باب الدعاوى والأيمان والبينات
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال الأبهري: ولأنّهم اضطروا الحاكم إلى القتل؛ لأنّه قتل بقولهم، فكان أمرهم أقوى من الآمر بالقتل أنّ عليه القتل؛ لأنّ الآمر لم يضطّر المأمور إلى القتل ولم يُلزمه من طريق الحكم، كما يلزم الشّاهُدَ الحاكِمَ. والقول الصّحيح، أنّه لا قَوَدَ عليهم؛ لأنّهما لم يباشرا القتل، ولا كان عن أمرهم؛ وإنّما كان ذلك من اجتهاد الحاكم في قبول شهادتهم، وقد كان يجوز له ردّها لو كشف عن حالهم؛ لأنّ الإنسان لا يشهد بالزّور إلّا وقد يعلم النّاس من حاله في الأغلب أنّه ليس ممّن تجوز شهادته». كتاب الأقضية باب الدّعاوى والأيمان والبينات
(٢) - (وإذا تداعى رجلان شيئًا ولا يد ولا بيّنة لواحدٍ منهما، قسم بينهما بعد أيمانهما. فإن كان في يد أحدهما، فالقول قوله مع يمينه، فإن نكل عن اليمين حلف الآخر وانتزعه من يده. فإن كان لأحدهما بيّنة، حكم له ببيّنته، كانت له عليه يدٌ أو لم تكن. فإن كان لكلّ واحدٍ منهما بيّنةٌ، حكم بأعدل البيّنتين. فإن تكافأا في العدالة، حكم لصاحب اليد، فإن لم يكن في يد أحدهما، قسم بينهما بعد أيمانهما ) قال في شرح التفريع [٨/ ٤٥٦]: «وأمّا قوله: فإن كانت لكلّ واحدٍ منهما بيّنةٌ، حكم له بأعدل البيّنتين، فإنّما قال ذلك؛ لأنّ الغرض بالبيّنة العدالة، والحكم بها موقوفٌ على أصولها، فوجب أن يقع الترجيح بها. قال الأبهري: ولأنّ العدالة لمّا وجب قبول الشّهادة معها إذا وجدت في الشّاهد، وردّ شهادته إذا عدمت، وجب أن يكون من كان أعدل أولى بقبول شهادته والحكم بها؛ لأنّها أقوى من غيرها».
[ ٣ / ٦٤ ]
باب حكم الحاكم بعلمه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقال أيضًا: «وأما قوله: فإن تكافأا في العدالة، حكم به لصاحب اليد، فإنّما قال ذلك؛ لأنهما لمّا تساويا في العدالة، سقطا وصارَ كأنّهما لم يكونا، فرُجِّح صاحب اليد. قال الأبهري: لأنّ صاحب اليد له مع يده بيّنةٌ، فكان سببه أوكد ممّن له بيّنةٌ من غير يدٍ». وقال أيضًا في [٨/ ٤٥٧]: «وأمّا قوله: فإن لم يكن في يد واحدٍ منهم، قسم بينهما بعد أيمانهما؛ فإنّما قال ذلك؛ لما روى ابن وهبٍ: «أَنَّ رَجُلَينِ اخْتَصَمَا إِلَى النّبيِّ ﷺ فِي دَابَّةٍ وَجَدَاهَا عِنْدَ رَجُلٍ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَينِ أَنَّهَا دَابَّتُه، فَقَضَى بِهَا النَّبيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ». قال الأبهري: ولأنّ الحكم لأحدهما ليس بأولى من الحكم للآخر، وإذا كان كذلك، لم يجز الحكم لأحدهما؛ لأنّهما لمّا تساويا في العدالة سقطتا، وكانا من لا بيّنة لهما». وقال أيضًا: «وإنّما عرضنا الأيمان عليهما، لترجيح أحدهما فيحكم له، فإذا لم يوجد ذلك، تركا على ما كانا عليه. وقد بسط الأبهري هذا المعنى فقال: وإنّما وجب استحلافهما فيما ذكر؛ لجواز أن ينكل عن اليمين أحدهما، فيحكم للآخر ببيّنته مع نكول صاحبه». باب حكم الحاكم بعلمه
(٢) - (وإذا ذكر الحاكم أنّه حكم بحكمٍ في أمرٍ من الأمور، وأنكر ذلك المحكوم عليه، لم يقبل قول الحاكم إلّا ببيّنةٍ تشهد على حكمه) قال في شرح التفريع [٨/ ٤٧٨]: «قال الأبهري: لأنّه إنّما شهد على فعل نفسه، وشهادة الإنسان على فعله غير جائزةٍ. ولأنّه حقٌّ لغيره متعلّقٌ بفعله، فلم تجز شهادته عليه. قال الأبهري: وقد رُوِيَ عن النّبيِّ ﷺ أنّه قال: «لَو أُعْطِيَ النَّاسَ بِدَعْوَاهُمْ، لَادّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ البَيِّنَةَ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»، وهذا الحاكم
[ ٣ / ٦٥ ]
باب كتاب الحاكم إلى حاكم آخر والشهادة على الخط
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مدّعٍ للحكم، فلا يقبل قوله إلّا بشاهدين، ولا يقبل بشاهدٍ واحدٍ؛ لأنّه ثبوت حقٍّ ليس بمالٍ، وهذا الحكم لا يثبت إلّا بشاهدين». باب كتاب الحاكم إلى حاكمٍ آخر والشّهادة على الخطّ
(٢) - (وإذا كتب حاكمٌ إلى حاكم كتابًا في حقٍّ قد ثبت عنده، لم يُحْكَمْ بكتابه إلّا ببيّنةٍ تشهد على كتابه، ولا تقبل الشّهادة على خطّه دون لفظه). قال في شرح التفريع [٨/ ٤٧٩]: «قال الأبهري: وإنّما لم يجز كتاب قاضٍ إلى قاضٍ إلّا بشاهدين؛ لأنّ القاضي المكتوب إليه لا يعلم أنّ الكتاب الذي ورد عليه هو كتاب القاضي الذي يذكر صاحبُ الحقّ أنّه كتابه، وهو مدّعٍ لذلك، فلا يجوز قبول قوله إلّا بشاهدين. وكذلك لو وصل إليه من غير جهة صاحب الحقّ، لم يحكم به ولم يلزمه ما فيه إلّا بشاهدين؛ لأنّه لا يعلم صحّته، فاحتيج إلى شاهدين عدلين؛ لأنّ قبوله وإنفاذ ما فيه هو غير الشّهادة على المال الذي يجوز فيه شهادة امرأتين مع رجلٍ، وشاهدٍ ويمينٍ. وليس يكتفي القاضي المكتوب إليه بعلامة الكتاب دون شهادة الشّهود؛ لأنّ العلامة تُغيّر ويعمل مثلها، فلا يجوز له أن يكتفي بها من الشهادة. ولأنّ كتاب الحاكم «وشهادة الشّهود يثبتون الحقّ عنده بأن هذا كتابه مع الغيبة»، تقوم مقام الشّهادة على نفسه بالحكم». وقال أيضًا في [٨/ ٤٨٠]: «واختلف إذا كتب الحاكم الكتاب إلى حاكمٍ ووجّهه إليه، وأشهد الشّهود بأنّه كتابه ولم يقرأه عليهم، ففيها روايتان عن مالك: إحداهما: أنّ الشهادة جائزةٌ وإن لم يقرأ الكتاب. والأخرى: أنّهم لا يشهدون به إلّا أن يقرؤوه وقت تحمّل الشهادة. فوجه الجواز قال الأبهري: ولا فصل بين أن يقرأه عليهم، أو يُشهد على إقرار الحاكم بما في كتابه في جواز الشّهادة عليه؛ لأنّه أقرّ بذلك كلّه، وعلى الحاكم المكتوب إليه قبول الشّهادة عليه وإنفاذ الحكم؛ لإقرار الحاكم الأوّل، أعني: الكاتب.
[ ٣ / ٦٦ ]
فيمن شهد له شاهدان على الخط
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وكذلك قول مالكٍ في الشّهادة على الوصيّة المختومة والكتاب الذي لا يُقرأ على الشّهود، أنّها جائزةٌ إذا أقرّ صاحب الكتاب بذلك، وليس على الشهود أن يقولوا له: اقرأه علينا؛ لأنّه لو قرأه عليهم ما ضبطوا ما قرأه عليهم عند إقامتهم الشّهادة؛ لأنهم قد يقيمونها بعد مدّةٍ طويلةٍ؛ وإنّما يعلمون جملة ذلك، فلا فضل بين أن يقرأه عليه؛ لأنّ الغرض في ذلك كلّه إقرار المشهود عليه بما في الكتاب. وقد كان رسول الله ﷺ يكتب إلى عمّاله، فيقبلون كتابه من غير قراءةٍ عليهم عند الكتاب، وينفذون ما فيها، وإذا كان الأمر كذلك جازت الشّهادة على الكتاب المختوم وإن لم يقرأه عليهم. قال الأبهري: وقد قال المدنيون عن مالكٍ: لا تجوز الشّهادة على الكتاب المختوم حتّى يُقرأ، والأوّل أصحُّ. ولأنّه قد علم الإقرار، فيؤديّه. ولأنّه لا يحفظ ما يُقرأ عليه عند الأداء، فلا فائدة فيه، والله أعلم. ووجه المنع قوله تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف:٨١] وإذا لم يَقرَأ الكتاب، لم يعلَموا بما شهدوا به، فلم تجز الشّهادة. ولأنّ الخطّ قد يُعمَل عليه ويُزوّر، فلا يؤمن ذلك في الكتاب المطويّ، وإذا قرؤوه وعرفوا ما فيه، أمن ذلك». فيمن شهد له شاهدان على الخطّ
(٢) - (وإذا ادّعى رجلٌ على رجلٍ دعوى فأنكرها، فشهد له شاهدان على خطّه دون لفظه، ففيها روايتان: إحداهما: أنّه يحكم له بالشّهادة على الخطّ. والرّواية الأخرى: أنّه لا يحكم له بذلك) قال في شرح التفريع [٨/ ٤٨٢]: « إحداهما: إنّه يحكم له بالشّهادة على الخطّ. قال الأبهري: وقد روى ابن عبد الحكم أنّ مالكًا رجع عن ذلك». وقال أيضًا في [٨/ ٤٨٤]: «قال الأبهري: ومما يدلّ على أنّ الكتابة تقوم مقام
[ ٣ / ٦٧ ]
باب التحكيم لغير القاضي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الإقرار، أنّ الرّجل إذا أقرّ بالطّلاق، لزمه ذلك، وإن كتبه بخطّه، لزمه به إذا قصد به طلاقًا، فقد نابت الكتابة مناب اللفظ في الطّلاق؛ فكذلك في غيره. ووجه الرّواية الثّانية: هو أنّ الخطّ يعمل عليه ويشبه به، لم يحكم بذلك، وهذا هو الصحيح، والله أعلم». وقال أيضًا في [٨/ ٤٨٢]: «والرواية الأخرى: أنّه لا يحكم له بذلك. قال الأبهري: لأنّه قد يُكتب على الكتاب، وهذا هو الصّحيح». باب التّحكيم لغير القاضي
(٢) - (وإذا حكّم الرّجلان رجلًا بينهما، فحكم بينهما، فرضي أحدهما بحكمه وسخطه الآخر، لزمهما حكمه إذا حكم بما يجوز بين النّاس، وسواءٌ وافق حكم قاضي البلد أو خالفه، ما لم يخرج بحكمه عن إجماع أهل العلم). قال في شرح التفريع [٨/ ٤٩٠]: «قال الأبهري: لأنّهما لمّا حكّماه، فقد رضيا بحكمه، فيلزمهما حكمه لإلزامهما أنفسهما به ورضاهما بذلك، كما يلزم المسلمين حكم الحاكم إذا اختاروه ورضوه، وكذلك يلزمهم حكم الإمام إذا نصّبوه واختاروه؛ لأنّهم رضوا بذلك. وهذا إذا حكم بغير جورٍ أو خطأٍ بيِّنٍ؛ لأنّ ما حكم به له وجهٌ في الاختيار، وسواءٌ كان ذلك رأي قاضي البلد أو غير رأيه. ألا ترى: أنّ المستفتي يجوز له أن يقبل قول من يفتيه من أهل العلم، وإن كان خلاف رأي الإمام الذي يلي النّاس، فكذلك يجوز حكم من حكّماه وإن كان خلاف رأي الإمام الذي هو حاكم البلد. وأمّا إذا حكم بجورٍ أو خطأٍ بيّنٍ، لم يلزمهما ذلك، كما لا يلزم حكم الإمام العالم إذا حكم بخطأٍ أو جورٍ؛ لأنّ ذلك خلاف حكم الله تعالى، ولا يجوز للحاكم ولا لمجتهدٍ أن يخرج عمّا أجمع عليه المسلمون، ومتى خرج عن ذلك، كان حكمه ورأيه مردودًا».
[ ٣ / ٦٨ ]