[٢٤٨٧] قال مالكٌ: ومن شَهِد عليه رجلٌ: «أنَّه رآه في شعبان سكرانَ من خمرٍ»، وشهد آخر: «أَنَّهُ رآه في رمضان سكرانَ من خمرٍ»، فيُحدُّ، وهو بمنزلة ما لو رَأَيَاهُ في مجلسٍ واحدٍ، فشهد أحدهما أَنَّهُ شرب خمرًا في قَدَحٍ من عِيدَان، وشهد الآخر أَنَّهُ شرب في قَدَحٍ من قَوَارِيرَ، فنحدُّه.
وقال أشهبُ: لا يُحدُّ (^١).
• قال أبو بكرٍ: إِنَّمَا قال إنَّ عليه الحدَّ؛ لأنَّهما قد اتَّفقا على شربه الخمر، وجنس الخمر فغير مختلفٍ.
وليس ذلك كاختلافهما في الزِّنا والسَّرق؛ لأنَّ جنس الأموال والزِّنا مختلفٌ، فلا حدَّ فيه حَتَّى يتَّفقا في الشّهادة في الوقت والفعل؛ لجواز أن تكون له في عينٍ مَوْطُوءَةٍ شبهةٌ، ولا تكون له شبهةٌ في عين الأخرى، وكذلك عين المسروق.
فأمَّا الخمر فجنسها واحدٌ، ولا يختلف حكم عينها، فإذا شهد شاهدان على شربه لها، كان عليه الحدُّ، سواء شُهِدَ عليه في وقتٍ واحدٍ أو وقتين.
وقال أشهب: «لا حدَّ عليه»، ووجه قوله: إنَّه لا فرق بين عين شرابٍ ما،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٣٧)، النوادر والزيادات [٩/ ٩٦]، البيان والتحصيل [١٠/ ٥٢].
[ ٣ / ٥٧٧ ]
وعين شرابٍ آخر في جواز الشّبهة في أحد العينين دون الآخر، كما يكون ذلك في المَوْطُوءَةِ والمَسْرُوقِ.
وهذا القول أقيسُ، وهو قول محمد بن عبد الله بن عبد الحكم.
•••
[٢٤٨٨] مسألة: قال مالك: وإذا اختلفت الشّهادة في ريح الخمر، فإذا شهد اثنان عدلان أَنَّهُ ريح خمرٍ، حُدَّ، ولا يُقبل إلَّا مِمَّنْ يعرف الخمر من أهل الإسلام (^١).
•••
[٢٤٨٩] مسألة: ومن شُهِد عليه برائحة الخمر، حُدَّ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ، لأنَّ الخمر إِنَّمَا يُعلم أنَّه خمرٌ برائحته؛ لأنَّهُ لا يمكن شُربُه فيُعْلَمُ ذلك بشربه، وإذا كان كذلك، ثمَّ شهد عدلان أَنَّهُ خمرٌ، حُدَّ شاربه.
وكذلك إذا شُمَّ رائحة الخمر منه حُدَّ؛ لأنَّهُ كما يُحدُّ إذا شرب ما شُهِد على أَنَّهُ خمرٌ بالرائحة، فكذلك يُحدُّ إذا شُمَّ الرَّائِحَةُ منه وشهد على رائحتها عدلان.
وقد حدَّ عمر بن الخطاب ابنه على الرَّائحة بمحضرٍ من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ، ولم ينكر عليه أحدٌ، ولا خالفه فيه.
فروى مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن السَّائِبِ بن يزيد، أَنَّهُ أخبره: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٣٧)، ولم يتطرق الشارح لهذه المسألة، كما في المخطوط، وينظر: المنتقى للباجي [٣/ ١٤٣]، الاستذكار [٢٤/ ٢٥٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٣٧)، المدوَّنة [٤/ ٥٢٣].
[ ٣ / ٥٧٨ ]
الخَطَّابِ ﵁ خَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ مِنْ فُلَانٍ رِيحَ شَرَابٍ، فَزَعَمَ أَنَّهُ شَرِبَ الطِّلَاءَ (^١)، وَإِنِّي سَائِلٌ عَمَّا شَرِبَ، فَإِنْ كَانَ مُسْكِرًَا جَلَدْتُهُ»، فَجَلَدَهُ عُمَرُ ﵁ الحَدَّ تَامًّا» (^٢)، فدلَّ هذا الخبر: أنَّ عمر جلده على الرَّائحة من غير بيِّنةٍ قامت على شربه الخمر، ولا إقراره بأنه شرب خمرًا، فكذلك إذا شَهِدَ على الرَّائحة منه عدلان حُدَّ، وإن لم يعترف بالشُّرب المشْهُودُ عليه.
•••
[٢٤٩٠] مسألة: قال مالك: وإذا شهد شاهدٌ أنَّه سمع سعيدًا في شعبان يقول: «إنَّ ميمون زانٍ، وإنَّه ليس من بني فلانٍ»، وشهد آخر أَنَّهُ سمعه في رمضان يقول ذلك، وجب عليه الحدُّ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القول يُكَرَّر ويعاد مثله، فإذا شهد اثنان على قذفه رجلًا حرًّا مسلمًا عفيفًا، وجب عليه الحدُّ، وإن كان سماعهما في وقتين.
ألا ترى: أنَّ رجلًا لو شهد على إقرار رجلٍ بمئةٍ، وشهد عليه آخر بإقرارهِ في وقتٍ آخر بخمسين، لثبت للمُقَرِّ له الخمسين بشاهدين، وإن كان إقراره في وقتين، فكذلك القذف والطلاق مثله؛ لِأَنَّهَا شهادةٌ على القول.
_________________
(١) قوله: «الطِّلَاء»، هو ماء العنب إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه، ينظر: طلبة الطلبة، ص (٤٦).
(٢) أخرجه مالك [٥/ ١٢٣٣]، ومن طريقه النسائي في الكبرى [٥/ ١١٦]، وهو في التحفة [٨/ ٢٢].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٣٧)، المدوَّنة [٤/ ٤٨٧].
[ ٣ / ٥٧٩ ]
فأمَّا إذا كانت شهادةً على الفعل، مثل: الزِّنا والقتل والسَّرق، فَإِنَّهُ يُحتاج أن تكون الشّهادة على الفعل في وقتٍ واحدٍ، فإذا اختلفت الأوقات، لم يحكم بها.
•••
[٢٤٩١] مسألة: قال مالكٌ: ومن شرب مسكرًا، فعليه الحدُّ، سكر أو لم يسكر (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ جنسه يُسْكِر، فوجب على شارب قليله الحدُّ، كما كان على شارب قليل الخمر الحدُّ؛ لأنَّ كثيره يسكر.
وقد رُوِّينا أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ حدَّ ابنه على الرَّائحة من غير أن رآه سكرانَ، ولا أقرَّ بشرب خمرٍ (^٢)، وإنّما حدَّهُ، لِمَا قيل: إنَّ جنسه يُسكر.
ولأنه لا فرق أيضًا بين الحدِّ في قليل ما يُسكر كثيره، وبين قليل الخمر الَّذِي يُسكر كثيره.
وقد روى حمّاد بن زيدٍ، عن أيوب، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٣٧)، الموطأ [٥/ ١٢٣٥]، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٠١].
(٢) تقدَّم ذكره قريبًا.
(٣) أخرجه مسلم [٦/ ١٠٠]، وهو في التحفة [٦/ ٦٣].
[ ٣ / ٥٨٠ ]
وروى مالكٌ وسفيان بن عيينة، عن الزّهري، عن أبي سلمة، عن عائشة، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» (^١).
وروى القاسم بن محمد، عن عائشة، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «مَا أَسْكَرَ الفَرَقُ، فَالأُوقِيَّةُ مِنْهُ حَرَامٌ» (^٢).
وروى الأوزاعي وغيره، عن أبي كثيرٍ السُّحَيْمِيّ (^٣)، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «الخَمْرَةُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، النَّخْلَةِ وَالعِنَبَةِ» (^٤).
وروى النُّعْمَانُ بن بشير، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مِنَ العِنَبِ خَمْرٌ، وَمِنَ الشَّعِيرِ خَمْرٌ، وَمِنَ الحِنْطَةِ خَمْرٌ، وَمِنَ الذُّرَةِ خَمْرٌ» (^٥).
فلمَّا كانت الخمر من هذه الأشياء، وجب على شارب قليل ذلك الحدُّ، كما يجب على شارب قليل الخمر من عصير العنب الحدُّ.
•••
[٢٤٩٢] مسألة: قال مالكٌ: ومن أقرَّ على نفسه بشرب الخمر، حُدَّ، وإن نزع عن ذلك فقال: «إنّما قلته لوجه كذا وكذا»، فليس عليه حدٌّ.
ويُضرب شارب الخمر كلَّما أُتيَ به (^٦).
_________________
(١) حديث مالك في الموطأ [٥/ ١٢٣٧]، ومن طريقه البخاري (٥٥٨٥)، ومسلم [٦/ ٦٩]، وحديث سفيان في البخاري (٢٤٢)، ومسلم [٦/ ٩٩]، والحديث في التحفة [١٢/ ٣٦٢].
(٢) أخرجه أبو داود [٤/ ٢٥٥]، وهو في التحفة [١٢/ ٢٩١].
(٣) أبو كثير السحيمي الغُبَري اليمامي، ثقة، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (١١٩٦).
(٤) أخرجه مسلم [٦/ ٨٩]، وهو في التحفة [١٠/ ٤٢١].
(٥) أخرجه أبو داود [٤/ ٢٥١]، والترمذي [٣/ ٤٤٧]، وابن ماجه [٤/ ٤٦٧]، وهو في التحفة [٩/ ٢٣].
(٦) المختصر الكبير، ص (٤٣٧)، النوادر والزيادات [١٤/ ٢٤٨].
[ ٣ / ٥٨١ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ، كما يقول (^١) في حدِّ الزّنا: «إنَّ رجُوعه يقبل»، وكذلك حدُّ الخمر؛ لأنَّهما جميعًا حدُّ لله ﷿ يسقط بالشبهة.
وقد قال مالكٌ في الزنا: «إنَّ رجوعه لا يُقبل حَتَّى يأتي بعذرٍ» (^٢)، وكذلك الخمر مثله.
وقوله: «إنَّه يُضرب كلَّما شرب»، فكما يُحدُّ كلّما زنا، ويُقطع كلّما سرق، إذا كان شُرْبُه بعد إقامة الحدِّ عليه، وقد قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدْهُ» (^٣).
•••
[٢٤٩٣] مسألة: قال مالكٌ: ومن شرب خمرًا، وجب عليه الحدُّ في أوَّل جرعةٍ يتجرَّعها.
وإن شرب بعد ذلك أكواسًا كثيرةً، فليس عليه إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ.
وإن شرب بعد الحدِّ حُدَّ.
ومن شرب الخمـ[ـر] (^٤) مرارًا قبل أن يحـ[ـدَّ] (^٥)، فليس عليه إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ (^٦).
_________________
(١) يعني: مالك.
(٢) ينظر: المسألة [٢٤٠١].
(٣) أخرجه أبو داود [٥/ ١٢١]، والترمذي [٣/ ١١٤]، وابن ماجه [٣/ ٦٠٤]، وهو في التحفة [٨/ ٤٣٨].
(٤) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، والسياق يقتضيه.
(٥) ما بين []، غير ظاهر بسبب التصوير، والسياق يقتضيه.
(٦) المختصر الكبير، ص (٤٣٨)، التفريع [٢/ ٢٢٦]، المنتقى للباجي [٣/ ١٤٥].
[ ٣ / ٥٨٢ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ، كما لو زنا مرارًا، أو أولج في الفرج مرارًا، فعليه حدٌّ واحدٌ قبل أن يحدَّ، بإجماع أهل العلم، وكذلك إذا سرق مرارًا.
فكذلك الشُّرب مثله، إذا شرب مرارًا فعليه حدٌّ واحدٌ، وإن حُدَّ، ثمَّ شرب كان عليه حدٌّ آخر، كما يزني فيُحَدُّ، ثمَّ يزني فعليه حدٌّ، وكذلك إذا سرق بعد الحدَّ فعليه حدٌّ آخر.
•••
[٢٤٩٤] مسألة: قال مالك: ومن وجُد مفطرًا في شهر رمضان بشرب الخمر، فعليه نكالٌ مع الحدِّ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ: «إنَّ عليه النَّكال»؛ لجرأته على الفطر في رمضان من غير عذرٍ.
وعليه الحدُّ؛ لشربه الخمر.
•••
[٢٤٩٥] مسألة: قال مالك: ومن وُجِدَ مع قومٍ يشربون ولم يشرب، وليست به رائحةٌ، ولعله يقول: «إنّي صائمٌ»، فَإِنَّهُ يُعاقب (^٢).
• إنّما قال: «إنّه يعاقب»؛ لحضوره حالًا هي معصيةٌ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٣٨)، المدوَّنة [٤/ ٥٤٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٣٨)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٠٣].
[ ٣ / ٥٨٣ ]
ولا حَدَّ عليه؛ لأنَّهُ لم يَثْبُت عليه أَنَّهُ شرب خمرًا، ولا شُمّت منه رائحتها.
•••
[٢٤٩٦] مسألة: قال مالك: ولا بأس بالنَّبِيذِ الحُلْوِ (^١)، وما أسكر كثيره فقليله حرامٌ، ويجلد فيه الحدُّ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّبِيذَ الحُلْوَ جائزٌ شربه، إذ ليس شيءٌ يمنع منه.
وقد روى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «كَانَ أَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الحُلْوُ البَارِدُ» (^٣).
وروِّينا: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَشْرَبُ النَّبِيذَ الحُلْوَ، يُنْبَذُ لَهُ غُدْوَةً، فَيَشْرَبُهُ عَشِيًّا» (^٤).
فأمَّا ما أسكر كثيره، فقليله حرامٌ، وقد روِّينا ذلك عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ (^٥).
_________________
(١) قوله: «بالنبيذ الحلو»، هو أن يوضع التمر أو الزبيب في الماء حتى يصير حلوًا، ثم يشرب، ينظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية [٣/ ٤٢٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٣٨)، النوادر والزيادات [١٤/ ٢٨٨].
(٣) أخرجه الترمذي [٣/ ٤٦١]، والنسائي في الكبرى [٦/ ٢٩٢]، وهو في التحفة [١٢/ ٩٢].
(٤) أخرجه مسلم [٦/ ١٠٢]، وهو في التحفة [١٢/ ٣٨٩].
(٥) أخرجه أبو داود [٤/ ٢٥٣]، والترمذي [٣/ ٤٤٢]، وابن ماجه [٤/ ٤٧٥]، وهو في التحفة [٢/ ٣٥٩].
[ ٣ / ٥٨٤ ]
ورُوِيَ ذلك من حديث القاسم بن محمد، عن عائشة، عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ أَنَّهُ قال: «مَا أَسْكَرَ الفَرَقُ، فَالأُوقِيَّةُ مِنْهُ حَرَامٌ» (^١).
وروى مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن أبي سلمة، عن عائشة، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» (^٢).
•••
[٢٤٩٧] مسألة: قال مالك: ومن وُجِد به رائحةٌ، فشهد ذَوَا عدلٍ أَنَّهُ مسكِرٌ، حُدَّ، وإلّا:
• فإن كان من أهل السَّفَهِ، نُكِّل.
• وإن كان رِضًا، لم يكن عليه نكالٌ ولا غيره (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا لم يشهد عليه بالرائحة ذوا عدلٍ، ولا أقرَّ بالشُّرب للخمر، فلا حدَّ عليه.
ويُنَكّل إذا كان من أهل السَّفه؛ لأنَّهُ مُتَّهمٌ في هذه الرَّائحة.
وإن كان من أهل الرِّضا فلا شيء عليه؛ لأنَّهُ غير متَّهمٍ إذا كان من أهل السَّلامة.
•••
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٤٩١.
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٤٩١.
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٣٨)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٠١].
[ ٣ / ٥٨٥ ]
[٢٤٩٨] مسألة: قال مالك: ولا يُحْرَقُ البيت الَّذِي يوجد فيه الخمر (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حرق بيته تَعَدٍّ، فلا يجوز ذلك.
وقد رُوِيَ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ أَحْرَقَ بَيْتَ رُوَيْشِدٍ السَّقَفِيِّ» (^٢) (^٣)، فإن صحَّ الخبر، فيجوز أن يكون بيتًا مفردًا كان للخمر، فأحرق البيتَ مع الخمر؛ لأنَّهُ كان تقدَّم إليه وزجره عن ذلك، فلمَّا عاد، غلَّظ عقوبته.
وقد أحرق النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ المسجد الَّذِي بُنِيَ على الضِّرار (^٤)، وقال في مانع الصَّدقة: «إِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ إِبِلِهِ» (^٥)، فجائز أن يعاقب الإمام في البدن والمال لمن استحقَّ ذلك.
•••
[٢٤٩٩] مسألة: قال مالكٌ: ومن أدمن الخمر، جُلِد كلَّما أُتي به، ولو أُلْزِم السجن - إذا كان مدمنًا -، لكان خَلِيقًا (^٦).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٣٨)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٠٠]، البيان والتحصيل [١٦/ ٣٩٧].
(٢) قوله: «السَّقفي»، كذا في جه، وفي مصادر التخريج أنه ثقفي.
(٣) أخرجه عبد الرزاق [٦/ ٧٧]، وأبو عبيد في كتاب الأموال [١/ ١٨٣]، وابن سعد في الطبقات [٧/ ٦٠].
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك [٥/ ٦٠].
(٥) أخرجه أبو داود [٢/ ٣٢٣]، والنسائي في الكبرى [٣/ ١١]، وهو في التحفة [٨/ ٤٢٩].
(٦) المختصر الكبير، ص (٤٣٨)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٠١]، البيان والتحصيل [١٦/ ٢٩١].
[ ٣ / ٥٨٦ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ» (^١).
وفي حبس مدمنه صلاحٌ ليرتدع.
فأمَّا الحَدُّ في الخمر فهو ثمانون جلدةً، وكذلك أمر النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ بضرب الَّذِي أُتِيَ به.
فروى يزيد بن هارون، قال: أخبرنا المَسْعُودِيُّ (^٢)، عن زيد العَمِّيِّ (^٣)، عن أبي نَضْرَةَ (^٤)، عن أبي سعيد: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ضَرَبَ فِي الخَمْرِ بِنَعْلَيْنِ أَرْبَعِينَ» (^٥).
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٤٩٢.
(٢) عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي المسعودي، صدوق، اختلط قبل موته، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (٥٨٦).
(٣) زيد بن الحواري العمي البصري، ضعيف، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٣٥٢).
(٤) المنذر بن مالك بن قطعة العبدي العوقي، ثقة، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٩٧١).
(٥) أخرجه أحمد [١٨/ ١٨٥]، بهذا الإسناد، وهو في الترمذي [٣/ ١١٢]، وهو في التحفة [٣/ ٣٣٤].
[ ٣ / ٥٨٧ ]
وروى حجَّاج، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن هلال (^١)، عن عبد الله: «أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ خَمْرًَا فِي رَمَضَانَ، فَضَرَبَهُ ثَمَانِينَ، وَعَزَّرَهُ عِشْرِينَ» (^٢).
وقد ضرب عمر بن الخطاب في الخمر ثمانين، وأشار عليه بذلك عليٌّ، وعبدُ الرحمن، وجماعةٌ من الصَّحابة، فقالوا: «إِذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، فَنَرَى أَنْ تَحُدَّهُ حَدَّ المُفْتَرِي» (^٣).
•••
[٢٥٠٠] مسألة: قال مالكٌ: والجلد في الحدود: الإيجاع.
ويُنْزَعُ عن المرأة من الثِّياب ما يقيها الضَّرب، ويُترك عليها ما يواريها (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله ﷿ لم يفرِّق في ضرب الحدود، فقال ﷿: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢]، بعد قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، وقال في القذف: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤]، وأمر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ بضرب شارب الخمر، وكذلك ضربه أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ بعده، ولم يفرِّق رسول الله
_________________
(١) الأسود بن هلال المحاربي الكوفي، مخضرم، ثقة جليل، من الثانية. تقريب التهذيب، ص (١٤٦).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة [١٤/ ٥٠٦].
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٤٨٥.
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٣٩)، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٢١٦].
[ ٣ / ٥٨٨ ]
صَلَّى الله عَلَيْهِ ولا أصحابه في الإيجاع في الضَّرب بين حدّ الخمر والقذف وغيرهما من الحدود، فوجب أن يُؤلم المضروبُ في الحدِّ؛ ليرتدع عن مثل ما ارتكبه (^١).
وقوله: «يُنْزَعُ عن المرأة من الثِّياب ما يقيها الضَّرب»؛ فلأنْ تأَلمَ بالضَّرب وترتدع بالحدِّ عن مثل ما ضُرِبت له.
وقوله: «يُتْرَكُ عليها ما يواريها»؛ فلأنَّها عورةٌ، ولا يجوز كشف عورتها؛ لأنَّ بدنها عورةٌ.
•••
[٢٥٠١] مسألة: قال مالكٌ: ويُجَرَّد الرَّجُلُ، ولا تُجَرَّد المرأَةُ.
ويُجلدان وهما قاعدان (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ بدن الرَّجُلِ ليس بعورةٍ كبدن المرأة، إلَّا موضع عورته، فَإِنَّهُ لا يُكشف.
•••
[٢٥٠٢] مسألة: قال مالكٌ: ولا تُجلد الأعضاءُ كلّها (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ من الأعضاء ما يَتْلَف الإنسانُ بجلدها، كالذَّكَر،
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ٢١٦]، شرح المسألة عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٣٩)، التفريع [٢/ ٢٢٧].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٣٩)، المدوَّنة [٤/ ٥٠٤]، النوادر والزيادات [١٤/ ٣١٠].
[ ٣ / ٥٨٩ ]
والأنثيين، وذلك غير جائزٍ، وكذلك الرَّأس مثله، فوجب أن يُضْرَبَ من بدنه على الموضع الَّذِي لا يُخافُ تَلَفُهُ في ضربه.
•••
[٢٥٠٣] مسألة: قال مالكٌ: وجلد الزِّنا والفرية والشَّراب سواءٌ.
ولا يُحْلَقُ شارب الخمر.
ولا بأس أن يُطاف به إذا كان فاسقًا مدمنًا سفيهًا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله ﷿ أطلق ذِكْرَ الحدِّ ولم يفرِّق بين ضرب واحدٍ منهما في الإيجاع والألم، فمن فرَّق بينهما فعليه الدّلالة.
وقوله: «لا يُحلق شارب الخمر»، يعني: لا يحلق رأسه ولا لحيته؛ فلأنَّه لم يُنقل عن أحدٍ أَنَّهُ فعل ذلك به، ولا يجوز تَعَدّي ما قد حدَّه الله ﷿ ورسوله.
وقوله: «لا بأس أن يطاف به إذا كان مدمنًا سفيهًا»؛ فلأنْ يرتدع هو بذلك، ومن يراه كذلك، فلا يَفْعَلُ كفعِلِه مِنْ شربِ الخمرِ وانهماكه وإدامته عليها.
•••
[٢٥٠٤] مسألة: قال مالك: ومن سَبَّهُ عمُّهُ أو خالُهُ، فلا أرى عليه شيئًا.
وكأني رأيته لا يرى الأخ مثلهم (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٣٩)، البيان والتحصيل [١٦/ ٢٩٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٣٩)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٧٢]، البيان والتحصيل [١٦/ ٢٦٩].
[ ٣ / ٥٩٠ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العمَّ بمنزلة الأب، والخال بمنزلة الأمِّ، فإذا سبّاه، لم يُعاقَبا على ذلك، كما لو فعل ذلك له أبواه.
فأمَّا الأخ فليس كذلك؛ لأنَّهُ نظيره، وليس بمنزلة الأب ولا الأمِّ، ولا بمنزلة من يُدْلِي بهما.
•••
[٢٥٠٥] مسألة: قال مالكٌ: ومن كان بينه وبين رجلٍ منازعةٌ، فقال له: «لَأَجْلَدَنَّكَ حدَّين»، فيحلف بالله ما أراد الفرية، فإن حلف أُدِّب (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ يحتمل أن يكون لم يُرِدْ فريةً بقوله: «لأَجْلِدَنَّكَ».
ويؤدب؛ لأذائه إيَّاه.
•••
[٢٥٠٦] مسألة: قال مالكٌ: وإذا قال عربيٌّ لقرشيٍّ، - وكلاهما قد صحب أبوه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ -، فقال كلُّ واحدٍ منهما لصاحبه: «أنا خيرٌ منك، وأقرب برسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ منك»، فما أرى من حدٍّ يَثْبُت، والعفو في مثل هذا أفضل (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٣٩)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٧٩]، البيان والتحصيل [١٧/ ١٥٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٣٩)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٤٨]، البيان والتحصيل [١٦/ ٢٨٤].
[ ٣ / ٥٩١ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهما لم يقولا شيئًا وجب فيه الحدُّ؛ لأنَّ الحدَّ يجب في القذف بالزِّنا، أو نفي نسبٍ، أو تعريضٍ بالزنا، لا غير.
•••
[٢٥٠٧] مسألة: قال مالك: ولا بأس أن يُضْرَبَ في المسجد الضَّرْبُ الخَفِيفُ، الخَمْسَةُ الأسواط أو نحوَها، فَأَمَّا الضَّربُ الموجع والحُدُودُ، فلا تُضرَبُ في المسجد (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ من أُقيم عليه الحدُّ يصيح، ويكره الصِّياح في المسجد، وقد يكون منه الحَدَثُ، وذلك كله مِمَّا تُنَزَّهُ المساجد عنه، وإنّما جُعِلَتِ المساجد للصَّلاةِ والذِّكرِ لله جلَّ وعزَّ.
وقد رُوي عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ أَنَّهُ قال: «لَا تُقَامُ الحُدُودُ فِي المَسَاجِدِ» (^٢).
فأمَّا الضَّربُ الخفيفُ فَإِنَّهُ يجوز؛ لحاجة الحاكم إلى كَثْرَةِ من يؤدِّبه ويَزْجُرُهُ، وليس يَكْثُرُ إقامة الحدود، بل يَقِلُّ، فوجب أن تقامَ في غيرِ المساجدِ.
•••
[٢٥٠٨] مسألة: قال مالكٌ: ومن قال لرجلٍ: «يا حمارُ، يا فاسقُ، يا شارب خمرٍ»، فلا حدَّ عليه، ويعاقب (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٣٩)، المدوَّنة [٤/ ١٣]، النوادر والزيادات [٨/ ٢٠]، البيان والتحصيل [١٧/ ٣٨٨].
(٢) أخرجه الترمذي [٣/ ٧٣]، وابن ماجه [٣/ ٦٢٤] وهو في التحفة [٥/ ٢٢].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٣٩)، المدوَّنة [٤/ ٤٩٣].
[ ٣ / ٥٩٢ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يرمه بشيءٍ يجب في رميه إيَّاه عليه حدٌّ؛ لأنَّ الحَدَّ يجب في القذف بالزنا، والتَّعْرِيضِ به، أو النَّفي من نسبٍ كما بَيَّنَّاهُ.
ويعاقب لأذائه له؛ لأنَّهُ فعل ما لا يجوز له فعله.
•••
[٢٥٠٩] مسألة: قال مالكٌ: ومن قذف رجلًا ورجلٌ يَسْمَعُهُ ومعه غيره، فلا أرى له أن يكتم المقذوف، ولْيُعْلِمْهُ حَتَّى يكونَ على علمٍ.
وقد قال مالكٌ: لا أرى أن يفعل، وأنكر أن يكون قال: يُعْلِمُهُ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد وجب للمقذوف حقٌّ على القاذف، فيجب على من سمع ذلك منه أن يُعرِّف المقذوفَ، وذلك بمنزلة ما تكون عنده شهادةٌ لا يعلمها المشهودُ له، فعليه أن يُعَرِّفَهُ ذلك ولا يكتمْها؛ لنهي الله ﷿ عن ذلك (^٢).
ووجه قوله: «لا يُعَرِّفْهُ»؛ فلأنَّ حدَّ القذف ليس هو حقًا لآدميٍّ على التَّجريد، بل هو أن يكون حقًا لله ﷿ أولى، وأشبَهَ ذلك حدَّ الزِّنا، وقد أُمر الإنسانُ بالسِّتر على نفسه وعلى غيره.
والقول الأوّل أصحُّ؛ لأنَّ حدَّ القذفِ تُراعَى فيه حرمةُ المقذوف؛ لأنَّهُ له في نفسه.
وليس كذلك حدُّ الزِّنا، والسّرقة؛ لأنَّهُ لو سرق من كافرٍ أو مسلمٍ أو عبدٍ،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٠)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٧٩].
(٢) كما في قوله ﵎: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة:٢٨٣].
[ ٣ / ٥٩٣ ]
لكان عليه القطع، وكذلك لو زنا بحرَّةٍ أو أمَةٍ أو كافرةٍ، كان عليه الحدُّ، فأشبه حَدُّ القذفِ القصاصَ في أَنَّهُ يراعى المقذوف في نفسه، كما يُراعَى المقتولُ في نفسه في كمال حرمته، فوجب أن يُعْلِمَهُ لهذه العلّة؛ لأنَّهُ حقٌّ لآدميٍّ.
•••
[٢٥١٠] مسألة: قال مالكٌ: ومن ادَّعى على رجلٍ أَنَّهُ قذفه، فليس له أن يَسْتَحْلِفَهُ، وإنْ كان له عليه شاهدٌ فَإِنَّهُ يَحلِفُ، فإن أبى أن يَحْلِفَ، سُجِنَ حَتَّى يَحْلِفَ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحُكمَ بالشَّاهد واليمين إِنَّمَا يجبُ في الأموالِ دون الحدود وغيرها من الحقوق.
وقوله: «لا يُسْتحلفُ المُدَّعَى عليه القذفُ»؛ لأنَّهُ لو نَكَل عن اليمين، لم يجزْ أن تُردَّ اليمينُ على المدَّعِي فيُحكم بالحدِّ؛ لأنَّ الحكمَ بالحدِّ لا يكون بنكول المدّعَى عليه مع يمين المدّعِي، كما لا يجوز بالشَّاهد واليمين.
وقوله: «يسجن حَتَّى يحْلفَ إذا كان للمدَّعِي شاهدٌ»؛ فلأنَّه قد قَوِيَ سبب المدَّعِي، فوجب أن يُسْقِطَ المدَّعَى عليه سبَبَ المدَّعِي وحجَّتَه - وهي الشَّاهد العدلُ - بيمينه، فإذا لم يفعل ذلك وامتنع منه، حُبس حَتَّى يحلف؛ لأنَّ ذلك حقٌّ قد لزمه.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٠)، البيان والتحصيل [١٦/ ٢٧٠].
[ ٣ / ٥٩٤ ]
[٢٥١١] مسألة: قال مالكٌ: ومن زنا فجُلدَ الحدَّ، ثمَّ افترَى عليه رجلٌ بعد سنةٍ أو أكثرَ، فلا حدَّ عليه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ زانٍ كما قال القاذفُ، ومَعَرَّةُ الزِّنا ثابتةٌ عليه، فلا حدَّ على قاذفه.
•••
[٢٥١٢] مسألة: قال مالكٌ: ومن قال للإمام: «إنِّي سمعت فلانًا يقذف فلانًا»، فليس على الإمام أن يُعْلِمَ فلانًا، ولا يُرْسِل إليه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الإمام ليس بخصمٍ للقاذفِ، ولا يثبتُ أيضًا حدُّ القذفِ بشهادة الإمام عليه.
ولأنَّ القاذفَ لم يجرِّد القذف، وإنّما جعله حكايةً عن غيره، فلا وجه لإعلام الإمام للَّذي قيل ذلك فيه.
•••
[٢٥١٣] مسألة: قال مالكٌ: ومن قذف رجلًا عند الإمام، فعلى الإمام أن يأخذ له بحدِّهِ (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٠)، المدوَّنة [٤/ ٥٠٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٤٠)، المدوَّنة [٤/ ٥٣٠]، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٧٩].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٤٠)، المدوَّنة [٤/ ١٦].
[ ٣ / ٥٩٥ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ حقٌّ قد ثبت لآدميٍّ عنده، وقد تعلَّق فيه حقٌّ لله ﷿، فوجب على الإمام أن يقيمَ ذلك عليه.
•••
[٢٥١٤] مسألة: قال مالكٌ: ومن رَفَعَ إلى الوالي شهادتَهُ: «أَنَّهُ رأى فلانًا يشربُ الخمرَ»، أو: «يَسْرقُ»، وهو وَحْدَهُ، فَرَدَّ الوالي شهادته، فلا عقوبةَ عليه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يقصدْ قوله أذى المقولِ فيه، وإنّما حَمَلَهُ على ذلك أمر الله ﷿، فلم تجب معاقبتُه.
•••
[٢٥١٥] مسألة: قال مالكٌ: والنَّاسُ في أنسابهم ومواضِعِهم، على ما حازوا عليه وعُرِفوا، بمنزلة ما حازوا من رَقِيقِهِم وأرْضِهم، فمن ادَّعَى فيه وعليه غيرُ ذلك، فعليه البيِّنة (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الناسَ على أصلَ الحريّة والإسلام، قد ثبت ذلك واستقرَّ لهم بما عُرِف من ظاهرهم، فمن ادّعَى غيرَ ذلك كانت عليه البيِّنةُ، وإلا حُدَّ إن كان قاذفًا إذا ادَّعى رِقَّ من قذفه أو كُفْرَه أو غيرَ ذلك، مِمَّا ليس هو ظاهرُ حالِ المقذوف.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٠)، النوادر والزيادات [١٤/ ٢٤٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٤٠)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٥٦].
[ ٣ / ٥٩٦ ]
[٢٥١٦] مسألة: قال مالكٌ: ومن قال لرجلٍ: «يا ابن أُمَّ»، فقال: «ابن أمِّكَ الشَّيطان»، فلا حدَّ فيه، وهو أذى، وهو خفيفٌ (^١).
• يعني: يُؤدَّبُ القائلُ له أدبًا خفيفًا، ولا حدَّ عليه.
•••
[٢٥١٧] مسألة: قال مالكٌ: ويَحْبِسُ الوالي القاذفَ إذا خاف أن يهربَ، وإِنْ قال: «دعني أخرج إلى اليمن أو إلى أفريقيَّة، لي بها بيِّنةٌ»، فلا يتركه، ويحدُّهُ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد لَزِمَهُ حقٌّ لغيره، فوجب حبسُه، كما يَحْبِسُهُ في الدَّيْنِ والقصاصِ.
وإذا ادَّعى بيِّنةً غائبةً بعيدةَ الغيبةِ، لم يُقْبل ذلك منه؛ لأنَّهُ يريد إسقاطَ الحدِّ عنه بما يدَّعيه من البيِّنة في المواضع البعيدة.
•••
[٢٥١٨] مسألة: قال مالكٌ: ولا أرى للوالي أن يُلِحَّ على أحدِ الرَّجُلَين: أن يدع خصومَتَه، أو يُصالِح (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحاكمَ إِنَّمَا جُعل لتنفيذ الأحكام، لا لإسقاطِها
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٠)، البيان والتحصيل [١٦/ ٢٨٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٤١)، المدوَّنة [٤/ ٤٨٩].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٤١)، النوادر والزيادات [٨/ ٤٢].
[ ٣ / ٥٩٧ ]
بشفاعته، وقد قال ابن الزّبير (^١): «إِذَا بَلَغَ الحَدُّ الإِمَامَ، فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالمُشَفَّعَ» (^٢).
•••
[٢٥١٩] مسألة: قال مالك: وإن أُخذَتِ المرأةُ في حدِّ زنا، أو شرْب خمرٍ، أو قصاصٍ من جرحٍ، فادَّعت أنَّهَا حاملٌ، فَإِنَّهُ يُنْتَظَرُ بها، فإن تبيَّن حَمْلٌ، تُرِكَتْ حَتَّى تضع.
فإن كان لولدها مالٌ، اسْتُرْضِعَ له منه وأقيم عليها الحدّ بما وجب عليها.
وإن لم يَبِنْ بها حملٌ، أقيم عليها ما وجب عليها (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز قتل نفسين بجنايةٍ واحدةٍ، فوجب أن لا يقام عليها الحدّ حَتَّى تضعَ إذا كانت حاملًا.
وكذلك قال النَّبيُّ ﷺ للغامدية: «اذْهَبِي حَتَّى تَضَعِي، ثمَّ تُرْضِعِي» (^٤)، ثمَّ رجمها بعد ذلك.
فأمَّا إذا ادَّعت أنَّهَا حاملٌ ولم يُعلَم ذلك، وتبيَّن أنَّهَا غيرُ حاملٍ، أقيم عليها
_________________
(١) قوله: «ابن الزبير»، كذا في جه، وفي مصادر التخريج، أن القائل هو: الزبير، وسيذكره الشارح منسوبًا إلى الزبير، كما في المسألة رقم ٢٦٤٤.
(٢) أخرجه الدارقطني [٤/ ٢٨٣]، والطبراني في المعجم الأوسط [٢/ ٣٨٠].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٤١)، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٢١٩]، النوادر والزيادات [١٤/ ٢٥١].
(٤) أخرجه مسلم [٥/ ١١٨]، وهو في التحفة [٢/ ٧٣].
[ ٣ / ٥٩٨ ]
الحدُّ؛ لِأَنَّهَا تريد إسقاطَ ما قد لزمها من الحدِّ أو تَأْخِيرِهِ عن الوقت الَّذِي قد وجب إقامتُه فيه.
•••
[٢٥٢٠] مسألة: قال مالكٌ: ومن تزوَّج الخامسة:
• فَإِنْ كان مِمَّنْ يُعْذَر بِالجَهالةَ، فَلا حدَّ عليه.
• وإن كان مِمَّنْ أتى ذلك بعلمٍ، رُجِم (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا عُذِر بجهالةٍ، فلم يقصد الزِّنا، فلا حدَّ عليه، بمنزلة من وطئ بشبهةٍ، فلا حدَّ عليه.
وإذا كان عالمًا بالتَّحريم، فقد قصد الزِّنا، فعليه الرجمُ؛ لأنَّ عَقْدَهُ على خامسةٍ لا يبيح له وطأها.
•••
[٢٥٢١] مسألةٌ: قال مالكٌ: ومن ولدت لستَّة أشهرٍ، أو بعدها بيومٍ، أُلْحِقَ الولدُ بالزَّوجِ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا وضعت بعد أقلِّ مُدَّته (^٣) الحملِ، فيُلحَقُ الولد بالواطئ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤١)، النوادر والزيادات [١٤/ ٢٧١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٤١)، المدوَّنة [٢/ ٥٥٢]، النوادر والزيادات [٥/ ٣٢].
(٣) قوله: «مدته»، كذا رسمها في جه، ولعلها: «مدة».
[ ٣ / ٥٩٩ ]
والدَّليل على أنَّ مدَّةَ الحمل تكون لستَّة أشهر - يعني: أقلَّ مدتِه -، قول الله ﷿: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥]، وقال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣]، فإذا ذهب من الثَّلاثين شهرًا أربعةٌ وعشرون شهرًا، بقي ستَّة أشهر.
وبهذا استدلَّ عليّ بن أبي طالبٍ ﵁ أنَّ أجَلَ (^١) مُدَّةِ الحملِ ستَّة أشهر، وأنَّ الولد يُلحَقُ بصاحب الفراش إذا أتت به لهذه المُدَّة (^٢).
•••
[٢٥٢٢] مسألة: قال مالكٌ: ومن وُجِد مع امرأةٍ في لحافٍ، بات معها حَتَّى أصبح، فيُضْرب نَكالًا على قَدْرِ ما يرى الإمام، وربَّما كان النَّكال أكثر من الحَدِّ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ فَعَلَ ما لا يجوز له فعله من نومه معها، فوجب أن يُعاقب على حسب ما يراه الإمام ردعًا له ولمثله.
وليس يجب عليه بهذا الفعل حدُّ الزِّنا، حَتَّى يَثبتَ ذلك عليه بإقراره أو ببيِّنةٍ.
فأمَّا النَّكال فعلى قدر ما يراه الإمام رادعًا للإنسان، وقد ضرب عمرُ بن الخطاب ﵁ في التَّعزير مئة سوطٍ، «ضَرَبَ مَعْنَ بَنَ زَائِدَةَ، حَيْثَ نَقَشَ
_________________
(١) قوله: «أجل»، كذا رسمها، ولعلها: «أقل».
(٢) أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة [٣/ ٩٧٩].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٤١)، النوادر والزيادات [١٤/ ٢٦٣].
[ ٣ / ٦٠٠ ]
عَلَى خَاتَمِهِ (^١)، وَأَخَذَ بِهِ مَالًَا، وَحَبَسَهُ، ثمَّ كُلِّمَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ: ذَكَّرتني الطَّعْنَ وكتَب ناسًا (^٢)، فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِب مِئَةً، ثُمَّ حُبِسَ» (^٣).
ولَمَّا لم يكن لأصل التَّعزير حدٌّ، بل ذلك على حسب ما يراه الإمام من ردع من يؤدِّبه، على حسب حال الَّذِي يُرْدع من أجله، على قدر منزلته وعلمه وسِتْره، وكما قال النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ: «نَزِّلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» (^٤)، وجب أن لا يكون لكثيره أيضًا حدٌّ.
فأمَّا الحدود الَّتِي حدّها الله ﷿، فلا يجوز تجاوزُها إلى زيادةٍ ولا نقصانٍ؛ لأنَّ الله ﷿ قد حدَّها، وعَلِمَ أنَّ ذلك ردعًا للفاعل وصلاحًا له، فلا يجوز مجاوزتها بزيادةٍ ولا نقصانٍ.
•••
_________________
(١) يعني: على خاتم عمر، والمراد: أنه زور خاتم عمر، ليصيب من بيت المال، كما في سياق القصة.
(٢) قوله: «وكتَب ناسًا»، كذا رسمها، وفي أنساب الأشراف للبلاذري [١٠/ ٣٦٦]: «كنت ناسيًا»، وهذا مثلٌ يُضرب في تذكر الشيء بغيره، قيل: إن أصله أن رجلًا حمل على رجل ليقتله وكان في يد المحمول عليه رمحٌ فأنساه الدهش والجزع ما في يده، فقال له الحامل: ألق الرمح، فقال الآخر: إن معي رمحًا لا أشعر به ذكرتني الطعن وكنت ناسيًا، وحمل على صاحبه فطعنه حتى قتله أو هزمه، ينظر: مجمع الأمثال للميداني [١/ ٢٧٩].
(٣) أخرجه البلاذري في أنساب الأشراف [١٠/ ٣٦٥].
(٤) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢١٥٢.
[ ٣ / ٦٠١ ]
[٢٥٢٣] مسألة: قال مالكٌ: ومن أتى بهيمةً عُوقِبَ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ فعل ما لا يجوز له فعلُه.
ولا حدَّ عليه؛ لأنَّهُ ليس بِزانٍ؛ لأنَّ الزِّنا إِنَّمَا يكون ببني آدم ﵇؛ لعلوِّ حرمتهم على غيرهم من الحيوان.
وقد رُوِيَ حديثٌ عن عبد الله بن عباس، رواه عمرو بن أبي عمرو (^٢)، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ، وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ» (^٣)، وهو غير ثابتٍ (^٤).
•••
[٢٥٢٤] مسألة: قال مالكٌ: ومن كان بينه وبين آخر منازعةٌ، فقال له: «يا مُراء، يا خائن»:
• فإن كان في الصَّلاح وحسن الحال، عوقب.
• وإن كان من دُنآءِ النّاس، أو هو من أهل السَّفه ولا يُبالي ما قيل له، عُوقِبَ على قدر ذلك.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤١)، المدوَّنة [٤/ ٤٨٦]، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ١٩٨].
(٢) عمرو بن أبي عمرو المدني، ثقة ربما وَهِمَ، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٧٤٢).
(٣) أخرجه أبو داود [٥/ ١١٣]، والترمذي [٣/ ١٢٣]، وابن ماجه [٣/ ٥٩٦]، والنسائي في الكبرى [٦/ ٤٨٦]، وهو في التحفة [٥/ ١٥٧].
(٤) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ١٩٩]، هذا التعليل عن الأبهري.
[ ٣ / ٦٠٢ ]
والنَّاس على قدر منازلهم: الرَّفيع، والدَّنيء (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد آذاه بما قال له، فوجب أن يُعاقَب إذا كان الَّذِي قال له من أهل الدِّين والمروءة.
والعقوبة على حسبِ حالِ المؤذَى ودينهِ ومُروءتِهِ، وقد قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «نَزِّلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» (^٢)، وقال صَلَّى الله عَلَيْهِ: «أَقِيلُوا ذَوِي الهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ» (^٣)، فدلَّ بهذا أنَّ أحوالَ النَّاس مختلفةٌ، وأنَّهم يُكْرَمُون على حسب منازلهم، فكذلك يعاقب من آذاهم على حسب منازلهم.
•••
[٢٥٢٥] مسألة: قال مالكٌ: وإذا أتى العجمُ الحدودَ، لم يُعْذَرُوا، وأقيم عليهم (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ تحريم الزِّنا والسَّرَق والقتل في دين الإسلام مستفيضٌ عند النَّاس، فمن فعل ما يوجِب عليه حدًّا لِفِعْلِهِ، أقيم عليه ذلك، ولم يعذر بادِّعائه الجهالة - وإن كان أعجميًا -، إلَّا أن يكون مثله يُعلم أَنَّهُ لا يعلم تحريم ذلك.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤١)، المدوَّنة [٤/ ٤٩٣]، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٧٨].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢١٥٢.
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢١٥٢.
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٤٢)، المدوَّنة [٤/ ٥٠٩].
[ ٣ / ٦٠٣ ]
[٢٥٢٦] مسألةٌ: قال مالكٌ: وَمَنْ أَتَى برجلٍ إلى الإمامِ، فزعَمَ أنَّهُ سرقَ متاعَهُ:
• فإذا كان إِنَّمَا أتاهُ لمظلمتِهِ، فلا أرى عليه شيئًا.
• وإن قال ذلك في مشاتمةٍ، فعليه نَكَالٌ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يقصدْ أذاهُ بهذا القول، وإنّما قَصَدَ استخراجَ حقِّهِ بذلك.
فإن كان ذلك في مشاتمةٍ، فقد قصد أذاه، فوجب أن يعاقب.
•••
[٢٥٢٧] مسألة: قال مالكٌ: ومن قال لرجلٍ: «إنَّ أُمَّك لتُحِبُّ الظُّلَمَ»، فلا حدَّ عليه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الظُّلم قد يكون غيـ[ـر] (^٣) الزِّنا، ولم يقل: إنَّها [] (^٤) تفعل الظلم، فلا حدَّ عليه، ولكن يعزَّر بأذائِهِ له في أُمِّهِ.
•••
[٢٥٢٨] مسألة: قال مالكٌ: وإذا قال مولىً لعربيٍّ: «أنا خيرٌ منك، وأقرب
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٢)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٧٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٤٢)، البيان والتحصيل [١٦/ ٢٨٥].
(٣) ما بين [] ساقط من التصوير، والسياق يقتضيه.
(٤) ما بين []، كلمة فيها طمس.
[ ٣ / ٦٠٤ ]
برسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ منك»، فما أرى من أمرٍ بيِّنٍ، والعفو في مثل هذا أفضل.
والنَّكال على قدر ما يرى الإمام من جُرم المأخوذ، وربما كان النَّكال أكثرَ من الحدِّ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا القول ليس فيه كثير أذى، فلا عقوبةَ على قائلِهِ، والعفوُ فيه أفضل، كما قال النَّبيُّ ﷺ (^٢).
•••
[٢٥٢٩] مسألةٌ: قال مالكٌ: ومن افترى على مَنْبُوذٍ، فيعزَّر بأذائه إيَّاه، ولا حدَّ عليه (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المَنْبُوذَ في الأغلب هو ولد زنًا؛ لأنَّ النّاس لا يرمون أولادهم إذا كانوا لغير زنًا، وإن كان كذلك، فكأنَّه إِنَّمَا قال له ما هو عليه؛ فلا حدَّ على قائله له.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٢)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٤٣]، البيان والتحصيل [١٦/ ٢٨٣].
(٢) كما في صحيح مسلم [٨/ ٢١]، أن النَّبيَّ ﷺ قال: «وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلَّا عزًّا»، وهو في التحفة [١٠/ ٢٢٥].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٤٢)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٣٧]، البيان والتحصيل [١٦/ ٢٨٧].
[ ٣ / ٦٠٥ ]
ويعزَّر بأذائه إيَّاه؛ لأنَّهُ فعل ما لا يجوزُ لهُ فعله.
•••
[٢٥٣٠] مسألة: قال مالكٌ: ومن قال لرجلٍ: «إنَّك لشحيحٌ بخيلٌ»، فَيُنْهى عنه، ولا أرى عليه ضربًا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا القولَ خفيفٌ، فلا شيء عليه؛ لأنَّهُ لم يقل ما يَجب به ضربه.
•••
[٢٥٣١] مسألةٌ: قال مالكٌ: ومن قال لرجل: «كَذَبْتَ وأَثِمْتَ»، فإن كان من سَرَاةِ النَّاس (^٢)، فأرى أن يُعَزَّر بالسَّوطِ، وهذا أشدُّ من الشَّحِيحِ، وذلك مختلفٌ.
أمَّا الرَّجُلَانِ يختصمان، يقول أحدهما للآخر في خصومته: «كَذَبْتَ وَأَثِمْتَ»، فهذا مخالفٌ للَّذي يأتي الرَّجُلَ ليس بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عملٌ فيُكَذِّبَهُ (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٢)، البيان والتحصيل [١٦/ ٣٠٤].
(٢) قوله: «سَرَاةِ الناس»، يعني: سادة الناس، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٢٢٤).
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٤٢)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٧٨]، البيان والتحصيل [١٦/ ٣٠٤].
[ ٣ / ٦٠٦ ]
• إِنَّمَا [قـ]ـال (^١) ذلك؛ لأنَّهُ قد آذاهُ بهذا القولِ، فوجب أن يعاقبَ على قدرِ هيئة من [آذ] اه (^٢) - في دينه ومروءته وشرفه، على ما بيَّنَّاه.
•••
[٢٥٣٢] مسألة: قال مالكٌ: ولا أرى أن يعذَّبَ اللُّصُوص بالوَهَقِ (^٣) والخَنَافِسِ، وإنّما هو الضَّرب والسِّجن، فإن لم يجد في ظَهْرِهِ مَضْرَبًَا سَجَنهُ، وأرى (^٤) أن يُبْطَحَ فيُضْرَبَ على إليته إذا لم يجد في ظَهْرِهِ مَضْرَبًَا (^٥).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله ﷿ قد بَيَّنَ حَدَّ اللُّصوص، فلا يجوزُ تعدِّي ذلك إلى غيره، كما بَيَّنَ حَدَّ الزُّناة والقَذَفَة، فلا يجوز تعدِّي ذلك إلى غيره؛ لأنَّ ذلك ظلمٌ لهم، وقد قال الله ﵎: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٩٠].
•••
_________________
(١) ما بين []، مطموس، والسياق يقتضيه.
(٢) ما بين []، مطموس، والسياق يقتضيه.
(٣) قوله: «بالوهق»، هو حبلٌ يلقى في عنق الشخص يؤخذ به ويوثق، ينظر: المصباح المنير، ص (٦٧٤).
(٤) قوله: «وأرى»، كذا في جه، ولعلها: «ولا أرى»، لتعارضها مع الجملة التي قبلها، وبنحو ذلك جاءت عبارة مالك، كما في النوادر والزيادات [١٤/ ٤٦٧]، والبيان والتحصيل [١٦/ ٣٨٣].
(٥) المختصر الكبير، ص (٤٤٢)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٦٧]، البيان والتحصيل [١٦/ ٣٨٣].
[ ٣ / ٦٠٧ ]
[٢٥٣٣] مسألة: قال مالك: ومن أُخِذَ بليلٍ ومعه سيفٌ، فإن كان من أهل الطَّهارة والبراءةِ، فيَحْلِفُ بالله ﵎ (^١).
• يعني: يَحْلِفُ: «ما خرج لسوءٍ ولا مكروهٍ لأَحَدٍ».
وإن كان من أهل الدَّعارة، عوقب على حسب ما يراه الإمام.
•••
[٢٥٣٤] مسألةٌ: قال مالكٌ: ومن قال لرجلٍ: «أُخْرِجْتَ من اليمن وحيدًا طريدًا»، فيَحْلِفُ ولا شيءَ عليه؛ لأنَّ من أهل المدينة من خرج من الدين (^٢) (^٣).
• يعني: أَنَّهُ يَحْلِفُ: «أَنَّهُ لم يُرِدْ بهذا القول سُوءًا، وأنه أراد الخير»، ثمَّ لا تكون عليه عقوبةٌ.
•••
[٢٥٣٥] مسألة: قال مالكٌ: وأكرهُ لمن أَخَذَ قومًا في تهمةٍ له، أن يخلو ببعضهم، فيقول: «أَخْبِرني ولك الأمان» (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يعطيهم الأمان إن كانوا مِمَّنْ تجب
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٢)، ولم يتعرَّض الشَّارح لهذه المسألة، وينظر: النوادر والزيادات [١٤/ ٤٥١].
(٢) قوله: «الدين»، كذا رسمها، ولعلها: «اليمن».
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٤٣)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٧٩].
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٤٣)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٤٨].
[ ٣ / ٦٠٨ ]
عليهم الحدود؛ لأنَّ أَمَانَهُ لهم لا يُسقِط عنهم حدود الله ﷿ اللَّازمة لهم، وإذا لم يجب عليهم حَدٌّ، فلا سبيل عليهم.
•••
[٢٥٣٦] مسألة: قال مالكٌ: ومن قال لرجلٍ: «يا كلبُ»، فإن ذلك يختلف:
• أن يُقالَ لذي الفضل والهيئة والشَّرف في الإسلام.
• أو يُقالَ للدَّنِيءِ.
فذلك يختلف في عقوبته (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه من قول رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «نَزِّلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» (^٢)، فعقوبة القائل لهذا القول على حسبِ حالِ المقولِ لهُ: من دينِهِ، وعلمِهِ، وشرفِهِ، يجتهد في ذلك الإمام؛ لأنَّ من النّاس من لا يبالي بهذا القول إذا قيل له، ومنهم من يَعْظُمُ ذلك عليه.
•••
[٢٥٣٧] مسألة: قال مالكٌ: ومن قال لرجلٍ: «لا أبَ لكَ»، فلا شيءَ عليْهِ، وإن كان في غضبٍ ومشاتمةٍ، فهو شديدٌ (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٣)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٧٨]، البيان والتحصيل [١٦/ ٣٠١].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢١٥٢.
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٤٣)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣٢٢].
[ ٣ / ٦٠٩ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا قال له ذلك في مشاتمةٍ، فقد نفاه عن أبيه، فعليه الحدُّ.
•••
[٢٥٣٨] مسألة: قال مالك: ومن أصابَ ذاتَ مَحْرَمٍ، فعليه الحدُّ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد أتى مُحَرَّمًا عليه، وهو زانٍ، فحكمهُ حكمُ الزَّاني في اعتبار حالِهِ في الحصانةِ وغيرِها.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٤٣)، المدوَّنة [٤/ ٤٨٢]، النوادر والزيادات [١٤/ ٢٧١].
[ ٣ / ٦١٠ ]