فيمن حبس حبسا من غير أن يحدد له وجها
فيمن قال: مالي حبس في وجه كذا وكذا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) كتاب الوقف والحبس فيمن حبس حبسًا من غير أن يحدّد له وجهًا
(٢) - (ومن حبس حبسًا ولم يجعل له وجهًا، جُعِل في وجه الخير، وهو وقفٌ أبدًا، ولم يرجع ملكًا له ولا لورثته من بعده) قال في شرح التفريع [٩/ ٣٧٩]: «قال الأبهري: ولأنّ الحبس والصّدقة والوقف فعل خيرٍ وقربهٌ إلى الله تعالى، إذا فعله الإنسان لزمه ذلك. فإن سمّى وجهًا لزمه ذلك، وكان فيه على ما سمّى. وإن لم يسمّ، كان في وجوه الخير؛ بدلالة ما لو قال: «مالي صدقةٌ على زيدٍ وعمروٍ»، لزمه ذلك، ولو قال: «على الفقراء»، ولم يسمّ أحدًا، كان ذلك صدقةً». وقال في [٩/ ٣٨٠] أيضًا: «قال بعض شيوخنا: يريد أبو بكرٍ: أنّه لمّا أطلق ولم يعيِّن، دلّ على أنّ مقصوده التّعميم، وكلّ ما كان يطلق عليه اسم قربةٍ تُصرف فيه؛ لأنّ إطلاقه دليلٌ على أنّ ذلك مقصوده. قال الأبهري: ويكون ذلك في فقراء ولده وأهله، هم أولى بذلك من غيرهم، بدلالة قوله ﷺ لأبي طلحة لمّا جعل ببرحاء صدقةً ولم يسمّ أحدًا تصدّق بها عليه، وإنّما أطلق ذلك، فقال له رسول الله ﷺ: «اجْعَلْهَا فِي الأَقْرَبِينَ». فيمن قال: مالي حبسٌ في وجه كذا وكذا
(٣) - (ومن قال: مالي حبسٌ في وجه كذا وكذا، ففيها روايتان: إحداهما: أنّه يتأبّد حبسه، فيكون أوّلًا في الوجه الذي جعله فيه، فإذا انقرض ذلك الوجه، كان حبسًا على أقرب النّاس إليه … والرواية الأخرى: أنّه يكون في الوجه الذي جعله فيه، فإذا انقرض ذلك الوجه، رجع ملكًا له في حياته، ولورثته بعد وفاته ) قال في شرح التفريع [٩/ ٣٨١]: «قال ابن القاسم: وأصل قوله: إنّه إذا قال: «حبسٌ»، ولم يقل: «صدقةٌ»، فهي حبسٌ إذا كانت على مجهولين.
[ ٣ / ٣٧ ]
فيمن قال: مالي وقف على وجه كذا وكذا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وإن كانت على معيّنين، فقد اختلف قوله فيه: فقال مرّةً: ترجع بعد انقراضهم إلى ربها ملكًا، أو إلى ورثته بعد موته ملكًا، يباع. وقال مرّةً: لا ترجع إلى ربها ملكًا. فوجه القول الأول قال الأبهري: ولأنّ الصّدقة قد تكون لمنفعة الشّيء المتصدّق به؛ وكذلك الحبس، فإذا أطلق ذلك المحبِّسُ، ولم يقرّر إلى ذكر ذلك تحريمًا ولا منعًا من تصرّفه فيها، كانت ملكًا على ما هي عليه إذا مات من حبسها عليه، كما يرجع عليه ما أعار أو أعمر أو أسكن؛ لأنّه لم ينقل ملك الرّقبة إلى المعار والمُسكَنُ، والمُعمَر، وكذلك هذا في المحبس». وقال في [٩/ ٣٨٣]: «وأمّا قوله: فإذا انقرض ذلك الوجه، كان حُبسًا على أقرب النّاس إليه. قال الأبهري: لقوله ﷺ لأبي طلحة: «اجْعَلْهَا فِي الأَقْرَبِينَ»، ورُوِيَ: «فِي فُقَرَاءِ أَهْلِكَ». فيمن قال: مالي وقفٌ على وجه كذا وكذا
(٢) - (وإن قال: مالي وقفٌ على وجه كذا وكذا، كان وقفًا أبدًا، ولم يرجع ملكًا له ولا لورثته من بعده) قال في شرح التفريع [٩/ ٣٨٥]: (واختلف إذا قال: مالي صدقةٌ في وجه كذا وكذا: فقيل: إنّه يكون صدقةً في الوجه الذي جعله فيه، فإذا انقرض ذلك الوجه، كان على أقرب النّاس له، فإن انقرضت قرابته كان على الفقراء والمساكين. والرّواية الأخرى: أنّه يكون في الوجه الذي جعله فيه، فإذا انقرض ذلك الوجه، رجع ملكًا له في حياته، ولورثته بعد وفاته … ووجه القول بالتّأبيد: هو أنّ إطلاقه لفظة الصّدقة به، يفيد التخلّي منه، فكان كالوقف.
[ ٣ / ٣٨ ]
فيمن قال: مالي حبس صدقة، أو صدقة حبس
فيمن قال: مالي حبس صدقة، لا يباع ولا يوهب ولا يملك
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال الأبهري: لأنّ الصدقة يراد بها القربة إلى الله ﷿ كالوقف، فأجري حكمها مجرى حكم الوقف. وليس كذلك لفظ الحبس حتّى يقرنها بتحريمٍ أو منعٍ من بيعٍ وتصّرفٍ فيها، فيكون حينئذٍ كالوقف والصّدقة. وأمّا إن جعله في قومٍ مجهولين أو موجودين لا يحاطُ بعددهم، كبني ثعلبٍ أو بني تميم، فإنّه يتأبّد ولا يكون ملكًا». فيمن قال: مالي حبسٌ صدقةٌ، أو صدقةٌ حبسٌ
(٢) - (وإن قال: «مالي حبسٌ صدقةٌ»، أو: «صدقةٌ حبسٌ»، ففيها روايتان على ما بيَّنَّاه) قال في شرح التفريع [٩/ ٣٨٧]: «ووجه القول بأنّه يتأبّد، فلأنّ فائدة التّأكيد تأبيد الحبس، كما لو أكّده بقوله: لا يباع ولا يوهب. قال الأبهري: ولا فصل بين أن يقول: هو حبسٌ صدقةٌ، أو: هو حبسٌ لا يباع ولا يوهب؛ لأنّ بعض اللّفظ ينوب عن بعضه. كما لو قال: هو وقفٌ، لكان وقفًا أبدًا، لا يباع ولا يوهب، وكما لو قال: هو وقفٌ لا يباع ولا يوهب، فلا فضل بين أن يذكر ذلك أو يدع ذكره إذا ذكر ما يدلّ على تحريم إبطاله ونقله عن وجهه، فكذلك هو مثله». فيمن قال: مالي حبسٌ صدقةٌ، لا يباع ولا يوهب ولا يملك
(٣) - (وإن قال: مالي حبسٌ صدقةٌ، لا يباع ولا يوهب ولا يملك، أو ما أشبه ذلك من الألفاظ التي توجب التّأبيد، كان حبسًا أبدًا، ولم يرجع ملكًا له ولا لورثته) قال في شرح التفريع [٩/ ٣٨٧]: «قال الأبهري: وإنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا قال: حبسٌ صدقةٌ لا يباع ولا يورث، فقد حرّمها وصارت وقفًا أبدًا، كما لو قال: هي وقفٌ فإذا مات المحبَّس عليهم رجعت إلى عصَبة المحبّس، فيكون حبسًا عليهم إذا كانوا فقراء، فإن لم يكونوا فقراء، كانت على فقراء المسلمين أبدًا».
[ ٣ / ٣٩ ]
فيمن وقف وقفا في مرضه على ورثته
فيمن وقف وقفا في مرضه على ورثته وغيرهم من الأجانب
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فيمن وقف وقفًا في مرضه على ورثته
(٢) - (ومن وقف وقفًا في مرضه أو وصيته على ورثتهِ خاصّةً دون غيرهم، لم يصحّ وقفه، وكان ملكًا لورثته) قال في شرح التفريع [٩/ ٣٩١]: «قال الأبهري: لأنّهم يرثون ذلك عنه، فلا يصحّ حبس الإنسان الشيء على نفسه؛ وإنّما يصحّ ذلك على غيره». فيمن وقف وقفًا في مرضه على ورثته وغيرهم من الأجانب
(٣) - (ومن وقف وقفًا في مرضه على ورثته وغيرهم من الأجانب، جاز من ثلثة، وقسم بين ورثته والأجانب على ما شرطه، فإذا انقرض ورثته، رجع في الوجه الذي جعله بعدهم فيه) قال في شرح التفريع [٩/ ٣٩١]: «قال الأبهري: ولأنّ أجر الحبس والوقف والصّدقة لله ﷿؛ لأنّه يصير للفقراء إذا مات المحبّس عليهم. ولأنّه في حال الحبس، كان فيهم من يجوز التّحبيس عليه. ولو أنّ المريض حبس ماله على ورثته دون غيرهم، كان باطلًا، ولهم قسمة ذلك بينهم على كتاب الله ﷿، يتبعونه ويتصرّفون فيه، لا يجوز له أن يحبس عليهم ما قد جعله الله ملكًا لهم».
(٤) - (ومن وقف وقفًا في مرضه على بعض ورثته وعلى أجانب سواهم، قسم الوقف بين من وقفه عليهم من ورثته والأجانب، فما أصاب الورثة، جعل بين جميعهم، من أدخله في الوقف ومن أخرجه منهم، على الفرائض. فإذا انقرض ورثته الموقوف عليهم، صار الوقف كلّه لمن جعله له بعد ورثته، فإذا انقرض واحدٌ من ورثته، سقط حقه، وصار لمن جعله له بعده) قال في شرح التفريع [٩/ ٣٩٢]: «قال الأبهري: ولأنّه لا يجوز للمريض أن يفرد بعض ورثته بشيءٍ يعطيه له دون بعضٍ؛ لأنّ ذلك يصير وصيّةً لوارثٍ، ولا يجوز إلّا أن يأذن الورثة، لقول النّبيِّ ﷺ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».
[ ٣ / ٤٠ ]
في موت الساكن قبل انقضاء أجل السكن
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وإن مات أحدٌ من ورثة الذين لم يدخلهم في الوقف، قام وارثه مقامه؛ لأنّ الورثة الذين لم يحبس عليهم إنّما دخلوا مع الورثة الذين حبس عليهم في تلك المنافع بطريق التّمليك للمنافع واستحقاق من لم يحبس عليهم لتلك المنافع؛ وإنّما كان متعلّقًا بزمن استحقاق الورثة المحبّس عليهم المنافع. فإذا مات ممّن لم يحبس عليهم ومن حبس عليهم أحياء لم ينقرضوا بعد، فقد مات عن منافع مملوكةٍ له يستحقّها بالمشاركة، والمنافع تتجدّد، فيرث ورثته ما ترك، ويدخلون مع المحبّس عليهم ما داموا أحياء؛ لأنّهم ما داموا أحياء، فحقّ الميّت قائمٌ، فإذا انقرض ورثة الموقوف عليهم، صار الوقف كلّه لمن جعله له بعد ورثته». في موت السّاكن قبل انقضاء أجل السّكن
(٢) - (ومن أسكن رجلًا مسكنًا إلى أجلٍ، فمات السّاكن قبل الأجل، فذلك لورثته إلى أجله) قال في شرح التفريع [٩/ ٣٩٧]: «قال الأبهري: لقوله ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ، إِلَّا الوَالِدَ فِيمَا يَهَبُ لِوَلَدِهِ». ولأنّه قد ملّكه منفعة المسكن أجلًا معلومًا، وذلك فعل خير وقربةٌ إلى الله ﷿ ومعروفٌ فعله، فليس له الرّجوع في ذلك، كما لا يجوز له الرّجوع في الصّدقة. وقد روى جابر بن عبد الله ﵄، عن النّبيِّ ﵇ أنّه قال: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ»، فلمّا لم يجز له أن يرجع في رقبة المسكن إذا تصدّق به، فكذلك لا يجوز له أن يرجع في منفعته إذا جعلها لغيره مدّةً ما، دون تقضِّي المدّة. فإن مات السّاكن قبل الأجل، انتقلت السّكنى لورثته إلى تمام المدّة المعلومة؛ لأنّه قد مات عن حقٍّ له يصحُّ الإرث في نوعه، فورثه ورثته، كما لو كان على معاوضةٍ معلومةٍ».
[ ٣ / ٤١ ]
في موت الموصى له بالنفقة إلى مدة قبل تمام أجل الوصية
فيمن حبس عقارا فخرب، أو حيوانا فكبر وهرم
فيمن حبس دارا وظل ساكنا بيتا منها
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) في موت الموصى له بالنّفقة إلى مدّةٍ قبل تمام أجل الوصيّة
(٢) - (ومن أوصى بنفقةٍ على رجلٍ، فمات قبل تمامها، لم يكن لورثته شيءٌ من نفقته) قال في شرح التفريع [٩/ ٣٩٨]: «قال الأبهري: ولأنّه لم يرد تمليكه جملة النّفقة، وإنّما أراد أن ينفق عليه عشر سنين شيئًا بعد شيءٍ من مال الموصي، فإذا مات قبل انقضاء المدّة، رجعت إلى ورثة الموصي؛ لأنّها على ملكه لا على ملك الموصى له». فيمن حبس عقارًا فخرب، أو حيوانًا فكبر وهرم
(٣) - (ومن حبس عقارًا فخرب، لم يجز بيعه) قال في شرح التفريع [٩/ ٤٠١]: «قال الأبهري: ولأنّ الخراب قد يجوز أن يُنتَفع به بوجه ما، فلا يجوز بيعه ولا نقله عمَّا جُعل له». فيمن حبس دارًا وظلّ ساكنًا بيتًا منها
(٤) - (ومن حبس دارًا فسكن فيها بيتًا أو ما أشبهه، جازت كلّها، ما سكنه وما لم يسكنه. وإن سكن كثيرًا منها، بطلت كلّها، ما سكنه منها وما لم يسكنه. وكذلك لو حبس دورًا عدّةً فسكن يسيرًا منها، جازت كلّها، ما سكنه وما لم يسكنه) قال في شرح التفريع [٩/ ٤٠٨]: «وإن سكن أكثر الحبس، بطل ما سكنه وما لم يسكنه؛ لأنّه لا يجوز للمحبس … قال الأبهري: لأنّ الذي يجوز له من ذلك هو الثّلث إذا أخرجه، فأمّا إذا لم يخرجه بل جعله على جهة الإزواءِ من جملة المال، لم يجز ذلك من رأس المال ولا من الثّلث؛ لأنّه لم يُرِد أن يكون من الثُّلث، وبطل أن يكون من رأس المال، فكان ميراثًا بين ورثته على كتاب الله ﷿. وإن سكن يسيرًا جاز؛ لأنّ غرضه في السّكن كذلك حفظ الدّور لا الانتفاع بالحبس حياته، ثمّ إخراجه بعده عن ورثته».
[ ٣ / ٤٢ ]