[٢٥٣٩] قال مالك: ومَن سرق مِنْ: حُرٍّ أو عبدٍ، ذكرٍ أو أنثى، مِمَّنْ قد بلغ المحيض من النِّساء والحُلُمَ من الرِّجال، فبلغت سَرِقَتُهُ ربع دينارٍ، فعليه القطع (^١).
إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لعموم قول الله جلَّ وعزَّ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨]، ثمَّ بيَّن النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ المقدار الَّذِي يُقْطَع فيه.
واتَّفق جملة أهل العلم على شرطِ السَّرقةِ: أن يكون المسروقُ في الحِرْزِ.
فإذا اجتمع ذلك، قُطِع السَّارق إذا كان بالغًا عاقلًا مميِّزًا، سواءٌ كان حرًّا أو عبدًا، ذكرًا أو أنثى، مسلمًا أو كافرًا، لا خلاف بين جملة أهل العلم في هذا - أعني: قطع السَّارق إذا كان بهذا الوصف -.
واختلفوا في مقدار المسروق، فقال مالك ﵀: يُقطع إذا سرق ربع دينارٍ أو ثلاثة دراهم، أو ما قيمته ربع دينارٍ أو ثلاثة دراهم.
والدَّليل على صِحّة ما قاله مالكٌ، ما رواه مالكٌ، وعُبَيْدُ الله، وأيوب، عن نافعٍ، عن عبد الله بن عمر: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ (^٢) ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٤)، مختصر أبي مصعب، ص (٤٤١)، التفريع [٢/ ٢٢٧].
(٢) قوله: «فِي مِجَنٍّ»، هو الترس، ينظر: النهاية في غريب الحديث [١/ ٣٠٨].
(٣) رواية مالك في الموطأ [٥/ ١٢١٥]، ورواية عبيد الله في البخاري (٦٧٩٧)، ورواية أيوب في مسلم [٥/ ١١٣]، والحديث في التحفة [٦/ ٥٥].
[ ٤ / ٥ ]
وروى ابن وهبٍ، عن يونس، عن ابن شهابٍ، عن عُروة، وعمرةَ، عن عائشة، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «السَّارِقُ يُقْطَعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ» (^١).
وروى ابن أبي حازم، عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عمرةَ، عن عائشة: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهَ عَلَيْهِ قَطَعَ سَارِقًَا فِي رُبُعِ دِينَارٍ» (^٢).
وروى عبد الوهاب (^٣)، قال: أخبرنا سعيدٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عمرة، عن عائشة، عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ مثله (^٤).
فإن قيل: قد رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قطع في مِجَنٍّ قيمته عشرة دراهم (^٥) (^٦)؟
قيل له: نحن نقول بالخبرين جميعًا، يُقْطع في عشرة دراهم وفي ثلاثة دراهم، وفي ربع دينارٍ أيضًا؛ لحديث عائشة، نستعمل الأحاديث كلَّها ولا نترك بعضها.
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٦٧٩٠)، مسلم [٥/ ١١٢]، وهو في التحفة [١٢/ ٤١٧].
(٢) أخرجه النسائي في السنن الكبرى [٧/ ٢٥] بهذا الإسناد، وهو في مسلم [٥/ ١١٢]، وفي التحفة [١٢/ ٤٢٩].
(٣) عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت الثقفي، أبو محمد البصري، ثقة، تغير قبل موته بثلاث سنين، من الثامنة. تقريب التهذيب، ص (٦٣٣).
(٤) أخرجه النسائي في السنن الكبرى [٧/ ٢٤].
(٥) أخرجه أبو داود [٥/ ٧٧]، وهو في التحفة [٥/ ٧٩].
(٦) ينظر الاعتراض في: شرح مختصر الطحاوي للجصاص [٦/ ٢٥١].
[ ٤ / ٦ ]
وهذا قولُ الصحابةِ والتابعين (^١).
•••
[٢٥٤٠] مسألة: قال مالكٌ: وإنّما يُنْظَرُ إلى قيمةِ السَّرقةِ حين تُسْرَق.
وإن استأخر قَطْعُهُ - إمَّا بسجنٍ أو هَرَبٍ - حَتَّى أُخِذَ، فرخصت تلك السِّلعةُ أو غلت، فلا يُنْظرُ إلى ذلك، وإنّما يُنْظرُ إلى قيمتِها يومَ سَرَقَهَا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القطعَ إِنَّمَا وجبَ من أجلِ الفعلِ الَّذِي هو السَّرَق، فوجب أن تراعى قيمة المسروقِ يوم فِعْلِ السَّارقِ، لا ما بَعْدَ ذلك، كما وجب أن يراعى حال الزَّاني عند الزِّنا، لا ما بَعْدَ ذلك، فلو أنَّ عبدًا زنا، ثمَّ عَتَقَ، لكان عليهِ حدُّ العبد؛ لأنَّهُ عبدٌ وقتَ الفعلِ المنهيِّ عنه، وكذلك السَّرقةُ مثله.
•••
[٢٥٤١] مسألة: قال مالكٌ: وإذا دخل القومُ جميعًا منزلًا فسرقوا منه:
• فإن كان مثل: مِكْتَلٍ (^٣)، أو الخشبةٍ يحملونها جميعًا، أو الشَّيء يحمِلُهُ بعضُهم على بعضٍ، قُطِعوا جميعًا، وإن لم تكن تبلغ سرقتهم جميعًا كلّها إلَّا ربع دينارٍ.
_________________
(١) ينظر: سنن الترمذي [٣/ ١١٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٤٤)، الموطأ [٤/ ١١١٦]، المدوَّنة [٤/ ٥٣٩].
(٣) قوله: «مكتل»، هو ما يعمل من الخوص يحمل فيه التمر وغيره، ينظر: المصباح المنير، ص (٥٢٥).
[ ٤ / ٧ ]
• وإن كان إِنَّمَا دَخلَ كُلُّ واحدٍ فأخذ شيئًا بيدِهِ وخرج به، فمن بلغ قيمة ما معه ربع دينارٍ قُطِعَ، ومن لم يبلغ ربع دينارٍ لم يُقْطَعْ (^١).
• إنَّما قال: «إنَّ عليهم القطع إذا سرقوا جميعًا ما قيمته ربع دينارٍ»؛ لِأَنَّهُم قد اشتركوا في فعل السّرق الَّذِي هو تناول المسروق، وليس يتميَّز فعل كلّ واحدٍ من فعل الآخر، فوجب قطعهم لهذه العلّة، كما يجب قتل الجماعة إذا قتلوا رجلًا فاشتركوا في قتله؛ لأنَّ فعلَ كلَّ واحدٍ منهم غيرُ متميِّزٍ، فوجب قتلهم كلّهم؛ إذ ليس أحدهم أولى بالقتل من الآخر، ولو لم يُقْتَلُوا، لأَدَّى ذلك إلى الهَرج والفساد.
وكذلك لو لم تُقْطَعِ الجماعة إذا اشتركوا في سرقة ربع دينارٍ، أدَّى ذلك إلى سَرَقِ أموال النَّاسِ، فوجب ردُّ السَّرِقِ الَّذِي هو جنايةٌ إلى القتل الَّذِي هو جنايةٌ.
فأمَّا إذا أَخَذَ كلّ واحدٍ منهم ما لا قطع فيه، فلا قطع عليه، بمنزلة ما لو انفرد بقتل من لا يجب القَوَدُ بينهم؛ لأنَّ حكم كلّ واحدٍ من السَّارقين منفردٌ بنفسه، كما لو انفرد كلّ واحدٍ من القتلة بقتل رجلٍ، كان حكمه معتبرًا في نفسه دون غيره (^٢).
•••
[٢٥٤٢] مسألة: قال مالكٌ: ومن سَرَقَ فاخْتُلِفَ في قيمة سرقته، فإذا اجتمع عدلان على قيمة السَّرقة أنَّهَا ربع دينارٍ، قُطِعَ (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٤)، الموطأ [٥/ ١٢٢٤]، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٢٦٤].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ٢٤٨]، شرح المسألة عن الأبهري.
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٤٤)، المدوَّنة [٤/ ٥٤٥]، مختصر أبي مصعب، ص (٤٤٤).
[ ٤ / ٨ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد ثبت أَنَّهُ قد سرق ما يُقطع فيه بشهادة عدلين على أنَّ قيمتها ربع دينارٍ، فوجب قطعه لهذه العلَّة.
•••
[٢٥٤٣] مسألة: قال مالك: ويُقْطَعُ في ثلاثة دراهم، رَخُصت الدَّراهم أو غَلَتْ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الدّراهم أصلٌ في نفسها، كما أنَّ الدَّنانير أصلٌ في نفسها، فمن سرق من كلّ واحدٍ منهما بمقدار ما يجب فيه القطع، فعليه القطع، إذ ليس أحدهما أولى بأن يكون أصلًا في نفسه من الآخر.
ولو جاز لِقائلٍ أن يقول: تُقَوَّم الدّراهم بالذَّهب، لجاز لآخر أن يقول: بل يُقَوَّم الذَّهب بالفضَّة، وإذا كان هذا غير جائزٍ، فكذلك لا يجوز أن يقال: «إنَّ الدّراهم تُقَوَّم بالذَّهب».
ولو كان كذلك، لم يكن لحديث ابن عمر معنىً، وهو قوله: «قَطَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» (^٢)؛ لأنَّ الدّراهم بمنزلة العَرَض عند مخالفِنا (^٣) في القطع، فكأنَّه قال: «قُوَّم المِجَنُّ بِعَرَضٍ»، أو: «بمجنٍّ آخر قيمته ذلكَ العَرَض كذا وكذا»، وهذا غير جائزٍ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٤)، الموطأ [٥/ ١٢١٨]، المدوَّنة [٤/ ٥٢٦].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٥٣٩.
(٣) المخالف هنا هم الشافعية: ينظر: الأم للشافعي [٧/ ٣٧٤]، الحاوي للماوردي [١٧/ ١٢٢].
[ ٤ / ٩ ]
ولَمَّا كانت الدّراهم أصلًا في نفسها كالدَّنانير في الزَّكاة وفي الرِّبا، وليس أحدهما أولى من الآخر، فكذلك وجب أن يكون كذلك هما في القطع.
ولَمَّا كانت الدّراهم ثمنًا للأشياء وقِيَمًا للمتلفات كالدَّنانير، وجب أن يكون كذلك في القطع، فمن سرق من الدَّنانير أو الدّراهم إذا كان مقدار ما يقطع فيه، وهو ثلاثة دراهم أو ربع دينارٍ، فعليه القطع.
فأمَّا العُرُوض فإنَّهَا تُقَوَّم بأحدهما، فإذا بلغت قيمتها ربع دينارٍ أو ثلاثة دراهم، قُطِع سارقها.
ومالكٌ فيستَحِبُّ أن تُقَوَّم العروض بالدَّراهم؛ لأنَّ القيمة بها أضبط وأحصر إذا كان بلدًا يُتعامل فيه بالدّراهم والدّنانير.
فأمَّا إذا كان بلدًا يُتعامل فيه بالدّنانير قُوِّمَتْ بالذَّهَبِ.
•••
[٢٥٤٤] مسألة: قال مالكٌ: ومن سرق مرارًا قبل يقام عليه الحدُّ، ثمَّ أقيم عليه، فليس عليه إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ، وإن سرق بعدما قُطِعَ، قُطِعَ أيضًا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحدَّ إِنَّمَا هو عقوبةٌ على السَّارق بفعل ما فعله من السّرق، فوجب أن يكون عليه لكل ما تقدم من فعله عقوبةٌ واحدةٌ، وكذلك إذا
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٤)، الموطأ [٥/ ١٢٢٢].
[ ٤ / ١٠ ]
زنا مرارًا أو شرب مرارًا، فعليه حَدٌّ واحدٌ، وكذلك إذا وطِئ في نكاحٍ فاسدٍ مرارًا، فعليه مهرٌ واحدٌ، وهذا قول جماعة فقهاء أهل الأمصار الَّذِينَ يُعتَمدُ عليهم.
•••
[٢٥٤٥] مسألة: قال مالكٌ: ومن أقرَّ لرجلٍ سَمَّاهُ بسرقةٍ، ثمَّ رجع، فَيُدرأ عنه القطع، ويُؤخذ منه قيمةُ السَّرقة إذا كان له مالٌ، ويُتْبَعُ به ديْنًا عليه إن لم يكن له مالٌ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحدَّ في السَّرقة هو حقٌّ لله ﷿، كالحدِّ في الزِّنا، فيُقبل رجوعه في حدِّ الزِّنا والسّرق على إحدى الروايتين عن مالكٍ، وقد بيَّنَّاه قبل هذا (^٢).
فأمَّا ما كان من المال الَّذِي أقرَّ به، فلا يَسقط عنه؛ لأنَّهُ حقُّ آدميٍّ، كما يُقرُّ لَه بدينٍ، ثمَّ يرجعُ عنهُ، فلا يقبل ذلك منه.
•••
[٢٥٤٦] مسألة: قال مالكٌ: ومن امتُحِن في سَرِقَةٍ فأخرجها، فَإِنَّهُ يُقْطَع، إلاَّ أن يقول: «دفعها إِلَيَّ فلانٌ، وإنّما أقْرَرْتُ لِما أصابني من العذاب».
وإن لم يخرجها ولم يُسَمِّ البيت الَّذِي قد سُرِقَتْ منه، فلا قطع عليه (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أقرَّ وثَبَتَ على إِقراره الَّذِي هو عن المِحْنَةِ،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٥)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٢٨].
(٢) ينظر: المسألة [٢٤٠١].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٤٥).
[ ٤ / ١١ ]
وجب قطعه؛ لأنَّ له أن يدفعه عن نفسه بأن يقول: «أقررت بكذا»، فإذا لم يقل، فقد ثَبَّتَ على نفسه الحدّ.
وفي المسألة نظرٌ، والصَّحيح أن لا يُقطع من أقرّ في مِحْنَةٍ، ولا يُحَدُّ من أقرَّ بشيءٍ يجب عليه الحدُّ إذا أقرّ عن محنةٍ - أعني: الضَّرب والعذاب - حَتَّى يُقِرَّ طَوْعًا، أو تَقُومَ عليه بَيِّنَةٌ عادلةٌ.
•••
[٢٥٤٧] مسألة: قال مالكٌ: ومَنِ اتُّهِم بسرقةٍ، فسُئِل: «أَسَرَقْتَ؟»، قال: «نعم، وقد ذهبَ، وليس معِي منه إلَّا هذه الدَّراهمُ»، فلا قَطْعَ عليهِ؛ لأنَّهُ لم يُعَيِّن ولم تُعْرَفِ الدّراهم بأعيانها، فأرى أن يعاقب (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا يحتمل أن تكون الدّراهم الَّتِي أخرجها دون ثلاثةِ دراهم، فلا قَطْعَ عليه؛ لأنَّهُ لا يُدرى هل سرق ما وجب عليه القطع أم لا، وما مقدار الدّراهم الَّتِي ذَهبت.
فأمَّا إذا كانت الدّراهم الَّتِي ذكرها ثلاثة دراهم فأكثر، فيجب أن يُقطع؛ لإقراره بالسَّرقة مع المقدار، والحِرْزِ، ولا أعرف للمسألة معنىً غير هذا.
•••
[٢٥٤٨] مسألة: قال مالكٌ: ومن أتى تائبًا وأقرَّ على نفسه بالسَّرقة، فَيُحَدُّ، هو بمنزلة من جاء تائبًا فأقرَّ على نفسه بالزِّنا (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٥)، البيان والتحصيل [١٦/ ٢١٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٤٥)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٤٧].
[ ٤ / ١٢ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ التَّوبة لا تُسْقِطُ الحَدَّ في السَّرق، كما لا يَسْقُطُ الحَدُّ في الزِّنا والقذف، وقد رجم النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ ماعزًا وقد جاء تائبًا (^١).
•••
[٢٥٤٩] مسألة: قال مالكٌ: ومن سرق متاعًا:
• فإن وجَده رَبُّهُ بعينه، أخذه.
• وإن استهلكه وله مالٌ، أُخِذَ منه قيمتُه، وأُقيم عليه الحدُّ.
• وإن لم يكن له مالٌ، لم يُتْبَع به دينًا عليه.
• وإن باعه السَّارق فوجده ربُّهُ بيد مشتريه، أخذه، ويَتْبَعُ المشتري السارقَ (^٢).
• إنَّما قال: «إنَّ رَبَّ المسروق يأخذ متاعه إذا وجده بعينه»؛ فلأنَّه على ملكه؛ لأنَّهُ لم يخرج بالسَّرقة عن ملكه.
فأمَّا إذا استهلكه، فعلى مستهلكه قيمته - وهو السَّارق له - إن كان موسرًا، بدلًا مِمَّا أتلفه من ماله.
فأمَّا إذا كان معسرًا، لم يُتْبَع بقيمته دينًا؛ لأنَّ الإتباع بالدَّيْنِ عقوبةٌ؛ وإنّما يكون ذلك بجنايةٍ تقع أو عوضٍ من مال يأخذه المَدِين، وليس يجب أن تُجمع عقوبتين على السَّارق إذا كان معسرًا، أحدها القطع والآخر الدَّين.
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٥٢٧١)، مسلم [٥/ ١١٦]، وهو في التحفة [٢/ ٤١٠].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٤٥).
[ ٤ / ١٣ ]
فإن قيل: هل رأيتم حقًّا يجب في مال الإنسان إذا كان موسرًا، ولا يتعلَّق بذمَّته إذا كان معسرًا (^١)؟
قيل: نعم، حقوقٌ كثيرةٌ، منها نفقة الأبوين، تجب على الإنسان في ماله، ولا تتعلَّق بذمَّته، ومنها نفقة الولد، ومنها المُعْتِقُ لشِقْصٍ له في عبدٍ بينه وبين آخر، إن كان موسرًا فعليه قيمته، وإن كان معسرًا لم يُتْبِعْ في ذمَّته دينًا.
فإن قيل: أليس الرّجل لو غَصَبَ حرَّةً فوطئها، لكان عليه الحدُّ والمهر، وكذلك يجب أن يكون على السَّارق القطع والغُرْم، يُتْبَع في ذمَّته دينًا (^٢)؟
قيل له: القطع في السَّرق إِنَّمَا وجب على السَّارق من أخذه المال على وجه السَّرق، ومُنِعَ من أخذه كذلك من أجل حقّ الآدَمِيِّ.
ألا ترى: أنَّ الآدَمِيَّ لو أباحه أخْذَهُ، كان له أن يأخذه.
وليس مَنْعُ الزِّنا من أجل حقّ المَزْنِيِّ بها.
ألا ترى: أنَّهَا لو أباحت نفسها لكان عليه الحدّ واجبًا وعليها، ولَمَا جاز له استباحتها.
وقد روى عبد الله بن أحمد بن حنبل (^٣)، قال: حدَّثنا عمران بن بَكَّارٍ الحِمْصِيُّ (^٤)، قال: حدَّثنا العباس بن طالبٍ (^٥)، قال: حدَّثنا المُفَضَّلُ بنُ فَضَالَةَ
_________________
(١) لم أقف على من قال بهذا الاعتراض.
(٢) ينظر الاعتراض في: الحاوي للماوردي [١٧/ ٢٢٢].
(٣) عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، ثقة، من الثانية عشرة. تقريب التهذيب، ص (٤٩٠).
(٤) عمران بن بكار بن راشد الكلاعي البراد المؤذن، ثقة، من الحادية عشرة. تقريب التهذيب، ص (٧٤٩).
(٥) عباس بن طالب الأزدي البصري نزيل مصر، وهَّى أبو حاتم الرازي أمره قليلًا، وقال أبو زرعة: ليس بذاك. الجرح والتعديل [٦/ ٢١٦].
[ ٤ / ١٤ ]
القِتْبَانِيُّ (^١)، قال: حدَّثنا يونس بن يزيد، عن سعيد بن إبراهيم (^٢)، عن أخيه المِسْوَر (^٣)، عن عبد الرحمن بن عوفٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «إِذَا قُطِعَ السَّارِقُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ» (^٤).
وروى ابن وهبٍ، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهابٍ، قال: «إذا قُطِعَ وهو موسرٌ، أرى أن تؤخذ السّرقة من ماله»، وهو قول يحيى بن سعيدٍ، واللَّيث بن سعدٍ.
وقوله: «وإن باعه السَّارق، أنَّ المسروق منه يأخذها من يد المشتري»؛ فلأنَّ
_________________
(١) المفضل بن فضالة بن عبيد بن ثمامة القتباني المصري، ثقة فاضل عابد، من الثامنة. تقريب التهذيب، ص (٩٦٧).
(٢) قوله: «سعيد بن إبراهيم»، كذا في جه، وصوابه: «سعد بن إبراهيم»، وهو سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ثقة فاضل عابد، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٣٦٧).
(٣) المسور بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، مقبول، من الرابعة، وروايته عن عبد الرحمن جده مرسلة. تقريب التهذيب، ص (٩٤٣).
(٤) أخرجه النسائي في السنن الكبرى [٧/ ٤٤]، والدارقطني في سننه [٤/ ٢٤٠]، وهو في التحفة [٧/ ٢١٣].
[ ٤ / ١٥ ]
السِّلعة على ملك ربِّها المسروق منه، فله أخذ [ها] (^١) من يد المشتري، ويرجع المشتري على السَّارق بالثَّمن فيأخذه منه.
•••
[٢٥٥٠] مسألة: قال مالك: ومن سرق حيوانًا فهلك بعد يومٍ أو يومين، فيَضْمَنُ في ماله إن كان له مالٌ يومئذٍ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا قد ذكرناه: أنَّ تضمين قيمته إذا كان موسرًا ليس هو دينٌ يُتْبَعُ به في ذمَّته، وإنّما الَّذِي لا يجوز إتباعه في ذمَّته متى قُطِعَ.
•••
[٢٥٥١] مسألة: قال مالكٌ: ومن دخل منزلًا يسرق، فأفسد متاعًا قبل يخرج، كان عليه غُرْمُ ما أفسد، وإن كان لا مال له، أُتبِع به دينًا عليه، ولا قَطعَ عليه إلَّا أن يخرج بشيءٍ قيمته بعد الفساد ربع دينارٍ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الضمان قد لزمه بالفساد قبل أن يُخرجَهَ من الحرز، فعليه قيمته موسرًا كان أو معسرًا، ولا قطع عليه؛ لأنَّهُ لم يحصل سارقًا.
فإن كان قيمة ما أخرجه بعد الفساد ربع دينارٍ، فعليه القطع؛ لأنَّهُ قد سرق وأخرج من الحرز ما قيمته ربع دينارٍ، فعليه القطعُ.
•••
_________________
(١) ما بين [..]، مطموس، والسياق يقتضيه.
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٤٥)، المدوَّنة [٤/ ١٨٣].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٤٥)، المدوَّنة [٤/ ٥٣٩]، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٣٤].
[ ٤ / ١٦ ]
[٢٥٥٢] مسألة: قال مالك: ومن سرق تمرًا معلَّقًا، أو حَرِيسَةَ (^١) جبلٍ، أو ما كان على سبيله، أو في رعيٍ، أو ما لا قطع فيه، فَإِنَّهُ يَغْرَمُ قيمته إن كان له مالٌ، وإلا أُتْبِعَ به دينًا عليه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا كلَّه لا قطع فيه؛ لأنَّهُ سَرَقَهُ من غير حرزٍ، وقد قال النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ، فَإِذَا آوَاهُ الجَرِينُ أَوِ المُرَاحُ، فَعَلَيْهِ القَطْعُ» (^٣).
فإذا سرق ما يجب فيه القطع، كان عليه غُرْمُهُ إن كان له مالٌ، وإن لم يكن له مالٌ، أُتبع به دينًا عليه؛ لأنَّ حكم القطع في السَّرقة لم يجب عليه، فثبت عليه حكم الدَّين على ما بيَّنَّاه.
•••
[٢٥٥٣] مسألة: قال مالكٌ: ومن دخل بيتًا فسرق منه وترك بابه مفتوحًا، فهلك منه بعض ما فيه:
• فإن كان مقفلًا لا أحد فيه، فهو ضامنٌ لكل ما عُلم هلاكه بعدَهُ.
• وإن كان فيه أهله، فلا شيء عليه، إلَّا ما أَخَذَ منه (^٤).
_________________
(١) قوله: «حريسة»، هي الماشية المحروسة، ينظر: المنتقى للباجي [٦/ ٦٠].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٤٦)، التفريع [٢/ ٢٢٨].
(٣) أخرجه أبو داود [٢/ ٣٩٦]، وابن ماجه [٣/ ٦٢٢]، والنسائي في الكبرى [٧/ ٣٣]، وهو في التحفة [٦/ ٣٢٩].
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٤٦)، المدوَّنة [٤/ ٤٥٩]، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٢٥].
[ ٤ / ١٧ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد عرَّضه للتَّلف بتركه الباب مفتوحًا ولا حافِظَ له في البيت، فوجب عليه قيمة ما تلف بسببه.
فإن كان فيه أحدٌ، فهو حافظٌ له، فلم يعرّضه هو للتَّلف، فلا غُرْمَ عليه.
•••
[٢٥٥٤] مسألة: قال مالكٌ: ومن سرق دابَّةً فماتت أو نقصت، فهو ضامنٌ لقيمتها، أو ما نقص ذلك الفسادُ عِنْدَهُ (^١).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ السَّارق سبب تلفها أو نقصها، فعليه قيمة ذلك؛ لأنَّهُ متعدٍّ بالسَّرقة، فهو بمنزلة الغاصب إذا تلِف الشَّيء في يده بغير صنعه، فعليه قيمته، وكذلك السَّارق إذا كان موسرًا مثله.
•••
[٢٥٥٥] مسألة: قال مالكٌ: ومن سرق دابَّةً من الرَّبيع، فوجدها صاحبها بعد شهرٍ أو شهرين، فقال: «قد حبَسْتَهَا عن أسواقها، فأنا أُلزِمُكَهَا بقيمتها»، فليس ذلك له.
وكذلك لو لم يجدها إلَّا بعد سنةٍ، فليس له إلَّا دابَّتَه، إلَّا أن تكون ماتت، أو يحمل عليها فنقص ثمنها، فعليه قيمتها.
وإن أراد أخذها وكراء ما استعملها، فليس ذلك له (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٦)، المدوَّنة [٤/ ١٨٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٤٦)، المدوَّنة [٤/ ١٨٢].
[ ٤ / ١٨ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المسروق منه قد وجد عين ماله، فهو أولى به من قيمته، وليس له أن يُلزِمَ السَّارق قيمته، إلَّا أن يكون قد تغيَّر في بدنه دون سَوقِه.
هذا قول مالكٍ في الغصب والسَّرق؛ من قِبَلِ أنَّ القيمة تَلْزَمُهُ بتَغَيُّرِ العين ونقصها، فَأَمَّا إذا لم يتغيَّر في بدنه ولا دَخَلَهُ نقصٌ، فلا قيمة عليه؛ لأنَّ القيمة تكون للشيء المُتْلَفِ.
فأمَّا في المُكْتَرِي إذا تعدَّى، فربُّ الدَّابَّة بالخيار بين الكِراءِ أو القيمة، وإن لم تتغيَّر في بدنها؛ تغليظًا عليه؛ لأنَّ أصل ما أخذه عليه أمانةٌ، ثمَّ تعدَّى فيهَ، فخُيِّر ربُّ الدَّابَّة لهذا المعنى.
وكذلك يقول مالك في المستعير إذا تعدَّى، والمقارِض إذا تعدى: إنَّ ربَّ الشَّيء بالخيار على المتعدِّي؛ لِغِلَظِ أمرهم بجنايتهم بعد الأمانة، وقد بيَّنَّا هذا فيما تقدَّم.
وقوله: «ليس له أخذ الكراء فيما استعملها»؛ فلأنَّه كان ضامنًا لها لو تلفت في يده، فالخَرَاجُ له بِالضَّمَانِ.
•••
[٢٥٥٦] مسألة: قال مالكٌ: ومن سَرَقَ وهو موسرٌ، ثمَّ أقيم عليه وهو معسرٌ، فلا غُرْمَ عليه، وإن سرق معسرٌ، ثمَّ أَيْسَر، فلا غُرْمَ عليه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ يَجِبُ مراعاة يساره من حين يسرق إلى حين يُقْطَع،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٦)، المدوَّنة [٤/ ٥٣٩].
[ ٤ / ١٩ ]
فإذا اتَّصل ذلك، كان عليه قيمة ما أتلفه إذا قُطِع، فَأَمَّا إذا انقطع يساره ما بين هذا الوقت، لم يكن عليه غُرْمٌ.
وكذلك حكم القيمة في أحد الشّريكين يُعتِقُ حصَّته في عبدٍ، في إلزامه القيمة على هذا المعنى.
•••
[٢٥٥٧] مسألة: قال مالكٌ: وإذا كانت الدَّابَّة مربوطةً بفناءٍ معروفٍ لها، أو على مِذْوَدٍ (^١) تأكل، أو بعيرٌ معقولٌ يعتلف بموضعٍ يُعْرَفُ له، فعلى من سرقه القطع، وإن لم يكن بفناءٍ معروفٍ، وكان مُخَلَّى سبيله، فليس على من سرقه قطعٌ؛ لأنَّهُ لو شاء قال: «وجَدْتُّهُ ضالًّا فأردت أن أُعَرِّفه» (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد سرقه من حِرْزِ مثله؛ لأنَّ النّاس هكذا يُحْرِزون إِبلَهم ودوابَّهم، بأن تكون في أفنيتهم ومواضعها المعروفة لها؛ لأنَّ حرز الأشياء هو على ما يتعارفه النّاس فيِ حرز مثل ذلك الشَّيء، من: المال والعروض والدَّواب وغير ذلك.
فإذا سرق السَّارق من حِرزه، وجب عليه القطع إذا كان قيمته ما يُقطع فيه، فَأَمَّا إذا كان مُخَلَّىً فلا قطع عليه؛ لأنَّهُ لم يسرقه من حرزٍ.
•••
_________________
(١) قوله: «مذود»، هو موضع علف الدَّابَّة، ينظر: لسان العرب [٣/ ١٦٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٤٦)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٢١].
[ ٤ / ٢٠ ]
[٢٥٥٨] مسألةٌ: قال مالكٌ: وإذا كان البعير معقولًا بالسُّوق ليَحْمِل عليه صاحبه طعامًا، فسُرِقَ من عِقَاله، فعلى من سرقَهُ القَطْعُ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النّاس كذلك يُحْرِزون الإِبِلَ والدَّوابَّ إذا أرادوا الحَمْلَ عليها، وإنّما يُرْجَعُ في الحِرْزِ إلى ما يعرفه النّاس في ذلك البَلدَ وجَرْيِ عادَتِهم، فإذا كان الشَّيء محرَزًا على حسب عادة النّاس، فعلى من سرقه من حِرْزِهِ القطع، وإذا لم يكن مُحْرَزًا، فلَا قَطْعَ على من سرقهُ؛ لأنَّ صاحبَهُ فرَّط في حفظهِ وحِرْزِهِ.
•••
[٢٥٥٩] مسألة: قال مالكٌ: ومن سرق شاةً من موقعها الَّذِي تباع فيه في السُّوق، فعليه القطعُ، وإن كانت مربوطَةً، فهو أَبْيَن (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا حِرْزُ مثلِها إذا أُرِيدت للبَيْع.
•••
[٢٥٦٠] مسألة: قال مالك: ومن سرق ثيابًا من الحَمَّامِ وعليها من يحفَظُها، أو أُدْخِلَتْ بيتًا في الحمَّامِ، أو أُغْلِقَ عليها، فكَسَرَ الغَلْقَ وأَخَذَها، فعليهِ القَطْعُ (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٦)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٢٠].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٤٧)، المدوَّنة [٤/ ٥٣٣].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٤٧)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤١٢]، البيان والتحصيل [٤/ ٢٢٤].
[ ٤ / ٢١ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد سرق من الحِرْزِ؛ لأنَّ النّاس كذلك يُحْرِزون ثيابهم إذا دخلوا الحمَّام.
•••
[٢٥٦١] مسألة: قال مالكٌ: ومن أَخْرَج مِنْ قبرٍ قيمته (^١) ربع دينارٍ، قُطِعَ، ولا قَطْعَ عليه حَتَّى يَخْرُجَ به من القَبْرِ، وعَليْهِ العُقوبة (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القبر حِرزٌ للميِّت ولكفنه الَّذِي لا بدَّ له منه، كما أنَّ البيت حِرزٌ للحَيِّ ولِماله، وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات:٢٥ - ٢٦]، (^٣)، والكِفَاتُ معناه: الحِرْزُ، أي: أنَّهَا تَكْفُتُهُمْ وتَضُمُّهُم وتَحْرِزُهُم، والميِّت فهو مالِكٌ للكفن.
ألا ترى: أنَّ الكفن يُبَدَّى على الدَّينِ وغَيْرِهِ، ومُحالٌ أن يُكَفَّنَ فيما لا يملكه، كما أَنَّهُ محالٌ أن يُقضى دينه من تركته وهو لا يملكها.
ألا ترى: أنَّ وصيَّته وميراثه بعد قضاء دينه، وكُلُّ ذلك مِمَّا يملكه.
وقوله: «لا يُقطعُ حَتَّى يُخْرِجَهُ من القَبْرِ»؛ فلأنَّ القبر هو حِرْزٌ للكفن، فلا يُقْطَعْ حَتَّى يُخْرِجَه منه، كما لا يُقْطَعُ السَّارِقُ حَتَّى يُخْرِج المَسرُوقَ من الحِرْزِ.
_________________
(١) قوله: «قبرٍ قيمته»، كذا في جه، ولعلها: «قبرٍ ما قيمته».
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٤٧)، الموطأ [٥/ ١٢٢٧].
(٣) تبدأ اللوحة عند قوله تعالى: ﴿كِفَاتًا﴾.
[ ٤ / ٢٢ ]
وعليه العقوبةُ؛ لكشفه القبر وهَتْكِهِ حُرْمَة المَيِّتِ.
•••
[٢٥٦٢] مسألة: قال مالِكٌ: وإذا سَرَقَ الرَّجُلُ من مَتاعِ امْرَأَتِهِ أو المرأةُ من متاعِ زوجها، وكان ذلك في بيتٍ سوى البيت الَّذِي هما فيه، فعلى من سرق منهما القَطْعُ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لعموم قول الله ﷿: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، فوجب بهذا العموم قطع كلّ سارقٍ، إلَّا ما قامت الدّلالة على المنع من قطعه.
ولأنَّ كلّ واحدٍ من الزَّوج والزَّوجة غَيْرُ مالكٍ لمال صاحِبِهِ، فإذا سرقه من حِرْزِهِ، وجب عليه القَطْعُ.
وإذا سرقه من البيت الَّذِي هما فيه، لم يَجِبْ عليه القَطْعُ؛ لأنَّهُ خائنٌ، ولا قَطْعَ على خائِنٍ.
•••
[٢٥٦٣] مسألة: قال مالك: ومن سَرَقَ متاعًا، فأُخِذ في البيت قبل أن يَخْرُجَ، فلا قَطْعَ عليه، وهو بِمَنْزِلَةِ من وَضَعَ بين يديه خَمْرًا ِيَشْرَبهَا، فلم يَشْرَبها، أو جلس بين رِجْلَي امْرَأَةٍ وهو يُريد أن يُفْضِيَ إليها، فلا حدَّ عليه (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٧)، الموطأ [٥/ ١٢٢٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٤٧)، الموطأ [٥/ ١٢٣١]، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٢٣٩].
[ ٤ / ٢٣ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ سرقته لم تتمّ، وإنّما تتمّ بإخراجها من الحرز، فلا قَطْع عليه.
•••
[٢٥٦٤] مسألة: قال مالكٌ: وَمَنْ كان في دارٍ وَحْدَهُ وليس معه غَيْرُهُ، فَسَرَقَ منه إنسانٌ، فلا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ به من الدَّار كلِّها، وإن كانت الدَّار مشتَرَكةً، فإذا خرج به إلى الدَّار، قُطِعَ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الدَّارَ كُلَّها حِرْزٌ له إذا كان وَحْدَهُ فيها، وإن كانت مشتركةً فليست بِحرْزٍ له، وإنّما حِرْزُهُ البيت الَّذِي هو فيه، دون ما هو مُشْتَرَكٌ للجماعة.
•••
[٢٥٦٥] مسألة: قال مالك: ومن جمع متاع رجلٍ وناولَه آخر خارج:
• فإن كان الدَّاخِلُ أخْرجَ يَدَهُ من الحِرْزِ فَتَنَاوَلَهُ الآخر، قُطِعَ الدَّاخل وعوقبَ الآخر.
• وإذا كان الخارج أدخل يده حَتَّى أخرجه، قُطِعَ الخارجُ وعوقِبَ الدَّاخل.
وقد قال مالكٌ: «للخارج» (^٢)، والأوَّل أحَبُّ إلَيْنَا (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٧)، الموطأ [٥/ ١٢٢٥].
(٢) يعني: أنَّ الخارج لا يقطع بوجهٍ من الوجوه، وإنّما القطع على الداخل، كما ذكره الشارح.
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٤٧)، المدوَّنة [٤/ ٥٣٢]، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٢٤٣].
[ ٤ / ٢٤ ]
• إِنَّمَا قال: «إنَّ الدَّاخل يُقْطَعُ إذا أخرج يَدَهُ من الحِرْزِ فناول المسروق آخرَ خارجَ»؛ فإنَّ الدَّاخل هو السَّارق الَّذِي أخرج السَّرقة من الحِرْزِ دون الخارج، فكان عليه القطع دون الخارج.
وعوقِبَ الخارجُ؛ لأنَّهُ فعل ما لا يجوز له فعله من تناوله الشَّيء المسروق، وإعانته السَّارق على السَّرقِ.
ولم يُشْبِه هذا الجماعة إذا أخرجوا شيئًا يحملونه بينهم من الحِرْزِ أنّهم يُقْطَعُون؛ لأنَّ فِعْلَ هؤلاء متَّصلٌ بعضه ببعضٍ في زمنٍ واحدٍ، وفِعْلُ الآخرِ منفصلٌ؛ لأنَّ فعل الخارِجِ مُنْقَطِعٌ عن فعل الأوَّل، وهما في زمانين مُفترقين، وكان الدَّاخل هو السَّارق بفعله دون الخارج (^١).
فإن أدخل الخارجُ يدهُ إلى الحِرْزِ فأخذ المسْروق قُطِع؛ لأنَّهُ هو السَّارِقُ دون الدَّاخِل؛ لأنَّهُ أَخْرَجَ السَّرِقَة من الحِرْزِ دونَ الدَّاخِلِ.
ووجه قوله: «إنَّ الخارجَ لا يُقْطَعُ بوجْهٍ»؛ فلأنَّهُ لم يَدْخُلِ الحِرْزَ وإنّما دَخَلَهُ غيرُهُ، فكان الدَّاخلُ هو السَّارق دون الخارج، والقول الأوّل أصَحُّ لِمَا ذكرْنَاهُ.
•••
[٢٥٦٦] مسألة: قال مالك: وَمَنْ سَرَقَ دُهْنًا فادَّهن به، ثمَّ خرج، فإن كان ثمنه بعدما خرج به ما يجب فيه القَطْعُ، قُطِعَ (^٢).
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ٢٤٤]، شرح المسألة عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٤٨)، المدوَّنة [٤/ ٥٣٩].
[ ٤ / ٢٥ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد أخرج من الحِرْزِ على وجه السَّرِقَةِ ما يساوي ربع دينارٍ، فعليه في ذلك القَطْعُ.
•••
[٢٥٦٧] مسألة: قال مالك: ومن دخل بيتًا فسرق طعامًا يجب في مثله القطع، فأكله قبل أن يخرج به، فلا قَطْعَ عليه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد أتلفه بأكله ولم يسرقه؛ لأنَّهُ لم يخرجه من الحرز وإنّما أتلفه قبل إخراجه، فعليه قيمته في رَدِّهِ، ولا قَطْعَ عليه.
•••
[٢٥٦٨] مسألة: قال مالك: ومن ذبح شاةً وخرج بها مذبوحةً، وهي لا تسوى مذبوحةً رُبعَ دينارٍ، وهي تسوى حَيَّةً ما يجب فيه القطع، فلا قطع عليه، ويَغْرَمُ قيمَتَهَا حَيَّةً (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يسرق ما يساوي ربع دينارٍ ويخرجه من الحِرْزِ، فلا قطع عليه.
وعليه قيمتها حَيَّةً لصاحبها؛ لأنَّهُ أتلفها عليه بالذَّبح، فإن شاء صاحبها أخذها مذبوحةً، وألزمه ما بين قيمتها صحيحةً وقيمتها مذبوحةً.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٨)، المدوَّنة [٤/ ٥٣٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٤٨)، المدوَّنة [٤/ ٥٣٩]، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٣١].
[ ٤ / ٢٦ ]
[٢٥٦٩] مسألة: قال مالكٌ: ومن سرق من الثِّياب الَّتِي تُغْسلُ على البحرِ وتُجَفَّف ويشتغل أهلها عن حراستها بما يغسلون، فلا قطع عليه، وهي بمنزلة غَنَمٍ في الرَّعْيِ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ سرقها من غير حِرْزٍ، بِمَنْزلةِ ما لو سرق ثمرًا معلَّقًا أو غنمًا راعيًا، فلا قطعَ عليه، وقد قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» (^٢). وفي خبرٍ آخر: «وَلَا فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ» (^٣)، وهي الغنمُ في الرَّعيِّ.
•••
[٢٥٧٠] مسألة: قال مالكٌ: وإذا كانت الدَّار مشتَرَكَةً وهي طريقٌ، لرجلٍ فيها شاةٌ، ولآخر شاتان، فأُغْلِقَ البابُ باللَّيل، فتسوَّر رجلٌ من الجدار فسرق شاةً منها، فعليه القطعُ (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد سرق شاةً من حرزها، فعليه القطعُ إذا كان قيمتها ربع دينارٍ.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٨)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٠٩]، البيان والتحصيل [١٦/ ٢٠٨].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٥٥٢.
(٣) هو نفسه الحديث المتقدِّم.
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٤٨)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤١٩]، البيان والتحصيل [١٦/ ٢١٧].
[ ٤ / ٢٧ ]
[٢٥٧١] مسألة: قال مالكٌ: ومن كان باب داره مفتوحًا، أو لا باب لها، تُدْخَلُ بغير إذنٍ، وقد حَجَرَ على نفسه في بعضها (^١)، وليس معه فيها غيره، فسرق إنسانٌ من منزله شيئًا، فأٌخِذَ في الدَّار الَّتِي تُدْخَلُ بغير إذنٍ، فلا قَطْعَ عليه حَتَّى يَخرجَ به من الدَّار كلّها، وليست بمنزلة الدَّار المشتركة (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الدَّارَ كلّها حِرزٌ لِمَا فيها، إذا كانت لساكنٍ واحدٍ، فلا قطعَ على من سرق منها حَتَّى يُخْرِجَهُ من الدَّار كلّها.
فأمَّا المشتَرَكةُ فليست بحِرزٍ إن سرق منه، فإذا أَخرجَ ما سرقهُ من البيت إلى الدَّار المشتركة، كان على السَّارق القطع؛ لأنَّهُ قد أخرجه منِ حرزِه إلى غيره على وجهِ السَّرقة.
•••
[٢٥٧٢] مسألة: قال مالكٌ: وإذا اقْتَسَم قومٌ دارًا، فحَظَرَ كلُّ واحدٍ على نفسه بقصبٍ وأدخل فيه دابَّته، فاحْتَلَّهَا واحدٌ منهم، فلا قَطْعَ عليه؛ لأنَّهُ يقول: «أُمْطِرْنَا وخِفتُ»، أو: «وجدتها قد انفلتت»، وإن أخرجها من باب الدَّار فعليه القطع (^٣).
_________________
(١) قوله: «وقد حجر على نفسه في بعضها»، أي: اتَّخَذَ حُجْرَةً لنفسِه، فحجرها عن الناس، وترك باب داره مفتوحًا لمن جاء إليه.
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٤٨)، البيان والتحصيل [١٦/ ٢٠٧].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٤٨)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤١٩].
[ ٤ / ٢٨ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أُخِذَ في الدَّار ولم يُخْرِجْها من الحِرْز، فلا قَطْعَ عليه، وإن أخرجها من الدَّار قُطِعَ؛ لأنَّهُ قد أَخْرَجَهَا من الحِرْزِ.
•••
[٢٥٧٣] مسألة: قال مالكٌ: وإذا كانت الدَّار طريقًا، مثل دار أنسٍ (^١)، فإذا رجلٌ فيها نائمٌ على لحافه وفراشه، فسرقه إنسانٌ هو عنده، أو قد قام عنه لبعض حاجته، أو ربط دابَّته بفِنائِهِ، فعلى من سرقها القَطعُ، وأمّا ما وُجِدَ مَطْروحًا أو سَقط من صاحبه فلا قطع عليه (^٢).
• إِنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ قد أحرزَ ما قد نامَ عليه، وكذلك إذا كان بقُربه وهو غير نائمٍ، وكذلك كانت قصَّة سارق رداء صفوان، سرقه من تحت رأسِهِ (^٣)، وكذلك الدَّابَّة إذا سُرِقَت من الفِناء، فكلّ من سَرَقَ الشَّيءَ من الموضع الَّذِي يُحْرَزُ في مثله، فعليه القَطْعُ.
•••
[٢٥٧٤] مسألة: قال مالكٌ: ومن سرق رداءَ رجلٍ من تحتِ رأسه في المسجد، فعليه القَطْعُ حين يأخذه من تحتِ رأسه (^٤).
_________________
(١) هو أنس بن مالك، كما ذكر ابن أبي زيد في النوادر والزيادات [١٤/ ٤١٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٤٩)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤١٩].
(٣) أخرجه مالك في الموطأ [٥/ ١٢٢٠]، وأبو داود [٥/ ٨١]، وابن ماجه [٣/ ٦٢١]، والنسائي في الكبرى [٧/ ٩]، وهو في التحفة [٤/ ١٨٦].
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٤٩)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤١٤].
[ ٤ / ٢٩ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد سرقه من حرزه، وقد قطع النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ سارق رداء صفوان، سرقه من تحت رأسه وهو نائِمٌ في المسجد؛ لأنَّ النّاس كذلك يُحرِزون أَرْدِيَتَهِم إذا ناموا في المسجد.
وقد روى مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان بن أمية (^١): «أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ نَامَ فِي المَسْجِدِ وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ بِيَسَارِهِ، فَجَاءَ سَارِقٌ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ مِنْ تَحْتِ رأسِهِ، فَأَخَذَ صَفْوَانُ السَّارِقَ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ، فَقَالَ صَفْوَانُ: إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» (^٢).
•••
[٢٥٧٥] مسألة: قال مالكٌ: وإذا كان القَوْمُ جميعًا في منزلٍ واحدٍ، فَسَرَقَ بعضهم من بعضٍ من ذلك المنزلِ شيئًا، فلا قطعَ عليه، وإن سَرَقَ لأحدهم من مَنزِلٍ له آخر - يُحرِز فيه متاعَهُ دونهم - ما قيمته ربعُ دينارٍ قُطِعَ، والآخرُ كذلك (^٣).
_________________
(١) صفوان بن عبد الله بن صفوان بن أمية القرشي، ثقة، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٤٥٤).
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة السابقة.
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٤٩)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٠٥]، البيان والتحصيل [١٦/ ٢٢١ - ٢٢٢].
[ ٤ / ٣٠ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ خائنٌ وليس بسارقٍ؛ لأنَّهُ لم يسرق من الحِرز إِذا كانوا كلّهم في موضعٍ واحدٍ.
وإذا سرق من منزلٍ آخر مُحْرَزٍ عنه وجب عليه القطع؛ لأنَّهُ قد سرق منْ حِرزٍ.
وقد روى أبو عاصمٍ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن أبي الزُّبَير، عن جابرٍ، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «لَا قَطْعَ عَلَى خَائِنٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ» (^١).
•••
[٢٥٧٦] مسألة: قال مالكٌ: ومن أدخل خَيَّاطًا، أو إسْكَافًَا (^٢)، أو بَعْضَ أهل الصِّناعاتِ منزله، يعمل له عملًا، فسرق من بعض البُيوتِ التي قد خُلِّيَ بَيْنَهُ وبين دخولها، فلا قطع عليه، وعليه الغُرْمُ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد ائْتَمَنَهُ حين أدْخَلَهُ منْزِلَهُ، فخَانَهُ، ولا قَطْعَ على خائِنٍ لِمَا ذكرناه، وعليه الغُرْمُ بدل ما أتلف من ماله.
•••
[٢٥٧٧] مسألة: قال مالكٌ: ومنْ دخلَ على قومٍ على وجهِ الائتمانِ
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه [٣/ ٦١٨]، بهذا الإسناد، وهو عند أبي داود [٥/ ٨٠]، والترمذي [٣/ ١١٨]، والنسائي في الكبرى [٧/ ٣٨]، وفي التحفة [٢/ ٣٠٦].
(٢) قوله: «إسكافًا»، هو الصانع، أيًا كان، وخصَّه بعضهم بالنجار، ينظر: لسان العرب [٩/ ١٥٧].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٤٩)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤١٧].
[ ٤ / ٣١ ]
لهُ، فسرق، فلا قَطْعَ عليهِ، ويُعاقبُ، ويُتْبَعُ بقيمةِ ما سرقَ دَيْنًا عليه إِنْ لم يَكُنْ له مالٌ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا خائنٌ وليس بسارقٍ، ولا قطْعَ على خائنٍ.
ويعاقبُ؛ لأنَّهُ فعلَ ما لا يجوز.
ويُتْبَعُ بقيمةِ ما سرقَ دينًا عليه؛ لأنَّهُ لم يكن في سرقتِهِ قطعٌ، فوجبَ إتباعُهُ في ذمَّته دينًا عليه، على ما بيَّنَّاهُ.
•••
[٢٥٧٨] مسألة: قال مالكٌ: ومن كان لَهُما طعامٌ في منزلٍ واحدٍ، قد أغْلَقَا عليه بابًا، فأتىَ أحدُهما فكَسَرَ ضَبَّتَهُ، وسرق زيادةً على حقِّهِ قَدْرَ رُبْعِ دِينارٍ، فلا قَطْعَ عليه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحِرْزَ لهُما جميعًا، فإذا فَتَحَهُ أحدُهما، لم يُقطع؛ لأنَّهُ أخذ من حرزِ نفسِهِ مالَهُ وغيرَ مالِهِ، فهو في غير مالِهِ خائنٌ وليس بسارقٍ.
•••
[٢٥٧٩] مسألة: قال مالكٌ: وإذا دخل قومٌ منزلًا لِصَنِيعٍ، فسرق بعضهم منه شيئًا، فلا قطْعَ عليه (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٩)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤١٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٤٩)، المدوَّنة [٤/ ٥٣٥].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٤٩)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤١٧].
[ ٤ / ٣٢ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ خائنٌ حين سرق بعد الإذْنِ له في الدُّخول، ولا يُقْطَعُ خَائِنٌ.
•••
[٢٥٨٠] مسألة: قال مالكٌ: ومن أَدْخَل رَجُلَين حانُوتَهُ، فَعَرَضَ عليهما بزًّا (^١)، فسَرَقَ أحدُهما منه ثوبًا، فلا قطْعَ عليه.
وقد قال مالكٌ: إذا كان إِنَّمَا يدخل، فهذا يَسومُ وهذا يسرِقُ، فعليهم القطع (^٢).
• قال أبو بكرٍ: وجه قولِهِ: «إنَّهُ لا قَطْعَ عليه»؛ فلأنَّ هذه حيلةٌ وخيانةٌ، ولا قطع على خائنٍ؛ لأنَّهُ دخَلَ بإذْنٍ.
ووجه قوله: «إنَّه يُقطع»؛ فلأَنَّهُ لم يؤذن له في السَّرَق، وإنّما أُذِن له في الدُّخول ليشتري.
•••
[٢٥٨١] مسألة: قال مالكٌ: وإذا كان القوم في المَحْرَصِ (^٣)، فَعَلَّقُوا
_________________
(١) قوله: «بزًا»، هو نوع خاص من الثياب، وقيل: هي أمتعة التاجر من الثياب، ينظر: المصباح المنير، ص (٤٧).
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٤٩)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤١٥]، البيان والتحصيل [١٦/ ٢٢٤].
(٣) قوله: «المَحْرَصِ»، كذا رسمها، ولعلها: «المحرس»، وهو الموضع الذي يحرس فيه، كما في جمهرة اللغة [١/ ٥١١]، وفي المطبوع من النوادر والزيادات [١٤/ ٤١٤]: «وقال مالك: في محارس الإسكندرية وغيرها، يعلّق النّاس فيها السيوف».
[ ٤ / ٣٣ ]
أسْيَافَهُم، ثمَّ قام بعضهم ليتوضَّأ، فسُرِق سيفه، فلا قطع على سارقه، ولو كان صاحِبُهُ عندَهُ، لكان فيه شيءٌ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا لم يكن صاحبُهُ عنده، فليس هو في حرزٍ، فلا قطْعَ عليه، وإن كان عنده، فهو في حرزٍ.
•••
[٢٥٨٢] مسألة: قال مالكٌ: ومن أَدْخَلَ رجلًا منزله، فعمد إلى تابوتٍ في البيت - صغيرٍ أو كبيرٍ - فَدَقَّهُ وأخذ ما فيه، فلا قطع عليه.
وكذلك لو عَمَدَ إلى خِزَانَةٍ مُغْلقةٍ، فكسرها وأخذ ما فيها، فلا قطع عليه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا خائنٌ؛ لأنَّهُ قد أُذِنَ له في الدّخول، فخان بما أخذه من البيت أو الصُّندوق، وسَواءٌ سرق التَّابوت بما فيهِ، أو كَسَرَهُ، ثمَّ سرق ما فيهِ، هو في كلّ ذلك خائنٌ لا قطع عليه، وعليه غَرَامَةُ ما خان فيه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥٠)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤١٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٥٠)، وقد نقل ابن عبد البر في الاستذكار [٢٤/ ٢٣٤]، هذه المسألة عن ابن عبد الحكم.
[ ٤ / ٣٤ ]
وقال عبد الملك بن عبد العزيز: إذا سرق من تابوتٍ كبيرٍ فعليه القطع (^١)؛ لأنَّهُ بمنزلةِ بيتٍ أُحرِزَ عنه ولم يؤذن له في دخوله، وهو قولٌ له وجهٌ.
•••
[٢٥٨٣] مسألة: قال مالكٌ: ومن أغلق حَانُوتَهُ ودفع مفتاحه إلى أجيرٍ لهُ، فخالفهُ إليهِ فسرق منه، فلا قطع عليه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ خائنٌ وليس بسارقٍ، وقد روى أبو الزّبير، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ أَنَّهُ قال: «لَا قَطْعَ عَلَى خَائِنٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ» (^٣).
•••
[٢٥٨٤] مسألة: قال مالكٌ: ولا قَطْعَ على من سرق من حُلِيِّ الكعبة؛ لأنَّهُ يُؤْذَنُ لهم في دخول البيت (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا خائنٌ ولا قطع على خائنٍ، وكلُّ من سرق من موضعٍ أُذِنَ له في الدُّخول إليه، فهو خائنٌ؛ لأنَّهُ سرق من غير حرزٍ.
•••
_________________
(١) لم أقف عليه عن عبد الملك، وهو في النوادر والزيادات [١٤/ ٤١٦]، والجامع لابن يونس [٢٢/ ١٣٠]، عن سحنون.
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٥٠)، وقد نقل ابن عبد البر في الاستذكار [٢٤/ ٢٣٤]، هذه المسألة عن ابن عبد الحكم.
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٥٧٥.
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٥٠)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤١١]، التفريع [٢/ ٢٣٠].
[ ٤ / ٣٥ ]
[٢٥٨٥] مسألة: قال مالكٌ: وإنْ دَخلتِ امرأةٌ على بَزَّازٍ تَبتاعُ منه ثوبًا، فخرج يتناول شيئًا، فسرقت ثوبًا، فلا قطع عليها (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا دَخلتْ بإذنٍ، ثمَّ خانت، كانت خائنةً غيرَ سارقةٍ مِنْ حرزٍ، فلا قطع عليها.
•••
[٢٥٨٦] مسألة: قال مالكٌ: ومن أَدْخلَ رجلًا منزِلَهُ، فسرق ما في كُمِّهِ (^٢)، قَطَعَهُ أو احْتَلَّهُ (^٣)، فهو بمنزلة امرأته، فلا قطع عليه (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا خائنٌ لا قطعَ عليْهِ، بمنزِلة امرأتِه إذا خانتْهُ في البيت الَّذِي هي معه، فلا قطع عليها، فكذلك هذا.
•••
[٢٥٨٧] مسألة: قال مالكٌ: ومن اعترف من العبيد بأمرٍ يقع عليه الحدُّ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥٠)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤١٥].
(٢) قوله: «كمه»، كم الثوب معروف، وهو مدخل اليد ومخرجها، وقديمًا كان الكم يربط فيصير كالصرة، ويحفظ فيه، ينظر: لسان العرب [١٢/ ٥٢٦]، تفسير القرطبي [٧/ ٤٦٦].
(٣) قوله: «احتله»، لعل المراد، أنه حل الحبل الذي ربط به الكم.
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٥٠)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤١٥]، البيان والتحصيل [١٦/ ٢٢٤].
[ ٤ / ٣٦ ]
والعقوبةُ بِجسدِهِ، فاعترافُهُ جائزٌ، وما كان من أمرٍ إِنَّمَا يكون غُرْمًا على سيِّده، ليس في جسده منه شيءٌ، فلا يقبل قوله (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العبيد لا يُتَّهمون في إقرارهم بما يُلزِمون أنفسهم من العقوبة، كالقَتْلِ والقَذْفِ والسَّرَقِ؛ لأنَّ أحدًا لا يقتُل نفسَهُ ولا يَجْلِدُها ليَضُرَّ بغيرِهِ، ليس هذا هو الأغلب من النَّاس.
وأمّا ما لا تقع العقوبة بجسدهم، فلا يقبل إقرارهم؛ لأنَهم يُلزِمون ذلك ساداتِهِم، وإقرار الإنسان على غيرِهِ غيرُ مقبولٍ، وقد بيَّنَّا هذا في غير هذا الموضع.
•••
[٢٥٨٨] مسألة: قال مالكٌ: وإذا دُخِلَ على عَبِيدٍ وعندهم شاتانِ مذبوحتانِ لبعض جيرانهم، فسُئِلُوا عن ذلك، فأقرَّ اثنان وجحد الثَّالث، فإن كانوا احْتَرَسُوها (^٢)، فأرى غُرْمَ الشَّاتين على سَادَتِهِم (^٣).
• إنَّما قُبِلَ إقرارهم هاهُنا؛ بقوة التُّهمة بِوُجود الشاتيْنِ مذبوحَتَيْنِ، فهذِهِ دلالةٌ بَيِّنةٌ انْضَمَّتْ إلى إقرارهم، فَقُبِلَ قولهم لذلك.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥٠)، المختصر الصغير، ص (٦٣٢)، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٢٥٩].
(٢) قوله: «احْتَرَسُوها»، يعني: سرقوها من المرعى، ينظر: لسان العرب [٦/ ٤٨].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥١)، الموطأ [٤/ ١١١٩]، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٥٤].
[ ٤ / ٣٧ ]
[٢٥٨٩] مسألة: قال مالكٌ: ولا قَطْعَ على عبدٍ ولا أمةٍ سرق من متاع سيِّدِته ولا سيِّدِه؛ كان ذلك مِمَّا ائْتُمِنَ عليه أوْ لَمْ يُؤْتَمنْ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القطع في السَّرق إِنَّمَا هُو لِحِفْظِ مالِ المسروقِ منهُ، ولا يجوز أن يُتْلَفَ مَالُهُ أيضًا بقطع عبده.
ولأنَّ العَبْدَ له في مال سيِّده حقٌّ وشُبْهَةٌ، فلا قَطْعَ عليه إذا سرق منه، ولا خِلافَ في هذا بين العلماء نَعْلَمُهُ (^٢).
•••
[٢٥٩٠] مسألة: قال مالكٌ: وإذا كان للرَّجل خادمٌ، ليس مِمَّنْ يدخُلُ منزلَهُ، ولا مِمَّنْ يَأْمَنُ على متاعِه، فدخل سِرًّا فسرق من متاع امرأتِهِ، أو جاريَةٌ للمرأةِ ليس مِنْ خَدَمِهَا ولا مِمَّنْ تَأْمنُ على بيتها، دخلتْ سِرًّا فسرقَتْ مِنْ مَتاعِ الزَّوج، فعليهُمُ القطعُ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لعموم قول الله ﷿: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، فكلُّ سارقٍ فعليه القطعُ؛ لعموم هذه الآية، إلاَّ ما خَرَجَ منها بدليلٍ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥١)، الموطأ [٥/ ١٢٢٥]، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٢٥٧].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ٢٥٨]، شرح المسألة عن الأبهري.
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥١)، الموطأ [٥/ ١٢٢٦].
[ ٤ / ٣٨ ]
وقَوْلُ عمر بن الخطاب: «خَادِمُكُمْ سَرَقَ مَتَاعَكُم» (^١)، إِنَّمَا أراد الخادمَ الَّذِي معها في البيت؛ لأنَّهُ مؤتمنٌ خانَ، أو كان عبدًا لهما، فَأَمَّا إذا كان على ما وصفه مالكٌ فَإِنَّهُ يُقطَع؛ لأنَّهُ داخِلٌ في عمومِ الآية؛ ولأنه سرق من حِرز ٍمَا لَا شبهة له فيه.
•••
[٢٥٩١] مسألة: قال مالكٌ: وإذا سرق المُكاتَبُ من مالِ سيِّدِهِ، فلا قطْعَ عليه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ بمنزلةِ عبدٍ سرقَ منْ مولاهُ؛ لأنَّ المُكاتبَ أحكامُه أحكامُ العبدِ حَتَّى يُؤدِّيَ كتابَتَهُ.
•••
[٢٥٩٢] مسألة: قال مالكٌ: وإذا سرق العبد من متاع ابن سَيِّدِهِ، قُطِعَ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ ليسَ هو مُلكًا لابن سيِّده، ولا شبهة له في مال ابن سَيِّدِهِ، فَوَجَبَ عليه القطع لهذهِ العلَّةِ.
_________________
(١) أخرجه مالك [٥/ ١٢٢٩]، وابن أبي شيبة [١٤/ ٤٧٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٥١)، المدوَّنة [٤/ ٥٤٩].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥١)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٢٢]، البيان والتحصيل [١٦/ ٢١٥].
[ ٤ / ٣٩ ]
ولعموم قول الله ﷿: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨].
•••
[٢٥٩٣] مسألة: قال مالكٌ: ومن سَرَقَ صغيرًا أو أعجميًا من حِرْزِهِمَا، فعليه القطعُ، وإذا خَرَجَا من حِرْزِهِمَا، فليس على من سرقهُما قطعٌ؛ هُمْ بمنزلَةِ ثَمرٍ معلَّقٍ وحَرِيسَةِ جبلٍ، وسواءٌ كان حُرًّا أو عبدًا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لعموم قول الله ﷿: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، فوجب بعمومِ هذه الآية قطعُ سارقِ كُلِّ شيءٍ إلَّا ما قامت الدّلالة عليه أَنَّهُ لا يقطع فيه.
فإن قيل: إنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ لَمَّا بَيَّنَ أنَّ القطعَ على سارقِ الأموال (^٢)، لم يجُز أن يكون القطع في غيرها (^٣)؟
قيل له: بيانُ النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ، لا يمنعُ أن يُقطعَ سارق غير المال؛ لعموم القرآن؛ كما أَنَّ أَخْذَ النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ الزَّكاة من العينِ والحرثِ والماشيةِ، لم يمنع أن تُؤْخَذَ الزَّكاة من العُرُوضِ؛ بعموم قوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥١)، الموطأ [٥/ ١٢٢٧].
(٢) كما في حديث عائشة ﵂، أن النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تقطع يد السارق إلّا في ربع دينار فصاعدًا»، تقدَّم في المسألة رقم ٢٥٣٩.
(٣) ينظر الاعتراض في: الحاوي للماوردي [١٧/ ١٧١].
[ ٤ / ٤٠ ]
مَعْلُومٌ﴾ [المعارج:٢٤]؛ لأنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ إِنَّمَا أخذ الزكَّاة من بعض الأموال المذكورة في القرآن.
فكذلك قوله: «الرِّبَا: فِي البُرِّ، وَالشَّعيرِ، وَالتَّمْرِ» (^١)، وغير ذلك مِمَّا ذكره، لم يمنع أن يكون ذلك في الأرز الَّذِي لم يذكره بالمعنى المفهوم من قوله: فيما ذكره [] (^٢) به.
فكذلك قطع السَّارق مثله، لا يمنع قطع النَّبِيِّ ﷺ سارقَ المِجَنِّ أن يُقطَع سارق الحُرِّ الصَّغير بإيجاب الله ﷿.
فإن قيل: إنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمَّا قَطَعَ في المال، وجب أن يكون كلُّ شيء له قيمةٌ أو جاز العِوضُ عليه أن يَقْطَع فيه (^٣)؟
قيل له: الحُرُّ له بدلٌ وقيمةٌ وهي الدِّية، فوجب القطع فيه، بل هذه العلَّة أوْلى لِأَنَّهَا أهمُّ، وهو أنَّ الحُرَّ لَمَّا كان له بَدَلٌ هو المال - وهي الدِّية -، وجب القطعُ على من سرقه.
وقد قال بعض أصحابنا: لَمَّا كان سارق المال يُقطع من أجل إدخاله الضَّرَرَ في المال، كان المُدخِلُ للضَّرر على نسب الإنسان وحُرمته أولى بالقطع؛ لأنَّهُ
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٢١٧٠)، مسلم [٥/ ٤٣]، بلفظ: «البُرُّ بالبرِّ ربًا، إلَّا هَاءَ وهاءَ، والشعير بالشعير ربًا، إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا، إلا هاء وهاء»، وهو في التحفة [٨/ ١٠١].
(٢) ما بين [..]، كلمة لم أستظهرها، ولعلها: «وقال به».
(٣) ينظر الاعتراض في: الحاوي للماوردي [١٧/ ١٧١].
[ ٤ / ٤١ ]
قصد إخراجه من حال الكمال إلى النَّقص، وأَدخل عليه بذلك الضَّرر العظيم الَّذِي هو أكبر من ضرر المالِ، وأباح الفرج بغير الوجه الَّذِي أباحه الله ﷿ لذلك؛ لِأَنَّهَا إن كانت امرأةً وُطِئت على أنَّهَا مُلْكُ يمينٍ، وليس يجوز وطؤها كذلك؛ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ.
وقد روى وَكِيعٌ، عن شَرِيكٍ، عن الشَّيْبَانِيِّ، عن الشّعبي: «فِي رَجُلٍ سَرَقَ صَغِيرًَا حُرًّا، أَنَّهُ يُقْطَعُ» (^١).
وروى مَعْنُ (^٢)، عن ابن أبي ذِئْبٍ، عن الزّهريِّ، قال: «فِي الَّذِي يَسْرِقُ الصِّبْيَانَ وَالأَعَاجِمَ: تُقْطَعُ يَدُهُ» (^٣).
وهذا قول الفقهاء السَّبعة، قالوا: «من سرق عبدًا صغيرًا أو أعجميًا لا حيلة له قُطِعْ».
وروى ابن جريجٍ قال: «أُخْبِرْتُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَطَعَ رَجُلًَا فِي غُلَامٍ سَفِيهٍ سَرَقَهُ» (^٤).
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) معن بن عيسى بن يحيى الأشجعي مولاهم المدني القزاز، ثقة ثبت، من كبار العاشرة. تقريب التهذيب، ص (٩٦٣).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة [١٤/ ٤٣٠].
(٤) أخرجه عبد الرزاق [١٠/ ١٩٦]، وابن أبي شيبة [١٤/ ٤٣٠].
[ ٤ / ٤٢ ]
وقوله: «إذا خَرَجَا من الحِرز فلا قطْعَ»؛ لأنَّهما سُرِقا من غير حِرزٍ، فلا قطْعَ على من سرق من غير حرزٍ.
•••
[٢٥٩٤] مسألة: قال مالكٌ: ومن قطع نفقةً من كُمِّ رجلٍ، أو حلَّها نائمًا ومستيقظًا (^١)، فعليه القطعُ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد سرق من حِرزٍ؛ لأنَّ النّفقة هكذا تُحْرَزُ.
•••
[٢٥٩٥] مسألة: قال مالكٌ: ومن سرق خَلْخَالَ (^٣) صبيٍّ أو قُرْطَهُ:
• فإن كان في دار أهله، فعليه القطع.
• وكأنَّه لا يرى عليه إذا لم يكن في دار أهله قطعًا (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد سرق من الصَّبيِّ وهو في حِرزٍ، فعليه القطعُ.
_________________
(١) قوله: «ومستيقظًا»، كذا رسمها في جه، ولعلها: «أو مستيقظًا»، كما في النوادر [١٤/ ٤١٨]. من نقل ابن المواز.
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٥١)، المدوَّنة [٤/ ٥٣٨]ـ مختصر أبي مصعب، ص (٤٤٣)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤١٨].
(٣) قوله: «خَلْخَالَ»، هو السوار من الحلي، الذي يلبس في الرجل، ينظر: طلبة الطلبة، ص (٧٢).
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٥١)، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٢٥٦]، النوادر والزيادات [١٤/ ٤١٠].
[ ٤ / ٤٣ ]
وإن كان في غير دارٍ، أو ليس معه من يحفظه، فلا قطع عليه؛ لأنَّهُ سرق من غير حرزٍ؛ لأنَّ الصبيَّ والمجنون لا يَحفظُ ما عليه، وإنّما يحفظُهُ عليه غيره، أو أن يكون في دار أهله.
وقد قال مالكٌ: هذا عندي بمنزلة الخُلْسَةِ (^١)، فلا قطْعَ عليه.
ووجْهُ هذا القولِ؛ هو أنَّ الصَّبِيَّ لا يُؤخذ منه الشَّيء على وجه السَّرَق، وإنّما يؤخذ منه على وجه الخُلسة والخُدعة، ولا قطع فيهما.
وقد قال مالكٌ: إن كان كَابَرَهُ (^٢) لم يُقطع، وإن كان اسْتَسرَّ قُطِع.
ووجْهُ هذا القول: هو أنَّ النّاس إِنَّمَا يحرِزون حُلِيَّ الصبيان بلبسهم إيَّاه، فمن سرق ذلك منهم فعليه القطع إذا كان أَخْذُهُ ذلك منه على وجه الاِسْتِسْرَارِ والخفاء، فإن كَابَرَهُ لم يُقطع؛ لأنَّهُ بمنزلة الخُلْسَةِ، ولا قطع على خائنٍ ولا مُخْتَلِسٍ. وهذا إذا كان الصَّبِيُّ في حِرزِهِ.
•••
[٢٥٩٦] مسألة: قال مالكٌ: ومن سرق من أمتعة النّاس الَّتِي تكون مَوضُوعةً
_________________
(١) قوله: «الخُلْسَةِ»، هي أخذ المال بحضرة صاحبه، على حين غفلةٍ من صاحبه، ينظر: شرح حدود ابن عرفة، ص (٥٠٣).
(٢) قوله: «كَابَرَهُ»، المكابر: هو الذي يأخذ المال من يد صاحبه، على وجه القهر، وهو الغاصب، ينظر: حاشية العدوي [٢/ ٣٣٣].
[ ٤ / ٤٤ ]
بالأسواق مُحْرَزَةً قد أحرَزَها أهلُها، فعليه القطع، سرقها ليلًا أو نهارًا، كان عندها صاحبها أو لم يكن (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا كذلك تُحَرَزُ، وقد بيَّنَّا أنَّ الحرزَ للأشياء إِنَّمَا هو على حسب ما يتعارفه النّاس في البلد الَّذِي هم فيه، فإذا سرق سارقٌ شيئًا من ذلك الحرز المعروف عندهم، قُطِعَ إذا كان مقدار سرقتِهِ ما يُقْطَعُ فيه.
وسواءٌ كان عندها من يحفظها أو لا، إذا كان ذلك الموضع المعروف مِمَّا يحرز فيه، فَأَمَّا إذا لم يكن ذلك موضع حرزها، لم يقطع مَنْ سَرَقَهَا، إلَّا أن يكون عندها من يحفظها.
•••
[٢٥٩٧] مسألة: قال مالكٌ: وإذا نزل المسافرون بفلاةٍ من الأرض، فأناخوا إبلهم، وضربوا أخبِيَتَهم (^٢) وأدخلوا بعض متاعهم الأَخْبِيَة، وتركوا بعضها على هيئتها:
• فمن سرق من أمتعتهم شيئًا أو من إبلهم المُنَاخَةِ، فعليهم القطع - وإن كانت غير مُعَقَّلَةٍ - إذا كانت بقرب صاحبها.
• وما كان من إبلٍ في الرَّعيِ، فلا قطعَ على من سرق منها شيئًا (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥٢)، الموطأ [٥/ ١٢٢٣].
(٢) قوله: «أخبيتهم»، هي جمع خباء، وهي الخيمة من الصوف، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (١٣٧).
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥٢)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٠٥]، البيان والتحصيل [١٦/ ٢٢١].
[ ٤ / ٤٥ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا قد سرق شيئًا من حرزِ مثله، فعليه القطعُ؛ لأنَّ المسافرين كذلك يحرزون أمتعتهم وإبلهم.
فأمَّا ما كان في الرَّعيِ من الإبل فلا قطع عليه، بمنزلة ما لو سرق غنمًا راعيةً، لم يكن عليه القطع، وقد قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ، وَلَا حَرِيسَةِ جَبَلٍ» (^١)، وهي الغَنمُ الرَّاعيةُ.
•••
[٢٥٩٨] مسألة: قال مالكٌ: ومن سرق من المغانم والأَهْرَاءِ (^٢) وبيتِ مالِ المسلمين، فعليه القطع (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا مِلْكَ في ذلك لمن سرق منه، وإنّما يُمَلَّكُ بالقسم أو العطيَّة.
ألا ترى: أَنَّهُ لو كان في الغنيمة من يَعْتِقُ على الغانم، مثل ابنه وأبيه، لم يعتق عليه ما يحُصُّهُ منه حَتَّى يُقسمَ ويصيرَ في مِلْكِهِ، فثبت بهذا أنَّ مِلكه إِنَّمَا يثبتُ ويستقِرُّ بالقَسَمِ لا بالغنيمة.
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٥٥٢.
(٢) قوله: «الأهراء»، هو جمع هُرِي، وهو بيتٌ ضخمٌ يجمع فيه طعامُ السُّلطان، ينظر: لسان العرب [١٥/ ٣٦١].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥٢)، المدوَّنة [٤/ ٥٤٩]، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٢٣٢].
[ ٤ / ٤٦ ]
ألا ترى: أَنَّهُ لو ورِثَ بعض ابنه أو أبيه، لعتق عليه ما ورثه قبل قسمة الميراث وبعده؛ لأنَّ ملكه بالميراث مستقرٌّ قبل القسم وبعده، وليس كذلك الغنيمة (^١).
وكذلك الأَهْرَاءُ وبيتُ المالِ إذا سرق منها، فعليه القطع؛ لأنَّهُ لا مِلْكَ للسَّارق فيما سرقه لا مَحالة، وإنّما يصير له ملكًا إذا أُعطيَ منها شيءٌ، فَأَمَّا قبل ذلك فلا؛ لأنَّهُ يجوز أن يُصرَف ذلك إلى غيره.
وقد روى سعيدٌ (^٢)، قال: سألتُ حمَّادًا (^٣) عن الرّجل يسرقُ من بيت المال، فقال: يُقْطعُ، وقال الحسن (^٤): لا يُقْطعُ (^٥).
وقد رُوِيَ عن مالكٍ أَنَّهُ قال: «لا قطعَ على مَنْ سرق من المغنم، إلَّا أن يأخذ أكثر مِمَّا يخصهُ، ما تُقْطعُ اليَدُ فيه».
ووجه هذا القول: أنَّ القطعَ لا يجوز في سرقةِ ما يملكه الإنسان، أو فيما لَهُ فيه شُبْهَةُ مِلْكٍ مستقرٍّ، وهذا الغانم له شُبْهَةُ مِلْكٍ مستقرٍّ.
ألا ترى: أنَّ الرّجل لا يُقطعُ إذا سرق من مال ابنه؛ لأنَّ له في مال ابنه شبهةُ
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ٢٣٣]، شرح المسألة عن الأبهري.
(٢) قوله «سعيد»، كذا في جه، وصوابه: «شعبة»، كما في التخريج.
(٣) هو: حماد بن أبي سليمان.
(٤) قوله: «الحسن»، كذا في جه، وفي مصنف ابن أبي شيبة: «الحكم».
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة [١٤/ ٤٧٢].
[ ٤ / ٤٧ ]
ملكٍ، فكذلك هذا مثله، فَأَمَّا إذا زاد على ما يخصُّه من الغنيمة فعليه القطع؛ لأنَّهُ لا شبهة له فيه.
•••
[٢٥٩٩] مسألة: قال مالكٌ: ومن دخل بيتًا فسرق دُهْنًا فَادَّهَنَ به، ثمَّ خرج، فعليه القطع إذا كان قيمة الدُّهْنِ بعدما خرج ربع دينارٍ، يعني: إذا سُلِيَتِ الدُّهْنُ فكان بعد السَّلْتِ إذا أُخِذَ من رأس الإنسان (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا قد سرق ما يجب فيه القطع.
فأمَّا إذا كان قيمته بعد خروجه أقلَّ من ربع دينارٍ إذا سُلَّتْ من رأسه أو بدنه، فلا قطعَ عليه؛ لأنَّهُ لم يسرق من الحرز ما قيمته ربع دينارٍ.
وعليه قيمته لصاحبه وقت استعماله في الحرز؛ لأنَّهُ قد أتلف عليه في الحرز قبل أن يخرجه منه.
•••
[٢٦٠٠] مسألة: قال مالكٌ: ولا قطع في كَثَرٍ، والكَثَرُ: الجُمَّار (^٢) الَّذِي يكون في رؤوس النَّخْل (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥٢)، المدوَّنة [٤/ ٥٣٩].
(٢) قوله: «الجُمَّار»، هو شحم النخل، واحدته جمارة، وجمارة النخل: شحمته التي في قمة رأسه تقطع قمته، ثم تكشط عن جمَّارةٍ في جوفها بيضاء كأنها قطعة سنام ضخمة، وهي رخصة تؤكل بالعسل، ينظر: لسان العرب [٤/ ١٧٤].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥٢)، المنتقى للباجي [٧/ ١٨٢].
[ ٤ / ٤٨ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الكَثَرَ ليس مِمَّا أَحْرَزَهُ الإنسانُ، وإنّما هو شيءٌ أخرجه الله ﷿، والحرز إِنَّمَا يكون ما أحرزه الآدميُّ إذا قصد به الحِرز.
وقد روى مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن محمد بن يحيى بن حبَّان، عن رافع بن جريج (^١)، أَنَّهُ سمع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ يقول: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ، وَالكَثَرُ الجُمَّارُ» (^٢).
ورواه ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبَّان، عن عمه واسع (^٣)، عن رافعٍ عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ مثله (^٤).
•••
[٢٦٠١] مسألة: قال مالكٌ: ولا قطع في النَّخلة الصغيرة، ولا الكبيرة (^٥).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّخلة لا تُغرسُ في موضعها للحرز، وإنّما يُرادُ بها
_________________
(١) قوله: «جريج»، كذا في جه، وصوابه: «خديج».
(٢) أخرجه مالك [٥/ ١٢٢٨]، وأبو داود [٥/ ٧٧]، والترمذي [٣/ ١١٩]، وابن ماجه [٣/ ٦٢٠]، النسائي في الكبرى [٧/ ٣٥]، وهو في التحفة [٣/ ١٥٦].
(٣) واسع بن حبان بن منقذ بن عمرو الأنصاري المازني المدني، صحابي ابن صحابي، وقيل: بل ثقة، من الثانية. تقريب التهذيب، ص (١٠٣٣).
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار [٣/ ١٧٢]، بهذا الإسناد.
(٥) المختصر الكبير، ص (٤٥٢)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٩٩]، الاستذكار [١٤/ ٢٣١].
[ ٤ / ٤٩ ]
أن تَنْبتَ، وقد بيَّنَّا أنَّ الحرز هو ما يضع الإنسانُ الشَّيءَ في الموضعِ للحرز، لا لغيره من غرسٍ أو زرعٍ.
•••
[٢٦٠٢] مسألة: قال مالكٌ: ومن سرق نخلةً من حائطِ رجلٍ، أو نخلةً قد احتلبت (^١) وبَقِيَ أصلها، فلا قطْعَ عليه.
وإن أُلقِيت بالأرض، ثمَّ سرقها رجلٌ، فبلغ ثمنها ما فيه القطْعُ، قُطِع (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا إذا قُطِعَتْ وجُعِلَتْ في موضعٍ ما، فقد احتُرِزَت، بمنزلة الثَّمر إذا آواه الجَرِين، والغنمة إذا آواها المُرَاح.
فأمَّا إذا كانت قائمةً في موضعها، لم يُقْطَعْ سارِقُهَا؛ لِأَنَّهَا لم تُجْعل في الموضعِ للحرْزِ، وإنّما يطلب بها النَّبات وزكاة الموضع وطِيبِهِ، لا حِرْزَها فيه.
•••
[٢٦٠٣] مسألة: قال مالكٌ: وَمَنِ استعار عاريَّةً، أو كان عليه دينٌ، فجحده، فلا قَطْعَ عليه (^٣).
_________________
(١) قوله: «احتلبت»، كذا رسمها، ولم أقف على معناها، ولعلها: «اجتثت»، وفي النوادر والزيادات [١٤/ ٣٩٩]، من رواية ابن وهب عن مالك: «ولا يقطع إن سرق نخلةً صغيرةً أو كبيرةً، ولو اجتثها وهي مقطوعة الرأس وخرج لم يقطع».
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٥٢)، المدوَّنة [٤/ ٥٣٧]، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٩٩].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥٢)، الموطأ [٥/ ١٢٣١].
[ ٤ / ٥٠ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا خائنٌ وليس بسارقٍ، وقد قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «لَا قَطْعَ عَلَى خَائِنٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ» (^١).
وأما قصَّة المخزومية، فقد ذُكرَ في بعضِ الآثارِ أنَّهَا سرقت حُلِيًّا (^٢)، وهذا هو الصَّحيح؛ لقبول الأصول إيَّاه؛ لأنَّ الله ﷿ جعل القطْعَ على السَّارقِ دونَ الجاحدِ للحقِّ الَّذِي هو عليه (^٣)، ولو جازَ أن يُقْطَعَ من جَحَدَ حُلِيًّا استعاره، لجاز أن يُقطعَ كُلُّ من جَحَدَ حقًّا عليه، وهذا فاسدٌ بإجماعٍ.
•••
[٢٦٠٤] مسألة: قال مالكٌ: ومن وُجد معهم سرقةٌ وهم مُتَّهمون، فقالوا: «ابْتَعْنَا»، أو: «اسْتُودِعْنَا»، فيُحْبَسُوا بقدر ما يرى الإمام، ثمَّ يُخْلَوا، ولا يُحبسوا حَتَّى يموتوا (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لجواز أن يكون قد أخذوا غيرهم أو سرقوه، فيجوز حبسهم إذا كانوا متَّهمين حَتَّى يُكْشَفَ أمرُهم.
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٥٧٥.
(٢) متفق عليه: البخاري (٣٤٧٥)، مسلم [٥/ ١١٤]، وهو في التحفة [١٢/ ٧١]، ورواية الحلي جاءت عند ابن سعد في الطبقات [١٠/ ٢٥٠].
(٣) هذا التعليل من الشارح، لتوجيه الرواية التي جاءت عند النسائي في السنن الكبرى [٧/ ١٤]، بلفظ: «كانت مخزومية تستعير متاعًا فتجحده».
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٥٢)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٥٠].
[ ٤ / ٥١ ]
وقد روى بَهْزُ بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جدِّه: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ» (^١).
ورواه عِرَاكُ بن مالكٍ، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ مثله (^٢).
•••
[٢٦٠٥] مسألة: قال مالكٌ: ولا يُقْطَعُ الغلامُ حَتَّى يحتلم، ولا الجاريةُ حَتَّى تحيضَ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الاحتلام والحيض من أحدِ علاماتِ البلوغِ، وقد ذكرنا فيما تقدم أنَّ حدَّ البلوغ في الرِّجال: الاحتلام أو الإنبات.
وقد قال مالكٌ: أو يبلغ من السِّنِّ ما إذا بلغه مثله فقد بلغ، ولم يَحُدَّهُ.
وحدُّ البلوغ في النِّساء: الحيضُ، أو الاحتلامُ، أو الإنباتُ، أو الحملُ.
وليس بلوغ خمس عشرة سنةً حدُّ البلوغ عند مالكٍ، لا في الرِّجال، ولا في النِّساء، وقد ذكرنا هذه المسألة قبل هذا الموضع.
•••
_________________
(١) أخرجه أبو داود [٤/ ٢٣٢]، والترمذي [٣/ ٨٥]، والنسائي في الكبرى [٧/ ٨]، وهو في التحفة [٨/ ٤٢٨].
(٢) أخرجه البزار [١٤/ ٣٩٨]، والبيهقي في السنن الكبرى [١١/ ٥٦٤].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥٣)، المدوَّنة [٤/ ٥٤٧].
[ ٤ / ٥٢ ]
[٢٦٠٦] مسألة: قال مالكٌ: وإذا أُمِرَ بقطعِ السَّارقِ فقُطِعت يساره، فلا أرى أن تُقْطَعَ يمينه بعد يساره (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القطْعَ قد حصل فيه، وإنّما أمر الله ﷿ بقطع يَدٍ واحدةٍ في سرقةٍ واحدةٍ، لا قطع يدين.
وهذا إذا غَلِطَ القاطعُ، فَأَمَّا إذا تعمَّد قطع يساره، ففيها نظرٌ، قد يجوز أن يقال: إنَّ عليه القَوَد.
•••
[٢٦٠٧] مسألة: قال مالكٌ: ومَنْ سَرَقَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، ثمَّ إنْ سرَقَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ، ثمَّ إنْ سَرَقَ قُطِعَتْ يَدُهُ، ثمَّ إنْ سَرَقَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ، ثمَّ إنْ سرق لم أَرَ عليه إلَّا العقوبة والحبس (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، فوجبَ قطْعُ يدِ السارقِ كُلَّما سرَقَ، إذا كانت سرقته الثَّانية بعد أن قُطِعَ في الأولى.
وقد روى عائذ بن حبيبٍ (^٣)، عن هشام بن عروة، عن محمد بن المُنْكَدِر،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥٣)، النوادر والزيادات [١٤/ ٢٢٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٥٣)، المدوَّنة [٤/ ٥٣٩]، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٤٢].
(٣) عائذ بن حبيب بن الملاح الكوفي، صدوق رُمِيَ بالتشيع، من التاسعة. تقريب التهذيب، ص (٤٧٩).
[ ٤ / ٥٣ ]
عن جابرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ قَطَعَ سَارِقًَا سَرَقَ مِرَارًَا، قَطَعَ يَدَهُ، ثمَّ رِجْلَهُ، ثمَّ يَدَهُ، ثمَّ رِجْلَهُ» (^١)، هذا معنى الحديث.
وروى مالكٌ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁، قَطَعَ رَجُلًَا أَقْطَعَ اليَدِ وَالرِّجْلِ، سَرَقَ حُلِيًّا فأَقَرَّ بِهِ، فَقَطَعَ يَدَهُ اليُسْرَى» (^٢).
وروى ابن عُلَيَّة، عن خالد الحَذَّاء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «رَأَيْتُ عُمَرَ ﵁ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ بَعْدَ يَدِهِ وَرِجْلِهِ» (^٣)، ورُوِيَ ذلك عن عثمان ﵁ (^٤).
وهو قول سعيد بن المسيب، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير.
وروى فُلَيْحٌ (^٥)، عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن أبي بكر ﵁: «أَنَّهُ
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه [٤/ ٢٣٨]، بهذا الإسناد، وهو عند أبي داود [٥/ ٨٨]، والنسائي في الكبرى [٧/ ٤١]، من طريق آخر عن ابن المنكدر، وفي التحفة [٢/ ٣٧٥].
(٢) أخرجه مالك [٥/ ١٢٢١]، وعبد الرزاق [١٠/ ١٨٧].
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة [١٤/ ٤٠٢] بهذا الإسناد، وهو عند الدارقطني [٤/ ٢٤٠].
(٤) لم أقف عليه.
(٥) فليح بن سليمان بن أبي المغيرة الخزاعي المدني، صدوق كثير الخطأ، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (٧٨٧).
[ ٤ / ٥٤ ]
قَطَعَ رَجُلًَا أَقْطَعَ اليَدِ وَالرِّجْلِ، سَرَقَ حُلِيًّا، فَأَمَرَ بِهِ فَقَطَعَ يَدَهُ اليُسْرَى، ثمَّ أُتِيَ بِهَ الرَّابِعَةَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ اليُمْنَى» (^١).
فوجب بعموم الآية وبما ذكرنا قَطْعُ يَدِهِ بعد رِجْلِهِ، ورِجْلِهِ بعد يَدِهِ، إذا سرق الرَّابعة، ولا يجوز ترْكُ ذلك، وقد قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢]، يعني: في إقامة الحدود على من وَجَبَتْ عليه.
وقوله: «إنَّ مَنْ سَرَقَ بعد الرَّابعةِ حُبِسَ وضُرِبَ»؛ فلأنَّه لا يُقْدَر في أمره على أكثر من ذلك.
•••
[٢٦٠٨] مسألة: قال مالكٌ: ومن سَرَقَ ويَدُهُ اليمنى شَلَّاءُ، فتُقْطَعُ رِجْلُهُ؛ لأنَّهُ بمنزلة اليَدِ المقطوعةِ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قطع اليَدِ الشَلَّاءِ لا يمنعه من السَّرق؛ لأنَّهُ يسرق باليد الصَّحيحة، فوجب قطع رجله الصَّحيحة لهذه العلَّة.
ولأنَّ اليَدَ الشَّلَّاءَ معدومةُ المنافعِ، فكأنَّها معدومةُ الخِلْقَةِ.
•••
_________________
(١) لم أقف عليه من طريق فليح، وقد تقدَّم ذكر الخبر عن أبي بكر قبل قليل.
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٥٣)، المدوَّنة [٤/ ٥٤٣]، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٤٢].
[ ٤ / ٥٥ ]
[٢٦٠٩] مسألة: قال مالكٌ: ومن سرق فوجب عليه القطع، فَعَدا عليه رجلٌ فقطع [يده] (^١) اليمنى - قد وجب عليه فيها القطع -، فلا قطع عليه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القاطع فعل بالسَّارق ما لا بدَّ له من فعله به؛ لأنَّهُ لا يجوز ترك قَطْعِهِ بِوجْهٍ، فلا قطع على من قطعه لهذه العلَّة.
وعليه الأدب بافتياته على الإمام.
•••
[٢٦١٠] مسألة: قال مالكٌ: ويُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ مِنْ أهلِ الكتابِ والمجوسِ، ويُقْطَعُ مَنْ سَرَقَهُمْ مِنَ المسلمين (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لعموم قول الله ﷿: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، وهذا على عمومِهِ في كلِّ سارقٍ، ومِنْ كُلِّ مسروقٍ منه، إلَّا ما قامت الدّلالة على تخصيصه من الآية.
ولأنَّ القطع في السَّرق يجري مجرى حقوق الآدميين؛ لأنَّ في ذلك الرَّدعَ والكفَّ عن أخذِ أموالهِم وسرقتِها.
وليس ذلك كحدِّ الزِّنا والخمر الَّذِي لا يقام على أهل الكتاب؛ لأنَّ ذلك
_________________
(١) ما بين [..] مطموس، والسياق يقتضيه.
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٥٣)، المدوَّنة [٤/ ٥٤٤].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥٣)، المدوَّنة [٤/ ٥٣٠]، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٦١].
[ ٤ / ٥٦ ]
من حقوق الله ﷿، وقطعُ السّرق فكالقِصَاصِ والقذفِ، فالكافرُ والمسلمُ في ذلك سَوَاءٌ، أعني: أنَّ الكافر يُقْطعُ إذا سرق، ويُحدُّ إذا قذف.
•••
[٢٦١١] مسألة: قال مالكٌ: ومن سرق خمرًا من نصرانيٍّ أو معَاهدٍ، فلا قطَعَ عليه، وعليه غُرْمُهُ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الخمرَ ليست مِمَّا لها قيمةٌ عند المسلمين، والقطعُ إِنَّمَا يجبُ فيما يُسرَقُ مِمَّا يجوز أن يَمْلِكَهُ المسلمون، أو يجوز لهم مِلْكُ بدلهِ إذا أُتْلِفَ عليهم.
وقوله: «عليه غُرْمُ ذلك»؛ فلأنَّ الخمرَ مالٌ لأهلِ الكفرِ، فإذا أُتْلِفَ عليهم، وجب على مُتلفها قيمتها، كما لو غصبها منهم غاصبٌ، وجب عليه ردّها عليهم، فَلَمَّا وجب ردُّها إذا غُصبت منهم، ولم يجب ردُّ الخمرِ على المسلمِ إذا أُخِذت منهُ، فكذلك وجب إغرامه قيمتها إذا أتلفت على النصرانيِّ؛ لِأَنَّهَا ماله، والله أعلم.
•••
[٢٦١٢] مسألة: قال مالكٌ: وتُقْطَعُ يَدُ الآبقِ إذا سَرَقَ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لعموم قول الله ﷿: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، فوجب قطعُ كلِّ سارقٍ، إلَّا ما خصَّته الدّلالة.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥٣)، المدوَّنة [٤/ ٥٣٦]، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٩٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٥٣)، الموطأ [٥/ ١٢٢٠].
[ ٤ / ٥٧ ]
وقد روى مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبد الله بن عمر: «أَنَّ عَبْدًَا لَهُ سَرَقَ، فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَى سَعِيدِ بنِ العَاصِ، فَقَطَعَ يَدَهُ» (^١). وقد رُوِيَ عن ابن عمر أيضًا: «أَنَّهُ أَمَرَ بِقَطْعِ يَدِ عَبْدٍ لَهُ سَرَقَ» (^٢).
•••
[٢٦١٣] مسألة: قال مالكٌ: وإذا امتنعَ السَّارقُ وقاتَلَهم حَتَّى تُصَابَ نفسُهُ، فهيَ هَدَرٌ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قتاله جائزٌ؛ لأنَّهُ باغٍ متعدٍّ بهذا الفعل، وقد أباح الله ﷿ قتل أهل البغيِّ، وقد قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (^٤)، فلا شيءَ على قاتِلِهِ، كما لا شيء على قاتل أهل الحرب وأهل البغيِ من المسلمين.
•••
_________________
(١) أخرجه مالك [٥/ ١٢١٨]، وعبد الرزاق [١٠/ ٢٤٠].
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى [١٧/ ٣٣٠]، من طريق ابن أبي ليلى، عن نافع: «أنَّ غلامًا لابن عمر أَبَقَ فسرق في إباقه، فأُتي به ابن عمر، فقال له ابن عمر: لن ينجيك إباقك من حد من حدود الله، قال: فقطعه».
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥٣)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٥٨].
(٤) متفق عليه: البخاري (١٤٨٠)، مسلم [١/ ٨٧]، وهو في التحفة [٦/ ٣٦٧].
[ ٤ / ٥٨ ]
[٢٦١٤] مسألة: قال مالكٌ: وإذا كان قومٌ نِيَامٌ في بيتٍ وبابُهم مفتوحٌ، فسَرَقَ منه إنسانٌ ما يجب فيه القَطْعُ، قُطِعَ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ السَّارق منهم قد سَرَقَ من الحرزِ، فعليه القطْعُ.
•••
[٢٦١٥] مسألة: قال مالكٌ: ومن سرق طيرًا قُطِعَ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لعموم قول الله ﷿: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨].
ولأنَّ الطيرَ مِمَّا يجوز مِلْكُهُ لمسلمٍ، بمنزلة الذهبِ والورِقِ والتِّبْرِ (^٣)، أنَّ القطع على من سرق ذلك وإن كان أصلها مباحًا، فكذلك يجب القطع على من سرق الطَّير أو صيدًا، إذا سرق مِمَّنْ صاده، وإن كان أصله مباحًا؛ لأنَّ ذلك كلّه قد صار ملكًا لمن صاده.
•••
[٢٦١٦] مسألة: قال مالكٌ: وإذا سرق نصرانيٌّ، ثمَّ أَسْلَمَ، قُطِعَ (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القطعَ في السَّرق هو حقٌّ لآدميٍّ، بمنزلةِ الحدِّ في
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥٤)، المدوَّنة [٤/ ٤٥٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٥٤)، المدوَّنة [٤/ ٥٣٦].
(٣) قوله: «والتِّبْرِ»، هو ما كان من الذهب والفضة، غير مصوغٍ أو مضروبٍ، ينظر: طلبة الطلبة، ص (١٨).
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٥٤)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٥٩].
[ ٤ / ٥٩ ]
القذف، فلا يسقط عنه بإسلامه، وإنّما يسقط عنه ما كان من حقوق الله ﷿ دون حقوق الآدميين.
وهذا في أهل الذمَّة، وأمّا أهل الحرب إذا أسلموا، فَإِنَّهُ يسقط عنهم ما كان من حقِّ اللهِ وحقِّ الآدميّين.
ألا ترى: أنَّ الحربيَّ إذا قتل حرًّا، ثمَّ أسلم، أو أتلف ماله، ثمَّ أسلم، لم يجب عليه قَوَدٌ، ولا دِيَةٌ، ولا غُرْمُ مالٍ، ولو فعل ذلك الذميّ، ثمَّ أسلم، لوجب عليه القَوَدُ والدِّيَةُ وغُرْمُ ما أتلف من المال.
•••
[٢٦١٧] مسألة: قال مالكٌ: ومَنْ أُخِذَ باللَّيلِ أو بالسَّحَرِ ومعه متاعٌ، فيقول: «لم أَسْرِقْ، ولكنْ فلانٌ أرسلني»، فإذا كان باللَّيل، فهو غير مأمونٍ، لم أَرَ أن يُصَدَّقَ، ويُقْطَعُ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ يريدُ إسقاطَ القطعِ بقوله: «أرسلني فلانٌ».
ولأنَّ هذه الحال الَّتِي وُجِدَ عليها ليست بحالِ أهل الأمانةِ والسِّتر، فلم يُقبَلْ قولُه فيما يَذكرهُ، وأُخِذَ بظاهرِ حالِهِ.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥٤)، المدوَّنة [٤/ ٥٢٧]، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٠٣].
[ ٤ / ٦٠ ]
[٢٦١٨] مسألة: قال مالكٌ: وإذا أُخِذَ سارقان، أحدهما في أسفل البيت، والآخر في أعلاه يَجُرُّ بالحبلِ، فيُقْطَعُ الأعلى؛ لأنَّهُ الَّذِي أخرج المتاع من حرزه (^١).
• قد ذكر مالكٌ عِلَّةَ قطعِ الأعلى وحْدَهُ؛ وهو أَنَّهُ أَخْرَجَ المتاعَ من البيتِ دون الآخر.
وقد قال في نحو هذه المسألة: «إنَّ القطع عليهما جميعًا»؛ لأنَّ الَّذِي في عُلْو البيتِ لم يصل إلى إخراجِ المتاعِ من الحرْزِ إلَّا بمعاونةِ صاحبِهِ الأسفلِ له على ذلك، وقد بيَّنَّا هذا فيما تقدَّم (^٢).
•••
[٢٦١٩] مسألة: قال مالكٌ: ومن سرق من ثياب الصَبَّاغِين الَّتِي على الحبالِ، فلا قَطْعَ عليه (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لم تُجْعل على الحبالِ للحرزِ فيها، وإنّما قُصِد بها التَّجفيف، فهي بمنزلة الغنم الرَّاعية، لا قطع على من سرقها.
•••
[٢٦٢٠] مسألة: قال مالكٌ: ومن كان متاعُهُ بفناء حانُوتِه في السُّوق، ولها
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥٤)، التفريع [٢/ ٢٢٩].
(٢) ينظر: المسألة [٢٦٢٥].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥٤)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٠٩]، البيان والتحصيل [١٦/ ٢٠٩].
[ ٤ / ٦١ ]
حَظَائِرُ من قصبٍ يُجعل عليها وتَبِيتُ في مكانها، وربما أغلق الرَّجُلُ حانُوتَه وذهب لحاجتِهِ وتركها كما هي، فعلى من سرقها القطع (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذه الأشياء كذلك تُحْرَزُ، وهذه مواضعها، ولا بدَّ للنَّاس من ذلك، فعلى من سرق الشَّيءَ من موضعٍ هو حرزُ مثلِهِ على ما يعرفه النَّاسُ القَطْعُ، على ما بيَّنَّاه فيما تقدَّم.
•••
[٢٦٢١] مسألة: قال مالكٌ: ومن سرق نَعْلَ سيفٍ (^٢)، أو الحِلَقَ التي تكون في الحوانيت، أو قَطَعَ أَطْرافَ الحَمَائِل (^٣) بما فيها من الوَرِقِ، فعليه القَطْعُ؛ وهو بمنزلة ما قُطِعَ من كُمِّ الرَّجُلِ، وبمنزلة الَّذِي يسرق من المَحْمَلِ (^٤) والمُناخِ (^٥)
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥٤)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٠٧].
(٢) قوله: «نَعْلَ سيفٍ»، هي حديدة تكون في أسفل غمد السيف، ينظر: لسان العرب [١١/ ٦٦٩].
(٣) قوله: «الحمائل»، هي جمع حِمَالة، وهي عِلاقة السيف التي تَقَع على العاتِق، ينظر: المخصص لابن سيده [٢/ ١٩].
(٤) قوله: «المحمل»، هو شِقَّانِ على البعير، يُحْمَل فيهما العَدِيلانِ، ينظر: لسان العرب [١١/ ١٧٨].
(٥) قوله: «والمناخ»، هو الموضع الذي تناخ فيه الإبل، أي: تُبرك فيه، ينظر: لسان العرب [٣/ ٦٥].
[ ٤ / ٦٢ ]
والقِطَارِ (^١)، أرى أن يُقْطَعَ، وهذا أبين من الحَمَّامِ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هؤلاء قد سرقوا الشَّيءَ مِنْ حرزِ مثْلِهِ عند النَّاسِ، فعليهم القطع؛ لأنَّ الحرز إِنَّمَا هو على ما يعرفُه النَّاسُ في الموضعِ الَّذِي سَرَقَ فيه السَّارقُ.
•••
[٢٦٢٢] مسألة: قال مالكٌ: ومن احْتَلَّ بعيرًا من قِطَارٍ، قُطِعَ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حرزَ البعيرِ في السَّيرِ هو أن يكون في قطاره، فإذا سُرِقَ مِنْهُ، قُطِعَ سارِقُهُ.
•••
[٢٦٢٣] مسألة: قال مالكٌ: ومن أتى إلى منزلِ رجلٍ، فكَسَرَ بابَهُ وأخذ متاعه، ثمَّ أُخِذَ، فقال: «أرسلني صاحبُه»، وصاحبُه بالشَّامِ، والسَّارقُ بالمدينة، فيُقْطَعُ ولا يُنْظَرُ إلى قوله؛ مَا مَنْ يَأْتِي بِاللَّيلِ مُسْتَتِرًَا، حَتَّى يَكْسِر بابَ رَجُلٍ أَوْ يَرْمُقَهُ فيأخُذَ مَتَاعَهُ بِرَسُولٍ! (^٤).
_________________
(١) قوله: «والقِطَارِ»، يعني: قطار الإبل، وهو أن تقطر الإبل بعضها إلى بعض على نسق واحد، ينظر: لسان العرب [٥/ ١٠٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٥٤)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤١٨].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥٥)، المدوَّنة [٤/ ٥٣٧]، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٢٠].
(٤) يعني: أنَّ هذا ليس فعْل الرسول.
[ ٤ / ٦٣ ]
ولو قَدِمَ صاحبُهُ فقال: «أنا بعثته»، لم يُقبل قولُه، ويُقْطَعُ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا قد وجَبَ عليهِ القطعُ بظاهرِ حالِهِ، فلا يُقبلُ قولهُ: «إنَّ صاحبَ الشَّيءِ أرسله»؛ لأنَّهُ أتى الشَّيءَ مِن غيرِ وجهِهِ، فهو الجَانِي على نفسِهِ.
ولا يُقْبلُ قولُ صاحبِهِ: «إِنَّهُ أرسله»؛ لأنَّهُ يريدُ إسقاط حدِّ اللهِ ﷿.
•••
[٢٦٢٤] مسألة: قال مالكٌ: ومن كانت له مَطَامِيرُ (^٢) يَحرِزُ فيها متاعَهُ، بفلاةٍ من الأرض أو بحضرةِ منزلِهِ:
• فما كان منها بفلاةٍ قد عفا عليه وأسْلَمَهُ صاحبُه وأخفاه، فلا أرى فيه قطعًا، والله أعلم.
• وما كان بحضرةِ أهلِهِ معروفًا به بَيِّنًا، فالقطعُ فيه على مَنْ سَرَقَ منه ثلاثةَ دراهمَ فصاعدًا (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ما قد عفا عليه وأَسْلَمَهُ صاحبُه، فقدْ خرجَ أنْ يَكونَ حِرْزَهُ، فلا قَطْعَ على من سرقَهُ منهُ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥٥)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٠٤].
(٢) قوله: «مَطَامِير»، هو جمع مطمورة، وهي حفرة تحفر تحت الأرض، يوضع فيها الطعام ونحوه، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٢٩٤).
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥٥)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٠٥].
[ ٤ / ٦٤ ]
فأمَّا ما قَرُبَ مِنْ أهْلِهِ فهو في حِرْزِهِمْ، فعليه القطعُ؛ لأنَّهُ سرق من حرزٍ.
•••
[٢٦٢٥] مسألة: قال مالكٌ: وإذا كان رجلٌ في أسفلِ البيتِ، ورجلٌ على ظهرِ البيتِ، ورجلٌ في الطريقِ، فناولَ الَّذِي في البيتِ الَّذِي على ظهرِ البيتِ، وتناول الَّذِي على ظهرِ البيتِ للَّذي في الطَّريقِ، فيُقْطَعُ الَّذِي في البيتِ والَّذي على ظهر البيتِ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الَّذِي في البيتِ والَّذي على ظهرِ البيتِ قد اشتركا جميعًا في إخراج الشَّيء من الحرزِ، فعليهِما القطعُ، وهذا إذا كانتِ الدارُ كُلُّها للمسروقِ منه.
ولا قَطْعَ على الخارجِ؛ لأنَّهُ لمْ يُخْرِجِ الشَّيءَ من حرزِهِ.
وقد قال مالكٌ في نحو هذا: «إنَّ القطعَ على مَنْ كان على ظهرِ البيتِ، دونَ مَنْ كان في البيت»؛ لأنَّهُ هُوَ الَّذِي تولَّى إخراجَ الشَّيءِ مِنَ الحرزِ وحدَهُ (^٢).
•••
[٢٦٢٦] مسألة: قال مالكٌ: ومَنِ احْتَلَّ بعيرًا مِنْ عِقَاله، أو قطع سِرارًا، أو فتح بابًا فأخرج متاعًا، فعليه القَطْعُ (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥٥)، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٢٤٥].
(٢) ينظر: المسألة [٢٦٨١].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥٥)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٢٠].
[ ٤ / ٦٥ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هؤلاءَ قدْ سَرَقُوا الشَّيءَ من حِرْزِهِ، فعليهم القطْعُ.
•••
[٢٦٢٧] مسألة: قال مالكٌ: ومن لَقِيَ رجلًا في السَّحَرِ، فابْتَزَّهُ ثوبَهُ (^١)، فَلا قَطْعَ عليه إلَّا أنْ يكونَ محارِبًا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا مُخْتَلِسٌ، ولا قطعَ على مُختلِسٍ.
فإن كان محاربًا أُقيمَ عليه حَدُّ المُحاربةِ، واجتهدَ الإمامُ في حدِّهِ، فإن رأى قطْعَ يدِهِ ورجلِهِ، قَطَعَهُ.
•••
[٢٦٢٨] مسألة: قال مالكٌ: ومن أتى بحديدةٍ أو بحجرٍ إلى كُمِّ رجلٍ، فضربَهُ بذلك وأخذَهُ، فعليه القطْعُ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا قد سرقَ الشَّيءَ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، فعليهِ القطْعُ.
•••
_________________
(١) قوله: «فابْتَزَّهُ ثوبَهُ»، يعني: سلبه وغصبه، ينظر: لسان العرب [٥/ ٣١٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٥٥)، النوادر والزيادات [١٦/ ٣٨٥].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥٥)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤١٧].
[ ٤ / ٦٦ ]
[٢٦٢٩] مسألة: قال مالكٌ: ومن قَرَطَ (^١) من السَّيْفِ - وصاحبه متقلِّدُه - ما فيه القَطْعُ، قُطِعَ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا قد سرقَ الشَّيءَ من حرزِ مثلِهِ؛ لأنَّ النَّاسَ كذلكَ يحرزونَ سيوفَهُم وما عليها إذا كانوا متقلِّدينَ لها.
•••
[٢٦٣٠] مسألة: قال مالكٌ: ومن دخل بيتًا، فأخذ ثوبًا فشقَّه في البيت، ثمَّ خرج به، فإنْ كانت قيمتُهُ بعدما خرجَ ما يجبُ فيهِ القَطْعُ، قُطِعَ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قَدْ سَرَقَ وأخَذَ مِنَ الحِرْزِ ما فيه القَطْعُ، فعليه القطْعُ.
فإنْ لَم تَكنْ قيمتُهُ وقْتَ إخراجِهِ مِنَ الحِرْزِ ما فيه القطعُ، فلا قَطْعَ عليه، وعليه غُرْمُ قيمتِهِ لصاحِبِهِ.
•••
[٢٦٣١] مسألة: قال مالكٌ: ومن سرقَ ثوبًا لا يجب في مثله القطع، وفيه مَصْرُورٌ ما يجب فيه القطعُ، فيقول: «لم أعلمْ بما فيه»، قُطِعَ ولا يُصَدَّقُ.
وما كان يُخَبَّأُ فيه، مثلُ الثَّوبِ والكيسِ، فلا يُصَدَّقُ ويقطعُ.
_________________
(١) قوله: «قَرَطَ»، يعني: قطع، ينظر: لسان العرب [٧/ ٣٧٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٥٥).
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥٥)، البيان والتحصيل [١٦/ ٢٣٣].
[ ٤ / ٦٧ ]
وما كان لا يُخَبَّأُ في مِثْلِهِ، مِثْلُ الخشبَةِ تُنْقَرُ، وإِداوةِ الماءِ، فلا أرى عليه القطْعَ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد سرقَ ما يجبُ فيه القطعُ، فعليه القطعُ.
ولا يُقبل قولُهُ: «إنَّه لم يَقْصِد سرقةَ ما فيه القطعُ» إذا كان ما سرقَهُ مثلُهُ يُخَبَّأُ وِكاءً للشَّيءِ الَّذِي فيهِ - في الأغلب عند النَّاس-.
فَأَمَّا إذا كان شيئًا لا يُحْرَزُ في مثلِهِ المالُ في الأغلبِ، قُبِلَ قولُهُ ولا يُقْطَعُ؛ لأنَّهُ لم يقْصِدْ سرقَةَ ما يجب فيه القطْعُ.
•••
[٢٦٣٢] مسألة: قال مالكٌ: وإذا لَمْ يَشْهدْ على السَّارقِ إلَّا شاهدٌ واحدٌ، لم يُقطعْ وعُوقِبَ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القطْعَ حُكْمٌ في البدنِ، فلا يجبُ بأقلَّ منْ شاهدينِ، أو إقرارِ السَّارقِ.
فَأَمَّا الشَّاهد الواحد، فلا يثبتُ به حقٌّ، ويثبتُ بالشَّاهدِ الواحدِ مع يمينِ الطَّالبِ في حقوقِ المال.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥٦)، المدوَّنة [٤/ ٥٣٨]، البيان والتحصيل [١٦/ ٢٦٠].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٥٦)، المدوَّنة [٤/ ٤٩٠].
[ ٤ / ٦٨ ]
[٢٦٣٣] مسألة: قال مالكٌ: ومن سَرَقَ سَرِقَةً فرمى بها من حرزِها إلى خارجٍ، ثمَّ أُخِذَ في البيت قبل أن يَخْرُجَ، فعليهِ القطْعُ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ هو الَّذِي أخرجها من الحرزِ، فعليهِ القطعُ.
ولو لم يُقْطعْ في هذا، لأدَّى ذلك إلى سَرَقِ أموالِ الناسِ، ثمَّ لا يكونُ على من سَرَقهمُ القطعُ، وفي ذلك ضررٌ عليهم.
•••
[٢٦٣٤] مسألة: قال مالكٌ: وإذا خرج القوم مسافرينَ، مثلُ: حَاجِّ مِصْرَ، وليس بعضُهُم رفقاءَ بعضٍ، فنزلوا منزلًا، فسَرَقَ بعضُهُم من بعضٍ، فعليهِ القطعُ؛ هُمْ بمنزلةِ الدَّارِ فيها سُكَّانٌ يسرقُ بعضهم مِن بعضٍ، فعلى من سرق منهم القطعُ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُم قد سرقوا من حرزِ مثلهم في حالِ سفرهِم، فعليهم القطعُ.
•••
[٢٦٣٥] مسألة: قال مالكٌ: ومن سرق ما لا قطع فيه، ثمَّ سرق ما لا قطع فيه، وفيهما جميعًا ما يجب فيه القطعُ، فلا قطْعَ عليهِ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يسرقْ في سرقةٍ واحدةٍ المقدار الَّذِي يجبُ في مثلِهِ القطعُ، فلا قطْعَ عليه حَتَّى يجتمعَ في السَّرقةِ الواحدةِ: المقدارُ، والحرزُ،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥٦)، المدوَّنة [٤/ ٥٣١]، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٩١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٥٦)، المدوَّنة [٤/ ٥٣٧]، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٠٥].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥٦)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٨٨].
[ ٤ / ٦٩ ]
وغيرُ ذلك من الأوصافِ الَّتِي يجب باجتماعها القطع على السَّارق، فمتى عُدِمَ وَصْفٌ منها، لم يِجبْ عليه القطعُ.
•••
[٢٦٣٦] مسألة: قال مالكٌ: ولا قطع في الغُلُولِ (^١)، وعلى صاحبه العقوبة (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الغالَّ خائنٌ وليس بسارقٍ، فلا قطعَ عليهِ.
وعليه العقوبةُ؛ لأنَّهُ فعل ما لا يجوز له فعلُهُ.
•••
[٢٦٣٧] مسألة: قال مالكٌ: ومن وُجِد معه متاعٌ، فسُئِلَ، فأخبر: «أَنَّهُ أخذَهُ وهو يظُنُّ أنَّهُ لا يعرف السَّرقَةَ»، فيُقطَعُ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا لا يُصدَّق فيما يدعيه أَنَّهُ لا يعرف السَّرقة، وتحريمُها مشهورٌ عند عامَّةِ النّاس من المسلمين وغيرهم.
•••
[٢٦٣٨] مسألة: قال مالكٌ: وإذا دخل ثلاثةٌ منزلًا، فأخذوا متاعًا
_________________
(١) قوله: «الغلول»، هو السرقة من الغنيمة التي يغنمها المجاهدون، ينظر: المنتقى للباجي [٣/ ١٩٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٥٦).
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥٦)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٥٥].
[ ٤ / ٧٠ ]
فحملوه على واحدٍ منهم فخرج به يحَمْلُهِ، فعليهم القطعُ إذا عُلِمَ أنهم حَملُوهُ، وهو بمنزلة ما لو حَملُوهُ على حمارٍ أو جملٍ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُم قد اشتركوا في السَّرق وإخراج الشَّيءِ المسروقِ من الحرزِ؛ لأنَّ الَّذِي أخرجَه لم يقْدِرْ على إخراجِهِ وحدَهُ دون معاونَةِ الآخرينَ لهُ بحمْلهم عليه، فكانوا بمنزلةِ جماعةٍ قتلوا رجلًا، فعليهمُ القتلُ؛ لأنَّ فعلَ كلِّ واحدٍ منهم غَيْرُ متميِّزٍ في القتلِ والسَّرق، وقد بيَّنَّا هذا فيما تقدَّم (^٢).
•••
[٢٦٣٩] مسألة: قال مالكٌ: وإذا كان صبيٌّ مع خادمٍ يحمله، في رجليْهِ خَلْخَالٌ، فسرقَهُ رجلٌ، فعليه القطعُ.
وقد قال مالك في الصَّبيِّ يُسرقُ ما عليه أو يُخدعُ، مثل أن يُقال: «أَهَبُ لكَ شيئًا»: فلا قطْعَ عليه، وإن أخذَهُ خِفْيًا فما هو بالبيِّنِ (^٣).
• وجه قوله: «إنه يقطَعُ»؛ لأنَّهُ قد سرَقَ الخَلْخَالَ من حِرْزِ مثلِهِ، فعليه القطعُ؛ لأنَّ النّاس كذلك يحرزون الحُلِيَّ على الصِّبيان، وبخاصّةٍ إذا كان معهم حافظٌ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥٦)، المدوَّنة [٤/ ٥٢٩].
(٢) ينظر: المسألة [٢٥٤١].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥٧)، التفريع [٢/ ٢٣٠].
[ ٤ / ٧١ ]
ووجه قوله: «إنه لا يقطعُ»؛ فلأنَّه لم يقصد السَّرقةَ بهذا الفعلِ، وإنّما أخذه على وجهِ الحيلةِ والخديعةِ، فلا قطْعَ عليهِ.
•••
[٢٦٤٠] مسألة: قال مالكٌ: ومن سرقَ من مَحْمَلٍ ثوبًا على وجهِ السَّرقةِ، فعليهِ القطعُ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد سرق الشَّيء من حرز مثلِهِ، فعليه القطعُ.
•••
[٢٦٤١] مسألة: قال مالكٌ: وإذا دخلَ قومٌ منزلًا على أنْ يسرقوا، فأخذ كلُّ واحدٍ منهم شيئًا بيدِهِ وخرَجَ بِهِ، وهم يشتركُون (^٢):
• فلا قطْعَ على مَنْ لم يبلغْ ما خرج به ربعَ دينارٍ.
• ومن بلغ ما خرج به ربع دينارٍ، قُطِعَ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هؤلاء لم يشتركوا في السَّرقةِ على فعلٍ واحدٍ، مثلُ ما يُخْرِجُونَهُ من الحِرْزِ إخراجًا واحدًا، أو يحملونه على واحدٍ لا يمكنُ ذلك
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥٧)، المدوَّنة [٥/ ٥٣٧].
(٢) قوله: «يشتركُون»، كذا في جه، ولعلها: «لا يشتركون»، والله أعلم.
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥٧)، الموطأ [٥/ ١٢٢٤].
[ ٤ / ٧٢ ]
الواحدُ حملَهُ إلَّا بمعونتِهِم، فلم يكن عليهم؛ لافتراقِ فعلهم، كما لا يجب القتلُ على المنفردين به، أعني: أنَّه لا يُقتل أحدُهم بقتل الآخر على الانفراد.
•••
[٢٦٤٢] مسألة: قال مالكٌ: وليس على من سرق خمرًا ولا خنزيرًا قطعٌ، ولكن عليه الغُرْمُ مع العقوبةِ المُوجِعَةِ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القطعَ إِنَّمَا يجبُ فيما تكون له قيمةٌ وبدلٌ عند المسلمين، والخمر والخنزير ليس لهما قيمةٌ ولا بدلٌ إذا أُتْلِفَا على المسلمين.
وعليه قيمةُ ذلك إذا أتلف على أهل الذمَّة؛ لأنَّ ذلك مالٌ مِنْ أموالهم، فعلى من أَتْلَفَهُ قيمتُهُ، كما لو غصبَهُ منهم غاصبٌ، وجب ردُّ ذلك عليهم.
•••
[٢٦٤٣] مسألة: قال مالكٌ: ومن سرق من قمحِ الفطرةِ (^٢) وعليه حارسٌ، فعليه القطعُ، خرجَ به أو لم يخرجْ به في المسجدِ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد سرق قمحَ الفطرةِ من حرزِ مثلِهِ، ولا ملْكَ له فيه ولا شبهة ملكٍ، فعليه القطعُ.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥٧)، المدوَّنة [٤/ ٥٣٦].
(٢) قوله: «قمحِ الفطرةِ»، يعني: القمح الذي يدفع لزكاة الفطرة، حيث كان يجمع عند العامل قبل العيد بيوم أو يومين.
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥٧)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤١١].
[ ٤ / ٧٣ ]
[٢٦٤٤] مسألة: قال مالكٌ: ومن سرق من رجلٍ سرقةً فعفا عنه، ثمَّ رفعه قومٌ آخرون إلى السُّلطان، فيُقْطع، وليس للسُّلطان إذا انتهى إليه حدٌّ أن يتركَه، وليس لصاحبِ السَّرقةِ في هذا عفوٌ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حدَّ السَّرقةِ إذا بلغَ الإمامَ قد تعلَّق به حقُّ اللهِ ﷿، ولا يجوزُ تركَ حقِّ الله ﷿، كما لا يجوز ترك حقِّ الزِّنا، وقد قال النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ لصفوان: «هَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» (^٢)، وقيل: «ما ينبغي للإمام ينتهي إليه حدُّ من حدود الله ﷿ أن يَتْرُكَه» (^٣)، ورُوِيَ عن الزبير أَنَّهُ قال: «إِذَا أُتِيَ بِهِ إِلَى الإِمَامِ، فَلَا عَفَا اللهُ عَنْهُ إِنْ أعْفَاهُ» (^٤).
•••
[٢٦٤٥] مسألة: قال مالكٌ: وإذا دخل سارقانِ منزلًا، فكان أحدُهُما داخلًا والآخر خارجًا، والدَّاخلُ يُخْرِجُ إليه وهو ينقل، فالقطعُ على الدَّاخل، ولا قطعَ على الخارجِ (^٥).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥٧)، المدوَّنة [٤/ ٥٤٤].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٥٧٣.
(٣) لم أقف عليه مرفوعًا عن النَّبيِّ ﷺ بهذا اللفظ.
(٤) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٥١٨.
(٥) المختصر الكبير، ص (٤٥٧)، المدوَّنة [٤/ ٥٣٢]، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٩١].
[ ٤ / ٧٤ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الدَّاخلَ هو الَّذِي أخرج الشَّيء من الحرز دون الخارج، فالقطعُ عليه دون الخارج.
•••
[٢٦٤٦] مسألة: قال مالكٌ: ولا يُشْفَعُ للسَّارق إذا صار في يدي الإمام أو الحرس، وأمّا قبل يصيرُ إليهم:
• فذلك حَسَنٌ لمن لا يُعرف منه ذلك، ومن كانت منه زَلَّة.
• وأمّا من قد عَرَفَ أذاهُ النَّاسُ، فترْكُ ذلك أحبُّ إليَّ مِنْ يُشْفَعَ له (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا بَلغَ الإمامَ أو من هو في جُملتِهِ من أعوانِهِ، فقد تعلَّق بذلك حقُّ الله ﷿، فلا تجوز الشَّفاعة في تركه، فَأَمَّا قبل ذلك فإنَّهَا تجوز، وقد قال النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ لصفوان: «هَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» (^٢)، حين عفا عن سارقِهِ.
فأمَّا إذا كان معروفًا بالسَّرق وأذى النَّاسِ، فليس يُحبُّ أن يُشْفَعَ في مثلِهِ؛ لأنَّ في إقامة الحدِّ على مِثْلِهِ صلاحًا للنَّاسِ، وإنّما يُحبُّ أن يُشفَعَ فيمَنْ كانت منه زلَّة لا يعود إلى مثْلها في الأغلب، وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ أَنَّهُ قال: «أَقِيلُوا ذَوِي الهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ» (^٣).
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥٨)، المدوَّنة [٤/ ٥٣١]، التفريع [٢/ ٢٢٦].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٥٧٣.
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢١٥٢.
[ ٤ / ٧٥ ]
[٢٦٤٧] مسألة: قال مالكٌ: ومن حَلَّ دابَّةً من باب المسجد، فلا قطع عليه، إلَّا أن يكون معها أحدٌ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا كان معها من يحفظها، فقد سرقها من حرْزها، وإذا لم يكن معها من يحفظها، فليست في حرزٍ، فلا قطع عليه.
•••
[٢٦٤٨] مسألة: قال مالكٌ: ومن سرق من متاعِ الحمَّام - مِمَّنْ لم يدخُلْهُ -، فعليه القطعُ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد سرق الشَّيءَ من حرزِ مثله، فعليه القطع؛ لأنَّهُ لم يُؤْذَنْ له في دخول الحمَّام.
فأمَّا من دخله بإذنٍ، فلا قطع عليه؛ لأنَّهُ خائنٌ غير سارقٍ.
•••
[٢٦٤٩] مسألة: قال مالكٌ: ومن سرق قمحًا، فجعل ينقل قليلًا قليلًا، في كلّ نقلةٍ ما لا يجبُ فيه القطع، فعليه القطعُ؛ لِأَنَّهَا بمنزلة سرقةٍ واحدةٍ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ وجهَ سرقةِ القمحِ وشِبْهِهِ من المَكِيلِ والمَعْدُودِ الصِّغار هكذا، فعليه القطعُ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥٨)، النوادر والزيادات [١٤/.٤١٠].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٥٨)، المدوَّنة [٤/ ٥٣٣].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥٨)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٨٨].
[ ٤ / ٧٦ ]
ولو لم يُقْطع في مثل هذا، لأدَّى ذلك إلى إتلاف أموال النَّاس.
•••
[٢٦٥٠] مسألة: قال مالكٌ: ومن جاء إلى صبيٍّ بباب المسجد أو كبيرٍ، فخَلَبَهُ (^١) فأعطاه فلوسًا على أن أعطاه الدَّابَّة، أو قال له: «أرسلني مولاك، وقال: جِئْنِي بالثَّوب من البيتِ»، فلا قطع عليه.
وإن قطع الرِّكَابَيْن (^٢) والغلام على الدَّابَّة، فعليه القطعُ، وإن كان نائمًا فلا قطْع عليه.
وهو بمنزلةِ الدَّابَّة تكونُ مربوطةً لا أحدَ معها فيأخُذها، أو يأخذ الرِّكَابَيْن أو الثوبَ، ولا يشبِهُ الدَّابَّة المربوطةَ بفِنِاء صاحِبِها (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا احتال في الأخذِ منه بما أعطاه إيَّاه، ولم يأخذه على وجه السَّرقة.
فأمَّا إذا قطع الرِّكَابَيْنِ والغلام على الدَّابَّة، فعليه القطعُ؛ لأنَّهُ أخذها على وجه السَّرقة من حرزها.
_________________
(١) قوله: «فخَلَبَهُ»، يعني: خدعه، ينظر المصباح المنير، ص (١٧٦).
(٢) قوله: «الرِّكَابَيْن»، هو مثنى الرِّكَاب، وهو الموضع الذي توضع فيه رِجْل الراكب على الدَّابَّة، ينظر: لسان العرب [١/ ٤٣٠].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥٨)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٠٩ - ٤١٠]، البيان والتحصيل [١٦/ ٢٢٥].
[ ٤ / ٧٧ ]
فإن كان الغلام نائمًا، فلا قطع عليه؛ لأنَّهُ أخذها من غير حرزها؛ لأنَّ النائمَ غيرُ حافظٍ للدَّابةِ، وليست بمنزلة الثَّوب يكون نائمًا عليه أو تحت رأسه.
فأمَّا الدَّابَّة المربوطةُ بموضعها أو بفِناءِ صاحبها، فعلى من سرقها القطع؛ لأنَّهُ سرقها من حرْزِ مِثلها.
أو الدَّابَّة الواقعةُ في موضعٍ لم تُربط فيه، فليس هو موضعها، فليست في حرزٍ، إلَّا أن يكون معها من يحفظها.
•••
[٢٦٥١] مسألة: قال مالكٌ: ومن سرق من المَحْمَل وصاحبُهُ فيهِ أو ليس فيه، ففيه القطع، إلاَّ أن يكون محملًا مخلَّىً هكذا، فلا قطْعَ عليه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المحملَ حرزٌ لِمَا فيه، كان فيه صاحبُه أو لم يكن إذا كان بقربه، فَأَمَّا ما بَعُدَ عنه فليس مثلُهُ في حرزٍ، فلا قطع على من سرقه أو سرق منه شيئًا فيه.
•••
[٢٦٥٢] مسألة: قال مالكٌ: وإذا قُطِرَتِ الإبلُ، فاحْتَلَّ سارقٌ بعيرًا مِنْ آخرِها، فعليهِ القطعُ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥٨)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤١٠].
[ ٤ / ٧٨ ]
وإذا كانت مجتمعةً تُساقُ ليست مقطورةً، فدخل في وسطها فسرق، فعليه القطعُ.
وأمَّا إن أُخِذَ وهو معه، فقال: «وجدْتُهُ شذَّ عن الإبلِ» أو: «تخلَّف يعتَلِف»، فلا قطعَ عليه؛ وهي بمنزلة المَقْطُورةِ لو انقطع به القطارُ، لم يكن عليه القطعُ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ سرقَ البعيرَ من موضعٍ هو حرزُ مثلِه في السَّيرِ، وسواءٌ كان مقطورًا أو مجتمعًا مع غيره تساقُ كلُّها.
فأمَّا إذا لم يسرقه كذلك فلا قطعَ عليه؛ لجواز ما يقولُ: «إنَّه وجدَهُ شذَّ عن الإبل، فأخذَهُ على غير وجهِ السَّرقة».
•••
[٢٦٥٣] مسألة: قال مالكٌ: وإذا كانت الدَّوابُّ عليها الزَّوَامِل (^٢)، فوقف لها سارقٌ على الطَّريق فأخذ منها دابَّةً فتنحَّى بها، فيُقْطعُ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد سرق الدَّابَّة من حرْزِ مِثْلها في السَّير، ولا بُدَّ للنَّاس من الانتفاع بدوابِّهم وتصرّفهم فيها، فإذا سرقها من حرزها كذلك، فعليه القطعُ.
•••
[٢٦٥٤] مسألة: قال مالكٌ: ومن أشار إلى شاةٍ بعلفٍ حَتَّى تخرجَ فسرقها،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥٨)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٢٠].
(٢) قوله: «الزَّوَامِل»، هي جمع زاملة، ما يحمل فيه المسافر حاجته من خرجٍ ونحوه، ينظر: حاشية الدسوقي [٤/ ٢٤].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥٩)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٢٢].
[ ٤ / ٧٩ ]
فلا قطْع عليه، وهو بمنزلةِ ما لو أتى معه بإنسانٍ فأرسله فأخرجها له، فلا قطع عليه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا احتال في أخْذِ الشاة من حرزها، ولم يُخرجها هو بنفسه من الحرز، فلا قطع عليه.
والرَّامِي بالشَّيء من الحرز إلى خارج الحرز، فقد أخرج هو الشَّيء من الحرز، فعليه القطع.
وأحْسبُ أنَّ عبد الملك بن عبد العزيز قال - فيمن أخرج شاةً من حرزها على هذا الوجه -: «إنَّ عليه القطع».
•••
[٢٦٥٥] مسألة: قال مالكٌ: وإذا حُصِدَ الزَّرعُ ووُضِعَ في الغائط (^٢)، فضُمَّ بعضه إلى بعضٍ، فسرق منه إنسانٌ شيئًا، وعنده حارسٌ أو لا حارسَ عنده، فعليه القطعُ؛ وهو بمنزلةِ الجَرِين، وليس بمنزلة الزَّرعِ القائمِ، ولا الثَّمر في رؤوس النَّخل (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا قد سرق الزَّرع من حرز مثله؛ لأنَّ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٥٩)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤١٩]، البيان والتحصيل [١٦/ ٢٢٧].
(٢) قوله: «الغائط»، يعني: الأرض المتسعة، ينظر: لسان العرب [٧/ ٣٦٤].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٥٩)، البيان والتحصيل [١٦/ ٢١٨].
[ ٤ / ٨٠ ]
النّاس كذلك يحرزون غلاَّتهم وما قد حصدوه، كما يحرزون ثمرهم في الجَرِين وغنمهم في المُرَاح.
وقد قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «إِذَا آوَاهُ الجَرِينُ أَوِ المُرَاحُ فَعَلَيْهِ القَطْعُ» (^١) يعني: في الثَّمر والغنم، إذا جُعِل الثَّمرُ في الجَرِين والغنمُ في المُرَاح؛ لأنَّ ذلك حرزٌ لهما، وكذلك الزَّرع إذا حُصد فهو حرزٌ إذا جُعل في موضعٍ وجُمع فيه.
فأمَّا إذا لم يُحصد الزَّرعُ ولم يُجَدَّ الثَّمرُ، فلا قطعَ على من سرق منه؛ لأنَّهُ لم يأخذْهُ من حرزٍ جعلَهُ فيه صاحبُهُ، وإنّما هو شيءٌ أخرجه الله ﷿، من غير جعل آدميٍّ فيه.
•••
[٢٦٥٦] قال أشهَبُ وابنُ القاسمِ: ومن سرق من الإمامِ سُرقةً، وشَهِدَ عليه العدول، فينبغي للإمام أن يقطعَهُ؛ لأنَّهُ حدٌّ لله ﷿، ولا يَحْكُمُ لنفسِهِ بالغُرْمِ؛ لأنَّهُ حقٌّ له.
ويَرْفَعُ ذلك إلى من هو فوقه، فَيَغْرَمُهُ ذلك في مالٍ إن كان له (^٢).
• إنَّما قال: «إنَّ الإمام يقطعُهُ إذا شهد عدولٌ على سرقته منه»؛ لزوال التُّهْمَةِ في ذلك بقيام الشّهادة عليه في السَّرقة، كما لو زنا بأَمَتِهِ، لحدَّهُ الإمامُ إذا
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٥٥٢.
(٢) هذه المسألة ساقطة من المطبوع، وينظر: النوادر والزيادات [١٤/ ٤٥٧]، البيان والتحصيل [١٦/ ٢٦٤].
[ ٤ / ٨١ ]
شهد على ذلك غيره؛ لأنَّ ذلك حدٌّ لله ﷿، لا يجوز للإمام تركُهُ، فكذلك حدُّ السَّرَق مثلُهُ، لا يجوز للإمام تركُهُ.
فأمَّا حُكْمُهُ بالمال لنفسه فلا يجوز؛ لأنَّهُ لا يجوز للحاكم أن يحكم لنفسِهِ، بل يرفع ذلك إلى غيره حَتَّى يَحكُمَ له به.
وقد فعل ذلك غيرُ واحدٍ من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ، تحاكَمُوا إلى من هو دونهم مِمَّنْ وَلَّوْهُ في خصومةٍ كانت بينهم وبين غيرهم، منهم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفَّان، وعليّ بن أبي طالبٍ (^١)، وغيرهم من الصَّحابة ﵃.
فكذلك لا يجوز للحاكم أن يَحْكُمَ لنفسه، كما لا يجوز للشَّاهد أن يشهد لنفسه، وإنّما يجوز أن يحكم على غيرهِ لغيرهِ لا لَهُ، ولا خلاف في هذا بين أهل العلم، والله أعلم.
•••
_________________
(١) ينظر أثر عمر عند البيهقي في السنن الكبرى [٢٠/ ٤٠٣]، وأثر عثمان ذكره ابن قدامة في المغني [١٤/ ٩١]، ولم أقف عليه، وأثر علي عند البيهقي في السنن الكبرى [٢٠/ ٤٠٤].
[ ٤ / ٨٢ ]