. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فقال مالكٌ: لا يصحّ قبض الأب لها؛ لأنّها لا تتميّز للشّاهد وقت إقامة الشّهادة قال أبو بكرٍ الأبهري: ويجوز أن يكون في يد الأب إذا جعلها في شيءٍ وختم عليها وأشهد؛ لأنّها حينئذٍ تتميّز ويمكن الإشهاد عليها، فتصير كالعبد». في عدم قبض الموهوب له الهبة
(٢) - (ومن وهب شيئًا من ماله، لزمه دفعه إلى الموهوب له إذا طالبه به، فإن أبى ذلك، حكم عليه …) قال في شرح التفريع [٩/ ٤٢٢]: «قال الأبهري: ولأنّ ملك الهبة قد انتقل إلى الموهوب له بالقول، وكلّ ملكٍ ينتقل باختيار ربه فإنّه ينتقل بالقول، ثمّ يتبعه القبض، أصله البيع قبل القبض؛ لأنّه إنّما يقبض ما قد ملكه بالبيع الذي هو القول». الهبة للثواب والعوض
(٣) - (فرعٌ: فلو قبض الموهوب الهبة للثّواب، ثمّ قام الواهب بطلب الثّواب، فروى ابن عبد الحكم عن مالكٍ: أنّه إن طال ذلك وتقادم حتّى يُرى إنّه كالتارك له، فلا ثواب له) قال في شرح التفريع [٩/ ٤٣٣] قال الأبهري: «لأنّه قد خرج في طلب ثوابها عن عرف النّاس، وغالبهم أنّهم لا يتركون طلبه هذه المدّة، ومن خرج عن عرف النّاس وعادتهم، لم تقبل دعواه». كتاب الشهادات
(٤) - (ولا تجوز شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا الرّجل لامرأته، ولا المرأة لزوجها. ولا تجوز شهادة خصمٍ على خصمه، ولا ظنين متّهم بمحبّة من يشهد له. ولا تجوز شهادة عدوٍّ على عدوه) قال في شرح التفريع [٨/ ٣٧١]: «إذا ثبت هذا فلا يجوز شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا الرجل لامرأته، ولا المرأة لزوجها …
[ ٣ / ٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال الأبهري: لأنّ الإنسان يحبّ جرّ المنفعة لولده ودفع الضّرر عنه، هذا هو الأصل والأغلب في طباع النّاس، العامّ منهم دون الخاصّ الذي لا حكم له. فإن قيل: إنّ شهادة الأب لم تقبل للابن؛ لأنّه بعضه، لا من أجل التّهمة. قيل له: فيجب أن تقبل شهادة الابن لأبيه، ولأبي الأب، لأنّه ليس ببعضٍ له. ولو كان لهذه العلّة؛ لجاز إقرار الأب على ابنه، كما يجوز إقراره على نفسه، فلمّا كان هذا غير جائزٍ بإجماع أهل العلم، عُلِم فساد ما ذكره، وأنّ العلّة في ردّ شهادته التّهمة التي ذكرناها، وأنّ شهادته لابنه تجري مجرى شهادته لنفسه؛ لأنّه يجبّ صلاح حال ولده كما يحبّ صلاح نفسه، وقد قال ﷿: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف:١٥] فجعل صلاح ذريّته صلاحه». وقال أيضًا: «والتّهمة حاصلةٌ بين الزّوجين في غالب الطّبع؛ لأنّه يعلم بالعادة أنّ الإنسان يحبُّ نفع زوجته ويكره ضررها، وإذا صحّ ذلك، كانت التّهمة مانعةً من قبول شهادة أحدهما للآخر. قال الأبهري: وقد بيَّنَّا أنّ شهادة الشّاهد إذا جرَّ بها منفعةً أو دفع بها مضرّةً عن نفسه أو من يجري مجرى نفسه من والدٍ أو ولدٍ، أنّها غير مقبولةٍ؛ للتّهمة في ذلك. وكذلك الزّوج والزّوجة، لا تجوز شهادة أحدهما للآخر؛ للتّهمة في ذلك؛ لأنّ الزوج ينتفع بانتفاع زوجته؛ وكذلك الزّوجة، ويغتمّ كلّ واحدٍ منهما بدخول الضّرر على صاحبه في النّفس والمال، فلم تجز شهادة كلٍّ واحدٍ منهما لصاحبه في غرمٍ يدفعه عنه، أو جرّ منفعةٍ إليه، وقد قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١]، فلمّا لم تجز شهادة الأب والابن كلّ واحدٍ منهما لصاحبه؛ للمودّة والرّحمة؛ فكذلك الزّوج والزّوجة؛ لوجود ذلك بينهما. قال الأبهري: وقد رُوِيَ عن شريحٍ أنّه قال: (لا تجوز شهادة المرأة لزوجها، ولا الزوج لامرأته».
[ ٣ / ٤٥ ]
شهادة الابن لأحد أبويه على الآخر
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقال أيضًا في [٨/ ٣٧٥]: «وأمّا قوله: ولا تجوز شهادة خصمٍ ولا ظَنِينٍ متّهمٍ بمحبّةٍ قال الأبهري: وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة، عن طلحة بن عبد الله بن عوفٍ أنّه قال: «أَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ مُنَادِيًَا فَنَادَى حَتَّى انْتَهَى إِلَى الثَّنِيَّةِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ». وقال أيضًا في [٨/ ٣٧٤]: «وأمّا شهادة العدوّ على عدوه وقال سحنون: ينظر في العداوة، فإن كانت من أمر الدنيا من مالٍ أو تجارةٍ أو ميراثٍ، فلا تقبل شهادته، وإن كانت عداوته غضبًا لله؛ لجرمه أو فسقه، فشهادته جائزةٌ. وقال أبو بكر الأبهري: أجمعت الأمّة: على أنّ العداوة في الدِّين لا تبطل الشّهادة؛ بدليل جواز شهادتنا على اليهود والنّصارى وغيرهم من أهل الأديان والملل والبدع». شهادة الابن لأحد أبويه على الآخر
(٢) - (ولا تجوز شهادة الابن لأبيه على أمّه، ولا لأمّه على أبيه. وقد قيل: تجوز شهادته لأمّه على أبيه في الشّيء اليسير، ولا تجوز شهادته لأبيه على أمّه بحالٍ) قال في شرح التفريع [٨/ ٣٧٦]:» وإنّما لم تجز شهادة الابن على أحد أبويه للآخر؛ فلأنّه يُتّهم بمجرد جرّ المنفعة إلى من شهد له، فلم تجز شهادته، وسواءٌ شهد على أمّه لأبيه، أو لأبيه على أمّه. فأمّا الشّيء اليسير إذا شهد به لأمّه على أبيه، فإنّما يجوز على وجه الاستحسان، من قِبَل أنّه لا يتّهم أن يشهد لأمّه على أبيه؛ من قِبَل أنّ ميله إلى أبيه ليس كميله إلى أمّه، وليس يفزع من أمّه كفزعه من أبيه، ولا هيبته لها كهيبته له. فجازت شهادته في اليسير لأمّه على أبيه، ولم تجز لأبيه على أمّه؛ لفزعه وهيبته له. فأمّا لأمّه أو لأبيه على أجنبيٍّ، فإنّها لا تجوز، لا في القليل ولا في الكثير.
[ ٣ / ٤٦ ]
شهادة الأخ لأخيه
شهادة الرجل على رجل بمال له بعضه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال الأبهري: والقياس أيضًا: أنّها لا تجوز لأحد الأبوين على الآخر في القليل والكثير؛ لتهمته في الشّهادة. وقد قال مالكٌ في غير كتابٍ: لا تجوز شهادة الابن لأمّه على أبيه، ولا لأبيه على أمّه، ولم يشترط الشّيء اليسير، وهذا هو الصّحيح». شهادة الأخ لأخيه
(٢) - (وتجوز شهادة الأخ لأخيه، إلّا في النّسب ودفع المعرّة عنه) قال في شرح التفريع [٨/ ٣٨٢]: «قال الأبهري: لأنّ الإنسان تلحقه المعرّة والأَنَفَة في ضرب أخيه الحدّ، وفي الفرية على أخيه متى لم يحدّ قاذف أخيه، فكانت شهادته ممّا يزيل الحدّ عن أخيه، أو توجب الحدّ لأخيه، فلم تجز. فأمّا في المال إذا أُخِذَ من أخيه أو وجب له، فشهادته جائزةٌ في تجريح من شهد على أخيه وتعديل من شهد له؛ إذ ليس في أخذ المال منه ولا أخذ المال له معرّةٌ، وإنّما المعرّة في أن يحدّ أو لا يحدّ له قاذفه كما بيَّنَّا. ولا يجوز تعديل الأخ لأخيه؛ لأنّه يزيده شرفًا ويدفع عنه معرّةً». وقال أيضًا في [٨/ ٣٨٤]: «قال الأبهري: وإنّما لم تجز شهادة الأخ لأخيه في النّسب إذا كان وحده؛ فلأنّ شهادة الواحد لا تجوز في شيءٍ من هذه الأشياء حتى يقارن شهادة الشاهد غيرها. وإن كان أخوين عدلين، جازت شهادتهما لثالثٍ أنّه أخوهما، ويثبت نسبه كذلك، قاله مالكٌ ﵀». شهادة الرّجل على رجلٍ بمالٍ له بعضه
(٣) - (ولا تجوز شهادة الرّجل على الرّجلِ بمالٍ له بعضه) قال في شرح التفريع [٨/ ٣٨٥]: «والأصل في ذلك، ما رُوِيَ عن النّبيِّ ﷺ أنّه قال: «لَا تَجُوزَ شَهَادَةُ خَصْمٍ، وَلَا ظَنِينٍ، وَلَا جَار لِنَفْسِهِ» وهذا جار لنفسه، فلا تجوز شهادته.
[ ٣ / ٤٧ ]
شهادة الرجل على وصية له فيها نصيب
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال الأبهري: ولأنّ شهادة الجار لنفسه غير مقبولةٍ». شهادة الرجل على وصيّةٍ له فيها نصيبٌ
(٢) - (وإذا شهد رجلٌ على وصيّةٍ قد أُوصِيَ له فيها بشيءٍ، ففيها ثلاث رواياتٍ: إحداهنّ: أنّ شهادته في الوصية كلّها جائزةً إذا الذي أوصِيَ له به يسيرًا لا يتّهم على مثله. والرّواية الثّانية: أنّها كّلها باطلةٌ. والرّواية الثّالثة: أنّها لغيره جائزةٌ، وفي حقّه خاصّةً باطلةٌ).
(٣) - قال في شرح التفريع [٨/ ٣٨٦]: «اختلف في الشّاهد يشهد بوصيّةٍ له فيها حصّةٌ على ثلاثة أقوالٍ: فقيل: يبطل جميعها؛ لأنّه إذا اتُّهِم في بعضها رُدّ جميعها. قال الأبهري: لأنّ في شهادته جرّ منفعةٍ إلى نفسه، وكلّ شاهدٍ يجرُّ بشهادته منفعةً إلى نفسه، فشهادته غير جائزةٍ، وهذا هو القياس. وقيل: يسقط ما يخصّه منها، ويمضي ما يخصّ غيره. قال الأبهري: لأنّ شهادته لغيره لا يُتّهم فيها، فجازت شهادته له، ولا تجوز فيما له؛ لأنّه يتّهم فيها. وقيل: إنّها تجوز له ولغيره إن كان الذي يخصّه يسيرًا. قال الأبهري: لأنّه ليس في شهادته تُهمةٌ؛ لأنّ الإنسان في الأغلب لا يشهد على وصيّةٍ تزيد بألف دينارٍ على أنّ له فيها عشرة دنانير أو دونها، هذا هو المعروف في النّاس، وإذا كان كذلك، جازت شهادته في الوصيّة كلّها. قال الأبهري: وهذا على وجه الاستحسان، وفي القياس أنّها لا تجوز؛ لأنّ في شهادته جرّ منفعةٍ إلى نفسه، وإن كان له قدرٌ رُدّ جميعها. وظاهر قول مالكٍ أنّه فرّق بين الوصيّة وغيرها. والفرق بينهما: أنّ الوصايا فيها ضرورةٌ، إذ قد يخشى الوصيّ معاجلة الموت ولا
[ ٣ / ٤٨ ]
شهادة الأعمى على الأقوال
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يحضره إلّا الذي أوصى له، ولا ضرورة تلحقه في غيرها من الحقوق، وكما أجازوا شهادة الصّبيان للضّرورة، وشهادة النّساء فيما لا يطّلع عليه غيرهنّ، فكذلك هذا». شهادة الأعمى على الأقوال
(٢) - (وشهادة الأعمى على الأقوال جائزةٌ) قال في شرح التفريع [٨/ ٣٨٨]: «وقد بسط الأبهري هذا الاحتجاج فقال: وإنّما جازت شهادة الأعمى إذا عرف الصّوت؛ لأنّ الإنسان يعرف الشّخص بالصّوت ويميّز بينه وبين غيره، كما يعرف ذلك بالبصر، فلمّا جازت الشّهادة بالبصر مع جواز وقوع الشّبه فيها؛ لأنّ ذلك نادر؛ فكذلك تجوز الشّهادة على الأصوات مع جواز وقوع الشّبه فيها؛ لأنّ ذلك نادر، وقد قال ﷿: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم:٢٢] فجعل اختلاف الألسن كاختلاف الألوان. قال الأبهري: ومما يدلّ على جواز شهادة الأعمى على الصّوت، ما قال مالكٌ: أنّ أصحاب رسول الله ﷺ والتّابعين قد رووا عن أزواج النَّبيِّ ﷺ، وإنّما سمع أكثرهم منهنّ من وراء حجابٍ، وعرفوا عائشة من أمّ سلمة، وحفصة من زينب، بالصّوت دون المشاهدة، ووقع علمهم بهنّ بمعرفة أصواتهنّ، كما يقع ذلك بمشاهدتهنّ. فإن قيل: إنّ طريق الخبر مخالفٌ للشّهادة؛ لأنّه قد يجوز أن يقبل خبر من لا تجوز شهادته؛ وذلك كالعبد والأمة؟ قيل له: أليس لا يجوز أن يقبل الخبر ويسند إليه عمن لا تُعرف عينه، ولا يُدرى هل هو أو غيره حتى يُعلَم ذلك بالمشاهدة، فقد استوى المخبَرُ عنه والمشهود عليه في هذا، وكذلك يجب أن يستويا في معرفة صوتهما. ولمّا أجمع أهل العلم على جواز ذلك في الخبر إذا عرف الصّوت، كانت الشهادة مثله، ولا فرق بينهما في ذلك. قال الأبهري: ومما يدلّ على جواز الشّهادة في معرفة ما يميّز به بين الأشخاص: لو أنّ رجلًا شهد على رجلٍ أنّه حلف بالطّلاق أنّه لا يشرب شيئًا حلوًا أو حامضًا، ثمّ
[ ٣ / ٤٩ ]
شهادة الأخرس
شهادة ولد الزنا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) شرب ذلك وشهد عليه به شاهدان، لقبلت شهادتهما ولزمه الطلاق، والشّهود إنّما يعرفون ذلك بالذّوق لا بالمشاهدة، وكذلك ما طريقه الرّائحة وأشباه ذلك، وكذلك الصّوت مثله، يعلم الشّاهد الشّيء ويميّز بينه وبين غيره، وتجوز شهادته عليه. قال الأبهري: ومما يدلّ على ما قلناه، أنّ الأعمى له وطء امرأته وأمته، وحرامٌ عليه وطء أمِّهِ وأخته، وإنّما يميّز بين أمِّهِ وأخته وزوجته بالصّوت لا غيره، ولو لم تقم معرفته بامرأته بالصّوت كمعرفته بالنّظر، لما جاز له أن يقدم على وطء فرجٍ لا يتيقّن أنّه حلالٌ له، فلمّا جاز للأعمى أن يطأ من يعرف عينها بالصّوت دون الرؤية، علم بهذا أنّه لا فصل في التّمييز بين الأشخاص بالصّوت والمشاهدة بالبصر. قال الأبهري: وممّا يدلّ على أنّ الصّوت يُمَيَّز به بين الأشخاص كما يُميّز بينهما بالبصر، قول النَّبيِّ ﷺ: «لَا يَمْنَعُكُمْ سُحُوركُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِي ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»، فحظر عليهم أن يأكلوا إذا أذّن ابن أم مكتومٍ، وأباح لهم أن يأكلوا إذا أذّن بلالٌ، ومعلومٌ أنّ أهل المدينة إنّما كانوا يميّزون سحورهما بالصّوت؛ لأنّه يستحيل أن يخرجوا كلّهم إليه حتى يفضلوا بينهما بالبصر، وإذا كان كذلك، ثبت ما قلناه. وكذلك لو شهد بعد ما عَمِيَ. ولا فضل بين شهادة الأعمى والبصير إذا شهدا على صوت من قد عرفا صوته، وتكرّر ذلك عليهما أو تقدّمت معرفتهما به قبل ذلك، والله أعلم». شهادة الأخرس
(٢) - (وشهادة الأخرس إذا فهمت إشارته جائزة) قال في شرح التفريع [٨/ ٣٩١]: «لأنّ الشهادة علمٌ يؤدّيه الشّاهد إلى الحاكم فإذا فُهم عنه بطريقٍ يُفهم من مثله قُبِلت كالنّاطق، أصله الإقرار. قال الأبهري: وإن كان لا يُفهم عنه، لم تقبل. شهادة ولد الزنا
(٣) - (وشهادة ولد الزنا جائزةٌ، إلّا في الزنا وما أشبهه من الحدود فإنّها لا تجوز)
[ ٣ / ٥٠ ]
شهادة المملوك والصبي ونحوهما
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال في شرح التفريع [٨/ ٣٩٢]: «اعلم أنّ شهادة ولد الزنا لا تقبل في الزِّنا، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، لقول النَّبيِّ ﷺ: «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَصْمِ وَلَا ظَنِين»، وَالظنّة موجودة هاهنا؛ لأنّه يحب أن يكون غيره مشاركًا له في المعرّة قال الأبهري: فإن قيل: فيجب ألّا تقبل شهادة الزّاني في الزِّنا، والقاذف في القذف، والسّارق في السَّرقة؛ لأنّه يحبّ أن يكون له مثالًا كما قلت في ولد الزّنا؟ قيل له: قد قال بعض شيوخنا، وهو عبد الله بن منتاب: إنّها لا تقبل، وليس ذلك صحيحًا على قول مالكٍ. والصّحيح أنّها تقبل كذلك. قال مالكٌ في القاذف إذا تاب: إنّ شهادته تقبل، ولم يخصّ قبولها في غير القذف، بل تقبل في القذف وغيره. والفرق بين هذه الأشياء وبين شهادة ولد الزّنا: أنّ معرّة هذه الأشياء تزول بالتّوبة، ويصير الفاعل لها كأنّه لم يفعلها، كالكافر إذا أسلم، فيصير كأنّه لم يكفر قبل، ومعرّة الكافر أشدّ من معرّة غيره من المعاصي، وولد الزنا لا تزول معرّته ولا تتغيّر حاله؛ لأنّها ولادةٌ، كالأبوّة والبنوّة، أنّها لا تزول ولا تتغيّر لها. ولو جاز أن تزول معرّة ولد الزِّنا، لجاز قبول شهادته؛ لكنّها لا تزول». وقال أيضًا في [٨/ ٣٩٣]: «وأمّا في غير الزِّنا، فإنّ شهادته تقبل. قال الأبهري: لأنّ ولد الزنا من جملة المسلمين الذين أمر الله تعالى بقبول شهادتهم إذا كانوا عدولًا». شهادة المملوك والصّبيّ ونحوهما
(٢) - (وإذا شهد المملوك في رقّه والصّبيّ في صغره والمشرك في كفره بشهادةٍ فردّت شهادتهم عليهم، ثمّ شهدوا بها بعد تغيّر أحوالهم، لم تقبل شهادتهم، وإن لم يكونوا شهدوا بها في الأحوال التي تقدّمت، قبلت شهادتهم. وإذا شهد الفاسق بشهادةٍ فردّت شهادته لفسقه، ثمّ زال الفسق عنه فشهد بها ثانيةً، لم تقبل شهادته)
[ ٣ / ٥١ ]
شهادة الكتابيين على بعضهم أو على المسلمين
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال في شرح التفريع [٨/ ٣٩٤]: «إذا ثبت هذا، فإن شهد العبد في حال رقّه والكافر في حال كفره والصبيّ في حال صغره بشهادةٍ فرُدّت شهادتهم، ثمّ كبر الصبيّ أو أعتق العبد أو أسلم الكافر فشهدوا بتلك الشّهادة، لم تقبل شهادتهم، ولو لم يكونوا شهدوا بها لقبلت، أو لم يؤدّوها قبل ذلك لقبلت شهادتهم. والفرق بينهما: هو أنّ الذي ردّت شهادته، يتَّهم أن يكون يريد إجازتها. قال الأبهري: لأنّ في ردّها نقصًا عليه، فلهذه العلّة لم يجز قبول شهادتهم إذا أدّوها بعد زوال الحال التي من أجلها ردّت شهادتهم. ألا ترى: أنّ الفاسق إذا شهد بشهادةٍ على شيءٍ من الأشياء فرُدّت شهادته، ثمّ زال فسقه فأداها بعد زوال فسقه، لم تقبل شهادته التي ردّت عليه في حال فسقه؛ لأنّه يُتّهم على تنفيذ قوله الذي ردّ عليه، ولا خلاف في هذا بين أهل العلم نعلمه. وكذلك ما ذكرنا؛ لدخول التّهمة، بخلاف من لم يؤدّها قبل ذلك، فإنها لم تردّ، فلم تلحقه في ذلك تهمةٌ. قال الأبهري: ولا خلاف في ذلك». شهادة الكتابيين على بعضهم أو على المسلمين
(٢) - (ولا تجوز شهادة النّصرانيّ واليهوديّ بعضهم على بعضٍ، ولا على المسلمين ولا لهم) قال في شرح التفريع [٨/ ٣٩٥]: «وأمّا قوله ﵎: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦]، قال ابن القاسم: هي منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]. قال الأبهري: وقيل في قوله تعالى: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: من غير قبيلتكم. فإن قيل: إنّ بعضهم لا يتّهم على بعضٍ في الشّهادة، فوجب قبول شهادة
[ ٣ / ٥٢ ]
شهادة الصبيان بعضهم على بعض
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بعضهم لبعضٍ؛ لاستوائهم في الدّين؟ قيل له: لو جاز قبول شهادتهم لهذه العلّة وإن كانوا غير عدولٍ، لجاز قبول شهادة الفاسق من المسلمين على الفاسق من المسلمين، فلمّا لم تجز شهادتهم بإجماع المسلمين - لأنّهم ليسوا من أهل الرضا -، كان الكفار في ألّا يقبل قولهم أولى، وقد قال ﷿: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة:١٤] فأخبر تعالى أنّ بينهم العداوة والبغضاء». شهادة الصّبيان بعضهم على بعضٍ
(٢) - (وتجوز شهادة الصّبيان بعضهم على بعضٍ في القتل والجراح خاصّةً، إذا شهدوا قبل أن يفرقوا أو يخبّبوا. فإن افترقوا وأمكن تخبيبهم، لم تقبل شهادتهم، إلّا أن يكون الكبار قد شهدوا على شهادتهم قبل افتراقهم، فلا يضرّ رجوعهم ولا يعتبر الآخر من أقوالهم. ولا تجوز شهادة الصّبيان على صغيرٍ إن قتل كبيرًا، ولا على كبيرٍ أنّه قتل صغيرًا) قال في شرح التفريع [٨/ ٣٩٧]: «قال الأبهري: ولأنّ الصبيّ لمّا كان يعلم الشّيء كعلم الكبير، جاز قبول شهادتهم. وكما يجوز أن يقبل خبره كما يقبل خبر الكبير، فكذلك تقبل شهادته كشهادة الكبير. قال الأبهري: ولأنّ القتل والجراح إنّما تكون في الأغلب حيث لا يحضره الشهود والنّاس، وهو شيءٌ لا يمكن التوثّق فيه، فجعلت فيه القسامة لهذه العلّة تغليظًا للدّماء، ولم تجز القسامة في غير الدّم، وكذلك تجوز شهادة الصّبيان في القتل والجراح؛ حياطةً لها دون غيرها. ولأنّ الصّبيان بنا ضرورةٌ إلى تعليمهم القتال وتمرينهم عليه لضرورتنا إلى قتال عدوّنا، فوجب أن يُحتاط في دمائهم وجراحهم؛ لأنّه لا بدّ أن يقع ذلك بينهم. ولم تجز شهادتهم على غيرهم؛ لأنّ في الأغلب أنّ الرّجال لا يحضرون مواضع لعبهم، ولا حاجة لهم إلى حضورهم. فإن قيل: فلتجز شهادة الفسّاق بعضهم على بعضٍ إذا وقع بينهم جراحٌ أو قتالٌ؟ قيل: لا حاجة بنا إلى حفظ جراح الفسّاق ودمائهم؛ لأنّه لا يجوز لهم أن يجتمعوا على
[ ٣ / ٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ما اجتمعوا عليه ولا ما فعلوه، وبنا ضرورةٌ إلى لعب الصّبيان وتعاطي تعليم الحرب، للعلّة التي ذكرناها». وقال أيضًا في [٨/ ٤٠٠]: «وإنّما شرط أن يكون ذلك قبل التّفرق؛ لأنّ الغالب من حالهم أنّهم يخبرون بالصّدق قال الأبهري: ولا خلاف نعلمه، أنّها لا تقبل إذا تفرّقوا».
(٢) - (مسألة: قال مالكٌ: وإذا كان صبيانٌ ستّة في بحرٍ، فغرق واحدٌ منهم، فشهد ثلاثةٌ على اثنين أنّهما غرّقاه، وشهد اثنان على ثلاثةٍ أنّهم غرّقوه فالعقل عليهم كلّهم؛ لأنّ كل واحدٍ منهم يدرأ عن نفسه) قال في شرح التفريع [٨/ ٤٠١]: «قال الأبهري: ولأنّ كلّ واحدٍ منهم يجوز أن يكون غرّقه، وليس أحدهم أولى من غيره، فوجب أن تكون ديته على عواقلهم».
(٣) - (مسألة: قال مالكٌ: ولا تجوز شهادة الصّبيان المماليك بعضهم على بعضٍ، ولا تجوز إلّا شهادة الصّبيان الذّكور الأحرار) قال في شرح التفريع [٨/ ٤٠٢]: «قال الأبهري: لأنّ المماليك ليسوا من الجنس الذين تقبل شهادتهم، فلم تقبل شهادة المملوك الصّبيّ في الجراح، كما لا تقبل شهادة الرّجل المملوك؛ إذ ليست شهادة الصّبيّ في ذلك بأقوى من شهادة المملوك البالغ».
(٤) - (قال مالكٌ: وإذا كان صبيانٌ يلعبون، فشُجّ غلامٌ منهم، فشهد نفر منهم: أنّ غلامًا شجّه، وشهد آخَرُ على غلامٍ آخر أنّه شجه، قال: فشهادتهم تبطل) قال في شرح التفريع [٨/ ٤٠٢]: «قال الأبهري: لأنّ الشّهادتين هاهنا كلّ واحدةٍ منهما تنفي ما تثبته الأخرى، فسقطتا، ووجب أرش الشجّة على جماعة الصّبيان. فإن كان الشّهود رجالًا، سقطت شهادتهم إذا تكافأت ولم يثبت حكم الشجّة، ولم يكن على واحدٍ من الصّبيان شيءٌ.
[ ٣ / ٥٤ ]
باب شهادة النساء، واليمين مع الشاهد
شهادة امرأتين في الأموال
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ولا بدّ أن يكون عددهم اثنان فصاعدًا؛ لأنّ شهادة الواحد غير مقبولةٍ في البالغين، ففي الأصاغر أولى. وقال أيضًا: «وأمّا قوله: ولا تجوز شهادتهم على كبيرٍ أنّه قتل صغيرًا، ولا على صغيرٍ أنّه قتل كبيرًا. فإنّما قال ذلك؛ لأنّ الكبير لا حاجة إلى الحضور معهم، ولا ضرورة بنا إلى ذلك أيضًا كضرورتنا إلى حضور الصّبيان بعضهم مع بعضٍ، ولعبهم وتعليمهم ذلك، من الأبهري». باب شهادة النّساء، واليمين مع الشّاهد
(٢) - (ولا تجوز شهادة النّساء في دمٍ ولا في نسبٍ، ولا في طلاقٍ ولا في عتاقٍ، ولا في نكاحٍ ولا في حدٍّ ولا في رجعةٍ، ولا ما أشبه ذلك من أحكام الأبدان كلّها) قال في شرح التفريع [٨/ ٤٠٤]: «قال الأبهري: ولأنّ هذه الأشياء حقوقٌ تثبت في البَدَن، ولا تجوز شهادة النّساء في الحقوق التي تثبت في البدن؛ بدلالة أنّ شهادتهن غير جائزةٍ في الحدود». شهادة امرأتين في الأموال
(٣) - (وتجوز شهادة امرأتين مع رجلٍ في حقوق الأموال كلّها) قال في شرح التفريع [٨/ ٤٠٦]: «قال الأبهري: ولا خلاف في جواز شهادة امرأتين مع رجلٍ في المال. قال الأبهري: ولأنّ شهادة امرأتين في الأموال بمنزلة شهادة رجلٍ واحدٍ، فلمّا جاز أن يحلف مع الشّاهد الواحد في المال، جاز أن يحلف مع المرأتين في المال. وكذلك تجوز شهادتهنّ وحدهنّ فيما لا يطّلع عليه غيرهنّ؛ للضّرورة، كما أجيزت شهادة الصّبيان في الجراح بينهم للضّرورة إلى ذلك».
(٤) - (وتجوز شهادة امرأتين مع اليمين في الأموال) قال في شرح التفريع [٨/ ٤٠٦]: «قال الأبهري: لأنّ مقامها في الأموال مقام الرّجل
[ ٣ / ٥٥ ]
شهادة امرأتين على الولادة وأمور النساء
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فإذا جاز أن يُحكَم بشهادة رجلٍ واحدٍ مع اليمين، جاز أن يحكم بشهادة امرأتين مع اليمين». شهادة امرأتين على الولادة وأمور النّساء
(٢) - (وتجوز شهادة امرأتين منفردتين في الولادة والاستهلال وعيوب النساء، ولا تجوز في ذلك شهادة امرأةٍ واحدةٍ) قال في شرح التفريع [٨/ ٤٠٧]: «قال الأبهري: وإنّما قلنا إنّ شهادة المرأتين تجوز منفرداتٍ فيما لا يطلّع عليه الرّجال؛ للضّرورة إلى ذلك؛ لأنّ الرجال لا يحضرون ذلك ولا يجوز لهم الاطّلاع عليه. فإن قيل: إن شهادة امرأتين إنّما أجيزت مع غيرهنّ، فإذا انفردن لم يجز حتى يكون معهنّ مثلهنّ ويكنّ أربعًا؛ لأنّ شهادة الأربع من النّساء كشهادة رجلين؟ قيل له: لو كان كما ذكرت، لجازت شهادة الأربع في الأموال؛ لأنّهنّ في معنى رجلين، فلمّا لم يجز ذلك، كان حكم الأربع في الأموال حكم المرأتين في أنّه لا يجوز أن يحكم بشهادتهنّ منفرداتٍ؛ لأنّه لا معنى لما زاد على امرأتين فيما ينفرد به، والله أعلم. قال الأبهري: ولأنّ الله ﷿ ذكر عدد ما يجوز من النّساء في الشّهادة، وهو امرأتان، فلا معنى لأكثر منها، إلّا على وجه التّأكيد، كما أنّه لا معنى لأكثر من شاهدين، فكما يجوز به الشاهدان في وجوب الحكم به إلّا على معنى التوكيد، فكذلك لا معنى لشهادة أكثر من أربعة في الزِّنا، إلّا على معنى التّوكيد؛ لذكر الله ﷿ عدد ذلك في الزِّنا. وكذلك لا معنى لأكثر من شهادة امرأتين؛ لأنّ الله ﷿ لم يذكر أكثر منهما. فأمّا الشهادة على الولادة فتجوز إذا كان الولد موجودًا».
(٣) - (قال مالكٌ: وكلّ شيءٍ تقبل فيه شهادة النّساء وحدهنّ، فلا يقبل فيه أقلّ من امرأتين.
[ ٣ / ٥٦ ]
شهادة النساء في التعديل والتجريح
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ولا تجوز شهادة امرأةٍ واحدةٍ في شيءٍ من الشّهادات) قال في شرح التفريع [٨/ ٤١٠]: «قال الأبهري: ولأنّ الرّجل لمّا لم تُقبل شهادته على الانفراد دون أن يقارنها شيءٌ آخرُ وهو أقوى من المرأة، فكانت المرأة بأن لا تقبل شهادتها أولى. ولمّا لم تجز شهادة رجلٍ واحدٍ في الأصول، كذلك لا تجوز شهادة امرأةٍ واحدةٍ فيما لا يطّلع عليه الرّجال. فإن قيل: إنّ مجرى شهادتين، مجرى الخبر، لا أنّها شهادةٌ على الحقيقة؟ قيل له: لو كان كذلك، لجاز أن تقبل شهادة الأمة في ذلك، كما يقبل خبرها، فلمّا لم يجز قبول شهادتهما؛ لأنّها مخالفةٌ للخبر؛ فكذلك لا تجوز شهادة المرأة الواحدة في شيءٍ من الأشياء. قال الأبهري: وأيضًا فإنّ الشّهادة مخالفةٌ للخبر، من قِبَل أنّ المُخْبِر يلزم نفسه وغيره ممّا يؤدّيه من الخبر، أعني الحكم الذي يوجه الخبر، وليس كذلك الشّهادة؛ لأنّ الشّاهد لا يُلزِم نفسه؛ وإنّما يلزم غيره، فوجب أن يفترق حكم الخبر والشّهادة في العدد والحريّة، والله أعلم». شهادة النّساء في التّعديل والتّجريح
(٢) - (ولا تجوز شهادة النّساء في تعديل النّساء والرّجال، ولا في تجريحهما) قال في شرح التفريع [٨/ ٤١٢]: «قال الأبهري: ولأنّ التّعديل حكمٌ يثبت في البدن، ولا تجوز شهادة النّساء في حكمٍ يثبت في البدن إذا كان ممّا يطّلع عليه الرّجال، وإنّما تجوز شهادتهنّ فيما يثبت في البدن ممّا لا يطّلع عليه الرّجال، فأمّا ما يطّلع عليه الرّجال، فلا تجوز شهادتهنّ فيه. وكذلك تعديلهنّ للرّجال في الشّهادة على المال لا تجوز؛ من قِبَل أنّ ذلك لا ضرورة فيه؛ لأنّ عدالة الرّجال والنّساء ممّا يقف عليه الرّجال، فلا تجوز فيها شهادة النّساء؛ لأنّ شهادتهنّ إنّما أجيزت على الأبدان والحقوق التي لا يطّلع عليها الرّجال،
[ ٣ / ٥٧ ]
الحكم بالشاهد واليمين
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) كالرّضاع والولادة والعيوب، أو فيما يطّلع عليه الرّجال إذا كان مالًا، فتجوز شهادتهنّ مع غيرهنّ مع رجلٍ أو يمين الطالب، فأما ما يثبت في البدن ممّا يطلع عليه الرّجال، وذلك كالتّعديل والتّجريح والطّلاق والنّكاح وما أشبه ذلك». الحكم بالشاهد واليمين
(٢) - (ويحكم بالشّاهد واليمين في الأموال خاصّةً، ولا يحكم بها في شيءٍ من أحكام الأبدان) قال في شرح التفريع [٨/ ٤١٣]: «قال الأبهري: وهو قول الحسن والشّعبي وعمر بن عبد العزيز، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وهو قول الفقهاء السّبعة، أنّهم قالوا: يقضى بالشّاهد مع اليمين في الأموال دون الطّلاق والعتاق والفرية. قال الأبهري: ولأنّ الله ﷿ رتّب الشّهادات، فجعل في الزنا أربعةً، وفي الرّجعة شاهدين، وفي الأموال شاهدين، أو شاهدٍ وامرأتين، والشّاهد سببٌ واليمين سببٌ، فوجب الحكم بهما؛ لأنّه قد أتى بالسّببين اللّذين جُعلا في الشّهادات؛ وكذلك ورد الخبر عن النَّبيِّ ﷺ. وروى ابن وهبٍ قال: أخبرني مالك ابن أنسٍ، أنّ جعفر بن محمد أخبره، عن أبيه: «أَنَّ النّبيَّ ﷺ قَضَى بِاليَمِينِ مَعَ الشّاهِدِ». وروى أبو الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَضَى بِاليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الوَاحِدِ». وروى سعد بن عبادة: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَضَى بِاليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الوَاحِدِ». وروى ابن عباسٍ عن النَّبيِّ ﷺ مثله. وقضى بذلك علي بن أبي طالبٍ بالعراق. وروى حماد ابن زيدٍ، عن أيوب: (أنّ شريحًا أجاز شهادة رجلٍ واحدٍ مع يمين الطّالب)». وقال أيضًا في [٨/ ٤١٥]: «قال مالكٌ: وإنّما ذلك في الأموال خاصّةً قال الأبهري: ولأنّ الشّاهد واليمين إذا كان أضعف من الشّاهد والمرأتين، ثمّ لم
[ ٣ / ٥٨ ]
حد الشهادة على التعديل
معرفة الحاكم لعدالة شاهد
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يُحكَم بشهادة رجلٍ وامرأتين في عتقٍ ولا فريةٍ ولا سرقةٍ ولا نكاحٍ ولا طلاقٍ، فكذلك لا يجوز الحكم بالشَاهد واليمين في ذلك». باب التّعديل والتّجريح حد الشّهادة على التّعديل
(٢) - (وحدّ الشّهادة على التّعديل والتّزكية: أن يقول الشّاهدان: «نشهد أنّ فلانًا عدلٌ رضيٌّ»، ولا يقتصران على وصفٍ واحدٍ من العدالة دون الرّضا، ولا بالرّضا دون العدالة، حتّى يقولا بالوصفين معًا) قال في شرح التفريع [٨/ ٤٢٤]: «قال الأبهري: ولأنّه قد يَعلَم منه الخير، ويعلم منه غيره ممّا يوجب ردّ شهادته معه، فيجب أن يقال: «أعلمه عدلًا رضًا»؛ لأنّ هذا هو الوصف الذي أمر الله ﷿ بقبول شهادة الشّاهد معه بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] وبقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، فيجب أن يجمع الشّاهد العدالة والرّضا». وقال أيضًا في [٨/ ٤٢٥]: «قال عبد الوهاب: وكذلك إن قال: «أرضاه لي وعليّ»، فليس تزكيةً قال الأبهري: وليس ذلك بوصف العدل الذي أمر الله تعالى بقبول شهادته، بل وصفه أن يكون عدلًا رضًا، والتعديل أن يقول: أعرفه أو أعلمه عدلًا رضًا جائز الشّهادة». معرفة الحاكم لعدالة شاهدٍ
(٣) - (ومن عرفه الحاكم بالعدالة والرّضا، لم يطالبه بالتّزكية وأمضى بعلمه شهادته. ومن عرفه الحاكم بما يوجب سقوط الشّهادة، لم يَقبَل قوله وإن كان ظاهر أمره العدالة، ولا يرجع فيه بعد علمه إلى قول المزكّي) قال في شرح التفريع [٨/ ٤٢٦]: «وإنّما قال ذلك؛ لأنّ الغرض بالتّزكية: أن يعلم الحاكم أنّه من أهل الشّهادة، فإذا عرف ذلك منه، أغناه عن التّزكية.
[ ٣ / ٥٩ ]
قبول القاضي لتزكية شخص واحد
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال الأبهري: ووجب عليه قبول شهادته؛ لأنّه رضًا عنده، وقد قال تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢]. وليس ذلك من حكم الحاكم بعلمه؛ لأنّ هذا أمرٌ ظاهرٌ لا يخفى، أعني العدالة والفسق، فلا يُتّهم في ذلك». وقال أيضًا في [٨/ ٤٧٤]: «قال الأبهري: فإن قيل: لمّا جاز أن يحكم بعلمه في الشّهود في القبول والردّ والتّفسيق والتّعديل، جاز حكمه أيضًا فيما يعلمه من الحقوق؟ قيل له: ليس قبول الحاكم للشّاهد ورده حُكْمًَا. ألا ترى: أنّه لو قبل شاهدًا وعدّله بعلمه، ثمّ ردّه غيره من الحكّام، لجاز ذلك، وكذلك لو قبل شهادة كافرٍ على كافرٍ وحكم بذلك، ثمّ جاء غيره، لجاز ألّا يقبل ذلك منه في الاستئناف، ولو حكم بأمرٍ مجمعٍ عليه أو مختلفٍ فيه، ثمّ جاء غيره، لم يجز له ردّ ذلك ولا نقضه وإن كان غير صوابٍ عنده. ولو كان محل قبولٍ للشاهد وردّه وتعديله وتفسيقه كحكم الحاكم، لما جاز أن يردّ شاهدًا قبله غيره. ومعنى آخر، وهو أنّ عدالة العدل وفسق الفاسق هو شيءٌ يظهر للنّاس، ويشاركون الحاكم في علم ذلك، فمتى قبل فاسقًا علموا بذلك وأنكروه، ولذلك إذا قبل العدل علموا ذلك ولم ينكروه. وقول الحاكم: إنّه يعلم أنّ لزيدٍ على عمروٍ حقًّا، هو شيءٌ ينفرد به لا يشاركه غيره فيه، فلم يجز حكمه؛ لأنّه ينفرد بعلمه دون مشاركة غيره فيه، والله أعلم». قبول القاضي لتزكية شخصٍ واحدٍ
(٢) - (ولا بأس أن يكون للقاضي رجلٌ واحدٌ مزكّ، يخبره بأحوال الشّهود، فيقبل في ذلك قوله وحده وإن لم يشهد بما يقوله غيره)
[ ٣ / ٦٠ ]
طلب رجل من شخصين أن يزكياه
الانتظار بالتزكية حتى تتأكد العدالة والأمانة
في الذي يعدله رجلان ويجرحه رجلان
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال في شرح التفريع [٨/ ٤٢٧]» قال الأبهري: وهذا على وجه الاستحسان لا القياس، وإنّما ذلك في شهادةٍ تنزل بالرّجل. وأمّا إذا كان على وجه التّعديل الذي يجوز قوله في المستأنف فيما يشهد به، فلا يجوز أقلّ من شاهدين عنده على وجه التّعديل، وقد قال مالكٌ: إذا كان التّعديل إنّما هو على وجه الشّهادة، فلا يجوز فيه إلّا رجلان». طلب رجلٍ من شخصين أن يزكّياه
(٢) - (وإذا سأل رجلٌ رجلين أن يزكّياه عند الحاكم، فحسنٌ أن يفعلا ذلك إذا عرفاه بالعدالة) قال في شرح التفريع [٨/ ٤٢٨]: «قال الأبهري: لأنّ في ذلك معونةً على إقامة حقوق حقٍّ وفعل خيرٍ، وقد قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة:٢٨٢]، ولا فرق بين أن يدعى إلى تعديل شاهدٍ أو تجريحه إذا علم ذلك، وإلى شهادةٍ على حقٍّ من الحقوق». الانتظار بالتّزكية حتى تتأكّد العدالة والأمانة
(٣) - (ومن جاوز قومًا مدَةً يسيرةً، فسألهم أن يزكّوه، فلا يفعلوا حتى تطول مدَته وتُختَبر عدالته وأمانته) قال في شرح التفريع [٨/ ٤٢٩]: «قال الأبهري: لأنّ عدالة الإنسان إنّما تعرف بمخالطته وملابسته ومعاملته على مرور الأوقات، لا في مدّةٍ يسيرةٍ؛ لأنّه قد يجوز أن يتجمّل الإنسان لغيره المدّة اليسيرة، فأمّا المدّة الطّويلة فليس يكاد يصبر على ترك أخلاقه وطرائقه المذمومة، بل يظهر ذلك هذا، هو الغالب من أمر النّاس، وإذا كان كذلك، لم يجز أن يزكّيه في المدّة اليسيرة كالشّهر ونحوه إذا جالسه أو خالطه، فإذا طالت، جاز ذلك؛ لخبرته به». في الذي يعدّله رجلان ويجرحه رجلان
(٤) - (وإذا عدّل الرّجُلَ رجلان وجرحه آخران، ففيهما روايتان:
[ ٣ / ٦١ ]
باب الشهادة على الشهادة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) إحداهما: أنّه يحكم بأعدل البينتين. والرّواية الأخرى: أنّ الجرح أولى من التّعديل) قال في شرح التفريع [٨/ ٤٣٢]: «قال الأبهري: ولأنّ العدالة لمّا كانت من صفة الشّهود، وجب أن يكون من كان أعدل أولى بقبول شهادته؛ لأنّه أقوى سببًا من غيره، فوجب الحكم بأعدلهما في التّعديل والتّجريح وغير ذلك من الحقوق. والوجه الثّاني: هو أنّ الجرح يخفى ولا يظهر، والشّاهدان به قد عرفا من حال المجروح ما خفي عن المعدِّلِين، فكانت شهادتهما أولى. قال الأبهري: ولأنّه يقع بأمر يستخفيه النّاس، ويجوز أن يقف عليه قومٌ دون قومٍ، فإذا شهد به قومٌ، كانت شهادتهم أولى؛ لأنّهم وقفوا على ما لم يقف عليه من شَهِد بأمرٍ ظاهرٍ، وهي العدالة». باب الشّهادة على الشّهادة
(٢) - (وتجوز الشّهادة على الشّهادة في الحدود والحقوق كلّها. وذلك أن يشهد شاهدان على شهادة شاهدين، يشهدان جميعًا على شهادة كلّ واحدٍ من الشاهدين الأوّلين) قال في شرح التفريع [٨/ ٤٣٤]: «قال الأبهري: ولأنّ الشّاهد الثّاني إنّما يتحمّل عن الشّاهد الأوّل ويعلم ذلك من جهته، وذلك جائزٌ في الحدود والحقوق، إذ ليس ثمّ شيءٌ يمنع منه. فإن قيل: فإنّ شهادة النّساء لمّا لم تجز في الحدود لضعفها عن شهادة الرّجال، فكذلك لا تجوز الشّهادة على الشّهادة في الحدود؛ لضعف الشّهادة على الشّهادة؟ قيل: إنّما لم تجز شهادة النّساء على الرّجال في الحدود والحقوق؛ لأنّه لا ضرورة بنا إلى شهادتهنّ في هذه المواضع، لأنّها يطّلع عليها الرّجل، وإنّما أجيزت شهادة النّساء منفرداتٍ فيما لا يطّلع عليه الرّجال، ومع غيرهنّ في الأموال، ولم يمنع من قبول شهادة النّساء على شهادة الرّجال لضعف شهادتهنّ، بل ذلك لما ذكرنا.
[ ٣ / ٦٢ ]
في رجوع الشهود عن الشهادة بعد الحكم بها
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فأمّا شهادة الرّجال على الرّجال والنّساء، فجائزةٌ في الحدود والحقوق؛ لأنّ ذلك كله ممّا يجوز فيه شهادة الرّجال. ولمّا لم تجز في الشّهادة في الأموال والحدود غير الأموال، ثمّ جازت الشّهادة على الشّهادة في الأموال، فكذلك تجوز الشّهادة على الشّهادة في الحدود؛ لأنّ ما يوجب أحدهما في العدالة كالأخرى، وكذلك في جواز الشّهادة على الشّهادة، يجب أن يكون مثله في الجواز، والله أعلم». في رجوع الشّهود عن الشّهادة بعد الحكم بها
(٢) - (وإذا شهد الشّاهدان بشهادةٍ، ثمّ رجعا عنها، وذكرا أنّهما غلطا، لم ينتقض الحكم بشهادتهما، وغرما ما أتلفاه على المشهود عليه بشهادتهما. وكذلك لو تعمّدا الكذب. وقال عبد الملك: لا شيء عليهما إذا غلطا، وعليهما الغرم إذا كذبا، ولو رجع أحدهما عن شهادته، غرم نصف ما شهدا به. ولو شهدا على رجل بالقتلٍ فقتل بشهادتهما، ثمّ رجعا وأقرّا بالكذب أو الغلط، غرما الدّية، وكانت على العاقلة، ولم يلزمهما القود. وقال أشهب: يقتصّ منهما إذا تعمّدا، ويغرمان الدّية إذا غلطا) قال في شرح التفريع [٨/ ٤٤٠]: «فوجه القول بأنّه لا يقتصّ منهما في العمد، وهو أنّ شهادتهما سببٌ لا مباشرة، فلم يجب القود. قال الأبهري: لأنّهم لمّا لم يباشروا القتل بأنفسهم، ولا كان ذلك عن أمرهم، فلم يشبهوا المباشرة للقتل ولا الأمر؛ لأنّ الحاكم لو شاء ردّ شهادتهم، وثبت في أمرهم حتى يتبيّن الحال». وقال في [٨/ ٤٤١]: «ووجه إيجاب القود، ما رُوِيَ عن عليّ ﵁: «أنّه جَاءَهُ شَاهِدَانِ، فَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا سَرَقَ، ثُمَّ جَاءَاهُ بِآخَرَ فَقالَا: وَهِمْنَا، لَا نَدْرِي هُوَ هَذَا أَمْ هَذَا، فَرَدَّ شَهَادَتَهُمَا وَقَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا الكَذِبَ لَقَطَعْتُكُمَا».
[ ٣ / ٦٣ ]