لهم بذلك -:
(يجوز عفوه عن العمد؛ لأنَّهُ ليس بمالٍ.
(ولا يجوز عفوه عن الخطأ؛ لأنَّهُ مالٌ.
(ويجوز عفوه أيضًا في العمد على المال؛ لأنَّهُ نظرٌ للأصاغر.
•••
[٢٢٠٥] مسألة: قال: ومن قُتِلَ وله ولدٌ صغارٌ وعَصَبَةٌ:
(فأمر العصبة جائزٌ إن قَتَلُوا.
_________________
(١) قوله: «قتله هو»، كذا في جه.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٦)، النوادر والزيادات [١٤/ ١١٢]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٨٤٧].
[ ٣ / ٣٦١ ]
(وإن عَفَوا، لم يجز ذلك إلَّا بالدِّية، وهي المورُوثَةُ على كتاب لله ﷿: للمرأة وللإخوة للأمّ (^١).
وبنو العمِّ يَقْتُلُون إن أحبّوا ذلك، ولا يُنْتَظَرُ ولده إذا كانوا صغارًا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأصاغر لا ينتفعون بالعفو، فلا يجوز العفو عنه إلَّا أن يكون على مالٍ فيجوز؛ لأنَّ في ذلك نظرًا لهم.
وإذا عفوا على مالٍ أو ديةٍ، كان ذلك موروثًا على كتاب الله من ورثة المقتول؛ لأنَّهُ مالٌ لهم، فهم يرثون عنه.
وقد روى الزّهري، عن سعيدٍ، أنَّ عمر رحمة الله عليه قال: «الدِّيَةُ لِلْعَاقِلَةِ، ولَا تَرِثُ المَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، حَتَّى أَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ بِذَلِكَ»، وخبر الضَّحاك هو: «أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ كَتَبَ إِلَيْهِ: أنْ تُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا» (^٣).
وروى سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدّه: «أَنَّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ قَضَى أَنَّ العَقْلَ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَةِ المَقْتُولِ» (^٤).
_________________
(١) قوله: «للمرأة وللإخوة للأمّ»، جاء في النوادر والزيادات [١٤/ ١١٦]: «ويدخل فيه زوجته وأخته لأمه وجميع الورثة».
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٦)، النوادر والزيادات [١٤/ ١١٦]، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ١٤٠].
(٣) أخرجه مالك [٥/ ١٢٧٢]، وأبو داود [٣/ ٤٢٣]، والترمذي [٣/ ٨٣]، وابن ماجه [٣/ ٦٦٠]، وهو في التحفة [٤/ ٢٠٢].
(٤) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢١٦٥.
[ ٣ / ٣٦٢ ]
وقوله: «لا يُنْتَظَرُ ولده إذا كانوا صغارًا»؛ فلأنَّ الصغير لا ولاية له في حال صغره.
ألا ترى: أَنَّهُ لا يُنْتَظَرُ في تزويج وليّته كبره، بل يُزَوِّجُ غيره مِمَّنْ هو مثله في القرب إذا كَانَ، أو أبعد منه، كالأخوين إذا كان أحدهما صغيرًا، زَوَّجَ الكبيرُ ولم ينتظر بلوغ الصَّغير، وقد قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيّ» (^١)، فكان ذلك للكبير دون الصغير، ولا يُنْتَظَرُ به، فكذلك الولاية في القتل مثله.
•••
[٢٢٠٦] مسألة: قال: ومن قُتِلَ وله بنون صغارٌ وكبارٌ، فأراد الكبار أن يَقْتُلُوا، فذلك لهم (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ الوليّ هو الكبير من الولد دون الصّغير في القتل، كما هو الوليّ في تزويج أخته دون أخيه الصّغير، ولا يُنْتَظَرُ به بلوغه.
وفي انتظاره ضررٌ على الكبير، ويجوز أن يموت القاتل قبل أن يُقاد منه.
•••
[٢٢٠٧] مسألة: قال: ومن قُتِلَ وترك أباه وابنه، فالابن أولى بالقيام بالدَّم، وإن كان الابن صغيرًا، نَظَرَ له وليّه ورفعه إلى السّلطان، وليس لجدّه - أبي أُمِّهِ - في هذا حقٌّ.
_________________
(١) أخرجه أبو داود [٣/ ٢٠]، والترمذي [٢/ ٣٩٢]، وابن ماجه [٣/ ٧٩]، وهو في التحفة [٦/ ٤٦٠].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٧)، المدوَّنة [٤/ ٦٤٣]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٨٤٨].
[ ٣ / ٣٦٣ ]
وإن كان جدُّه أبو أمّه وليّه وأراد العفو، نُظِرَ في ذلك: فإن كان حظًّا للصّبي ونظرًا له، جاز، ولا يجوز حَتَّى يكون حظًّا للصَّبي الَّذِي صَنَعَ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الابن أقرب العصبة، فهو أولى بالقيام بالدَّم من الأب.
ألا ترى: أَنَّهُ أولى بولاء الموالي وكثرة الميراث من الأب؛ لأنَّ الأب يرث مع الابن بالرَّحم دون التَّعصيب، كما ترث الأمّ مع الابن، فكان الابن أولى بالقيام بالدّم والعفو؛ لقوّة سببه على سبب الأب.
فإن كان الابن صغيرًا، قام وليّه مقامه في ذلك، كما يقوم في ماله؛ لأنَّهُ كمنزلة الحاكم في رعيّته، يَنْظُرُ لهم، فكذلك وليّ الصّغير في نظره له.
وكذلك إن كان جَدُّهُ وليّه، - بأن يُوِصي أبو الصّغير إليه -، فَإِنَّهُ يعفو على مالٍ إنْ رأى ذلك ويُقْبَلُ؛ لأنَّهُ مقام الأب في ذلك.
ولا مدخل للجدِّ أبي الأمّ في ذلك؛ لأنَّهُ يُدْلِي بالرَّحم لا بالتَّعصيب، إلَّا أن يوصي إليه أبو الصَّبيّ فيكون ذلك له.
•••
[٢٢٠٨] مسألة: قال: ومن قُتِلَ وله بنون غُيَّبٌ وحُضُورٌ، لم يُقْتَلِ القاتل، وانتُظِرَ به الغُيَّبُ حَتَّى يقدموا، فيقتلوا أو يعفوا (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩٧)، النوادر والزيادات [١٤/ ١١٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٧)، المدوَّنة [٤/ ٦٦٣].
[ ٣ / ٣٦٤ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الغائب وليٌّ في حال القتل، فيُنتَظَرُ؛ لأنَّهُ مِمَّنْ له النَّظر والتّمييز، وليس كذلك الصّغير؛ لأنَّهُ لا تمييز له ولا نظر.
وكما يُنتظر بالغائب في ولاية التّزويج حَتَّى يقدُم، فكذلك يُنتظر به في ولاية القتل، ولا يُنتظر بالصّغير أن يكبر فيهما جميعًا.
•••
[٢٢٠٩] مسألة: قال: والقائد (^١) والسّائق (^٢) والرّاكب، كلّهم ضامنٌ لِمَا أصابت الدَّابَّة، إلَّا أن تَرْمَحَ من غير أن يُفعل بها شيئًا.
وما وطئت الدَّابَّة بيدها أو برجلها، أو عَضَّت، وعليها راكبٌ، فأعنتت:
(فإن كان ما أتت من هذا كلّه مِنْ قِبَلِ الراكب، هو الَّذِي يَعْسِبُهَا (^٣)، أو يَشْلِيهَا (^٤)، أو يضربها، فترمح برجلها، فهو لذلك ضامنٌ.
(وما كان من قِبَلِهَا، فهو هدرٌ (^٥).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الرَّاكب والقائد والسَّائق، سببٌ لِمَا فعلته الدَّابَّة
_________________
(١) قوله: «والقائد»، هو الذي يمشي أمام الدَّابَّة يقودها بلجام أو غيره، ينظر: المنتقى للباجي [٧/ ١٠٩].
(٢) قوله: «والسائق»، هو الذي يمشي خلف الدَّابَّة فيسوقها، ينظر: المرجع السابق.
(٣) قوله: «يعسبها»، كذا رسمها في المخطوط، وفي المطبوع: «نخسها»، والمعنى: أنه يهيِّجها، ينظر: لسان العرب [١/ ٥٩٩].
(٤) قوله: «يشليها»، يعني: يغريها، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٢٥٦).
(٥) المختصر الكبير، ص (٣٩٧)، الموطأ [٥/ ١٢٧٧]، المدوَّنة [٤/ ٦٦٧].
[ ٣ / ٣٦٥ ]
وجَنَتْهُ، فعليهم ضمان ذلك؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهم مقصِّرٌ مفرّطٌ بتركه حفظ الدَّابَّة، ومنعها أن تفعل ما فعلت.
فأمَّا إذا فعلت شيئًا لا صنع له فيه، فلا شيء عليه؛ لأنَّهُ غير مفرّطٍ ولا مقصِّرٍ بترك حفظها أو [إرسـ]ـالها (^١)، وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه: «العُجْمَى جُرْحُها جُبَارٌ» (^٢).
رواه [ما] لكٌ (^٣)، عن الزّهري، عن سعيدٍ وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ صلَّى [الله علـ]ـيه (^٤).
ومعناه: إذا فعلت ذلك بغير صنع أحدٍ، فَأَمَّا إذا فعلت ذلك بصنع راكبٍ أو قائدٍ أو سائٍق، لزمه ذلك؛ لتركه حفظها ومنعها مِمَّا فعلته.
•••
[٢٢١٠] مسألة: قال: والرَّديفانِ على الدَّابَّة، تصيب دابَّتُهُمَا إنسانًا بُجُرْحٍ، أنَّ عقل ذلك الجرح عليهما جميعًا.
وقد قال مالكٌ: إن كانا على محملٍ لا يُقادُ بهما (^٥)، فهو عليهما جميعًا، فإن كانا رديفين، فليس المُؤَخَّرُ مثل المُقَدَّمِ، وذلك على الاجتهاد.
_________________
(١) ما بين []، مطموس، والسياق يقتضيه.
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٠٨٧.
(٣) ما بين []، مطموس، والمثبت من مصادر التخريج.
(٤) ما بين []، مطموس، والسياق يقتضيه.
(٥) قوله: «لا يُقادُ بهما»، كذا في جه، ولعلها: «لا يُقادُ إلَّا بهما»، والله أعلم.
[ ٣ / ٣٦٦ ]
وإن كان المؤخر حرَّكَها وبيد المقدَّمِ لجامها، فهما ضامنان، وإن كان المؤخَّر لم يُحَرِّك والمقدَّمُ الَّذِي أقْدَمَهَا، فالغرم عليه فيما أرى، على وجه الاجتهاد فيما يُرى عند ذلك (^١).
• إنّما قال: «في الرّديفين على الدَّابَّة، واللّذين في محملٍ، أنَّ عقل ما جنت عليهما»؛ فلأنَّ ما جنته بسببهما، فليس أحدهما بأولى من الآخر في حمل أرش الجناية، إلَّا أن يكون ما جنته بسبب أحدهما دون الآخر، أو كان أحدهما قادرًا على منعها مِمَّا فعلته فلم يمنعها، فيكون ذلك عليه؛ لأنَّهُ هو السّبب فيما جنت دون الآخر.
وذلك على حسب الاجتهاد في حال ما يحدث ذلك، على حسب ما قاله مالكٌ.
•••
[٢٢١١] مسألة: قال: وإذا جَمَحَ فرسٌ بصبيٍّ وعَلِمَ أَنَّهُ مغلوبٌ فصدم إنسانًا فجرحه، فهو على الصَّبي (^٢).
• يعني: في ماله إذا كان دون الثّلث، وعلى عاقلته إذا كان ثلث الدّية فما فوقه؛ لأنَّ الصبيَّ سبب تلف الإنسان الَّذِي أتلفه.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩٧)، المدوَّنة [٤/ ٦٦٤]، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٢٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٧)، المدوَّنة [٣/ ٥٠٠]، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٢٣ و٥٢٥]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٩٥٧].
[ ٣ / ٣٦٧ ]
[٢٢١٢] مسألة: قال: وإذا اصطدم مُرَادِيٌّ وخَوْلَانِيٌّ على فرسين، فَوَصَلَ (^١) فرس الخولاني على رِجْلِ صَبِيٍّ فقطع أصبعًا من أصابعه، فالعقل على مُرَادٍ وخَوْلَانَ (^٢).
• يعني: عاقلة الرَّجلين المصطدمين؛ لأنَّهما سبب ما أتلفاه.
وهذا إذا زاد الجرح على الأصبع أو أدَّى إلى النّفس؛ لأنَّ العاقلة لا تحمل دية الأصبع؛ لِأَنَّهَا عُشْرُ الدِّية، وذلك في مال الجاني.
•••
[٢٢١٣] مسألة: قال: وما ضربت الدَّابَّة بيدها وعليها راكبٌ، فليس على راكبها شيءٌ، إلَّا أن يكون أوطأها أو حرَّكها (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ رسول الله ﷺ قال: «جُرْحُ العُجْمَى جُبَارٌ» (^٤).
وهذا إذا لم يكن جرحها بسببب فعل أحدٍ، فإذا كان بسبب فعل أحدٍ، فهو ضامنٌ؛ لتعدِّيه أو تقصيره.
•••
[٢٢١٤] مسألة: قال: ومن أوقف دابَّته على باب المسجد أو باب الأمير، فقتلت إنسانًا، فلا شيء عليه؛ لأنَّهُ موضعٌ تُوقَفُ فيها الدَّوابّ.
_________________
(١) قوله: «فوصل»، كذا في جه، وفي المطبوع: «فوطئ».
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٧)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٢٦].
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٩٨)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٢٠].
(٤) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٠٨٧.
[ ٣ / ٣٦٨ ]
وكلُّ من ربط دابَّته في موضعٍ لا يُمْنَعُ منه، فأصابت إنسانًا، فلا شيء عليه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ كلّ من فعل ما له فعله من إقامة دابَّةٍ أو حفر بئرٍ وأشباه ذلك، في موضعٍ له فِعْلُهُ، فتلف به إنسانٌ أو مالٌ، فلا شيء عليه؛ لأنَّهُ فعل ما له فعله، بمنزلة الإمام إذا حدَّ إنسانًا فمات منه، والمجروح إذا اقتصّ فمات المُقْتَصُّ منه، فلا شيء عليهما؛ لأنّهما فعلا ما لهما فعله، فكذلك هذا مثله.
وكلّ من فعل ما ليس له فعله، فتلف به إنسانٌ أو مالٌ، كان عليه ضمان ذلك؛ لتعدّيه للفعل، كما يتعدَّى الإمام في الحدِّ، والمستقيد في القَوَدِ، فليزمهما ذلك.
•••
[٢٢١٥] مسألة: قال: وإذا وقع العَسْكَرُ على إنسانٍ فقتله، فلا شيء عليه (^٢).
• يعني: الرَّوْشَنُ (^٣)؛ لأنَّ صاحبه ليس متعدّيًا بإخراجه وبنائه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩٨)، المدوَّنة [٣/ ٥٢٢]، النوادر والزيادات [١٣/ ٥١٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٨)، النوادر والزيادات [١١/ ٤٤]، المنتقى للباجي [٧/ ١١١].
(٣) قوله: «الروشن»، هو ما يبنيه صاحب الجدار من بيته في الشارع، ولا يصل إلى الجدار المقابل له، سواء كان خشبًا أو حجرًا، ينظر: حاشية الجمل على شرح المنهج [٣/ ٣٦٠].
[ ٣ / ٣٦٩ ]
فإذا كان متعدّيًا بفعل ما ليس له فعله، فهو ضامنٌ لِمَا تلف من المال، وعلى عاقلته دية من قتله الرّوشن.
•••
[٢٢١٦] مسألة: قال: ولا قَوَدَ بين الصّبيان، وعمدهم خطأٌ ما لم تجب عليهم الحدود، وإن كانوا أبناء خمس عشرة، ما لم يحتملوا (^١) (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الصّبي لا يصحّ قصده فيما يفعله، فلا قَوَدَ عليه؛ لعدم قصده في القتل، وعلى عاقلته الدّية؛ لأنَّهُ قاتِلُ خطأٍ حَتَّى يبلغ (^٣).
وحدّ البلوغ في الرَّجل: الاحتلام، أو الإنبات، وفي النِّساء: الحيض، أو الاحتلام، أو الإنبات، أو الحمل، فهذه علامات البلوغ في الرّجال والنِّساء.
فأمَّا خمس عشرة سنةً فليس حدًّا للبلوغ؛ لأنَّ حدّ البلوغ هو ما يحدث في الإنسان لأمرٍ وزمانٍ، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدّم.
•••
_________________
(١) قوله: «يحتملوا»، كذا رسمها في المخطوط، ولعلها: «يحتلموا»، وفي الموطأ [٥/ ١٢٤٧]: «ويبلغوا الحلم».
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٨)، الموطأ [٥/ ١٢٤٧]، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ١٣٣].
(٣) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ١٣٤]، هذا التعليل عن الأبهري.
[ ٣ / ٣٧٠ ]
[٢٢١٧] مسألة: قال مالكٌ: ولو أنَّ كبيرًا وصغيرًا قتلا رجلًا كبيرًا خطأً، كان على كلّ واحدٍ منهما نصف الدِّية (^١).
• يعني: على عاقلة كلّ واحدٍ منهما الدّية؛ لأنّهما قتلا خطأً، ودية قتل الخطأ على عاقلة القاتل، بإلزام النَّبيِّ صلّى الله عليه إياها ذلك.
•••
[٢٢١٨] مسألة: قال: وإذا شرب صبيٌّ في تُوقَال (^٢) - يعني: كُوزًَا -، فضرب صبيٌّ آخر أسفله فكَسَرَ سِنَّه، وشهد عليه صِبْيَانٌ قبل افتراقهم، فَعَقْلُ سِنِّهِ على الضَّارب في ماله، ولا يكون على العاقلة؛ لأنَّهُ لم يبلغ ثلث الدّية (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ شهادة الصّبيان جائزةٌ في الجراح والقتل؛ للضّرورة إلى حفظ دمائهم وجراحهم؛ لأنَّا قد أُمِرْنَا بتعليمهم وأخذ الاستعداد للعدوِّ، فوجب حياطة جراحهم ودمائهم بقبول شهادتهم، كما وجب حفظها بالقسامة؛ للضّرورة إلى ذلك.
ولا تجوز القسامة في مالٍ، فكذلك لا تجوز شهادة الصّبيان في مالٍ.
وتجوز في الجراح وإن كان يجب به مالٌ، كما تجب الدّية - وهي مالٌ - بالقسامة؛ للضّرورة إلى ذلك.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩٨)، الموطأ [٥/ ١٢٤٧]، وقد تقدَّمت المسألة برقم: [٢١٢٤].
(٢) قوله: «توقال»، كذا رسمها، ويقال أيضًا: «بوقال»، قال الزبيدي في التاج [٢٨/ ١٠١]: «البوقال، بالضم: كوز بلا عروة».
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٩٨)، النوادر والزيادات [١٤/ ٢١١].
[ ٣ / ٣٧١ ]
وكما يجوز قبول شهادة النِّساء منفرّداتٍ فيما لا يحضره الرِّجال؛ للضرورة إلى ذلك، فكذلك جاز قبول شهادة الصّبيان بعضهم على بعضٍ في القتل والجراح؛ للضّرورة إلى حفظ ذلك منهم.
وهذا ما لم يتفرَّقوا ويُخَبِّبُوا، فإن تفرّقوا لم تقبل شهادتهم، إلَّا أن يكونوا قد أَشْهَدُوا العُدُولَ على شهادتهم، فيُقْبل ما شهد به العدول عليهم.
وقد رُوِّينَا عن علي (^١) وابن الزبير (^٢)، أنّهما أجازا شهادة الصّبيان في الجراح، وهو قول السّبعة الفقهاء، وقول جماعةٍ كبيرةٍ من أهل العلم.
•••
[٢٢١٩] مسألة: قال: وإذا جرح صبيٌّ إنسانًا عمدًا جرحًا يبلغ ثلث الدّية، فذلك على العاقلة (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عمد الصّبي خطأٌ، ودية الخطأ على العاقلة إذا كانت الثّلث فصاعدًا.
•••
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق [٨/ ٣٥٠]، وابن أبي شيبة [١١/ ٨٣].
(٢) أخرجه عبد الرزاق [٨/ ٣٤٩]، وابن أبي شيبة [١١/ ٨٠].
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٩٨)، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٩٤ و٥٠٨]، البيان والتحصيل [١٦/ ١٤٥].
[ ٣ / ٣٧٢ ]
[٢٢٢٠] مسألة: قال: ولا يُقْتَلُ غلامٌ ولا جاريةٌ، حَتَّى يحتلم الغلام وتحيض الجارية (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قصدهما في القتل معدومٌ، فهو خطأٌ حَتَّى يبلغا.
وحدُّ البلوغ: الاحتلام أو الإنبات في الرَّجل، وفي النِّساء: الحيض، أو الاحتلام، أو الإنبات، أو الحمل، لأنَّ الحدود والعقوبات، إِنَّمَا تلزم البالغين دون الأصاغر.
وقد روى حماد بن سلمة، عن حمادٍ، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رحمها الله، أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه قال: «رُفِعَ القَلَمُ عَنِ ثَلَاثَةٍ، عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، [وَالنَّائِمِ] (^٢) حَتَّى يَنْتَبِهَ، وَالمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» (^٣).
ومعنى هذا: في الإثم والعقوبة في الحدِّ أو العقوبة، لا لزوم المال من الدّية وبذل ما أتلف من المال؛ لأنَّ ذلك يلزمهم بإجماع أهل العلم الَّذِينَ يُعتمد عليهم.
•••
[٢٢٢١] قال: وإذا كُسِرَتْ سِنُّ صبِيٍّ، وُضِعَ العقل واسْتُؤْنِيَ بها:
• فإن نبتت رُدَّ العقل، وإلا كان للصّبيّ.
• وإن كان عمدًا فلم تنبت، اقتُصَّ له.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩٨)، البيان والتحصيل [١٦/ ١٤٥].
(٢) ما بين []، مطموس، والمثبت من التخريج.
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢١٠٣.
[ ٣ / ٣٧٣ ]
• وإن مات الصبي قبل أن تَنْبُتَ، أُخِذَ عقلها (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لجواز أن تنبت السنّ، فلا يكون فيها شيءٌ، كالجرح إذا برئ لا شيء فيه.
وإذا لم تنبت، كان فيها ديتها إن كان خطأً، والقَوَدُ إن كان عمدًا.
وإن مات الصّبي قبل أن تنبت، فقد وجبت ديتها بقلعها مع عدم الإنبات.
•••
[٢٢٢٢] مسألة: قال: وإذا جُرِحَ صبيٌّ فعفا عنه أبوه، فليس ذلك له، إلَّا أن يتحمّله في ماله (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا حَظَّ للصبيّ في العقول (^٣) على غير مالٍ.
فإن تحمَّل أبوه جاز؛ لأنَّهُ عفوٌ على مالٍ، وفي ذلك نظرٌ له.
•••
[٢٢٢٣] مسألة: قال: وإذا اقتتل صَبِيَّانِ، فقتل أحدهما صاحبه، فقال المقتول: «قتلني فلانٌ»، فأقرّ الحيُّ بذلك، فليس إقراره بشيءٍ، ولا ينفع قول الميِّت، ولا قسامة في ذلك (^٤).
_________________
(١) هذه المسألة ساقطة من المطبوع، وينظر: المدوَّنة [٤/ ٦٣٨]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٤٠]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٦٢٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٩)، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٩٣٦].
(٣) قوله: «العقول»، كذا في جه، ولعلها: «العفو».
(٤) المختصر الكبير، ص (٣٩٩)، المدوَّنة [٤/ ٢٦].
[ ٣ / ٣٧٤ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ إقرار الصبيِّ غير مقبولٍ، كالمجنون؛ لعدم تمييزهما.
ولا قسامة مع قوله؛ لِأَنَّهَا تجب مع وجود اللّوث، وقوله ليس بلوثٍ؛ لأنَّ اللّوث هو قول المميّز البالغ: «أنَّ فلانًا قتله»، أو شهادة شاهدٍ، يقسم الأولياء مع القول أو الشهادة.
•••
[٢٢٢٤] مسألة: قال: وليس فيما دُونَ المُوضِحَةِ عقلٌ مُسَمَّىً، وإنّما فيه الاجتهاد (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ رسول الله ﷺ لم يجعل فيما دون الموضِحَةِ شيئًا مؤقتًا، وإنّما في ذلك اجتهاد الحاكم.
•••
[٢٢٢٥] مسألة: قال: وكلّ نافذةٍ في عضوٍ من الأعضاء، فإنَّمَا فيها الاجتهاد (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّافذة: هي جرح الجسد، ففيها الاجتهاد، إذ ليس فيها شيءٌ مؤقتٌ.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩٩)، الموطأ [٥/ ١٢٥٩]، النوادر والزيادات [١٣/ ٣٩٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٩)، الموطأ [٥/ ١٢٦٠]، المدوَّنة [٤/ ٥٦٠]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٠١].
[ ٣ / ٣٧٥ ]
[٢٢٢٦] مسألة: قال: وفي ثديي الرّجل إذا قُطِع الاجتهاد (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ثديي الرّجل ليسا بعضوين لهما منفعةٌ تامَّةٌ كما هي في ثديي المرأة، فكان فيهما حكومةٌ.
•••
[٢٢٢٧] مسألة: قال: والعين القائمة إذا طُفِئَتْ، واليد الشَّلاء إذا قُطِعَتْ، فإنَّمَا فيها الاجتهاد (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ منفعتهما معدومةٌ، فلا دية فيهما كاملةٌ، وليس فيهما جمالٌ ظاهرٌ باقٍ كهو في الأنف، ففيهما حكومةٌ.
•••
[٢٢٢٨] مسألة: قال: وإذا نُزِعَ الظُّفْرُ، ففيه الاجتهاد (^٣).
• يعني: في أرشه اجتهادٌ، فَأَمَّا العمد فقد قال: فيه القَوَدُ إن أمكن ذلك (^٤).
•••
[٢٢٢٩] قال: وفي ذَكَرِ الخَصِيِّ الاجتهاد، وفي لسان الأخرس الاجتهاد (^٥).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩٩)، المدوَّنة [٤/ ٥٦٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٩)، الموطأ [٥/ ١٢٥٨]، المدوَّنة [٤/ ٥٧٠].
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٩٩)، المدوَّنة [٤/ ٦٣٨]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٠١].
(٤) ينظر: المسألة رقم ٢١٥٤.
(٥) المختصر الكبير، ص (٣٩٩)، الموطأ [٥/ ١٢٥٨]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٦١١].
[ ٣ / ٣٧٦ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لعدم منافعهما، فلم تكمل ديتهما، وليس جمالهما ظاهرًا كجمال الأنف، والدّية تجب بذهاب منفعة العضو، أو ذهاب جماله إذا كان ظاهرًا، فإن لم يكن ذهابُ واحدٍ من منفعةٍ أو جمالٍ، ففيه الحكومة.
•••
[٢٢٣٠] مسألة: قال: وفي شعر (^١) العين الاجتهاد (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهما ليسا بعضوٍ، وهما بمنزلة الحاجبين، ففيهما اجتهادٌ.
والشَّتَرُ: الأشفار.
•••
[٢٢٣١] مسألة: قال: وفي حِجَاجِ العَيْنِ الاجتهاد (^٣).
• يعني: أجفان العين، ففيهما الاجتهاد؛ لِأَنَّهَا ليست بعضوٍ، كاليدين، والرّجلين، وما أشبههما من الأعضاء.
•••
_________________
(١) قوله: «شعر»، كذا في جه، وصوابه: «شتر»، كما في الشرح، ونحوه في الموطأ [٥/ ١٢٥٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٩)، الموطأ [٥/ ١٢٥٧]، المدوَّنة [٤/ ٥٦٥].
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٩٩)، الموطأ [٥/ ١٢٥٧]، المنتقى للباجي [٧/ ٨٦].
[ ٣ / ٣٧٧ ]
[٢٢٣٢] مسألة: قال: وَلا تَكُونُ المُوضِحَةُ وَلا المُنَقِّلَة ولا المَأْمُومَة إلَّا في الوجه والرأس، وما كان من ذلك في الجسد فإنَّمَا فيه الاجتهاد (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الوجه والرأس، الخوف فيهما عظيمٌ، فغُلِّظَ أمر الجرح فيهما، وهما عضوان فيهما السّمع والبصر والشّمّ والذّوق والدّماغ، وبه يقع التّمييز، وسائر الجسد ليس كذلك، فكان قيمة ما نقص ليس شيئًا مؤقتًا، إلَّا في الجائفة؛ لعظم خوفها أيضًا على النّفس، فكان فيها شيءٌ مؤقتٌ، وهو ثلث الدّية، وكذلك في المأمومة.
•••
[٢٢٣٣] مسألة: قال: وإذا قُطِعَت الأذنان وبقي السّمع، فإنَّمَا فيهما الاجتهاد (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ جمالهما ليس بظاهرٍ كجمال الأنف، ففيهما حكومةٌ، وقد تغطّيهما القلنسوة والعمامة.
وقد قال مالك: فيهما الدّية؛ لأنّهما عضوان بمنزلة اليدين والرّجلين (^٣).
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٩٩)، الموطأ [٥/ ١٢٦١]، المدوَّنة [٤/ ٥٦١]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤١٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٩٩)، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٠٠].
(٣) ينظر: المسألة [٢١٩٦].
[ ٣ / ٣٧٨ ]
[٢٢٣٤] مسألة: قال: وإذا قُطِعَ الذّراع بعد ذهاب الكفِّ، فإنَّمَا فيه الاجتهاد (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الذّراع ليس فيه شيءٌ مؤقتٌ إذا كانت اليد قد قُطِعَت منه، وكلّ ما لم يكن فيه شيءٌ مؤقتٌ، ففيه الاجتهاد.
•••
[٢٢٣٥] مسألة: قال: والقِصَاص فيما دُونَ المُوضِحَةِ، ولا دية فيه إذا برئ وعاد لهيئته (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، فكل جرح عمدٍ ففيه القصاص إذا أمكن ذلك فيه.
وقوله: «لا دية فيه»، يعني: مؤقتة؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه لم يؤقِّت ديةً في أقلّ من موضحةٍ، ففي ذلك الاجتهاد بقدر ما نَقَصَ.
فإذا برئ وعاد لهيئته من غير نقصٍ، فلا شيء فيه؛ لأنَّهُ لم يبقَ موضعٌ للاجتهاد.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٠)، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٤٦]، المنتقى للباجي [٧/ ٨٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٠٠)، الموطأ [٥/ ١٢٥٩]، المدوَّنة [٣/ ٤٣٣]، الجامع لابن يونس [١٥/ ٤٣٤].
[ ٣ / ٣٧٩ ]
[٢٢٣٦] مسألة: قال: وفي المُنَقِّلَةِ خمس عشرة فريضةً، وإنّما تَطِيرُ الفِرَاشُ (^١) مِنَ الدّواء والذي يُجْعَلُ فيه (^٢) (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا رُوِيَ في الخبر عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه: «أَنَّ فِي المُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الإِبِلِ».
رواه الزّهريُّ، عن أبي بكر بن حزمٍ، عن أبيه، عن جدِّه عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه (^٤).
والمُنَقِّلَةُ: هي ما انتقل العظم للدّواء، وهو معنى قول مالكٍ: ما طار فراشها.
•••
[٢٢٣٧] مسألة: قال: ولا تكون مُنَقِّلَةٌ، ولا مُوضِحَةٌ، ولا مَأْمُومَةٌ، إلَّا في الوجه والرّأس.
وليس اللَّحْيُ الأسفل ولا الأنف من الرّأس، إِنَّمَا هما عظمان منفردان (^٥).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرنا: من شدّة الخوف في هذين العضوين وعلوِّ
_________________
(١) قوله: «الفراش»، فراش الدماغ، هي عظامٌ رقيقةٌ تبلغ القحف، وتسمَّى الواحدة منها فراشة، ينظر: المصباح المنير، ص (٤٦٨).
(٢) في الموطأ [٥/ ١٢٥٩]: «قال مالكٌ: والمنقّلة: التي يطير فراشها من العظم ولا تخرق إلى الدّماغ».
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٠٠)، الموطأ [٥/ ١٢٥٩]، النوادر والزيادات [١٣/ ٣٩٦].
(٤) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٠٩٢.
(٥) المختصر الكبير، ص (٤٠٠)، الموطأ [٥/ ١٢٦١]، المدوَّنة [٤/ ٥٦١]، شرح التلمساني [١٠/ ١٢٢]، وقد تقدَّمت المسألة برقم [٢٢٣٢].
[ ٣ / ٣٨٠ ]
محلهما، ما جعل في جرحهما شيءٌ مؤقتٌ دون سائر الجسد، إلَّا الجائفة، فإنَّ جرحها مخوفٌ؛ لأنَّهُ يقع في الجوف.
وقوله: «ليس اللّحْيُ الأسفل، ولا الأنف من الرّأس؛ لأنّهما منفردان»؛ يعني: ليس الخوف فيهما كالخوف في اللّحْيِ الأعلى والرّأس، فأشبه الجسد.
•••
[٢٢٣٨] مسألة: قال: وفي الجائفة والمأمومة ثُلُثُ النَّفْسِ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ جعل في كلّ واحدٍ منهما ثلث الدَّية.
فروى الحكم بن موسى، حدَّثنا يحيي بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزُّهريِّ، عن أبي بكر بن حزمٍ، عن أبيه، عن جده: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ اليَمَنِ، أَنَّ فِي المَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي المُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي المُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ» (^٢).
•••
[٢٢٣٩] مسألة: قال: والجائفة تنفذ الشِّقَّينِ، بمنزلة الجائفتين.
وقد قيل: ليس فيهما إذا نَفَذَت من الشِّقَّين ضربَةً واحدةً إلا دية واحدة، وما هو بالبيّن، والأولُّ أحبّ إلينا (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٠)، الموطأ [٥/ ١٢٤٩]، النوادر والزيادات [١٣/ ٣٩٦].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٠٩٢.
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٠٠)، النوادر والزيادات [١٣/ ٤١٩]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٥٥٠].
[ ٣ / ٣٨١ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا إذا أنفذت، فهما جِرَاحَتَان وصلتا إلى الجوف، فكانتا جائفتين.
ووجه قوله: «إنَّها واحدةٌ»؛ فلأنَّ الجرح واحدٌ، ففيه الدّية واحدةٌ، سواءٌ نفذ أو لم ينفذ، والقول الأوّل أصحُّ؛ لأنّهما جرحان نفذا إلى الجوف.
•••
[٢٢٤٠] مسألة: قال: ومن أصيب بِجَائِفَتَيْنِ ومُنَقِّلَتَيْنِ وَمَأْمُومَتَيْنِ، عُقِلَ له ذلك كلّه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لِأَنَّهَا جراحٌ مختلفةٌ، ففي كلّ واحدةٍ منها ديته، كما لو قُطِعَت يده ورجله وفُقِئَت عينه، لكان له ثلاث ديات.
•••
[٢٢٤١] مسألة: قال: ومن أُوضِحَ في وجهه ورأسه، فله في كلّ مُوضِحَةٍ خمسٌ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنّهما جرحان، ففي كلّ واحدٍ ديته.
•••
[٢٢٤٢] مسألة: قال: ومن شُجَّ ثلاث مُنَقِّلاتٍ، حملت ذلك العاقلة (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٠)، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٣٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٠٠)، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٣٥].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٠٠)، المدوَّنة [٤/ ٥٧٣]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٩٧].
[ ٣ / ٣٨٢ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ثمنها خمسًا وأربعين بعيرًا، والعاقلة تحمل ثلث الدّية فصاعدًا.
•••
[٢٢٤٣] مسألة: قال: وَالجَائِفَةُ: ما وصل إلى الجوف (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ اسمها مأخوذٌ من وصولها إلى الجوف، قلَّ ذلك أو كثر.
•••
[٢٢٤٤] مسألة: قال: وَالمُوضِحَةُ: ما وَضَحَ العَظْمُ، وإن كان بقدر إبرةٍ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ معنى الموضحة، هو ما وضح عن العظم، قلَّ ذلك أو كثر، فهو موضحةٌ.
•••
[٢٢٤٥] مسألة: قال: وَالمُنَقِّلَةُ: ما طار فِرَاشُهَا (^٣).
• يعني: انتقل العظم ولم تخرق إلى الدّماغ.
والمأمومة: ما وصل إلى الدماغ إذا خُرِقَ العظم، صَغُرَ ذلك أم كثر؛ لأنّ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٠)، المدوَّنة [٤/ ٥٦٦]، التفريع [٢/ ٢١٦]، المنتقى للباجي [٧/ ٦٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٠٠)، المدوَّنة [٤/ ٥٦٦]، التفريع [٢/ ٢١٦].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٠٠)، المدوَّنة [٤/ ٥٦٦]، التفريع [٢/ ٢١٦].
[ ٣ / ٣٨٣ ]
معنى المأمومة، أي: أنَّهَا أمّ الرأس - وهو الدّماغ -، وإذا وصل الجرح إلى الدّماغ - قلّ أو كثر -، فهي مأمومةٌ.
•••
[٢٢٤٦] مسألة: قال: ومن ضُرِبَ مُوضِحَتَيْنِ في ضربةٍ واحدةٍ، عقلتا له جميعًا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنّهما جرحان، فلكلّ واحدٍ منهما ديته.
•••
[٢٢٤٧] مسألة: قال: وإذا قُطِعَت اليد من المِنْكَبِ، والرِّجل من الوَرِكِ، ففي كلّ واحدٍ خمسمئة دينارٍ، ولو قُطِعَت الأصابع وحدها، كان كذلك.
وحساب ما في الأصابع: ثلاثٌ وثلاثون دينارًا وثُلثٌ في كلّ أَنْمُلَةٍ على أهل الذّهب، ومن الإبل ثلاث فرائضٍ وثلث، على حساب ما تكون عليه الفرائض (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ اسم اليد يقع عليها إلى المنكب، وكذلك الرِّجل إلى الورك؛ لأنَّ ذلك عـ[ــضوٌ] (^٣) واحدٌ، ففيه ديته؛ لأنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ جعل في
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠١)، المدوَّنة [٤/ ٦٦٠]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٩١٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٠١)، الموطأ [٥/ ١٢٦٣]، المدوَّنة [٤/ ٥٦٧ و٥٧١]، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٥].
(٣) ما بين []، مطموس، والسياق يقتضيه.
[ ٣ / ٣٨٤ ]
اليّد الواحدة نصف [الدّية] (^١)، وكذلك في الرِّجل الواحدة، ولا يُزَاد على ذلك من أجل زيادة القطع.
ألا ترى: أنَّ أصابع اليد إِذَا قُطِعَتْ كان فيها ديتها، ولو قُطِعت اليد من الكوع، لكان فيها نصف الدّية، كدية الأصابع، ولا يزاد من أجل الكفّ، وكذلك السّاعد والورك مثله. وحكم الرِّجْلِ كحكم اليد سواءٌ.
فأمَّا الأصابع: ففي كلّ أصبعٍ عشرٌ من الإبل، وهو عُشْرُ الدِّية، وفي كلّ أنملةٍ ثلث دية الأصبع؛ لأنَّ الأصبع ثلاث أناملٍ، إلَّا الإبهام فإنَّهَا أنملتان، ففي كلّ واحدةٍ منها نصف ديتها.
وعُشْرُ ديةٍ من الذهب: مئة دينارٍ، كلّ أصبعٍ مئة دينارٍ، وفي كلّ أنملةٍ ثلث المئة، إلَّا في أنملة الإبهام، ففي كلّ واحدةٍ نصف ديتها.
والوَرِقُ عُشْرُهَا: ألفٌ ومئتان، فهي على هذا الحساب؛ لأنَّ الدّية من الذَّهب ألف دينارٍ، ومن الورق اثنا عشر ألفًا، ومن الإبل مئةٌ.
وروى محمد بن راشد، حدثنا سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: «أن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ قَضَى أَنَّ فِي الأَنْفِ إِذَا جُدِعَ الدِّيَةَ، وَفِي اليَدِ إِذَا قُطِعَتْ نِصْفُ العَقْلِ، وَفِي الرّجل نِصْفُ العَقْلِ، وَالأَصَابِعِ: فِي كُلِّ إِصْبُعٍ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي الأَسْنَانِ: فِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ» (^٢).
_________________
(١) ما بين []، مطموس، والسياق يقتضيه.
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢١٦٥.
[ ٣ / ٣٨٥ ]
وروى نحوه الزّهريُّ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدِّه، عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ أَنَّهُ قضى بذلك.
•••
[٢٢٤٨] مسألة: قال: ومن قُطِعَ من كفّه أُصْبُعَانِ، ثمَّ أصيبت الكفّ كلّها، حُطَّ عن الَّذِي أصابها عقل تلك الأصابع.
وإن كان الَّذِي أصيب منها الأنملةُ ونحوها الشّيء - من الَّتِي يصيبها -، أُعْطِيَ عقل الكفّ كما هي، وإن كانت أُصْبُعًَا حُطَّ عنه عقل تلك الأصبع.
وقاله أشهب وابن القاسم، كانَ ذهاب تلك الأصبع بمرضٍ أو قطعٍ، فأَخَذَ لها عقلًا أو لم يأخذه، فهو سِوَى العقل فيما بقي من كفّه، وليس في الأصبع الذاهبة شيءٌ.
فإن كان عمدًا اقتُصَّ منه، وإن كان مقطوع الأصبع فقاله مالكٌ.
وقال ابن القاسم وأشهب: إذا كانت أصيبت أنملته، ثمَّ أصيبت الكفّ، فلها عقلها، إلَّا عقل تلك الأنملة الَّتِي أصيبت (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يقطع الأصابع كلّها، وإنّما قطع بعضها، فعليه دية ما قطع دون ما لم يقطع.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠١)، المدوَّنة [٤/ ٥٧٢]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٠٩].
[ ٣ / ٣٨٦ ]
وهذا [] (^١)، والصّحيح أَنَّهُ يحط ذلك عنه، سواءٌ كان ذلك في [] (^٢) أخذ له أرشًا أو لم يأخذه؛ لذهابها بمرضٍ.
وكذلك يجب أن يكون حكم العين، أَنَّهُ يُحَطُّ بحسب ما ذهب منها، إذا كان ذلك من علّةٍ أو ضربةٍ، دون أن يكون ضَعْفًَا من كِبَرٍ؛ من قِبَلِ أنَّ الجاني إِنَّمَا يلزمه مقدار أرش جنايته، وما ذهب من المنفعة في الأعضاء بشبهها، لا أكثر منها.
وكذلك حكم الأصابع إذا ذهب منها شيءٌ من اليد، ثمَّ قُطِعت خطأً، فإنَّهُ يُحَطُّ من ديتها بقدر ما ذهب من الأصبع.
فأمَّا إذا كان القطع عمدًا، فإنَّ يد القاطع تُقطع بها، إذا كانت اليد المقطوعة إِنَّمَا ذهب منها الأصبع أو الأنملة؛ لبقاء منفعتها، ووجب بينهما القصاص، لإيجاب الله ﷿ ذلك بقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، ولم يمكن تبعيضه، فوجب تغليب حكم القصاص، فَأَمَّا الدّية فَإِنَّهُ يمكن تبعيضها، فوجب أن يُحَطَّ عن الجاني بمقدار نقصان الأصبع.
فأمَّا إذا كانت المنفعة في اليد معدومةً أو أكثرها، فَإِنَّهُ لا قَوَدَ بينهما، بمنزلة الأشلِّ أَنَّهُ لا يُقَاد منه صحيحٌ.
•••
_________________
(١) ما بين []، طمس بمقدار أربع كلمات.
(٢) ما بين []، طمس بمقدار أربع كلمات.
[ ٣ / ٣٨٧ ]
[٢٢٤٩] مسألة: قال: وإذا قُطِعَ لامرأةٍ من كَفِّهَا أربع أصابعٍ فأخذت عشرين، ثمَّ قطعت الباقية، فإنَّمَا لها فيها خمسٌ من الفرائض (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد تجاوز ثلث دية الرَّجل، فرجعت إلى ديتها، وهي نصف دية الرَّجل.
•••
[٢٢٥٠] مسألة: قال: وإن قُطِعَ لها ثلاث أصابعٍ من كفٍّ، فأخذت ثلاثين، ثمَّ قُطِعت الأصبعان الباقيان، فإنَّمَا لها فيها خَمْسٌ خَمْسٌ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا قد تجاوزت ثلث دية الرَّجل مع القطع الأوّل، فرجعت إلى ديتها.
ومالكٌ فيبني أحد القطعين على الآخر، فإن كان الأوّل قد [] في هذا الباب، إذا كان القطع من كفٍّ واحدةٍ أو رجلٍ واحدةٍ، فإن كان من يدين أو رجلين؛ ابتدأ الحكم فيه.
•••
[٢٢٥١] مسألة: قال: ولو قُطِعَتْ لها أصبعٌ فأخذت عشرًا، ثمَّ أصبعًا
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠١)، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٥٨]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٦١٠].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٠١)، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٦٠٥].
[ ٣ / ٣٨٨ ]
فأخذت عشرًا، ثمَّ أصبعًا فأخذت عشرًا، ثمَّ أصيبت الرابعة أو الأصبعان جميعًا، فإنَّمَا لها فيها خَمْسٌ خَمْسٌ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا بقطع الأصبع الرّابعة تجاوزت ثلث دية الرَّجُلِ، فرجعت ديتها إلى نصف دية الرَّجُلِ.
•••
[٢٢٥٢] مسألة: قال: وتَتِمُّ دية الإبهام إذا قُطِعت الأنملة الثَّانية، وإنّما الثَّالثة فيه بمنزلة اليد من المنكب، وكذلك إبهام الرِّجْل (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الإبهام أنملتان، والثّالثة من الكفِّ، فكان في قطع الأنملتين من الإبهام ديتها كلّها، وفي الثالثة حكومةٌ، بمنزلة ما لو قُطِعَ الذِّراع بعد الكفِّ، أو الكفُّ بعد الأصابع، ففي ذلك حكومةٌ.
•••
[٢٢٥٣] مسألة: قال: ومن أصيبت أصبعه فلم تبرأ، فرُفِعَتْ إلى صاحب الخراج (^٣) قبل تبرأ، فقال: «ذهب ثلاثة أرباعها»، فأعطاه ثلاثة أرباع الدِّية، ثمَّ صحَّت ولم يذهب منها إلَّا ربعٌ، فقد أساء حين عَقَلَ له قبل تبرأ، فيردّ نصف دية الأصبع (^٤).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠١)، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٥٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٠٢)، المدوَّنة [٤/ ٥٦٦]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٥٨٦].
(٣) قوله: «الخراج»، كذا رسمها في جه، ولعلها: «الجراح».
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٠٢)، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٤٣].
[ ٣ / ٣٨٩ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ أخذ ما لا يستحقه من دية الأصبع، فوجب عليه ردُّهُ.
ولا يجوز أخذ الدّية قبل اندمال الجرح؛ لأنَّهُ لم يستقر بعد، ولا يُدْرَى ما يؤول إليه أمره من الدِّية.
وكذلك القصاص مثله إذا كان عمدًا، وقد ذكرنا هذا (^١).
•••
[٢٢٥٤] مسألة: قال: وإذا شُلَّت اليد، فقد تمَّ عقلُهَا، وإن دخلها نقصٌ، أُعْطِيَ بقدر ذلك (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا إذا شُلَّت، فقد ذهب كلّ منفعتها، ففيها دية اليد كامِلَةً؛ لأنَّ الدّية تجب:
(بذهاب العضو ومنفعته.
(أو ذهاب منفعته.
(أو ذهابه دون منفعته إذا كان ظاهر الجمال، بمنزلة الأنف إذا قُطِع وبقي الشمّ، وقد بَيَّنَّا هذا (^٣).
•••
_________________
(١) ينظر: المسألة [٢١٧٠].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٠٢)، النوادر والزيادات [١٣/ ٤١٩].
(٣) ينظر: المسألة [٢١٨٢].
[ ٣ / ٣٩٠ ]
[٢٢٥٥] مسألة: قال: وفي عين الأعور إذا فُقِئَت الدّية كاملة (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ منفعتها كمنفعة العينين أو قريبةٍ من ذلك؛ لأنَّ الأعور يتوصّل بعينٍ واحدةٍ إلى ما يتوصّل به ذو العينين من التّصرف في الصّناعات والمعاش، وليس شيءٌ من الأعضاء إذا ذهب أحدهما قام الآخر مقامه مثل العينين؛ لأنَّ القَطْعَ من يدٍ أو رجلٍ، لا يتصرّف في أعماله كما يتصرّف الصّحيح، هذا معلومٌ عند النّاس، والأعور يتصرَّف كتصرُّف الصَّحيح أو يقاربه.
وقد قال مخالفنا (^٢) في الأعور: «إنه يجوز عتقه في الرَّقبة الواجبة، كما يجوز عتق الصَّحيح، وتجوز شهادته، ويجوز أن يكون حاكمًا، ولا يجوز ذلك في الأعمى كما يجوز عتق الصَّحيح، ولا يجوز عتق الأقطع»، وكذلك وجب أن يُفَرِّقَ بين الأعور والأقطع في الدّية؛ لاختلاف منافع ذلك.
وقد روى ابن جريجٍ، عن أبي عياضٍ (^٣): «أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵄ اجْتَمَعَا عَلَى أَنَّ الأَعْوَرَ إِنْ فَقَأَ عَيْنَ آخَر، فَعَلَيْهِ مِثْلُ دِيَةِ عَيْنِهِ» (^٤).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٢)، الموطأ [٥/ ١٢٥٧]، المدوَّنة [٤/ ٦٣٨].
(٢) المخالف المراد في هذا الموضع هم الأحناف، ينظر شرح مختصر الطحاوي للجصاص [٥/ ١٨٧، و٨/ ٥٦]، المبسوط [٧/ ٢، و١٦/ ١٢٩].
(٣) أبو عياض المدني، مجهول، من السادسة، وقيل: اسمه قيس بن ثعلبة. تقريب التهذيب، ص (١١٨٧).
(٤) أخرجه عبد الرزاق [٩/ ٣٣١].
[ ٣ / ٣٩١ ]
وعن عثمان: «أَنَّه رُفِعَ إِلَيْهِ أعورٌ فَقَأَ عَيْنَ صَحِيحٍ، فَلَمْ يَقْتَصَّ مِنْهُ، وَقَضَى فِيهَا بِالدِّيَةِ كَامِلَةً» (^١).
وروى سعيدٌ، عن قتادة، عن خِلَاسٍ (^٢)، عن عليٍّ ﵁، في الأعور إذا فقئت عينه: «إِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ كُلَّهَا» (^٣).
وروى معمر، عن الزُّهريِّ، عن سالمٍ، عن ابن عمر: «إِذَا فُقِئَتْ عَيْنُ الأَعْوَرِ، فَفِيهَا الدِّيَةُ كَامِلَةً» (^٤).
وهو قول ربيعة، ويحيى بن سعيد، وابن شهاب.
فإن قيل: فقد قال النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ: «وَفِي العَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ» (^٥)، فكيف يجوز أن يزيد على ذلك (^٦)؟
قيل له: كما جاز أن يُزَاد عليها إذا طفئت، ثمَّ فُقِئَت بعد اندمالها، فكذلك يجوز ما قلناه؛ لأنَّ معنى قول النَّبيِّ ﷺ: «وَفِي العَيْنِ الدِّيَةُ» إذا كانت عين صحيحٍ،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة [١٤/ ٩٥].
(٢) خِلاسُ بن عمرو الهجري البصري، ثقة، وكان يرسل، من الثانية، تقريب التهذيب، ص (٣٠٤).
(٣) أخرجه عبد الرزاق [٩/ ٣٣١]، وابن أبي شيبة [١٤/ ٩٥].
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة [١٤/ ٩٦].
(٥) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢١٦٥.
(٦) ينظر الاعتراض في: الأم للشافعي [٩/ ١١٢].
[ ٣ / ٣٩٢ ]
وكذلك قوله: «فِي العَيْنَنْنِ الدِّيَةِ»، إذا فُقِئَتا معًا، فَأَمَّا إذا أُطفِئَا، ثمَّ فُقِئَا بَعْدُ، ففيهِما أكثر من الدّية؛ لأنَّ في بصرهما الدّية، وفي فقئهما حكومةٌ.
•••
[٢٢٥٦] مسألة: قال: وإذا فقأ أعورٌ عينَ صحيحٍ جميعًا، اقتُصَّ منه عينٌ بعينٍ، وأُخِذَ منه للعين الأخرى خمسمئةٍ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لقول الله ﷿: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥] وقال: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة:٤٥]، فوجب أن تُقتص العين بالعين إذا كانت مثلها.
وكانت في العين الأخرى الدّية؛ لتعذّر القصاص فيها، فكانت بمنزلة المأمومة والجائفة، ففيها الدّية دون القَوَدِ؛ لتعذّر القَوَدِ فيهما.
•••
[٢٢٥٧] مسألة: قال: وإذا فقأ أعورٌ عينَ صحيحٍ، وأبى أن يؤدِّي العقل، وأَمْكَن من نفسه تُفْقَأُ عينه، فذلك له إذا أبى أن يؤدِّي أو يَغْرم (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الَّذِي وجب على الجاني القصاص دون الدّية، فإذا بذل ذلك من نفسه، لم يكن عليه غيره، إلَّا أن يُحِبَّ ذلك فيجوز؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٢)، المدوَّنة [٤/ ٦٣٧]، النوادر والزيادات [١٤/ ٢١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٠٢).
[ ٣ / ٣٩٣ ]
[البقرة:١٧٨]، فالذي أوجب الله تعالى في الجروح القصاص لا غير، وقد بَيَّنَّا هذا فيما تقدَّمَ (^١).
•••
[٢٢٥٨] مسألة: قال: وإذا فقأ الأعور عين صحيحٍ عمدًا، فُقِئَت عينه بعينه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لقول الله ﷿: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة:٤٥]، وقال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥].
•••
[٢٢٥٩] مسألة: قال: وإذا فُقِئَتْ عين الأعور؛ خُيِّرَ الأعور بين أن تُفْقَأَ عينه بعينه، أو يُعْطَى ثمن عينه ألف دينارٍ، شاء ذلك الصَّحيح أو أبى، الأمر في ذلك إلى الأعور (^٣).
• قد اختَلَفَ قول مالكٍ في هذا:
(فقال: الأعور بالخيار بين القَوَدِ أو أخذ الدّية، فيحتمل أن يكون هذا قوله في الأعور وفي غيره، أنَّ المجني عليه يُخَيَّر، وكذلك وليّ المقتول، بين القَوَدِ وأخذ الدّية إن شاء.
_________________
(١) ينظر: المسألة [٢١١٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٠٢)، الموطأ [٥/ ١٢٥٥]، المدوَّنة [٤/ ٦٣٧].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٠٢)، النوادر والزيادات [١٤/ ١٧].
[ ٣ / ٣٩٤ ]
(وقوله المشهور الصّحيح: أَنَّهُ ليس مخيّرًا في أخذ الدِّيَة؛ لأنَّ الَّذِي وجب على الجاني القصاص دون غيره، وقد بيَّنَّا هذا فيما تقدَّم (^١).
ويحتمل أن يكون مالكٌ خيَّرَ الأعور إذا فُقئت عينه بين القَوَدِ وأخذ الدِّية؛ لعِظَمِ ما جرى عليه من ذهاب بصره الَّذِي كان ينتفع به، وليس كذلك حكم سائر الأعضاء؛ لأنَّ أمر البصر أعمّ منفعةً من غيره، والقول الأوّل هو أصحُّ، والأشهر من قوله.
•••
[٢٢٦٠] مسألة: قال: وإذا فقأ أعورٌ عينَ صحيحٍ، فأراد الصّحيح أخذ العقل، فله عقل العين الَّتِي ترك ألف دينارٍ.
وقيل: خمسمئة دينارٍ، وهو أحبّ إلينا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّه دية عين الأعور ألف دينارٍ، فإذا ترك الصّحيح القَوَدَ منها، وجب له بدلها وهو ألف دينارٍ؛ لأنَّهُ قد استحقَّها أو بدلها.
فهذا وجه هذا القول، وهو غير صحيحٍ؛ لأنَّهُ لو كان كذلك، لكان وليّ المرأة إذا عفا عن قتلها وكان رجلًا، وجب أن تكون له دية الرَّجُلِ؛ لأنَّهُ كان يستحقّ قتله، وهذا فاسدٌ، بل له دية المرأة المقتولة، لا دية الرّجل القاتل، فكذلك العين مثله.
_________________
(١) ينظر: المسألة [٢١١٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٠٢)، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٧٩٤].
[ ٣ / ٣٩٥ ]
ووجه القول الآخر، فلأنَّ دية العين المقلوعة هي الواجبة على من قلعها، وهي خمسمئة دينارٍ، كما يجب عليه دية من قَتلَهُ لا دِيَتُه.
•••
[٢٢٦١] مسألة: قال: ومن ضُرِبَ، فقال: «ذهب بعض بصري»، وعينه قائمةٌ، فَإِنَّهُ يُنصب له شيءٌ ويُحَلُّ عن عينه، فإن انتهى بصره رُبِطَتْ عينه الصَّحيحة، وقيل له: «انظر بعينك الَّتِي أصيبت»، فيُنْصَبُ ذلك له في موضعٍ، فإذا انتهى، حُوِّلَ إلى موضعٍ آخر حَتَّى يستوي:
(فإن اختلف، لم يُصَدَّق.
(فإن استوى، أُعْطِيَ من الدِّية بقدر ما نقص من بصره من الغاية الأولى، وأُحْلِفَ على ذلك.
والَّذي يقول: «ذهب سمعي»، يَتَبَاعَدُ منه إنسانٌ فيصيح به، حَتَّى إذا قال: «قد سمعت»، يُحَوَّل له إلى ناحيةٍ أخرى، يُجَرَّبُ بذلك سمعه:
(فإن اتَّفَق، كان له بقدر ما نقص وأُحْلِف.
(وإن اختلف، لم يكن له شيءٌ، ويحلف صاحب السَّمع والبصر (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يتَهَيَّأ له أن يُتَوَصَّلَ إلى صدق ما يذكره من ذهاب سمعه وبصره إلى أكثر مِمَّا وصفه مالكٌ؛ لأنَّ ذلك يُعلم من جهته، فالقول قوله مع يمينه في ذهابه أو في ذهاب بعضه، بعد أن يُعْتَبَرَ صِحّة ما يذكره
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٣)، المدوَّنة [٤/ ٦٣٩].
[ ٣ / ٣٩٦ ]
من ذهاب سمعه وبصره بما ذكره مالكٌ، إذ لا طريق إلى تَعَرُّفِ صِحّة ما يقوله، ولا دليل على صِحّة ذلك بأكثر مِمَّا وصفه مالكٌ.
وقد جُعِلَ القول قول الإنسان، وإن كان في ذلك قطع حقِّ غيره؛ إذ (^١) لم يُعْرَفْ صدق ذلك من غير جهته، وهي المرأة إذا قالت: «قد تقضَّت عدَّتِي»، أنَّ القول قولها، وقد قال الله ﷿: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة:٢٢٨] (^٢).
•••
[٢٢٦٢] مسألة: قال: ومن أصابه رمدٌ أو كِبَرٌ، فذهب بعض بصره، ثمَّ أصيب، فَإِنَّهُ يُحَطُّ عن الَّذِي أصاب العين بقدر ما نقص ذلك الوجع، وإن كان نقصٌ من غير وَجَعٍ أصابه، ففيه العقل تامٌّ.
وكذلك السِّنُّ تَتَحَرَّك من الكبر، ثمَّ تُطْرَح، ففيها عقلها تامًّا (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الجاني لا يجوز أن يُلْزَمَ أكثر من أرش جنايته، ولا أن يُزاد على ما أَذْهَبَ من منفعة العضو الَّذِي جنى عليه، وقد قال الله ﷿: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤].
_________________
(١) قوله: «إذ»، كذا في جه، ونحوها في شرح التفريع للتلمساني [١٠/ ١١٨]، نقلًا عن الأبهري، ولعلها: «إذا».
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ١١٨]، شرح المسألة عن الأبهري.
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٠٣)، المدوَّنة [٤/ ٥٦٩].
[ ٣ / ٣٩٧ ]
وهذا هو الصّحيح من قول مالكٍ، أنَّ النقص موضوعٌ، سواءٌ كان من وجعٍ أو ضربةٍ؛ لأنَّ الجاني لم يجنِ على ما ذهب بغير جنايته، إِنَّمَا جنى على الباقي.
فأمَّا إذا كان من كبرٍ، فإنَّمَا ذلك من سوء البصر، لا لمرضٍ ولا ضربةٍ، ففيه الدّية كاملةً، أعني: دية العين.
•••
[٢٢٦٣] مسألة: قال: وقد قال مالكٌ: إن كان نَقْصُ بعض البصر من وجعٍ أصابه، أو شجّةٍ على عينه، وهو يبصر بها، وليس كما كان، فله الدّية كاملة، وإن كان قد أصيب بشجَّةٍ فأخذ للشَّجَّة عقلًا، فهو أشكل.
وقد قال ابن المسيِّب في السِّنِّ إذا اسودَّت، ثمَّ عَقَلَها، ثمَّ إذا طُرِحَت: ففيها عَقْلُهَا (^١).
• ووجه هذا القول: هو أنَّ المنفعة في البصر باقيةٌ، فإذا ذهبت بجنايته، وجبت عليه دية العين كاملةً، كعين الأعور إذا أذهبها إنسانٌ وجبت عليه دية العين كاملةً، ولا يراعى ما أَخَذَ من عقلٍ قبل ذلك، ولا الوجع الَّذِي كان قبل ذلك.
•••
[٢٢٦٤] وقد قال مالك: إذا كان أخذ لها عقلًا، أتَمَّ على ما أخذ عَقْلَهَا، وإن كان إِنَّمَا نقصانها من كِبَرٍ أو كانت تدمع، فله الدّية كاملةً، فكذلك السَّمع واليد والرِّجل مثل العينين.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٣)، الموطأ [٥/ ١٢٦٤]، المدوَّنة [٤/ ٥٧٠].
[ ٣ / ٣٩٨ ]
وابن القاسم يأخذ بهذا القول، ويرى أَنَّهُ إن أخذ لها عقلًا أو لم يأخذ، ثمَّ أصيبت العين عمدًا، ففيها القصاص.
وأشهب يرى أنَّ للعين إذا أصيبت بَعْضُهَا، ثمَّ أخذ لها عقلًا، ثمَّ أُصيبت كلّها، أَنَّهُ يأخذ العقل مُبْتَدَأً، ولا يُتِمُّ على ما أخذ، وإن كان عمدًا ففيه القصاص إذا كان بقي من بصره ما يبصر بها البصر الأول.
فإن كان قد نقص من بصره أوَّل مرَّةٍ، رأيت أن يُتِمَّ العقل على ما ذهب من العين (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا عينٌ قد أَخَذَ بعض ديتها، فيُتِمُّ على ما أَخَذَ، وكذلك السَّمع واليد والرِّجل مثل العين، والأعور فلم يأخذ من عينه شيئًا، فيبني على ما قد أخذ.
فأمَّا إذا كان ضَعْفُ ذلك كلّه وبعضه من غير جنايةٍ، فإنَّ حكم ذلك كلّه كحكم الصّحيح، بمنزلة الكبير إذا ضَعُفَ بصره أو سمعه أو قوَّة يده ورجله، ففيها ديتها كاملةً، لا ينقص من أجل الضَّعف.
وأما إذا كان بعضها (^٢) لمرضٍ أو جنايةٍ، فَإِنَّهُ يُحَطُّ ذلك عن الجاني، ويكون عليه ما ذهب بجنايته من بقيَّة المنفعة؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يُلْزَم أكثر من ما جنى.
وهذا هو الصَّحيح من قول مالكٍ، وهو قول ابن القاسم.
ووجه قول أشهب: «إنَّه يأخذ دية العين مبتدأةً إذا كان قد بقي من بصرها
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٣)، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٤٦].
(٢) قوله: «بعضها»، كذا في جه، ولعلها: «ضعفها».
[ ٣ / ٣٩٩ ]
شيءٌ، ولا يُحَطُّ عنه ما تقدَّم من الجناية، سواءٌ أخذ لها أرشًا أم لا»؛ فلأنَّ المجني عليه قد كان ينتفع بعينه والبصر بها كمنفعة الصّحيح، فكان كالأعور إذا فُقِئت عينه، ففيها ديةٌ كاملةٌ؛ لبقاء منفعته (^١) كانت بالبصر، وهذا هو أحد قولي مالكٍ، وقد بيَّنَّاه، وكذلك فيها القَوَدُ إذا جنى عليها عبدٌ ببقاء منفعتها.
•••
[٢٢٦٥] مسألة: قال: ومُقَدَّم الفم والأضراس عقلها سواءٌ، خمسٌ خمسٌ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ».
رواه الزّهريُّ عن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال ذلك (^٣).
واسم السنِّ يقع على كلّ سنٍّ، وليس يُراعى اختلاف المنافع والجمال في ذلك، كما لا يراعى ذلك في الأصابع؛ لِأَنَّهَا مختلفة المنافع والجمال، ثُمَّ في
_________________
(١) قوله: «منفعته»، كذا في جه، ولعلها: «منفعة».
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٠٤)، الموطأ [٥/ ١٢٦٥]، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ١٠٨].
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٠٩٢.
[ ٣ / ٤٠٠ ]
كلّ واحدٍ منها عشرٌ من الإبل؛ لعموم قول النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ: «وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ» (^١)، فكذلك الأسنان سواءٌ.
•••
[٢٢٦٦] مسألة: قال: وإذا اسودَّتِ السنُّ، تَمَّ عَقْلُهَا، وإن طُرِحت بعد ذلك تَمَّ عَقْلُهَا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لذهاب جمالها إذا اسودَّت، ففيها ديتها، كذهاب جمال الأنف إذا قطع، تَمَّ فيها ديتها إذا قُلِعت لذهاب منفعتها، كما يجب في الشمِّ إذا ذهب.
وقد قال سعيد بن المسيب في السنِّ إذا اسودَّت: تَمَّ عَقْلُهَا، ثمَّ إن طُرِحَت، ففيها عقلها (^٣).
•••
[٢٢٦٧] مسألة: قال: ومن كانت سِنُّه تزحف:
(فإذا كان ذلك اضطَّرابًا شديدًا، وإنّما هي معلَّقَةٌ فطرحت، فإنَّمَا فيها الحكم.
_________________
(١) هو نفسه الحديث المذكور في الحاشية السابقة.
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٠٤)، المدوَّنة [٤/ ٥٧٠]، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ١١١].
(٣) أخرجه مالك [٥/ ١٢٦٤]، وعبد الرزاق [٩/ ٣٥٠].
[ ٣ / ٤٠١ ]
(فإن كان ذلك خفيفًا، ففيها العقل (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ منفعتها يسيرةٌ إذا كانت معلَّقَةً، ففيها حكومةٌ بمقدار ما ذهب من منفعتها، وإذا كان ذلك خفيفًا، ففيها العقل؛ لبقاء أكثر منافعها.
•••
[٢٢٦٨] مسألة: قال: وإن ضَرَبَ رجلٌ سِنَّ رَجُلٍ فحرَّكَها، فله بحساب ما نَقَصَها، وإن أصيبت بعد ذلك، فله بقدر ذلك أيضًا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ بتحريكها تنقص منفعتها، فله من الدّية بقدر ذهاب منفعتها.
•••
[٢٢٦٩] مسألة: قال: وإذا تحرك سنُّ الكبير، ثُمَّ طرحها رجلٌ، ففيها العقل كاملًا، وإن انثلم طرف السنِّ، فله بحساب ما انثلم (^٣).
• يعني: إذا كان تحريكها يسيرًا؛ لبقاء المنفعة فيها، وكذلك عليه من ديتها بقدر ما كَسَرَ منها؛ لذهاب منفعتها وجمالها.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٤)، المدوَّنة [٤/ ٥٧٠]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٠٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٠٤)، المدوَّنة [٥/ ٤٧٠]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٤٨].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٠٤)، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٠٨].
[ ٣ / ٤٠٢ ]
[٢٢٧٠] مسألة: قال: وإذا أصيبت سنُّ كبيرٍ فأخذ عقلها، ثمَّ نبتت، لم يرجع عليه بشيءٍ.
وقاله ابن القاسم وأشهب (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا وإن نبتت، فليس فيها كبير منفعةٍ؛ لِأَنَّهَا تكون ضعيفةً، فلذلك قال: لا يرجع بديتها.
وأحسب في هذا القول خلافًا بين أصحاب مالكٍ، قد قال قومٌ: «يرجع بِدِيَتِهَا»، ولست أقوم على حفظه الساعة.
•••
[٢٢٧١] وقال ابن القاسم في السنِّ المنثلمة تصاب عمدًا:
(إن كان الَّذِي انثلم منها شيءٌ يسيرٌ، فله القصاص.
(وإن كان له بالٌ، ربعها، ثلثها، فله العقل بحساب ما انثلم منها، ولا قَوَدَ له، أَخَذَ في الَّذِي انثلم عقلًا أو لم يأخذ، كان الَّذِي ذهب منها قليلًا أو كثيرًا، فَإِنَّهُ يحاسب به في الخطأ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لبقاء أكبر منفعتها، ففيها ديتها كاملةً.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٤)، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٤٢]، البيان والتحصيل [١٦/ ١٩٧].
(٢) هذه المسألة ساقطة من المطبوع.
[ ٣ / ٤٠٣ ]
فأمَّا القَوَدُ منها فغير ممكنٍ؛ لأنَّهُ لا يقدر أن يَكْسِرَ منها بقدر ما كُسِرَ منها، فكان في ذلك ديتها بِقَدْرِهِ، لا القَوَدُ.
•••
[٢٢٧٢] مسألة: قال: والسنُّ الصَّغير، أو العين تُكحلُ فتدمع، واليد تكسر تكون فيها العَثْمُ (^١)، والكسر كلّه، والشَّجَّة، والظُّفر، يُستأنى بذلك وأشباهه حَتَّى يُعْرَف، ثمَّ يُعْقل.
وَالمُوضِحَةُ في دمها ويُخَاف أن تكون مُنَقِّلَةً، يُستأنى بذلك وأشباهه حَتَّى يُعرف ما يصير إليه.
والعين تُطْرَفُ (^٢)، والسِّنُّ يُضْرَبُ، واليد تصاب وما أشبه ذلك، يُسْتَأْنَى بهم سنةً.
فإن أصابها في السَّنَةٍ شيءٌ ذهب البصر، أو اسودَّت السنُّ، أو شُلَّت اليد، فقد تمَّ عقلها إذا أصابها ذلك في السَّنَة (^٣).
• إِنَّمَا قال: «إنَّه يُستأنى بهذه الأشياء»؛ ليتبيَّن أمر الجناية واستقرارها على شيءٍ ما، ورجوع ما يجوز أن يرجع مثله، مثل السّنِّ والعين والظّفر؛ ليكون أمر الجناية واستقرارها على شيءٍ ما؛ ليكون الحكم فيها على يقينٍ.
_________________
(١) قوله: «العثم»، هو إساءة الجبر، إذ ينجبر العظم المكسور على غير استواءٍ، ينظر: لسان العرب [١٢/ ٣٨٣].
(٢) قوله: «تطرف»، يعني: تصاب بثوبٍ ونحوه، ينظر: لسان العرب [٩/ ٢١٣].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٠٤)، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٣٨].
[ ٣ / ٤٠٤ ]
ومتى حُكِم فيها قبل ذلك، لم يُعْلَم، هل يرجع أم لا؟، وقد تناهى الجرح أو لا؟.
وإِنَّمَا جَعَلَ الانتظار سنةً؛ لتدور فصول الأزمنة على العين والسِّنِّ والظّفر، فلعلَّ يوافقها بعض الأزمنة وترجع فيه، كما يُفْعَل ذلك بالعِنِّين، يُنْتَظَر به سنةً ليزول عنه ما يجده.
وقد ذكرنا قبل هذا، أنَّ دية الجرح لا يستقرُّ وجوبها قبل اندمالها؛ لجواز انتقاله إلى غيره، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، وكذلك حكم الجرح إذا كان عمدًا عند مالكٍ؛ لأنَّهُ لا يُقاد منه حَتَّى يندمل فيستقرَّ حكمه؛ لجواز أن يسري إلى النَّفس أو إلى أكثر منه - أعني: من الجرح -، وقد ذكرنا هذا فيما تقدَّم (^١).
•••
[٢٢٧٣] مسألة: قال: وَأَهْلُ الذَّهَبِ أَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ مِصْرَ، وأَهْلُ الوَرِقِ أَهْلُ العراق، وأَهْلُ الإبل أَهْلُ العمود (^٢) (^٣).
• يعني: في حمل الدِّية؛ لأنَّ كلّ قومٍ إِنَّمَا يُلْزَمون من الدّية مِمَّا يملكون من أموالهم، لا يُكَلَّفُون غير ذلك، فأهل الذَّهَبِ الذَّهب، وأهل الورق الورق؛ لأنَّ في تكليفهم غير ذلك مشقةً عليهم (^٤).
_________________
(١) ينظر: المسألة [٢٢٥٣].
(٢) قوله: «أهل العمود»، هم أهل الإبل، وهم أهل البوادي، ينظر: المدوَّنة [٤/ ٥٦٧].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٠٥)، الموطأ [٥/ ١٢٤٤]، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٧٤].
(٤) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ٧٥]، هذا التعليل عن الأبهري.
[ ٣ / ٤٠٥ ]
وقد كان أصل الدِّيات الإبل، وإنّما قُوِّمَت على أهل الذَّهب والورق.
والقيمة فإنَّمَا تكون بهذين الشيئين، لا شيء سواهما، فلهذا قال مالكٌ: «لا يؤخذ في الدّية بقرٌ ولا غنمٌ ولا حُلَلٌ، إلَّا أن يتراضوا بذلك، فيكون ذلك جائزًا».
•••
[٢٢٧٤] مسألة: قال: ولا تُخْرَج الدّية إلَّا في ذهبٍ أو وَرِقٍ أو إبلٍ، لا يُخرج فيها شياهٌ (^١) ولا حُلَلٌ (^٢) ولا بقرٌ.
ولا يُقبل من أهل القرى في الدّية الإبل، ولا من أهل العمود الذهب (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ أصل الوجوب في الدّية هو من الإبل، وكذلك أوجبها النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ.
فروى مالكٌ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزمٍ، عن
_________________
(١) قوله: «شياه»، كذا يمكن أن تُقرأ، وفي المطبوع: «ماشية»، وهو بعيد.
(٢) قوله: «حللٌ»، كذا رسمها، وهو الموافق لما في المنتقى [٧/ ٦٩] من نقل ابن المواز عن مالك.
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٠٥)، الموطأ [٥/ ١٢٤٥].
[ ٣ / ٤٠٦ ]
أبيه: «أَنَّ فِي الكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي العُقُولِ: أَنَّ فِي النَّفْسِ مِئَةً مِنَ الإِبِلِ» (^١).
ورواه الزُّهريُّ، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدِّه: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ كَتَبَ: أَنَّ فِي النَّفْسِ مِئَةً مِنَ الإِبِلِ» (^٢).
ثم قُوِّمَت الإبل بالذَّهَبِ والوَرِقِ دون غيرها، فلا يجوز غيرهما في الدِّية، ولا يجب على من وجبت له أن ينتقل إلى غير ما وجبت له، إلَّا أن يختار ذلك، كما لا يلزمه أن ينتقل من القَوَدِ إلى الدّية إلَّا أن يختار ذلك؛ لأنَّهُ الَّذِي وجب له.
•••
[٢٢٧٥] مسألة: قال: وأسنان الإبل في القتل والجراح في الخطأ، على أهل الإبل أخماسٌ: خُمُسٌ حقاقٌ، وخُمُسٌ جِذَاعٌ، وخُمُسٌ بنات لبونٍ، وخُمُسٌ بَنَاتُ مخاضٍ، وخُمُسٌ بنوا لبنونٍ ذكرٍ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لَمَّا رُوِيَ عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ أَنَّهُ جعل دية الخطأ كذلك.
وكذلك رُوِيَ عن جماعةٍ من الصّحابة والتابعين.
_________________
(١) أخرجه مالك [٥/ ١٢٤٣]، والنسائي في الكبرى [٦/ ٣٧٥].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٠٩٢.
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٠٥)، التفريع [٢/ ٢١٢].
[ ٣ / ٤٠٧ ]
وروى حجّاجٌ (^١)، عن زيد بن جبير (^٢)، عن حنيف بن مالكٍ (^٣)، عن عبد الله بن مسعودٍ: أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «دِيَةُ الخَطَأِ أَخْمَاسٌ» (^٤).
وكذلك رُوِيَ عن ابن مسعودٍ (^٥)، وزيد بن ثابتٍ (^٦)، والفقهاء السبعة، وربيعة، وابن شهابٍ، والحسن، والشّعبي.
•••
[٢٢٧٦] قال: وإذا وجبت مُغَلَّظَة (^٧) على أهل الذهب، لم تُغَلَّظ، ولم يؤخذ منهم إلَّا ألف دينارٍ.
_________________
(١) حجاج بن أرطأة بن ثور بن هبيرة النخعي الكوفي، صدوق كثير الخطأ والتدليس، من السابعة، ينظر: تقريب التهذيب، ص (٢٢٢).
(٢) زيد بن جبير بن حرمل الطائي، ثقة، من الرابعة، ينظر: تقريب التهذيب، ص (٣٥١).
(٣) قوله: «حنيف بن مالك»، كذا في شب، وهو خطأ، صوابه: «خِشْفِ بن مالك»، كما في مصادر التخريج، والترجمة، وهو: خشف بن مالك الطائي، وثَّقه النسائي، من الثانية، ينظر: التاريخ الكبير [٣/ ٢٢٦]، الجرح والتعديل [٣/ ٤٠١]، تهذيب التهذيب [١/ ٥٤٢]، تقريب التهذيب، ص (٢٩٧).
(٤) أخرجه أبو داود [٥/ ١٥٦]، والنسائي في الكبرى [٦/ ٣٥٥]، والترمذي [٣/ ٦٢]، وابن ماجه [٣/ ٦٥٠]، وهو في التحفة [٧/ ١٩].
(٥) أخرجه: ابن أبي شيبة [١٤/ ٣٦]، والدارقطني [٤/ ٢٢٢].
(٦) أخرجه أبو داود [٥/ ١٦٠].
(٧) قوله: «مغلَّظة، الدِّيَة المغلظة تكون: ثلاثون حقّة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وَالخَلِفَةُ: هي التي في بطونها أولادها، بنحو ما قضى عمر في قصة المدلجي الذي قتل ابنه، ينظر: المدوَّنة [٤/ ٥٥٨]. وأما غير المغلظة: فهي التي تقدَّمت في المسألة [٢٢٧٥].
[ ٣ / ٤٠٨ ]
وقد قيل: تُعطى قيمة الإبل على أنَّهَا تُغَلَّظ، وإن كان أكثر من ألف دينارٍ.
وقال: يُنْظَر إلى فضل ما بين قيمة الخطأ وقيمة التغليظ، إن كان سُدُسًَا أو ربعًا أُعْطِيه.
ويُفْعَل ذلك أيضًا في الجراح، إن فقأ عينه: نُظِرَ إلى قيمة خمس عشرة حُقَّةً، وخمس عشرة جذعةً، وعشرين خِلْفَةً، فيُنْظَر ما بين هذه الأسنان، فتُغَلَّظ على أهل الذَّهب.
ولا يُغَلَّظ إلَّا في مثل ما صنع المُدْلِجِيُّ (^١) بابنه (^٢).
• وجه قوله: «لا تُغَلَّظ الدّية على أهل الذَّهب والورق»؛ فلأنَّ التَّغليظ إِنَّمَا هو في فضل أسنان الإبل، ليس في العدد، وليس يمكن ذلك في الدَّنانير والدَّراهم؛ لأنَّ التَّغليظ يكون فيها بزيادة العدد، وذلك لا يجوز.
ووجه قوله: «إنها تُغَلَّظ، وأنه تؤخذ منه قيمة الإبل المغلَّظة»؛ فلأنَّ التَّغليظ وقع من أجل القتل، فوجب الحكم به، سواءٌ كان ذلك على أهل الإبل وغيرهم (^٣).
وهذا هو القول الصَّحيح، ثُمَّ كيف العمل في التَّغليظ على أهل الذَّهب والورق.
وقد فسَّره مالكٌ: بأن تُقَوَّم الإبل المغلَّظَةُ، فتكون قيمة ذلك عليه.
_________________
(١) قوله: «المدلجي»، هو قتادة المدلجي، الذي قتل ابنه، كما في المسألة رقم ٢١٣١.
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٠٥)، وقد حكى الباجي في المنتقى [٧/ ١٠٧] هذا النقل عن ابن عبد الحكم، وينظر: المدوَّنة [٤/ ٥٥٨]، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٧٥].
(٣) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ٧٦]، شرح المسألة عن الأبهري بتصرف.
[ ٣ / ٤٠٩ ]
وقد قال: «إنه تؤخذ منهم الدّية الَّتِي وجبت عليهم، وفضل ما بين قيمة التَّغليظ والخطأ، فيكون ذلك عليهم مع الدَّية»، وكلّ القولين له وجهٌ:
(فوجه هذا القول: أنَّ أصل الدّية عليهم ألف دينارٍ، واثنا عشر ألف درهمٍ، فيؤخذ منهم ذلك، وفضل ما بين قيمة الخطأ والتَّغليظ يؤخذ أيضًا منهم؛ من أجل التّغليظ.
(ووجه قوله: «تُقَوَّم الدّية المغلَّظة فتؤخذ منهم»؛ فلأنَّه لا طريق إلى أخذ التَّغليظ منهم إلَّا بهذا الوجه، فإن لم يُفْعَل كذلك، زال حكم التَّغليظ.
والجراح في الحكم كالقتل؛ لأنَّهُ لَمَّا زال القَوَدُ فيه مع كونه عمدًا أو القدرة عليه، وجب أن يُغَلَّظَ ما وجب فيه من الدِّية، كما يجب أن يُعْقَل ذلك في القتل.
وقد قال مالكٌ: «إنَّ الجراح لا يُغَلَّظُ فيها العقل».
ووجه هذا القول: هو أنَّ الجرح لَمَّا كان أخفض من النَّفس، لم يُغَلَّظ حكمه كحكم النَّفس، كما لم يكن حكمه في القسامة كحكم النَّفس، فكان في النَّفس القسامة لغلظ القتل، ولم يكن في الجرح لانخفاضه عن القتل.
ألا ترى: أنَّ في النَّفس الكفَّارة على القاتل، وليس في الجرح كفَّارةٌ.
•••
[ ٣ / ٤١٠ ]
[٢٢٧٧] مسألة: قال: ولا تُغَلَّظ في الشّهر الحرام، ولا في المُحَرَّمِ (^١)، ولا في قرابة أخٍ ولا قرابة غيره (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المحرَّم (^٣)، والشَّهر الحرام، والقرابة، لا أصل للتَّغليظ فيها، وإنّما التَّغليظ يقع لحرمة النَّفس، كما غُلِّظَت دية الحرِّ المسلم على دية الحرِّ الكافر، ودية الرّجل الحرِّ على دية المرأة الحرَّة، ولا فرق بين قتلها في الحرم والشَّهر الحرَّام والقرابة وغير ذلك، وإنّما يراعى فيه ما ذكرنا من حرمة النَّفس، أو غلظ القتل، لا غيرهما، والله أعلم.
•••
[٢٢٧٨] مسألة: قال: وتُقَطَّعُ الدّية في ثلاث سنين أحبّ إلي، وثُلثي الدّية في سنتين، ونصف الدّية في سنتين، وثلث الدّية في سنةٍ.
وقد قال: في النِّصف وثلاثة أرباع، يجتهد فيه الإمام على قدر ما يرى (^٤).
• إِنَّمَا قال: «إنَّ الدّية تُقَطَّع في ثلاث سنين، والثُّلث منها في سنةٍ»؛ تخفيفًا على العاقلة؛ لأَنْ يجمعوها في هذه المدَّة.
_________________
(١) قوله: «المُحَرَّمِ»، كذا في جه، ولعلها: «الحرم»، كما هي عبارة مالك في المدوَّنة [٤/ ٥٥٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٠٥)، الموطأ [٥/ ١٢٧٣]، المدوَّنة [٤/ ٥٥٨]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٥٤١].
(٣) قوله: «المحرَّم»، لعلها: «الحرم»، كما تقدَّم.
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٠٦)، الموطأ [٥/ ١٢٤٥]، المدوَّنة [٤/ ٥٦٧]، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٨٢].
[ ٣ / ٤١١ ]
وكذلك رُوِيَ عن عمر وعلي بن أبي طالب (^١) ﵄ مثله، ولا خلاف في هذا بين جماعة أهل العلم.
فأمَّا نصف الدِّية، فإنَّمَا قال: «إنَّه في سنتين»؛ لأنَّ الإبل تكون حوامل في وسط السَّنة، وليس يجوز أن تؤخذ حوامل في الدِّية، فأُخِّرَت إلى تمام السَّنَةِ لكي تضع.
فروى أشهب (^٢) عن الحسن (^٣)، وعن الحكم عن إبراهيم، قالا: «أوَّل من فرض العطاء عمر بن الخطاب، وفرض فيه الدّية كاملةً في ثلاث سنين، وثلثي الدّية في سنتين، والنِّصف في سنتين، وما دون ذلك عليه» (^٤).
ووجه قوله: «إنَّ الإمام يجتهد في النِّصف والثَّلاثة الأرباع»؛ فلأنه لَمَّا لم يكن في ذلك أَجَلٌ مؤقتٌ، كان ذلك على اجتهاد الحاكم.
•••
_________________
(١) ينظر أثر عمر في مصنف عبد الرزاق [٩/ ٤٢٠]، وما بعده، ومصنف ابن أبي شيبة [١٤/ ١٧٥]، ولم أقف على أثر عليٍّ.
(٢) قوله: «أشهب»، كذا في جه، ولعل صوابه: «أشعث» - كما في مصادر التخريج، وهو أشعث بن سوار الكندي النجار الأفرق الأثرم، قاضي الأهواز، ضعيف، من السادسة. تقريب التهذيب ص (١٤٩)
(٣) قوله: «الحسن»، كذا في جه، والذي في مصادر التخريج: «الشعبي».
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة [١٤/ ١٧٥]، والبيهقي في السنن الكبرى [١٦/ ٤١٢].
[ ٣ / ٤١٢ ]
[٢٢٧٩] مسألة: قال: ومن جَرَحَ رَجُلًَا جرحًا يقع عليه فيه ثلث الدِّية، لم يُنَجَّمْ عليه، وأُخِذَ منه كلّه (^١).
• يعني: إذا كان جرح عمدٍ، فإنَّ ديته في مال الجارح إذا رضي بذلك المجروح.
ويكون نقدًا؛ لأنَّ المتأخرة هي الدّية الَّتِي على العاقلة، لا الَّتِي على الجاني في نفسه.
•••
[٢٢٨٠] مسألة: قال: ومن أصاب رجلًا مُوضِحَةً خطأً، لم تُنَجَّم عليها ديتها (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأن دية الموضحة في مال الجاني، وهو قليل من الدِّية، فلم يُؤخّر ذلك.
•••
[٢٢٨١] مسألة: قال: وقاتل العمد لا يرث من المال ولا من الدِّية، وقاتل الخطأ يرث من المال، ولا يرث من الدِّية (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قاتل العمد أراد استعجال الميراث بقتل من وَرِثَه،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٦)، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٧٣ و٤٧٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٠٦).
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٠٦)، الموطأ [٥/ ١٢٧٥]، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ١٤٠].
[ ٣ / ٤١٣ ]
فمُنِعَ فيه عقوبةً له وردعًا عن أن يُفْعَلَ مثل فعله، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁ في قصة المُدْلِجِيّ، حيث أعطى الدّية للأخ دون الأب، سمعت النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ يقول: «لَيْسَ لِقَاتِلٍ مِيرَاثٌ».
رواه مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عمرو بن شعيبٍ: «أَنَّ رَجُلًَا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ قَتَلَ ابْنَهُ، فَأَخَذَ عُمَرُ الدِّيَةَ فَجَعَلَهَا لِأَخِيهِ، وَقَا [لَ: قَا] لَ (^١) رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، قال: لَيْسَ لِلقَاتِلِ شَيْءٌ» (^٢)، وهذا ما لا اختلا [ف] (^٣) فيه نعلمه بين الفقهاء (^٤).
فأمَّا قاتل الخطأ فيرث من المال؛ لعموم قوله ﷿: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، ولسائر ما جعل الله ﵎ للوارثين من المورِّثين، فلم يجُز منع هذا المخطئ من الميراث؛ لأنَّهُ لم يقصد الاستعجال (^٥) الميراث بالقتل فيُعَاقَبُ بالمنع كما عوقب قاتل العمد، فلمَّا لم يجُز الجمع بينهما لاختلاف المعنى، كان على أصله في وجوب الميراث له (^٦).
_________________
(١) ما بين []، مطموس، والسياق يقتضيه.
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢١٣١.
(٣) ما بين [] غير مثبت، والسياق يقتضيه، ونحوه في شرح التفريع للتلمساني [١٠/ ١٤١]، نقلًا عن الأبهري.
(٤) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ١٤١]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٥) قوله: «الاستعجال»، كذا رسمها في جه، ولعلها: «استعجال»، كما هي في شرح التفريع للتلمساني [١٠/ ١٤١]، نقلًا عن الأبهري.
(٦) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ١٤٢]، هذه المسألة عن الأبهري.
[ ٣ / ٤١٤ ]
فأمَّا الدّية فلا يرث منها؛ لِأَنَّهَا مُؤدّاةٌ عنه، فكانت واجبةً عليه، ومحالٌ أن يؤدّي الإنسان شيئًا وجب عليه إلى نفسه.
ولأنَّ في الأصول: أنَّ الجناية توجب على الجاني شيئًا لا له، وإذا كان هذا هكذا، لم يرث من الدّية بالإجماع، وورث من المال لِمَا ذكرناه.
فإن قيل (^١): هل رأيتم وارثًا يرث من بعض مال موروثه دون بعضٍ؟
قيل له: نعم، إذا كان حكم الأبعاض مختلفًا، وقد يجوز للإنسان إذا كان مريضًا أن يتصرَّف في بعض ماله دون بعضٍ، فلمَّا كان الإنسان ممنوعًا من التَّصرف في بعض ماله دون بعضٍ لدليلٍ قام، فكذلك الوارث يكون ممنوعًا من بعض مال موروثه دون بعضٍ لدليلٍ.
وروى أبو عاصمٍ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قال في الرجل يقتل ابنه عمدًا: «لا يرث من ماله ولا من ديته، فَأَمَّا الخطأ فيرث من ماله ولا يرث من ديته» (^٢).
وروى سعيدٌ، عن قتادة، عن الحسن، قال: «يرث من ماله ولا يرث من ديته» (^٣).
_________________
(١) ينظر الاعتراض في: الحجة على أهل المدينة [٤/ ٣٨٠].
(٢) أخرجه عبد الرزاق [٩/ ٤٠٠].
(٣) لم أقف عليه، ولعلَّه ساقط من المطبوع من مصنف ابن أبي شيبة، إذ إن غالب الآثار التي يسوقها الشارح من المصنف.
[ ٣ / ٤١٥ ]
وروى وكيع، عن علي بن المبارك (^١)، عن يحيى بن أبي كثير، عن عليٍّ ﵁ قال: «يَرِثُ إِنْ كَانَ خَطَأً، وَإِنْ كَانَ عَمْدًَا لَمْ يَرِثْ» (^٢).
•••
[٢٢٨٢] مسألة: قال: وقاتل العمد لا يَرِثُ ولا يَحْجِبُ، وهو بمنزلة الكافر والعبد، ولا يَحْجِبُ إلَّا من يَرِث (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ من لا يرث لا يحجب؛ لأنَّهُ ليس من أهل الميراث، فلا مدخل له في حكمه؛ لأنَّ الحجب حكمٌ من أحكام الميراث.
ألا ترى: أنَّ رجلًا لو خلَّف ابنه وأباه وجدَّه، وكان أبوه عبدًا، أنَّ لجده السُّدس، والباقي لابنه، ولم يحجِب أبوه جدَّه بإجماعٍ؛ لأنَّهُ ليس من أهل الميراث، فكذلك كلّ من كان لا يرث، فَإِنَّهُ لا يحجب (^٤).
•••
_________________
(١) علي بن المبارك الهنائي، ثقة، كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان: أحدهما سماع، والآخر إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار السابعة. تقريب التهذيب، ص (٧٠٣).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة [١٦/ ٣٢٣].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٠٦)، الموطأ [٥/ ١٢٧٥]، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ١٤٠].
(٤) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ١٤١]، شرح المسألة عن الأبهري.
[ ٣ / ٤١٦ ]
[٢٢٨٣] مسألة: قال: وقاتل الخطأ يَحْجِبُ في المال ولا يَحْجِبُ في الدِّيَةِ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ يرث من المال فيَحْجِبُ فيه؛ لأنَّهُ من أهل الميراث فيه، ولا يرث من الدّية ولا يَحْجِبُ فيه.
•••
[٢٢٨٤] مسألة: قال: وإذا قَبِلَ وُلَاة الدّم الدّية، فهي موروثةٌ على كتاب الله جَلَّ وَعَزَّ، ترثها بنات الميِّت وأخواته.
فإن لم يُحْرِزِ النِّساء الميراث، كان ما بقي لأولى النّاس بميراثه مع النِّساء (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الدّية إذا قُبِلَت فهي بمنزلة مالٍ يُخَلِّفُهُ؛ لِأَنَّهَا بدلٌ من نفسه، يُقْضَى منها دينه، وتورث على كتاب الله جَلَّ وَعَزَّ، وكذلك أمر النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ بذلك.
فروى سفيان، عن الزّهري، عن سعيدٍ، أنَّ عمر رحمة الله عليه قال: «الدِّيَةُ لِلْعَاقِلَةِ، ولَا تَرِثُ المَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، حَتَّى أَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ بِذَلِكَ - وخبر الضّحاك هو: أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ كَتَبَ إِلَيْهِ: أنْ تُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا» (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٦)، التفريع [٢/ ٢١٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٠٦)، الموطأ [٥/ ١٢٩٩]، المدوَّنة [٤/ ٦٤٥]، التفريع [٢/ ٢٠٩].
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٢٠٥.
[ ٣ / ٤١٧ ]
وروى سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ قَضَى أَنَّ العَقْلَ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَةِ القَتِيلِ» (^١).
وقوله: «فإن لم يحرز النِّساء الميراث، كان ما بقي لأولى النّاس بميراثه»، يعني: من العصبة أو الموالي، كسائر ماله، وقد قال النَّبيُّ ﷺ: «أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا أَبْقَتْ فَلِأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ» (^٢)
•••
[٢٢٨٥] مسألة: قال: وكلُّ من قُبِلَتْ منه الدّية في شيءٍ من القتل أو الجراح الَّتِي فيها القصاص، فذلك في مال القاتل:
• إن وُجِدَ له مالٌ، أُخِذ منه.
• وإن لم يوجد له مالٌ، أُتْبِعَ به دينًا عليه، ولا تحمل العاقلة من ذلك شيئًا (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأصل في الجناية أنَّهَا على الجاني، فيها القصاص إذا كانت عمدًا، فإن رضي منها بمالٍ، كان ذلك في مال الجاني، أو في ذمَّته إن لم يكن له مالٌ.
ولم يجُز حمل ذلك العاقلة؛ لأنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ إنَّما حمَّلهم دية قتل الخطأ الَّتِي لا قصد للقاتل فيه، دون العمد، ولا خلاف في هذا بين جملة أهل العلم (^٤).
•••
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢١٦٥.
(٢) متفق عليه: البخاري (٦٧٤٦)، مسلم [٥/ ٥٩]، وهو في التحفة [٥/ ٩].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٠٦)، الموطأ [٥/ ١٢٧٠]، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٧٩].
(٤) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ٨٠]، هذا الشرح عن الأبهري.
[ ٣ / ٤١٨ ]
[٢٢٨٦] مسألة: قال: ولا تَعْقِلُ العاقلةُ أحدًَا أصاب نفسه بشيءٍ عمدًا أو خطأً (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ دية الخطأ تُؤَدَّى عن القاتل، والقَاتِلُ نَفْسَهُ لا يصحُّ أن يُؤَدَّى عنه؛ لأنَّهُ هو الجاني على نفسه لا غيره، فلم يجب له بجنايته شيئًا.
ألا ترى: أَنَّهُ لو قطع يد نفسه عمدًا، لم تجب فيها الدّية، فكذلك إذا قتل نفسه، لم تجب له الدِّيَة؛ لأنَّ الدّية إِنَّمَا تجب له، ثمَّ تُورث عنه، ومحالٌ أن تجب له بجنايته على نفسه ديةٌ؛ لأنَّ الجناية تجب على الإنسان لا له.
•••
[٢٢٨٧] مسألة: قال: والمرأة والصَّبيَّ الَّذِي لا مال لهما، إن جنى أحدهما جنايةً دون الثّلث، كان ذلك دَيْنًَا عليه، ولم تحمل العاقلة منه شيئًا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العاقلة إِنَّمَا تحمل الثّلث من الدّية فصاعدًا، فما كان أقلّ منها، فعلى الجاني في ماله، فإن لم يكن له مال، أتْبِعَ به دينًا في ذمَّته؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يبطل أرش الجرح الَّذِي قد وجب لصاحبه.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٦)، الموطأ [٥/ ١٢٧١]، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٨١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٠٧)، الموطأ [٥/ ١٢٧١]، المدوَّنة [٤/ ٦٣٠].
[ ٣ / ٤١٩ ]
[٢٢٨٨] مسألة: قال: ولا يَحْمِلُ النِّساء ولا الصِّبيان من العقل شيئًا، ولا يحمل إلَّا من بلغ الحُلُمَ من الرِّجَالِ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ إِنَّمَا ألزم الدّية الرِّجال من العصبة دون النِّساء والصّبيان؛ لأنَّ الرِّجال هم أحمل للمواساة من النِّساء والصّبيان؛ لضعفهم وقلّة تصرّفهم، فخفَّفَ عنهم بترك إلزامهم؛ لِأَنَّهُم مِمَّنْ يُنْفَقُ عليهم، ولا خلاف في هذا نعلمه من جملة أهل العلم (^٢).
•••
[٢٢٨٩] مسألة: قال: وليس لأموال العاقلة حدٌّ، إذا بلغته عَقَلُوا، وإذا قَصُرت عنه، لم يَعْقِلُوا (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حمل العاقلة إِنَّمَا هو على وجه المواساة، فمن قدر عليها فعل، وليس لماله حدٌّ إذا بلغه أُخِذَ منه، وإذا قَصر عنه، لم يؤخذ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٧)، الموطأ [٥/ ١٢٧٨]، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٨٦].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ٨٦]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٠٧)، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٨٤]، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٨٧].
[ ٣ / ٤٢٠ ]
وكذلك مقدار ما يؤخذ منه، ليس هو مؤقَّتٌ عند مالكٍ، بل ذلك على حسب اجتهاد الإمام وما يراه (^١).
وقد حكى عنه بعض أهل المدينة: «أنَّ أكثر ما يؤخذ من الواحد نصف دينارٍ».
•••
[٢٢٩٠] مسألة: قال: ومن جنى جنايةً خَطَأً، فما كان من ذلك دون الثّلث فهو في ماله، وما جاوز الثّلث من ذلك حَمَلَتْهُ العاقلة (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ دون الثّلث من الدّية قليلٌ منها، فهو على الجاني في ماله، بدلالة: وجوب الجناية وبدلها على الجاني.
فإذا كان الثّلث فأكثر، حملت عنه عاقلته؛ تخفيفًا عنه، إذا كانت جنايته خطأً، وقد بيَّنَّا هذا (^٣).
•••
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ٨٧]، شرح المسألة عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٠٧)، الموطأ [٥/ ١٢٧٠]، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٨١].
(٣) ينظر: المسألة [٢٢٨٧].
[ ٣ / ٤٢١ ]
[٢٢٩١] مسألة: قال: ولا يُؤخذ أبو الصَّبيِّ بِغُرمِ جنايته (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، وقال النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ لأبي رِمْثَة: «ابْنَكَ هَذَا لَا يَجْنِي عَلَيْكَ، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ» (^٢).
وهذا إذا كان أرش جنايته دون ثلث الدّية، فهو في مال الصَّبي، أو ذمَّته إن لم يكن له مالٌ.
فأمَّا إذا كان ذلك ثلث الدّية فأكثر، كان على عاقلته كلّهم، ودخل أبوه معهم.
فأمَّا جنايته على الأموال ففي ماله، أو ذمَّته إن لم يكن له مالٌ.
•••
[٢٢٩٢] مسألة: قال: وجراح الصِّبيان فيما بينهم: لا تحمل العاقلة من ذلك إلَّا الثّلث فصاعدًا، وما كان دون الثّلث، ففي أموالهم (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قتلهم وجرحهم يجري مجرى الخطأ، فكان ذلك
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٧)، الموطأ [٥/ ١٢٧١]، المنتقى [٧/ ١٠٣].
(٢) أخرجه أبو داود [٤/ ٤٦٢]، والنسائي في الكبرى [٦/ ٣٦٦]، وهو في التحفة [٩/ ٢٠٨].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٠٧)، الموطأ [٥/ ١٢٧١]، المدوَّنة [٤/ ٦٣٠].
[ ٣ / ٤٢٢ ]
على عواقلهم إذا كان الثّلث فصاعدًا، أو في أموالهم إن كان أقلّ من ذلك، أو ذممهم إن لم يكن له مالٌ، وقد بَيَّنَّا ذلك (^١).
•••
[٢٢٩٣] مسألة: قال: ومن جُرِحَ جَائِفَةً أو مَأْمُومَةً عمدًا، بُدِئَ بمال الجارح فيها، فما نقص عن ماله، كان على العاقلة (^٢).
• إنَّما قال: «إنَّ دية ذلك في ماله»؛ فلأنَّ ذلك جرح عمدٍ لا يمكن فيه القَوَدُ، فكان دية ذلك في ماله؛ لأنَّ دية العمد في مال الجاني دون عصبته.
ووجه قوله: «ما نقص من ماله على العاقلة»؛ فلأنَّه لا يجوز إسقاط أرش الجرح، فلمَّا عجز مال الجاني عن ديته، كان ذلك على عاقلته (^٣).
وقد قال مالك: «إنه يُتْبَعُ به دينًا عليه، ولا تحمل العاقلة دية شيءٍ من قَتْلِ عمدٍ أو جرح عمدٍ»، وهذا أصحّ.
•••
[٢٢٩٤] مسألة: قال: وإذا جرحت المرأَةُ امرأَةً أو رجُلًَا، فكان ذلك يبلغ ثلث دية المرأة، حملته العاقلة (^٤).
_________________
(١) ينظر: المسألة [٢٢١٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٠٧)، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٩٠].
(٣) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ٩١]، هذا التعليل عن الأبهري.
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٠٧)، المدوَّنة [٤/ ٦٢٩]، البيان والتحصيل [١٥/ ٤٦٥].
[ ٣ / ٤٢٣ ]
• ووجه هذا القول: هو أَنَّهُ تُراعى دية المجروح، فإن بلغ ثلث ديته حملته العاقلة؛ لِأَنَّهَا كثيرٌ، وسواءٌ كان الجارح رجلًا أو امرأةً.
وقد قال مالك: «إنَّها إِنَّمَا تحمل ثلث عقل الرَّجل لا المرأة»، حكاه عنه غير ابن عبد الحكم.
•••
[٢٢٩٥] مسألة: قال: وإن جرح رجلٌ امرأةً، فبلغ ثلث دية المرأة، عقلته العاقلة (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه: أَنَّهُ يراعى ثلث دية المجروح، كان رجلًا أو امرأةً، فتكون دية ذلك على عاقلة الجارح، وإن قَصُرَ عنه كان في مال الجارح، أو ذمَّته إن لم يكن له مالٌ.
•••
[٢٢٩٦] مسألة: قال: ويلزَمُ العاقِلَةَ عَقْلُ الموالي، كانوا أهل ديوانٍ أو منقطعين، وليس له أن يعقل عنه غير قومه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المولى من فوق عصبةٍ.
ألا ترى: أَنَّهُ يرث، فكذلك يُعْقَل عنه.
وإِنَّمَا يُراعى في حمل الدّية العصبة، لا أهل الديوان، قال مالكٌ: «[قد تـ]
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٧)، المدوَّنة [٤/ ٦٢٩]، البيان والتحصيل [١٥/ ٤٦٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٠٧)، الموطأ [٥/ ١٢٧٩]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٨٩].
[ ٣ / ٤٢٤ ]
ــعاقل (^١) النَّاس في زمن رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ، وصدرٍ من [زمن عمر] (^٢)» (^٣) [] (^٤) ألزم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ العاقلة [] (^٥)، فلا يجوز أن يُلْزَمَ غير العاقلة دية الجاني؛ لأنَّ الله ﷿ ورسوله صَلَّى الله عَلَيْهِ لم يُلزمهم ذلك، وإنّما ألزم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ عصبة الجاني دون غيرهم، فلا يجوز تعدِّي ذلك إلى غـ[يرهم] (^٦).
•••
[٢٢٩٧] مسألة: قال: وإن انقطع الرّجل من أهل البادية إلى المدينة وما أشبهها من أُمَّهَات القرى فسكنها، ضُمَّ عقله إلى قومِهِ من أهل القرى.
وإن لم يكن من أهل القرى من يحمل عقله، ضُمَّ إلى أقرب القبائل لقبيلته (^٧).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُم قد جمعوا عصبةً وَوِرْثًَا، فكانوا أولى بحمل الدّية مِمَّنْ بَعُدَ عنهم في القرب أو الدِّيار.
_________________
(١) ما بين []، مطموس، والمثبت من الموطأ [٥/ ١٢٧٩].
(٢) ما بين []، مطموس، والسياق يقتضيه.
(٣) ينظر: الموطأ [٥/ ١٢٧٩].
(٤) ما بين []، طمس بمقدار أربع كلمات تقريبًا.
(٥) ما بين []، طمس بمقدار خمس كلمات.
(٦) ما بين []، مطموس، والسياق يقتضيه.
(٧) المختصر الكبير، ص (٤٠٨)، المدوَّنة [٤/ ٦٢٩]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٨٦].
[ ٣ / ٤٢٥ ]
فإن اكتُفِيَ بهم، وإلا ضُمَّ غيرهم إليهم من أهل قبيلته، الأقرب فالأقرب، حَتَّى تحصل الدّية، وإنّما يلزم كلّ واحدٍ منهم ما لا يجحف به ويَشُقُّ عليه.
•••
[٢٢٩٨] مسألة: قال: وإذا وقع العقل على قبيلةٍ، فلم يوجد منهم أحدٌ، أو لم يوجد منهم رجلٌ، أو وُجِد منهم من لا يقوى على ذلك، ضُمَّ إليهم أقرب القبائل بهم، فإن لم يَقْوَوا، ضُمَّ إليهم أقربهم بهم (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يسقط بدل الدّم الَّذِي هو الدّية، ولم يجز أيضًا أن تُكَلَّف العصبة ما يشقُّ عليهم، فَضُمَّ إليهم من يخفِّف عنهم من أهل قبيلتهم؛ لأنَّ كلّهم عصبَةٌ، فقد ألزمهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ الدّية، فإن وُجِد في الأقربين من يحملها فذلك، وإلَّا ففي من يليهم، الأقرب فالأقرب، على ما فسَّره مالكٌ.
•••
[٢٢٩٩] مسألة: قال: وإن كان للمرأة ولدٌ وزوجٌ من غير قبيلتها، لم يكن عليهما من عقلها شيءٌ، وميراثها لولدها وزوجها.
وكذلك موالي المرأة، عقلهم على عصبتها، وميراثهم لولدها (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العقل إِنَّمَا تحمله العصبة المحض، فَأَمَّا الابن إذا لم
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٨)، المدوَّنة [٤/ ٦٢٩]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٨١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٠٨)، الموطأ [٥/ ١٢٥١]، المنتقى للباجي [٧/ ٧٩].
[ ٣ / ٤٢٦ ]
يكن من قومها فليس بعصبةٍ محضٍ، وكذلك الزَّوج إذا لم يكن من قومها فليس من العصبة؛ لأنَّهُ إِنَّمَا يدلي بسببٍ لا نسبٍ.
وروى اللَّيث بن سعيد (^١)، حدثنا ابن شهابٍ، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: «قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثمَّ إِنَّ المَرْأَةَ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا تُوُفِّيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ أَنَّ مِيرَاثَهَا لِزَوْجِهَا وعَصَبَتِهَا (^٢)، وَأَنَّ العَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا» (^٣).
وقد حكم عمر وعثمان للزّبير ﵃ بولاء موالي صفيَّة، وحكم أنَّ عقل جنايتهم على عصبة صفيّة دون الزّبير (^٤).
•••
[٢٣٠٠] مسألة: قال: ولو أنَّ امرأةً من كَلْبٍ تزوَّجت من قريشٍ فكان لها ولدٌ، ثمَّ جاءت بجنايةٍ، لم تكن جِنَايتها إلَّا على كلبٍ (^٥).
_________________
(١) قوله: «الليث بن سعيد»، كذا في جه، وصوابه: «الليث بن سعد»، كما في مصادر التخريج.
(٢) قوله: «وعَصَبَتِهَا»، كذا في جه، وفي مصادر التخريج: «وبنيها».
(٣) متفق عليه: البخاري (٦٧٤٠)، مسلم [٥/ ١١٠]، وأخرجه النسائي في الكبرى [٦/ ٣٦٠]، والترمذي [٣/ ٦١٣]، وهو في التحفة [١٠/ ٣٨].
(٤) أخرجه عبد الرزاق [٩/ ٣٥]، وابن أبي شيبة [١٤/ ٢٠٩].
(٥) المختصر الكبير، ص (٤٠٨).
[ ٣ / ٤٢٧ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كلبًا عصبتها، فجنايتها عليهم؛ لأنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قضى أنَّ الدّية على العاقلة.
•••
[٢٣٠١] مسألة: قال: وتُعَاقِلُ المرأَةُ الرّجُلَ في المُوضِحَةِ وَالمُنَقِّلَةِ، وما دون المَأْمُومَةِ وَالجَائِفَةِ من الجراح كلّها، فعَقْلُهَا في ذلك كعقل الرجل.
فإذا بلغت المَأْمُومَةُ وَالجَائِفَةُ وأشباهها مِمَّا يكون فيه ثلث الدّية فصاعدًا، كان ذلك على النِّصفِ من عقل الرَّجُلِ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ سوَّى في دية الجنين بين الذَّكر والأنثى في الغرّة، ولم يفرِّق بينهما، ومعنى ذلك عندنا أَنَّهُ قليلٌ من الدّية.
وكذلك سوَّى الله ﷿ بين الإخوة والأخوات من الأمِّ في الثُّلث، فإذا بلغت الدّية الثّلث فصاعدًا، أُرجِعت إلى ديتها؛ لأنَّهُ قد صار كثيرًا من الدّية؛ لأنَّ الثّلث قد يكون مرَّةً قليلًا، ويكون مرَّةً كثيرًا؛ لأنَّهُ أول حدّ القليل، وآخر حدّ الكثير، بمنزلة الظلّ إذا صار مثله بعد زوال الشّمس؛ فذلك الوقت هو آخر وقت الظّهر وأول وقت العصر، فإذا بلغ ما يجب من الدّية ثلث الدّية فصاعدًا، رجعت إلى النّصف من دية الرّجل؛ لأنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ جعل دية المرأة على النّصف من دية الرَّجُلِ.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٨)، الموطأ [٥/ ١٢٥١]، المنتقى للباجي [٧/ ٧٨].
[ ٣ / ٤٢٨ ]
[٢٣٠٢] مسألة: قال: وإذا أصيبت كف المرأة فأخذت عقلها، ثمَّ أصيب لها أصبعٌ من الكفِّ الآخر، أخذت فيها عشرًا من الإبل (^١).
• يعني: لا تُثَنَّى جنايةٌ تدخل للجناية على اليد الأخرى، بل يُبْتَدَأ العقل فيها؛ لأنَّ حكم كلّ يدٍ حكم نفسه دون غيره.
وإِنَّمَا تُثَنَّى أصابع اليد في الجناية عليها بعضها على بعضٍ، أعني: أنَّ الجناية على الأصبع الثانية تضاف إلى الأولى حَتَّى تبلغ أربع أصابع، فترجع إلى عقلها وهو نصف عقل الرَّجُلِ، إلَّا أن تكون الجناية بضربةٍ واحدةٍ على أصابع اليدين، فيضمّ بعضها إلى بعض حينئذٍ؛ لأنَّ الحناية واحدةٌ فحكمها واحدٌ، فَأَمَّا إذا اختلف، لم تضمّ جناية يدٍ إلى جناية يدٍ، وكذلك الرِّجْلُ مثل اليد.
•••
[٢٣٠٣] مسألة: قال مالك: وفي جنين الأمَةِ إذا طُرِحَ فاستَهَلَّ، قيمته حين يطرح، وإن كان أقلَّ من عُشْرِ قيمة أمِّهِ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الجنين إذا استهل فقد ثبتت حياته، فوجب أن يراعى حكمه في نفسه لا حكم أمِّه؛ لأنَّ الجناية قد حصلت عليه، فكان فيه قيمته إذا كان عبدًا، لا عُشْرَ قيمة أمِّهِ، وديته إن كان حرًّا، لا عشر دية أمِّه؛ لأنَّ حياته قد ثبتت باستهلاله، فكان حكمه يُعتَبر في نفسه دون حكم أمِّه، ولا خلاف في هذا بين أهل العلم.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٨)، المدوَّنة [٤/ ٥٦٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٠٨)، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ١٤٩].
[ ٣ / ٤٢٩ ]
وإذا لم يستهلَّ، لم تُعْلَم حياته، فكانت قيمته أو ديته إن كان حرًا معتبرةً من دية أمِّه، وهي عُشر دية أمّه إن كان حرًا، أو عشر قيمة أمّه إن كان عبدًا.
•••
[٢٣٠٤] مسألة: قال: وفي جنين أمّ الولد من سيِّدها الحرّ، مثل ما في جنين الحرَّة (^١).
إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ حرٌّ مثل أبيه من حين خلق، لم يمسَّه رِقٌّ، فكان فيه غرّة عبدٍ أو أَمَةٍ، فتكون قيمتها خمسًا من الإبل؛ لأنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ حكم في جنين المرأة بغرَّة عبدٍ أو أمةٍ (^٢)، فجعل أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قيمة ذلك خمسًا من الإبل (^٣)، وهي عُشْرُ دية أمِّه، فكان فيه من الورق ستمئة درهمٍ، ومن الذهب خمسون دينارًا؛ لأنَّ ذلك عشر دية المرأة.
•••
[٢٣٠٥] مسألة: قال: ودية جنين الأَمَةِ غير (^٤) ثمنها (^٥).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ جنين الحرَّة لَمَّا كان فيه عُشْرُ دية أمّه إذا طُرِحَ، وجب
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٩)، المدوَّنة [٤/ ٦٣٣]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٧٠].
(٢) أخرجه البخاري (٥٧٥٨)، ومسلم [٥/ ١١٠]، وهو في التحفة [١١/ ٣٤].
(٣) لم أقف عليه مسندًا، وقد حكاه ابن قدامة في المغني [١٢/ ٦٦]، عن عمر وزيد.
(٤) قوله: «غير»، كذا رسمها في جه، ولعلها: «عشر»، كما في كلام الشارح، والمصادر الآتية.
(٥) المختصر الكبير، ص (٤٠٩)، الموطأ [٥/ ١٢٥٤]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٦٩]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٧٧٨]، البيان والتحصيل [١٦/ ٧٥].
[ ٣ / ٤٣٠ ]
أن يكون في جنين الأمَةِ إذا طُرِح عُشْر قيمة أُمِّهِ؛ من قِبَلِ أنَّ اعتباره في نفسه غير ممكنٍ، فوجب أن يُعْتَبر بأُمِّه، كما اعتُبِر الجنين الحرُّ بأُمِّه، فكان ذلك من قيمتها كهو في الحرِّ من دية أُمِّهِ.
•••
[٢٣٠٦] مسألة: قال: وإذا طُرِحَ جنين الحُرَّةِ فاستهلَّ صارخًا، ثمَّ مات، ففيه الدّية كاملة (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد ثبت حكم نفسه بثبوت حياته، فوجب فيه الدّية كاملة؛ لأنَّهُ حيٌّ قَبْلُ، كما يجب ذلك في الحيِّ غير الجنين إذا قُتِلَ.
•••
[٢٣٠٧] مسألة: قال: وتؤخذ الغُرَّةُ في دية الجنين من الحُمْرانِ أَحَبّ إلي، إلَّا أن تكون الحُمْرَانُ في الأرض الَّتِي يُقْضَى فيها بالغُرَّة قليل، فيؤخذ من أوسط السُّودَان، وقيمة ذلك خمسون دينارًا وستمئة درهم (^٢)، وليس القيمة كالسُّنَّةِ الَّتِي لا اختلاف فيها (^٣).
• يعني بالحُمْران: البيضُ من العبيد والإماء، فإن لم يكن ذلك عبيد أهل
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٩)، الموطأ [٥/ ١٢٥٤]، التفريع [٢/ ٢١٩]، المنتقى للباجي [٧/ ٨٢].
(٢) قوله: «خمسون دينارًا وستمئة درهم»، كذا في جه، وسيتكرر في كلام الشارح، ولعله تصحيف صوابه: «خمسون دينارًا أو ستمئة درهم»، كما في المدوَّنة [٤/ ٦٣٤]، والموطأ [٥/ ١٢٥٣].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٠٩)، الموطأ [٥/ ١٢٥٣]، المدوَّنة [٤/ ٦٣٤].
[ ٣ / ٤٣١ ]
البلد الَّذِي هم فيه البيض، لكنَّهم سُودان، كان ذلك من عبيدهم السُّودان؛ لأنَّ في تكليفهم غير ذلك ضررًا عليهم.
وقيمة الغرّة خمسون دينارًا وستمئة (^١) درهمٍ؛ لِأَنَّهَا بمنزلة خمسٍ من الإبل، وهي عُشْرُ دية المرأة، ونصف عشر دية الرجل، قوَّمَ أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ الغرّة بخمسٍ من الإبل، وهي الأصل، وقيمة الإبل بالدَّراهم والذهب اجتهادٌ، وليس هو منقولٌ عن أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ.
وقد رُوِيَ عن عمر: «أَنَّهُ قَوَّمَ الإِبِلَ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرَ» (^٢).
•••
_________________
(١) قوله: «خمسون دينارًا وستمئة درهم» كذا في جه.
(٢) أخرجه أبو داود [٥/ ١٥٥]، وابن ماجه [٣/ ٦٤٩]، والنسائي في الكبرى [٦/ ٣٥٤]، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: «كانت قيمة الدِّيَة على عهد رسول الله ﷺ ثماني مئة دينار، أو ثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين، قال: فكان ذلك كذلك حتى استخلف عمر ﵀، فقام خطيبًا فقال: ألا إن الإبل قد غلت، قال: ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفًا، وعلى أهل البقر مئتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مئتي حلة، قال: وترك دية أهل الذمَّة لم يرفعها فيما رفع من الدِّيَة»، وهو في التحفة [٦/ ٣١٠]، وينظر: التمهيد لابن عبد البر [١٧/ ٣٤٨].
[ ٣ / ٤٣٢ ]
[٢٣٠٨] مسألة: قال: وإذا قُتِلتِ المرأةُ وجنينُهَا في بطنها لم يزايلها، فليس في جنينها شيءٌ.
وإن خرج منها:
(كان العقل تامًّا، إن استهل.
(وإن لم يستهلّ، كان فيه غرَّةٌ: عبدٌ أو وليدةٌ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الجنين إذا لم يزايل أمَّهُ في حال حياتها، فحكمه حكم أُمِّهِ، ولا حكم له في نفسه؛ لأنَّهُ بمنزلة عضوٍ منها، فلا غُرَّة فيه؛ لأنَّهُ تبعٌ لأمِّهِ.
فأمَّا إذا زايلها قبل موتها ولم يستهلّ، ففيه غرَّةٌ: عبدٌ أو أمَةٌ، كما حكم النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ فيه؛ لأنَّهُ إِنَّمَا كان حكمه في جنينٍ زايل أُمَّه.
فأمَّا إذا استهلَّ ففيه ديته كاملة؛ لأنَّ حكمه قد انفرد من حكم أمّه وثبتت حياته، فكان له حكم نفسه دون حكم أمِّه.
ألا ترى: أَنَّهُ لو أُعْتِقَت أُمُّهُ لم يكن عتقًا له، وكذلك لا تكون ذكاته ذكاة أُمِّهِ، ولو أعتقت أمّه وهي حاملٌ به، لكان حرًّا بعتقها، وكان عِتْقُ أمِّهِ عتقه، وكذلك ذكاة أمِّهِ ذكاته، كما قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٩)، الموطأ [٥/ ١٢٥٤]، المدوَّنة [٢/ ١٣٩]، التفريع [٢/ ٢١٨].
[ ٣ / ٤٣٣ ]
وروى اللّيث بن سعدٍ، حدثنا ابن شهابٍ، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة، قال: «قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًَا، بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ» (^١).
•••
[٢٣٠٩] مسألة: قال: وإذا كان الجنين مضغةً أو عظمًا قبل أن تُخلق فيه الرُّوحُ، ففيه غرَّةٌ: عبدٌ أو وليدةٌ، إذا عُلِمَ أَنَّهُ مخلوقٌ، وتكون موروثةً على كتاب الله ﷿.
فإن كان إملاصها (^٢) على الأب، لم يرث منها شيئًا (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حكم الجنين يقع عليه، سواءٌ كان مضغةً أو عَلَقَةً، ففيه غرَّةٌ؛ لأنَّهُ إِنَّمَا يُخْلَق حَالًَا فَحَالًَا، كما قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [المؤمنون:١٤]، (^٤) فحكم الجنين يثبت له بأوَّل خلقٍ، تجب فيه الغرّة، وتنقضي العدة بوضعه، وتصير الأَمَةُ أُمَّ ولدٍ.
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٢٩٩.
(٢) قوله: «إملاصها»، الإملاص هو الإزلاق، يعني: أن المرأة الحامل تُضْرَبُ فتملص جنينها، أي: تُزلقه وتُسقطه قبل وقت الولادة، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٤٤٦).
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٠٩)، المدوَّنة [٤/ ٦٣٠]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٦٤].
(٤) تبتدئ الصفحة عند قوله تعالى: ﴿مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾.
[ ٣ / ٤٣٤ ]
وقوله: «هي موروثةٌ»؛ فلأنَّها بمنزلة ماله الَّذِي يخلقه؛ لِأَنَّهَا بدل نفسه، كدية المقتول.
وقوله: «إن كان إملاصها على الأب، لم يرث منها شيئًا»، يعني: إذا كان الَّذِي طرحه الأب، فلا شيء له منها؛ لأنَّ القاتل لا يرث من الدّية شيئًا، كان القتل عمدًا أو خطأً.
•••
[٢٣١٠] مسألة: قال: وفي جنين اليهودية والنَّصرانية عُشْرُ دية أُمِّهِ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ في اعتبار ديته من دية أُمِّهِ، كجنين الحرَّة المسلمة من ديتها، فلمَّا كان في جنين الحرَّة المسلمة عُشْرُ دية أمِّهِ، فكذلك كان ذلك في جنين اليهودية والنَّصرانية.
•••
[٢٣١١] مسألة: قال: وإذا استهلَّ الجنين صارخًا، حملته العاقلة (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا استهلَّ صارخًا، ففيه الدّية كاملة، فقد صار ما وجب فيه كثيرًا تحمله العاقلة.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٩)، الموطأ [٥/ ١٢٥٥]، التفريع [٢/ ٢١٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٠٩)، المدوَّنة [٤/ ٦٥٠]، التفريع [٢/ ٢١٩].
[ ٣ / ٤٣٥ ]
[٢٣١٢] مسألة: قال: وفي جنين النَّصرانية من المسلم غُرَّةٌ، ولو مات أبوه وأمَّه حاملٌ به، وَرِثَ أباه، وإن استهلَّ ففيه الدّية كاملة (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا فرق بين أن يكون جنين مسلمةٍ أو نصرانيةٍ؛ لأنَّ فيه غرَّةً: عبدًا أو أَمَةً، واعتبار قيمة الغرَّة على ما ذكرنا.
فإن استهلَّ ففيه الدّية كاملةً؛ لثبوت حكم نفسه بالاستهلال.
وقوله: «يرث أباه»؛ فلأنَّه على دِينِ أبيه من حينِ خُلِقَ.
•••
[٢٣١٣] مسألة: قال: ومن ضَرَبَ امرأته فأسقطت، فَإِنَّهُ ليس يرث من ديته شيئًا؛ لأنَّهُ ليس لقاتلٍ ميراثٌ (^٢).
• قد ذكر مالكٌ العلَّة في ذلك، وهو أنَّ القاتل لا يرث من الدّية شيئًا، سواءٌ كان القتل عمدًا أو خطأً.
•••
[٢٣١٤] مسألة: قال: وإذا ضُرِبَتِ المرأةُ فطرحت جنينين، ففيهما غُرَّتَان، وإن استهلَّا، كانت ديتان (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد قتل نفسين، ففيهما ديتان، وذلك إذا استهلَّ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٠٩)، التفريع [٢/ ٢١٩]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٧٠].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤١٠)، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٦٨].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤١٠)، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ١٥٣]، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٦٥].
[ ٣ / ٤٣٦ ]
وإن لم يستهلّ، ففيهما غرَّتان؛ لأنَّهُ قد أسقط جنينين، في كلّ واحدٍ منهما غرّةٌ، إذ ليس أحدهما أولى بالغرَّة من الآخر.
•••
[٢٣١٥] مسألة: قال: ولا قَوَدَ بين المؤمن والكافر في الجراح، ولا يقتل مسلمٌ بكافرٍ، ولا يقاد أهل الذِّمَّة من المسلمين (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، (^٢) وقال: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة:١٧٨]، فلم يجز قتل مسلمٍ بكافرٍ، ولا حرٍّ بعبدٍ؛ لأنَّ في ذلك تعدّيًا، وأخذ أكثر مِمَّا جنى الجاني.
فإن قيل (^٣): قد قال الله ﷿: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، وقال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]؟
قيل له: معنى هذا إذا كان القاتل متكافئًا للمقتول في الحرمة والدِّين، بدلالة: أنَّ السيِّد لا يُقْتَل بعبده بإجماع جملة أهل العلم الَّذِينَ يُعتمد على قولهم، وكذلك لا يُقْتَل الأب بابنه إذا قتله على وجهٍ ما؛ وذلك لعدم التكافؤ في الحرمة، فكذلك وجب بهذه الدّلالة أن لا يقتل مسلمٌ بكافرٍ، ولا حرٌّ بعبدٍ، وقد قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ».
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٠)، الموطأ [٥/ ١٢٦٨]، المدوَّنة [٤/ ٦٥١].
(٢) تبتدئ الصفحة عند قوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ﴾.
(٣) ينظر الاعتراض في: شرح مختصر الطحاوي للجصاص [٥/ ٣٥١]، التجريد للقدوري [١١/ ٥٤٧٠].
[ ٣ / ٤٣٧ ]
رواه أحمد بن حنبل ومسدّد، قالا، حدثني (^١) يحيى بن سعيد، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عُبَادٍ (^٢)، عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «المُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، أَلَا لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» (^٣).
وروى هشيمٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ، وذكر مثله (^٤).
وقد قال مخالفنا: «إنَّ يد المؤمن لا تُقْطَعُ بيد الكافر، وكذلك عينه لا تُفْقَأ بعينه، وكذلك يد الحرِّ وعينه وسائر أعضائه، لا تؤخذ بأعضاء العبد، والكافر مثله، لا تؤخذ أعضاء المسلم بأعضائه إذا أخذها المسلم» (^٥)، فوجب أن تكون النَّفس كحكم الأعضاء في أنَّهَا لا تؤخذ؛ لِأَنَّهَا أوكد حرمةً من الأعضاء، وقد سوَّى الله جلَّ وعزَّ في وجوب القصاص في النَّفس والجراح بقوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:١٤٥]، وقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:١٤٥]، فإذا لم يجُز إجراء
_________________
(١) قوله: «حدثني»، كذا في جه، ولعلها: «حدثنا».
(٢) قيس بن عُبَاد الضُّبَعي البصري، ثقة، من الثانية، مخضرم. تقريب التهذيب، ص (٨٠٥).
(٣) أخرجه أبو داود [٥/ ١٤٩]، بالإسناد الذي ذكره الشارح، وهو البخاري (١١١)، وفي التحفة [٧/ ٤٣٩].
(٤) أخرجه أبو داود [٣/ ٣٣٢]، وهو في التحفة [٦/ ٣٤١].
(٥) ينظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص [٥/ ٣٦٥]، المبسوط [٢٦/ ١٣٦].
[ ٣ / ٤٣٨ ]
الآية على عمومها في الجراح بين المسلم والكافر، والحرِّ والعبد، كان كذلك في النَّفس، بل هي أولى بذلك؛ لقوة حرمة النفس.
وقوله: «لا قَوَدَ بين المؤمن والكافر في الجراح»، فَإِنَّهُ يعني: لا يُقْتَصُّ من كافرٍ لمسلمٍ في أعضائه؛ لنقصان حرمة عضو الكافر، فأشبه الأشلّ إذا قَطَعَ يد صحيحٍ، أنَّ يد الأشلِّ لا تُقْطَع؛ لنقصانها، وكذلك يد الكافر هي أنقص من يد المسلم، وكذلك يد العبد هي أنقص من يد الحرّ، فلا يُقتص للحرِّ من العبد في يده ولا أعضائه.
وهذا الَّذِي حكيناه هو قول عامَّة أهل المدينة، وهو قول السّبعة الفقهاء، واتَّبَعَهم مالكٌ فيه.
فَأَمَّا النَّفس، فواجبٌ القَوَدُ فيها بينهم - أعني: أنَّ الكافر يقتل بالمسلم، وكذلك العبد يُقْتَلُ بالحرِّ -؛ لعموم قول الله ﷿: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، إلَّا ما قامت الدّلالة أنْ لا قَوَدَ فيه، ومع ذلك، فلا نعلم خلافًا أنَّ العبد يُقْتَل بالحرِّ، والكافر يُقْتَل بالمسلم، والله أعلم.
•••
[٢٣١٦] مسألة: قال: ومن قتل عبدًا، أو يهوديًا، أو نصرانيًا، غِيلَةً، فذلك من الفساد في الأرض، ويُقْتَل (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قتل الغيلة إِنَّمَا هو من أجل المال؛ لأنَّ المُحارِبَ والمُغْتَال إِنَّمَا يَقْتُلَان لطلب المال، لا لعداوةٍ بينهما وبين المقتول، فكان ضرره
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٠)، الموطأ [٥/ ١٢٦٨]، المدوَّنة [٤/ ٦٥١].
[ ٣ / ٤٣٩ ]
أعظم مِمَّنْ يقتل من أجل عداوةٍ أو نائرةٍ؛ لأنَّ قتل هذا خاصٌّ، وقتل المغتال والمحارب عامٌّ، فكان ضررهما أعظم، فوجب قتله إذا قتل؛ لغلظ فساده، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة:٣٣]، الآية، فأباح الله قتلهم من أجل الفساد، سواءٌ قَتَلَ أو لم يقتل، فإذا قَتَلَ، فقد تناهى في الفساد، فوجب قَتْلُهُ، سواءٌ قَتَلَ مسلمًا أو كافرًا، أو حرًّا أو عبدًا، فَقَتْلُهُ إذا قَتَلَ غيلةً إِنَّمَا هو من أجل الفساد، لا من أجل قتله الكافر أو العبد.
•••
[٢٣١٧] مسألة: قال: ودية اليهوديّ والنّصرانيّ، مثل نصف (^١) دية المسلم.
وجراح اليهوديّ والنّصراني والمجوسيّ في دياتهم، على حساب جراح المسلمين في ديتهم: فِي المُوضِحَةِ نصف العُشُر، وفي المَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّية.
ودية المجوسيّ ثمانمئة درهمٍ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ جعل دية أهل الكتاب نصف دية المسلمين.
فروى محمد بن راشدٍ، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيبٍ، عن
_________________
(١) قوله: «نصف»، مثبت في الحاشية اليمنى، وسياق الشارح يقتضيه، وهي غير مثبتة في المطبوع.
(٢) المختصر الكبير، ص (٤١٠)، الموطأ [٥/ ١٢٦٨]، المدوَّنة [٤/ ٦٢٧]، التفريع [٢/ ٢١٦].
[ ٣ / ٤٤٠ ]
أبيه، عن جده: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى أَنَّ عَقْلَ أَهْلِ الكِتَابِ نِصْفُ عَقْلِ المُسْلِمِينَ، وَهُمُ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى» (^١).
فَأَمَّا وجهه من جهة القياس: فلأنَّ الدّية المكَمَّلَة - وهي دية الرّجل - لَمَّا كانت مُستَحَقَّةً بوصفين، وهما: الإسلام والحريَّة، وكان اليهودي والنّصراني فيه أحد الوصفين، وجب أن تكون ديته نصف دية المسلم، بدلالة: أنَّ المرأة لَمَّا نقص أحد أوصافها وهو التَّذكير، نقص نصف ديتها، وكذلك اليهوديّ والنَّصرانيّ، قد نقص أحد الوصفين - وهو الإسلام -، فوجب أن تكون ديته على النِّصف من دية الحرِّ المسلم، وقد رُوِّينَا هذا القول عن جماعةٍ من السَّلف.
فأمَّا دية المجوسيّ، فإنَّمَا هي قيمته؛ لأنَّهم قُوِّمُوا قيمة العبيد؛ لنقصان حرمتهم عن حرمة أهل الكتاب، فلم يجز أن يُلْحَقُوا بهم في الدِّية.
ألا ترى: أَنَّهُ لا يجوز أكل ذبائحهم وتزويج نسائهم، كما يجوز ذلك في أهل الكتاب.
وقد روى أبو عاصمٍ، عن ابن جريجٍ، عن عمرو بن شعيبٍ، أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعري في أمر المجوس حين فشى القتل فيهم: «إِنَّمَا هُمْ عَبِيدٌ، فَقَوِّمْهُمْ قِيمَةَ العَبِيدِ، قَالَ: فَقَوَّمَ ثَمَانِمِئَةِ دِرْهَمٍ» (^٢)، ففرضها عمر، ثمَّ جرى الحكم عليها.
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢١٦٥.
(٢) أخرجه عبد الرزاق [١٠/ ٩٤].
[ ٣ / ٤٤١ ]
ولم يجُز أن يلحق أهل الكتاب والمجوس في ديتهم بدية الأحرار المسلمين؛ لنقصان حرمتهم عن حرمة المسلمين.
ولَمَّا لم يجُز أن يكون حكم القَوَدِ بينهم وبين المسلمين في الجراح كحكم القَوَدِ بين المسلمين، وجب ألا يكون حكمهم في الدّية كحكم دية المسلمين.
ولَمَّا لم يجُز أن يكون حكمهم إذا قُذِفُوا في وجوب الحدِّ على من قذفهم كحكم من قَذَفَ المسلمين؛ لنقصان حرمتهم عن المسلمين، فكذلك لم يجُز أن يكون حكمهم في الدّية حكم المسلمين.
فأمَّا جراحهم فيما بينهم واعتبارها من دياتهم، فكاعتبار جراح المسلمين من دياتهم؛ لأنَّ جرح كلّ جنسٍ معتبرٍ قدره من ديته، وهذا لا نعلم فيه خلافًا.
ولَمَّا لم يجز أن تكون دية المرأة كدية الرَّجُلِ؛ لانخفاض حرمتها عن حرمة الرَّجُلِ، فكذلك لا يجوز أن تكون دية اليّهوديّ والنَّصرانيّ والمجوسيّ مثل دية الحرِّ المسلم؛ لنقصان حرمتهم عنه.
•••
[٢٣١٨] مسألة: قال: وإذا قتل نصرانيٌّ مسلمًا خطأً:
(فإن كان من أهل الصُّلح، فالعقل على أهل دينه.
(وإن كان أهل عُنوةٍ وُضِعت عليهم الجزية، فالعقل على من جمعه وإيَّاهُم ما وُضِعَ عليهم من الجزية.
[ ٣ / ٤٤٢ ]
(وإذا لم يكن في قريته غيره، ضُمَّ بعض ذلك إلى بعضٍ، كما لو جَرَحَ نصرانيٌّ، حَمَلُوا ذلك عنه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ أهل دينه أولياؤه، قال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣]، والدِّية على الأولياء الَّذِينَ هم العصبة.
ولَمَّا كان مال النَّصراني إذا مات ولا وارث له لأهل دينه، فكذلك يعقلون عنه إذا جنى؛ لِأَنَّهُم أولياؤه وعصبته.
•••
[٢٣١٩] مسألة: قال: وإذا فقأ نصرانيٌّ عين مسلمٍ عمدًا، اجْتَهَدَ في ذلك السُّلطان، وليس هو بمنزلة العبد؛ لأنَّ العبد يوخذ أحيانًا رقيقًا في ذلك.
وقد قال: له الدّية ولا قَوَدَ بينهم، إلَّا أن يقتل الذميُّ مسلمًا فيُقتل به، وكذلك العبد (^٢).
• يمكن أن يكون قوله: «اجتَهَدَ في ذلك السُّلطان»، يعني: يجتهد في القَوَدِ، فإن رأى القَوَدَ أقاد منه.
وهذا هو الصَّحيح، لأنَّ حرمة عينه ويده أخفض من حرمة عين المسلم ويده، فله القَوَدُ كما يقاد من نفسه.
وليس ذلك بمنزلة الأشلِّ؛ لأنَّ الأشلَّ منفعة يده معدومةٌ، وكذلك الذاهب البصر.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٠)، المدوَّنة [٤/ ٦٢٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤١٠)، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ١٣٢].
[ ٣ / ٤٤٣ ]
وكذلك أيضًا تُقْطَع يد العبد بيد الحرِّ، وتُفْقَأ عينه بعينه كما يقتل به.
ووجه قوله الآخر: «أن لا قَوَدَ في أعضائه»، قياسًا على أعضاء الأشلِّ أنَّهَا لا تُؤْخَذُ بأعضاء الصَّحيح إذا طلب ذلك الصَّحيحُ؛ لعدم التكافؤ بينهما؛ لذهاب منفعة أعضاء الأشلِّ، وقد ذكرنا هذا (^١).
•••
[٢٣٢٠] مسألة: قال: وإذا جَرَحَ العبدُ حُرًّا، وأراد الحرُّ أن يقتصَّ، وقال: «لا حاجة لي بالدِّية»، فليس ذلك له (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا فسَّرناه، أَنَّهُ لا قَوَدَ بين الحرِّ والعبد في الأعضاء؛ لنقصان حرمة أعضاء العبد عن أعضاء الحرِّ، فكان بمنزلة أعضاء الأشلِّ أنَّهَا لا تقاد بأعضاء الصَّحيح، بل في ذلك الدِّيةُ.
•••
[٢٣٢١] مسألة: قال: وإن جرحه العبد جرحًا عمدًا لا دية فيه، فبرأ، فلا شيء فيه، إلَّا أن يُضْرَبَ العبدُ بالسَّوطِ، إلَّا أن يَشِينَ جرحه فتكون فيه رقبة العبد، إلَّا أن يفتكّه سيِّده بقدر شَيْنِهِ (^٣).
_________________
(١) ينظر: المسألة [٢٢٤٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤١٠)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٤٢]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٩٠٧].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤١١).
[ ٣ / ٤٤٤ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الجرح إذا برئ وعاد لهيئته، فلا شيء فيه، عمدًا كان أو خطأً، إلَّا أن يكون ما فيه توقيتٌ.
فأمَّا إذا أبقى الجرح شيئًا، ففيه بقدر ما نقص منه، يُجْتَهَدُ في ذلك، وقد بَيَّنَّا حكم الاجتهاد فيما تقدَّم.
وقوله: «يُضْرَبُ العبد»؛ فلأنَّه فعل ما لا يجوز له فعله من الجرح - وهذا إذا تعمَّده -، فوجب زجره عن ذلك.
وقوله: «إنَّ شَيْنَ الجرح يكون في رقبة العبد»؛ فلأنَّ جناية العبد في رقبته، فإن شاء سيِّده افتكَّه بها، وإن شاء أسلمه، وليست في مال سيِّده ولا في ذمَّته، بدلالة: أنَّ العبد إذا مات، بَطَلَ أرش الجناية، وليس يؤخذ ذلك من مال سيِّده، ولا يُتْبَع في ذمَّتِهِ.
•••
[٢٣٢٢] مسألة: قال: وإذا ضرب عبدٌ أنفَ رجلٍ حرٍّ بالسَّوط، استُؤْنِيَ به:
(فإن برئ، فلا شيء له.
(وإن دخله نقصٌ، كان يأخذه بذلك (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الجرح إذا برئ، فلا شيء فيه إذا لم يكن فيه شيءٌ مُسَمَّىً، كالموضحة والجائفة، وإن بقي نقصٌ، كان فيه اجتهادٌ بقدر النَّقص.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١١).
[ ٣ / ٤٤٥ ]
[٢٣٢٣] مسألة: قال أشهب في النَّصرانيِّ يقتله المسلمُ، فيشهد له شاهدٌ على قتله: أن لا قسامة لأهله فيه، ويحلف المشهود عليه خمسين يمينًا ويبرأ من الدّية، ويُضْرَب مئةً ويُحْبَس سنةً؛ حلف أو لم يحلف.
وقال ابن القاسم: بل يكون الشَّاهد لورثته بمنزلة الشَّاهد على المال، ويحلف ورثته يمينًا واحدةً، كلّ واحدٍ منهم، ويستحقُّون ديته، ويُضْرَب القاتل مئةً ويُحبس سنةً (^١).
• وجه قول أشهب: هو أَنَّهُ لم يجعل البراءة من دعوى الدّم بأقل من خمسين يمينًا، قياسًا على دعوى دم المسلم؛ لأنَّ البراءة عنده في ذلك الحريَّة لا الإسلام، فوجب أن تكون الأيمان فيه كالأيمان في دم المسلم.
والضرب والحبس فإنَّمَا هو لزوال القَوَدِ عنه؛ لأنَّهُ فعل ما لم يجز له فعله من القتل.
فأمَّا ابن القاسم: فَإِنَّهُ أجراه مجرى المال؛ لنقصان حرمته عن حرمة المسلم، فجعل عليه يمينًا واحدةً مع شاهده، ويأخذ ديته ويستحقها بيمينه مع شاهده، كما يستحقّ المال بشاهدٍ ويمينٍ.
ويُضْرب القاتل ويُحبس؛ لأنَّهُ قد ثبت عليه القتل بالشَّاهد واليمين، غير أَنَّهُ لا قَوَدَ فيه؛ لنقصان حرمته عن حرمة المسلم.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١١)، النوادر والزيادات [١٤/ ١٤٦]، البيان والتحصيل [١٦/ ١١٦].
[ ٣ / ٤٤٦ ]
وقول ابن القاسم هو الصَّحيح؛ لأنَّ النصرانيَّ لا حرمة له كحرمة المسلم، فلا حاجة في البراءة من دمه إلى خمسين يمينًا كهي في براءة دم المسلم.
وكان يجب على قوله أن لا يُضرب المُدَّعَى عليه القتل؛ لأنَّهُ قد برى من القتل بيمينه، ولأنَّ القتل لم يثبت عليه، إنَّما دفعه عن نفسه بخمسين يمينًا.
•••
[٢٣٢٤] مسألة: قال: وإذا جرح عبدٌ رجُلًَا حُرًّا جَرْحًَا، فقال سيِّده: «ادفعه إليَّ أَبِيعُهُ وأَدْفَعُ إليك دية جرحك»، فليس ذلك له، إلَّا أن يُسْلِم إليه دية جرحه.
وإن كان السيِّد موسرًا، فضمن ذلك في ماله، فذلك له، ويُؤَخَّرُ اليوم واليومين (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ جناية العبد متعلِّقةٌ برقبته، وإنّما جُعِل للسيِّد أن يفتديه بأرشها، فإن فعل ذلك وإلَّا فقد صار العبد للمجني عليه؛ لتعلّق حقِّه برقبته.
ألا ترى: أَنَّهُ لو تلف العبد بطل أرش الجناية، ولم يُتْبَع السيِّد في ماله ولا ذمَّته، فلهذا قال مالكٌ: «ليس لسيِّده بيعه».
فأمَّا إذا ضمن أرش الجناية، فقد صارت في ماله، فله بيعه؛ لأنَّهُ لو مات العبد بعد ضمانه لها، لكان أرشها في مال السيِّد بضمانه إيَّاها.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١١)، المدوَّنة [٤/ ٥٨٢]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٦٣٦].
[ ٣ / ٤٤٧ ]
وليس رقبة العبد كالرَّهن؛ لأنَّ الرَّهن لو تلف لم يتلف الدَّيْن؛ لأنَّهُ في ذمَّة الرَّاهن، ولو تلفت رقبة العبد، لتلف أرش الجناية.
•••
[٢٣٢٥] مسألة: قال: وإقادة العبيد بعضهم من بعضٍ، حَسَنٌ مَعْمُولٌ به (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله ﷻ قال: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة:١٧٨]، وقال: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، فوجب بهذا العموم القَوَدُ بين العبيد والإماء بعضهم من بعضٍ؛ لاستواء حرمتهم ووجوب التكافؤ بينهم، ولا نعلم في ذلك خلافًا بين العلماء.
•••
[٢٣٢٦] مسألة: قال: وإذا كُسِرَت يد العبد ورجلاه، فليس على من أصابه شيءٌ إذا صَحَّ كَسْرُهُ ذلك.
وإن أصابه نقصٌ أو عيبٌ، كان على من أصابه بقدر ما نقص (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا صَحَّ الكسر وبرئ، لم يكن هناك اعتبار نقصٍ يُرجَع إليه فيما وجب من الأرش، فلم يكن فيه شيءٌ.
فأمَّا إذا كان نقصًا أو عيبًا، اعتُبِرَ ذلك؛ لأنَّهُ يتهيَّأ اعتباره بالرُّجوع إلى ما
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١١)، الموطأ [٥/ ١٢٦٧]، المدوَّنة [٤/ ٦٠٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤١١)، الموطأ [٥/ ١٢٦٦]، موطأ ابن وهب، كتاب المحاربة، ص (٩٥)، المنتقى للباجي [٧/ ٩٥].
[ ٣ / ٤٤٨ ]
أبقت الجناية من النَّقص، فكان فيه أرشه، بأن يُنظَر: كم قيمته صحيحًا لا نقص فيه، وكم قيمته وبه هذا النَّقص، ثمَّ يكون على الجاني ما بين القيمتين.
وكذلك يُعْتَبَرُهَا في الحرِّ أن لو كان عبدًا، ثمَّ يكون على الجاني بمقدار ما نقص منه من الدِّية.
•••
[٢٣٢٧] مسألة: قال: وإذا جرح العبد رجلًا، ثمَّ جرح آخر، فهو بينهما، إلَّا أن يفتديه سيِّده بدية جراحهما (^١).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ أرش جناية العبد في رقبته، فإذا جرح واحدًا بعد واحدٍ قبل أن يُسْلَم إلى الأوَّل، فقد تعلَّقت جنايته في رقبته ووجبت للمجني عليه، واحدًا كان أو جماعةً، إلَّا أن يفتديه سيِّده بأرش الجناية على ما بيَّنَّاه.
فإن أسلمه إلى المجني عليه الأوّل، ثمَّ جرح، كان الحكم بينه وبين المجروح الثاني؛ لأنَّ العبد قد صار للمجني عليه الأوَّل؛ لإسلام سيِّده إليه.
•••
[٢٣٢٨] مسألة: قال: وإذا كَسَرَ مملوكٌ عضد حرٍّ فبَرَأَ وعاد لهيئته، فلا شيء فيه، وإن نقص ففي رقبته (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا قلنا: إنَّ جناية العبد في رقبته، فإن أبقت جنايته
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٢)، المدوَّنة [٤/ ٦٤١]، النوادر والزيادات [١٣/ ٣٣٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤١٢).
[ ٣ / ٤٤٩ ]
نقصًا، كان أرشها في رقبته، إلَّا أن يفتكَّه السيِّد، وإن لم تُبْقِ أرشًا، لم يكن في رقبته شيءٌ؛ لأنَّهُ لم يجب فيها شيءٌ - أعني: الجناية-.
•••
[٢٣٢٩] مسألة: قال: وإذا جرح عبدٌ حرًّا فأعتقه سيِّده (^١)، فيحلف بالله: «ما أعتقه تَحَمُّلًَا للجناية»، فإن حلف رُدَّ رقيقًا.
وإن كان عنده مالٌ أدَّاه فأُعْتِقَ، وإن أعانه أحدٌ من ذوي قرابته أو غيرهم - كما يُعان المكاتب - فأدَّى وأُعْتِق، فلا يؤخَّر في المال إلَّا قدر ما يتلوَّم له الطالب، وإلا رُدَّ رقيقًا.
فإن كان في ثمنه أكثر من دية الجرح، بيع منه بقدر الجرح، فأُدِّيَ عقل الجرح، وأُعْتِقَ ما بقي منه.
وقد قال: إِنَّهُ يحلف: «إِنَّهُ ما أعتقه تحمُّلًا للجناية»، فإن حلف أُسْلِمَ إلى من جَرَحَ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أعتقه بعد علمه بالجناية:
(احتمل أن يكون إِنَّمَا أعتقه تحمّلًا لجنايته.
_________________
(١) في المدونة [٤/ ١٥٩]: "فيعتقه سيده بعد ما جنى، فيريد أهل الجناية أن يأخذوا السيد بالجناية، ويأخذوا منه قيمة الجناية، فيقول السيد: ما أردت ذلك، وما ظننت أن ذلك علي، وما أردت أن أتحمل الجناية ويحلف على ذلك".
(٢) المختصر الكبير، ص (٤١٢)، المدوَّنة [٤/ ٥٩٤]، النوادر والزيادات [١٣/ ٣٠٠]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٦٣٢].
[ ٣ / ٤٥٠ ]
(واحتمل أن يكون لم يُرِدْ حمل جنايته.
فكان القول قوله مع يمينه: «أنَّه لم يرد حمل جنايته»، ثمَّ كانت جنايته في رقبته على ما هي عليه في الأصل.
وكانت الجناية أولى من العتق؛ لِأَنَّهَا قد وجبت قبله، وصارت رقبة العبد للمجني عليه، وجُعِلَ لسيِّده أن يفتكَّه بأرش الجناية دون عتقه أو إخراجه من ملكه ببيعٍ أو غيره، إلَّا أن يضمن أرش الجناية للمجني عليه، فيكون له ذلك، فلهذا كانت الجناية أولى من العتق.
وإن كان للعبد مالٌ، أُخِذَ وأُعْطِيَ منه أرش الجناية وصار حرًّا؛ لأنَّهُ لَمَّا أعتقه سيده ثبت له شبهة العتق وتبعه ماله، فصار أولى به، وافتدى به.
وكذلك إن أدَّى عنه أحدٌ أرش الجناية، صار حرًّا؛ من قِبَلِ أنَّ الجناية إِنَّمَا تحبسه عن الحريَّة؛ لأنَّ السيِّد قد ترك ما له فيه من الملك، فإذا زال حكم الجناية بدفع أرشها، ثبت حكم الحرية.
فإن لم يكن له مالٌ ولم يؤدّ عنه أحدٌ، بِيعَ منه بقدر الجناية، وكان باقيه حُرًّا؛ من قِبَلِ أنَّ المانع من حريَّة كلّ العبد أرش الجناية، فما فضل عن أرش الجناية فهو حرٌّ؛ لأنَّ حكم الجناية لو زال عنه لكان حرًّا كلّه، وكذلك بعضه.
ووجه قوله الآخر: «إنَّ الجناية تمنع من الحريَّة»؛ لأنَّهُ لَمَّا لم يفتده السيّد بأرش الجناية، صار ملكًا للمجني عليه وإن لم يسلمه إليه سيِّده؛ بدلالة: أنَّ السيد إِنَّمَا له افتكاكه بأرش الجناية، فإذ لم يفعل، فليس له عتقه ولا بيعه، وقد صار عبدًا
[ ٣ / ٤٥١ ]
للمجني عليه، بدلالة: أَنَّهُ لو تلف، لتلف أرش الجناية، فلهذا أوجب أن تكون له كلّ الرقبة، وهذا القول أظهر وأصحّ، والأوّل أحوط لحرمة العتق.
•••
[٢٣٣٠] مسألة: قال: ومن عدا على عبده فأخصاه، فزاد في ثمنه أو نقص منه:
(فإن كان نَقَصَ مِنْهُ: أعْطَى ما بين القيمتين.
وإن كان زاد فيه: نُظِرَ إلى ما يُنْقِصُ ذلك من أَوْسَطِ صِنْفِه، فيَحْمِلُهُ عليه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العبد مالٌ من الأموال، فعلى الجاني ما نقص من قيمته إذا كانت جنايته قد أبقت نقصًا.
وليس يُرْجَعُ في نقصان ذلك من قيمته - أعني: في الأعضاء - كما يُرْجَعُ إلى دية الحرِّ؛ لأنَّهُ كما لم يجز أن يُرْجَع في كلّ قيمته إلى دية الحرِّ، فوجب أن يكون على الجاني ما نقص من قيمته بجنايته، سواءٌ أخصاه أو قطع منه عضوًا غيره.
فإن كان الإخصاء لم ينقص قيمته، بل زاد فيها، قيل: أن لو نَقَصَهُ الإخصاء كم كان يكون قدره؟، فيكون ذلك على الجاني.
ويجوز أن يُعْتَبر نقصان قوَّتِه في العمل الَّذِي كان يعمله - أَنْ لو كان للعمل - كم نقص قيمته؟، فيكون عليه بقدر ما نقص من قوَّتِه، أو لو أُرِيد
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٢)، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٩٠]، البيان والتحصيل [٨/ ٣١١].
[ ٣ / ٤٥٢ ]
للنَّسل، كم نقص ذلك من قيمته؟؛ لنقصان ذلك فيه، على حسب اجتهاد الحاكم في ذلك؛ لأنَّهُ لا يُقْدَر فيه أكثر منه؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يُجْعَلَ في ذَكَرِهِ كلّ قيمته كما يجعل ذلك في ذكر الحرِّ - أعني: كلّ ديته -؛ لأنَّ طريق العبيد الأموال، على الجاني بقدر ما نقص منها بجنايته، وليس الأحرار كذلك؛ لأنَّ ديتهم لم تجب لِأَنَّهُم مالٌ، وإنّما وجبت من أجل حرمتهم، فاختلف حكمهم وحكم العبيد.
وأشبه العبيد غيرهم من الحيوان؛ لاجتماعهم في أنَّهم أموالٌ، وليسوا كالأحرار الَّذِينَ هم ليسوا بأموالٍ، والله أعلم.
•••
[٢٣٣١] مسألة: قال: وفي مُوضِحَةِ العبد: نِصْفُ عُشْرِ ثَمَنِه، وفي مُنَقِّلَتِهِ: عُشْرٌ ونصف العُشْرِ من ثمنه، وَفِي مَأْمُومَتِهِ وجائِفَتِهِ: في كلِّ واحدٍ منهما ثُلُثُ ثمنه.
وفيما سوى هذه الخصال الأربع مِمَّا يصاب به ما يُنْقِص من ثمنه، يُنْظَر في ذلك بعد ما يصحُّ العبد: كم قيمته اليوم بعد أن أصابه هذا، وقيمته صحيحًا قبل أن يصيبه هذا، ثمَّ يَغْرَمُ الَّذِي أصابه ما بين القيمتين.
وإنَّمَا العبيد مالٌ من الأموال، فإذا أصيب العبد عمدًا أو خطأً، وجاء سيّده بالشَّاهد الواحد، فلا قسامة فيه، ويحلف مع شاهده، ثمَّ له قيمة عبده.
ولا يُسْتَحَقُّ دمه إلَّا بشاهدين، أو شاهدٍ ويمينٍ (^١).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٢)، الموطأ [٥/ ١٢٦٦]، المدوَّنة [٤/ ٦٢٨]، موطأ ابن وهب، كتاب المحاربة، ص (٩٤ و٩٦).
[ ٣ / ٤٥٣ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ في هذه الخصال الأربعة: «إنَّ ديتها تعتبر من قيمته كما يعتبر ذلك من دية الحرِّ، ولا يراعى فيها ما وقع من النَّقص»؛ لأنَّ هذه الأربعة الأشياء مخوفةٌ شديدة الخوف على النَّفس، فلو لم يُجْعَل فيها شيء إذا برأت؛ لَزَالَ حكم التَّسمية ومعنى الخوف الَّذِي جُعِلَ من أجله التَّسمية؛ لأنَّهُ قد يبرأ على غير نقصٍ أو عيبٍ.
فأمَّا سائر ذلك من أعضائه، فَإِنَّهُ يُعتبر فيه ما نقص من قيمته؛ لأنَّ نقصها لا يزول، فرُجِعَ في ذلك إلى ما أَخَذَ به الجرح من النَّقص.
ولأنَّ العبد مالٌ، فحكمه حكم الأموال.
ألا ترى: أَنَّهُ لا تُرَاعَى في قيمته دية الحرِّ، فكذلك لا يُرَاعى في أعضائه من قيمته ما يراعى من أعضاء الحرّ من ديته.
ولأنَّ العبد يُرَاد لعمله، فإذا قُطِعَت يده الَّتِي كان يعمل بها، ذهب غرض سيِّده منه الَّذِي كان يريده، ودخل عليه في ذلك ضررٌ، فوجب أن يكون على الجاني من قيمته بحسب ما نقص من منفعته.
وقوله: «إذا أصيب العبد عمدًا أو خطأً وجاء سيِّده بشاهدٍ واحدٍ، فلا قسامة فيه، ويحلف مع شاهده، ثمَّ له قيمة عبده»؛ فلأنَّ العبد مالٌ من الأموال، ولا قسامة في الأموال، وإنّما تُسْتَحَقُّ الأموال بشاهدين، أو شاهدٍ وامرأتين، أو شاهدٍ ويمين الطالب على ما قد بيَّنَّاه.
وقوله: «لا يُسْتَحَقُّ دمه إلابشاهدين»، يعني: أَنَّهُ لا يُقْتَلُ إلَّا بشاهدين
[ ٣ / ٤٥٤ ]
يشهدان على أَنَّهُ قَتَلَ حرًّا أو عبدًا، ولا تُقبل شهادة رجلٍ وامرأتين، ولا شاهدٍ ويمينٍ.
•••
[٢٣٣٢] مسألة: قال: والقصاص بين العبيد في النُّفوس والجراح (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لقول الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة:١٧٨]، وقال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وهذا على عمومه، إلَّا ما قامت الدّلالة على خصوصه.
ولأنَّ حرم العبيد والإماء فيما بينهم متساويةٌ، فأشبهوا الأحرار في أنَّ بينهم القصاص.
•••
[٢٣٣٣] مسألة: قال: وإذا قتل عبدٌ عبدًا أو حرًّا، خُيِّر سيِّد العبد المقتول أو ولي المقتول الحرِّ:
• فإن شاء قَتَلَ قاتل عبده.
• وإن شاء استحياه.
فإن استحياه كان له، إلَّا أن يَدْفَعَ إليه أرباب القاتل قيمة العبد المقتول أو دية الحرِّ، فليس له غير ذلك.
وإن أخذوا القاتل ورضوا به، فليس له غير ذلك.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٣)، وقد تقدَّمت المسألة برقم [٢٣٢٥].
[ ٣ / ٤٥٥ ]
وإن أخذوا القاتل ورضوا به، فليس لهم أن يقتلوه (^١).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الخيار في هذا إلى وليِّ المقتول، سواءٌ كان المقتول حرًّا أو عبدًا؛ من قِبَلِ أنَّ العبد مالٌ، فحكمه حكم الأموال، فلذلك صار لوليِّ الحرِّ الخيار في أخذه واستحيائه، إلَّا أن يُعْطَى الدّية (^٢).
وكذلك لسيِّد العبد المقتول؛ لأنَّ له أن يأخذ بدل عبده الَّذِي قُتِلَ، وهو مالٌ مالًا (^٣) مثله، وله أن يقتل مَنْ قتلَ عبده إن شاء، وكذلك ذلك لوليِّ الحرِّ.
وقوله: «وإن أخذوا القاتل ورضوا به فليس لهم أن يقتلوه»؛ فلأنَّهم إذا استحيوه، فقد تركوا قتله، فلا يجوز لهم قتله بعد، كما لا يجوز لوليِّ المقتول أن يقتل القاتل بعد عفوه عنه.
•••
[٢٣٣٤] مسألة: قال: والقصاص بين العبيد الذُّكور والإناث، نَفْسُ الأمة بِنَفْسِ العبد، وجرحها بجرحه (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لقول الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، وقال:
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٣)، الموطأ [٥/ ١٢٦٧]، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ١٣٠].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ١٣١]، هذا التعليل عن الأبهري.
(٣) قوله: «مالٌ مالًا»، كذا رسمها في جه.
(٤) المختصر الكبير، ص (٤١٣)، الموطأ [٥/ ١٢٦٧]، المدوَّنة [٤/ ٦٠٥]، موطأ ابن وهب، كتاب المحاربة، ص (١٠٠).
[ ٣ / ٤٥٦ ]
﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وهذا على عمومه في العبيد والإماء وغيرهم، إلَّا ما قامت الدّلالة على خصوصه.
ولأنَّ العبيد والإماء متكافئو الجرح، فكان بينهم القَوَدُ.
وكما كان بين الحرِّ والحرَّة القَوَدُ، فكذلك بين العبد والأمة في النَّفس والجراح.
•••
[٢٣٣٥] مسألة: قال: وإذا جرَّ العبد جريرةً، لم يَعْقِلْ عنه أحدٌ إلَّا سيِّده، يُخَيَّرُ سيِّدُه، إن شاء افتكَّه بدية الجرح، وإن شاء أسلمه، ليس عليه غير ذلك.
فإن كان للعبد مالٌ، فماله مع رقبته للَّذي جرحه، إلَّا أن يفتكَّه سيِّده (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ جناية العبد تجب في رقبته، وللسيِّد أن يفتكَّهَا إن شاء بأرشها، وإن شاء أسلمها، ليس عليه غير ذلك.
ألا ترى: أنَّ رقبة العبد إذا تلفت بطلت الجناية.
وليس تحمل العاقلة جناية العبد؛ لأنَّ العبد لا عصبة له.
وكذلك لا تحمل العاقلة قيمة العبد إذا قُتِلَ؛ لِأَنَّهَا لا تحمل الجناية على الأموال.
وقوله: «إنَّ مال العبد للمجني عليه مع رقبته إذا أسلمه السيِّد»؛ فلأنَّ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٣)، موطأ ابن وهب، كتاب المحاربة، ص (١٠٠)، البيان والتحصيل [١٦/ ١٣٩].
[ ٣ / ٤٥٧ ]
إسلامه بمنزلة الوصيّة به، ومال العبد الموصى به للموصى له به دون ورثة الموصي؛ لأنَّهُ أخرجه عن ملكه على غير عوضٍ، فأشبه ذلك العتق، أنَّ المال يتبعه.
وليس هو بمنزلة البيع الَّذِي يخرجه على عوضٍ فلا يتبعه ماله إلَّا أن يشترطه المشتري، وقد بَيَّنَّا هذا فيما تقدَّم.
وفي هذه المسألة خلافٌ بين أصحاب مالك، منهم من يقول: «إنَّ ماله لسيِّده إذا أسلمه، ولا يكون للمجني عليه، بمنزلة البيع إذا باعه».
•••
[٢٣٣٦] مسألة: قال: وإذا جرح عبدٌ يهوديًا أو نصرانيًا جرحًا، خُيِّرَ سيِّده:
• فإن شاء افتكَّه بدية الجرح.
• وإن شاء أسلمه، فبيع وأُعْطِيَ النَّصرانيُّ أو اليهوديُّ من ثمنه دِيَتَهُ، أو ثَمَنَهُ كُلّه إن أحاط به، ولا يُسلم إليه عبدٌ مسلمٌ.
وقال ابن القاسم وأشهب: يكون له الثَّمَنُ كُلّه، كان أكثر من ديته أو أقل (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز للكافر أن يملك عبدًا مسلمًا يقوى ملكه عليه، فلا يجوز إسلام العبد إليه لهذه العلّة.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٣)، الموطأ [٥/ ١٢٦٧]، موطأ ابن وهب، كتاب المحاربة، ص (١٠٦)، المنتقى للباجي [٧/ ٩٦].
[ ٣ / ٤٥٨ ]
ووجب بيعه وإسلام دية الجرح من ثمنه إليه، وكان ما زاد عليه لسيِّده؛ من قِبَلِ أنَّ المجني عليه لم يملك رقبته؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يقع له ملكٌ عليها مبتدأٌ، وكان الَّذِي مَلَكَهُ إِنَّمَا هو أرش الجرح، فوجب أن يكون له من ثمن العبد أرش الجرح لا ما زاد عليه.
ووجه ما قاله ابن القاسم وأشهب: فلأنَّ الكافر المجني عليه مستحِقٌّ لرقبة العبد؛ لتعلُّقِ الجناية بها، وإنّما لم يجز ملك العبد المسلم لنقصه، فوجب بيعه عليه ودفع ثمنه كلّه إليه، كما وجب أن يباع على الكافر عبده إذا أسلم، ثمَّ يدفع إليه ثمنه كلّه.
•••
[٢٣٣٧] مسألة: قال: وإذا جَرَحَ العبد فافتداه سيّده، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يفتديه بدية الجرح (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ رقبته قد تعلَّقَ بها أرش الجرح، فوجب أن يفديه سيّده بها دون قيمته، كما وجب أن يفتكّ المرتهن الرّهن بقضاء الدَّين الَّذِي رهن به، لا بقيمة الرَّهن.
•••
[٢٣٣٨] مسألة: قال: وإذا جُرِحَ العبد وجاء سيِّده بشاهدٍ واحدٍ، حلف سيِّده مع شاهده ولم يحلف العبد، ولكن يحلف العبد في حقٍّ إن كان له (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٣)، المدوَّنة [٤/ ٦٢١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤١٣)، موطأ ابن وهب، كتاب المحاربة، ص (٩٦)، النوادر والزيادات [٨/ ٣٩٥].
[ ٣ / ٤٥٩ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ أرش جرح العبد إِنَّمَا هو لسيِّد العبد لا للعبد؛ لأنَّهُ مالٌ للسَّيِّد، فوجب أن يحلف السَّيِّد مع شاهده، كما يحلف في تلف ماله.
فأمَّا حقوق العبد، فإنَّ العبد يحلف مع شاهده؛ لأنَّه المستحقُّ لها دون سيّده.
•••
[٢٣٣٩] مسألة: قال: وجناية العبيد، وكلّ ما أصابوا من جرحٍ، أو خِلْسَةٍ، أو حَرِيسَةٍ (^١) احتَرَسُوهَا، أو سرقَةٍ لا قطع فيها، فإنَّمَا ذلك في رقابهم، إن شاء ساداتهم افتكُّوهم بقيمة ذلك، أو أسلموهم، ليس عليهم غير ذلك، فَأَمَّا ما دُفِعَ إليهم يعملونه، فإنَّ ذلك يكـ[ـو] ن (^٢) في ذممهم (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ جناية العبد على المجني عليه في بدنه أو ماله، لم تقع باختيار المجني عليه ولا برضاه، فوجب أن يكون ذلك في رقبته، وللسيِّد أن يفتكَّه بأرشها.
فأمَّا ما كان أمانةً من دَينٍ أو وديعةٍ، أو ما دفع إليه ليعمله فتعدَّى فيه أو أتلفه، فذلك في ذمَّته؛ من قِبَلِ أنَّ ذلك ليست بجنايةٍ وقعت عن غير مراضاةٍ من المجني عليه، وإنّما كان بتسليم صاحبه إليه ومراضاته به وائتمانه عليه، فوجب أن يكون
_________________
(١) قوله: «حريسة»، هي الماشية المحروسة، ينظر: المنتقى للباجي [٦/ ٦٠].
(٢) ما بين []، مطموس، والسياق يقتضيه.
(٣) المختصر الكبير، ص (٤١٤)، الموطأ [٤/ ١١١٩]، موطأ ابن وهب، كتاب المحاربة، ص (١٠٧)، المنتقى للباجي [٦/ ١٩٨].
[ ٣ / ٤٦٠ ]
ذلك في ذمَّته دون رقبته؛ لأنَّ من دفع ذلك إليه قد رضي بذمَّته وأمانته، ولا يجوز أن يتعلَّق دين العبد في رقبته؛ لأنَّ قيمة رقبته مجهولةٌ، فلا يجوز أن يداين الإنسان على عوضٍ مجهولٍ.
•••
[٢٣٤٠] مسألة: قال: وإذا جُرِحَ العبدُ، ثمَّ أعتقه سيِّده أو وهبه، فدية الجرح لسيِّدِه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ أرش الجرح وجب لسيِّد العبد المجني عليه، فإذا وهبه بعد ذلك، فإنَّمَا وهب رقبة العبد، لا الأرش الَّذِي وجب لسيِّده.
•••
[٢٣٤١] مسألة: قال: وسُئِلَ مَالِكٌ عن الرّجل يجرح العبدَ فيُعَالَجُ، أترى عليه أجرة الطَّبيب؟
فضعَّفَه، وكأنَّه لم يره، قال: وناس يقولون: «طعامه طعامه»، من نحو أجر الطَّبِيبِ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنْ لو أُلْزِمَ أَجْرَ الطَّبيب، لكان ذلك قد يتعدَّى بعض ما سُمِّيَ فيه من الأعضاء، وهذا غير جائزٍ.
ولأنَّ إلزام أجر الطبيب لا أصل فيه يُرْجع إليه، وإنّما عليه ما نقص الجرح
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٤)، النوادر والزيادات [١٣/ ٣٥٤]، البيان والتحصيل [١٦/ ١٣٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤١٤)، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٨٨].
[ ٣ / ٤٦١ ]
إن كان فيه نقصٌ، وإن لم يكن فيه نقصٌ، لم يكن على الجاني شيءٌ؛ لأنَّ جرحه لم يؤثِّر نقصًا.
•••
[٢٣٤٢] مسألة: قال: وإذا جَرَحَ عبدٌ عبدًا أو قَتَلَهُ، فأراد سيِّد العبد المجروح الدّية، وأبى سيِّد الجارح إلَّا القصاص، فالقول قول سيِّد المجروح، فإن شاء سيِّد الجارح افتكَّه بدية الجرح، وإن شاء أسلمه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العبد مالٌ من الأموال، وليس يجري مجرى الأحرار، فالخيار في ذلك إلى سيِّد العبد المقتول، فإن شاء قتل العبد القاتل، وإن شاء أخذه بدلًا من عبده، إلَّا أن يفتكَّه سيِّده بأرش الجناية؛ لأنَّهُ يقول: «أريد بدل عبدي المقتول وعوض مالي الَّذِي أتَلْفَ عليَّ، ولا أريد القَوَدَ»، فذلك له؛ لحاجته إلى المال.
وليس كذلك الحرّ المقتول؛ لأنَّهُ ليس بمالٍ، فلا خيار للوليِّ في أن يقتل أو يأخذ الدِّيَة؛ إلَّا أن يرضى بذلك القاتل، وقد بيَّنَّاه (^٢).
•••
[٢٣٤٣] قال: وإذا كان فِي جَائِفَةٍ العبد وَمَأْمُومَتِهِ وَمُوضِحَتِهِ عيبٌ أو عَثَمٌ (^٣)، لم يُزَدْ لذلك شيءٌ سوى عقل الجرح.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٤)، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٧٠٥].
(٢) ينظر: المسألة [٢٠٨٠].
(٣) قوله: «عثمٌ»، تقدَّم معناها في المسألة رقم ٢٢٧٢، وأنها إساءة الجبر.
[ ٣ / ٤٦٢ ]
وقال ابن القاسم وأشهب: بل يُزاد بقدر الشَّيْنِ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حرمة العبد أخفض من حرمة الحرِّ، فاقتصر منه على التَّسمية في هذه الجراح دون الزِّيادة، ويزاد الحرُّ لكمال حرمته (^٢).
ووجه ما قال ابن القاسم وأشهب: أنَّ هذه الجراح جُعِلَ فيها شيءٌ مؤقتٌ؛ لشدَّةِ الخوف فيها على النَّفس، وما زاد من الشَّين يُنْقِصُ (^٣) وفيه حكومةٌ، ولا فرق في ذلك بين الحرِّ والعبد.
•••
[٢٣٤٤] مسألة: قال: ومن تُوفِّي وترك ورثةً: أمًّا أو غيرها، وأوصى بجاريةٍ له لقريبةٍ له، فأخذ الجارية لها رجلٌ من أهلها، فأقامت عنده ما شاء الله، ثمَّ عَنَتَ عليها في بعض ما رآه عليها فضربها فماتت، فإنَّمَا عليه قيمتها يوم قتلها (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إِنَّمَا يضمن قيمتها بالتَّلف وهو القتل، وليس بمنزلة الغاصب؛ لأنَّهُ لم يأخذها على وجه الغصب، إِنَّمَا أخذها على سبيل الأمانة.
•••
[٢٣٤٥] مسألة: قال: وإذا كان عبدٌ لأيتامٍ، فشجَّ رجلًا ثلاث مَوَاضِحَ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٤)، موطأ ابن وهب، كتاب المحاربة، ص (٩٥)، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٧٠].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ٧١]، هذا التعليل عن الأبهري.
(٣) قوله: «يُنْقِصُ»، كذا رسمها، ولعل المراد: «ينقص من قيمة العبد».
(٤) المختصر الكبير، ص (٤١٤).
[ ٣ / ٤٦٣ ]
وَمِلْطَاوَيْنِ، فصار عليه في ذلك خمسون ومئة دينارٍ، فدفعها وليُّ الأيتام وأخذه لنفسه، فبئس الرّجل هو، ويُرفَع (^١) ذلك إلى السلطان حَتَّى ينظر فيه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لجواز أن تكون قيمة العبد أكثر من أرش الجناية، فيُتَّهَم في أخذه لنفسه، فينظر الحاكم فيما فعله:
• وإن كان في أخذه حظًّا لليتيم، أجازه له.
• وإن كان ضررًا عليه - لأنَّ في قيمته فضلًا -، ردَّه وافتكّه بأرش الجناية؛ ليكون ما يفضل عن قيمته لليتيم.
•••
[٢٣٤٦] مسألة: قال: وإذا جَرَحَ العبد وله مالٌ وعليه دينٌ، فدَيْنُهُ أولى بماله من جَرْحِهِ (^٣).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّهُ قد أخذ عوضًا منه، فكان أولى مِمَّا لم يؤخذ له عوضٌ.
ألا ترى: أنَّ الدَّين مُقَدَّمٌ على الميراث.
وقد يجوز أن يكون أصل مال العبد من دين الغرماء، فكانوا أولى به.
_________________
(١) قوله: «يرفع»، كذا في المخطوطه وهو لفظ مالك في العتبية، كما في البيان والتحصيل [١٦/ ١٠١]، وفي المطبوع: «يدفع».
(٢) المختصر الكبير، ص (٤١٤)، النوادر والزيادات [١٣/ ٣٩١]، البيان والتحصيل [١٦/ ١٠١].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤١٥)، المدوَّنة [٤/ ٥٩١]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٦٧٢].
[ ٣ / ٤٦٤ ]
فأمَّا رقبته: فالمجروح أولى بها من الغرماء؛ لأنَّ جرح العبد يتعلَّق برقبته، ودينه يتعلَّق بذمَّته دون رقبته.
•••
[٢٣٤٧] مسألة: قال: وإذا شُجَّ عبدٌ مُوضِحَةً، فأقرَّ حرٌّ أو عبدٌ أَنَّهُ الَّذِي شَجَّه، فأقام أيامًا، ثمَّ مات:
• فإذا كان حرًّا: فعليه قيمته، ولا يمين على سيِّده: «لَمِنْ ضَرْبِهِ مَاتَ»؛ لأنَّهُ أقرَّ بضربه.
• وأما اعتراف العبد بأنه ضربه: فَإِنَّهُ يُكشف عن ذلك ويُنظر فيه، ولا يكون لسيِّده أن يحلف إلَّا أن يأتي بشبهةٍ، فإن جاء بشاهدٍ حلف وكان ذلك له، وإن أبى أن يحلف وردَّ اليمين على سيِّد العبد المعترف، فلا أظن ذلك له (^١).
• إنّما قال: «إنَّ الحرَّ تلزمه قيمته»؛ لأنَّهُ قد أقرَّ بسببٍ هو تلفه، وهو إقراره بأنَّه شجَّه، فكان عليه قيمته لسيِّده.
فأمَّا إذا كان المقرُّ عبدًا، فإنَّ إقراره غير مقبولٍ؛ لأنَّ ذلك يُلْزِمُ سيِّده.
فإن كان مع إقراره شيءٌ يَشُدُّ قوله، كان للسَّيد قيمته، وذلك مثل أن يشهد عليه شاهدٌ فيحلف معه.
وهذا يجوز أن يكون إذا أقرَّ أَنَّهُ شجَّه خطأً، فَأَمَّا إذا أقرَّ أنَّه شجَّه وأوضحه عمدًا، قُبِلَ إقراره؛ لأنَّهُ مقرٌّ على نفسه بما فيه القَوَدُ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٥)، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٩٥]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٧١٨].
[ ٣ / ٤٦٥ ]
وقد قال مالك: «إنَّ ما اعترف به السَّيِّد (^١) مِمَّا يلزمه القَوَدُ فيه أو الحدّ، فإقراره مقبولٌ، وإن كان خطأً، لم يُقْبَل ذلك منه؛ لأنَّهُ يُتَّهَمُ أن يُلْزِمَ سيِّده مالًا بإقراره.
•••
[٢٣٤٨] مسألة: قال مالكٌ: وإذا قتل عَبْدَانِ رجُلًا، فأراد أربابهم أنْ يفتكُّوهم، افْتُكَّ كلُّ واحدٍ منهم بنصف الدّية، ولم يُنْظَر في ذلك إلى أثمانهم، ومن أراد أن يفتكَّ عبده بنصف الدّية، كان ذلك له (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ رقبة كلّ واحدٍ من العبدين قد تعلَّق بها نصف دية الحرِّ، فكان على سيِّده أن يفتكَّه بها أو يسلمه؛ لِأَنَّهَا أرشٌ الجناية.
ولا يُنْظَر إلى قيمة العبد في ذلك، كما أنَّ المُرْتهنَ عليه أن يفتكَّ الرَّهن بالدَّين الَّذِي الرَّهَن به، لا بقيمة الرَّهْنِ.
•••
[٢٣٤٩] مسألة: قال: وإذا قَتَلَتْ أَمَةٌ نفسًَا، ثمَّ بيعت فاشتراها رجلٌ فولدت منه، ثمَّ ظُهِرَ على ذلك، فأرادوا قتلها، دُفِعَتْ إليهم فقتلوها إذا قامت البيِّنة.
وإن استحيوها، كان لهم قيمتها من مشتريها، وأُتْبِعَ صاحِبُهَا بالثَّمن.
ويُنْظَر إلى قيمة الولد، فيُنْقَصُ عن البائع من ثمن الجارية، ويتبعه المشتري بما بقي.
_________________
(١) قوله: «السَّيِّد»، كذا في جه، ولعلها: «العبد».
(٢) المختصر الكبير، ص (٤١٥)، المدوَّنة [٤/ ٥٧٨]، النوادر والزيادات [١٣/ ٣٠٨].
[ ٣ / ٤٦٦ ]
وقاله ابن القاسم (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القتل لازمٌ لها، فلا يزول ذلك عنها إلَّا بترك أولياء المقتول ذلك.
فإن استوجبوها، فلهم القيمة؛ لِأَنَّهَا قد صارت أمّ ولدٍ.
وتؤخذ القيمة من المشتري؛ لأنَّهُ هو سبب المنع من تسليمها إلى وليِّ المقتول؛ لِمَا قد ولدت منه.
ويرجع المشتري على البائع بالثَّمن؛ لأنَّ الجارية قد استُحِقَّت من يده، فوجب أن يرجع بثمنها على من باعه.
ويُنْقَصُ منه ثمن الولد؛ لأنَّ المشتري قد أخذ بدله بالولد الَّذِي حدث له.
•••
[٢٣٥٠] مسألة: قال: وإذا جرح عبدٌ رجلًا وقتل آخر، فالقتل يأتي على ذلك كلّه، ولا يقاد منه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الجرح يدخل في القتل.
ألا ترى: أنَّ المحارب إذا قَتَلَ قُتِلَ، وإن أخذ المال ولم يَقْتُلْ قُطِعت يده
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٥)، النوادر والزيادات [١٣/ ٣١٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤١٥)، وقد تقدَّمت المسألة برقم [٢١٠٨].
[ ٣ / ٤٦٧ ]
ورجله ولم يجز قتله عند مخالفنا (^١)، فلو قتل وأخذ المال لقُتِلَ ولم تقطع يده ورجله، ولو انفرد كلّ واحدٍ منهما، لأقيم عليه (^٢).
وكذلك ما ذكرناه من القطع والجرح إذا اجتمع مع القتل، اقتُصِرَ على القتل، إذ لا معنى لقطع اليد، ثمُّ القتل، لأنَّ القطع إِنَّمَا يراد للتَّنكيل أو العقوبة، وذلك إذا بقي حيًّا، فَأَمَّا إذا قُتِلَ فلا معنى في ذلك.
فإن قيل (^٣): إنَّ حدَّ المحارب هو لله ﷿، فدخل القطع في القتل، وليس كذلك حقوق الآدميين الَّتِي هي القَوَدُ؟
قيل له: لو كان كما قلت، لوجب إذا سرق وزنا وهو محصنٌ، أن يدخل القطع في القتل؛ لأنَّ ذلك حقٌّ لله ﷿، وليس ذلك قول مخالفنا، بل يقول: «إنَّ يده تُقطع للسّرق، ثمَّ يرجم»، فدلَّ هذا على فساد ما ذكر أَنَّهُ حقٌّ لله تعالى، بل الصَّحيح ما قاله مالكٌ، أنَّ كلّ حدٍّ وجرحٍ إذا اجتمع مع القتل دخل معه؛ لأنَّ القتل يأتي على ذلك كلّه.
وقد قال مالكٌ: «إلّا حدَّ الفرية، فَإِنَّهُ يُحَدُّ، ثمَّ يقتل؛ لتزول المعرَّةُ عن المقذوف»، وليس كذلك سائر الحقوق؛ لأنَّهُ لا معرَّة على الإنسان بترك القصاص من الجرح بدل ما يجرحه، وعليه مَعَرَّةٌ بتركه تكذيب من قذفه.
•••
_________________
(١) المخالف هو الشافعي، ينظر: الأم [٧/ ١٤٣]، مختنصر المزني، ص (٣٧٢).
(٢) ينظر: الأم [٧/ ٣٨٥]، الحاوي للماوردي [٧/ ٢٣٤].
(٣) لم أقف على من اعترض بهذا الاعتراض.
[ ٣ / ٤٦٨ ]
[٢٣٥١] مسألة: قال: وإذا قتل عبدٌ رجلًا خطأً، وقتل آخر عمدًا، فأرادوا أن يقتلوه، قتلوه ولم يكن لصاحب الخطأ شيءٌ على سيِّده ولا على المستقيدِ، وإن استحيوه كان بينهم على قدر جراحهم (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ جناية العبد متعلِّقةٌ برقبته دون مال السَّيِّد وذمَّته، فكان للوليّ قتله إن شاء.
وهذا إذا رضي وليّ المقتول خطأً، فَأَمَّا إذا لم يرض فذلك له؛ لأنَّهُ يقول: «هو مالٌ، فأنا آخذه»، فذلك له، فيكون بينهم على حسب دية الجرح أو القتل.
وإذا رضي وليّ المقتول خطأً بقتله، لم يكن له دية وليّه المقتول على سيّد العبد؛ لأنَّ الَّذِي وجب له إِنَّمَا هو في رقبة العبد، فإذا رضي بالقتل، لم يكن له شيءٌ.
ألا ترى: أنَّهَا لو تلفت لم يكن له شيءٌ على سيِّده، ولبطل أرش الجناية.
وإذا استحيوه، كان العبد بينهم نصفين؛ لأنَّ دية كلّ واحدٍ من المقتولين متساويةٌ إذا كانا حُرَّين مسلمين، وإن اختلفت كانت على حسب قدرها، وذلك أَنْ يقتل رجلًا وامرأةً.
•••
[٢٣٥٢] مسألة: قال: وإذا جرح العبدُ رجلًا وعليه دينٌ للنَّاس، فالمجروح أولى برقبته، والغرماء أولى بماله، ويحاصّهم المجروح بما فضل له بعد رقبة العبد إن فضل له شيءٌ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٥)، النوادر والزيادات [١٣/ ٣٠٧].
[ ٣ / ٤٦٩ ]
وقال ابن القاسم وأشهب: ليس للمجروح في ماله حقٌّ، الغرماء أولى به (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الدَّيْنَ لا يتعلّق برقبة العبد، وإنّما هو في ذمَّته، فماله أولى بالدَّين؛ لأنَّ النّاس يُدَاينون على المال لا الرقبة.
والجرح متعلّقٌ برقبته، فالمجروح أولى بها؛ لِأَنَّهَا لو تلفت تلف أرش الجرح.
ويحاصّهم المجروح في المال إن فَضَلَ بأرش جرحه عن الرَّقبة؛ لأنَّهُ لَمَّا تَعَلَّقَ أرشه بالرَّقبة، كان تعلُّقه بالمال أولى، وأن يكون كأحدهم أجزى.
ووجه قول ابن القاسم وأشهب: هو أنَّ أصحاب الدَّين لَمَّا لم يدخلوا على أصحاب الجناية في الرَّقبة، ولا يكون لهم منها شيءٌ في دَيْنِهِم، فكذلك لا يدخل أصحاب الجناية على أصحاب الدَّين؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهم ينفرد بالّذي هو أولى به.
•••
[٢٣٥٣] مسألة: قال: وإذا جَرَحَ العبد، لم يُقَوَّمْ بماله (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المال تبعٌ للعبد، ليس له أصلٌ في القيمة، كما أَنَّهُ يَتْبَعُ العبْدَ في البيع إذا باعه سيِّده واشترط المبتاع، وليس له حصَّةٌ من الثَّمن.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٥)، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٩٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤١٦)، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٩٨].
[ ٣ / ٤٧٠ ]
[٢٣٥٤] مسألة: قال: وإذا جرح عبدٌ رجلًا، فأسلمه إليه السَّيِّد ولا مال للعبد، ثمَّ ظَهَرَ له مالٌ وأراد المجروح أخذه، فأبى ذلك السيِّد، فالسَّيِّد بالخيار:
• إن شاء أخذ العبد وأسلم إليه دية جرحه.
• وإن شاء أسلم إليه المال الَّذِي ظهر له.
وإن أراد السَّيِّد أن يأخذه ويُسْلِمَ إليه دية جرحه، ورضي المجروح أن يُسْلِمَ العَبْدَ إِلَيهِ بلا مالٍ، فذلك إلى المجروح.
وقال ابن القاسم: ليس ذلك له، وما ظَهَرَ له، فهو للَّذي أُسْلِمَ إليه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ السَّيِّد يقول: «أنا إنَّما رضيت بتسليمه على أَنَّهُ لا مال له، فَأَمَّا إذا كان له مالٌ لم أعلم به، لم أسلمه، وأنا أفديه بأرش الجناية»، فذلك له؛ لأنَّ عليه إسلام الأرش إلى المجني عليه.
فأمَّا إذا رضي المجني عليه بالعبد دون المال، فذلك للمجني عليه؛ لأنَّ السَّيِّد قد رضي به، فليس له الرُّجوع عنه.
فأمَّا ابن القاسم، فَإِنَّهُ جعل إسلامه إلى المجني عليه بمنزلة عتقه، أنَّ المال للَّذِي يظهر له، كما يكون له إذا ظهر بعد عتقه.
•••
[٢٣٥٥] مسألة: قال: وإذا أقرَّ العبد بأنه قَتَلَ عبدًا عمدًا:
• فإن أتى بيقينٍ أَنَّهُ رُئِيَ هناك، أو رُئِيَ يتبعه، حلف وليُّ المقتول.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٦)، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٩٩].
[ ٣ / ٤٧١ ]
• وإن لم يُتَيَقَّن، فليس هذا بشيءٍ.
ولو أتى سيِّد المقتول بشاهدٍ واحدٍ، حلف وكان له؛ لأنَّ هذا مالٌ (^١).
• وجه هذا القول: هو أَنَّهُ يجوز أن يقصد العبدُ بذلك الإضرارَ بسيِّده، فيعترف بما يضرّ بسيّده اعترافه، وإن كان في ذلك ضررٌ على العبد أيضًا.
وقد قال مالكٌ في الموطأ وغيره من الكتب: «إنَّ ما أقرَّ به العبد (^٢) مِمَّا يلزم رقابهم، مثل الحدود، والقتل العمد، والجراح، وأشباهه، إنَّ ذلك يلزمهم، وما أقرُّوا به مِمَّا لا يلزمهم القَوَدُ فيه ولا العقوبة، فإقرارهم غير مقبولٍ؛ لِأَنَّهُم إِنَّمَا يُقِرُّونَ على ساداتهم دونهم» (^٣).
وهذا هو القول الصَّحيح؛ لأنَّ الإنسان في الأغلب لا يُتَّهَمُ أن يقتل نفسه أو يقطع يده أو يجلد ظهره ليضرَّ بغيره؛ لأنَّ الضَّرر الَّذِي يلحق المُقِرَّ في ذلك أكثر من الضَّرر الَّذِي يلحق غيره.
ولأنَّ في الأصل أنَّ إقرار كلّ إنسانٍ على نفسه مقبولٌ، إلَّا ما قامت الدّلالة على أَنَّهُ لا يُقبل، وقد قال الله ﷿: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء:١٣٥]، فلا فرق في ذلك بين الحرِّ والعبد، أنَّ إقراره مقبولٌ على نفسه دون غيره.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٦)، المدوَّنة [٤/ ٦١١]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٩٨٨].
(٢) قوله: «العبد»، كذا في جه، ولعلها: «العبيد».
(٣) الموطأ [٥/ ١٢٣٠].
[ ٣ / ٤٧٢ ]
[٢٣٥٦] مسألة: قال: وإذا قال عبدٌ: «قتلني فلانٌ عمدًا»، لرجلٍ حرٍّ، قيل له: «احلف خمسين يمينًا ما قتلته، ولا قيمة عليك»، ويُضرب مئةً ويُحْبَس سنةً.
وقال أشهب مثل ذلك، قال: فإن لم يحلف الحُرُّ، غَرِمَ قيمة العبد.
وقال ابن القاسم: يقال للحرِّ: «احلف يمينًا واحدةً وابْرَأْ من القيمة والضَّرب والحبس، وإلَّا فاغرم القيمة وتُضرب مئةً وتُحبس سنة» (^١).
• إنّما قال: «يحلف خمسين يمينًا»؛ تغليظًا لأمر الدَّم؛ لأنَّهُ قد غُلِّظَ أمرُهُ ما لم يُغَلَّظْ به أمر المال.
وأمَّا قوله: «يُضْرب ويُحْبس»، فلمَّا زال القتل عنه، وجب أن يُضْرَب ويُحْبس؛ لِمَا قد ارتكبه مِمَّا هو منهيٌّ عنه، كما لو عُفِيَ عنه إذا قتل، وقد ذكرنا هذا.
وقول أشهب: «إنَّه يغرم قيمة العبد إذا لم يحلف»؛ فلأنَّ قوله: «قتلني فلانٌ» لوثٌ، وقد قوَّاه نكول المدّعى عليه، فوجب بذلك قيمة العبد؛ لأنَّهما سببان، كشاهدين، أو الشَّاهد واليمين، أو نكول المدّعى عليه ويمين المدعي.
وقول ابن القاسم: «إنَّه يحلف يمينًا واحدةً»، وهو الصَّحيح؛ من قِبَلِ أنَّ العبد مالٌ، والدَّعوى في الأموال: يحلف المدّعى عليه يمينًا واحدًا، ويستحقّها المدّعي بيمينه مع الشاهد، أو يمينه مع نكول المدَّعَى عليه.
فإذا حلف المدّعى عليه يمينًا واحدةً، برئ من قيمة العبد والضَّرب والحبس؛ لأنَّهُ لم يثبت عليه شيءٌ إذا حلف، وإن لم يحلف غرم قيمة العبد
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٦)، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٨٢].
[ ٣ / ٤٧٣ ]
ويُحبس ويُضرب؛ لأنَّهُ قد ثَبَّتَ على نفسه القتل بامتناعه عن اليمين مع اللّوث المتقدِّم، وهو قول العبد المقتول: «قتلني فلانٌ».
•••
[٢٣٥٧] مسألة: قال: وإذا أصاب الحُرُّ العَبْدَ، فجاء سيِّده بشاهدٍ واحدٍ، حلف سيِّده مع شاهده يمينًا واحدةً، ثمَّ كان له ثمن العبد.
وإن كان أصابه مملوكٌ، خُيِّرَ سيِّد العبد القاتل:
• فإن شاء أن يُسْلِم عبده أسلمه.
• وإن شاء أن يُخْرِجَ ثمن العبد المقتول ويمسك عبده، فذلك له.
فإن أسلمه: فليس على العبد قتلٌ؛ لأنَّهُ لا يُقتلُ بشاهدٍ واحدٍ، ولا قسامة فيه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ العبد مالٌ تُسْتَحَقُّ قيمته بشاهدٍ ويمينٍ، كما تُستحقُّ الأموال بشاهدٍ ويمينٍ.
فإن كان الَّذِي قتله عبدًا، كان لسيِّده أن يفتكَّه بأرش الجناية - وهي قيمة العبد المقتول - أو يسلمه إلى سيِّد العبد المقتول؛ لأنَّ الجناية متعلِّقةٌ برقبته على ما بيَّنَّاه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٦)، المدوَّنة [٤/ ٦٤٩]، موطأ ابن وهب، كتاب المحاربة، ص (٩٩).
[ ٣ / ٤٧٤ ]
ولا يجوز قتله بشاهدٍ ويمينٍ، حَتَّى يُعْلَم أَنَّهُ قد قَتَلَ: بأن يُقِرَّ، أو يشهد على ذلك شاهدان عدلان.
وقوله: «لا قسامة»، يعني: في العبد المقتول؛ لأنَّ العبد مالٌ، ولا قسامة في الأموال، وإنّما تكون القسامة في الأحرار المسلمين، دون العبيد والكُّفار؛ لنقصان حرمتهم عن حرمة الأحرار المسلمين، والقسامة إِنَّمَا هي في الأحرار المسلمين.
•••
[٢٣٥٨] مسألة: قال: وإذا قتل العبد رَجُلًَا حُرًّا، فأقام وُلاتُهُ شاهدًا واحدًا، فإن شاؤوا حلفوا خمسين يمينًا واستحقُّوا دم صاحبهم.
فإذا حلفوا، أُسْلِمَ إليهم، فإن شاؤوا قَتَلُوا وإن شاؤوا استحيوا.
ولا يجب لهم إلَّا أن يحلفوا خمسين يمينًا، ولا يجب لهم وإن حلفوا يمينًا واحدًا وقالوا: «نستحييه» (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحرَّ المقتول لا يثبت دمه بغير:
- إقرار القاتل.
- أو البيِّنة العادلة.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٧)، المدوَّنة [٤/ ٦٤٩]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٨٩٠].
[ ٣ / ٤٧٥ ]
- أو قسامة الأولياء مع اللّوث، وذلك شاهدٌ واحدٌ، أو غيره من اللَّوث على ما قد بيَّنَّاه (^١).
فإذا ثبت قتله، كان سيِّد العبد مخيَّرًا بين إسلامه، أو أن يفتكَّه بأرش الجناية، إلَّا أن يريد أولياء المقتول قتل العبد، فيكون ذلك لهم متى ثبت قتل الحرِّ بما ذكرنا.
وليس يجوز لهم قتله بالشَّاهد واليمين؛ لأنَّ القتل لا يجوز بشاهدٍ ويمينٍ.
ولا يجب لهم أخذ العبد - وإن لم يقتلوه - إذا حلفوا يمينًا واحدةً، حَتَّى يحلفوا خمسين يمينًا؛ لأنَّ دم الحرِّ المسلم لا يثبت بيمينٍ هي أقلُّ من خمسين يمينًا مع اللَّوث وإذا ثبت الأموال بيمينٍ واحدةٍ مع الشاهد أو نُكول المدّعى عليه.
•••
[٢٣٥٩] مسألة: قال: وإذا جَرَحَ العبدُ المُعْتَقُ نِصْفُهُ جَرْحًَا، كان نصفه على السَّيِّد ونصفه عليه، إن كان نصفه رقيقًا ونصفه حرًّا، أو بقدر ما هو عتيقٌ منه عليه.
ويُخَيَّر السَّيِّد في افتداء نصيبه مِمَّا يصيبه من دية الجرح، أو يسلمه به.
فإن جُرِحَ فالعقل كلّه للسيِّد، وقاله أشهب.
وقد قال مالك: إنَّه بينهما، ما كان للسيِّد أخذه، وما كان للعبد وُقِفَ في يديه، بمنزلة ماله، وقاله ابن القاسم (^٢).
_________________
(١) ينظر: المسألة [٢٠٤٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤١٧)، المدوَّنة [٤/ ٥٨٣]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٦٤٢].
[ ٣ / ٤٧٦ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ جراح العبد المعتق بعضه بمنزلة خراجه، فلمَّا كان خراجه بينه وبين سيِّده على قدر ما فيه من الحريَّة والرقِّ، فكذلك أرش جرحه هو عليهما.
كذلك فِعْلُ العبد: في ذمَّته بقدر الحريَّة، وفي رقبته بقدر رقِّهِ، وللسيِّد أن يفتكَّه إن شاء أو يسلمه على ما بيَّنَّاه.
فأمَّا إذا جُرِحَ فالعقل كلَّه للسيِّد؛ من قِبَلِ أنَّ حكمه حكم العبد في حدوده وشهادته، ولو مات، لكان ماله كلّه لسيِّده؛ لغلبة حكم الرقّ عليه، فكذلك إذا جُرِحَ فأرش الجرح كلُّه للسيِّد، وكذلك إذا قُتِلَ فقيمته كلّها للسيِّد.
ووجه قوله: «إنَّ ذلك بينهما»؛ فلأنَّ المُعْتَقَ بعضُه لَمَّا كان يملك من كسبه بقدر حريَّته، ولا يكون ذلك لسيِّده كلّه، بل له بقدر ملكه فيه من الرقِّ، فكذلك ليس له أخذ أرش الجرح كلّه، وإنّما له منه بقدر ما له فيه من الرقِّ، وهذا هو القول الصَّحيح، وكذلك رواه ابن وهبٍ عن مالكٍ.
•••
[٢٣٦٠] مسألة: قال: وإذا قُتِلَ المُكَاتَبُ، غَرِمَ قاتله قيمته مُكَاتبًا: بألف درهمٍ، أو بمئة درهمٍ - ما عليه من الكتابة - (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العبد لَمَّا كان يُقَوَّمُ إذا قُتِلَ على أَنَّهُ عبدٌ، وجب أن
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٧)، المدوَّنة [٤/ ٦١٧].
[ ٣ / ٤٧٧ ]
يُقَوَّمَ كذلك المكاتَبُ إذا قُتِلَ على أَنَّهُ مكاتبٌ، لا على أَنَّهُ حرٌّ أو عبدٌ لا كتابة فيه، لكنَّه يُقَوَّمُ على حسب حاله ومقدار كتابته.
•••
[٢٣٦١] مسألة: قال: وإذا ضُرِبَ الرَّجُلُ، وادَّعَى: «أنَّ فلانًا وفلانًا ضرباه، وفلانًا جرحه، ولم يجرحه فلانٌ»، وكان له أمٌّ وأولياء، فصالح أَوْلِيَاءُ الضَّارب - الَّذِي ادُّعِيَ عليه القتل - أَوْلِيَاءَ المقتول على ثلثي الدّية، وقالوا لهم: «برئتم من أمِّهِ»، ثمَّ أبت الأمُّ إلَّا أن تقوم على الدَّم، فذلك لها، ولا ينفعهم الصُّلح، وإن ماتت قام قومها بالَّذي كانت تقوم به من ذلك (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ من طَلَبَ بالقَوَدِ أولى - من النِّساء والأولياء -.
وكذلك قال مالكٌ في البنت والعصبة: إذا عفا العصبة وطالبت البنت بالدَّم، أنَّها أولى (^٢)؛ لأنَّ العصبة يُتَّهَمُون أن يكون تركهم القَوَدَ على غير وجه النَّظر، وإنّما هو لمالٍ يأخذونه أو غيره، فصارت الأمُّ والبنت أولى، إلَّا أن تكون العصبة في درجة النِّساء، كالبنين والبنات، والإخوة والأخوات، فيجوز حينئذٍ عفو الرِّجال على النِّساء؛ لمساواتهم النِّساء في القرب، وانفرادهم هم بالنَّظر والمصلحة في القَوَدِ أو العفو.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٧)، المدوَّنة [٤/ ٦٤٨]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٨٧٤]، البيان والتحصيل [١٥/ ٤١٥]، وينظر المسألة [٢٠٦١].
(٢) ينظر: المسألة [٢٠٦١].
[ ٣ / ٤٧٨ ]
وقوله: «فإن ماتت الأمُّ فقومها بمنزلتها»؛ لِأَنَّهُم قد ورثوا عنها من الحقوق ما كان لها.
•••
[٢٣٦٢] مسألة: قال: ومن قَتَلَ رجلًا، فأدّى الدّية، ثمَّ قُتِل، فيُقْتَل به من قتله (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ متعدٍّ بقتله بعد أخذ الدِّية؛ لزوال القَوَدِ عنه بعد أخذ الدِّية.
•••
[٢٣٦٣] مسألة: قال: ومن أصيب بِمُوضِحَةٍ خطأً، فصُولِحَ على ثلاثين دينارًا، ثمَّ برئ منها، فمات، فقام عصبته يطلبون ديته، فذلك لهم، يُقْسِمُون: «لماتَ منها»، ولهم الدّية، وتسقط الثلاثون، لا تجتمع الدّية والثلاثون جميعًا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُم لم يصالحوا على القتل، وإنّما صالحوا على الجرح، فإذا أدَّى الجرحُ إلى النَّفس، كانت لهم دية النَّفس.
ولا قَوَدَ في الجرح في العمد مع النَّفس ولا دية له في الخطأ مع النَّفس، لأنَّ الجرح يدخل في النَّفس في الخطأ والعمد على ما بيَّنَّاه، ولا يجتمعان جميعًا.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٧).
(٢) المختصر الكبير، ص (٤١٧)، المدوَّنة [٣/ ٣٨٥]، الجامع لابن يونس [٢٣/ ٩٢٤].
[ ٣ / ٤٧٩ ]
[٢٣٦٤] مسألة: قال: ومن قتل أُخْتًَا له متعمِّدًَا؛ لحدثٍ أحدثته، ثمَّ عُفِيَ عن قتله، فأرى أن يصوم شهرين متتابعين، ويُعْتِق رقبةً، ويتقرب إلى الله ﷿ بما استطاع من خيرٍ، ويكثر من الاستغفار.
وإن كان بالمدينة والصِّيام بها شديدٌ، فلا بأس أن يؤخِّر الصِّيام حَتَّى يقدم بلده.
وإن كان له في بلده عبدٌ، فأراد أن يعتقه بالمدينة، فهو يجزئه إن كان حيًّا، وإن كان مَيِّتًَا فعليه البدل (^١).
• إنَّما قال: «إنَّه يصوم ويعتق رقبةً، ويتقرب إلى الله ﷿ بما استطاع من خيرٍ»؛ لعظيم ما ارتكبه من قتل العمد، فيُستَحَبُّ له فعل هذه الأشياء، لا أنَّ الكفارة عليه واجبةٌ في قتل العمد؛ لأنَّ قتل العمد أعظم من أن يُكَفَّرَ.
ألا ترى: أنَّ الكبائر لا كفّارة فيها، وذلك مثل: أكل الربا، وارتكاب الزِّنا، وعقوق الوالدين، وأشباه ذلك، وإنّما جُعِلت الكفَّارة في غير الكبائر من الذُّنوب.
وإِنَّمَا ذَكَرَ الله الكفَّارة في قتل المؤمن خطأً دون قتله عمدًا، ولم يجب أن يكون قتل العمد كقتل الخطأ؛ لغلظ أمر العمد.
ومما يدل على أنَّ قتل العمد لا كفّارة فيه، أنَّ الله جلَّ وعزَّ قال في الصِّيد: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥]، فذِكْرُه العمد لئلا يُظَنَّ أَنَّهُ كقتل المؤمن عمدًا أَنَّهُ لا كفّارة فيه، بل في قتل الصَّيد المحرَّم كفارةٌ، وهو الجزاء الَّذِي عليه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٧)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٠٢].
[ ٣ / ٤٨٠ ]
فلهذا قال مالكٌ: «إنَّه لا كفّارة على قاتل المسلم الحرّ عمدًا»؛ لأنَّ الله تعالى ذكرها في قتل الخطأ، ولا على قاتل العبد أيضًا - كان قَتْلُهُ عمدًا أو خطأً -؛ لأنَّ حرمته منقوصةٌ عن حرمة الحرِّ المسلم، فلم تجب فيه الكفَّارة، ولأنه أيضًا قال: «ولا كفّارة في إتلاف الأموال».
ولا تجب أيضًا على من قتل كافرًا؛ لنقصان حرمته عن حرمة الحرِّ المسلم، فلم يبلغ أمر قتله في وجوب الكفَّارة فيه كهو في قتل الحرِّ المسلم، كما لم يكن حكم القَوَدِ في نفسه وجراحه فيما بينه وبين المسلمين كحكم ذلك بين المسلمين؛ لنقصان حرمتهم (^١) عن حرمة المسلمين.
وكذلك العبيد لا يَقْتَصُّون من الأحرار في النَّفس والجرح، كما يَقتَصُّ الأحرار بعضهم من بعضٍ؛ لنقصان حرمتهم عن الأحرار.
فلم يكن الكفَّار والعبيد في وجوب الكفارة في قتله، كوجوبها في قتل الحرِّ المسلم، وإنّما ذكر الله جلَّ وعزَّ ذلك في قتل الحرِّ المسلم بقوله عزَّ من قائلٍ: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢]، ولم يذكر ذلك في قتل الكافر ولا العبد نصًّا، ولا دلَّت الدَّلالة على وجوب التَّسوية بينهم؛ لاختلاف حرمتها، والله أعلم.
•••
[٢٣٦٥] مسألة: قال: وإذا اجتمع قومٌ على قتل رجلٍ خطأً، فالدِّية عليهم
_________________
(١) قوله: «حرمتهم»، كذا في جه، ولعلها: «حرمته».
[ ٣ / ٤٨١ ]
جميعًا، وعلى كلّ واحدٍ منهم الكفَّارة: عتق رقبةٍ، أو صيام شهرين متتابعين إذا لم يجد (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهم قاتلٌ؛ لأنَّ اسم القِتْلَةِ يقع عليهم كلّهم، فالدِّية على عواقلهم جميعًا.
وعلى كلّ واحدٍ منهم الكفَّارة في ماله؛ لأنَّ الله تبارك اسمه قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢]، ولا فرق بين أن يكون القاتل واحدًا أو جماعةً في أنَّ عليهم الدّية والكفَّارة.
والدِّية على عواقلهم؛ ببيان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ ذلك، ولا خلاف في هذا بين أهل العلم.
•••
[٢٣٦٦] مسألة: قال: وإذا قتل مسلمٌ ذمِيًّا، فيُكَفِّرُ أحبّ إلي (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ الله ﷻ أوجب الكفَّارة في قتل المؤمن خطأً دون الكافر ودون العبد.
ويستحبُّ له أن يكفِّر؛ لجواز أن يكون قد دخل العبد المسلم (^٣) تحت المراد.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٨)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٠٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤١٨)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٠٢].
(٣) قوله: «العبد المسلم»، كذا في جه، والمسألة في قتل الذمي، وسيأتي كلام ابن عبد الحكم عن قتل العبد في المسألة التالية، والله أعلم.
[ ٣ / ٤٨٢ ]
[٢٣٦٧] مسألة: قال: ومن قتل عبدًا متعمِّدًا، ضُرِبَ مئةً وحُبِسَ سَنَةً وأَعْتَقَ رقبةً (^١).
• وقد قال مالك: «ذلك خيرٌ له»، واستحبَّ ذلك له.
فأمَّا الَّذِي جاء في القرآن ففي الحرِّ؛ لأنَّ الله جلَّ وعزَّ قال: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢]، وقد ذكرنا وجه هذا.
•••
[٢٣٦٨] مسألة: قال: وإذا سقت المرأة ابنها دواءً من قُرْحٍ يلحقه فمات، أو طبيبٌ سقى رجلًا دواءً فمات، فلا كفّارة عليهما واجبة، وإن كانا موسرين فكفَّرا فحسنٌ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهما فعلا ما لهما فعله، ولا كفّارة عليهما، كالحاكم إذا حدَّ إنسانًا فمات في حدِّه، فلا كفّارة عليه، وكذلك المُقتَصُّ منه إذا مات من القِصَاص، فلا شيء على الَّذِي اقتصَّ؛ لأنَّهُ فعل ما له فعله.
•••
[٢٣٦٩] مسألة: قال: ومن كان له أجيرٌ نصرانيٌّ، فعنث عليه، فضربه ضرباتٍ فمات، أو قاتله فقتله، فَإِنَّهُ يُكَفِّرُ أحبَّ ما فيه إليه (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٨)، النوادر والزيادات [٩/ ٢٩١ و٣٩٢ و١٤/ ٢٢٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤١٨)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٠٤].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤١٨)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٠٣].
[ ٣ / ٤٨٣ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الكفارة فعل خيرٍ، وهي تكفِّر عن القاتل ما فعله وتُخَفِّفُ عنه، فاستحَبَّ له فعلها.
ولأنه قد يجوز أن يكون ذلك مرادًا في الآية أيضًا.
•••
[٢٣٧٠] مسألة: قال: ومن ضرب امرأةً حاملًا فأسقطت، فلا كفّارة عليه، فإن فعل فهو حسنٌ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الكفارة إِنَّمَا تجب في قتل حيٍّ ما، والجنين فلا تُتيقَّن له حياةٌ، فلا كفّارة فيه واجبةٌ.
•••
[٢٣٧١] مسألة: قال: ومن نزع سِنًّا لصبيِّ ولم يُثْغِرْ، وهي تتحرَّك، فأقام أيَّامًا، ثمَّ مات، فيُعتِقُ رقبةً، أو يصوم شهرين متتابعين، وما أدري أذلك عليه أم لا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يُدْرَى أموته كان عن نزع السنِّ أم لا، فلا كفّارة عليه واجبة لهذا الشكِّ.
والاختيار أن تكون عليه؛ لجواز أن يكون موته حدث عن نزع سنِّه.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٨)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٠٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤١٨)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٠٣].
[ ٣ / ٤٨٤ ]
[٢٣٧٢] مسألة: قال: ومن أرسل إلى جارٍ له يضرب غلامًا له، أو استعان عليه من يَضْرِبُهُ، فضربه فمات، فليس على واحدٍ منهما ضمانٌ، وعليهما أن يُكَفِّرَا بما أُمِرَا به من الكفَّارة (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ضربه بأمر صاحبه، فلا شيء عليه في تلفه؛ لأنَّ ذلك بمنزلة ما يبرئه منه إذا وجب عليه.
فأمَّا الكفَّارة فاستحبابٌ إن كان المقتول عبدًا؛ لأنَّ الواجب هي في قتل الحرِّ المسلم.
وإن كان حرًّا مسلمًا، ففي كلّ واحدٍ منهما كفَّارةٌ؛ لإيجاب الله ﷿ ذلك في قتل الخطأ.
•••
[٢٣٧٣] مسألة: قال: ومن وجد عبدًا له على زنًا، فجلده ثمانين، فمات بعد أيَّامٍ، فيُعتِق رقبةً، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد تعدَّى في ضربه زيادةً على خمسين، لأنَّ حدَّ العبد في الزِّنا خمسون، وهو قاتل خطأٍ، فيُستحبُّ له عتق رقبةٍ، فإن لم يجد صام.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٨)، موطأ ابن وهب، كتاب المحاربة، ص (٨٨)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٠٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤١٨)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٠٣].
[ ٣ / ٤٨٥ ]
[٢٣٧٤] مسألة: قال: ومن طَرَحَ جنينًا فاستهلَّ صارخًا، ثمَّ مات، فعليه الكفَّارة في رأيي (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا قد تيقَّنَ أنَّه قد قتل، فعليه الكفَّارة؛ لأنَّ الكفَّارة تجب في قتل حيٍّ حرٍّ مسلمٍ.
•••
[٢٣٧٥] مسألة: قال: وإذا نامت امرأةٌ مع ولدها فتمرَّغَتْ عليه من اللَّيل فأصبح ميِّتًا ولم تَرَ به أثرًا، فخافت أن تكون قتلته، فتُكَفِّرُ بعتق رقبةٍ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لجواز أن تكون قتلته، فعليها الكفَّارة.
•••
[٢٣٧٦] مسألة: قال: ومن سبَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ من مسلمٍ أو كافرٍ، قُتِلَ ولم يُسْتَتَبْ.
وقد قال في اليهوديِّ أو النَّصرانيِّ إن قال: «أنا أُسْلِمُ»، لم يُقْتَلْ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حدَّ من سبَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ أو غيره من الأنبياء صَلَّى الله عَلَيْهِم القتل؛ لأنَّهُ لَمَّا حُدَّ قاذف الحرِّ المسلم لفضيلته، وجب أن يُقتل من سبَّ الأنبياء ﵈؛ لفضلهم على سائر النَّاس؛ لأنَّ الحدود
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٩)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٠٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤١٩)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٠٤].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤١٩)، موطأ ابن وهب، كتاب المحاربة، ص (٧٧)، التفريع [٢/ ٢٣٢]، الجامع لابن يونس [٢٢/ ٢٨١]، البيان والتحصيل [١٦/ ٤١٣].
[ ٣ / ٤٨٦ ]
هي عقوباتٌ، وتَلْزَمُ على حسب مراتب من فعل الشيء الَّذِي وجب من أجله الحدّ، وذلك كحدّ الزنا، هو على قدر حرمة الزّاني، وكذلك حدّ القاذف، هو على حسب حرمة المقذوف:
(فإن كان حرًّا مسلمًا عفيفًا، كان على قاذفه الحدّ.
(وإن كان عبدًا مسلمًا، عوقب قاذفه ولم يُحَد.
(وإن كان المقذوف حرًّا كافرًا، عُزِّرَ قاذفه ولم يحدّ.
فلمَّا كانت الحدود على هذه المراتب، قُتِلَ من سبَّ الأنبياء ﵈؛ لفضلهم على سائر النَّاس.
وقد: «سَبَّ رَجُلٌ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِيقَ رِضْوَانُ الله عَلَيْهِ وَرَحْمَتُهُ، فَأَرَادَ أَبُو بَرْزَةَ قَتْلَهُ، فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ لَهُ: «أَكُنْتَ تَفْعَلُ»، قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «إِنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ» (^١)، فدلَّ هذا على أنَّ من سبَّ الأنبياء ﵈ قُتِل؛ لأنَّ سبه لهم أعظم جرمًا من الزِّنا والقتل وأشباه ذلك، إذ هم أعظم حرمةً من انتهاك حرم هذه الأشياء.
ولا فرق بين أن يكون من سبَّ الأنبياء ﵈ مسلمًا أو كافرًا في أَنَّهُ يقتل؛ لأنَّ ذلك حدّه، كما لا فرق في ذلك في وجوب القَوَدِ عليه إذا كان المقتول مسلمًا.
ووجه قوله: «إنَّ الكافر إذا أسلم سقط عنه القتل»؛ فلأنَّ سبَّ الأنبياء ليس
_________________
(١) أخرجه أبو داود [٥/ ٦٧]، والنسائي في الكبرى [٣/ ٤٤٦]، وهو في التحفة [٥/ ٣٠٥].
[ ٣ / ٤٨٧ ]
أعظم من الكفر، إذ ليس في المعاصي أعظم من الكفر بالله جلَّ وعزَّ وجحدِ إحسانه، فإذا أسلم الكافر، غُفِر ذنبه الَّذِي ارتكبه من الكفر وسقط عنه حكمه، فكذلك يزول عنه حكم سبِّه الأنبياء، وقد قال الله ﷿: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨].
•••
[٢٣٧٧] مسألة: قال: وإذا قال نصرانيٌّ مشركٌ: «مسكينٌ محمدٌ، هو الآن في الجنَّة، فما له لا ينفع الآن نفسه، إذا كانت الكلاب تأكل رجليه، لو أُحْرِقَ بالنَّار فاستراح كان خيرًا له»، فأرى أن تُضْرَبَ رقبته (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد سبَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ ونسبه إلى الكذب، فيقتل، إلَّا أن يُسلم على أحد قوليه، على ما بيَّنَّاه (^٢).
•••
[٢٣٧٨] مسألة: قال: وإذا عمل الرّجل نفسه السِّحرَ، لم يعمله له غيره، السِّحْر الَّذِي ذكره الله تعالى في كتابه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢]، قُتِلَ، وكان بمنزلة الزِّنديق الَّذِي يُظْهِر الإسلام ويُسِرُّ الكفر، فلا يُستتاب (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤١٩)، النوادر والزيادات [١٤/ ٥٢٧]، البيان والتحصيل [١٦/ ٣٩٧].
(٢) توجد حاشية، يشبه أن تكون في هذا الموضع، وفيها: «قال الشيخ: «كتب إلى مالكٍ من المغرب في هذه المسألة».
(٣) المختصر الكبير، ص (٤١٩)، الموطأ [٥/ ١٢٨٢]، موطأ ابن وهب، كتاب المحاربة، ص (٨٢)، النوادر والزيادات [١٤/ ٥٣٣]، البيان والتحصيل [١٦/ ٤٤٣].
[ ٣ / ٤٨٨ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ السَّاحر لا يَتَوَصَّلُ إلى عمل السِّحر دون الكفر بالله ﷿، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، أي: بتَعَلُّمِ السِّحر.
فوجب قتله؛ لأنَّهُ كفرٌ مُسْتَسِرٌّ به، كـ: الزِّنديق والزَّاني والسَّارق وما أشبهه والمحارب إذا قُدِر عليه، ثمَّ تاب، أنَّ عليهم الحدود، فكذلك السَّاحر حدُّه القتل؛ لأنَّ فعله مُسْتَسِرٌّ به.
فأمَّا كلُّ فعلٍ ظاهرٍ يجب فيه الحدّ، إذا تاب فاعله قُبِلَ منه، ولم يكن عليه الحدّ، وذلك بمنزلة المسلم إذا ارتدَّ، ثمَّ رجع إلى الإسلام، والمحارِبِ إذا تاب قبل القدرة عليه، أنَّ الحدَّ يسقط عنه، وكذلك القتل عن المرتدِّ يسقط إذا تاب.
وقد روى إسماعيل بن مسلمٍ (^١)، عن الحسن، عن جندب الخير، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» (^٢).
وروى عبد الله، عن نافعٍ، عن ابن عمر: «أَنَّ حَفْصَةَ رَحِمَهَا لله سَحَرَتْهَا جَارِيَتُهَا، فَاعْتَرَفَتْ بِسِحْرِهَا، فَأَمَرَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ بْنَ الخَطَّابِ يَقْتُلهَا» (^٣).
وهذا قول سعيد بن المسيّب، وعمر بن عبد العزيز، وجماعةٌ كثيرة من أهل العلم.
_________________
(١) إسماعيل بن مسلم المكي، كان من البصرة، ثم سكن مكة، وكان فقيهًا، ضعيف الحديث، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (١٤٤).
(٢) أخرجه الترمذي [٣/ ١٢٧]، وهو في التحفة [٢/ ٤٤٦].
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة [١٤/ ٣٠١]، وعبد الله بن أحمد في مسائله، ص (٤٢٧).
[ ٣ / ٤٨٩ ]
وروى عوف بن عمارة العنبري (^١)، عن بَجَالة (^٢) قال: كتب إلينا عمر ﵁: «اقْتُلُوا كُلَّ كَاهِنٍ وسَاحِرٍ» (^٣).
وهذا قول السَّبعة الفقهاء، وقول الحسن والزّهري.
•••
[٢٣٧٩] مسألة: قال: ولا يقتلْ سُحَّارُ أهل الكتاب، إلَّا أن يُدْخِلوا على المسلمين بسحرهم ضررًا لم يُقَادوا عليه (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كفرهم ثابتٌ بغير وجه السِّحر، فلا وجه لقتلهم من أجل كفرهم بالسِّحر.
فإذا أضرُّوا بالمسلمين، فقد نقضوا العهد؛ لِأَنَّهُم لم يعاهدوا على الإضرار بالمسلمين، فجاز قتلهم لهذه العلَّة.
•••
_________________
(١) قوله: «عوف بن عمارة العنبري»، كذا في جه، ولعله تصحيف، صوابه: «عوف بن عباد المازني»، كما في سنن سعيد بن منصور (٢١٨١)، ولم أقف على من يسمَّى عوف بن عمارة، والله أعلم.
(٢) بَجَالَةَ بن عبدَةَ التميمي العنبري البصري، ثقة، من الثانية. تقريب التهذيب، ص (١٦٣).
(٣) أخرجه أبو داود [٣/ ٤٩١]، وهو في البخاري (٣١٥٦) مختصرًا، وفي التحفة [٧/ ٢٠٨].
(٤) المختصر الكبير، ص (٤١٩)، موطأ ابن وهب، كتاب المحاربة، ص (٨٣)، النوادر والزيادات [١٤/ ٥٣٣]، البيان والتحصيل [١٦/ ٤٤٤].
[ ٣ / ٤٩٠ ]
[٢٣٨٠] مسألة: قال: وإذا أطعمت المرأة إنسانًَا شيئًا في ملحٍ أذهبت به عقله، فمرَّةً يفيق ومرَّةً يَذْهَبُ عقله: فينبح ويرعد، وزعمت: «أَنَّهَا لا تقدر على حَلِّ ذلك؛ لأنَّهُ قد دخل جوفه»، فأراها محفوفَةً بكل شرٍّ.
فأمَّا القتل فلا أدري (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لم تقتله بهذا الفعل فيجب قتلها، ولا يُعْلَم أنَّهَا تعمَّدت قتله لو مات من هذا الفعل، ولم يصحّ أنَّهَا سحرته بما أطعمته، فوجب أن تُعاقب بفعلها ما لا يجوز لها فعله ولا تقتل.
•••
[٢٣٨١] مسألة: قال: ومن غلا في النُّجوم فقال: «فلانٌ يقدم غَدًَا»، أو: «القمر يُكْسَفُ به غدًا»، فأرى أن يُزْجَر عن ذلك، وإن عاد أُدِّبَ أَدَبًا شديدًا.
والذي يدَّعِي من علم الغيب شيئًا، يُؤَدَّب أدبًا شديدًا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأَنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قد نهى عن النَّظر في النُّجوم، ولا يجوز أن يدَّعِي أحدٌ علم ما يكون في غدٍ؛ لأنَّ الغيب لا يعلمه إلَّا الله، فمن ادَّعى ذلك وجب أن يُؤدَّب ويُزجر عنه؛ لأنَّهُ فعل ما لا يجوز له فعله.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٢٠)، النوادر والزيادات [١٤/ ٥٣٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٢١)، النوادر والزيادات [١٤/ ٥٣٤]، البيان والتحصيل [١٧/ ٤٠٤].
[ ٣ / ٤٩١ ]
[٢٣٨٢] مسألة: قال: وإذا أسلم الكافر وحَسُنَ إسلامه، ثمَّ كفر، قُتِلَ إن لم يتب، والحرُّ والعبد في ذلك سواءٌ.
ومن كان كافرًا فأسلم، ثمَّ ارتدَّ، أو كان مسلمًا، ثمَّ ارتدَّ، فهو في ذلك سواءٌ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]، فإذا أسلم الكافر، غُفِرَ له ما كان قبله، سواءٌ كان مرتدًّا أو كافرًا في الأصل.
فإن لم يتب المرتدّ قُتِلَ؛ لأنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (^٢)، وقال: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ» (^٣).
ولا يجوز بقاء من ارتدَّ عن الإسلام على دينه، كما لا يجوز أخذ الجزية منه، وإنّما يجوز بقاء الكافر على دينه في دار الإسلام، إذا كان مِمَّنْ يجوز أخذ الجزية منه واسترقاقه، فلمَّا لم يجز استرقاق المرأة إذا ارتدَّت، فكذلك لا يجوز بقاؤها وهي مرتدَّةٌ، إمَّا أن تُسلم أو تُقتل، وقد قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»، وهذا عامٌّ.
فإن قيل (^٤): قد نهى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ عن قتل النِّساء والولدان، وهذا عامٌّ؟
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٢١)، موطأ ابن وهب، كتاب المحاربة، ص (٧١).
(٢) أخرجه البخاري (٣٠١٧)، وهو في التحفة [٥/ ١٠٨].
(٣) متفق عليه: البخاري (٦٨٧٨)، مسلم [٥/ ١٠٦]، وهو في التحفة [٧/ ١٤٣].
(٤) ينظر الاعتراض في: المبسوط للسرخسي [١٠/ ١٠٩].
[ ٣ / ٤٩٢ ]
قيل: معنى هذا إذا كانوا أهل حربٍ وكفرٍ؛ لأنَّهُ يجوز استرقاقهم، فَأَمَّا من لا يجوز استرقاقه فلا معنى لتبقيته على ردَّتِه (^١).
•••
[٢٣٨٣] مسألة: قال: وإذا ارتدَّت المرأة، فإن لم تتب قُتِلت (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لعموم قول رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ».
•••
[٢٣٨٤] قال: ومعنى حديث النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ: «مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ، فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ»: من خرج عن الإسلام إلى غيره، مثل الزَّنادقة وما أشبههم مِمَّنْ يظهر الإسلام ويُسِرُّ الكفر، فإذا قُدِرَ على هؤلاء، قُتِلُوا ولم يستتابوا.
ومن خرج من الإسلام إلى غيره فأظهره، استتيب، فإن تاب وإلَّا قُتِلَ.
_________________
(١) من قوله: «ولا يجوز بقاء من ارتدَّ عن الإسلام»، إلى هذا الموضع، لعلها أيضًا من المسألة الآتية؛ لأنها في قتل المرأة، والله أعلم.
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٢١)، موطأ ابن وهب، كتاب المحاربة، ص (٧٣)، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٢٦٣].
[ ٣ / ٤٩٣ ]
ولو كانوا على هذا أَهْل قريةٍ، رأيت أن يُدْعَوا إلى الإسلام، فإن تابوا وإلا قُتِلوا.
ولم نَعْنِ بالحديث، مَن انتقل من اليهود والنصارى والمجوس إلى دينٍ غيره (^١).
• إنَّما قال: «إنَّ الزنديق وما أشبهه مِمَّنْ يُسِرُّ الكفر يقتل»؛ فلأنَّ هذا منافقٌ، وقد قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة:٧٣]، وقال: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب:٦١]، يعني: المنافقين والمرجفين في المدينة، فوجب قتلهم لهذا العموم.
ولأنَّه إعلامةٌ (^٢) لنا على صدق ما يذكرونه من إسلامهم؛ لأنَّ ما في القلب لا يعلمه إلَّا الله ﷿، وإنّما يعلم النّاس ظاهر الإنسان دون ما في قلبه، والزِّنديق فلم يكن باطنه كظاهره، ولا يُعْلَم ما في قلبه، وقد قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»، وهذا عامٌّ في كلّ من بدَّل دين الإسلام إلى غيره.
فإن قيل (^٣): إنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ، قال للمقداد: «أَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ»، حين قتل الكافر بعد أن قال الشَّهادة (^٤)؟
قيل له: الكافر الَّذِي قتله المقداد كان كفره ظاهرًا، فرجع من ظاهرٍ إلى
_________________
(١) هذه المسألة ساقطة من المطبوع، وينظر: موطأ ابن وهب، كتاب المحاربة، ص (٧٤)، النوادر والزيادات [١٤/ ٥٢١].
(٢) قوله: «إعلامةٌ»، كذا رسمها في جه.
(٣) ينظر الاعتراض في أحكام القرآن للجصاص [٢/ ٤٠٥].
(٤) متفق عليه: البخاري (٢٦٤٤)، مسلم [١/ ٦٦]، وهو في التحفة [٨/ ٥٠٢].
[ ٣ / ٤٩٤ ]
ظاهرٍ، ولم نُكَلَّف علم ما في القلب؛ لأنَّا لا نقدر عليه، فإذا رجع من دينٍ ظاهرٍ إلى دينٍ ظاهرٍ، قُبِلَت توبته.
فأمَّا إذا أظهر شيئًا وأسرَّ غيره من الكفر، وجب قتله؛ إذ لا دلالة لنا على صِحّة دينه.
فإن قيل (^١): قد امتنع النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ من قتل المنافقين مع علمه بأنَّ باطنهم بخلاف ظاهرهم، وقَبِلَ ظَاهرهم، فكذلك يجب أن يُفْعَل ذلك في الزِّنديق وغيره؛ لظاهر قوله: «إنَّه مسلمٌ»، وإن لم نعرف حقيقة قوله؟
قيل له: النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قد ترك قتل المنافقين مع علمه باعتقادهم الكفر، ولو علمنا نحن حقيقة اعتقاد الإنسان للكفر وإظهار غيره - أعني: الإسلام -، لَمَا جاز لنا تركه، بل وجب علينا قتله، فقد صار حكم الزِّنديق مخالفًا لحكم المنافقين الَّذِينَ تركهم النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ.
وإَّنما ترك النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قتلهم لِمَا قال: «لِئَلَّا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًَا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» (^٢)، معناه: فيمتنعون من الدّخول في الإسلام إذا سمعوا أنَّ محمَّدًا يقتل أصحابه مع ظاهر إسلامهم، فلهذه العلّة لم يقتلهم النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ.
ولأنَّه لم يَعْلَمْ نفاقهم غيره، ولا يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه أيضًا.
_________________
(١) ينظر الاعتراض في: أحكام القرآن للجصاص [١/ ٣٦].
(٢) متفق عليه: البخاري (٣٥١٨)، مسلم [٨/ ١٩]، وهو في التحفة [٢/ ٢٦١].
[ ٣ / ٤٩٥ ]
وروى سفيان بن عيينه، حدثنا أيوبٌ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (^١).
وروى الثوري، عن عكرمة (^٢)، عن ابن عباس: «لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيًّا رِضْوَانُ الله عَلَيْهِ أَخَذَ زَنَادِقَةً فَأَحْرَقَهُمْ، قَالَ: أَمَا لَوْ كُنْتُ، لَمْ أُعَذِبْهُمْ بِعَذَابِ الله ﷿، وَلَوْ كُنْتُ أَنَا لَقَتَلْتُهُمْ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (^٣).
وروى أحمد بن حنبل، حدّثنا هشيم، أخبرنا إسماعيل بن سالم (^٤)، عن أبي إدريسٍ، قال: «أُتِيَ عَلِيٌّ ﵁ بِأُنَاسٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ قَدِ ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلَامِ وَجَحَدُوا، فَقَامَتْ عَلَيْهِمُ البَيِّنَةُ، فَقَتَلَهُمْ وَلَمْ يَسْتَتِبْهُمْ، وَأُتِيَ بِرَجُلٍ نَصْرَانِيٍّ فَأَسْلَمَ، ثمَّ رَجَعَ، فَاسْتَتَابَهُ فَتَابَ فَتَرَكَهُ» (^٥).
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٣٨٢.
(٢) قوله: «الثوري، عن عكرمة»، كذا في جه، ولعل الصواب: «الثوري عن أيوب عن عكرمة»، كما في التخريج، وليست للثوري رواية عن عكرمة، كما في تهذيب الكمال [١١/ ١٥٩].
(٣) هي رواية للحديث المتقدِّم، أخرجها الطحاوي في شرح مشكل الآثار [٧/ ٣٠٤]، من طريق الثوري عن أيوب عن عكرمة.
(٤) إسماعيل بن سالم الأسدي، نزيل بغداد، ثقة ثبت، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (١٣٩).
(٥) أخرجه الخلال، كما في أحكام أهل الملل من الجامع، ص (٤٦٣).
[ ٣ / ٤٩٦ ]
وروى اللّيث بن سعدٍ، عن عبد ربه بن شعبة (^١) عن الزّهري قال: «الزنديق يقتل ولا يستتاب» (^٢).
ومما يدلّ على أنَّ الزنديق يقتل ولا يستتاب، أنَّ الزنديق مستسرٌّ بكفره، ووجدنا كلّ مستسِرٍّ بفعله إذا تاب لم يسقط عنه الحدّ الَّذِي أوجبه فعله، وذلك مثل الزّاني والسّارق، فكذلك الزِّنديق مثله.
فأمَّا من كان فعله ظاهرًا، ثمَّ تاب، قُبِلَ ذلك منه وسقط عنه حدّ ذلك الفعل، وذلك مثل المرتدّ عن الإسلام إلى دينٍ يُظهره، والمحارب القاطع للطَّريق إذا تاب قبل القدرة، أنَّ الحدّ يسقط عنه.
•••
[٢٣٨٥] مسألة: قال: ومن تنَبَّأَ قُتِلَ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المتَنَبِّئ كاذبٌ على الله ﷿، مغيِّرٌ لشريعته، فكان فعله أعظم وضرره أكثر من ضرر القاتل والزّاني الَّذِي يجب قتلهما، وكذلك القاتل للنَّفس الَّذِي يجب قتله، فوجب أن يُقتَلَ المتنبِّئ لهذه العلِّة.
وقد أحلَّ الله تعالى القتل بالفساد في الأرض، بقوله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿مِنْ أَجْلِ
_________________
(١) قوله: «عبد ربه بن شعبة»، كذا في جه، وصوابه: «عبد ربه بن سعيد»، كما في التخريج، وهو: عبد ربه بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، ثقة، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٥٦٨).
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى [١٧/ ١١٨].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٢١)، النوادر والزيادات [١٤/ ٥٣٢]، الجامع لابن يونس [٢٢/ ٢٨٠]، البيان والتحصيل [١٦/ ٤١٤].
[ ٣ / ٤٩٧ ]
ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢]، وقد قال رسول الله ﷺ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يخْرُجَ ثَلَاثُونَ دَجَّالًَا، كلّهم يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ» (^١)، وفي خبرٍ: «فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» (^٢).
وقال النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ: «مَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يُفَرِّقُ جَمِيعَهُمْ، وَيُشَتِّتُ كَلِمَتَهُمْ، فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ، كَائِنًَا مَنْ كَانَ» (^٣)، فلمَّا أمر النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ بقتل هذا من أجل إفساده أَمْرَ أمَّتِه، كان قَتْلُ من ادَّعَى النُّبُوَّةَ أولى؛ لعظم فساده وضرره.
•••
[٢٣٨٦] مسألة: قال: وإذا ارتدَّ العبد، فعلى سيِّده أن يرفعه إلى السُّلطان (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز له قتله دون الإمام؛ لأنَّ الإمام هو الَّذِي يقيم الحدود على النَّاس، ويأخذ حقوق بعضهم من بعضٍ.
•••
[٢٣٨٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُسْتَتَابُ القَدَرِيُّ: بِأَنْ يُؤْمَرَ بِتَرْكِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ (^٥).
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٣٦٠٩)، مسلم [٨/ ١٨٩]، وهو في التحفة [١٠/ ١٧٨].
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أخرجه مسلم [٦/ ٢٢]، وهو في التحفة [٧/ ٢٩٢].
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٢١)، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٢٦٣].
(٥) المختصر الكبير، ص (٤٢١)، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٢٦٨].
[ ٣ / ٤٩٨ ]
إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد أَبْدَعَ شيئًا يؤدِّي إلى فساد الدِّين، فوجب قتله إن لم يتب؛ لأنَّ مراعاة أمر الدِّين بإزالة الفساد فيه، أولى من مراعاة أمر الدُّنيا.
وقد أباح الله جل ثناؤه القتل في إفساد المال، وهو قتل المحارب اللّص بِأَخْذِهِ المالَ وإفساد الطَّريق؛ لأنَّ في فعله ضررًا على النّاس، فكذلك كلُّ ذي بدعةٍ فيه ضررٌ على النّاس في دينهم؛ لِأَنَّهُم يقتدون به ويأخذون عنه (^١).
وكذلك يقول مالكٌ في كلّ ذي بدعةٍ: «إَنَّهُ يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتِل».
وقال ابن القاسم وابن وهبٍ وابن عبد الحكم عن مالكٍ: «يستتاب الإباضية، فإن تابوا وإلا قُتِلُوا».
قيل لابن القاسم: هذا رأي مالكٍ في الإباضية وفي سائر أهل البدع؟
قال: هذا رأي مالكٍ في الإباضية وفي سائر أهل البدع.
وقال مالكٌ، عن عمِّه أبي سهيل، قال: سألني عمر بن عبد العزيز، ما ترى في القدرية؟
فقلت: أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا وإلّا عرضتهم على السّيف.
فقال عمر: ذلك رأيي.
قال مالك: وذلك رأيي (^٢).
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ٢٦٨]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٢) ينظر: الموطأ [٥/ ١٣٢٤]، المدوَّنة [٥/ ٥٣٠]، موطأ ابن وهب، كتاب المحاربة، ص (٤٧).
[ ٣ / ٤٩٩ ]
وقال عبد الرزاق: سألت مالكًا عن القدريّ، من هو؟
فقال: الَّذِي يقول: «إنَّ الله ﷿ لا يعلم الشّيء حَتَّى يكون»، وقد قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «القَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ» (^١).
•••
[٢٣٨٨] مسألة: قال: وإذا أسلم النَّصرانيُّ، فلم يمكث إلَّا يسيرًا حَتَّى ارتدَّ، وزعم أنَّ ذلك من ضيقٍ، فإن عُلِمَ أَنَّهُ من ضيقٍ عليه أو ضَرْبٍ أو عَذَابٍ، فعسى أن يُعْذَرَ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا كأنَّه بمنزلة المكره إذا ارتدَّ من ضيقٍ أو عذابٍ، فلا يقتل إذا رجع إلى الإسلام.
•••
[٢٣٨٩] مسألة: قال: وإذا أسلم الغلام وهو ابن عشر سنين أو اثنتي عشرة سنةً، ثمَّ ارتدَّ عن الإسلام، أُجْبِرَ على الإسلام، ويُضرب ويُهدَّد على ما أحبّ أو كره (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ رجوعه عن الإسلام بعد أن أسلم فعلٌ غير جائزٍ، فوجب أن يُضرب، كما يجوز ضربه على فعل ما لا يجوز، وقد قال رسول الله
_________________
(١) أخرجه أبو داود [٥/ ٢٢٠]، وهو في التحفة [٥/ ٤٣٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٢١)، الجامع لابن يونس [٢٢/ ٢٧٤]، البيان والتحصيل [١٦/ ٤٣٣].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٢١)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٩٩].
[ ٣ / ٥٠٠ ]
صَلَّى الله عَلَيْهِ في الصبيان: «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» (^١)، فجاز ضربهم لتركهم ما قد أُمِروا بفعله، فكذلك يُضرب إذا ترك الإسلام الَّذِي دخل فيه، حَتَّى يرجع إليه.
فأمَّا قتله فغير جائزٍ؛ لأنَّ فعل الصَّبيِّ، عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ صَحِيحٍ، حَتَّى يبلغ ويميِّزَ.
ألا ترى: أَنَّهُ لا يُقْتَلُ إذا قَتَلَ، ولا يُحَدُّ إذا زنا.
•••
[٢٣٩٠] مسألة: قال: وإذا أسلم النَّصرانيَّ وله ولدٌ صغارٌ، فأقرَّهم على النَّصرانية حَتَّى بلغوا، فلا يجبرهم الإمام على الإسلام.
وقاله ابن القاسم.
وقال أشهب: يُجْبَرون على الإسلام (^٢).
• معنى هذا إذا كانوا يُمَيِّزون، مثل بني سبعٍ وثماني سنين، فأمَّا إذا كانوا غير مميِّزين، فهم مسلمون بإسلام الأب؛ لأنَّ حكمهم حكم أبيهم، كذلك قال مالكٌ.
ووجه قول أشهب: هو أنَّ حكم الإسلام قد لزمهم بإسلام أبيهم إذا كانوا صغارًا، فوجب جبرهم على الإسلام إذا امتنعوا.
_________________
(١) أخرجه أبو داود [١/ ٣٨٥]، وهو في التحفة [٦/ ٣١٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٢١)، المدوَّنة [٢/ ٢٢١ و٥٣٨]، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٩٩].
[ ٣ / ٥٠١ ]
ويحتمل أن يقال: إنّهم يُقتلون إذا بلغوا.
وكذلك من أسلم وهو غلامٌ دون أبيه، ثمَّ ارتدَّ، يُحتمل أن يقال: يُقْتَلُ إذا بلغ إذا لم يرجع إلى الإسلام، وهذا هو القياس، أَنَّهُ يقتل إذا بلغ متى لم يرجع إلى الإسلام؛ لأنَّ حكم الإسلام قد لزمه.
•••
[٢٣٩١] مسألة: قال: وإذا أُعْتِقَتِ الأمة النَّصرانيَّة، فرجعت إلى بلادها، وقد كانت أسلمت واشتراها المسلمون فقَدِمُوا بها، فإن كانت ارتدَّت، استتيبت، فإنْ رجعت إلى الإسلام وإلَّا قُتِلت (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ أحكام الإسلام وحرمته قد ثبت لها، فإن رجعت وإلا قُتِلت، وقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «مَنْ تَرَكَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (^٢).
•••
[٢٣٩٢] مسألة: قال: وإذا رجع المرتدُّ إلى الإسلام، فلا ضرب عليه.
وحَسَنٌ أن يُتْرَك المرتدُّ ثلاثة أيَّامٍ، وإنَّ ذلك ليعجبني (^٣).
إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]، وهذا على عمومه في كلّ كافرٍ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٢٢)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٩٦].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٣٨٢.
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٢٢)، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٢٦١]، البيان والتحصيل [١٦/ ٣٧٩].
[ ٣ / ٥٠٢ ]
فأمَّا استتابته ثلاثة أيامٍ؛ فلجواز أن يرجع فيها إلى الإسلام.
وقد أنظر الله ﷿ من استحقَّ العذاب ثلاثة أيامٍ بقوله: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود:٦٥].
وروى ابن عيينة، عن محمد بن عبد الرحمن (^١)، عن أبيه (^٢)، قال: «لَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ ﵀ فَتْحُ تُسْتَرَ، قَالُوا: رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ لَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ فَقَتَلْنَاهُ، فَقَالَ: أَلَا أَدْخَلْتُمُوهُ بَيْتًَا وَأَغْلَقْتُمْ عَلَيْهِ بَابًَا وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًَا، ثمَّ اسْتَتَبْتُمُوهُ ثَلَاثًَا، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قَتَلْتُمُوهُ، اللَّهُمَّ لَمْ آمُرْ وَلَمْ أَرْضَ؛ إِذْ بَلَغَنِي» (^٣).
•••
[٢٣٩٣] مسألة: قال: وإذا قطع المحارب الطَّرِيقَ، ونَفَرَ بالنَّاس في كلّ مكانٍ، وأخاف السَّبيل، وذهب بالأموال، ثمَّ ظُهِرَ عليه قبل أن يأتي تائبًا، رأى السُّلطان رأيه: إن شاء قَتَلَ، وإن شاء صَلَبَ، وإن شاء نَفَى، ويستشير في ذلك (^٤).
•••
_________________
(١) محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري المدني، مقبول، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٨٦٣).
(٢) عبد الله بن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري المدني، مقبول، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٥٢٢).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة [١٤/ ٥٩٣] بهذا الإسناد، وهو في الموطأ [٤/ ١٠٦٦] من رواية مالك.
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٢٣)، المدوَّنة [٤/ ٥٥٢]، موطأ ابن وهب، كتاب المحاربة، ص (٢١).
[ ٣ / ٥٠٣ ]
[٢٣٩٤] مسألة: قال: وإذا قتَلَ اللُّصوصَ القتيلَ، ثمَّ أُخِذوا، لَمْ يُدْرَ مَنْ قَتَلَ، فالإمام فيهم مخيَّرٌ: إن شاء قتلهم، وإن شاء صلبهم.
وليس المحاربون كلّهم سواءً:
منهم من يجرح بالسِّلاح والنَّبل والسُّيوف، ومنهم من لا يجرح إلَّا بحديدةٍ.
ومنهم من يطول زمانه، ومنهم حديث العهد لم يفعل ذلك إلَّا مرّةً أو نحو ذلك.
ومنهم من قتل وسلب، ومنهم من سلب ولم يقتل.
فينبغي أن يَجْتَهِدَ في مثل هذا ولا يجعلُهم سواءً، لكلٍّ من العقوبة بقدر ما جنى، ويستشير في ذلك أهل الرأي والفقه، فما أجمعوا عليه فعله.
والمعلن بمحاربته والمستخفي [بهـ]ـا (^١) سواءٌ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله جل ثناؤه، قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣] فجعل الله الإمام الَّذِي يقيم عليهم الحدَّ مُخَيَّرًا أن يقيم الحدّ الَّذِي يراه صلاحًا للمسلمين في إقامته.
_________________
(١) ما بين []، مطموس في جه، والسياق يقتضيه.
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٢٣)، موطأ ابن وهب، كتاب المحاربة، ص (٢١)، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٢٩٠].
[ ٣ / ٥٠٤ ]
• فإن كان المحارب مِمَّنْ له الرَّأي والتَّدبير، ويجتمع جماعة اللُّصوص إليه وهو فيهم، فهذا يجب (^١)؛ لأنَّ في قتله صلاحًا للمسلمين.
• وإن كان مِمَّنْ في يديه فضلٌ وقوّةٌ، ولا رأي له ولا اجتماع إليه، فهذا في قطعه صلاحٌ للنَّاس؛ ليكفَّ عنهم شره.
• وإن كان مِمَّنْ لا رأي له ولا قوة، نفاه.
ويفعل الإمام في ذلك ما هو صلاحٌ للمسلمين ونظرٌ لهم، ويشاور في ذلك أهل الرَّأي والعلم كما قاله مالكٌ.
والدَّليل على صِحّة هذا القول بتخيير الإمام في ذلك، قوله ﷿: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة:٣٣]، و«أو» في ظاهر لسان العرب للتَّخيير، هذا أصلها وظاهرها، لا يُنتقل إلى غيرها إلَّا بدلالةٍ.
فأمَّا وجهه من جهة المعنى، فإنَّ الله جلَّ وعزَّ إِنَّمَا أراد بإقامة الحدود عليهم ردعًا لهم، فأيُّ شيءٍ كان أردع لهم أقيم عليهم.
ولم يجز أن يُرَدَّ ذلك إلى السّرق في القطع، كما لم يجز أن يرد حكم القطع إلى السَّرق.
ألا ترى: أنَّ السَّارق تُقطع يده دون رجله، وليس كذلك المحارب، بل تقطع يده ورجله من خلافٍ، وإذا لم يجز أن يُرَدَّ القطع إلى القطع، كذلك لا يجوز ردُّ الحال إلى الحال.
_________________
(١) قوله: «فهذا يجب»، كذا في جه، يعني: «يجب قتله».
[ ٣ / ٥٠٥ ]
فإن قيل (^١): فأنت تقتله إذا قتل، ولا تقول: إنَّ الإمام مخيَّرٌ فيه متى قتل؟
قيل له: التَّخيير في الآية إِنَّمَا هو إذا لم يكن القتل، فَأَمَّا إذا وقع القتل فلا تخيير؛ لأنَّ فقهاء المسلمين قد اتَّفقوا على أنَّ المراد بالآية ليس إذا وقع القتل، وليس إذا قامت الدّلالة على خروج شيءٍ من ظاهر آيةٍ وعمومها، وجب أن يخرج غيره بغير دلالةٍ.
والتخيير للإمام عند مالكٍ إِنَّمَا هو على (^٢)
_________________
(١) ينظر الاعتراض في: المحلى لابن حزم [١١/ ١٨٤].
(٢) يظهر أن ثَمَّ سقط بعد هذا الموضع، وقد نقل التلمساني عن الأبهري شرح المسائل التالية: باب في حدّ الزنا وجوب الحدّ بالوطء في الفرج
(٣) - (والوطء فيما دون الفرج لا يوجب الحدّ). قال في شرح التفريع [١٠/ ١٥٨]: «وروى الأبهري، عن أبي هريرة ﵁ أنّه قال: جَاءَ الأَسْلَمِيُّ نَبِيَّ الله ﷺ يَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ أَصَابَ امْرَأَةً حُرَّةً أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ رَسُولُ الله ﷺ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ فِي الخَامِسَةِ: «أَدَخَلَ ذَلِكَ مِنْكَ فِي ذَلِكَ مِنْهَا كَمَا يَغِيبُ المِرْوَدُ فِي المكْحَلَةِ»، قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ». إحصان الأمة الكتابية والصبيّة والمجنونة
(٤) - والأمة تُحصِنُ الحرّ إذا كانت زوجةً له، ولا يحصِنُها، والكتابيّة تحصن المسلم ولا يحصنها، والصبيّة التي لم تبلغ ومثلها يوطأ تحصن البالغ ولا يحصّنها، والمجنونة تحصن العاقل ولا يحصنها). قال في شرح التفريع [١٠/ ١٦١]: «قال الأبهري: ولأنّ غرضه في الوطء بالنّكاح يحصل منها، كما يحصل من الحرّة إذا تزوّجها.
[ ٣ / ٥٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال: ولأنّها زوجةٌ للزّوج وفراشٌ له، فوجب أن تقع الحصانة بتزويجها؛ لثبوت حكم الفراش، كالحرّة. قال الأبهري: وأمّا كونه لا يحصنها؛ فلأنّ الحدود هي عقوباتٌ جُعِلَت على حسب أحوال من ارتكبها وحسب حرمته، فإن كان كامل الحرمة، غلّظت عليه، وإن كان ناقص الحرمة خفّفت عنه حسب ذلك، وقد قال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣٠]». حدّ الزّاني البكر الحرّ والعبد
(٢) - (وحدّ العبد والأمة إذا زنا أحدهما وهو بكرٌ أو ثيّبٌ، جلد خمسين) قال في شرح التفريع [١٠/ ١٦٧]: «قال الأبهري: ولأنّ الحدود هي عقوباتٌ جعلت على حسب أحوال من ارتكبها وحسب حرمته، فإن كان كامل الحرمة، غلّظت عليه، وإن كان ناقص الحرمة، خفّفت، وقد قال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣٠]، فجعل الله ﷿ عقوبة الإنسان على حسب حاله في الدنيا والآخرة، وكذلك مجازاته، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾».
(٣) - (وإذا عتق العبد وله زوجةٌ حرّةٌ أو أمةٌ، لم يكن محصنًا بوطئها قبل عتقه حتّى يطأ زوجته بعد عتقه، ثمّ يزني، فيكون محصنًا بذلك، يجب الرّجم عليه). قال في شرح التفريع [١٠/ ١٦٨]: «قال الأبهري: ولأنّ الوطء المتقدّم لم يقع منهما في حال تكامل حرمتهما، بل كان في حال الرقّ، فقد فُقِدَ شَرْطٌ وهو تكامل الحريّة. وبعد تكامل حرمتهما، لم يقفع منهما وطءٌ، فقدى بقي شرطٌ وهو الوطء». شهادة الشّهود على الزّنا
(٤) - (وإذا شهد على الزّاني بالزنا أربعة شهداء، لزمه الحدّ … فإن افترقوا في أداء الشّهادة، كانوا قذفةً يجب عليهم الحدّ بقذفهم، ولا حدّ على المشهود عليه).
[ ٣ / ٥٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال في شرح التفريع [١٠/ ١٧٤]: «قال الأبهري: ولأنّ الشّهود لمّا لم تكن بهم ضرورةٌ إلى إقامة الشّهادة على الزّنا؛ لأنّ الإنسان قد أمر بالسّتر على نفسه وعلى غيره، غلّظ عليهم في رؤية الحال حتّى لا يكاد يوصل إلى رؤيتها، كذلك وجب أن يغلّظ عليهم في أداء الشّهادة في الحال التي يؤدّونها، فجعل عليهم أن يجيئوا مجيئًا واحدًا وقت الأداء، فمتى افترقوا صاروا قذفةً ووجب عليهم الحدّ». إقامة حدّ الزنا على الغلام والجارية
(٢) - (ولا حدّ على غلامٍ قبل احتلامه، ولا على جاريةٍ قبل حيضتها). قال في شرح التفريع [١٠/ ١٧٨]: «قال الأبهري: ولعدم مقاصدهم ونقص تمييزهم فيما ارتكبوه من المعاصي، فلم تجب عليهم الحدود حتّى تصحّ مقاصدهم، وذلك ببلوغهم الاحتلام أو الحيض». وقال أيضًا: «إذا ثبت هذا، فلا حدّ على غلامٍ حتّى يحتلم. قال الأبهري: والبلوغ في الذّكور: الاحتلام أو الإنبات، وفي النّساء الاحتلام أو الحيض أو الإنبات أو الحمل. ولأنّ الصبيّ غير مكلّفٍ، فلم يلزمه الحدّ، كالمجنون. ولأنّ وطئه ناقصٌ جدًا، بدليل أنّه لا يلزم به غسلٌ ولا نفقةٌ ولا مهر لزوجته، فكان بأن لا يثبت له حكم الزنا أولى». فيمن زنا بجارية امرأته
(٣) - (ومن زنا بجارية امرأته، فعليه الحدّ) قال في شرح التفريع [١٠/ ١٨١]: «قال الأبهري: ولأنّه وطئ من ليست له بزوجةٍ ولا يمينٍ، فعليه الحدّ. والولد لسيّدة الأمة؛ لأنها مملوكةٌ لها. ولا يلحق به؛ لأنّه لم يولد على فراشه، والولد إنّما يكون لفراشٍ صحيحٍ أو لشبهة
[ ٣ / ٥٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فراشٍ، وقد قال ﵇: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ»، يعني: للزّاني الحجر ولا يلحق به. وذكر مالكٌ في موطئه: «أَنَّ رَجُلًَا أَصَابَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ، فَذَكَرَتِ امْرَأَتُهُ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَابِ ﵁، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَهَبَتْهَا لِي، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَتَأْتِيَنِّي بِالبَيِّنَةِ، وَإِلّا رَجَمْتُكُ بِالحِجَارَةِ، فَاعْتَرَفَتِ امْرَأَتُهُ أَنَّهَا وَهَبَتْهَا لَهُ». ولو كانت المرأة أحلّتها له، فهذه شبهةٌ تقتضي درأ الحدّ عنه، وقد قال النّبيّ ﷺ: «ادْرَؤُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ»». وقال أيضًا: «وقال الأبهري: إنّما يسقط عنه الحدّ إذا كان غير عالمٍ أنّ وطئها لا يحلّ له بإباحة مالكها. فأمّا إن كان عالمًا أنّ وطئها لا يحلّ له، فإن أبيح له فوطئها، فعليه الحدّ، ولا يلحق به الولد؛ لأنّه زانٍ بوطئه غير زوجته وملكه». فيمن زنا بجاريةٍ له فيها شريكٌ
(٢) - (ومن زنا بجاريةٍ له فيها شريكٌ، فلا حدّ عليه). قال في شرح التفريع [١٠/ ١٨٢]: «قال الأبهري: ورُوِيَ عن ابن عمر: «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ جَارِيَةٍ كَانَتْ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا أَحَدُهُمَا، قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ حَدٌّ»». فيمن أكره حرّةً على الزنا أو أمةً
(٣) - (ومن استكره حرَّةً على الزِّنا، فعليه الحدّ والمهر). قال في شرح التفريع [١٠/ ١٨٧]: «قال الأبهري: وإنّما جُعِل عليه الحدّ والصداق؛ لأنّ الحدّ حقٌّ لله سبحانه، والصّداق حقٌّ للمرأة، فلا يسقط أحدهما بالآخر، كالدّية، والكفّارة في قتل الخطأ؛ لأنّ الكفّارة حقٌّ لله تعالى، والدّية حقٌّ لآدمي. وكذلك يجب على المغتصب للحرَّةِ الحدُّ لله ﷿، والصّداق لها لأنّه حقٌّ لها، إذ لا يجوز أن يطأها بغير عوضٍ، وهو مهر مثلها.
[ ٣ / ٥٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وكذلك المحرم إذا قتل صيدًا مملوكًا، فإنّ عليه جزاءَه وقيمته، فكذلك الصّداق والحدّ». فيما إذا أكره النّصرانيّ حرّةً مسلمةً أو أمةً
(٢) - (وإذا استكره النّصرانيُّ حرّةً مسلمةً، قتل، وإن استكره أمةً، فعليه العقوبة الشّديدة، وما نقص من ثمنها). قال في شرح التفريع [١٠/ ١٨٨]: «اعلم أنّ النّصراني إذا استكره حرّةً مسلمةً على الزنا، فإنّه يقتل، وبذلك حكم عمر بن الخطاب ﵁. ولأنّه ناقضٌ للعهد، فصار كأهل الحرب، فوجب قتله إلّا أن يسلم، قاله الأبهري». وقال في [١٠/ ١٨٩] أيضًا: «وإن استكره أمةً، فعليه ما نقص من ثمنها، بكرًا كانت أو ثيّبًا؛ لأنّها مالٌ، ولا يقتل بالجناية على الأموال. ولأنّه يجوز له أن يملكها يومًا ما؛ لأنّه لو اشتراها أو ورثها، فقد صحّ ملكه عليها، فلهذا لم يقتل بإكراهه إيّاها. وعليه ما نقص من ثمنها، بكرًا كانت أو ثيبًا؛ لأنّها جنايةٌ منه على مالٍ، قاله الأبهري». حكم الإمام بعلمه في حدّ الزنا وفي حدّ السيّد عبده
(٣) - (ولا يحكم الإمام بعلمه في حدّ الزنا ولا غيره، وكذلك السيّد في عبده وأمته. وعنده في حدّ السيّد عبدَه أو أمته روايتان: إحداهما: جوازه، والأخرى: منعه). قال في شرح التفريع [١٠/ ١٩١]: «واختلف في السيّد، هل يقيم حدّ الزنا على عبده وأمته بعلمه أم لا … قال الأبهري: وإنّما منعه أن يقيم الحدّ بعلمه، ولا بدّ من أربعةٍ سواه؛ لأنّه كالحاكم الذي لا يحكم بعلمه في رعيّته».
(٤) - (ولا بأس أن يقيم السّيّد حدّ الزنا على عبده وأمته بالبيّنة والإقرار دون الإمام.
[ ٣ / ٥١٠ ]
(^١) أو أمةٍ.
فَأَمَّا الكافرة فليس عليها حدُّ المسلمين؛ لأنَّ الحدود إِنَّمَا جعلها الله ﷿ على المسلمين تطهيرًا لهم، والكافر لا يَطْهُرُ بالحدِّ.
_________________
(١) ولا يقيم عليهما حدّ السّرقة، ولا بأس أن يقيم عليهما حدّ القذف والخمر). قال في شرح التفريع [١٠/ ١٩٣]: «واختلف في الأمة إذا كانت متزوجةً لعبدٍ أو حرٍّ، هل للسيّد أن يقيم عليها الحدّ أم لا؟ وقال في مختصر ابن عبد الحكم، وكتاب ابن المواز: لا يقيم ذلك عليها إذا كان زوجها حرًّا، وأما إن كان عبدًا، فله أن يقيم عليها الحدّ. قال الأبهري: وإنّما قال ذلك؛ لأنّ للزوج حقًّا في الفراش، فليس للسيّد أن يفسده، ولا يدخل عليه ضررًا إلّا بحكمٍ. وجاز له ذلك في عبد نفسه؛ لأنّه ليس بخصمٍ لسيّده. حضور طائفةٍ من المؤمنين حدّ الزنا
(٢) - (وينبغي للإمام أن يحضِر حدّ الزنا طائفةً من المؤمنين، والطّائفة أربعةٌ من المؤمنين، والطّائفة أربعةٌ فصاعدًا. وكذلك السيّد في عبده وأمته). قال في شرح التفريع [١٠/ ١٩٤]: «قال الأبهري: وإنّما كانوا محدودين بأربعةٍ؛ لأنّ الحاجة في حضورهم لزوال حدّ القذف عمّن قذفه، ولا يجوز ذلك إلّا بشهادة أربعةٍ يشهدون أنّه قد حدّ في الزنا، فاحتيج أن يكونوا أربعةً فصاعدًا. وقال في الأمة: لجواز أن تعتق فتقذف، فيشهد الأربعة أنّها محدودةٌ في الزنا، فيزول الحدّ عن القاذف، وكذلك في العبد. وأمّا السّرقة والقذف والخمر، فاثنان كافيان في ذلك».
(٣) يشبه أن تكون المسألة التي يشرحها الأبهري، ما في مختصر أبي مصعب، ص (٤٢٥): «وَإِذَا زَنَا المُسْلِمُ بِالنَّصْرَانِيَّةِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَعَلَيْهِ هُوَ الحَدُّ».
[ ٣ / ٥١١ ]
ولأنَّهم أيضًا لا يُحَرِّمُون ما حرَّم الله ورسوله، كما قال الله ﷿ (^١)، فلا معنى لإقامة حدِّ الزِّنا عليهم، أعني: حدَّ المسلمين، إذ لا يحَرِّمُون الزِّنا كما يحرِّمُهُ المسلمون.
ألا ترى: أَنَّهُ لا يقام عليهم الحدُّ في شرب الخمر كما يقام على المسلمين، فكذلك حدُّ الزِّنا مثله.
فإن قيل (^٢): فقد رجم النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ يهوديين زنيا (^٣).
قيل له: النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ إِنَّمَا أقام عليهم حدّ التَّوراة.
ألا ترى: أَنَّهُ سألهم: ما حدُّ الزَّاني المحصن فيكم؟، فقالوا: الجلد، فكذَّبهم عبد الله بن سَلَامٍ، وكان في التَّوراة الرَّجم، فأقام النَّبيُّ ﷺ حدّ التَّوراة عليهم، وقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً أَمَاتُوهَا» (^٤)، وأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة:٤٤]، يعني: يحكم محمَّد صَلَّى الله عَلَيْهِ بحكم التوراة الَّذِي غيَّروه وأماتوه.
وقد روى موسى بن عقبة، عن نافعٍ، عن ابن عمر قال: «رَجَمَ النَّبِيُّ
_________________
(١) كما في قوله ﷿: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩].
(٢) ينظر الاعتراض في: مختصر المزني، ص (٣٦٨)، أحكام القرآن للجصاص [٣/ ٣٨١].
(٣) متفق عليه: البخاري (٣٦٣٥)، مسلم [٥/ ١٢١]، وهو في التحفة [٦/ ٢٠٧].
(٤) أخرجه مسلم [٥/ ١٢٢]، وهو في التحفة [٣/ ٢٢].
[ ٣ / ٥١٢ ]
ﷺ اليَهُودِيَّيْنِ، وحَدُّ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ الجَلْدُ» (^١)، وابن عمر هو الرَّاوي لرجم اليهود، وقد قال: «إنَّ حدَّ المسلمين لم يكن يومئذٍ إلَّا الجلد».
فإن قيل (^٢): إنَّ حدَّ الزِّنا يلزمهم كما يلزمهم حدُّ القذف إذا قذفوا مسلمًا حرًّا، وكذلك إذا سرقوا؟
قيل له: حدُّ القذف هو حقٌّ لآدمي، فعليهم ذلك، وكذلك القطع في السَّرَقِ هو حقٌّ وجب لآدميٍ، فأشبه ذلك القتل أنَّه حقٌّ لآدميٍّ يجب أن يؤخذ به، فَأَمَّا حدُّ الزِّنا فهو حقٌّ لله ﷿، كالحدِّ في الخمر أنَّه حقٌّ لله ﷿، فليس يلزم ذلك الكافرين، ولا يجب علينا إقامة ذلك عليهم، ويجب إقرارهم - مع أنَّهم لا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحقِّ، كما قال الله ﷿ إذا أُخِذت منهم الجزية، غير أنَّهم لا يُتْرَكُون وإظهار الزِّنا وكذلك شرب الخمر.
وقد روى الأعمش، عن قابوس ابن أبي ظِبْيَانَ، عن أبيه: «أنَّ رَجُلًَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ زَنَا بِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ، فرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَحَدَّ المَرْأَةَ المُسْلِمَةَ، ورَدَّ الذِّمِّيَّ إِلَى أَهْلِ دِينِهِ» (^٣).
•••
[٢٣٩٥] مسألة: قال مالكٌ: وإذا وَجَدَ الشُّرَطُ أهل الكتاب على زنا، فلا حدَّ عليهم، ويعاقبون بإعلانهم السّوء.
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) ينظر الاعتراض في المبسوط [٩/ ٥٥].
(٣) أخرجه عبد الرزاق [٦/ ٦٢]، وابن أبي شيبة [١١/ ٢٥٥].
[ ٣ / ٥١٣ ]
ولا يقام على أهل الذمَّة الحدّ، إلَّا السَّرقة والقتل، فَأَمَّا الزِّنا وشرب الخمر فلا.
ويُضربون في القذف، فَأَمَّا قذف بعضهم بعضًا فلا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ إظهارهم (^٢) الزِّنا وشُرْب الخمر بين المسلمين مِمَّا قد مُنعوا منه وأُخِذ عليهم ألّايظهروا ذلك، فإذا أظهروه، عُوقبوا عليه وزُجِروا عن فعله.
فأمَّا حدُّ الزنا وشرب الخمر فلا يلزمهم ذلك؛ لِمَا ذكرناه: وهو أنَّ ذلك من حقوق الله ﷿، فلا يقام عليهم حدّ ما اجترموه من حقِّ الله ﷿، كما لا يقام عليهم حدّ الكفر.
فأمَّا القتل والسَّرَق والقذف فهو حقٌّ لآدميٍّ، فإذا ارتكبوا شيئًا من ذلك، وجب إقامة الحدِّ عليهم.
وإذا قذف بعضهم بعضًا، فلا حدّ عليهم؛ لنقصان حرمتهم.
ألا ترى: أنَّ المسلم لو قذف كافرًا لم يكن عليه حدٌّ، وإذا قذف نصرانيٌّ مسلمًا حُدَّ، كما لو قذف مسلمٌ مسلمًا حُدَّ.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٢٣)، المدوَّنة [٤/ ٥١٨]، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٤٣]، الجامع لابن يونس [٢٢/ ٣٧١].
(٢) قوله: «لأنَّ إظهارهم»، كذا في جه، وقد تكون: «لإظهارهم».
[ ٣ / ٥١٤ ]
[٢٣٩٦] مسألة: قال مالكٌ: وإذا أصاب النَّصرانيّ أو اليهوديّ حدًّا مِمَّا يؤخذ به، ثمَّ أسلم قبل أن يقام عليه، مثل: الفرية، والقتل، والسَّرقة، فيقام عليه (^١).
إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذه حقوقٌ لآدميٍّ، فهي لازمةٌ له وإن أسلم، كالدَّيْنِ الَّذِي هو لآدميٍّ، فلا يسقط عنه بإسلامه.
ولأنَّ هذه الأشياء لو ارتكبها المسلم لأُخِذَ بها، فكذلك إذا ارتكبها الكافر، ثمَّ أسلم أقيمت عليه.
فأمَّا حقوق الله ﷿، فإنَّهَا لا تقام عليه إذا أسلم، وذلك كحدِّ الزِّنا والخمر وأشباه ذلك، وقد قال الله ﷿: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨].
•••
[٢٣٩٧] مسألة: قال مالكٌ: وإذا رَأَى الإمام رجلًا على حدٍّ من حدود الله ﷿، لم يقمه عليه إلَّا أن يكون مَعَهُ غَيْرُهُ، ويَرْفَعُ ذلك إلى من هو فوقه، ويكون شاهدًا من الشُّهود (^٢).
إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحاكم لا يجوز له أن يحكم بعلمه؛ لانفراده بما يدَّعيه من العلم الَّذِي لا يشاركه فيه غيره، وقد يجوز عليه الهوى والميل، وقد قال الله
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٢٣)، الجامع لابن يونس [٢٢/ ٣٧٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٢٣)، المدوَّنة [٤/ ١٦]، النوادر والزيادات [١٤/ ٣١٦]، البيان والتحصيل [١٦/ ٣١٢].
[ ٣ / ٥١٥ ]
﷿: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ﴾ [ص:٢٦] (^١).
وقد ترك النَّبيُّ ﷺ الحكم بعلمه في أشياء، منها: تركه قتل المنافقين بعلمه، ومنها: تركه إقامه الحدِّ على المرأة الَّتِي أتت بالولد على النَّعت المكروه (^٢).
فأمَّا في الحدود خاصَّةً، فإنَّ الحاكم كالخصم فيها؛ لأنَّهُ متولٍّ لإقامة الحدود، فلا يجوز أن يقيمها بما يدَّعيه من الرؤية.
وقد روى ابن وهبٍ، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهابٍ قال: بلغني أنَّ
_________________
(١) الصفحة تبتدئ من قوله تعالى: ﴿جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾.
(٢) أخرجه مسلم [٤/ ٣٠٨]، من حديث ابن مسعودٍ، قال: «إِنَّا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ فِي المَسْجِدِ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ، وَاللهِ لَأَسْأَلَنَّ عَنْهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ، أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ، أَوْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ افْتَحْ، وَجَعَلَ يَدْعُو فَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾، هَذِهِ الآيَاتُ. فَابْتُلِيَ بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، فَجَاءَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَتَلَاعَنَا، فَشَهِدَ الرَّجُلُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ لَعَنَ الخَامِسَةَ: أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الكَاذِبِينَ، فَذَهَبَتْ لِتَلْعَنَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَهْ، فَأَبَتْ فَلَعَنَتْ، فَلَمَّا أَدْبَرَا قَالَ: لَعَلَّهَا أَنْ تَجِيءَ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًَا، فَجَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًَا»، وهو في التحفة [٧/ ١٠١].
[ ٣ / ٥١٦ ]
أبا بكرٍ الصديق ﵁ قال: «لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًَا عَلَى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله ﷿، مَا أَخَذْتُهُ، وَلَا دَعَوْتُ إِلَيْهِ، حَتَّى يَكُونَ مَعِيَ غَيْرِي» (^١).
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدَّثنا إسماعيل بن عيَّاش، عن سليمان بن عمر بن إبراهيم الأنصاري (^٢)، عن عمِّه الضَّحاك قال: «اخْتَصَمَ رَجُلَانِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، ادَّعَيَا شَهَادَتَهُ، فَقَالَ: إِنْ شِئْتُمَا شَهِدْتُ وَلَمْ أَقْضِ بَيْنَكُمَا، وَإِنْ شِئْتُمَا قَضَيْتُ وَلَمْ أَشْهَدْ» (^٣).
وقوله: «يَرْفَعُ ذلك إلى من هو فوقه، ويكون شاهدًا من الشُّهود»؛ فلأنْ لا يسقط حدّ الزِّنا، وهذا إذا كان معه من يشهد على الزِّنا مِمَّنْ يجب الحدُّ بشهادته.
•••
[٢٣٩٨] مسألة: قال مالكٌ: وإذا دعا رجلٌ شرطيًا إلى بيتٍ فيه فسقٌ:
• فأمَّا إن كان البيت الَّذِي لا يُعْرَفُ بذلك، فلا أرى أن يتبعه.
• وأما إن كان بيتًا معلنًا بالسُّوءِ، وقد تُقِدِّمَ إليه في ذلك، فَإِنَّهُ يتبعه (^٤).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى [٢٠/ ٤٢٧].
(٢) قوله: «عن سليمان بن عمر بن إبراهيم الأنصاري»، كذا في جه، وفي جميع طبعات مصنّف ابن أبي شيبة: «عن سفيان، عن عمرو بن إبراهيم الأنصاري»، وأظن ما في طبعات المصنف تصحيفًا، وما أورده الشَّارح هو الصواب؛ إذ لم أقف على راوٍ اسمه: «عمرو بن إبراهيم الأنصاري»، وقد ترجم ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل [٤/ ١٣١] لسليمان بن عمر بن إبراهيم.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة [١١/ ٢٩٤].
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٢٣)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣١٦].
[ ٣ / ٥١٧ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا كان معروفًا بالسُّوء، تبعه ليرتدع عن الفعل بالحدِّ أو الأدب؛ من قِبَلِ أَنَّهُ لا مروءة لهؤلاء ولا ستر.
فأمَّا إذا كانوا غير معروفين، لم يُكْشَفوا؛ لأنَّ الإنسان قد أُمِرَ بالسِّتْرِ على نفسه وعلى أخيه، وقد قال النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ القَاذُورَاتِ شَيْئًَا، فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ» (^١)، وقال لهزَّالٍ: «هَلَّا سَتَرْتَهُ بِرِدَائِكَ» (^٢)، وقال: «أَقِيلُوا ذَوِي الهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ» (^٣).
•••
[٢٣٩٩] مسألة: قال مالكٌ: ومن كان له جارٌ يُظهر شرب الخمر وما لا ينبغي في الإسلام، فيتقَدَّمُ إليه وينهاه، فإن انتهى، وإلا رفعه إلى السُّلطان وأَظْهَـ[ـرَ] (^٤) عليه (^٥).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا قد خرج عن حدّ الهمَّة والمروءة، فوجـ[ـب رد] عه (^٦)، وذلك بأن يُعْلِم الإمام بحاله؛ حَتَّى يتولَّى ردعه وزجره.
•••
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ [٥/ ١٢٠٥]، عن زيد بن أسلم مرسلًا.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ [٥/ ١١٩٨]، وأحمد [٣٦/ ٢١٨].
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢١٥٢.
(٤) ما بين [] مطموس، والسياق يقتضيه.
(٥) المختصر الكبير، ص (٤٢٤)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣١٦].
(٦) ما بين []، مطموس، والسياق يقتضيه.
[ ٣ / ٥١٨ ]
[٢٤٠٠] مسألة: قال مالكٌ: وإذا عطَّل الوالي حدًّا من حدود الله ﷿ ثمَّ عُزِل، فأرى حسنًا أن يُرفَعَ ذلك إلى الَّذِي وَلِيَ بعده (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنْ لا تَبْطُل حدود الله ﷿ ولتقام، وقد قال الله ﵎: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢]، يعني: في إقامة الحدود.
وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: «حَدٌّ يُقَامُ فِي الأَرْضِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ يَوْمًَا» (^٢).
•••
[٢٤٠١] مسألة: قال مالكٌ: وإذا اعترف الرّجل عند الإمام بالزِّنا مرَّةً واحدةً، وأقام على ذلك، أُقِيم عليه الحدّ.
وإن نزع عن ذلك، وقال: «إنَّما كان ذلك منِّي لوجه كذا أو كذا»، قُبِلَ ذلك منه، على ما كان من كثرة القول وقلّته، إذا لم يكن لأحدٍ فيه تِبَاعَةٌ، وكذلك الحدود الَّتِي هي لله ﷿.
وقد قال مالك: إذا اعترف بغير محنةٍ، ثمَّ نزَعَ، لم يقبل منه، وقاله أشهب.
وقال ابن القاسم: يُقبل رجوعه بغير عذرٍ أو بعذرٍ، فإن كانت سرقة رجلٍ بعينه، سقط عنه القطع وأَتْبَعَهُ بها في ماله، أو دَيْنًَا عليه (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٢٤)، المدوَّنة [٤/ ١٧]، النوادر والزيادات [٨/ ٩٣].
(٢) أخرجه ابن ماجه [٣/ ٥٧٥]، والنسائي في الكبرى [٧/ ١٨]، وهو في التحفة [١٠/ ٤٣٨].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٢٥)، التفريع [١٠/ ١٦٩]، النوادر والزيادات [١٤/ ٢٤٨].
[ ٣ / ٥١٩ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا اعترف مرَّةً وثَبَتَ عليه، أقيم عليه حدّ الزِّنا والسَّرَق؛ لأنَّهُ قد ألزم نفسه باعترافه شيئًا، فلا سبيل إلى رفعه.
وأَمْرُ ماعزٍ وَرَدُّ النَّبيِّ ﷺ له (^١)، فإنَّمَا أنكر النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ عقله، فتثبَّت في أمره.
ألاترى: أَنَّهُ وجَّهَ إلى أهله فقال: «هَلْ بِهِ جِنَّةٌ؟»، لا أنَّه أراد أن يعترف أربع مرارٍ.
ولو كان اعترافه أربع مرارٍ بمنزلة الشَّهادة، لكان إذا رجع بعد اعترافه أربع مرارٍ لم يقبل رجوعه، كما لا يُقبل إنكاره للزِّنا بعد قيام الشّهادة عليه (^٢).
فأمَّا إذا رجع بعد إقراره فَإِنَّهُ لا يُقبل رجوعه؛ لأنَّ إقراره قد ألزمه الحكم الَّذِي أقرَّ به، كما يلزمه الإقرار بالمال إذا أقرَّ به.
فإن ذكر عُذرًا يُعْتَذر بمثله، قُبِل منه، مثل أن يقول: «وطئت في حال الحيض، فظننت أَنَّهُ زنا»، أو جاريةٌ بينه وبين غيره، وما أشبه ذلك، فإذا أتى بعذرٍ، قُبِلَ منه؛ لأنَّهُ لا ضرورة بنا إلى إقامة حدّ الزِّنا.
ولأنَّ الإنسان قد أُمِرَ بالسِّتر على نفسه، كما قال النَّبيُّ صلَّى الله عـ[ـليه لهـ]ـزال (^٣): «أَلَّا سَتَرْتَهُ بِرِدَائِكَ» (^٤).
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٦٨٢٤)، مسلم [٥/ ١١٧]، وهو في التحفة [٥/ ١٨٠].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ١٧٠]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٣) ما بين []، مطموس، والسياق يقتضيه.
(٤) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٣٩٨.
[ ٣ / ٥٢٠ ]
ووجه قوله: «إنَّه يُقبل رجوعه بغير عذر»؛ فلأنَّ حدّ الزِّنا لَمَّا كان حقًّا لله ﷿، ولم يكن على مرتكبه الإقرار به واجبًا ولا أن يَحُدَّ نفسه، فكذلك يُقبل رجوعه إذا رجع؛ لأنَّ له أن لا يقيم حدَّ الزِّنا على نفسه، فكذلك له أن يرجع عنه بعد إقراره.
وكذلك حدّ السَّرَق، يقبل رجوعه؛ لأنَّهُ حَدٌّ لله ﷿، وله أن لا يعترف به.
فأمَّا غُرم ما قد سرقه إذا كان لرجلٍ بعينه، فعليه ذلك؛ لأنَّهُ حقُّ آدميٍّ، فلا يجوز له أن يرجع فيما أقرَّ به له؛ لأنَّ ذلك إقرارٌ بمالٍ لا يجوز له الرّجوع فيه إذا أقرَّ به.
وكذلك إذا أقرَّ بشرب الخمر، ثمَّ نزع عنه، قُبِل رجوعه، كما يقبل ذلك في حدّ الزِّنا؛ لأنَّهُ حقٌّ لله ﷿ لا لآدميٍّ.
وهذا على ما ذكرناه من اختلاف قول مالكٍ في الزِّنا إذا رجع عنه، فكذلك السَّرَقُ وشرب الخمر مثله، أَنَّهُ على اختلاف قوله، كالزِّنا سواءٌ.
•••
[٢٤٠٢] مسألة: قال مالكٌ: ومن عَمِلَ عَمَلَ قوم لوطٍ، رُجِم الفاعل والمفعول به، أحصنا أو لم يحصنا (^١).
• قال أبو بكرٍ: إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ من عَمِلَ عَمَلَ قوم لوطٍ، فهو أعظم جرمًا وأشدُّ تمرُّدًَا من الزَّاني؛ لأنَّهُ قد وطئ في موضعٍ لا يجوز أن يستبيحه
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٢٥)، الموطأ [٥/ ١٢٠٤]، المدوَّنة [٤/ ٤٨٥].
[ ٣ / ٥٢١ ]
مستبيحٌ بعقدٍ، والمزني بها فيجوز أن يُستباح وطؤها بعقد النِّكاح، فلم يجز ردُّ اللُّوطيِّ على الزَّاني في حدِّه واعتبار الحصانة فيه؛ لغِلَظ أمر اللوطي وشدَّة تمرُّده.
ولأنَّ الحصانة لا يصح وقوعها في المفعول به في الموضع الَّذِي فُعِل به، وإنّما يصحُّ ذلك في المزني بها.
وقد روى ابن وهبٍ، قال: أخبرني القاسم بن عبد الله بن عمر (^١)، عن سهيلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «اقْتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ بِهِ» (^٢).
وروى يحيى بن معين، قال: حدَّثنا الدراودي (^٣)، عن عمرو بن أبي عمرو (^٤)، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «اقْتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ بِهِ» (^٥).
وروى يزيد بن هارون، قال: أخبرنا عبَّاد بن منصور (^٦)، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «اقْتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ بِهِ» (^٧).
_________________
(١) القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني، متروك، رماه أحمد بالكذب، من الثامنة. تقريب التهذيب، ص (٧٩٢).
(٢) أخرجه ابن حزم في المحلى [١٢/ ٣٩٣]، بنحو الإسناد الذي ذكره الشارح.
(٣) قوله: «الدراودي»، كذا في جه، وهو تصحيف، صوابه: «الدراوردي»، نسبة إلى قرية من قرى فارس، يقال لها: دراورد، ينظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم [٥/ ١٩٥].
(٤) عمرو بن أبي عمرو، ميسرة مولى المطلب المدني، ثقة ربما وَهِمَ، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٧٤٢).
(٥) أخرجه أبو داود [٥/ ١١٢]، وهو في التحفة [٥/ ١٥٧].
(٦) عباد بن منصور الناجي البصري، صدوق رُمِيَ بالقدر، وكان يدلِّس، وتغيَّر بآخره، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٤٨٢).
(٧) أخرجه ابن جرير في تهذيب الآثار - مسند ابن عباس [١/ ٥٥١]، بهذا الإسناد، وهو في سنن أبي داود [٥/ ١١٢]، والترمذي [٣/ ١٢٣]، وابن ماجه [٣/ ٥٩٤]، والنسائي في الكبرى [٦/ ٤٨٦]، وهو في التحفة [٥/ ١٥٧].
[ ٣ / ٥٢٢ ]
وهذا قول أبي بكرٍ الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان ابن عفان، وعليِّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عباسٍ، وعبد الله بن الزبير، وخالد بن الوليد، وجماعةٍ من الصّحابة، استشارهم أبو بكر في ذلك، فقالوا: عليه الحدُّ (^١).
•••
[٢٤٠٣] مسألة: قال مالكٌ: ولا أرى نفي المخنَّثين (^٢) إلَّا حَسَنًَا (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُم قد فعلوا ما قد نُهوا عنه من التَّخنيث، فوجب
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى [١٧/ ٢١٨].
(٢) قوله: «المخنثين»، هو جمع مخنث، وهو الذي يُشبه بالنساء في أخلاقه وكلامه وحركاته، وقد يكون هذا خِلقةً، وقد يكون تصنعًا، وإن لم تُعرف فيه الفاحشة، ينظر: المنتقى للباجي [٦/ ١٨٣]، طرح التثريب [٨/ ١١٤].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٢٥)، النوادر والزيادات [١٤/ ٢٣٧]، الجامع لابن يونس [٢٢/ ٢٥٤].
[ ٣ / ٥٢٣ ]
زجرهم عن ذلك بالضَّرب أو النَّفي، وقد نفى النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ مخنَّثًَا من المدينة (^١).
•••
[٢٤٠٤] مسألة: قال مالكٌ: وقال ربيعة بن أبي عبد الرّحمن: إذا زنت الأَمَةُ ولها زوجٌ، لم يُقِم سيِّدها عليها الحدّ إلَّا بالسُّلطان.
وقد قال مالكٌ: إذا كان زوجها حرًّا أو عبدًا لغيره، فَأَمَّا عبدٌ له، فيقيم عليها الحدّ (^٢).
• قال أبو بكرٍ: إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد تعلَّق للزَّوج حقُّ الفراش في زوجته وما يحدث من ولدٍ فيه، فليس لسيِّد الأمة أن يُفسده، ولا أن يُدْخِلَ عليه ضررًا بقوله: «إنَّ امرأته زنت».
_________________
(١) أخرجه مسلم [٧/ ١١]، من حديث معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: «كان يدخل على أزواج النَّبيِّ ﷺ مخنث، فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، قال: فدخل النَّبيُّ ﷺ يومًا وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة، قال: إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمانٍ، فقال النَّبيُّ ﷺ: ألا أرى هذا يعرف ما هاهنا، لا يدخلنَّ عليكنَّ، قالت: فحجبوه»، وفي رواية لأبي داود [٤/ ٤٢٥]، من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: «فكان بالبيداء، يدخل كل جمعة يستطعم»، وهو في التحفة [١٢/ ١١٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٢٥)، وقد نقل ابن يونس في الجامع [٢٢/ ٣٨٢]، هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر: البيان والتحصيل [١٦/ ٣١٦].
[ ٣ / ٥٢٤ ]
وهذا إذا كان زوجها أجنبيًا، فأمَّا إذا كان عبده جاز له ذلك؛ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ ليس عبده بخصمٍ كما أنَّ عبد غيره خصمه، وكذلك الحرُّ إذا كان زوجها.
•••
[٢٤٠٥] مَسْأَلَةٌ: قال مالكٌ: وإذا رأى الرّجل أمته تزني، فلا يقيم عليها الحدّ حَتَّى يُشْهِدَ عليها أربعةً سِوَاهُ.
وقد قال مالكٌ: إذا استيقن ذلك حدَّهَا (^١).
• وجه قوله: «إنَّه لا يقيم عليها الحدَّ بعلمه»؛ فلأنَّ الحاكم لَمَّا لم يجب (^٢) له أن يحكم بعلمه في رعيَّته، فكذلك لا يجوز ذلك للسيِّد في أمته.
ووجه قوله: «إنَّه يحدُّها»؛ فلأنَّه لا يُتَّهم في ضرب أمته وجلدها؛ لأنَّ في ذلك إضرارًا بماله وإدخال النَّقص عليه، فصار مخالفًا للحاكم؛ لأنَّ الحاكم لا يَدْخُلُ عليه في ذلك ضررٌ في ماله ولا بدنه، فيُتَّهم فيه.
•••
[٢٤٠٦] مسألةٌ: قال مالكٌ: وإذا ضرب الرَّجُلُ أَمَتَهُ أو عبده حدَّ الزِّنا، فليَحْضُرْ ذلك طائفةٌ من المؤمنين (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لجواز أن يُعْتَقَ فيُقْذَفَ، فيشهد الأربعة أَنَّهُ محدودٌ في
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٢٥)، المدوَّنة [٤/ ٥٢٠]، الجامع لابن يونس [٢٢/ ٣٨٢].
(٢) قوله: «يجب»، كذا رسمها في جه، ولعلها: «يجز».
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٢٥)، التفريع [٢/ ٢٢٤]، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٠٨]، الجامع لابن يونس [٢٢/ ٣٨٠].
[ ٣ / ٥٢٥ ]
الزِّنا، فيزول الحدُّ عن القاذف له، وكذلك الحرُّ إذا حدَّه الإمام، أحضر الأربعة لهذا المعنى، وقد قال الله ﷿: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]، يعني: يشهد حدَّهما.
•••
[٢٤٠٧] مسألة: قال مالكٌ: وإذا زنت الأمَةُ، فلم يجلدها سيِّدها حَتَّى حملت الثَّانية، أو إمامٌ قد أُتِيَ برجلٍ قد أصاب فاحشةً فأخَّرَهُ في السِّجن حَتَّى أصاب أخرى، فليس عليهما إلَّا حدّ واحد.
وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن مثله (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحدَّ في الزِّنا إذا تكرَّر فعل الزِّنا فيه، فهو حدٌّ واحدٌ.
ألا ترى: أَنَّهُ لو أولج مرَّةً بعد مرَّةٍ، لكان عليه حدٌّ واحدٌ، وكذلك إذا شرب الخمر مرارًا أو سرق مرارًا، فعليه حدٌّ واحدٌ، وكذلك لو أحدث بوجوه الحدث، لكان عليه طهرٌ واحدٌ، ولا خلاف في هذا بين فقهاء الأمصار الَّذِينَ يُعتمد عليهم.
•••
[٢٤٠٨] مسألة: قال مالك: ويَحُدُّ الرّجُلُ أَمَتَهُ وعَبْدَهُ في الشَّراب والزِّنا دون السُّلطان، وإذا كانت أمته نصرانية، لم يجلدها في زنًا ولا شرب خمرٍ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يُتَّهم في حدِّهِ إياه؛ لأنَّ في ذلك ضررًا به، والحاكم في رعيته بخلاف ذلك؛ لأنَّه لا ضرر عليه في ضرب غيره.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٢٦)، الكافي لابن عبد البر [٢/ ١٠٧٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٢٦)، المدوَّنة [٤/ ٥١٩].
[ ٣ / ٥٢٦ ]
وقد روى مالكٌ وابن عيينة، عن الزّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد بن خالدٍ، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا، ثمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا» (^١)، وقد ذُكِر في غير هذا الموضع الحديث: «فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ» (^٢).
فأمَّا إذا كانت أمته نصرانيةً، لم يجلدها في زنًا؛ لأنَّهُ لا حدّ على نصرانيةٍ إذا زنت - أعني: حدَّ المسلمين-، وكذلك لا حدَّ عليها في شرب الخمر، وقد ذكرنا هذا (^٣).
•••
[٢٤٠٩] مسألة: قال مالكٌ: وإذا كان عبدان لرجلٍ، جَرَحَ أحدهما صاحبه، لم يُقِدْهُ منه إلَّا بالسُّلطان (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد يؤدِّي ذلك إلى المثلة به، ولهذا قال مالك: «لا يقطعه في السّرقة دون السّلطان»، وحدُّ الزِّنا فلا مُثْلَةَ فيه، فجاز إقامته عليه.
•••
_________________
(١) حديث مالك في الموطأ [٥/ ١٢٠٧]، وحديث ابن عيينة في البخاري (٢٥٥٥)، والحديث في التحفة [٣/ ٢٣٧].
(٢) متفق عليه: البخاري (٢٢٣٤)، مسلم [٥/ ١٢٣]، والحديث في التحفة [١٠/ ٣٠٤].
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٣٩٥.
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٢٦)، المدوَّنة [٤/ ٦٠٦]، الجامع لابن يونس [٢٢/ ٣٨٣].
[ ٣ / ٥٢٧ ]
[٢٤١٠] مسألة: قال مالكٌ: ومن وجد عبده سكرانَ، فلا يضربه بِعَصًا أربعين، ولكن يضربه بالسَّوط (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يُضرب العبد ولا الحرُّ بغير السَّوط الَّذِي قد لانَ، كما ضرب النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ (^٢).
ولأنَّ العصا قد تَكْسِرُ شيئًا من بدنه، فلا يجوز الضَّرب بها.
•••
[٢٤١١] مسألة: قال مالكٌ: ومن ابتاع أمَةً حُبْلَى، وعلم أنَّ سيدها لم يكن حدَّها، فأراه في سعةٍ أن لا يقيم عليها الحدّ (^٣).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الحدَّ لم يلزمها في ملكه فَتَرَكَهَا.
وهو مخالفٌ أيضًا للإمام؛ من قِبَل أنَّه في حدِّه لها إدخال ضررٍ عليه في ملكه، فله ترك ذلك، وليس كذلك الحاكم في رعيَّتِه، فعليه إقامة الحدِّ عليهم؛ لأنَّهُ لا يدخل عليه الضَّرر في إقامته الحدود عليهم في ماله ولا بدنه.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٢٦)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٠٩]، الكافي لابن عبد البر [٢/ ١٠٧٩].
(٢) أخرجه مالك [٥/ ١٢٠٥]، عن زيد بن أسلم: «أنَّ رجلًا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله ﷺ، فدعا له رسول الله ﷺ بسوط، فأتي بسوط مكسور، فقال: فوق هذا، فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته، فقال: دون هذا، فأتي بسوط قد ركب به ولان، فأمر به رسول الله ﷺ فجلد».
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٢٦)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٠٩].
[ ٣ / ٥٢٨ ]
[٢٤١٢] مسألة: قال مالك: ولا يَقْطَعُ سَيِّدُ العبدِ العَبْدَ إذا سرق إلَّا بالسُّلطان، ولا يقطعه السُّلطانُ بقوله إلَّا بشاهدين (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ يُمَثِّل بعبده، فيدَّعِي أَنَّهُ سرق حَتَّى يزيل عنه العتق الَّذِي يلزمه للمُثلة به، فلم يجز له قطعه بغير السّلطان.
وكذلك لا يخرجه للقود إلَّا بالسّلطان.
وحدُّ الزِّنا فيجوز أن يقيم عليه بغير سلطانٍ؛ لأنَّهُ ليس بمُثلةٍ كالقطع وغيره.
وقوله: «لا يقطعه السُّلطان بقوله إلَّا بشاهدين»، يعني: بقول سيِّده؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يحكم الحاكم بعين شهادته، ويحتاج في قطع السَّرقة إلى شاهدين عدلين، أو إقرار السَّارق بالسَّرقة.
•••
[٢٤١٣] مسألة: قال مالكٌ: والطَّائفة من المؤمنين أربعةٌ فصاعدًا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحاجة في حضورهم؛ لزوال حدّ القذف عمَّن يقذفه، ولا يجوز ذلك إلَّا بشهادة أربعةٍ يشهدون: أَنَّهُ قد حُدَّ في الزِّنا، فاحتيج أن يكونوا أربعةً فصاعدًا.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٢٦).
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٢٦)، التفريع [٢/ ٢٢٤]، الجامع لابن يونس [٢٢/ ٣٨٩]، المنتقى للباجي [٧/ ١٤٦].
[ ٣ / ٥٢٩ ]
[٢٤١٤] مسألة: قال مالكٌ: ويُنفى البكر إذا زنا عامًا إلى بلدٍ غير بلده، ويُحبس؛ لِأَنْ لا يرجع إلى بلده.
ولا نفي على النِّساء ولا على العبيد (^١).
• يعني: يُنْفَى البكر عامًا مع الحدِّ؛ لأنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ».
رواه مالكٌ، وابن عيينة، وجماعةٌ، عن الزّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد بن خالدٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال ذلك الحديث (^٢).
وكذلك قال فيما رواه سعيدٌ، عن قتادة، عن الحسن، عن حطَّان بن عبد الله الرَّقَاشِيِّ (^٣)، عن عبادة بن الصامت، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «البِكْرُ بِالبِكْرِ، جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» (^٤)، يعني: على الرّجل تغريب عامٍ.
فأمَّا النِّساء فلا نفي عليهنَّ؛ لأنَّ النصَّ لم يرد فيهنَّ في حديثٍ صحيحٍ.
ولأنهنَّ عورةٌ وليس هنَّ كالرِّجال.
ولأنَّها أيضًا تعَرَّض للهتكة والفضيحة.
وقد روى مالكٌ، عن سعيد المقبريِّ، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ صَلَّى الله
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٢٦)، المدوَّنة [٤/ ٥٠٤]، التفريع [٢/ ٢٢٢].
(٢) حديث مالك في الموطأ [٥/ ١١٩٩]، وحديث سفيان في البخاري (٦٨٢٧)، والحديث في التحفة [٣/ ٢٣٤].
(٣) حطان بن عبد الله الرقاشي البصري، ثقة، من الثانية. تقريب التهذيب، ص (٢٥٦).
(٤) أخرجه مسلم [٥/ ١١٥]، وهو في التحفة [٤/ ٢٤٥].
[ ٣ / ٥٣٠ ]
عَلَيْهِ أَنَّهُ قال: «لَا تُسَافِرِ امَرْأَةٌ يَوْمًا وَلَيْلَةً إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» (^١)، فلم يجز لها أن تخرج إلى سفرٍ لهذه العلَّة، إلَّا سفر مفترضٌ عليها.
فأمَّا العبيد والإماء، فلا وطن لهنَّ فيعاقبون بإخراجهم عنه، فلا معنى لنفيهم.
ولأنَّ في ذلك قطعًا للسيِّد عن خدمتهم، وقد قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا» (^٢)، ولم يقل: «ينفها»، ولو كان عليها نفيًا، لبيَّنَهُ صَلَّى الله عَلَيْهِ.
•••
_________________
(١) أخرجه مالك [٥/ ١٤٢٥]، وهو متفق عليه: البخاري (١٠٨٨)، ومسلم [٤/ ١٠٣]، وهو في التحفة [١٠/ ٣٠٩].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٤٠٨.
[ ٣ / ٥٣١ ]