﷽
[٩٨٤] قلت: أرأيت العقيقة، كيف هي؟، وما يجوز فيها؟، وهل هي واجبةٌ؟
قال: العقيقة ليست بواجبةٍ، ولكنها يستحب العمل بها، فمن عقَّ عن ولده فليعق بشاةٍ شاةٍ عن الذكر والأنثى، ولا يجمع بين اثنين في شاةٍ (^١).
• إنّما قال: «إنَّ العقيقة ليست بواجبةٍ»؛ لِمَا رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ: «أنّه سُئِلَ عَنِ العَقِيقَةِ؟، فَقَالَ: لَا أُحِبُّ العُقُوقَ، وَكَأَنَّهُ كَرِهَ الاسْمَ، وَقَالَ: مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَفْعَلْ».
رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ العَقِيقَةِ» (^٢).
وقوله: «وليعق بشاةٍ شاةٍ عن الذكر والأنثى»؛ فلأنَّ العقيقة سنةٌ، فيجب أن
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢١٣)، المختصر الصغير، ص (٣٨٤)، الموطأ [٣/ ٧١٧]، المدونة [١/ ٣٩٧]، مختصر أبي مصعب، ص (٣٠٠)، التفريع [١/ ٣٩٥]، النوادر والزيادات [٤/ ٤٣٢]، البيان والتحصيل [٣/ ٣٨٤ و٣٩٢].
(٢) أخرجه أبو داود [٣/ ٣٨١]، والنسائي في الكبرى [٤/ ٣٦٨]، وهو في التحفة [٦/ ٣١٢].
[ ٢ / ١٠٧ ]
تكون عن الأنثى كهي عن الذكر، إذ لا فصل بين الذكر والأنثى في السنن، وكما لا فصل بينهما في الهدايا والضحايا، فكذلك العقيقة مثلها؛ لأنّها نسكٌ مسنونٌ.
وقوله: «لا يجمع بين اثنين في شاةٍ؛» فلأنَّ النبيَّ صلى الله عليه عق عن الحسن والحسين ﵉، عن كلّ واحدٍ منهما بشاةٍ.
رواه عبد الوارث، قال: حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَقَّ عَنِ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ ﵉ كَبْشًَا كَبْشًَا» (^١).
•••
[٩٨٥] مسألة: قال: ويُتَّقَى فيها من العيوب ما يُتَّقَى في الضحايا، ويجوز فيها من الأسنان ما يجوز فيها، ولا يباع لحمها ولا أهبها، ولا بأس بكسر عظامها، ويأكل أهلها منها، ولا يُمَس الصبيُّ بشيءٍ من دمها (^٢).
• إنّما قال: «إنه يُتَّقَى فيها من العيوب كما يتقى من الضحايا والهدايا»؛ لاجتماعهما في أنهما نسكٌ يُتَقرب به إلى الله تعالى، فلا يجوز أن يكون في ذلك عيبٌ.
وكذلك يجب أن يكون سنها كسن الأضحية والهدي لهذا المعنى.
_________________
(١) أخرجه أبو داود [٣/ ٣٨٠]، والنسائي في الكبرى [٤/ ٣٧٢]، وهو في التحفة [٥/ ١١٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢١٣)، المختصر الصغير، ص (٣٨٤)، الموطأ [٣/ ٧١٨]، المدونة [١/ ٥٥٤]، مختصر أبي مصعب، ص (٣٠٠)، التفريع [١/ ٣٩٥]، النوادر والزيادات [٤/ ٣٣٤].
[ ٢ / ١٠٨ ]
ولا يباع شيءٌ من لحمها؛ لأنَّ ذلك نسكٌ قُرِّبَ كالهدي والأضحية، وقد قال رسول الله ﷺ في الهدي: «لَا يُعْطَى الجَازِرُ مِنْهُ شَيْئًَا» (^١)؛ لأنّه لا يجوز بيع ما قد أخرجه لله تعالى ولا الرجوع فيه.
وقوله: «ولا بأس بكسر عظامها»؛ فلأنَّ ذلك مباحٌ.
فكذلك أكل أهلها منها مباحٌ، كأكلهم من الضحية والهدي، وقد أكل النبيُّ صلى الله عليه من الهدي والضحية (^٢)، وقال: «كُلُوا وَادَّخِرُوا» (^٣) في الضحايا، والعقيقة مثله.
وقوله: «ولا يُمَسُّ الصبي بشيءٍ من دمها»؛ فلأنَّ ذلك ينجسه، وليس لِمَسِّهِ بالدم أصلٌ يوجب ذلك.
•••
[٩٨٦] مسألة: قال: ولا يُعَقُّ بشيءٍ من الطير ولا الوحش (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ العقيقة نسك قربةٍ، كالهدي والضحية، وإنما يكون ذلك من بهيمة الأنعام، قال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٦]، وقال سبحانه: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة ٩٦٧.
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة ٩٧٣.
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة ٩٨٢.
(٤) المختصر الكبير، ص (٢١٣)، وقد نقل الباجي هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في المنتقى [١/ ٥٥٤]، وينظر: المدونة [١/ ٣٩٧]، النوادر والزيادات [٤/ ٤٣٣].
[ ٢ / ١٠٩ ]
الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥]، وكذلك أهدى النبيُّ ﷺ الإبل (^١)، وضحَّى وعق بالغنم (^٢)، لا بالوحش ولا بشيءٍ من الطير، ولا خلاف في ذلك نعلمه.
•••
[٩٨٧] مسألة: قال: وإنما تكون العقيقة يوم السابع، فإن غفل عن ذلك أو فرَّطَ فيه، فلا بأس ما بينه وبين السبع الثاني.
وقد قيل: إذا مضى السابع فلا عقيقة، والأول أعجب إلينا (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ عق يوم السابع وأمر بذلك.
فرَوَى سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن نبي الله صلى الله عليه قال: «يُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ» (^٤).
ورَوَى عباد، عن ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالعَقِيقَةِ يَوْمِ سَابِعِ المَوْلُودِ وَتَسْمِيَتِهِ» (^٥).
فإذا مضى يوم السابع فلا عقيقة بعد ذلك؛ لذهاب وقتها، كما لا تكون الأضحية إذا ذهب وقتها.
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة ٩٦٧.
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة ٩٦٣.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢١٣)، المختصر الصغير، ص (٣٨٥)، التفريع [١/ ٣٩٥]، النوادر والزيادات [٤/ ٣٣٤]، البيان والتحصيل [٣/ ٣٩١ و٣٩٢].
(٤) أخرجه أبو داود [٣/ ٣٧٨]، والترمذي [٣/ ١٨١]، وابن ماجه [٤/ ٣٣٦]، والنسائي في الكبرى [٤/ ٣٧٢]، وهو في التحفة [٤/ ٦٣].
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة [١٢/ ٣٢٦].
[ ٢ / ١١٠ ]
ووجه قوله: «إنه يعق ما بينه وبين السبع الثاني»؛ فلأن ذلك متقاربٌ، وقد يجوز أن تتعذر عليهم العقيقة في السُّبوع الأول فيجدوها في السُّبوع الثاني، فإن لم يمكنهم فيه لم يجز بعد ذلك.
وهذا هو ضرب من الاستحسان، وأمّا القياس، فإنها لا تجوز بعد السُّبوع الأول؛ لذهاب وقتها الذي جعلها النبيُّ ﷺ فيه (^١).
•••
[٩٨٨] مسألة: قال: وإنما يَحْسِب السابع من اليوم الذي قد مضى قبله ليلٌ، وذلك أن يولد الصبي وقد بقي من الليل شيءٌ قبل الفجر، فذلك اليوم الذي يحسب، فإن ولد بعد الفجر ألغى ذلك اليوم وأحصى من الليلة التي تأتي سبعًا، ثمّ يعق عنه في اليوم السابع.
ويُسَمَّى حين يُعَقُّ عنه، ولا يُعَقُّ عن كبيرٍ (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ للحاجة إلى استكمال السبعة الأيام من يوم ولد؛ ليعق بعد مضيها، فإذا مضى بعض يومٍ لم يحسب ذلك اليوم وحسب من الليلة التي تأتي.
وقوله: «ويسمى في اليوم السابع»، فكذلك رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ.
_________________
(١) نقل الباجي هذا الاختيار عن الأبهري في المنتقى [٣/ ١٠٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢١٣)، المختصر الصغير، ص (٣٨٥)، التفريع [١/ ٣٩٥]، النوادر والزيادات [٤/ ٣٣٤]، البيان والتحصيل [٣/ ٣٩١].
[ ٢ / ١١١ ]
رواه ابن أبي عدي (^١)، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، أنَّ رسول الله صلى الله عليه قال: «كُلُّ غُلَامٍ رهينة بِعَقِيقَتِهِ، يُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُسَمَّى» (^٢).
وقوله: «إنَّه لا يُعَقُّ عن كبيرٍ»؛ فلأن العقيقة إنّما تكون يوم السابع، فإذا مضى ذلك اليوم فقد مضى وقتها، كالأضحية إذا مضت أيامها لم يجز أن يضحي في غيرها، فكذلك العقيقة مثل ذلك.
•••
[٩٨٩] مسألة: قال: ويذبح العقيقة في صدر النهار، ولا يعق بليلٍ (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ العقيقة نسك قربةٍ إلى الله ﷿ كالهدي والأضحية، فلا يجوز ذبح ذلك بالليل، وقد ذكرنا ذلك في الأضحية (^٤).
•••
[٩٩٠] مسألة: قال: ومن مات قبل السابع، فلا عقيقة عليه (^٥).
_________________
(١) محمد بن إبراهيم بن أبي عدي البصري، ثقة، من التاسعة. تقريب التهذيب، ص (٨٢٠).
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٩٨٧.
(٣) المختصر الكبير، ص (٦١٣)، المختصر الصغير، ص (٣٨٦)، التفريع [١/ ٣٩٥]، النوادر والزيادات [٤/ ٣٣٣]، البيان والتحصيل [٣/ ٣٨٧ و٣٩٦].
(٤) ينظر المسألة رقم ٩٧٢.
(٥) المختصر الكبير، ص (٢١٣)، النوادر والزيادات [٤/ ٣٣٥]، البيان والتحصيل [٣/ ٣٩٣].
[ ٢ / ١١٢ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّه لمّا مات قبل مجيء وقتها لم يعق عنه، كما يموت قبل يوم الأضحى فلا أضحيةَ عليه.
•••
[٩٩١] مسألة: قال: ولا بأس أن يُطْعِمَ من العقيقة نيًا ومطبوخًا، كلّ ذلك واسعٌ (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الله ﷿ قال في البدن: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ [الحج:٢٨]، وهذا من الهدي، وقال النبيُّ صلى الله عليه في الأضحية: «كُلُوا وَادَّخِرُوا» (^٢)، وعليه أن يطعم منها، فكيف أطعم جاز، نيًا أو مطبوخًا.
•••
[٩٩٢] مسألة: قال: ويعق عن اليتيم إذا كانت له سعةٌ (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ العقيقة سنةٌ، فيُحَبُّ أن يَفْعَل ذلك بالصبي، كما يضحي عنه ويخرج عنه زكاة المال وزكاة الفطر، ويجوز أن يحج به إذا كان صغيرًا.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢١٤)، [٦/ ٣٩٣]، التفريع [١/ ٣٩٥].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة ٩٨٢.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢١٤)، وقد نقل ابن أبي زيد هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في النوادر [٤/ ٣٣٥].
[ ٢ / ١١٣ ]
[٩٩٣] مسألة: قال: ولا يجز صوف العقيقة (^١).
• يعني: فيباع، ولكن ينتفع به، كما يعمل ذلك في الضحايا والهدي؛ لأنّه قد أخرجها لله ﷿، فلا يجوز له بيع ذلك والرجوع فيه.
•••
[٩٩٤] مسألة: قال: ولا نرى أن يُخْتَنَ الصبي يوم سابعه، ونرى أن يختن إذا أُدِّبَ على الصلاة.
والختان من الفطرة (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ وقت الختانة إنّما هي إذا أُدِّبَ على الصلاة وأُمِرَ بها؛ لأنَّها طهرة، فيستحب أن تكون وقت أَمْرِهِ بالصلاة؛ لأنّه يؤدبه ذلك إذا كان صغيرًا.
ويشبه ذلك أيضًا فعل اليهود؛ لأنهم يختنون أولادهم في حال الولادة وما قارب منها.
•••
[٩٩٥] مسألة: قال: وليس على النّاس حلاق رأس الصبي والتصدق بوزنه فضةً ولا ذهبًا، ومن فعل ذلك فلا بأس به إن شاء الله (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢١٤)، التفريع [١/ ٣٩٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢١٤)، النوادر والزيادات [٤/ ٣٣٦].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢١٤)، المختصر الصغير، ص (٣٨٧)، التفريع [١/ ٣٩٦]، النوادر والزيادات [٤/ ٣٣٥]، البيان والتحصيل [٣/ ٣٨٥].
[ ٢ / ١١٤ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ وجوب ذلك لم يثبت بكتابٍ ولا سنةٍ.
وفعله جائزٌ؛ لأنَّ ذلك فعل خيرٍ ومعروفٍ.
وقد رَوَى سليمان بن بلال (^١)، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن فاطمة ﵈: «أَنَّهَا حَلَقَتْ رَأْسَ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ، وَوَزَنَتْ شَعْرَهُمَا، ثُمَّ تَصَدَّقَتْ بِوَزْنِهِ فِضَّةً» (^٢).
•••
_________________
(١) سليمان بن بلال التيمي مولاهم المدني، ثقة، من الثامنة. تقريب التهذيب، ص (٤٠٥).
(٢) أخرجه أبو داود في المراسيل، ص (٤٣٢).
[ ٢ / ١١٥ ]