قال أبو بكرٍ: لم أعارض به سماعي، فلا يؤخذ عنَّي على وجه السَّماع.
باب ما جاء في السمة في وجوه البهائم (^١)
[٣١٦١] قال عبد الله بن عبد الحكم (^٢): قال مالكٌ في السِّمَةِ في وجوه البهائم: لم أزلْ أسمع أنَّه يُكره.
ولا بأس (^٣) بالوسم في آذان الغنم؛ لأنَّهُ ليس فيها موضعٌ للوَسْمِ غيره، فإنَّ
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٢٧/ب، دون شب وجه.
(٢) جاء في مك ٢٧/ب: حدثنا أبو جعفر، أحمد بن عون الله بن حدير، قال: حدثنا أبو العباس، أحمد بن إبراهيم بن جامع، بمصر في المسجد الجامع العتيق، قال: أخبرنا أبو عمرو، المقدام بن داود الرعيني، قال: أخبرنا عبد الله بن عبد الحكم، قال: أخبرنا عبد الله بن وهبٍ، قال مالك بن أنس في السمة ..
(٣) قوله: «ولا بأس»، كذا في شب وجه، وفي مك ٢٧/ب: «قال ابن وهبٍ ولا بأس».
[ ٤ / ٤٤٩ ]
سائرها الشَّعر والصُّوف (^١) (^٢).
_________________
(١) إلى هذا الموضع تنتهي المسألة في شب وجه، وفي مك ٢٧/ب زيادة هي: «قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن الوسم في الدوابِّ؟ قال: أكره ذلك في الوجه، ولا بأس به في سائر ذلك. فقيل له: وإن الْتَحَمَ؟ فقال: لا أراه يسم إلَّا وهو يلحم. قال مالكٌ: وقد بلغني: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِحِمَارٍ قَدْ كُوِيَ فِي وَجْهِهِ، فَعَابَ ذَلِكَ رَسُولُ الله ﷺ». قال ابن القاسم: قال مالكٌ: أكره أن توسم الغنم في وجوهها، ولا أرى بآذانها بأسًا أن تُسَمَ فيها؛ وذلك أنَّ الشعر والصوف يغطِّي جسدها كلَّه فتغيب السِّمة، وأمَّا الإبل والبقر فتوسم في غير ذلك من جسدها؛ لأنها ليست في أوبارها وأشعارها مثل الضَّأن والمعز. قال ابن القاسم: قال مالكٌ: لا بأس بالوسم للحمير والبغال إذا لم يكن في الوجه، وأنكر أن تُسم في الوجه. قيل له: فالغنم في الآذان؟ قال: إنَّه ليكره أن توسم في الوجه. قال عبد الله بن عبد الحكم: سمعت مالكًا سُئِلَ عن الوسم في الغنم؟ فقال: إنَّ الغنم يطول شعرها، فليس فيها موضع للوسم، فلا بأس في الوسم في الأفخاذ».
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٣٦)، الجامع لابن يونس [٢٤/ ١٨٦]، البيان والتحصيل [١٨/ ١١٩].
[ ٤ / ٤٥٠ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن السِّمَةِ في الوجه (^١)، وأرخص في السِّمة في الآذان (^٢).
وكذلك سائر بدن الحيوان تجوز فيه السِّمة؛ لأنَّ السِّمة علامةٌ فيها، وبالنَّاس حاجةٌ إلى ذلك.
فأمَّا الوجه، فيكره ذلك فيه من وجهين:
(أحدهما: لشدَّة ضرر ذلك بالبهيمة وما يلحقها من الألم منه.
(والآخر: أنَّ الوجه مُشَرَّفٌ في جملة الحيوان.
ألا ترى: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الوَجْهَ» (^٣)، فلهذا المعنى كُرِهَت السِّمة في الوجه.
_________________
(١) كما في حديث جابر الآتي في المسألة رقم ٣١٦١.: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ عليه حمارٌ قد وُسِمَ في وجهه، فقال: لعن الله الذي وسمه».
(٢) كما في حديث أنس بن مالك ﵁، قال: «رأيت في يد رسول الله ﷺ المِيسَمَ، وهو يسم إبل الصدقة»، متفق عليه: البخاري (١٥٠٢)، مسلم [٦/ ١٦٤]، وهو في التحفة [١/ ٨٣].
(٣) أخرجه أبو داود [٥/ ١٢٧]، بهذا اللفظ من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، وهو في التحفة [١٠/ ٤٦٩]، وفي الصحيحين: البخاري (٢٥٥٩)، ومسلم [٨/ ٣١]، من غير طريق أبي سلمة، بلفظ مقارب.
[ ٤ / ٤٥١ ]
قال مالكٌ: وقد بلغني: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ مَرَّ بِهِ حِمَارٌ قَدْ كُوِيَ فِي وَجْهِهِ، فَعَابَ رَسُولُ الله ﷺ ذَلِكَ» (^١)» (^٢).
وجُوِّزَ في الغنم أن تُوسَم في آذانها؛ لأنَّ سائر أبدانها الصُّوف والشَّعر، فلا يمكن السِّمة فيها.
فأمَّا الإبل والبقر والحمير والبغال وأشباه ذلك؛ فإنَّها تُوسم في أجسادها كلّها، إلَّا الوجه والرَّأس؛ لشرفهما، وشدَّة الخوف عليها، وأنَّ فيهما السَّمع والبصر واللّسان والشمّ، وغير ذلك من المنافع الَّتِي بالحيوان ضرورةٌ إليها.
•••
_________________
(١) أخرجه مسلم [٦/ ١٦٣]، وهو في التحفة [٢/ ٣٤٧].
(٢) حكاه عن مالك، ابن أبي زيد، كما في كتاب الجامع من مختصر المدوَّنة، ص (٢٥٢).
[ ٤ / ٤٥٢ ]
باب ما جاء في إخصاء البهائم (^١)
[٣١٦٢] قال مالكٌ (^٢) في خصاء الأنعام: إِنَّهُ لا بأس به، الخِصَاءُ صلاحٌ للحومها، فلا أرى به بأسًا.
قال: ولا بأس بِخِصَاءِ البغال، وأكره خِصَاء الخيل.
وسُئِلَ مالكٌ (^٣) عن خصاء الإبل والبقر والغنم؟
قال: ليس بخصائها بأسٌ، الخصاء يُطَيِّبُ لحوم الغنم (^٤) (^٥).
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٢٧/ب، دون شب وجه.
(٢) قوله: «قال مالك»، كذا في شب وجه، وفي مك ٢٧/ب: «قال ابن وهبٍ، قال مالك».
(٣) قوله: «وسُئِلَ مالكٌ»، كذا في شب وجه، وفي مك ٢٧/ب: «قال أخبرني أشهب: سُئِلَ مالكٌ».
(٤) قوله: «الخصاء يُطَيِّبُ لحوم الغنم» مثبت في شب وجه، دون مك، وفي مك ٢٧/ب/ تتمة للمسألة، هي: «قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عن خصي البهائم: البقر والغنم؟ فقال: ليس بإخصائها بأسٌ، الخصاء يطيب لحوم الغنم. قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ [عن إخصاء] الخيل والبغال والحمير من التحصّن؟ فقال: ليس بخصاء البغال والحمير بأسٌ، وقد سمعت أنَّه يكره []، ولا أرى بأسًا بخصاء ما سوى الخيل: البغال، والحمير، وكل ما عدا الخيل».
(٥) المختصر الكبير، ص (٥٣٧)، الجامع لابن يونس [٢٤/ ١٨٧]، البيان والتحصيل [١٨/ ٣١٢].
[ ٤ / ٤٥٣ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الخصاء فيما يؤكل لحمه مباحٌ؛ لأنَّ ذلك يُطَيِّبُ لحمه، كما قال مالكٌ، وَيُسَمِّنُ الحيوان، وفي ذلك صلاحٌ للنَّاس، فهو على الإطلاق والإباحة، إلَّا ما منعت الدَّلالة منه.
فأمَّا خِصَاء الخيل، فمكروهٌ؛ لأنَّهُ رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ: «أَنَّهُ نَهَى عَنْ خِصَاءِ الخَيْلِ» (^١)؛ لأنَّ الخيل يُجَاهَدُ عليها في سبيل الله ﷿، فيُستحَبُّ كثرتها ويكره خصاؤها؛ لأنَّ في ذلك قطعًا لنسل ما قَدْ خُصِيَ منها، وليس كذلك سائر الحيوان.
ألا ترى: أنَّ الخيل يُسْهَمُ لها (^٢)؛ للحاجة إليها، ولا يُسْهَمُ لغيرها؛ إذ ليست الضَّرورة إليها كالضَّرورة إلى الخيل، وقد قال رسول الله ﷺ: «الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، الأَجْرُ وَالغَنِيمَةُ» (^٣).
ومما يدلُّ على جواز خِصَاء غير الخيل: «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ مَوْجِيَّيْنِ» (^٤)، معنى مَوْجِيَّيْنِ: خَصِيَّيْنِ، فلو لم يجز خِصَاؤها؛ لأنكَرَ النَّبيُّ ﷺ ذلك ولنهى عنه، ولامتنع من ذبحها؛ ليمتنع النَّاس من خصائها، فلمَّا لم يفعل ذلك وضحَّى بها، دلَّ على أنَّ خصاءَها مباحٌ إذا قُصِدَ به الإصلاح في ذلك، لا التَّعذيب والإفساد.
•••
_________________
(١) أخرجه ابن عدي في الكامل [٦/ ٥٠٦]، والأزدي في الأوهام التي في مدخل الحاكم، ص (٥٣)، من حديث عائشة.
(٢) تنظر المسألة رقم ١٧٤١.
(٣) أخرجه مسلم [٦/ ٣٦]، وهو في التحفة [٢/ ٤٣٤].
(٤) أخرجه أبو داود [٣/ ٣٥٨]، والترمذي [٣/ ١٨٠]، وابن ماجه [٤/ ٣٠١]، وهو في التحفة [١٠/ ٤٦٤].
[ ٤ / ٤٥٤ ]
باب ما جاء في إلقاء الدوابِّ في النَّار ودفنها في الأرض (^١)
[٣١٦٣] قال ابن وهبٍ: سألت مالكًا عن إلقاء القملة في النَّار والماء؟
قال (^٢): ما زلت أسمع أنَّ ذلك مُثْلَةٌ.
فقلت لمالكٍ: أفرأيتَ إن ألقاها في التُّراب؟
فقال: لا بأس بذلك (^٣).
وقال مالكٌ (^٤) في القملة وَالبُرْغُوثِ وإلقائهما في الماء: إن كان ذلك من
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٢٨/أ، دون شب وجه.
(٢) قوله: «قال»، كذا في شب وجه، وفي مك ٢٨/أ: «قال مالك».
(٣) توجد تتمة في هذا الموضع، مثبتة في مك ٢٨/أ، دون شب وجه، هي: «فقلت: أفرأيت البرغوث؟ فقال: أحبُّ إليَّ ألّا يلقيها في النَّار والأرض».
(٤) قوله: «وقال مالكٌ»، كذا في شب وجه، وفي مك ٢٨/أ» قال ابن وهبٍ: قال مالكٌ».
[ ٤ / ٤٥٥ ]
ضرورةٍ، أو كان في الماء، فذلك خفيفٌ (^١) (^٢).
• إِنَّمَا كره إلقاء القملة وغيرها في النَّار؛ لشدَّة عذاب النَّار في الدُّنيا والآخرة، وقد قيل في الخبر: «لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ» (^٣)، وإذا كان كذلك، كُرِهَ أن يقتلها بالنَّار؛ لأنَّ له في قتلها بغير هذا الوجه مندوحةً.
•••
_________________
(١) توجد تتمة للمسألة، مثبتة في مك ٢٨/أ، دون شب وجه، هي: «قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عن طرح القملة في النَّار، فإنَّ الرَّجُل في السَّفر يشتغل حتى يتفلَّى باللَّيل على النَّار، لا يجد من ذلك بدًّا؟ فقال: لا، وهذه مثلةٌ، وأنا أكرهه، وقد قيل: «نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَلَسَعَتْهُ نَمْلَةٌ، فَقَتَلَ نَمْلًَا كَثِيرًَا، فَأَوْحَى الله إِلَيْهِ: أَفَلَا نَمْلَةٌ وَاحِدَةٌ». قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عن طرح القملة والبرغوث في النَّار؟ فقال: إنَّ ذلك ليكره. قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن الرَّجُلِ يؤذيه القمل، فينصب ثوبه على النَّار؟ فقال: أمَّا النَّار، فلم أزل أسمع بكراهيتها؛ لأنَّها مثلةٌ. قيل لمالكٍ: فالبرغوث؟ قال: إنَّه يدخل ويفرُّ، ويمشي في الأرض».
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٣٨)، المنتقى للباجي [٧/ ٣٠١]، البيان والتحصيل [٢/ ٩١ و١٨/ ٢٠٦].
(٣) أخرجه البخاري (٣٠١٦)، وهو في التحفة [١٠/ ١٠٥].
[ ٤ / ٤٥٦ ]
باب ما جاء في غسل اليد من الطعام (^١)
[٣١٦٤] قال ابن وهبٍ: سمعت مالكًا وسُئِلَ عن الحديث الَّذِي جاء: «مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ (^٢)، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» (^٣)؟
فقال مالكٌ: لا أعرف هذا الحديث، وقد سمعت أَنَّهُ كان يقال: «مِنْدِيلُ عُمَرَ بَطْنُ قَدَمَيْهِ» (^٤)، وما كان هذا الأُشْنَانُ (^٥) إلَّا حديثًا (^٦).
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٢٨/أ، دون شب وجه.
(٢) قوله: «غَمَرٌ»، هو الدَّسم والزُّهومة من اللحم، ينظر: النهاية في غريب الحديث [٣/ ٣٨٥].
(٣) أخرجه أبو داود [٤/ ٣١٧]، والترمذي [٣/ ٤٣٥]، وابن ماجه [٤/ ٤٢٣]، وهو في التحفة [٩/ ٤٠٣].
(٤) أخرجه ابن سعد في الطبقات [٣/ ٢٩٦]، من طريق السائب بن يزيد أنه قال: «ربما تعشيت عند عمر بن الخطاب، فيأكل الخبز واللحم، ثم يمسح يده على قدمه، ثم يقول: هذا منديل عمر وآل عمر».
(٥) قوله: «الأشنان»، هو الحُرْضُ أو الغاسول، يستعمل للغسل مثل الصابون، ينظر: المصباح المنير، ص (١٦)، حاشية العدوي [١/ ٤١٢].
(٦) المختصر الكبير، ص (٥٣٩)، وقد نقل ابن بطال في شرح البخاري [٩/ ٥٠٥]، هذه المسألة عن ابن وهب.
[ ٤ / ٤٥٧ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ترك غسل اليد بعد الأكل مباحٌ، فإن غَسَل للنَّظافة لم يكن به بأسٌ.
وقال المغيرة بن شعبة: «أَكَلْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ جَنْبَ شِوَاءٍ، فَآذَنَهُ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ، فَمَسَحَ يَدَهُ بِمَسْحٍ تَحْتَهُ، ثمَّ قَامَ فَصَلَّى» (^١).
وروى مالكٌ، عن زيد بن أسلمٍ، عن عطاء بن يسارٍ، عن ابن عباسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» (^٢).
وروى أبو الزَّبير، عن جابرٍ: «أَنَّ امْرَأَةً دَعَتْ رَسُولَ الله ﷺ لِطَعَامٍ، فَأَكَلَ خُبْزًَا وَلَحْمًَا، ثمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الظُّهْرَ، ثمَّ دَعَا بِبَقِيَّةِ الطَّعَامِ فَأَكَلَ، ثمَّ صَلَّى العَصْرَ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً» (^٣).
•••
_________________
(١) أخرجه أبو داود [١/ ٢٣٩]، وهو في التحفة [٨/ ٤٩٢].
(٢) أخرجه مالك [٢/ ٣٤]، ومن طريقه البخاري (٢٠٧)، ومسلم [١/ ١٨٨]، وهو في التحفة [٥/ ١٠٦].
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط [٨/ ٤١]، من طريق أبي الزبير عن جابر، وهو عند أبي داود [١/ ٢٤١]، والترمذي [١/ ٢٢١]، من طريق محمد بن المنكدر عن جابر، وفي التحفة [٢/ ٢١٢].
[ ٤ / ٤٥٨ ]
باب ما جاء في آنية الفضة وما فُضِّضَ من الخشب وغيره (^١)
[٣١٦٥] قال ابن وهبٍ: سمعت مالكًا يكره أن يُشْرَبَ فِي القَدَحِ (^٢) الَّذِي فيه الحَلْقَةُ الوَرِقُ، والقَدَحِ المضبَّبِ بالوَرِقِ (^٣).
قال ابن القاسم: سُئِلَ مالكٌ عن مَدَاهِنِ (^٤) الفِضَّةِ؟
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٢٨/أ، دون شب وجه.
(٢) قوله: «القدح»، هو ما يُشرَبُ به، وجمعه أقداح، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٣٧٣).
(٣) توجد تتمة للمسألة في هذا الموضع في مك ٢٨/أ، غير مثبتة في شب وجه، هي: «وقال أشهب: سألت مالكًا عن القدح، تكون في أذنه الحلقة من الفضَّة، أيُشْرَبُ به؟ قال: ما يعجبني، وأحبّ إليَّ أن يترك ذلك. فقلت له: فالمرآة تكون فيه الحلقة من الفضة، ينظر فيها الوجه؟ فقال: ما يعجبني ذلك، وترك ذلك أحبّ إليَّ».
(٤) قوله: «مداهن»، هو جمع مُدهن، وهو ما يجعل فيه الدهن، ينظر: النهاية في غريب الحديث [٢/ ١٤٦].
[ ٤ / ٤٥٩ ]
فقال: إني لأكْرَهُهَا ولا أُحِبُّهَا (^١) (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ (^٣)، فَكَأَنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» (^٤)، ونهى عن استعمال آنية الذَّهب والفضَّة، وقال: «هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَنَا فِي الآخِرَةِ» (^٥)، هذا معنى الحديث، فكره لهذه العلَّة أن يُشْرَب في إناء الذَّهب والفضَّة، أو يُستَعمل في شيءٍ مِمَّا يُنْتَفَعُ به.
وكذلك لا يجوز للرِّجال لبس الذَّهب والحرير، ويجوز ذلك للنِّساء؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «حَرَامٌ لِذُكُورِ أُمَّتِي، حِلٌّ لِإِنَاثِهَا» (^٦)، يعني: الذَّهب والحرير.
وكذلك لُبْسُ الحليِّ كلّه، جائزٌ للنِّساء، مكروهٌ للرَّجال، إلَّا الخاتم من الفضّة، والسّيف المفَضَّض وعِلَاقَتهِ (^٧).
_________________
(١) توجد تتمة في هذا الموضع، مثبتة في مك ٢٨/ب، دون شب وجه، هي: «[] وسمعت مالكًا وسُئِلَ عن مداهن الفِضَّةِ؟ فقال: ما يعجبني».
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٣٩)، المدوَّنة [٣/ ٢٤].
(٣) قوله: «آنِيَةِ الذَّهَبِ»، كذا في شب، وفي جه: «آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ».
(٤) متفق عليه: رواه مالك في الموطأ [٥/ ١٣٥٣]، ومن طريقه البخاري (٥٦٣٤)، ومسلم [٦/ ١٣٤]، وهو في التحفة [١٣/ ١٩].
(٥) متفق عليه: البخاري (٥٨٣١)، مسلم [٦/ ١٣٦].
(٦) أخرجه أبو داود [٤/ ٤٠٣]، وابن ماجه [٤/ ٥٩٤]، والنسائي في الكبرى [٨/ ٣٥٧]، وهو في التحفة [٧/ ٤٠٧].
(٧) قوله: «وعِلاقته»، علاقة السيف، هي ما في مقبضه من السير، ينظر: لسان العرب [١٠/ ٢٦٥].
[ ٤ / ٤٦٠ ]
ويكره لُبْسُ المِنْطَقَةِ (^١) المفَضَّضَةِ؛ لأنَّها ليست من لبس العرب، وهي من لبس العجم.
وكذلك يكره أن تكون الفضَّة أو الذّهب فِي السُّرُجِ أَوِ اللِّجَامِ أو السِّكين وأشباه ذلك.
وتجوز حِلْيَةُ المُصْحَفِ، كما يجوز ذلك في السَّيف.
•••
_________________
(١) قوله: «المنطقة»، هي شبه الهميان، يربطها المسافر على وسطه يضع فيها نفقته، ينظر: شرح غريب ألفاظ المدوَّنة، ص (٤٤).
[ ٤ / ٤٦١ ]
باب ما جاء في غسل اليد بالطعام (^١)
[٣١٦٦] (^٢) قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن الدَّقيق، تُغْسَلُ به اليَدُ؟
قال مالكٌ: غيره أعجب إليَّ، ولو فُعِلَ، لم أَرَ به بأسًا، فقد كان عمر بن الخطَّاب ﵁ يتَمَنْدَلُ ببطون رجليه (^٣).
قال مالكٌ: إنَّ الرّجل ليَدْهُنُ بعض جسده بالسَّمن أو الزَّيت من الشُّقوق (^٤) (^٥).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا مباحٌ؛ لأنَّ فيه صلاحًا ومنفعةً للإنسان إذا لم
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٢٨/ب، دون شب وجه.
(٢) يوجد قبل المسألة نص مثبت في مك ٢٨/ب، دون شب وجه، هو: «… [قـ]ـال ابن وهبٍ: سمعت مالكًا يقول في الجُلبان والفول وما أشبهه من الطَّعام: لا بأس أن يتوضأ به، [ويتـ]ـدلَّك به في الحمَّامِ. قال مالكٌ: إنَّ الرَّجُلَ ليدهن جسده بالسَّمن أو الزَّيت من الشُّقوق».
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٣١٦٤.
(٤) من قوله: «قال مالكٌ: إنَّ الرّجل»، إلى هذا الموضع، تقدَّم أنه جواب مالك عن غسل اليد بالفول والجلبان، في أول المسألة.
(٥) المختصر الكبير، ص (٥٤٠)، مختصر كتاب الجامع من المدوَّنة لابن أبي زيد، ص (٢٢١)، شرح البخاري لابن بطال [٩/ ٥٠٦].
[ ٤ / ٤٦٢ ]
يقصد به السَّرف، فجاز له الانتفاع به واستعماله بكل وجهٍ: من الأكل، والتدهُّن به، وغسل البَدَنِ، وأشباه ذلك.
•••
[٣١٦٧] قال ابن وهبٍ: سمعت مالكًا وسُئِلَ عن وُضُوءِ اليدين قبل الأكل؟
فقال: إنِّي لأكره ذلك، وقد دخلت على عبد الملك بن صالحٍ (^١)، فقرَّب إلينا وَضُوءًَا لغسل أيدينا قبل الطَّعام، فأبيت أن أفعلَ، فقال لي: «أَوَتُنْكِر ذلك؟»، فقلت: «نعم»، فانتهى عن ذلك.
فقيل له: ترى ذلك مِنْ فعل الأعاجم؟
قال: نعم (^٢).
• وقد ذكر مالكٌ علَّة كراهيته لذلك، وهو أنَّه من فعل الأعاجم، وأنَّ ذلك
_________________
(١) هو عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ولَّاه الأمين على الشام والجزيرة سنة أربع وتسعين، وولي المدينة والصوائف في أيام الرشيد، وروى عن أبيه وعمه ومالك، وروى عنه عدة، ينظر: ترجمته في: تاريخ دمشق [٣٧/ ٢١]، سير أعلام النبلاء [٩/ ٢٢١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٤٠)، مختصر كتاب الجامع من المدوَّنة لابن أبي زيد، ص (٢٢٢)، شرح البخاري لابن بطال [٩/ ٥٠٥].
[ ٤ / ٤٦٣ ]
ليس من فعل العرب، ولا حُفِظَ عن رسول الله ﷺ، ولا عن أصحابه ﵃، وقد روت عائشة ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ وَهُوُ جُنُبٌ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً» (^١).
ومالكٌ فيكره الخروج عن زيّ العرب وأفعالهم وآدابهم، حَتَّى إنَّه ليكره الكلام بالفارسية لمن يحسن العربيَّة، وقد رُوِيَ عن عمر: «أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الرَّطَانَةَ» (^٢)، يعني: الكلام بالعجمية.
وقد قيل: «لا يزال العرب بخيرٍ ما انتعلت، ولزمت العمائم، وتقلَّدت السُّيوف» (^٣)، معنى هذا: أنَّها إذا فعلت ذلك، كانت الغلبة لها، فظهر زيُّها، وإذا تركت زيَّها، فهي تابعةٌ لغيرها، وفي ذلك ضررٌ عليها وذِلَّةٌ.
فلهذا ونحوه كَرِهَ مالكٌ التَّزيي بزيِّ الأعاجم والتخلّق بأخلاقهم،
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد روى أبو داود [١/ ٢٥٩] وغيره، من حديث عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ ينام وهو جُنُبٌ من غير أن يمس ماءً»، ليس فيه ذكر الأكل، وفي رواية عند البيهقي [٢/ ١٢٤]: «أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جُنُبٌ، توضأ وضوءَه للصلاة قبل أن ينام، قالت عائشة: وإذا أراد أن يأكل أو يشرب، يغسل يديه، ثم يأكل ويشرب إن شاء».
(٢) أخرجه عبد الرزاق [١/ ٤١١].
(٣) حكاه الجاحظ كما في المطبوع من رسائله [١/ ٣٦١]، عن غيلان بن خرشة الضبي، وقيل: الأحنف بن قيس.
[ ٤ / ٤٦٤ ]
ويَسْتَحِبُّ الاقتداء بزيّ العرب والتخلّق بأخلاقها، ما لم تفعل شيئًا قد نهى عنه رسول الله ﷺ، وقد قال رسول الله ﷺ لسلمان فيما رُوِيَ عنه: «يَا سَلْمَانُ، لَا تبْغضْنِي فَتُفَارِقَ دِينَكَ، قَالَ: فَقُلْتُ: كَيْفَ أبْغضُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَبِكَ هَدَانِي اللهُ؟، قَالَ: تبْغضُ العَرَبَ فَتبْغضنِي» (^١)، وكان يقال: «حُبُّ العَرَبِ إِيمَانٌ وَبُغْضُهَا نِفَاقٌ» (^٢) وكذلك قال رسول الله ﷺ: «حُبُّ الأَنْصَارِ إِيمَانٌ، وَبُغْضُهَا نِفاقٌ» (^٣)؛ لأنَّها نصرت رسول الله ﷺ.
•••
_________________
(١) أخرجه الترمذي [٦/ ٢٠٨]، وهو في التحفة [٤/ ٢٦].
(٢) رُوِيَ هذا حديثًا عن أنس مرفوعًا، أخرجه الحاكم [٤/ ١٨٣].
(٣) أخرجه مسلم [١/ ٦٠]، وهو في التحفة [١٠/ ٢٩].
[ ٤ / ٤٦٥ ]
باب ما جاء في اختناث الأسقية، والشرب من ثلمة القدح (^١)
[٣١٦٨] قال ابن وهبٍ: سألت مالكًا عن اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ (^٢)؟
فقال: أمَّا أنا فلا أرى به بأسًا، وقد سمعت من يكرهه.
قال ابن القاسم: سُئِلَ مالكٌ عن الشُّرب من فِي السِّقَاءِ؟
فقال: ما بذلك بأسٌ، وما بلغني نهيٌ.
وسُئِلَ مالكٌ عن ثُلْمَةِ القَدَحِ (^٣) وَمَا يَلِي الأُذُنَ (^٤)؟
فقال مالكٌ: قد سمعت سماعًا - وكأنَّه ضَعَّفَه - وما علمت فيه بنهيٍ (^٥).
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٢٨/ب، دون شب وجه.
(٢) قوله: «اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ»، الأسقية هي جمع سقاء، وهي قربة الماء التي تصنع من جلد السخلة، واخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ، ثنيُ فاها إلى الخارج والشرب منه، وقيل: هو الشرب من فِي القربة، ينظر: لسان العرب [١٤/ ٣٩٢]، فتح الباري لابن حجر [١٠/ ٩١]، وقد جاءت لفظة: «اختناث» في طبعة الغرب: «اجتناب».
(٣) قوله: «ثُلْمَةِ القَدَحِ»، هو موضع الكسر منه، ينظر: النهاية في غريب الحديث [١/ ٢٢٠].
(٤) قوله: «يَلِي الأُذُنَ»، يعني: أذن القدح، وهو مقبضه، ينظر: لسان العرب [١٣/ ١١].
(٥) المختصر الكبير، ص (٥٤١)، مختصر كتاب الجامع من المدوَّنة لابن أبي زيد، ص (٢٢١)، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٣٦٩].
[ ٤ / ٤٦٦ ]
• إِنَّمَا قالَ: «إنَّ اخْتِنَاثَ الأسقية والشُّرب من فِي السّقاء مباحٌ»؛ لأنَّ ذلك على أصل الإباحة، وليس شيءٌ يمنع منه، ولم يثبت فيه نهيٌ صحيحٌ عن رسول الله ﷺ (^١).
وكذلك الشّرب من ثلمة القدح مباحٌ؛ إذ لا نهيَ فيه صحيحٌ.
وقد قيل: إنّه إِنَّمَا كُرِهَ اختناث الأسقية؛ لجواز أن يكون فيها شيءٌ لا يراه الشَّارب، فينزل في حلقه.
وقد قيل: إنَّ ذلك على وجه التَّقذّر؛ لأنَّهُ يُدْخِلُهَا في فِيهِ.
•••
_________________
(١) في الصحيحين: البخاري (٥٦٢٥)، ومسلم [٦/ ١١٠]، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن اختناث الأسقية».
[ ٤ / ٤٦٧ ]
باب ما جاء في قطع السدر (^١)
[٣١٦٩] قال ابن وهبٍ: سمعت مالكًا يَكْرَهُ طعام العُمَّال (^٢) الَّذِينَ تَحْدُثُ لهم الأموال في أعمالهم ولم تكن لهم قبل ذلك أموالٌ (^٣).
• إنَّما كَرِهَ أكل طعامهم؛ لأنَّهم لا يأخذون الشّيء من وجهه، فيُكرَهُ لأهل الورع أن ينتفعوا من أموالهم بشيءٍ.
•••
[٣١٧٠] قال ابن القاسم وابن وهبٍ: سمعنا مالكًا يقول: ليس بِقَطْعِ السِّدرِ بأسٌ.
قال مالكٌ: (^٤) ولا يُقْطَع من شجر الحرم شيءٌ (^٥).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قطع السِّدرِ وغيره مباحٌ إذا لم يكن من شجر الحرم.
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٢٨/ب، دون شب وجه.
(٢) قوله: «طعام العمال»، لعل المراد: من تهدى لهم الهدايا بسبب عملهم، حيث جاء النهي عنه، كما في البخاري (٧١٧٤)، وغيره.
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٤١)، مختصر كتاب الجامع من المدوَّنة لابن أبي زيد، ص (١٨٩)، التمهيد لابن عبد البر [٤/ ١١٨].
(٤) قوله: «قال مالكٌ» كذا في شب وجه، وفي مك ٢٨/ب: «قال ابن القاسم: قال مالك».
(٥) المختصر الكبير، ص (٥٤١)، معالم السنن للخطابي [٢/ ٢٢٣].
[ ٤ / ٤٦٨ ]
وليس السِّدرُ بأنفع للنَّاس ولا أفضل من النَّخل، والنَّخل فمباحٌ قطعه، وكذلك غيره من الشَّجرِ.
وقد رُوِيَ في قطع السِّدر نهيٌ عن رسول الله ﷺ، وليس بالصَّحيح (^١).
فأمَّا شجر الحرم فلا يجوز قطعه؛ لأنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا، ولَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ» (^٢)، فمنع النَّبِيُّ ﷺ من قطع شجر الحرم بمكة والمدينة جميعًا.
وهذا إذا كان أصل الشَّجر مباحًا، فَأَمَّا ما يُنبِتُه النَّاس، فإنَّ قطعه يجوز؛ لأنَّ ذلك بمنزلة الزَّرع الَّذِي يزرعونه، فقطعه جائزٌ لهم، وكذلك ذبح الصَّيد الَّذِي يُدخِلونه من الحلِّ جائزٌ لهم (^٣).
فأمَّا ما لم يغرسوه من الشَّجر ويزرعوه من الزَّرع، فلا يجوز لهم قطعه؛ لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك نهيًا عامًّا.
ألا ترى: أنَّه استثنى من جملة الشَّجر والنبت الإِذْخِر، بعد أن سأله العباس وقال: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّا الإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِبُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا، فَقَالَ: إِلَّا الإِذْخِرَ» (^٤).
•••
_________________
(١) تنظر الأحاديث الواردة في السنن الكبرى للبيهقي [١٢/ ١٨٩].
(٢) أخرجه مسلم [٤/ ١١٣]، وهو في التحفة [١١/ ٦٩].
(٣) تنظر المسألة: (٣٢٨).
(٤) متفق عليه: البخاري (١١٢)، مسلم [٤/ ١١٠]، وهو في التحفة [١١/ ٦٧].
[ ٤ / ٤٦٩ ]
باب ما جاء في الانتعال (^١)
[٣١٧١] قال ابن وهبٍ وأشهب: قال مالكٌ: لا بأس أن ينتعل الرّجل قائمًا.
ولا يمشي (^٢) الرَّجُلُ في نعلٍ واحدةٍ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الانتعال مباحٌ على كلّ وجهٍ: من قيامٍ، وقعودٍ؛ إذ لم يَرِدْ في ذلك نهيٌ (^٤).
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٢٨/ب، دون شب وجه.
(٢) قوله: «ولا يمشي»، كذا في شب وجه، وفي مك ٢٨/ب: «قال ابن وهبٍ، قال أشهبُ: قال مالك: ولا يمشي».
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٤٢)، مختصر كتاب الجامع من المدوَّنة لابن أبي زيد، ص (٢٢٩)، الجامع لابن يونس [٢٤/ ١٤٧]، البيان والتحصيل [١٨/ ٥٠].
(٤) لعل قوله: «إذ لم يَرِدْ في ذلك نهيٌ»، يعني: لم يرد حديث صحيح، فقد روى الترمذي [٣/ ٣٧٥] من حديث عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن ينتعل الرجل وهو قائمٌ». وروى أبو داود [٤/ ٤٣٤]، من حديث أبي الزبير عن جابر، قال: «نهى رسول الله ﷺ أن ينتعل الرجل قائمًا». وروى الترمذي [٣/ ٣٧٥] من حديث قتادة عن أنس: «أنَّ رسول الله ﷺ نهى أن ينتعل الرجل وهو قائمٌ». وروى ابن ماجه [٤/ ٦٠٧]، من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: «نهى رسول الله ﷺ أن ينتعل الرجل قائمًا». وروى ابن ماجه [٤/ ٦٠٨]، من حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: «نهى النَّبيُّ ﷺ أن ينتعل الرجل قائمًا».
[ ٤ / ٤٧٠ ]
فأمَّا المشي في نعلٍ واحدةٍ، فذلك مكروهٌ؛ لأنَّ فاعل ذلك يُنسَب إلى اختلال رأيه.
وقد روى مالكٌ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، لِيَنْعَلْهُمَا جَمِيعًَا، أَوْ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًَا» (^١).
•••
_________________
(١) أخرجه مالك [٥/ ١٣٤٣]، ومن طريقه البخاري (٥٨٥٥)، ومسلم [٦/ ١٥٣]، وهو في التحفة [١٠/ ٣٢٣].
[ ٤ / ٤٧١ ]
باب ما جاء في صبغ الشعر (^١)
[٣١٧٢] قال ابن وهبٍ: قال مالكٌ فِي صَبْغِ السَّوادِ للشَّعر: لَمْ أَسْمَعْ فِي ذَلِكَ بنهيٍ (^٢) معلومٍ، وغَيْرُ ذلك مِنَ الصَّبْغِ أَحَبُّ إلى أَهْلِ العلمِ.
قال ابن وهبٍ: وسُئِلَ مالكٌ: هل يستحبُّ ترك الصَّبْغ كلّه، أو يستحبُّ الصَّبْغُ، أيُّ ذلك أحسن؟
قال: ذلك واسعٌ للنَّاس، ليس عليهم فيه ضيقٌ، ومِنَ النَّاس من يَسْتَحِبُّ الصَّبْغ بِالحِنَّاءِ وَالكَتَمِ (^٣) (^٤).
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٢٨/ب، دون شب وجه.
(٢) قوله: «بنهيٍ»، كذا في شب وجه، وفي مك ٢٩/أ: «بشيءٍ».
(٣) توجد تتمة في هذا الموضع، مثبتة في مك ٢٩/أ، دون شب وجه، هي: «قال [] سمعت مالكًا يقول: صَبَغَ أبو بكرٍ بالحنَّاء والكتم. قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن الصَّبغ بالحنَّاء والكتم؟ قال: ذلك []، وما سمعت فيه بنهيٍ، وغيره من الصّبغ أحبُّ إليَّ. قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عن الخضاب بالسَّواد؟ فقال: ما علمت أحدًا ممن مضى كان يصبغ به، وما بلغني فيه نهيٌ، وغيره من الصّبغ أحبُّ إليَّ».
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٤٢)، الموطأ [٥/ ١٣٨٥].
[ ٤ / ٤٧٢ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الصَّبْغ [مبـ]ـاحٌ، وتركه مباحٌ، كلّ ذلك واسعٌ فعله.
فأمَّا اختياره لغير السّواد؛ فلأنَّ السَّواد قد يدخله ضربٌ من اغترار النَّاس به، ولا سيّما إن كان مِمَّنْ يريد التَّزويج، يُظَنُّ به أنَّه شابٌّ، ورغبة النِّساء في الشّباب خلاف رغبتهنَّ في الشّيوخ.
وقد اختار النَّبيُّ ﷺ أيضًا ترك الصَّبْغ بالسَّواد، فقال حين أُتِيَ بأبي قحافة إليه يوم الفتح، قال لأبي بكرٍ الصدّيق ﵁: «أَلَا تَرَكْتَ الشَّيْخَ نَأْتِيهِ، وَرَأَى رَأْسَهُ وَلحْيَتَهُ أَبْيَضَ كَالنَّعَامَةِ، فَقَالَ: اخْضِبُوا رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ، وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ» (^١)، وخضب أبو بكرٍ بالحناء (^٢)، وكذلك عثمان ﵄ (^٣).
فأمَّا تركُ الصَّبْغ كلّه؛ فلأن النَّبيَّ ﷺ لم يخضب، ولا عمر (^٤)، ولا عليٌّ (^٥) ﵄.
وحكى ابن وهبٍ، قال: قيل لمالك بن أنسٍ: لم لا تخضب يا أبا عبد الله؟
_________________
(١) أخرجه مسلم [٦/ ١٥٥]، وأبو داود [٤/ ٤٦١]، وليس في رواية مسلم «وجنبوه السواد»، وهو في التحفة [٢/ ٣٤٢].
(٢) أخرجه مسلم [٧/ ٨٤ و٨٥]، ومالك [٥/ ١٣٨٥]، وأبو داود [٤/ ٤٦٢].
(٣) لم أقف عليه، والذي في مسند أحمد [١/ ٥٥٢]، من طريق بنانة قالت: «ما خضب عثمان قطُّ»، وحكم عليه محققو طبعة الرسالة بالضعف.
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار [٩/ ٣٠٧]، وعند مسلم [٧/ ٨٤ و٨٥]، وأبي داود [٤/ ٤٦٢]، أنَّ عمر ﵁ خضب.
(٥) لم أقف عليه، وقد حكاه مالكٌ عن عليٍّ، كما سيأتي.
[ ٤ / ٤٧٣ ]
فقال: كان عليٌّ لا يخضب.
وذكر مالكٌ، أنَّ بعض ولاة المدينة قال له: لم لا تخضب يا أبا عبد الله؟
فقال: لم يبق من عدلكِ إلَّا أن أخضب أنا، كان عليُّ بن أبي طالبٍ لا يخضب (^١).
•••
[٣١٧٣] قال ابن وهبٍ: وسمعت مالكًا وسُئِلَ عن نتف الشَّيب؟
قال: لا بأس به.
قيل: أَنَتْفُهُ أحبُّ إليك أم تركه؟
قال: تركه أحبُّ إلي (^٢) (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ نتفه مباحٌ، وكذلك تركه، إذ ليس في النَّهي عن نتفه حديثٌ صحيحٌ (^٤)، فكان نتفه جائزًا.
_________________
(١) حكاه ابن عبد البر في الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء، ص (٤١).
(٢) توجد تتمة في هذا الموضع، مثبتة في مك ٢٩/أ، دون شب وجه، هي: «قال: وسمعت مالكًا يقول: سألني أبو عبد الله عن لباس الخزّ وصبغ السّواد، فقلت: ما أراه حرامًا، وتركه أحبُّ إليَّ».
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٤٣)، المنتقى للباجي [٧/ ٢٧٠]، البيان والتحصيل [١٧/ ٣٩٩]، الجامع لابن يونس [٢٤/ ١٥٤].
(٤) أخرج أبو داود [٤/ ٤٦٠]، والترمذي [٤/ ٥١١]، وابن ماجه [٤/ ٦٦٧]، والنسائي في الكبرى [٨/ ٣٢٣]، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تنتفوا الشيب، ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام، إلا كانت له نورًا يوم القيامة»، وفي رواية: «إلا كتب الله له بها حسنة وحط بها عنه خطيئة»، وهو في التحفة [٦/ ٣٣٧].
[ ٤ / ٤٧٤ ]
وتركه أحبّ إليه؛ لأنَّ فيه وقارًا وجمالًا، على ما رُوِيَ في الأثر (^١).
•••
_________________
(١) أخرجه مالك [٥/ ١٣٤٩]، وعبد الرزاق [١١/ ١٧٥]، عن سعيد بن المسيب أنه قال: «كان إبراهيم أول الناس ضَيَّفَ الضيف، وأول الناس اختتن، وأول الناس قص شاربه، وأول الناس رأى الشيب، فقال: يا رب ما هذا؟، فقال الله ﵎: وَقَارٌ يا إبراهيم، فقال: رب زدني وقارًا».
[ ٤ / ٤٧٥ ]
باب ما جاء في حلاق بعض الرأس وترك بعضه (^١)
[٣١٧٤] قال: وسمعت مالكًا يكره أن يُتْرَك من شعر الصَّبيِّ شيءٌ إذا حُلِقَ، قال مالكٌ: وبلغني أنَّ القزع مكروهٌ.
والقزع: أن يُتْرَكَ للصَّبيِّ شعرٌ متفرِّقٌ في رأسه (^٢) (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ: «النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنِ القَزَعِ».
رواه مالكٌ، عن أبي بكر بن نافعٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ (^٤)، قال: «والقزع: أن يُحْلَق بعض رأس الصَّبِيِّ ويترك بعضه» (^٥).
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٢٨/ب، دون شب وجه.
(٢) توجد تتمة في هذا الموضع، مثبتة في مك ٢٩/أ، دون شب وجه، هي: «قال ابن وهبٍ: سمعت مالكًا يكره القزع للصِّبيان، قال: هو الشَّعْرُ المبدد في الرَّأس. قال ابن وهبٍ: قال مالكٌ: سمعت أن القزع يكره للصِّبيان».
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٤٣)، مختصر كتاب الجامع من المدوَّنة لابن أبي زيد، ص (٢٠٥)، المنتقى للباجي [٧/ ٢٦٧]، البيان والتحصيل [٩/ ٣٧٠].
(٤) لم أقف عليه بهذا الإسناد، والخبر في الصحيحين: البخاري (٥٦٩٦)، ومسلم [٦/ ١٦٤]، من طريق عبيد الله بن حفص، عن عمر بن نافع، عن أبيه، وهو في التحفة [٦/ ١٩٠].
(٥) القائل هو عبيد الله بن حفص، كما في فتح الباري لابن حجر [١٠/ ٣٧٧].
[ ٤ / ٤٧٦ ]
ولأنَّ ذلك أيضًا من زيِّ الأعاجم، واستعمال زيِّهم مكروهٌ على ما ذكرناه.
والسُّنَّة في الشَّعْرِ: أن يُتْرَك حَتَّى يطول، ثمَّ يُفْرَق كما كان رسول الله ﷺ يفعله (^١).
فإن لم يفعل هذا الرِّجل (^٢) فقصَّره كلّه أو حلقه كلّه (^٣)، فَأَمَّا أن يقصِّر بعضًا أو يحلق بعضًا ويدع بعضًا، فذلك مكروهٌ.
•••
[٣١٧٥] قال ابن وهبٍ: سمعت مالكًا ينكر الحجامة الَّتِي تكون في وسط الرَّأس إنكارًا شديدًا، ويقول: هذا عمل النَّصارى (^٤).
قال مالكٌ: ولا يعجبني هذا الحِلَاقُ الَّذي يكون في النُّقْرَةِ (^٥)، ولكن يَجْعَلُ
_________________
(١) متفق عليه من حديث ابن عباس: البخاري (٣٥٥٨)، مسلم [٧/ ٨٢]، وهو في التحفة [٥/ ٦٠].
(٢) قوله: «الرجل»، كذا رسمها، ولعلها من الترجل.
(٣) قوله: «أو حلقه كلّه»، كذا في شب، وفي جه: «أو حلقه كلّه، جاز».
(٤) توجد تتمة للمسألة، مثبتة في مك ٢٩/أ، دون شب وجه، هي: «قال: وقال عبد الله بن أبي حبيبة: ما هذا إلَّا شيءٌ سنَّه النَّصارى يعملون به».
(٥) «قوله: «النقرة»، هي الحفرة، ونقرة الرأس هي موضع مؤخرة الدماغ، ينظر: زاد المعاد [٤/ ٥٣].
[ ٤ / ٤٧٧ ]
عليه خِطْمِيًّا (^١) ويحتجم، ولا يحلق موضعه (^٢) (^٣)
_________________
(١) قوله: «خِطميًّا»، هو نبت بالعراق، طيب الرائحة، يعمل عمل الصابون، ينظر: حاشية العدوي [١/ ١٢٨].
(٢) قوله: «موضعه»، يعني: لا يحلق موضع الحجامة، وقد جاء في طبعة الغرب: «موجعه»، وفي مك ٢٩/أ، تتمة للمسألة، غير مثبتة في شب وجه، هي: «فقلت لمالكٍ: وتثبت المحاجم بغير حلاقٍ؟ قال: نعم، هي أثبت من الأخرى، قال: وإنما أحجِّم أنا الكاهل النّقرة. فذكرت له ما يذكر من الحجامة التي تكون وسط الرأس؟ فأنكره ولم يعرف الحديث (^١) .. قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن الحجامة والذي يحلق في وسط رأسه؟ فاستسمح ذلك وما رآه حرامًا. قال: وسمعت مالكًا وسُئِلَ عن حلاق وسط الرَّأس للحجامة؟ فقال: ما يعجبني. قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن الذوائب للغلمان؟ فقال: سمعت أنَّ القزع يكره. فقيل له: ما القزع؟ قال: يحلق من الرأس أماكن ويترك فيه أماكن. فقيل له: فحلق الرأس للصبي وتترك له قُصَّةٌ من شعرٍ؟ فكره ذلك وقال: رأيت ذؤابةً على صبيٍّ لابن أميرٍ كان علينا، فنهيته عن ذلك. وقال: المُثُلُ تركه، وهو إذا حُلِقَ منه شيءٌ وتُرِك شيءٌ. [ وسـ]ـئل مالكٌ عن القرط للصبيِّ؟ فقال: أخفُّ عندي من القزع
(٣) متفق عليه: البخاري (٥٦٩٨)، ومسلم [٤/ ٢٢]، من حديث عبد الله بن بحينة: «أنَّ رسول الله ﷺ احتجم بِلَحْيِ جملٍ من طريق مكة وهو محرمٌ في وسط رأسه»، وهو في التحفة [٦/ ٤٧٧].
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٤٤)، البيان والتحصيل [١٨/ ٢٠٤].
[ ٤ / ٤٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال أشهب: سألت مالكًا عن الرجل يحتجم، [أيحلق مو] ضع (^١) المحاجم في القفا ووسط الرأس؟ فقال: ما أحبّه، وإنّي لأكرهه، ولا فعلته قط، ولا هممت به، ولقد [أدركـ]ـت (^٢) من يكره هذا. فقلت له: كيف يصنع؟ قال: يحتجم بالخطميّ. قال أشهب: سُئِلَ مالك عن حلاق الصبيان «[قصَّـ]ـة (^٣) وقَفَا»؟ فقال: ما يعجبني. فقلت له: من الجواري والغلمان؟ فقال: ما يعجبني من الجواري والغلمان، إن كانوا يريدون أن يدعوا شعره كله، فليدعوه، وإن كانوا يريدون أن يحلقوا، فليحلقوا كلَّه، وقد كلَّمت في ذلك بعض الأمراء، وأمرته أن ينهى عنه. فسُئِلَ عن القصة وحدها بلا قَفَا؟ فقال مثل ما قال في القصة والقَفَا».
(٢) ما بين [..] في موضع خرم، والمثبت من المنتقى للباجي [٧/ ٢٩٨].
(٣) ما بين [..] في موضع خرم، والمثبت يقتضيه السياق.
(٤) ما بين [..] في موضع خرم، والمثبت من البيان والتحصيل [٩/ ٣٧٠].
[ ٤ / ٤٧٩ ]
• إنَّما كره الحجامة في وسط الرَّأس، فلأنَّ ذلك ليس مِمَّا نُقِل في أمر الحجامة، وإنّما [ذُكِرَ أ] نَّها كانت في الأخدعين (^١).
ولأنَّ في ذلك معنى القزع؛ لأنَّهُ يحلق بعض الرَّأس ويترك بعضًا.
فإن احتيج إليها للضَّرورة، جاز ذلك من غير حلق الشَّعر، وذلك أن يُجْعَل عليه ما يُلْزِم المَحَاجِمَ، كالخِطْمِيِّ وغيره.
•••
_________________
(١) قوله: «الأخدعين»، هما عرقان في جانبي العنق، ينظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير [٢/ ١٤].
[ ٤ / ٤٨٠ ]
باب ما جاء في وصل الشعر ونتفه، وحدِّ الأسنان، والاستئذان (^١)
[٣١٧٦] قال ابن وهبٍ: وسمعت مالكًا يقول: يُكْرَهُ الوصل في الشَّعْرِ، والوشم، وحَدُّ الأسنان، يُتَزَيَّن بذلك (^٢) (^٣).
• إنَّما كره ذلك؛ لأنَّ في ذلك قصدًا لتغيير الخِلقَة من غير حاجةٍ إليه، وليس في ذلك نظافةٌ فيكون ذلك مستحبًّا، وقد نهى رسول الله ﷺ عن وصل الشَّعر والوشم (^٤).
•••
[٣١٧٧] قال ابن وهبٍ: قال مالكٌ: الاستئذان ثلاثًا أحبُّ إليَّ، ولا يزيد (^٥) عليها، إلَّا مَنْ عَلِمَ أنَّه لم يسمع، فلا أرى بأسًا أن يزيد إذا استَيْقَنَ.
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٢٩/ب، دون شب وجه.
(٢) توجد تتمة للمسألة، مثبتة في مك ٢٩/ب، دون شب وجه، هي: «قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن نتف الشَّيب؟ فقال: ما أعلم حرامًا، وتركه أحبُّ إليَّ من نتفه».
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٤٥).
(٤) متفق عليه: البخاري (٥٩٣٧)، ومسلم [٦/ ١٦٦]، وهو في التحفة [٦/ ١٤٣]، ولفظه: «لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة».
(٥) قوله: «ثلاثًا أحبُّ إليَّ، ولا يزيد»، كذا في شب وجه، وفي مك ٢٩/ب: «ثلاثًا، لا أحبُّ أن يزيد».
[ ٤ / ٤٨١ ]
قال ابن وهبٍ: قال مالكٌ: الاستئناس الجلوس، قال الله ﷿: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ [الأحزاب:٥٣]، وقال عمر حين دخل على النَّبيِّ ﷺ: «أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ الله، قَالَ لَهُ: نَعَمْ، فَجَلَسَ عُمَرُ» (^١) (^٢).
• إنَّمَا قال: «إنَّ الاستئذان ثلاثًا؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ، وَإِلَّا فَارْجِعْ» (^٣).
رواه مالكٌ، عن الثِّقة (^٤) عنده، عن بكير بن عبد الله ابن الأشجّ، عن بُسْرِ بن سعيدٍ (^٥)، عن أبي سعيدٍ الخدري، عن أبي موسى الأشعريِّ، عن رسول الله ﷺ.
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٥١٩١)، مسلم [٤/ ١٩٢]، وهو في التحفة [٨/ ٤٦]، ومن قوله: «قال ابن وهبٍ: قال مالكٌ: الاستئناس الجلوس» إلى هذا الموضع، مثبت في شب وجه، دون مك، وفي مك ٢٩/ب تتمة للمسألة، هي: «قال ابن وهبٍ: قال مالكٌ: الاستئناس فيما نرى - والله أعلم - الاستئذان».
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٤٦)، مختصر كتاب الجامع من المدوَّنة لابن أبي زيد، ص (١٩٧)، التفريع [٢/ ٣٤٩].
(٣) متفق عليه: البخاري (٦٢٤٥)، مسلم [٦/ ١٧٨]، وهو في التحفة [٣/ ٣٣٣].
(٤) قال ابن عبد البر في التمهيد [٢٤/ ٢٠٢]: «يقال: إن الثقة هاهنا عن بكيرٍ، هو مخرمة بن بكير، ويقال: بل وجده مالك في كتب بكير، أخذها من مخرمة».
(٥) بسر بن سعيد المدني، مولى ابن الحضرمي، ثقة جليل، من الثانية. تقريب التهذيب، ص (١٦٦).
[ ٤ / ٤٨٢ ]
ولأن المُسْتَأْذِنَ إذا كرَّر الاستئذان فلم يؤذن له، فكأنَّهم كَرِهُوا دخوله عليهم له في نفسه، أو من أجل حالٍ هم عليها أو وقتٍ.
فإن كان عنده أَنَّهُ لم يسمع، جاز له أن يزيد على الثَّلاث؛ لأنَّهُ لم يعلم منهم كراهية دخوله عليهم، كما يعلم ذلك بسكوتهم عن إجابته بعد علمهم بموضعه.
•••
[ ٤ / ٤٨٣ ]
باب ما جاء في السَّلام على النَّصارى والرَّدِّ عليهم والخروج من الهجرة (^١)
[٣١٧٨] قال ابن وهبٍ: قال مالكٌ: لا تُسَلِّم على اليهوديّ ولا النّصرانيّ (^٢).
وقال مالكٌ (^٣): لا تَرُدّ على (^٤) النّصرانيّ السّلام، فإن رددت فقل: عليك (^٥) (^٦).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في اليهود والنَّصارى: «لَا تَبْدَؤُوهُمْ بِالسَّلَامِ، وَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدُهُمْ، فَقُولُوا: وَعَلَيْكَ».
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٢٩/ب، دون شب وجه.
(٢) توجد تتمة للمسألة، مثبتة في مك ٢٩/ب، دون شب وجه، هي: «قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عمَّن سلَّم على يهوديٍّ أو نصرانيٍّ، هل يستقيله ذلك؟ قال: لا».
(٣) قوله: «وقال مالكٌ»، كذا في شب وجه، وفي مك ٢٩/ب: «قال ابن وهبٍ: سمعت مالكًا يقول».
(٤) قوله: «لا ترد»، كذا في شب وجه، وفي مك ٢٨/ب: «لا يرد المسلم».
(٥) توجد تتمة للمسألة، مثبتة في مك ٢٩/ب، دون شب وجه، هي: «قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عن السَّلَام على أهل الذِّمَّة والرَّدِّ عليهم؟ فقال: لا».
(٦) المختصر الكبير، ص (٥٤٨)، التفريع [٢/ ٣٤٨].
[ ٤ / ٤٨٤ ]
رواه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ (^١).
وروى ابن عمر، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِنَّ اليَهُودَ إِذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ قَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» (^٢).
•••
[٣١٧٩] قال ابن وهبٍ سمعت مالكًا يقول في الرّجل المُهَاجِرِ للرَّجُلِ: إذا سلَّم عليه فقد خرج من الهجرة (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا رواه مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوبٍ، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِة أَيَّامٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» (^٤).
وروى مالكٌ وابن عيينة، عن ابن شهابٍ، عن أنسٍ، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَادَ الله إِخْوَانًَا، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ
_________________
(١) أخرجه مسلم [٧/ ٥]، وهو في التحفة [٩/ ٤١١].
(٢) متفق عليه: البخاري (٦٢٥٧)، مسلم [٧/ ٤]، وهو في التحفة [٥/ ٤٤٦].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٤٨)، التفريع [٢/ ٣٤٨].
(٤) أخرجه مالك [٥/ ١٣٣٢]، ومن طريقه البخاري (٦٠٧٧)، ومسلم [٨/ ٩]، وهو في التحفة [٣/ ٩٨].
[ ٤ / ٤٨٥ ]
أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ» (^١)، فلهذا قال مالكٌ: إنَّه يخرج من الهجرة إذا لقيه فسلَّم عليه.
ولأنَّ الهجرة داعيةٌ إلى العداوة والبغضاء والتَّقاطع، وذلك خلاف أخلاق المؤمنين الَّذِينَ وَصَفَهُم الله تعالى بقوله: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، وخلاف ما أمر به رسول الله ﷺ، ممَّا رَويناه عنه.
•••
_________________
(١) حديث مالك في الموطأ [٥/ ١٣٣٣]، ومن طريقه البخاري (٦٠٧٦)، ومسلم [٨/ ٨]، وحديث ابن عيينة في صحيح مسلم [٨/ ٩]، والخبر في التحفة [١/ ٣٩٠].
[ ٤ / ٤٨٦ ]
باب ما جاء في الدعاء (^١)
[٣١٨٠] قال ابن وهبٍ: سمعت مالكًا وسُئِلَ عن الرّجل إذا لم يُدرِك أبويه أو أحدهما، أنَّه لا بأس أن يقول: «اللهم ارحمهما كما ربَّياني صغيرًا».
قال مالكٌ: وقد يكون مع أبيه فلا يربِّيه، ويغيب عنه الزَّمان الطَّويل (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حقّ الأبوين واجبٌ على الولد، بإيجاب الله ذلك لهما عليه بقوله تعالى: ﴿اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤]، فقرن شكر والديه بشكره ﵎، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء:٢٣]، فجاز أن يدعو لهما بكل وجهٍ، وإن لم يليا تربيته؛ لأَّنهما الأصل في وجوده وولادته، فجاز أن يقول: «اللهم ارحمهما كما ربَّياني صغيرًا».
•••
[٣١٨١] قال ابن القاسم: سُئِلَ مالكٌ عن الَّذِي يدعو، يقول: «يا سَيِّدي»؟
فقال: يدعو كما دعت الأنبياء: «رَبَّنَا» (^٣).
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٢٩/ب، دون شب وجه.
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٤٩)، مختصر كتاب الجامع من المدوَّنة لابن أبي زيد، ص (٢٠١).
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٤٩)، البيان والتحصيل [١٦/ ٤٠٠]، المقدمات الممهِّدات [١/ ٢٢]
[ ٤ / ٤٨٧ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ دعاء الأنبياء وغيرهم من المؤمنين فيما حكى الله عنهم، هو: «يا ربَّنا، يا ربَّنا»، أو نحوه من الكلام (^١)، ولم يُذْكَر عنهم: «يا سيِّدنا»، فاستحبَّ مالكٌ الدُّعاء بما في القرآن من الأسامي، وكذلك بما رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ وأصحابه، وكان النَّبيُّ يدعو فيقول: «يا ربّ ياربّ».
فإن قال: «يا سيِّدي»، لم يُحَرَّج، والاختيار غيره (^٢).
•••
_________________
(١) كما في دعاء آدم ﵇: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا﴾ [الأعراف:٢٣]، وإبراهيم وإسماعيل ﵉: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧]، وموسى ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس:٨٨]، وعيسى ابن مريم ﵇: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة:١١٤].
(٢) يوجد عنوان باب ومسألة في هذا الموضع، مثبتة في مك ٣٠/أ، دون شب وجه، هو: باب ما جاء في ركوب البريد. [٢١٨١ - مك] قال ابن وهبٍ: قال مالكٌ: لا بأس بركوب البريد ما لم تكن مظلمة.
[ ٤ / ٤٨٨ ]
باب ما جاء في اتخاذ الكلاب وقتلها (^١)
[٣١٨٢] (^٢) قال مالكٌ: لا بأس باتِّخاذ كلب الصَّيد والماشية والحرث، والكلاب الَّتِي تسرح مع الماشية وترجع معها، فليس بذلك بأسٌ (^٣) (^٤).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أذن في اتّخاذ كلب الصَّيد والماشية؛ للحاجة إليهما، وكذلك كلب الزَّرع، فقال: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًَا، إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٢٩/ب، دون شب وجه.
(٢) قوله: «قال مالكٌ: لا بأس باتِّخاذ كلب»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣٠/أ فقرة قبل ذلك، هي: «قال ابن وهبٍ: سألت مالكًا عن الدُّورِ التي تکون فيها الکلاب بالرِّيف، وفي تلك الدُّور المواشي والبقر، فإذا كان النَّهار رعت، فإذا أمست رجعت إلى الدُّور، وفي تلك الدُّور كلابٌ تكون فيها باللَّيل والنَّهار، ومع المواشي كلابٌ تسرح معها بالنَّهار وترجع معها إذا رجعت؟ قال: أمَّا ما سمعنا فيما أُذِنَ به من إمساكها، فكلاب».
(٣) توجد تتمة للمسألة، مثبتة في مك ٣٠/أ، دون شب وجه، هي: «وأمَّا الكلاب الأخرى التي لا تسرح مع الماشية؛ إنَّما هي مقيمةٌ في الدُّور خوفًا من السَّرق، فأنا أكرهه».
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٥٠)، مختصر كتاب الجامع من المدوَّنة لابن أبي زيد، ص (٢٤٤)، الاستذكار [٢٧/ ١٩٣].
[ ٤ / ٤٨٩ ]
مَاشِيَةٍ، انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» (^١)، فلا يجوز اتّخاذها لغير هذه الوجوه الثَّلاثة.
•••
[٣١٨٣] قال ابن وهبٍ: سمعت مالكًا يقول في قتل الكلاب: لا أرى بأسًا أن يأمر الوالي بقتلها (^٢)
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٥٤٨٠)، مسلم [٥/ ٣٧]، وهو في التحفة [٥/ ٣٧٣].
(٢) توجد تتمة للمسألة، مثبتة في مك ٣٠/أ، دون شب وجه، هي: «قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن الحاضر يتَّخذ الكلب الضَّاري يصيد به؟ قال: إنَّما الكلاب لأهلها الذين يصيدون بها ويتخذونها لعيشهم. فقيل له: إنَّهم يصيدون بها ويتَّخذونها للَّذَّة؟ قال: ما يعجبني ذلك، أن يتخذوها على ذلك، إلَّا أن يكون مَنْ لعلَّه يريد الصَّيد. فقيل له: أفترى من يخرج إلى مثل هذا يسافر ما تقصر فيه الصَّلاة، أيقصر؟ قال: لا، إنَّما يقصر المسافر، وأمَّا من يتَّخذها لهوًا ويخرج بها، وأقول له: أقْصُرْ!! فقيل له: أفترى إن فعل أن يقصر؟ قال: آمره ألَّا يفعل. قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن أهل الرِّيف، يتخذون الكلاب في دورهم لموضع ما فيها من دوابِّهم؛ لكيلا تفتح أبوابهم، ولا يُقتَحَم عليهم جدرانهم فتسرق دوابّهم؟ قال مالكٌ: ما أرى ذلك، إنَّما جاء الحديث: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًَا، لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًَا وَلَا ضَرْعًَا» (^١). قال ابن القاسم عن مالكٍ نحوه. قال عبد الله بن عبد الحكم: سمعت مالكًا وسُئِلَ عن قتل الكلاب؟ قال: أرى أن تُقتَلَ ويقتل منها ما يؤذي في المواضع التي لا ينبغي أن تكون فيه. فقيل مثل الفسطاط؟ قال: نعم، فأمَّا المواضع التي تكون فيها المواشي، فلا أرى أن تقتل».
(٣) متفق عليه: أخرجه مالك [٥/ ١٤١١]، ومن طريقه البخاري (٢٣٢٣)، ومسلم [٥/ ٣٨]، وهو في التحفة [٤/ ١٩]
[ ٤ / ٤٩٠ ]
(^١).
إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ: «النَّبيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الكِلَابِ».
رواه مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ (^٢).
ومعناه - والله أعلم -، إذا كانت تؤذي النّاس وتضُرُّ بهم، فَأَمَّا إذا لم تؤذهم ولم تضرَّ بهم، فترك قتلها أحبّ إلينا.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٥٠)، الموطأ [٥/ ١٤١٢]، مختصر كتاب الجامع من المدوَّنة لابن أبي زيد، ص (٢٤٤)، الاستذكار [٢٧/ ١٩٦].
(٢) أخرجه مالك [٥/ ١٤١٢]، ومن طريقه البخاري (٣٣٢٣)، ومسلم [٥/ ٣٥]، وهو في التحفة [٦/ ٢١٣].
[ ٤ / ٤٩١ ]
باب ما جاء في تعلقة المرضى وما يُتَداوى به (^١)
[٣١٨٤] قال ابن وهبٍ: سمعت مالكًا يقول: لا بأس بالكتاب الحَسَن الَّذِي فيه ما لا يُنْكَر، يُعَلَّقُ على المرضى (^٢).
وقال مالكٌ (^٣): لا بأس أن تُعلِّق الحائض والجنب وغير متوضِّئٍ الكتاب فيه التَّعوُّذ من القرآن، إذا كان في شيءٍ يُكِنُّهُ قَصَبُهُ (^٤)،
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٢٩/ب، دون شب وجه.
(٢) توجد تتمة للمسألة، مثبتة في مك ٣٠/أ، دون شب وجه، هي: «قال ابن وهبٍ: وسمعت مالكًا يكره خرزة الحمرة (^١) تُعلَّق على الإنسان، قال مالكٌ إلا أن يكون لها ريحٌ أو يمسح بها، فلا بأس بذلك إن شاء الله».
(٣) قوله: (خرزة الحمرة)، وفي الجامع من مختصر المدوَّنة لابن أبي زيد، ص (٢٣٩): «الخرزة من الحمرة»، هي خرزة من العقيق، حكي عن أرسطوطاليس أنَّه قال: من تختم به سكنت روعته عند الخصام وانقطع عنه نزف الدم من أي موضع كان من البدن، ينظر: الجامع لمفردات الأدوية [٣/ ١٧٤]، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار [٢٢/ ٢٨٦].
(٤) قوله: «وقال مالكٌ»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣٠/أ: «قال ابن وهبٍ: قال مالكٌ».
(٥) في البيان والتحصيل [١/ ٤٣٨]: «إذا جعل في كن في قصبة حديد أو جلد يخرز عليه».
[ ٤ / ٤٩٢ ]
ويُخرَزُ (^١) عليه أَدَمٌ (^٢) (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ التَّداوي بالقرآن وأسماء الله تعالى والرُّقيةَ بذلك مباحٌ، وقد روِّينا عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه أجاز ذلك، وقال لمن رَقَى بكتاب الله: «لَنِعْمَ مَا أَكَلْتُمْ بِرُقْيَتِكُمْ، اضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ» (^٤)، وقيل في الخبر: «خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ: آيَةٌ مِنَ القُرْآنِ، أَوْ شَرْطَةُ مِحْجَمٍ» (^٥).
•••
[٣١٨٥] قال مالكٌ في أَلْبَانِ الأُتُنِ (^٦) وأبوالِ الصِّبيان ومَرَارَةِ السَّبُعِ (^٧)
_________________
(١) قوله: «ويخرز»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣٠/أ: «أو تُخرزْ».
(٢) قوله: «ويخرز عليه أدم»، الخرز هو خياطة الأدم، والأَدَمُ: اسم لجمع أديم، وهو الجلد المدبوغ، ينظر: لسان العرب [٥/ ٣٤٤]، المغرب للمطرزي، ص (٢٢).
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٥١)، النوادر والزيادات [١/ ١٢٣ و٥٣٢]، البيان والتحصيل [١/ ٤٣٨]، الجامع لابن يونس [٢/ ٦٩٣]، المنتقى للباجي [١/ ١٢٠].
(٤) متفق عليه: البخاري (٢٢٧٦)، مسلم [٧/ ١٩]، وهو في التحفة [٣/ ٤٢٧].
(٥) لم أقف عليه بهذا اللفظ.
(٦) قوله: «الأُتُنِ»، هي جمع أتان، وهي أنثى الحمار، ينظر: لسان العرب [١٣/ ٦].
(٧) قوله: «ومَرَارَةِ السَّبُعِ»، المرارة: هي التي في جوف الشاة وغيرها، يكون فيها ماء أخضر مر، ينظر: النهاية في غريب الحديث [٤/ ٣١٦].
[ ٤ / ٤٩٣ ]
يُتَدَاوَى به: بلغنا أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن لحوم الحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ، وأَكْلِ كلّ ذي نابٍ من السِّباع، ولا أرى أن تُشرب أبوال الصّبيان (^١) (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأن: «رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ».
رواه مالكٌ، عن الزُّهريِّ، عن عبد الله (^٣)
_________________
(١) توجد تتمة للمسألة، مثبتة في مك ٣٠/ب، دون شب وجه، هي: «قال ابن وهبٍ: سألت مالكًا عن المرأة التي ترقي بالحديدة والملح، [وعن التي] (١) تكتب الكتاب للإنسان ليعلِّقه عليه من الوجع، وتعقد في الخيط الذي يعقد به الكتاب سبع عقد، [والتي] (^٢) تكتب خاتم سليمان في ذلك الكتاب؟ فكره ذلك مالكٌ، قال: ولم يكن هذا من أمر النَّاس القديم، وكان العقد عنده أشدُّ كراهيةً، كره العقد جدًا. قيل له: فالشيء يُنْجَمُ تحت السماء فيُجعل عليه حديدة (^٣)؟ قال: أما التَّنجيم فأرجو أن يكون خفيفًا، وإنه يقع في قلبي، إنَّما التَّنجيم لطول الليل».
(٢) و(^٢): ما بين [..]، في موضع خرم، والمثبت من: شرح البخاري لابن بطال [٩/ ٤٢٨]، المنتقى للباجي [٧/ ٢٦١].
(٣) قوله: «فالشيء يُنْجَمُ تحت السماء فيُجعل عليه حديدة»، أي: يصنع منه آلة يُستدل بها على معرفة النجوم، فرآه مالكٌ خفيفًا، لما جعل الله تعالى في النجوم من المنفعة، ينظر: البيان والتحصيل [١٧/ ١٦٥]، الذخيرة للقرافي [١٣/ ٣١١].
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٥٢)، مختصر كتاب الجامع من المدوَّنة لابن أبي زيد، ص (٢٣٧)، النوادر والزيادات [٤/ ٣٧٥].
(٥) عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب، ثقة، قرنه الزهري بأخيه الحسن، من الرابعة. تقريب التهذيب، ص (٥٤٣).
[ ٤ / ٤٩٤ ]
والحسن (^١)، عن أبيهما (^٢)، عن عليّ بن أبي طالبٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ (^٣).
ورواه مالكٌ، عن الزّهريِّ، عن أبي إدريسٍ الخولانيِّ، عن أبي ثعلبة الخشنيّ: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ» (^٤)، فلهذا كره أن تُشرَب ألبان الأتن والسِّباع، وأكل لحومهنَّ.
فأمَّا شرب أبوال الصِّبيان: فذلك حرامٌ؛ لأنَّ أبوالهنَّ نجسةٌ، ولا يجوز التَّداوي بشيءٍ نجسٍ، وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: «إِنَّ الله تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» (^٥).
ولَمَّا لم يجز التَّداوي من المرض بالخمر والخنزير؛ لنجاستهما، فكذلك لا يجوز التَّداوي بكل نجسٍ من بولٍ أو غيره، وإنّما الَّذِي يجوز، أكل الميتة عند
_________________
(١) الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، ثقة فقيه، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٢٤٣).
(٢) محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، ثقة عالم، من الثانية. تقريب التهذيب، ص (٨٨٠).
(٣) أخرجه مالك [٣/ ٧٧٨]، ومن طريقه البخاري (٤٢١٦)، ومسلم [٤/ ١٣٤]، وهو في التحفة [٧/ ٤٤١].
(٤) أخرجه مالك [٣/ ٧٠٩]، ومن طريقه البخاري (٥٥٣٠)، ومسلم [٦/ ٦٠]، وهو في التحفة [٩/ ١٣٤].
(٥) أخرجه ابن حبان [٤/ ٢٣٣]، والبيهقي في السنن الكبرى [١٩/ ٥٩١].
[ ٤ / ٤٩٥ ]
الخوف على النَّفْسِ من التَّلف، فأمَّا التَّداوي به من المرض فغير جائزٍ؛ لمنع رسول الله ﷺ من ذلك.
ولأنَّا لا نعلم أنَّ ذلك ينفع من المرض لا محالة، كما نعلم أنَّ الأكل ينفع الجوع ويزيله لا محالة، فافترقا لهذه العلَّة أيضًا.
•••
[٣١٨٦] سُئِلَ مالكٌ (^١) عن شرب أبوال الإبل في الدَّواء؟
فقال: لا بأس بذلك، ولا بأس بشرب أبوال الأنعام: البقر والغنم.
قيل له: فأبوال الخيل (^٢)؟
قال: لا خير فيه.
قيل: فأبوال النّاس؟
قال: لا خير فيه.
قيل له: الإبل (^٣) تُحْلَبُ فتبول في اللَّبن؟
قال: أرجو أن لا يكون به بأسٌ (^٤).
_________________
(١) قوله: «سُئِلَ مالك»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣٠/ب: «قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ».
(٢) قوله: «الخيل»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣٠/ب: «الأتن».
(٣) قوله: «الإبل»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣٠/ب: «الشاة».
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٥٢)، المنتقى للباجي [٧/ ٢٦٢].
[ ٤ / ٤٩٦ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في قصّة العرنيين: «اشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا» (^١)، يعني: الإبل، فأباحهم النَّبيُّ ﷺ شرب بولها، كإباحته شرب لبنها.
وكذلك البقر والغنم، يجوز شرب بولها؛ لأنَّ ذلك طاهرٌ عند مالكٍ للأكل وغيره كلحومها، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدَّم.
فإن قيل: إنَّ إباحة النَّبيِّ ﷺ للعرنيِّين شرب بول الإبل، إِنَّمَا هو من أجل المرض، لا أنَّهُ طاهرٌ حلالٌ شُرْبُهُ في غير المرض (^٢)؟
قيل له: المرض لا يبيح شرب المحرَّمِ.
ألا ترى: أنَّه لا يجوز شرب الخمر في المرض، ولا أكل لحم الخنزير، وإذا كان كذلك، عُلِمَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُبِحْهُم شرب بول الإبل إن كان نجسًا من أجل المرض.
•••
[٣١٨٧] قال: وسُئِلَ مالكٌ (^٣) عن الحقنة؟
قال: ليس بها بأسٌ (^٤).
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٢٣٣)، مسلم [٥/ ١٠٢]، وهو في التحفة [١/ ٢٥٣].
(٢) ينظر الاعتراض في: المحلى لابن حزم [١/ ١٧٥].
(٣) قوله: «قال: وسُئِلَ مالكٌ»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣٠/ب: «قال عبد الله بن عبد الحكم: سمعت مالكًا وسُئِلَ».
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٥٣).
[ ٤ / ٤٩٧ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّها ضربٌ من الدَّواء، وفيها منفعةٌ للنَّاس، وقد أباح النَّبيُّ ﷺ التَّداوي وأذِنَ فيه، فقال: «مَا أَنْزَلَ الله دَاءً، إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، فَتَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ» (^١).
•••
_________________
(١) أخرجه أحمد [٦/ ٥٠]، وابن ماجه [٤/ ٤٩٨]، من حديث ابن مسعود، وهو في التحفة [٧/ ٦٥]، ونحوه في البخاري (٥٦٧٨)، من حديث أبي هريرة.
[ ٤ / ٤٩٨ ]
باب ما جاء في قتل الحيات (^١)
[٣١٨٨] قال ابن وهبٍ: سمعت مالكًا يقول في الحيَّة توجد في الصَّحراء: إنَّها تُقْتَل، ولا يُتَقَدَّمُ إليها إلَّا في البيوت (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قتل الحيَّة مأمورٌ به، قال النَّبيُّ ﷺ: «اقْتُلُوا الحَيَّةَ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي الصَّلَاةِ» (^٣)، وقال في المحرِمِ: «إِنَّهُ يَقْتُلُ الحَيَّةَ وَالعَقْرَبَ» (^٤).
فأمَّا ما كان في البيوت، فإنَّها تؤذن ثلاثًا، فإن بدت بعد ذلك قُتِلَتْ.
رواه مالكٌ، عن صَيْفِيٍّ مولى أفلح (^٥)، عن أبي السَّائب مولى هشام بن
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٣٠/ب، دون شب وجه.
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٥٣)، مختصر كتاب الجامع من المدوَّنة لابن أبي زيد، ص (٢٤٨).
(٣) أخرجه أبو داود [٢/ ٢٧]، والترمذي [١/ ٤١٤]، وابن ماجه [٢/ ٢٩٩]، والنسائي في الكبرى [١/ ٢٨٢]، وهو في التحفة [١٠/ ١١٧].
(٤) متفق عليه من حديث ابن عمر: البخاري (١٨٢٧)، مسلم [٤/ ١٩]، وهو في التحفة [١٣/ ١١٧].
(٥) قوله: «صَيْفِيٍّ مولى أفلح»، كذا في جه وهو الصواب، وفي شب: «صفيٍّ مولى أفلح»، وهو صيفي بن زياد الأنصاري، مولاهم، المدني، ثقة، من الرابعة، ينظر: التاريخ الكبير [٤/ ٣٢٣]، الجرح والتعديل [٤/ ٤٤٨]، تقريب التهذيب، ص (٤٥٦).
[ ٤ / ٤٩٩ ]
زهرة (^١)، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ بِالمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا بَدَا لِأَحَدِكُمْ مِنْهُمْ شَيْءٌ، فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلَاثًَا، فَإِنْ بَدَا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَتَلَهُ» (^٢).
•••
_________________
(١) أبو السائب الأنصاري المدني، مولى ابن زهرة، ثقة، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (١١٥١).
(٢) أخرجه مالك [٥/ ١٤٢٢]، ومن طريقه مسلم [٧/ ٤٠]، والنسائي في الكبرى [٨/ ١٤٠]، وهو في التحفة [٣/ ٤٨٧].
[ ٤ / ٥٠٠ ]
باب ما جاء في الوليمة بغير دعوة (^١)
[٣١٨٩] قال ابن وهبٍ: سمعت مالكًا يقول: لا يدخلِ الرّجُلُ إلى الوليمة، وإن كان صاحب الوليمة بابه مفتوحٌ، إلَّا بإذنٍ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد يدخل إليه من يكره صاحب المنزل دخوله إليه وأكل طعامه، فلا يحَبُّ أن يدخل إلَّا بإذنه.
وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ: «مَنْ مَشَى إِلَى طَعَامٍ غير دَاعٍ (^٣)، مَشَى فَاسِقًَا، وَأَكَلَ حَرَامًَا» (^٤).
•••
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٣٠/ب، دون شب وجه.
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٥٣).
(٣) قوله: «غير دَاعٍ»، كذا في شب، وفي جه: «من غير دَاعٍ».
(٤) أخرجه محمد بن سلامة القضاعي في مسند الشهاب [١/ ٣١٤].
[ ٤ / ٥٠١ ]
باب ما جاء في الضيافة، وأكل طعام المسلم والذمي بغير إذنه (^١)
[٣١٩٠] قال ابن وهبٍ: وسمعت مالكًا يقول في حديث النَّبيِّ ﷺ في الضِّيافة: «جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ» (^٢)، قال: يحسن ضيافته ويكرمه.
وقال أشهب عن مالكٍ في ذلك: يُكْرِمُهُ وَيُتْحِفُهُ، وَيَخُصُّهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ضِيَافَةً، وَمَا بَعْدَ الثَّلَاثِ صَدَقَةٌ (^٣).
قال ابن وهبٍ: سمعت مالكًا يقول في المسافر ينزل بالذمِّي: إنَّه لا يأخذ منه شيئًا إلَّا بطيب نفسه.
فقيل لمالكٍ: الضِّيافة (^٤) الَّتِي جُعِلت عليهم ثلاثة أيَّاٍم؟
قال: كانوا يومئذٍ يُخَفَّفُ عنهم بذلك (^٥).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّه لا يجوز لأحدٍ أن يأخذ مال غيره - من غير حقٍّ
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٢٩/ب، دون شب وجه.
(٢) متفق عليه: البخاري (٦٠١٩)، مسلم [٥/ ١٣٧] وهو في التحفة [٩/ ٢٢٣].
(٣) هذه الفقرة، رواها أبو داود في سننه [٤/ ٢٧٧]، عن الحارث بن مسكين، عن أشهب.
(٤) قوله: «الضِّيافة»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣٠/ب: «أفرأيت الضيافة».
(٥) المختصر الكبير، ص (٥٥٣)، الاستذكار [٢٧/ ٢١١]، المنتقى للباجي [٧/ ٢٩١]، البيان والتحصيل [١٨/ ٢٨٠].
[ ٤ / ٥٠٢ ]
يوجب عليه - بغير إذنه، وقد قال النَّبيُّ ﷺ: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ عَنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسِهِ» (^١).
•••
[٣١٩١] قال ابن وهبٍ وابن القاسم: سُئِلَ مالكٌ عن الرّجل يكون لابنه المال قد ورثه من أُمِّهِ: الضَّيعة تكون لها، فيأتيها أبوه ويأكل منها (^٢)؟
قال: لا بأس بذلك (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا للأب في مال ابنه من الشّبهة، فجاز له أكل ثماره من حائطه عن غير إذنه.
ولأنَّ أمر الثَّمَرِ خفيفٌ أيضًا، قد أبيح للأجنبيِّ أن يأكله - إذا احتاج إليه للحاجة - بغير إذن صاحبه (^٤).
•••
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه [٣/ ٤٢٤].
(٢) قوله: «ويأكل منها»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣٠/ب: «أيأكل منها؟».
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٥٤)، البيان والتحصيل [١٢/ ٤٨٠].
(٤) كما في سنن أبي داود [٢/ ٣٩٦]، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ: «أنَّ سُئِلَ عن الثمر المعلق؟، فقال: من أصاب بفيه من ذي حاجةٍ غير متَّخذٍ خُبْنَةً، فلا شيء عليه»، وهو في التحفة [٦/ ٣٣٦].
[ ٤ / ٥٠٣ ]
[٣١٩٢] قال أشهب: وسُئِلَ مالكٌ عن الثِّمار (^١)، تُجَذُّ ثمَّ يُخَلَّى عنها، فيكون فيها الشَّيء المعلَّق؟
قال: إن كان يعلم أنَّ أنفسهم طيِّبةً بأخذه إيَّاه، فليأخذه.
قال أشهب: وسُئِلَ مالكٌ عن الزَّرع يُحْصَد، فيبقى منه السُّنبل والشَّيء يُخَلِّي عنه أهله، أيأكله؟
فقال: لا يأكل إلَّا ما يعلم أنَّه حلالٌ، وقد كان يقال: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (^٢) (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرنا: أنَّه لا يجوز لأحدٍ أكل مال غيره، ولا أخذه بغير إذنه، إلَّا عند الضَّرورة، ثمَّ يكون عليه بدل ذلك.
فأمَّا ما يُعْلَم أنَّه قد تركوه - من الثَّمر والزَّرع - للنَّاس، فأخْذُهُ جائزٌ؛ لأنَّ أهله قد أباحوا النَّاس ذلك، فهو بمنزلة ما يأذنون لهم في أخذه.
•••
[٣١٩٣] قال: وسُئِلَ مالكٌ: أيجوز للمسافر أن يُصيب من الثِّمار؟
_________________
(١) قوله: «الثمار»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣٠/ب: «النخل».
(٢) أخرجه الترمذي [٤/ ٢٨٦] من حديث الحسن بن علي مرفوعًا، وهو في التحفة [٣/ ٦٣].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٥٤)، الجامع لابن يونس [٢٤/ ١٣٧]، البيان والتحصيل [١٨/ ٢٠٧].
[ ٤ / ٥٠٤ ]
فقال: إن كان من ضرورةٍ، وإلَّا فلا، قال رسول الله ﷺ: «لَا يَحْتَلِبَنَّ أَحَدُكُمْ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ» (^١)، ففي هذا بيانٌ، وليس شيءٌ من الأشياء أيسر من اللَّبن، يُحْلَبُ بُكْرَةً ويَرْجِعُ عَشِيَّةً، والثَّمر لا يَرْجِعُ حَتَّى عامٍ قابلٍ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ أخذ مال الإنسان من الثَّمر والزَّرع وغيره غيرُ جائزٍ، وكذلك أكله بغير إذنه، فلا يجوز لمسافرٍ ولا غيره أن يأخذ ثمر غيره وزرعه ولا يأكله إلَّا من ضرورةٍ.
وممَّا يدلُّ على ذلك ما قاله مالكٌ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ منع من أن يحلِبَ الإنسان ماشية غيره بغير إذنه، واللبن طعامٌ مع سرعة عَوْدِ مِثلِه، كان الثَّمر أولى ألَّا يؤخذ إذا كان لغيره بغير إذنه، مع طول مدَّة عود مثله.
•••
[٣١٩٤] سُئِلَ مالكٌ (^٣) عمَّن مرَّ على جِنَانِ أبيه أو أمِّه أو أخته، أيأخذ منه ما يأكل؟
فقال: لا يأكلها إلَّا ما أذنوا له (^٤).
_________________
(١) أخرجه مالك [٥/ ١٤١٤]، ومن طريقه البخاري (٢٤٣٥)، ومسلم [٥/ ١٣٧]، وهو في التحفة [٦/ ٢١٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٥٥)، البيان والتحصيل [١٨/ ٢٠٨].
(٣) قوله: «سُئِلَ مالكٌ»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣١/أ: «قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ».
(٤) قوله: «أذنوا له»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣١/أ: «أذنوا له قبل ذلك».
[ ٤ / ٥٠٥ ]
قال: ولا يأكُلُ ما يُطْعِمُه حارس الجنان أو يبيعه منه، إلَّا أن يكون كهيئة القَيِّمِ (^١) في الغنم والحائط فيجوز ذلك (^٢)، فأمَّا العبد الأسود الَّذِي يُسْتَحقَرُ، فلا خير فيه (^٣) (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرنا: أنَّه لا يجوز لأحدٍ أكل مال غيره إلَّا بإذنه،
_________________
(١) من قوله: «ولا يأكُلُ ما يُطْعِمُه حارس الجنان»، إلى هذا الموضع كذا في شب وجه، وفي مك ٣١/أ تتمة للمسألة هي: «قيل له: أرأيت إن أطعمني حارس الجنان أو باعني؟ قال: إن كنت تعلم أن قد أُذِن لهم في ذلك. فقيل له: كيف نعلم؟ قال: ذلك يختلف، أن يقول له أصحاب الحوائط والأحبة حين يسألهم: «قد رأيناه يبيع ويصنع»، ويكون كهيئة القيم».
(٢) قوله: «فيجوز ذلك»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣١/أ: «فذلك لا بأس أن يُشْترى منه».
(٣) توجد تتمة للمسألة، مثبتة في مك ٣١/أ، دون شب وجه، هي: «قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عن الحائط من الثِّمار وليس عليها جدار، أيأكل منها ابن السَّبيل؟ فقال: لا يأكله، ولا يأكل إلا طيِّبًا، وقد قال رسول الله ﷺ: «لا يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ»، وما يُعلم شيئًا أسرع رجوعًا من اللَّبن، يُحْلَبُ ويرجع من الغد، وإذا جُذَّ الثَّمر، لم يرجع من الغد. قيل له: أرأيت ما سقط بالأرض؟ فقال: ألم يك بالأرض، وكرهه».
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٥٥)، البيان والتحصيل [١٨/ ٢٠٩].
[ ٤ / ٥٠٦ ]
سواءٌ كان ثمرًا أو غيره، إلَّا أن يُضْطَرَّ إليه فيأكله ويكون عليه البدل، وسواءٌ كان ذلك مال ذي رَحِمِهِ، أو أجنبيٍّ منه.
وكذلك لا يجوز أن يأكله وإن أَذِنَ له في أكله غير مَالِكِهِ، وكذلك إن باعه غير مالِكِهِ.
فأمَّا إذا كان القيِّم بذلك، فإنَّ ذلك جائزٌ؛ لأنَّ بيعه وإطعامه عن إذن صاحبه، إذا كان مثله من يقوم بالحائط أو الغنم، وإذا كان مثله لا يقوم فيما يُعْلَم في العرف والعادة، لم يجز الشِّراء منه، ولا أكل ما يُطْعِمُ من الثَّمر.
•••
[٣١٩٥] قال مالكٌ: ولا يَرْعَى في الأقْرَاطِ، إلَّا أن يَعْلَم أنَّ صاحبه أذن فيه.
قيل له: إنَّ صاحبه يراه؟
قال: ما أحبُّ ذلك إلَّا بإذنه، فلعلَّه يراه فيستحيي وهو لذلك كارهٌ، أو يخاف من ناحيته، فلا أحبُّ ذلك إلَّا بإذنه، أو يعلَمُ أنَّه أذِنَ فيه (^١).
• إنَّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرنا: أنَّه لا يجوز لأحدٍ الانتفاع بمال غيره بغير إذنه على ما بيَّنَّاه، ولا فصل في ذلك بين القُرْطِ - وهو العلف -، وبين الثَّمر وغيره من الأموال، إلَّا أن يأذن في ذلك صاحبه، أو يُعلَمَ بالعادة والعرف أنَّ ذلك مِمَّا يُبِيحُهُ النَّاسَ، فيجوز له الانتفاع به بغير إذن صاحبه؛ لأنَّ إذنه قد تقدَّم، وهو إباحته ذلك للنَّاس وتركه لهم.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٥٦)، الجامع لابن يونس [٢٤/ ١٣٧].
[ ٤ / ٥٠٧ ]
باب ما جاء في اللهو وسماعه (^١)
[٣١٩٦] قال ابن وهبٍ: سألت مالكًا عَنْ ضَرْبِ الكَبَرِ (^٢)، وَالمِزْمَارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اللَّهْوِ، يَنَالُكَ سَمَاعَهُ وَتَجِدُ لَذَّتَهُ وَأَنْتَ فِي طَرِيقٍ أَوْ مَجْلِسٍ غَيْرهُ، أيُؤمر من ابتُلِي بذلك أن يرجع من الطَّريق أو يقوم من المجلس؟، وما الأمر الَّذِي تستحبُّ من ذلك؟
قال مالكٌ: أرى أن يقوم من ذلك المجلس، إلَّا أن يكون جالسًا لحاجةٍ، أو يكون على حالٍ لا يستطيع القيام، وإن كان جالسًا لغير حاجةٍ، فأرى أن يقوم إذا بلغ ذلك منه، أو يجد لسماعه لذَّةً.
فأمَّا صاحب الطَّريق، فأرى أن يرجع، أو يقف، أو يتقدَّم أو يتأخَّر.
قال ابن وهبٍ: وسمعت مالكًا وسُئِلَ عن الرّجل يحضر الصَّنيع فيه اللَّهو: البَرَابِط (^٣) أو نحوها؟
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٣١/أ، دون شب وجه.
(٢) قوله: «الكَبَر»، هو الطبل، وقيل: هو الطبل ذو الرأسين، وقيل: الطبل الذي له وجه واحد، ينظر: لسان العرب [٥/ ١٣٠].
(٣) قوله: «البرابط»، هي عيدان الغناء بالفارسية، واحدها بَربَط، ينظر: التنبيهات المستنبطة [٢/ ٥٨١].
[ ٤ / ٥٠٨ ]
قال مالكٌ: ما يعجبني للرّجل ذي الهيئة أن يحضر اللَّعب (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ اللّعب واللّهو، حضورهما وسماعهما مكروهٌ، قد ذمَّ الله ورسوله ذلك، قال الله ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان:٦]، قيل في تفسير ذلك: بيع المغنِّيات وشرائهنَّ (^٢).
وقد روى محمد بن جُحَادَةَ (^٣)، عن أنسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ كَسْبِ الزَّمَّارَةِ» (^٤).
وقال نافعٌ: «كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ، فَسَمِعَ زَمَّارَةِ رَاعٍ، فَجَعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَمَشَى، ثُمَّ جَعَلَ يَقُولُ لِي: أَتَسْمَعُ يَا نَافِعُ، فَقُلْتُ: لَا، فَنَحَّى يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولَ الله ﷺ، فسمع زَمَّارَةِ رَاعٍ، فَفَعَلَ مِثْل مَا فَعَلْتُ» (^٥).
وقد روى عبد الله بن عمروٍ، عن النَّبيِّ ﷺ: «أَنَّهُ نَهَى عَنِ الكَبَرِ، وَهُوَ الطَّبْلُ» (^٦).
فكُلُّ سماعٍ: كان لهوًا أو غناءً، ففعله مكروهٌ منهيٌّ عنه؛ لأنَّ ذلك
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٥٦)، الجامع لابن وهب، كتاب الشعر والغناء، ص (٥٦)، البيان والتحصيل [٥/ ١١٣].
(٢) ينظر: تفسير الطبري [١/ ٥٣٢].
(٣) محمد بن جحادة، ثقة، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٨٣٢).
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا، في ذم الملاهي، ص (٦٤).
(٥) أخرجه أبو داود [٥/ ٣٢٤]، وهو في التحفة [٦/ ٩٨].
(٦) أخرجه أبو داود [٤/ ٢٥٥]، والبيهقي في السنن الكبرى [٢١/ ١٣٥]، وهو في التحفة [٥/ ١٩٧].
[ ٤ / ٥٠٩ ]
يُشغِل ويصدُّ عن ذكر الله تعالى، فوجب المنع منه، كما مُنِعَ من شُربِ الخمر؛ لأنَّها تصدُّ عن ذكر الله.
وقد سُئِلَ مالكٌ عن سماع الغناء؟
فقال: لا يجوز، قال الله ﷿: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس:٣٢]، وليس هو من الحقِّ.
فقيل له: إنَّه يقال: «إنَّ أهل المدينة يسمعونه»؟
فقال: إِنَّمَا يسمع ذلك عندنا الفُسَّاقُ (^١).
•••
_________________
(١) نقله ابن بطال في شرح البخاري [٩/ ٧٢].
[ ٤ / ٥١٠ ]
باب ما جاء في موقف من أراد السلام على النَّبيِّ ﵇ (^١)
[٣١٩٧] قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ: أين يقف من أراد التَّسليم على رسول الله ﷺ من القبر؟
فقال: عند الزَّاوية الَّتِي تَلِي القبلة ممَّا يلي المنبر، مستقبل القبلة.
ولا أحبُّ أن يمسَّ القبر بيده (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ كذلك شاهد النَّاس يُسَلِّمون على النَّبيِّ ﷺ، فاستحبَّ الاقتداء بهم.
ولا يمسُّ قبره ولا حائطه؛ تعظيمًا له.
ولأنَّ ذلك لم يكن عليه فِعْلُ من مضى.
•••
[٣١٩٨] قال ابن وهب: وسُئِلَ مالكٌ عن قبر رسول الله ﷺ، يأتيه الغريبُ كلّ يومٍ؟
فقال: ما سمعت.
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٣١/أ، دون شب وجه.
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٥٧)، المنتقى للباجي [١/ ٢٩٦].
[ ٤ / ٥١١ ]
فقيل: يأتيه الرّجل عند دخوله وخروجه (^١)؟
فقال: ذلك الَّذِي كنت أسمع.
قال ابن وهبٍ: وسُئِلَ مالكٌ عن السَّلام على النَّبيِّ ﷺ؟
قال: لا يَلْصَقُ بجدار القبر (^٢).
قال: فأسَلِّمُ على أبي بكرٍ وعمر؟
قال: نعم إن شئت (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّاس كذلك كانوا يُسَلِّمُون على النَّبيِّ ﷺ، ثمَّ على أبي بكرٍ وعمر، وكذلك رُوِّينَا عن ابن عمر أنَّه كان يفعل (^٤)، فاستحبّ الاقتداء بهم.
•••
_________________
(١) قوله: «عند دخوله وخروجه»، يعني: من المدينة، ينظر: المنتقى للباجي [١/ ٢٩٦].
(٢) قوله: «القبر»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣١/ب: «القبر أو القبلة».
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٥٧)، البيان والتحصيل [١٨/ ٤٤٤].
(٤) أخرجه مالك [٢/ ٢٣١]، وابن أبي شيبة [٧/ ٣٥٩].
[ ٤ / ٥١٢ ]
باب ما جاء في كتاب الرسائل وتقدمة الرجل بنفسه (^١)
[٣١٩٩] قال ابن وهبٍ وابن القاسم: سُئِلَ مالكٌ عن الرّجل يكتب إلى الرَّجُلِ: «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، لفلان بن فلانٍ»؟
قال: لا بأس بذلك.
فقيل له: إنَّ ناسًا يقولون: اجعل فيما بين ذلك شيئًا: «أمَّا بعد، لفلانٍ»؟
قال: لا بأس بذلك، ولم يره شيئًا (^٢) (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ ليس هاهنا شيءٌ يمنع منه، فإن وصل كلامه جاز، وإن فصل بـ «أمَّا بعد» جاز، وكلّ ذلك واسعٌ.
•••
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٣١/أ، دون شب وجه.
(٢) توجد تتمة للمسألة، مثبتة في مك ٢٩/ب، دون شب وجه، هي: «قال ابن وهبٍ: رأيت بعض جلساء مالكٍ قد كتب لمالكٍ رسالةً، فمطَّ حين أراد أن يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم»، فقيل لمالكٍ: هل بلغك أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن هذا، فإنَّ بعض النَّاس يُحَدِّثون عنه بذلك؟ فقال مالكٌ: ذلك أحد الكذَّابين، وقد كذب من قال ذلك، ولم ير به بأسًا».
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٥٨).
[ ٤ / ٥١٣ ]
[٣٢٠٠] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عن الَّذِي يبدأ في الكتاب بأصغر منه، ولعلَّه ليس بأفضل منه، أتَرَى بذلك بأسًا؟
قال: لا والله، ما أرى بذلك بأسًا، أرأيت لو أوسع له إذا جاء يجلس؛ إعظامًا له.
وقال: إنَّ أهل العراق يقولون: «لا تبدأ بأحدٍ قبلك، وإن كان أباك أو أكبر منك»، يَعِيبُ ذلك من قولهم عيبًا شديدًا (^١) (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأن فِعْلَ ذلك كلّه مباحٌ، إذ ليس شيءٌ يمنع منه، وقد يجوز أن يفعل ذلك الإنسانُ بغيره على وجه الإكرام له؛ لدينه وفضله، وذلك مُستَحَبٌّ، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠].
•••
_________________
(١) توجد تتمة للمسألة، مثبتة في مك ٢٩/ب، دون شب وجه، هي: «وقال: جاء رجلان، أراد أحدهما أن يتكلَّم عند النَّبيِّ ﷺ، فقال له النَّبيُّ ﷺ: «كَبِّرْ كَبِّرْ» (^١)، للَّذي هو أكبر منه، وقد سمعت أنَّ أبا بكرٍ الصِّديق حين جاء رسولَ الله ﷺ بأبيه، فقال: «لَوْ تَرَكْتَ الشَّيْخَ فِي مَنْزِلِهِ لَجِئْنَاهُ» (^٢)».
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة [٢٠٤٣].
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة [٣١٧٢].
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٥٨)، البيان والتحصيل [١٨/ ٣٣٧].
[ ٤ / ٥١٤ ]
باب ما جاء في فرق الشَّعْرِ والإحسان إليه (^١)
[٣٢٠١] قال ابن وهبٍ وابن القاسم: سُئِلَ مالكٌ عن الشَّعْرِ، هل فيه من حدٍّ إذا انتهى إليه الشَّعْرُ فَرَقَهُ صاحبه؟
قال مالكٌ: ما أعلم في ذلك حدًّا، وقد كان النّاس قبل اليوم لهم شَعْرٌ يُطِيلُه الرَّجُلُ، وما أعلم فيه حدًّا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ذلك كلّه مباحٌ، إطالته وقصره.
ألا ترى: أنَّ حَلْقَ الرَّأس مُباحٌ وقصره مباحٌ، وإن كان الاختيار ترك الشَّعر وفَرْقِهِ، كما فعل رسول الله ﷺ (^٣).
•••
[٣٢٠٢] (^٤) قال ابن وهبٍ وابن القاسم: سُئِلَ مالكٌ عمَّا ذُكِر عن النَّبيِّ ﷺ:
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٣١/أ، دون شب وجه.
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٥٩).
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٣١٧٤.
(٤) يوجد عنوان ومسألة مثبتة في مك ٣١/ب، قبل هذا الموضع، دون شب وجه، هي: باب ما جاء في الرجل يُحَمِّل الرّجل السّلام إلى قومه [٢٢٠١ - مك] قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن الذي يكتب إلى الرَّجل: «أَقْرِئ فلانًا السَّلام»، فيترك ذلك؟ قال: أرجو أن يكون من ذلك في سعةٍ أو يكون له عذرٌ، قال: وقد كتب رجلٌ إلى رجلٍ: «أن أقرئ فلانًا وفلانًا السَّلام» حتى [عد] (^١) [] (^٢) عشر إنسانًا، فمن يطيق هذا!
(٥) ما بين [..] في موضع خرم، والسياق يقتضيه.
(٦) ما بين [..]، في موضع خرم، والسياق أنه ذكر رقم، لعله: «أحد» أو «اثنا»، ونحوه.
[ ٤ / ٥١٥ ]
«حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ» (^١)؟
فقال: لم أسمع به من ثَبْتٍ، فَأَمَّا ما كان مِنْ كَلَامٍ حَسَنٍ، فلا بأس به (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ما كان يُعْلَمُ في الأغلب أنَّه ليس بكذبٍ، جاز الحديث به، وما يُعْلَمُ في الأغلب أنَّه كذبٌ، لم يجز الحديث به، وقد قال رسول الله ﷺ: «مَنْ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِبِينَ» (^٣)، وهذا معنى قوله: «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ»، أي: لا تتحدثوا بما يحرج الإنسان.
وقد قيل، معناه: أي: لا ضيق عليكم في الحديث عنهم، والأوَّلُ أصحُّ.
•••
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٤٦١)، والترمذي [٤/ ٤٠٢]، وهو في التحفة [٦/ ٣٩٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٦٠)، البيان والتحصيل [١٧/ ٥٢٤].
(٣) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه [١/ ٧]، والترمذي [٤/ ٣٩٧]، وابن ماجه [١/ ٢٧]، وهو في التحفة [٨/ ٤٩٢].
[ ٤ / ٥١٦ ]
ما جاء في صعود منبر رسول الله ﵇ (^١)
[٣٢٠٣] قال ابن وهبٍ: سمعت مالكًا يقول: استشارني بعض ولاة المدينة أن يرقى منبر رسول الله ﷺ بخفَّين أو نعلين، فنهيته عن ذلك، ولم أر له أن يرقى عليه بخفَّين ولا نعلين.
فقيل له: فالكعبة تُدْخَلُ بنعلين؟
فقال: لا.
فقيل له: فيجعل نعليه في حِجْرَتِهِ (^٢)؟
فقال: لا بأس بذلك (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ تعظيمًا لأمر الله ﷿، وأمر رسوله ﷺ؛ لأنَّ في ذلك تعظيم حرمات الله وشعائره، وقد قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، وقال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٣٢/أ، دون شب وجه.
(٢) قوله: «حِجْرَتِهِ»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣٢/أ: «حزَّته».
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٦٠)، الجامع من مختصر المدوَّنة لابن أبي زيد، ص (١٤٠)، النوادر والزيادات [٢/ ٥٠٣].
[ ٤ / ٥١٧ ]
عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠]، ولهذا المعنى، نهى النَّبيُّ ﷺ عن استقبال القبلة بالغائط والبول، فيجب أن يُعَظِّم الإنسان أمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ.
فمن ذلك: أن لا يرقى منبر رسول الله ﷺ، ولا يدخل الكعبة بنعلٍ ولا خُفٍّ؛ لأنَّ ذلك من التَّواضع، وقد يجوز أن يكون في نعله وخفِّه شيءٌ من قَذَرٍ لا يعلم به.
•••
[ ٤ / ٥١٨ ]
باب ما جاء في الرطانة في المسجد (^١)
[٣٢٠٤] قال ابن وهبٍ: وسمعت مالكًا وسُئِلَ (^٢) عن لـ[ـسـ]ـان الأعاجم، يُتَكَلَّم بها في المساجد؟
فقال: ما يعجبني (^٣).
• إِنَّمَا كره ذلك؛ لأنَّ لسان العرب وكلامها هو أولى كلامٍ يَتَكَلَّم به وأفضله إذا قَدِرَ عليه، فيكره أن يعدل منه إلى غيره مع القدرة عليه؛ لأنَّها لغة رسول الله ﷺ، وبها نزل القرآن، وهي أفضل لغةٍ، وقد قال الله ﷿: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]، فيكره الكلام بغيرها مع القدرة عليها، وبخاصَّةٍ في المواضع الشَّريفة، مثل: المساجد وغيرها.
وقد كره عمر بن الخطاب وقال: «مَا تَعَلَّمَ أَحَدٌ مِنَ الكَلَامِ بِالعَجَمِيَّةِ، إِلَّا صَارَ فِيهِ خَبٌّ (^٤)» (^٥).
•••
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٣٢/أ، دون شب وجه.
(٢) قوله: «وسمعت مالكًا وسُئِلَ»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣٢/أ: «سألت مالكًا».
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٦٠)، المدوَّنة [١/ ١٦١]، الجامع لابن يونس [٢/ ٤٦٨].
(٤) قوله: «خَبٌّ»، يعني: خِدَاعٌ، ينظر: لسان العرب [١/ ٣٤٢].
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة [١٣/ ٤٠٢]، والمعافى بن عمران في الزهد، ص (٢٨٨).
[ ٤ / ٥١٩ ]
باب ما جاء في التقنيع (^١)
[٣٢٠٥] قال ابن وهبٍ: سألت مالكًا عن التَّقَنُّعِ (^٢) بالثَّوب؟
فقال: أمَّا الَّذِي يجد الحرَّ أو البرد، أو الأمر الَّذِي له فيه عذرٌ، فلا بأس به، ولقد كان أبو النَّضر (^٣) يلزم ذلك للبرد يجده، وما بذلك بأسٌ، وأمّا مثل ما يجعله بعض النّاس، فلا أرى ذلك (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا فَعَلَ ذلك من حرٍّ أو بردٍ، فإنَّما يفعله لدفع مضرّةٍ عنه، وذلك مباحٌ.
فأمَّا إذا كان لغير ذلك، فَإِنَّهُ يُكره؛ لأنَّهُ مِنْ فِعْلِ أهل الرَّيْبِ، ويُكْرَه أن يفعل شيئًا يظنُّ به الرِّيبة (^٥).
ولأنَّ ذلك، ليس فعل من مضى أيضًا.
•••
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٣٢/أ، دون شب وجه.
(٢) قوله: «التَّقنُّع»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣٢/أ: «التَّقنيع».
(٣) هو سالم بن أبي أمية، مولى عمر بن عبيد الله وكاتبه، ثقة ثبت، وكان يرسل، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٣٥٩).
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٦١)، الجامع من مختصر المدوَّنة، ص (٢٢٧)، شرح صحيح البخاري لابن بطال [٩/ ٩٢].
(٥) نقل ابن الملقن في التوضيح [٢٧/ ٦٢٨]، هذا التعليل عن الأبهري.
[ ٤ / ٥٢٠ ]
باب ما جاء في السرعة على الدوابِّ وتنخيسها (^١)
[٣٢٠٦] وسُئِلَ مالكٌ (^٢) عن سُرْعَةِ السَّير على الدَّابَّة في الحجِّ؟
فقال: لا بأس بذلك، ذُكِر ذلك عن (^٣) رجالٍ أنَّهم كانوا يُسرِعون السَّير (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ سُرعة السَّير مباحٌ على الدّوابِّ إذا لم يُعَنِّف عليها؛ لأَنْ يَبْلُغ حاجته ولا تفوته.
فَأَمَّا أن يضربها ويقدحها، فذلك مكروهٌ.
•••
[٣٢٠٧] وسُئِلَ مالكٌ (^٥) عن المَهَامِيزِ (^٦) الَّتِي تُهْمَزُ بها الدَّوابّ؟
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٣٢/أ، دون شب وجه.
(٢) قوله: «وسُئِلَ مالكٌ»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣٢/أ: «قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ».
(٣) قوله: «ذُكِر ذلك عن»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣٢/أ: «وَذَكَرَ عَنْ».
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٦١)، المنتقى [٧/ ٣٠٤].
(٥) قوله: «وسُئِلَ مالكٌ»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣٢/أ: «قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ».
(٦) قوله: «المَهَامِيزَ»، هي جمع مهماز، وهي حديدة تكون في خف الفارس، يغمز بها الدَّابَّة، ينظر: لسان العرب [٥/ ٤٢٦].
[ ٤ / ٥٢١ ]
فكره ذلك، وقال: لا يُصْلِحُ الفسادُ، قال: وإن كان أكثر (^١) من ذلك خَرَقَهَا، ولقد بلغني أنَّ رسول الله ﷺ مرَّ به حمارٌ قد كُوي وجهه، فعاب ذلك (^٢).
ثم سُئِلَ مالكٌ بعد ذلك، فقيل له: يَنْخُسُهَا الرّجل حَتَّى يُدْمِيَهَا؟
قال: أرجو أن يكون ذلك خفيفًا (^٣).
• إِنَّمَا كره المهاميز للدَّواب؛ لأنَّ ذلك يضرُّ بها ويؤذيها، ولا ضرورة به إلى فعله، فيكره ذلك له؛ لجواز أن يخرق ذلك بعض جسدها، وذلك مكروهٌ.
ولم يكن لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه مهاميز يحرِّكون بها دوابَّهم، وإنّما ذلك من فعل الأعاجم، ويُكره الاقتداء بفعل الأعاجم في كلّ شيءٍ، ويستحبُّ الاقتداء بالنَّبيِّ ﷺ وأصحابه في كلّ شيءٍ.
•••
_________________
(١) قوله: «وإن كان أكثر»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣٢/أ: «وإِنْ أَكْثَرَ».
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٣١٦١.
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٦١)، النوادر والزيادات [١/ ٥٤٠]، الجامع لابن يونس [٢٤/ ١٨٦]، البيان والتحصيل [١/ ١٧٥]، المنتقى للباجي [٧/ ٣٠٤].
[ ٤ / ٥٢٢ ]
باب ما جاء في التجارات في أرض العدو وفي الولايات (^١)
[٣٢٠٨] قال ابن القاسم وابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن الخروج إلى أرض العدوّ؟
فقال: كنت أرى أن يُمْنَعُوا من ذلك - يريد (^٢) التُّجَّارَ (^٣) - (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يأمن على نفسه الفتنة، ويتعجَّل الذلَّ بالدُّخول إلى أرضهم وحيث يجري حكمهم عليه، ويأخذون منه العشر أو الجزية من غير ضرورةٍ به إلى ذلك؛ لأنَّ الله تعالى قد وسَّع عليه بالتِّجارة في أرض المسلمين وطلب المعاش بينهم، فيكره له أن يطلب ذلك في أرض الشِّرك، ومن أهل الشِّرك.
•••
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٣٢/ب، دون شب وجه.
(٢) قوله: «ذلك - يريد»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣٢/ب: «ذلك من يريد».
(٣) قوله: «التُّجَّارَ»، كذا في جه، وفي شب، ومك ٣٢/ب: «التجارة».
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٦٢)، المدوَّنة [٣/ ٢٩٤]، البيان والتحصيل [٤/ ١٧٠].
[ ٤ / ٥٢٣ ]
[٣٢٠٩] قال: وسمعت (^١) مالكًا وقيل له: «إنَّ فُلَانًا لَا يَعْمَل (^٢)، وَهُوَ يُشِيرُ بِرَجُلٍ يَعْمَلُ؟
فقال: إن كان يُشير برجلٍ مأمونٍ، فلا بأس بذلك.
فقيل: أفَيَطْلُبُ الرَّجُلُ للرَّجُلِ حَتَّى يُوَلَّى؟
فقال: إن عَلِمَ أنَّ فيه خيرًا للمسلمين، أشار به (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في مشورته واختياره لأهل الصَّلاح والفضل - لتولِّي أمور المسلمين - فِعْلَ خيرٍ وصلاحًا، فلا بأس بذلك منه، بل يُستحبُّ له ذلك، قال الله ﷿: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، وقال: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤].
ودِلَالته على أهل الخير ليُستعان بهم في أعمال المسلمين معروفٌ وفِعْلُ
_________________
(١) قوله: «قال: وسمعت»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣٢/ب: «[قـ]ـال ابن وهبٍ وابن القاسم، قالا: سمعنا».
(٢) قوله: «لَا يَعْمَل»، يعني: لا يعمل عند السلطان.
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٦٢)، النوادر والزيادات [١٧/ ٤٢١]، البيان والتحصيل [١٧/ ٤٢١].
[ ٤ / ٥٢٤ ]
خَيرٍ، وقد يجوز أن لا يقدر المشير على العمل بنفسه؛ لأنَّه يضعف عنه، فيُحَبُّ أن يشير بغيره إذا عرفه، وقد قال رسول الله ﷺ: «الدَّالُّ عَلَى الخَيْرِ كَفَاعِلِهِ» (^١).
•••
[٣٢١٠] قال ابن وهبٍ: وسُئِلَ مالكٌ عن الرّجل يُدعى إلى العمل، فيَكْرَه أن يجيب إليه، ويخاف على دمه، أو جَلْدِ ظهره، أو هدم داره، كيف ترى في ذلك؟
قال مالكٌ: أمَّا هدم داره وجَلْدُ ظهره أو سجنه، فإنْ يصبر على ذلك ويترك العمل خيرٌ له وإِنْ ضُرِبَ، وَأَمَّا أن يبلغ به دمه، فلا أدري ما حدّ ذلك، ولعلَّ له في ذلك سعةً إن عمل (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الَّذِي يريده على العمل له:
(إن كان غير عدلٍ: فلا يجوز لأحدٍ إعانته على أموره؛ لأنَّه متعدٍّ فيما يفعله، فيجب أن يصبر على المكروه ويدع العمل معه، إلَّا أن يُكْرَه على ذلك بالضَّرب والحبس وأشباه ذلك من القتل وغيره، فيجوز له أن يعمل معه بعد أن يتحرَّى العدل والإنصاف إن أمكنه، وإن لم يمكنه، لم يجز له أن يعدل الحقَّ عن أهله.
ويجب عليه أن يصبر على ما يلحقه من المكروه؛ لأنَّ حفظ حرمته في نفسه وماله وحريمه ليست بأولى من حرمة المسلمين، فلا يجوز له أن يهتك حرمة غيره ويُبْطِلَ حقَّه من مالٍ أو دمٍ أو عرضٍ، لحفظ حرمته في ذلك.
_________________
(١) أخرجه مسلم [٦/ ٤١]، وهو في التحفة [٧/ ٣٢٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٦٢).
[ ٤ / ٥٢٥ ]
(فأمَّا إذا كان من دعاه إلى العمل له عدلًا: فَإِنَّهُ يُسْتَحبّ له أن يعينه إذا أمكنه ذلك واتَّسع صدره له؛ لأنَّ في إعانته له فعلَ خيرٍ وقربةً إلى الله تعالى، وقد قال الله ﷿: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، وقال النَّبيُّ ﷺ: «المُؤْمِنُونَ كَالبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» (^١).
وروى الأعمش، عن يحيى بن وثَّابٍ (^٢)، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «المُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، خَيْرٌ مِنَ المُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» (^٣).
•••
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٢٤٤٦)، مسلم [٨/ ٢٠]، وهو في التحفة [٦/ ٤٣٧].
(٢) يحيى بن وثَّاب الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة عابد، من الرابعة. تقريب التهذيب، ص (١٠٦٨).
(٣) أخرجه الترمذي [٤/ ٢٧٨]، وابن ماجه [٥/ ١٦٠]، وهو في التحفة [٦/ ٢٦١].
[ ٤ / ٥٢٦ ]
باب ما جاء في نظر العبد إلى شعر مولاته (^١)
[٣٢١١] قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن المرأة، لها العبد نصفُهُ حُرٌّ، أيرى شعرها؟
قال: لا.
فقيل له: لو كان لها كلّه، أيرى شعرها؟
قال: أمَّا العبد الوغد من العبيد، فلا أرى بذلك بأسًا، وإن كان عبدًا فارِهًَا، فلا أرى ذلك لها.
قال مالكٌ: والسِّتر أحبُّ إليَّ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا كان بعضه حرًّا، ففيه من حُرْمَةِ الحريَّة شيءٌ، ويكره لها أن يرى شعرها مَنْ فيه حريَّةٌ وليس بمحرمٍ لها.
فأمَّا إذا كان عبدًا لها، فلا بأس أن يرى شعرها؛ لأنَّه لا يحلُّ له أن يتزوَّج بها وهو عبدٌ لها، فصار بمنزلة المحرّم لها في هذه الحال.
فأمَّا إذا كان عبدًا له حُسْنٌ وجمالٌ، كُرِهَ ذلك لها من غير تحريمٍ؛ خوف الفتنة عليها وعليه بِنَظَرِهِ إلى محاسنها.
•••
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٣٢/ب، دون شب وجه.
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٦٣)، المدوَّنة [٢/ ١٣٥]، النوادر والزيادات [٤/ ٦٢٢]، البيان والتحصيل [١٨/ ٤٠١].
[ ٤ / ٥٢٧ ]
باب ما جاء في النوم بعد صلاة الصبح (^١)
[٣٢١٢] وسُئِلَ مالكٌ عن النّوم بعد صلاة الصُّبح؟
فقال: غيره أحسنُ منه، وليس بحرامٍ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ فعل هذا يجري مجرى السَّرف؛ لأنَّهُ يُقرِّبُ نومة اللّيل، إلَّا أن يكون مِمَّنْ يصلِّي اللَّيل، فيجوز له أن ينام إذا أصبح.
وقد رُوِيَ عن بعض من تقدَّم أَنَّهُ قال: «النَوْمُ أَوَّل النَّهَارِ خَرَقٌ، وَوَسَطَهُ خُلُقٌ، وَآخِرَهُ حُمْقٌ» (^٣).
•••
[٣٢١٣] قال ابن وهبٍ وابن القاسم: سُئِلَ مالكٌ عن الرّجل يلبس الخَاتَمَ، يكون نقش فُصِّه تمثالًا؟
فقال: لا خير (^٤) (^٥).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ اتخاذ التِّمثال ولُبس ما هو فيه مكروهٌ.
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٣٢/ب، دون شب وجه.
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٦٣)، النوادر والزيادات [١/ ٥٣٨]، البيان والتحصيل [١/ ٣٥٣].
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة [١٣/ ٥٧٢]، عن خوات بن جبير ﵁ موقوفًا.
(٤) قوله: «لا خير»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣٢/ب: «لا خير فيه».
(٥) المختصر الكبير، ص (٥٦٣).
[ ٤ / ٥٢٨ ]
ولأنَّ ذلك من فعل الأعاجم، ويكره الاقتداء بهم، ويستحبُّ الاقتداء بفعل رسول الله ﷺ وأصحابه، ولم يكن ذلك من زِيِّهِم.
•••
[٣٢١٤] قال ابن القاسم: سألت مالكًا عن الرّجل يلبس الخَاتَمَ فيه ذكر الله ﷿، أيلبسه في الشِّمال وهو يستنجي به؟
فقال: أرجو أن يكون خفيفًا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ نزعه خاتمه كلَّما أراد أن يبول أو يستنجي يشقّ عليه، فجاز له أن يستنجي بيده وإن كان فيها خاتمٌ فيه ذكر الله؛ للحاجة إلى ذلك.
ألا ترى: أنَّ النَّبيَّ ﷺ: «نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ العَدُوِّ» (^٢)، وقد كتب إليهم كُتُبًَا فيها يسيرٌ من القرآن، فجاز ذلك للضَّرورة إليه، فكذلك هذا (^٣).
•••
[٣٢١٥] سُئِلَ مالكٌ (^٤) عن لُبْسِ الخَاتَمِ، يُجْعَلُ فيه المسمار من الذَّهب في فصِّهِ؟
فكره ذلك أن يُجعَلَ فيه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٦٣)، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٣٤٦]، البيان والتحصيل [١/ ٧١].
(٢) متفق عليه: البخاري (٢٩٩٠)، مسلم [٦/ ٣٠]، وهو في التحفة [٦/ ٢١٣].
(٣) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ٣٧٥]، عن الأبهري شرح المسألة.
(٤) قوله: «سُئِلَ مالكٌ»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣٢/ب: «قال: وسمعت مالكًا وسُئِلَ».
[ ٤ / ٥٢٩ ]
قيل له: الرّجل يجعل في فصِّ خاتمه الحبَّة أو الحبَّتين من الذَّهب، يُخْلَط بالفضَّة لئلا تصدأ الفضَّة؟
فكره ذلك، وقال: «إنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَبِسَ خَاتَمًَا مِنْ ذَهَبٍ، ثمَّ نَبَذَهُ فَرَمَى بِهِ، فَرَمَى النَّاسُ بِخَوَاتِيمِهِمْ حِينَ رَأَوا النَّبِيَّ ﷺ رَمَى بِخَاتَمِهِ» (^١) (^٢).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّه لا ضرورة به إلى لُبْس الذَّهب أو شيءٍ فيه ذهبٌ، وذلك مكروهٌ له؛ لأنَّ رسول الله ﷺ نهى الرِّجال عن لبس الذَّهب والحرير، ونَبَذَ خاتم الذَّهب.
•••
[٣٢١٦] قال ابن وهبٍ: قال مالكٌ في التَّخَتُّمِ بالحديد والنُّحاس: لم أزل أسمع أنَّ الحديد مكروهٌ، فأمَّا غيره فلا (^٣).
• إِنَّمَا كره لُبْسَ خَاتَمِ الحديد؛ لأنَّ ذلك من فِعْلِ الأعاجم، فيكره الاقتداء بهم، وأحسب أنَّه قد رُوِيَ فيه نهيٌ (^٤).
•••
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٥٨٦٦)، مسلم [٦/ ١٥٠]، وهو في التحفة [٦/ ١٢٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٦٤)، البيان والتحصيل [٦/ ٤٤٧].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٦٤)، فتاوى ابن سحنون، ص (٤٤٠).
(٤) أخرج أبو داود [٤/ ٤٦٩]، والترمذي [٣/ ٣٨١]، والنسائي في الكبرى [٨/ ٣٧٥]، من حديث عبد الله بن بريدة، عن أبيه: «أنَّ رجلًا جاء إلى النَّبيِّ ﷺ وعليه خاتمٌ من شَبَهٍ، فقال له: ما لي أجد منك ريح الأصنام، فطرحه، ثم جاء وعليه خاتمٌ من حديدٍ، فقال: ما لي أرى عليك حلية أهل النَّارِ، فطرحه»، وهو في التحفة [٢/ ٨٦].
[ ٤ / ٥٣٠ ]
باب ما جاء في شرب الحامل الدواء (^١)
[٣٢١٧] قال ابن وهبٍ وابن القاسم: سُئِل مالكٌ عن الحامل، يُوصف لها الشَّراب من ألمٍ (^٢) تجده في جوفها؟
قال: أمَّا كلُّ شرابٍ يُخاف منه، فلا خير فيه، وأمّا كلُّ شرابٍ لا يُخَاف منه، فلا بأس به.
قال مالكٌ: مِنَ الأشربة أشرِبَةٌ معروفةٌ، لا بأس بها، وإنَّ أهل هذا الزَّمان فيه اجترؤوا فيه على الطبِّ (^٣) (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ شرب الدَّواء الَّذِي هو سليمٌ في الغالب مباحٌ، وقد قال النَّبيُّ ﷺ: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ» (^٥)، وقال: «مَا أَنْزَلَ الله دَاءً، إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً،
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٣٢/ب، دون شب وجه.
(٢) قوله: «ألمٍ»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣٢/ب: «وجعٍ».
(٣) قوله: «هذا الزَّمان فيه اجترؤوا فيه على الطبِّ»، كذا في شب، وفي جه ومك ٣٣: «هذا الزَّمان قد اجترؤوا فيه على الطبِّ».
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٦٤).
(٥) أخرجه أبو داود [٤/ ٣١٨]، والترمذي [٣/ ٥١٦]، والنسائي في الكبرى [٧/ ٧٨]، وهو في التحفة [١/ ٦٢].
[ ٤ / ٥٣١ ]
عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ» (^١)، فجائزٌ للحامل وغيرها شرب الدَّواء السَّليم في الأغلب.
فأمَّا ما لم يكن سليمًا في الأغلب، لم يجز للحامل ولا غيرها شربه، وبخاصَّةٍ الحامل؛ لخوفها على حملها.
•••
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه [٤/ ٤٨٦]، والبيهقي في السنن الكبرى [١٩/ ٥٢٢]، وهو في التحفة [٧/ ٦٥].
[ ٤ / ٥٣٢ ]
باب ما ينبغي للوالي أن يتعاهده من أمور الناس (^١)
[٣٢١٨] قال ابن وهبٍ وابن القاسم: سألنا مالكًا عن عمر بن الخطاب ﵁ حين كان يَخْرُجُ إلى الحوائط، فيُخَفِّفُ عمَّن أُثْقِلَ من الرَّقيق في عمله، ويزيد في رزق من قلَّ رزقه (^٢)، أكان ذلك في رقيق النَّاس؟
قال مالكٌ: نعم، وغيرُهم من الأحرار إذا كُلِّفُوا من العمل ما لا يطيقون.
فقيل لمالكٍ: فإنَّ الولاة عندنا يوكِّلُون الشُّرَطَ بمن مرَّ بهم ببعيرٍ مُثْقَلٍ، أو بغلٍ، أن يخفِّفُوا عنه، أفترى ذلك؟
قال: نعم، أرى أنْ قد أصابوا (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ تكليف الرَّقيق والأحرار من العمل ما لا يطيقون ظلمٌ، وكذلك الحمل على الدَّواب ما لا تطيقه ظلمٌ، فيجب على إمام المسلمين ومن ينظر في أمورهم من قِبَلِهِ، أن يزيل الظُّلم عن النَّاس كلّهم وعن الدوابّ؛ لأنَّ ذلك أمرٌ بمعروفٍ ونهيٌ عن منكرٍ، وقد قال الله ﷿: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج:٧٧]، وقال: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠] فوجب ذلك على أئمَّة المسلمين، وعلى كلّ من يطيق تغيير ذلك من المسلمين.
•••
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٣٣، دون شب وجه.
(٢) ذكره مالك في الموطأ [٥/ ١٤٢٨]، عن عمر بلاغًا.
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٦٥)، البيان والتحصيل [١٧/ ٥٠٩].
[ ٤ / ٥٣٣ ]
باب ما جاء في تقبيل يد الرجل ومعانقته، ومصافحته غير المسلم (^١)
[٣٢١٩] قال ابن القاسم: وسُئِلَ مالكٌ عن الرَّجُلِ، يأتيه المولى وما أشبهه فيقَبِّلُ يده؟
فأنكر ذلك وقال: ما أحبُّه، وليس من عمل من مضى (^٢).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ فعل هذا فيه كِبْرٌ وتعظيمٌ لمن فُعِلَ به ذلك، وذلك مكروهٌ؛ لأنَّهُ يُسْتَحَبُّ للإنسان أن يتواضع لله ﷿ ولا يتكبَّر، وقد قال رسول الله ﷺ: «يَقُولُ الله ﵎: الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي كَبَبْتُهُ لِوَجْهِهِ» (^٣)، وقال النَّبيُّ ﷺ: «لَا يَنْظُرُ الله إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًَا» (^٤).
فأمَّا إذا قبَّل إنسانٌ يد إنسانٍ، أو وَجْهَهُ، أو شيئًا من بَدَنِه - ما لم يكن عورةً - على وجه القربة إلى الله ﷿؛ لدينه، أو لعلمه، أو لشرفه، فإنَّ ذلك جائزٌ.
وقد قبَّل أصحاب رسول الله ﷺ يَدَهُ، قال ابن عمر في قصَّة السَّريَّةِ،
_________________
(١) هذا العنوان للباب، مثبت من مك ٣٣، دون شب وجه.
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٦٥)، البيان والتحصيل [١٧/ ٨٥].
(٣) أخرجه مسلم [٨/ ٣٥]، وهو في التحفة [٣/ ٣٣٢].
(٤) أخرجه البخاري (٥٧٨٨)، وهو في التحفة [١٠/ ١٩٦].
[ ٤ / ٥٣٤ ]
حيث فرُّوا ورجعوا إلى المدينة: «فَأَتَوا رَسُولَ الله ﷺ وَقَالُوا: نَحْنُ الفَرَّارُونَ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: بَلْ أَنْتُمُ العَكَّارُونَ، قَالَ: فِئَةُ المُؤْمِنِينَ، قَالَ: فَقَبَّلْنَا يَدَهُ» (^١).
وقَبَّلَ أبو لبابةٍ وكعب بن مالكٍ وصاحبهما يد رسول الله ﷺ حين تاب الله عليهم (^٢).
وكان أصحاب رسول الله يُقَبِّلُونَ رسول الله ﷺ؛ تَقَرُّبًَا إلى الله ﷿ (^٣).
وقبَّلَ أبو عبيدة بن الجراح يَدَ عمر بن الخطاب (^٤).
(فكلُّ ما كان على وجه القربة إلى الله ﷿، جاز.
_________________
(١) أخرجه أبو داود [٣/ ٢٧٥]، والترمذي [٣/ ٣٣٢]، وابن ماجه [٤/ ٦٥٥]، وهو في التحفة [٥/ ٤٧٩].
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أخرجه أبو داود [٥/ ٤٣٩]، من حديث أسيد بن حضيرٍ، قال: «بينما هو يحدث القوم وكان فيه مزاح، بَيْنَا يضحكهم، فطعنه النَّبيُّ ﷺ في خاصرته بعودٍ، فقال: أَصْبِرْنِي، قال: اصْطَبِرْ، قال: إنَّ عليك قميصًا وليس عليَّ قميصٌ، فرفع النَّبيُّ ﷺ عن قميصه، فاحتضنه وجعل يقبِّل كشحه، قال: إنما أردت هذا يا رسول الله»، وهو في التحفة [١/ ٧٢].
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة [١٣/ ٣٦٦].
[ ٤ / ٥٣٥ ]
(وكلُّ ما كان تعظيمًا له: لدنيا، أو سلطانٍ، أو ما أشبه ذلك من وجوه التكبّر (^١) والفخر، فإنَّ ذلك مكروهٌ.
•••
[٣٢٢٠] قال ابن القاسم: سُئِلَ مالكٌ عن التَّصافح؟
فقال: ما كان من عمل النّاس، وكره معانقة (^٢) الرَّجُلِ الرَّجُلَ.
وقال: لا أرى بأسًا بعيادة اليهوديّ والنّصرانيّ، ولا بأس أن يُكَنِّيه (^٣) (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يُدْرِكِ النَّاس عليه، فكره أن يعمل بشيءٍ لم يعمل به السَّلف؛ لأنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلّ بدعةٍ ضلالةٌ، كذلك قال عبد الله بن مسعودٍ (^٥).
وإنَّما الَّذِي كان عليه النَّبيُّ ﷺ وأصحابه، سَلَامُ بعضهم على بعضٍ.
_________________
(١) قوله: «التكبر»، كذا في شب، وفي جه: «البطر».
(٢) قوله: «وكره معانقة»، كذا في شب وجه، وفي مك ٣٣: «وكره المعانقة، معانقة».
(٣) توجد تتمة للمسائل، مثبتة في مك ٣٣، دون شب، وجه، هي: «قال ابن وهبٍ: وسُئِلَ عن تقبيل يد الرَّجُلِ الشَّريفِ إذا قدم من سفرٍ أو غير ذلك؟ فقال: ما التَّقبيل من أمر النَّاس».
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٦٥)، الجامع لابن يونس [١٤/ ١٤٢]، البيان والتحصيل [١٨/ ٢٠٥].
(٥) أخرجه عبد الرزاق [١١/ ١١٦].
[ ٤ / ٥٣٦ ]
وقد رُوِيَ في المصافحة وجوازها حديثٌ غير صحيحٍ (^١).
فأمَّا عيادة اليهوديّ والنَّصرانيّ، فلا بأس بذلك؛ لأنَّ في ذلك أجرًا ومكرمةً، وقد عاد النَّبيُّ ﷺ جارًا له يهوديًا، وأسلم على يد النَّبيِّ ﷺ (^٢).
ويجوز أيضًا أن يُسلِّمَ اليهوديّ والنّصرانيّ إذا عاده وحثَّه على الإسلام، وذلك مُجوَّزٌ؛ لأنَّهُ فعل خيرٍ ودعاءٌ إليه.
فأمَّا كنيته، فلا بأس بذلك، وقد قال النَّبيُّ ﷺ لصفوان قبل أن يسلم: «انْزِلْ أَبَا وَهْبٍ» (^٣). وقد روِّينا عن جماعة أنَّهم أجازوا ذلك (^٤).
•••
_________________
(١) لعله يشير إلى ما رواه أبو داود [٥/ ٤٣٥]، من حديث البراء بن عازب، قال رسول الله ﷺ: «إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله واستغفراه، غفر لهما»، وهو في التحفة [٢/ ٣٦]، وفي صحيح البخاري (٦٢٦٣)، من حديث قتادة قال: «قلت لأنسٍ: أكانت المصافحة في أصحاب النَّبيِّ ﷺ؟، قال: نعم».
(٢) أخرجه البخاري (١٣٥٦)، من حديث أنس، قال: «كان غلامٌ يهوديٌّ يخدم النَّبيَّ ﷺ، فمرض، فأتاه النَّبيُّ ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسْلِمْ، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم ﷺ، فأسلم، فخرج النَّبيُّ ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النَّار»، وهو في التحفة [١/ ١١١].
(٣) من قوله: «وقد قال النَّبيُّ، إلى هذا الموضع، مثبت في حاشية شب، وبعضه مطموس، وهو في جه، والحديث في الموطأ [٣/ ٧٨٠]، عن الزهري مرسلًا.
(٤) ينظر: مصنف عبد الرزاق [٦/ ١٢٢].
[ ٤ / ٥٣٧ ]
[٣٢٢١] قال أشهب: وسُئِلَ مالكٌ عن الرَّجُلِ يَقدُم من سفرٍ أو غيره، فتلقاه ابنته فَتُقَبِّلُهُ؟
فقال: لا بأس بذلك.
فقيل له: فأخته وأهل بيته؟
قال: لا بأس بذلك.
قلت له: لا بأس بذلك كلّه يا أبا عبد الله؟
قال: نعم، إِنَّمَا هو على وجه الرِّقَّةِ، ليس مِنْ قِبَلِ اللَّذة (^١) (^٢).
_________________
(١) توجد تتمة للمسئلة، مثبتة في مك ٣٣، دون شب، وجه، هي: «قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عن تعانق الرجلين إذا قدما من سفرٍ؟ قال: ما ذلك من عمل النَّاس. فقيل له: فالمصافحة؟ فكرهها، وقال: هذا أخفُّ. قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عن مصافحة الرَّجُلِ أخاه إذا قدم من سفرٍ؟ فقال: ما ذلك من عمل النَّاس. قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عن معانقة الرَّجُلَين أحدهما صاحبه إذا التقيا، أترى بأسًا؟ فقال: نعم. فقيل له: فالمصافحة؟ فقال: ما كان ذلك من أمر النَّاس، وهو أيسر. قال ابن القاسم: وسُئِلَ مالكٌ عن الرَّجُلِ يقدم من سفرٍ، فتلقاه ابنته أو أخته فتُقَبِّلُهُ؟ فقال: لا بأس بذلك. فقيل له: أفترى أن تقبِّلَه ختنته؟ فقال: لا تُقَبِّله ختنته».
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٦٦)، شرح البخاري لابن بطال [٩/ ٢١٢]، الجامع لابن يونس [١٤/ ١٤٢]، البيان والتحصيل [٤/ ٣٢٤].
[ ٤ / ٥٣٨ ]
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ في فعل ذلك صلةَ رحمٍ وقربةً إلى الله ﷿، وتَحَبُّبًَا إلى من يفعل ذلك به من ذوي أرحامه.
وقد كان النَّبيُّ ﷺ يقبِّل ولده، وبخاصَّةٍ فاطمة ﵍ (^١).
وكذلك أبو بكرٍ يقبِّل عائشة ﵄ (^٢)، وفَعَلَ ذلك كثيرٌ من أصحاب رسول الله ﷺ ومن بَعْدَهُم.
ولأنَّ فعل ذلك هو على وجه الرَّحمة والرِّقة، وقد قال رسول الله ﷺ: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ» (^٣).
فأمَّا قُبْلَتُه غير ذي رَحِمِهِ، فذلك مكروهٌ؛ لأنَّهُ لا يأمن على نفسه الفتنة في ذلك (^٤).
_________________
(١) أخرجه النسائي في السنن الكبرى [٧/ ٣٩٣]، وأصله في الصحيحين، وهو في التحفة [١٢/ ٤٠٥].
(٢) أخرجه البخاري (٣٩١٧).
(٣) أخرجه أبو داود [٥/ ٣٣٠]، والترمذي [٣/ ٤٨٢]، وهو في التحفة [١٠/ ٧٩].
(٤) يوجد عنوان باب ومسألة في هذا الموضع، مثبتة في مك ٣٣، دون شب وجه، وهي: باب ما جاء في إنزاء الفحول بعضها على بعضٍ [٣٢٢١ - مك] قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن الفحل يتخنَّث، فينزا عليه ذكرٌ مثله؛ لأنَّ ذلك يكسره، أترى بذلك بأسًا؟ فقال: ما أعلم حرامًا، وما هو بالأمر الحسن (^١).
(٥) إلى هنا تنتهي القطعة الموجودة من متن المختصر الكبير، وما بعدها مفقود.
[ ٤ / ٥٣٩ ]
•••
[٣٢٢٢] قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن النّصارى، أَيُلْزَمُونَ المَنَاطِقَ (^١)؟
قال: نعم، إنَّ أحبَّ إليَّ أن يُلزَمُوا ذلك، وإنِّي لأحبُّ لهم الذلَّ والصَّغار.
قال مالكٌ: وقد كانوا يُلْزَمُون ذلك فيما مضى.
قيل له: فَيُكَنَّونَ؟
قال: لا أحبُّ أن يُرْفَعُوا، وأحِبُّ أن يُذَلُّوا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا رُوِيَ عن عمر بن الخطَّاب ﵁ أنَّه أمرهم بشدِّ المناطق (^٣)؛ لأَنْ يُخَالف زِيُّهُم زيَّ المسلمين، فيُعرفوا ويُفَرَّق بينهم وبين المسلمين في المعاملة، ولا يُعَظَّمُوا كما يُعَظِّمُ المسلمون بعضهم بعضًا، ويُؤَدِّي بعضُهم حقَّ بعضٍ، كما قال النَّبيُّ ﷺ: مِنَ السَّلام إذا لقيه، والإجابة إذا دعاه، وأشباه ذلك (^٤).
_________________
(١) قوله: «المَنَاطِقَ»، هي جمع مِنطَقة، وهي الزنّار، ينظر: تاج العروس [٢٦/ ٤٢٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٦٧)، النوادر والزيادات [٣/ ٣٧٥]، البيان والتحصيل [٩/ ٣٢٢].
(٣) أخرجه عبد الرزاق [١٠/ ٣٣١].
(٤) متفق عليه: البخاري (١٢٣٩)، مسلم [٦/ ١٣٥]، من حديث البراء بن عازب ﵁، قال: «أَمَرَنَا النَّبيُّ ﷺ بسبعٍ ونهانا عن سبعٍ، أمرنا باتّباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار القسم، ورد السلام، وتشميت العاطس، ونهانا عن آنية الفضة، وخاتم الذهب، والحرير، والديباج، والقسي، والإستبرق»، وهو في التحفة [٢/ ٦٣].
[ ٤ / ٥٤٠ ]
فأمَّا الكنية لهم، فقد أجاز ذلك (^١) وقد كرهها، فكان وجه الكراهة أولى؛ لأنَّ في ذلك ذِلَّةً لهم، وفي الكنية لهم رِفْعَهٌ، ولا يُحَبُّ أن يُرفَع منهم، كما لا يُحّبُّ أن يُبْدَؤوا بالسَّلام، وقد قال رسول الله ﷺ: «لَا تَبْدَؤُوهُمْ بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ» (^٢)، يعني: اليهود والنَّصارى.
•••
[٣٢٢٣] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عن القُصَّاصِ إذا هم قَصُّوا بعد العصر وبعد الصُّبح، أترى على النَّاس أن يستقبلوهم بوجوههم؟
فقال: ليس ذلك عليهم، وقد كان ابن المسيِّب وغيره يتحلَّقونَ والقاصُّ يقُصُّ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ استماع القصص ليس بواجبٍ على النَّاس، بل ذلك مباحٌ لهم إذا كان الَّذِي يقصُّ مِمَّنْ يحسن القصص، ويقصُّ بما جاء عن النَّبيِّ ﷺ وأصحابه من الأخبار والآثار.
_________________
(١) تقدَّم في المسألة [٣٢٢٠].
(٢) أخرجه مسلم [٧/ ٥]، وهو في التحفة [٩/ ٤٠٥].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٦٧).
[ ٤ / ٥٤١ ]
فأمَّا إذا كان يقصُّ بغير ما جاء عن السَّلف، فَإِنَّهُ يجب على الإمام أن يمنعه من ذلك، لئلا يُضلَّ النّاس ويعلِّمَهُم ما لا أصل له في العلم.
•••
[٣٢٢٤] قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن الَّذِي يَعْتَمُّ بالعِمَامَةِ ولا يجعلها من تحت حَلْقِهِ؟
فأنكرها، وقال: ذلك من عمل النَّبط.
فقيل له: فإنَّه صلَّى بها كذلك؟
قال: لا بأس، وليست من عِمَّةِ النَّاس، إلَّا أن تكون عمامةً قصيرةً لا تبلغ (^١).
• إِنَّمَا كره ذلك؛ لأنَّ ذلك ليس من تعميمِ العرب، إنّما ذلك من تعميم العجم، وقد ذكرنا كراهية الاقتداء بزيِّ الأعاجم وأفعالهم، واستحباب الاقتداء بزيِّ العرب وما كان عليه النَّبيُّ ﷺ وأصحابه.
•••
[٣٢٢٥] قال مالكٌ: ومن شأن الميِّت عندنا أن يُعَمَّمَ.
فقيل له: أيُعَمَّمُ كما يُعَمَّمُ الحيُّ؟
قال: لم تبلغنا صفة ذلك، ولكن ذلك شأن الميِّتِ (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٦٧)، وقد نقل ابن شاس في عقد الجواهر الثمينة [٣/ ١٢٩١]، هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر: البيان والتحصيل [١٨/ ٢٠٤].
(٢) نقل ابن القاسم في المدوَّنة [١/ ١٨٧]، ط. دار صادر، هذه المسألة عن مالك، وهي ساقطة من طبعة دار الكتب العلمية.
[ ٤ / ٥٤٢ ]
قال ابن وهبٍ: وقال مالكٌ: العِمَّة، والاحتباء، والانتعال، من عمل العرب، وليس ذلك في العجم.
قال ابن وهبٍ: حدّثني مالكٌ: أَنَّهُ لم يدرِكَ أحدًا من أهل الفضل: يحيى بن سعيدٍ، وربيعة، وابن هرمز، إلَّا وهم يعتَمُّونَ، ولقد كنت أعدُّ في مجلس ربيعةَ أحدًا وثلاثين رجلًا، ما منهم رَجُلٌ إلَّا وهو مُعْتَمٌّ، وأنا منهم.
قال مالكٌ: ولقد كنت أراهم يعتمُّون في العِشَاء والصُّبح، وكان ربيعةُ لا يدع العِمَامَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا.
قلت لمالكٍ: يعتمُّ الرّجل وهو ينظر في المرآة؟
قال: ما أرى بذلك بأسًا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ التعمُّمَ في المرآة مباحٌ، وفي فعله ضربٌ من الجمال، وذلك جائزٌ.
•••
[٣٢٢٦] قال أشهبُ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الأَرْبَعَةِ يَكُونُونَ جميعًا، يتناجى ثلاثةٌ دون واحدٍ؟
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٦٧)، وقد نقل ابن بطال في شرح البخاري [٩/ ٨٩]، وابن الملقن في التوضيح [٢٧/ ٦٢١]، هذه المسألة عن ابن وهب.
[ ٤ / ٥٤٣ ]
قال: لا، قد نُهِيَ أن يُتْرَك واحدٌ، ولا أرى ذلك ولو كانوا عشرةً أن يتركوا واحدًا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الواحد إذا أخرجوه من المناجاة، ظنَّ أنَّهم يجْرُونَ في شيءٍ يكرهه أو في شيءٍ من أمره، فيؤدِّي ذلك إلى أن يحْزَنَ أو يتَّهِمُهُم فيما يأثم فيه، وذلك مكروهٌ، وقد قال رسول الله ﷺ: «لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُحْزِنُهُ» (^٢)، وهذا المعنى موجودٌ في أكثر من اثنين فما زاد، إذا تناجوا وتركوا واحدًا مفردًا، وذلك مكروهٌ.
•••
[٣٢٢٧] وسُئِلَ مالكٌ عن المرأة، تسافر مع غير ذي مَحْرَمٍ؟
قال: إنَّ ذلك ليُكْرَه أن تسافر يومًا وليلةً مع غير ذي محرمٍ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ يَوْمًا وَلَيْلَةً إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ».
رواه مالكٌ، عن سعيدٍ المقبريِّ، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ (^٤).
وهذا إذا كان سفرًا في غير أداء واجبٍ عليها، فأمَّا إذا كان سفرًا تؤدِّي واجبًا
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٦٨)، البيان والتحصيل [١٨/ ٢٢٦].
(٢) متفق عليه: البخاري (٦٢٩٠)، مسلم [٧/ ١٣]، وهو في التحفة [٧/ ٥٦].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٦٨)، التفريع [٢/ ٣٥٤]، البيان والتحصيل [١٨/ ٢٢٨].
(٤) أخرجه مالك [٥/ ١٤٢٥]، ومن طريقه مسلم [٤/ ١٠٣]، وهو في البخاري (١٠٨٨)، وفي التحفة [٩/ ٤٨٤].
[ ٤ / ٥٤٤ ]
عليها، فإنَّها تخرج في جملة النّاس، بدلالة: أنَّها لو أسلمت في دار الحرب، لوجب عليها أن تخرج منها وتسافر إلى دار الإسلام مع غير ذي محرمٍ؛ لأنَّ خروجها من دار الحرب واجبٌ عليها، وكذلك تخرُجُ من دار الحرب إذا أُسِرَت وأمكنها الهرب منهم مع غير ذي محرمٍ؛ لأنَّ ذلك واجبٌ عليها، فكذلك يلزمها أن تؤدِّيَ كلّ فرضٍ عليها إذا لم يكن لها محرمٌ، من حجٍّ وغيره.
•••
[٣٢٢٨] وسُئِلَ مالكٌ عن المرأة، تُرْضِعُ الصَّبيَّ بِلَبَنِ بعض ولدها، ثمَّ تريد ابنةٌ لتلك المرأة - لم تُرْضِعِ المرأَةُ بِلَبَنِهَا - أن تسافر معه، أتراه لها ذا محرمٍ؟
فقال: نعم، هو أخوها.
فقيل لمالكٍ: فالمرأة المُتَجَالَّةُ (^١) تسافر مع غير وليٍّ؟
فقال: إلى أين؟
فقيل: إلى مكة.
فقال: تخرج من جماعةٍ من النِّساء وناسٍ مأمونين لا تخافهم على نفسها وحيث تأمن (^٢).
• إنَّمَا قال: «إنَّها تسافر مع ابن المرأة الَّتِي أرضعتها»؛ لأنَّهُ قد صار أخاها من الرَّضاعة، [وصارت] المُرْضِعَةُ أُمّهُمَا جميعًا، وقد قال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) قوله: «المُتَجَالَّةُ»، هي المرأة الكبيرة في السن، ينظر: لسان العرب [١١/ ١١٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٦٨)، البيان والتحصيل [٥/ ١٤٩].
[ ٤ / ٥٤٥ ]
«يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلَادَةِ» (^١)، وقال الله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:٢٣]، فصارت مُحَرَّمَةً عليه مؤبَّدةً، كتحريم أخته من الولادة مؤبّدة.
•••
[٣٢٢٩] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عمَّن أحفى شاربه؟
فقال يُوجَعُ ضربًا، وليس حديث (^٢) النَّبيِّ ﷺ في الإحفاء.
قال: وكان يقال: «حتَّى يبدو حرف الشَّفتين» (^٣)، وهو الإطار.
وقال: لِمَ يَحْلِقُ (^٤) شاربه؟، وهذه بدعةٌ، ذكر زيد بن أسلمٍ: «أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ كَانَ إِذَا أَكْرَبَهُ أَمْرٌ، يَنْفُخُ، يَقُولُ: «آهٍ»، فَجَعَلَ رَجُلٌ يُرَادُّهُ، وَهُوَ يَفْتِلُ شَارِبَهُ بِيَدِهِ» (^٥)، فقال: لو كان شاربه مقصورًا، ما وجد ما يفتل (^٦).
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٢٦٤٦)، مسلم [١/ ٨٧٦]، وهو في التحفة [١٢/ ٧].
(٢) قوله: «وليس حديث»، كذا في شب وجه، وفي العتبية، كما في البيان والتحصيل [٩/ ٣٧٢]: «وليس هذا حديث».
(٣) قوله: «يبدي حرف الشفتين»، كذا في شب وجه، وفي الموطأ [٥/ ١٣٤٩]: «حتى يبدو طرف الشفة»، وعند البيهقي في السنن الكبرى [١/ ٤٣٢] عن مالكٍ مسندًا: «ولكن يبدي حرف الشفتين».
(٤) قوله: «لِمَ يَحْلِقُ»، كذا ضبطها بالشكل في شب.
(٥) أخرجه ابن شبه في تاريخ المدينة [٣/ ٨٣٩].
(٦) المختصر الكبير، ص (٥٦٨) الجامع من مختصر المدوَّنة، ص (٢٠٢)، الاستذكار [٢٧/ ٦٢]، التمهيد [٢١/ ٦٤]، البيان والتحصيل [٩/ ٣٧٢]، الجامع لابن يونس [٢٤/ ١٥٢].
[ ٤ / ٥٤٦ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الشَّارب هو ما شرب عليه، فيجب أن يُقَصَّ ذلك منه، وهو ما كان بحيال الشَّفةِ.
وقد روى عبد الله بن بسرٍ، قال: «كَانَ شَارِبُ رَسُولِ الله ﷺ حِيَالَ شَفَتِهِ» (^١)، وقال المغيرة بن شعبة: «قَصَّ النَّبِيُّ ﷺ شَارِبِي - وَرَآهُ وَافِرًَا - بِشَفْرَةٍ فِي يَدِهِ» (^٢).
فوجب لِمَا ذكرناه، قصّ الشارب دون حلقه؛ لأنَّ حلقه خلاف ما كان عليه السَّلف الَّذِينَ أدركهم مالكٌ، وإنّما أدرك مالكٌ وجالس التَّابعين في الأكثر دون غيرهم، والتَّابعون جالسوا أصحاب رسول الله ﷺ، فاستحبَّ الأخذ بما وَجَدَ عليه النَّاسَ، دون ما أُحدث.
•••
[٣٢٣٠] سُئِلَ مالكٌ عن الرّجل يخرجُ بالشَّيء إلى المسكين ليعطِيَهُ إيَّاه، فيجده قد ذهب؟
قال: يعطيه غيره (^٣).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين [٢/ ١٣٠].
(٢) أخرجه أبو داود [١/ ٢٣٩]، وهو في التحفة [٨/ ٤٩٢].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٦٩)، البيان والتحصيل [١٨/ ٢٣٣].
[ ٤ / ٥٤٧ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد قصد إخراج ما أراد دفعه إلى المسكين لله ﷿، فلا يجوز أن يردَّهُ في ماله إذا لم يجده، بل يجب أن يعطيه غيره.
•••
[٣٢٣١] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ: هل ينبغي لأحدٍ أن يُسَمِّي ياسين؟
قال: ما أَرَاهُ ينبغي، قال الله ﷿: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس:١ - ٢]، يقول: هذا اسمي ياسين.
وسمعت مالكًا يكره أن يُسَمِّيَ الرّجل مهدي، ويقول: ما يدريه، مهديٌّ هو أم لا؟.
فقيل له: فالهادي؟
قال: الهادي أقرب؛ لأنَّ الهادي يهدي إلى الطَّريق (^١).
• إِنَّمَا كره ذلك؛ لأنَّهُ يُكرَه للإنسان أن يتسمَّى بأسماء الله تعالى، أو بشيءٍ من صفاته؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، فلا يحبّ أن يتسمَّى أحدٌ باسم الله تعالى، ويصف نفسه بصفاته، وقد قال رسول الله ﷺ: «خَيْرُ أَسْمَائِكُمْ: عَبْدُ الله وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ» (^٢).
وكذلك يكره أن يتسمَّى بمهدي؛ لأنَّ المهديَّ هو نعت الإمام العادل الَّذِي
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٦٩)، البيان والتحصيل [١٨/ ٢٣٥].
(٢) أخرجه مسلم [٦/ ١٦٩]، وهو في التحفة [٦/ ١٤١].
[ ٤ / ٥٤٨ ]
يظهر، كما قال رسول الله ﷺ (^١)، فيكره للإنسان أن يلقِّب نفسه بهذا اللَّقب؛ لأنَّهُ ليس بالمهديِّ.
•••
[٣٢٣٢] قال أشهب: سألت مالكًا عن الأحاديث، يُقَدَّمُ فيها ويُؤَخَّرُ والمعنى واحدٌ؟
فقال: أمَّا ما كان منها من قول رسول الله ﷺ، فإنِّي أكره ذلك، وأكره أن يُزَاد فيها أو يُنْقَص، وما كان من قول غير رسول الله ﷺ، فلا أرى بذلك بأسًا إذا كان المعنى واحدًا (^٢).
• إنَّما كره تغيير كلام رسول الله ﷺ؛ لأنَّ في كلامه من الفوائد والمعاني ما ليس في كلام غيره، فوجب نقلها على ما سُمِعَت منه؛ لأنَّهُ قد يجوز أن يفقه منها المنقول إليه ما لا يفقهه النَّاقل، وقد قال رسول الله ﷺ: «نَضَّر الله امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًَا، فَأَدَّاهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه [٥/ ٢١٣]، من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «المَهْدِيُّ مِنَّا أَهْلَ البيت، يُصلِحُهُ الله في ليلةٍ»، وهو في التحفة [٧/ ٤٤٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٦٩)، وقد روى الخطيب في الكفاية [١/ ٤٢١]، من طريق الأبهري، بإسناده إلى ابن عبد الحكم هذه المسألة.
(٣) أخرجه أبو داود [٤/ ٢٤٤]، والترمذي [٤/ ٣٩٣]، وابن ماجه [١/ ١٥٦]، وهو في التحفة [٣/ ٢٠٦].
[ ٤ / ٥٤٩ ]
فلهذا استحبَّ مالكٌ أن يُؤَدَّى حديثُ رسول الله ﷺ على لفظه وحروفه؛ لأنَّ الفقه والأحكام يُسْتَنْبَطُ من كلامه وحروفه.
فأمَّا كلام غيره، فالاختيار أن يؤدَّى كذلك، فإن أدَّاه على المعنى جاز؛ لأنَّهُ لا يُستَنبط من كلام غيره وحروفه ما يُسْتَنبط ويُفهم من كلامه صلَّى الله عليه.
ولأنه لا يجوز مخالفة ما فُهِم من كلام النَّبيِّ ﷺ، ويجوز مخالفة ما فُهِمَ من كلام غير النَّبيِّ إلى كلام غيره.
•••
[٣٢٣٣] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ: يؤخذ مِمَّنْ لا يحفظ وهو ثِقَةٌ صحيحٌ؟، أتؤخذ عنه الأحاديث؟
قال: لا.
فقيل له: يأتي بِكُتُبٍ قد سمعها وهو ثِقَةٌ، أيؤخذ عنه؟
فقال: لا يؤخذ عنه، أخاف أن يُزَاد في كتبه (^١).
• قد ذكر مالكٌ علَّة كراهيته الأخذ مِمَّنْ لا يحفظ وإن كان ثقةً صحيح الكتاب، وهو أن يُزَاد في كتابه ويُغَيَّر وهو لا يعلم، فكره الأخذ عن مثله والاحتجاج به.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٦٩)، وقد روى الخطيب في الكفاية [١/ ٤٧٩]، من طريق الأبهري، بإسناده إلى ابن عبد الحكم هذه المسألة.
[ ٤ / ٥٥٠ ]
ويجب أن يؤخذ عن العالم الحافظ؛ لأنَّه إذا كان كذلك لم يُمَكِّنْ أحَدًَا الإدخال عليه ولا تغيير ما يعرفه.
وكذلك كان شرط مالكٍ في أخذ العلم، أنَّه كان لا يأخذ إلَّا عمَّن يعْرِفُ ما يحدِّث به ويُتقِنهُ، ولا يأخذ عنه إذا كان لا يَعْرِفُ، وإن كان ثِقَةً.
قال مالكٌ: أدركت في هذا المسجد سبعين رجلًا، عامَّتُهم يقول: «حدَّثني فلانٌ، قال رسول الله ﷺ»، وأحدهم لو ائْتُمِنَ على بيت مالٍ، كان مأمونًا عليه، ولم آخذ عن أحدٍ منهم حرفًا.
قيل له: ولم ذلك يا أبا عبد الله؟
قال: لأنَّهم لم يكونوا يعرفون هذا الشَّأن.
وقال معنٌ: سمعت مالكًا يقول: «لا يؤخذ العلم عن أربعةٍ، ويؤخذ عمَّن سواهم:
- لا يؤخذ عن مبتدعٍ يدعو النّاس إلى بدعته.
- ولا عن سفيهٍ معلنٍ للسَّفَهِ.
- ولا عمَّن يكذب في أحاديث النَّاس، وإن كان يصدق في حديث رسول الله ﷺ.
- ولا عمَّن لا يعرف هذا الشَّأن.
ولو أخذ النّاس على شرط مالكٍ العِلْمَ، لصَعُبَ عليهم، وقد قال مالكٌ: «إنَّ هذا العلم دينٌ، فانظروا عمَّن تأخذونه»، وقد قال هذا القول قبل مالكٍ
[ ٤ / ٥٥١ ]
جماعةٌ، منهم محمد بن سيرين، قال: «إنَّ هذا العلم دينٌ، فانظروا عمَّن تأخذون دينكم» (^١).
•••
[٣٢٣٤] قال ابن وهبٍ وابن القاسم: سُئِلَ مالكٌ عن الرَّجُلِ، يقول له العالم: «هذا كتابي فاحمله عنِّي وحدِّث بما فيه»؟
قال: لا أرى هذا يجوز، ولا يعجبني ناسٌ يفعلون ذلك، وإنّما يريد هؤلاء الحِمْلَ، يريد بذلك الحِمْلَ الكَثِيرَ بالإقامة اليسيرة، وما يعجبني ذلك (^٢).
• إنَّما كره الإجازة؛ لأنَّ فيها ترك سماع العلم وعرضه على العالم، وذلك مكروهٌ، ولم يزل أصحاب رسول الله ﷺ يسمعون من النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ، ويسمع بعضهم من بعضٍ.
وكذلك سمع التَّابعون من أصحاب رسول الله ﷺ، وكذلك من بَعْدَهم، فوجب أن يكون أخذ العلم على ما أخَذَهُ السَّلَفُ.
ولأنَّ ذلك شهادةُ الآخذ على المأخوذ منه.
وقد أجاز مالكٌ في غير هذا الموضع الإجارة وخفَّفها، ووجه ذلك هو: لأنَّ المحدِّث قد أقرَّ بحديثه وعَلِمَهُ، فجاز أن يشهد عليه ويخبر عنه، كما يجوز
_________________
(١) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه [١/ ١١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٦٩)، الجامع من مختصر المدوَّنة، ص (١٥٢)، شرح البخاري لابن بطال [١/ ١٤٧]، البيان والتحصيل [١٧/ ٣٣١]، وقد نقل ابن عبد البر في جامع بيان العلم [٢/ ١١٥٩]، عن ابن عبد الحكم هذه الفقرة.
[ ٤ / ٥٥٢ ]
ذلك على الشّهادة على الكتاب المطويِّ، وإن لم يقرأه الشَّاهد على المشهود، إذا أقرَّ بما فيه.
•••
[٣٢٣٥] قال ابن وهبٍ وابن القاسم: وسُئِلَ مالكٌ فقيل له: أرَأَيْتَ ما عَرْضُهُ (^١) عليك، أنقول: «حَدَّثَنَا»؟
قال: نعم، قد يقول الرَّجُلُ يقرأ على الرَّجُلِ: «أقرأني فلانٌ»، وإنّما يقرأ عليه، ولقد قال ابن عباسٍ: «كُنْتُ أُقْرِئُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ» (^٢).
فقيل له: أفيَعرِضُ الرّجل أحبّ إليك أم يحدِّثُهُ؟
_________________
(١) قوله: «عرضه»، كذا في شب، وفي جه: «عرضنا»، ونحوه في الكفاية للخطيب [٢/ ٧٤]، حيث روى بإسناده من طريق الأبهري: «قال: حدثنا عبيد الله بن الحسين الصابوني، قال: حدثنا مالك بن عبد الله بن سيف التجيبي بمصر، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الحكم، قال: وقال ابن وهب وابن القاسم: سُئِلَ مالك فقيل له: أرأيت ما عرضنا عليك».
(٢) متفق عليه: البخاري (٦٨٣٠)، مسلم [٥/ ١١٦]، وهو في التحفة [٨/ ٤٧]، قال الحافظ في الفتح [١٢/ ١٥٠]: «قال الداودي فيما نقله ابن التين: معنى قوله: «كنت أقرئ رجالًا» أي: أتعلم منهم القرآن، لأن ابن عباس كان عند وفاة النَّبيِّ ﷺ إِنَّمَا حفظ المفصل من المهاجرين والأنصار»، ثم نقل تعقُّب ابن التين للداودي بأن المراد ظاهر اللفظ، وقوَّاه.
[ ٤ / ٥٥٣ ]
قال: بل يعرِضُهُ إذا كان يتثبَّت في قراءته، وربَّما غلط الَّذِي يحدِّثُ أو سها، وإنَّ الَّذِي يعرِضُ أعجَبُهَا إليَّ في ذلك (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المحدِّثَ إذا قُرِئ عليه فأقرَّ به وعرفه، فقد أخبر الَّذِي قرأ عليه، وإذا كان كذلك، فلابأس أن يقول فيه: «حدَّثَني فلانٌ»، و«أخبرني فلانٌ»؛ لأنَّ الحديث والخبر معناهما واحدٌ وإن اختلف لفظهما.
ألا ترى: أنَّه لا فصل بين أن يقول الإنسان: «حدَّثني فلانٌ»، و«أخبرني فلانٌ»، فإذا قرأ هو أو قُرِئ عليه فأقرَّ به، كان مُخبِرًَا له ومحدِّثًَا له، وذلك سواءٌ.
•••
[٣٢٣٦] قال ابن وهبٍ: قال مالكٌ: ما كان أوَّلُ هذه الأمَّة بأكثر النّاس مسائِلَ، ولا هذا التعمُّق، ولقد أدركت هذه البلاد وإنَّهم ليكرهون هذا الإكثار الَّذِي في النّاس اليوم.
[٣٢٣٧] قال مالكٌ: لا أحبُّ الإكثار - يُحَذِّرُنِي كثرة المسائل والأحاديث وينهاني عن ذلك - (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن قيل وقال، وكثرة
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٧٠)، وقد روى الخطيب في الكفاية [٢/ ٧٤]، من طريق الأبهري، بإسناده إلى ابن عبد الحكم هذه المسألة.
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٧٠)، الجامع لابن وهب [٢/ ٢١٢]، جامع بيان العلم [٢/ ١٠٦٦].
[ ٤ / ٥٥٤ ]
السؤال (^١)، معنى ذلك: فيما لا يعني الإنسان، وقد قال رسول الله ﷺ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» (^٢).
فإذا كانت المسائل مِمَّا لا تَعنِي النَّاس ولا تنزل بهم، كُرِهَ الخوض فيها؛ لأنَّها تُشْغِلُ عمَّا يهمُّ، وللنَّاس فيما يعنيهم شُغْلٌ عمَّا لا يعنيهم.
•••
[٣٢٣٨] قال مالكٌ: كان النّاس إِنَّمَا يُفْتُونَ بما سمعوا وعلِمُوا، ولم يكن هذا الكلام الَّذِي في النَّاس اليوم (^٣).
•••
[٣٢٣٩] وقال مالكٌ: إنَّ من إِذَالَةِ العالم (^٤)، أن يُكلِّم العالمُ كلَّ من سأله (^٥).
•••
[٣٢٤٠] قال مالكٌ: أمَّا أنت فخذ بالحزم في نفسك (^٦).
•••
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (١٤٧٧)، مسلم [٥/ ١٣٠]، وهو في التحفة [٨/ ٤٩٤].
(٢) أخرجه الترمذي [٤/ ١٤٨]، وابن ماجه [٥/ ١١٨]، وهو في التحفة [١١/ ٤١].
(٣) هذه المسألة ساقطة من المطبوع، وينظر: الجامع لابن وهب [٢/ ٢١٢].
(٤) قوله: «إِذَالَةِ العالم»، الإذالة هي الإهانة، ينظر: لسان العرب [١١/ ٢٦١].
(٥) هذه المسألة ساقطة من المطبوع، وينظر: الجامع لابن وهب [٢/ ٢١٣].
(٦) هذه المسألة ساقطة من المطبوع.
[ ٤ / ٥٥٥ ]
[٣٢٤١] قال ابن وهبٍ: وسُئِلَ مالكٌ عن العَالِمِ، يُسْأَل عن الشَّيء فيُخطِئُ؟
فقال: ما قال في الخير الَّذِي يَرِدُ عليه أكثر من خطئه.
قال مالكٌ: ومن هذا الَّذِي لا يخطئ؟
قال مالكٌ: قال ابن هرمز: ما طلبنا هذا الأمر حقَّ طلبه.
وقال مالكٌ: قومٌ يُفْتُون النَّاس، لا يَتَّبِعون هذا الأمر حقّ اتِّباعه (^١).
• إنَّمَا قال: «إنَّ العالم يجوز له أن يفتي، وإن كان قد يجوز أن يخطئ»؛ لأنَّهُ لو لم يفت لجواز الخطأ عليه؛ لأدَّى ذلك إلى ترك العلم وطلبه، وترك النَّاس العمل بالعلم، وذلك خطأٌ، وقد قال ﷿: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩]، فصوَّب سليمان ومدحه على اجتهاده وصوابه، ولم يذمَّ داود، فدلَّ هذا على جواز الاجتهاد مع عدم النَّصِّ، وقد قال النَّبيُّ ﷺ: «إِذَا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» (^٢)، فدلَّ هذا على جواز الكلام في العلم من طريق الاجتهاد والعمل به مع جواز الخطأ عليه؛ لأنَّ الاجتهاد من أحد أصول العلم الَّذِي لا بدَّ للعلماء منه، إذ أصل العلم: القرآن، والسنَّة، والإجماع، والاجتهاد فيما لا نصَّ فيه، وإذا كان كذلك، جاز لمن عرف جُمْلَة العلم أن يجتهد مع جواز الخطأ فيما يقوله، ولهذا موضعٌ هو أولى بالكلام فيه من هذا الموضع، وسنذكره إن شاء الله.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٧٠)، البيان والتحصيل [١٧/ ٥٢٠].
(٢) متفق عليه: البخاري (٧٣٥٢)، مسلم [٥/ ١٣١]، وهو في التحفة [١١/ ٨٢].
[ ٤ / ٥٥٦ ]
[٣٢٤٢] قال وسُئِلَ مالكٌ عن طلب العلم، أفريضةٌ هو على النَّاس؟
فقال: لا والله، ولكن يَطْلُبُ منه ما ينتفع به في دينه، ولقد أدركت رجالًا يقولون: «ما طلبنا هذا العلم حين طلبناه لنتحمَّل أمور النَّاس، وما طلبناه إلَّا لأنفسنا»، ونحو هذا من الكلام (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ طلب العلم الخاصّ، إنَّما هو فرضٌ على جملة المسلمين، وهو على طريق الكفاية من بعضهم لبعضٍ، بمنزلة غسل الموتى والصّلاة عليهم ودفنهم، وبمنزلة الجهاد، أنَّ ذلك كلّه على جملة المسلمين، ليس هو على عين كلّ واحدٍ منهم، فإذا قام به بعضهم، سقط عن الباقين فرضه، فكذلك طلب العلم الخاصّ بهذه المنزلة.
فأمَّا طلب العلم الَّذِي يلزم كلّ واحدٍ في نفسه، فهذا علمٌ يلزم العامّة كلّهم تعلُّمه في الأمر الَّذِي يلزمهم فعله، أو ما ينزل بهم من الحوادث.
وذلك بمنزلة علم الطّهارة والصَّلاة والصِّيام وما أشبه ذلك من فرائض الأبدان، وكذلك الحجّ مثله لمن عليه الحجُّ، وكذلك علم الزَّكاة وأداؤها لمن تجب عليه الزَّكاة، وكذلك علم البيوع مثله، على من مارَسَ ذلك أن يتعلّمه؛ ليؤدّي في ذلك الفرض الَّذِي أمره الله سبحانه ورسوله ﷺ في ذلك كلّه، فهذا هو علم الأعيان الَّذِي يلزم كلّ واحدٍ في نفسه أن يتعلّمه، وهو علم العامَّة.
فهذا الَّذِي قال مالكٌ: إنَّه الفرض الَّذِي على النّاس تعلّمه.
وأمّا الَّذِي ليس عليهم تعلّمه، أعني: كلّ واحدٍ منهم، فهو على الخاصَّةِ،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٧٠)، الجامع لابن وهب [٢/ ٢١٤].
[ ٤ / ٥٥٧ ]
كعلم: المكاتَبِ، والمدَبَّرِ، والجنايات، والقصاص، علوم العلماء الخاصّة، فإنَّ فرض تعلّم هذا إِنَّمَا هو على الكفاية لا على الأعيان، كما ذكرنا من الجهاد وغسل الموتى والصَّلاة عليهم ودفنهم.
وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» (^١)، ومعنى هذا الخبر: هو علم العامَّة، كعلم الطَّهارة، والصَّلاة، والصِّيام، والحجِّ، وأشباه ذلك، أنَّ على كلّ مسلمٍ في نفسه تَعَلُّمُ ذلك، إذا كان مِمَّنْ يلزمه إقامة ذلك.
وعلم الخاصَّة إذا تعلّمه الإنسان، كان في أمم الأنبياء خليفة الأنبياء، وكذلك رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: «العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًَا وَلَا دِرْهَمًَا، وإنّما وَرَّثُوا العِلْمَ» (^٢)، وقال النَّبيُّ ﷺ: «يَحْمِلُ هَذَا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ» (^٣)، وقال صلَّى الله عليه فيما رُوِيَ عنه: «بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ وَالعُلَمَاءِ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ» (^٤).
فكلُّ من زاد علمه زادت فضيلته، إذ ليس بعد العقل شيءٌ أفضل من العلم والدِّين، قال الله ﷿: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه [١/ ١٥١]، وهو في التحفة [١/ ٣٧٤].
(٢) أخرجه أبو داود [٤/ ٢٣٧]، والترمذي [٤/ ٤١٤]، وابن ماجه [١/ ١٥٠]، وهو في التحفة [٨/ ٢٣٠].
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى [٢١/ ٩٤].
(٤) أخرجه الدارمي [١/ ٣٦٨]، عن الحسن مرسلًا.
[ ٤ / ٥٥٨ ]
فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٣١] (^١) فعرَّفهم فضيلة آدم ﵇ عليهم بالعلم الَّذِي عَلَّمَهُ.
وكانت موهبة العقل أفضل من العلم؛ لأنَّ بالعقل يُعْلَمُ العلم ويُتَعَرَّفُ، وبوجوده تلزم الحُجَّة وبعدمه تسقط.
ألا ترى: أنَّ المجنون والطفل لا حُجَّة عليهم، بمنزلة البهائم أنَّه لا حُجَّة عليهم، فثبت بهذا أنَّ العقل أفضل قِسْمٍ، ثمَّ العلم، ثمَّ العمل به.
•••
[٣٢٤٣] وسُئِلَ مالكٌ عن رفع الصَّوت في المسجد، في العلم وغيره؟
فقال: لا خير في ذلك في العلم ولا في غيره، ولقد أدركت النَّاس قديمًا يعيبون ذلك على بعض من يكون ذلك في مجلسه، ويَعْرِفُ كراهِيَةَ ذلك ويَعْتَذِرُ منه.
وما للعلم تُرفع فيه الأصوات؟، إنِّي لأكره ذلك ولا أرى فيه خيرًا (^٢).
• إنَّمَا قال: «إنَّ الأصوات لا تُرفع في المسجد»؛ تعظيمًا للمسجد وإجلالًا له؛ لأنَّ المساجد إِنَّمَا بُنِيَت لذكر الله ﷿ والصَّلاة فيها، لا للصيَّاح.
ألا ترى: أنَّه قد كُرِهَ رفع الصَّوت في القراءة جدًّا، فكيف في غيرها!.
_________________
(١) تبدأ الصفحة عند قوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي﴾.
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٧١)، وقد نقل ابن عبد البر في جامع بيان العلم [١/ ٥٥٤]، وابن بطال في شرح البخاري [٢/ ١١٩]، عن ابن عبد الحكم هذه الفقرة.
[ ٤ / ٥٥٩ ]
فأمَّا رفع الصَّوت في العلم ومذاكرته، فإنَّ ذلك مكروهٌ، وإنّما يجب أن يكون ذلك على أحسنه، على وجه الهَدْيِ (^١) والسَّكينة؛ لأنَّ ذلك:
(أنفع وأبلغ في باب التَّبيِّين للعالم وتعليمِ المتَعَلِّم، من الصِّياح الَّذِي لا يفهم معه؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى الغضب والخروج إلى ما لا يصلح مثله في العلم.
(وفي ذلك أيضًا مخالفة السَّلَف الصَّالح مما كانوا عليه من طلب العلم ومذاكرته.
•••
[٣٢٤٤] قال أشهب: سئِل مالكٌ عن لباس المَظَالِّ؟
فقال: ما كانت من لباس النَّاس، وما أرى بِلُبْسِهَا بأسًا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ لُبس كلّ ثوبٍ، وكيف لَبِسَه الإنسانُ مباحٌ، إلَّا أن تمنع من ذلك دلالةٌ.
_________________
(١) قوله: «الهدي»، هو عبارة عن الحالة التي يكون عليها الإنسان من السكينة والوقار وحسن السيرة والطريقة، ينظر: لسان العرب [١١/ ٢٤٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٧١)، البيان والتحصيل [١٨/ ٢٥٠].
[ ٤ / ٥٦٠ ]
وأحسب المَظَالِّ (^١) أنَّها البرانس (^٢)، وقال مالكٌ: إنِّي أدركت النّاس على لبسها، وهي من لباس المصلِّين.
•••
[٣٢٤٥] قال أشهب: سألت مالكًا عن لُبْسِ الرّجال الثّياب الرّقاق؟
فقال: إنَّ الشّأن كلّه يصير إلى الإزار، قال:
• فلو لم يكن على رَجُلٍ إِلَّا إزارٌ، لم يكن بذلك بأسٌ.
• وإذا كان الإزار رقيقًا والقميص رقيقًا، فلا خير فيه.
• وإذا كان الإزار ثخينًا والقميص رقيقًا، فليس بذلك بأسٌ إذا كان قَصْدًَا ولم يكن على وجه السَّرف (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ لبس كلّ ثوبٍ - رقيقًا كان أو غليظًا - مباحٌ، ما لم تمنع منه دلالةٌ من سرفٍ وغيره.
(فإذا كان المئزر كثيفًا، جاز أن يلبس ما عداه وإن كان رقيقًا، وجاز أن يصلِّيَ كذلك؛ لأنَّ على الإنسان أن يستر عورته، وهي من دون السُّرَّةِ
_________________
(١) حكى أبو الوليد محمد بن رشد في البيان والتحصيل [١٨/ ٢٥١]، أن المظال هي القلانس التي لها ظل، تقي من الشمس.
(٢) قوله: «البرانس»، هي جمع بُرنُس، وهي كل ثوب رأسه منه ملتزق به، دراعةً كان أو ممطرًا أو جبةً، ينظر: لسان العرب [٦/ ٢٦]، يعني: أن للثوب غطاءً يغطَّى به الرأس، ويكون مخيطًا ملتصقًا به، ويشبه في زماننا لباس أهل المغرب (الثوب المغربي).
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٧١)، البيان والتحصيل [١٨/ ٣٣٤].
[ ٤ / ٥٦١ ]
إلى الرّكبة، فإذا ستر ذلك، لم يكن عليه فرض غيره للصَّلاة ولا غيرها، أعني: أنَّه ليس عليه أن يستر ما عدا ذلك عن النّاس، وإن كان الأجمل أن لا يلبس الرّقاق من الثِّياب بين النَّاس.
•••
[٣٢٤٦] قال: وسمعت مالكًا، وسئِل عن الرّجل يكون عليه القميص، فيَشْتَمِلُ عليه اشْتِمَالَ الصَّمَّاء؟
فقال: ما يعجبني (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن اشتمال الصَّمَّاء (^٢)، وهو: أن يجعل الإنسان ثوبه على أحد شِقَّيْهِ، ويسدله على سائر بدنه، ويكون أحد شقّيه مكشوفًا من ثوبه الَّذِي اشتمل به، وسواءٌ كان عليه ثوبٌ غيره أم لا.
•••
[٣٢٤٧] قال: وسمعت مالكًا، وسُئِلَ عن لبس البَرَانِسِ، أتكرهه، فإنَّهَا تشبه لباس النَّصارى؟
قال: ليس بها بأسٌ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٧١)، التفريع [٢/ ٣٥٣].
(٢) أخرجه البخاري (٣٦٧)، وهو في التحفة [٣/ ٣٩٣].
[ ٤ / ٥٦٢ ]
وقال: أما إنَّها قد كانت تُلْبَس هاهنا، قال عبد الله بن أبي بكرٍ (^١): «ما كان هاهنا أحدٌ من القُرَّاءِ إلَّا وإنَّ له بُرْنُسًَا يغدو فيه وخميصةً يروح فيها» (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ لبس البرانس مباحٌ، وهو يدفِّئ ظهر الإنسان ورأسه، وفي ذلك منفعةٌ له، فَفِعْلُ ذلك مباحٌ؛ إذ ليس شيءٌ يمنع منه.
•••
[٣٢٤٨] وسُئِلَ مالكٌ عن الرّجل يَجْعَلُ القَبَاءَ (^٣) على الوصيفة (^٤)؟
قال مالكٌ: لا أحبُّ ذلك.
قيل: فالرَّجُل؟
قال: الرّجل يشُدُّهُ عليه، وأرى الجارية إذا لبسته أيضًا بدت عورتها، وكان أ [خْـ]ـرَجَ لعَجْزِهَا، وذلك منها مُنكرٌ (^٥).
• قد ذكر مالكٌ علَّة كراهة لبس النِّساء للقباء، وأنَّ ذلك يصِفُهُنَّ.
_________________
(١) عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، من شيوخ مالك، تقدَّم ذكره في المسألة (١٠٥).
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٧١)، شرح البخاري لابن بطال [٩/ ٨٧]، البيان والتحصيل [١/ ٢٤٨].
(٣) قوله: «القباءَ»، تقدَّم ذكره في المسألة (١٦٩١)، وأنَّه ثوب ضيق من ثياب العجم، ينظر: طرح التثريب [٢/ ٢٣٧].
(٤) قوله: «الوصيفة»، هي الجارية، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٤٨٧).
(٥) المختصر الكبير، ص (٥٧٢)، المدوَّنة [١/ ٤٦٣]، البيان والتحصيل [١٨/ ٢٢].
[ ٤ / ٥٦٣ ]
ويكره للرَّجُل أيضًا؛ لأنَّ لبسه ليس من زيّ العرب، بل هو من زيّ العجم، ويكره التزيِّي بزِيِّهم والتَّشبه بهم.
•••
[٣٢٤٩] وسُئِلَ مالكٌ عن خروج الإماء في الإزار؟
فقال: خروجهنَّ في الإزِارِ من الباطل، ولا أرى أن يُقَرُّوا على ذلك (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لئلا تتشبَّه بالحرَّة؛ لأنَّهُ يجب عليها أن يخالف زيُّها زيّ الحرّة؛ ليُفصَل بينهما، فتُوَفَّى الحرَّة حقوقها الَّتِي لا يجب للأمة مثلها؛ لنقصان حرمة الأَمَةِ عن حرمة الحرَّة.
ألا ترى: أَنَّهُ قد فُرِّقَ بين زيِّ المسلم والكافر؛ ليُعْرَفَ المسلم من الكافر بالزيّ، فيوَفَّى المسلم حقوقه الَّتِي تجب له، ويُكْرَمُ على حسب ما يستحقّه، ويمنع ذلك الكافر.
وقد رُوِيَ عن عمر بن الخطاب: «أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ الأَمَةَ إِذَا رَآهَا قَدْ تَقَنَّعَتْ، وَيَقُولُ: لَا تَشَبَّهْنَ بِالحَرَائِرِ» (^٢).
ولأنَّ الأمَةَ قد تُؤْذَى وتُمْتَهَنُ ما لا يُفْعَلُ ذلك بالحرَّة، فإذا تَشَبَّهت بالحرَّةِ، نال ذلك الحرّة مِمَّنْ لا يعرِفُها، فوجب مخالفة زيّهما، وقد قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب:٥٩]، فأمر الله تعالى نبيّه ﷺ، أن يُلزِم نساءَه وبناته
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٧٢)، البيان والتحصيل [١٨/ ٢٢].
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٤/ ٣٤٤]، وعبد الرزاق [٣/ ١٣٦].
[ ٤ / ٥٦٤ ]
ونساء المؤمنين من أصحابه أن يخالِفْنَ بين زيِّهنَّ وزيِّ غيرهنَّ من النِّساء؛ ليُعرفَ حقُّهنَّ من حقوق غيرهنَّ من النِّساء اللَّاتي لسن في مثل حرمتهنَّ.
•••
[٣٢٥٠] قال ابن وهبٍ: سمعت مالكًا يكره الصُّورَ كلَّها، ما كان منها منصوبًا، وما كان في البُسُطِ والوسائد والسُّتورِ، قال: ترك ذلك كلّه أحبّ إليّ ما كان منصوبًا.
وما كان يُوطَأُ رَقْمًَا (^١) فلا بأس به (^٢).
• إنَّما كره الصّور كلّها؛ لأنَّهُ يَكره تصويرها، وترك اتّخاذها يدعو إلى ترك تصويرها الَّذِي هو مكروهٌ فعله ومنهيٌّ عنه.
وقد روى مالكٌ، عن نافعٍ، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أمّ المؤمنين ﵂، أنَّها أخبرت: «أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ الله ﷺ قَامَ عَلَى البَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ، فعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الكَرَاهِيَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَتُوبُ إِلَى الله وَإِلى رَسُولِهِ، مَاذَا أَذْنَبْتُ؟، فَقَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يَوْمَ القِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ، يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»، وَقَالَ: «إِنَّ البَيْتَ الذِي فِيهُ الصُّورَةُ لَا تَدْخُلُهُ المَلَائِكَةُ» (^٣).
_________________
(١) قوله: «رقمًا»، يعني: نقشًا، ينظر: النهاية في غريب الحديث [٢/ ٢٥٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٧٢)، المدوَّنة [١/ ١٨٢]، الجامع لابن يونس [٢/ ٥٨٠].
(٣) متفق عليه: البخاري (٥٩٥٧)، مسلم [٦/ ١٦٠]، وهو في التحفة [١٢/ ٢٨٧].
[ ٤ / ٥٦٥ ]
فأمَّا إذا كان رَقْمًَا يُوطَأ فلا بأس به، وقد رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ رخَّص في ذلك (^١).
•••
[٣٢٥١] قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عمَّن ألبَسَ ابنه - صغيرًا - ثوبًا من حريرٍ، أو حُلِيًّا من ذهبٍ؟
فكره ذلك للغلمان.
وسمعت مالكًا يكره من الثِّياب ما كان سُـ[ـدَاؤُهُ] حَرِيرًَا (^٢) (^٣).
• إِنَّمَا كره لُبْس الحرير وحليِّ الذَّهب للغلمان؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قـ[ـال في الذّ] هب والحرير: «حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، حَلَالٌ لِإِنَاثِهَا» (^٤)، فيكره ذلك للغلمان أيضًا؛ لأنّهم ذكورٌ.
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٣٢٢٦)، مسلم [٦/ ١٥٧]، وهو في التحفة [٣/ ٢٤٨].
(٢) قوله: «سُدَاؤُهُ حَرِيرًَا»، كذا رسمها في جه، وفي شب فيها بعض الطمس، وقد جاء في طبعة الغرب: «سدًا وحريرًا»، وتابعهم عليها محقق المختصر الكبير.
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٧٢)، المدوَّنة [١/ ٤٦٢].
(٤) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٣١٦٥.
[ ٤ / ٥٦٦ ]
ويكره لُبْس كلّ ثوبٍ فيه حريرٌ، سواءٌ كان ذلك سُدَاهُ، أو لُحْمَتُهُ (^١)، أو كان مُصْمَتًَا (^٢)؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن لُبْسِ الحرير.
فأمَّا لبس الخزّ (^٣)، فلا يستحبُّه مالكٌ؛ من طريق السَّرف، فإن لَبِسَهُ جاز؛ لأنَّهُ ليس بحريرٍ.
•••
[٣٢٥٢] قال ابن وهبٍ: سألت مالكًا عن الرّكوب على جلود السّباع والنُّمور؟
فقال: ما علمت بأسًا (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الانتفاع بكل جلدٍ جائزٌ - سبعًا كان أو نمرًا أو غيره - إذا كان مذكىً، أو مدبوغًا إن كان ميتَةً فدُبِغَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أذن في الاستنفاع بالإهاب إذا دُبِغَ وكان ميتةً، فأيُّ إهابٍ دُبِغَ جاز الانتفاع به إذا كان مِمَّا تقع الذّكاة فيه إذا كان حيًّا.
_________________
(١) قوله: «سداه، أو لحمته»، لحمة الثوب ما في عَرْضِه من الخيوط عند النسج، وسداه ما في طوله، ينظر: تهذيب الأسماء واللغات [٤/ ١٢٦].
(٢) قوله: «مُصْمَتًَا»، يعني: أنه ما كان حريرًا كله، ينظر: مشكل الآثار للطحاوي [٤/ ٤٩].
(٣) قوله: «الخز»، ثوب الخز يطلق على الثوب الذي سداه من حريرٍ، ولحمته من غيره، كالصوف مثلًا، ويطلق على الثوب المنسوج من الصوف والإبريسم، ينظر: النهاية في غريب الحديث [٢/ ٢٨]، شرح الموطأ للزرقاني [٤/ ٤٢٦].
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٧٢)، المدوَّنة [١/ ٥٥٢]، اختلاف أقوال مالك وأصحابه، ص (٣٣).
[ ٤ / ٥٦٧ ]
فأمَّا ما لا تكون الذّكاة فيه، فَإِنَّهُ لا يجوز الانتفاع به - وإن ذُكِّيَ أو دُبِغَ - إنْ مات، وذلك بمنزلة ابن آدم والخنزير؛ لأنَّ الذَّكاة لا تصحُّ فيهما.
فأمَّا السِّباع ففيها الذّكاة؛ بدلالة: أنَّه لَمَّا جاز الانتفاع بها في حال حياتها بالبيع وغيره، جاز أن تُذَكَّى ليُنتَفَع بجلدها من غير دباغٍ؛ لأنَّ الذَّكاة أقوى من الدِّباغ؛ إذ كانت الذَّكاة تبيح الأكل وتُطَهِّر له، أعني: فيما يجوز أكله، وليس كذلك الدِّباغ لأنَّهُ لا يبيح الأكل بوجهٍ.
فلمَّا كانت الدّباغة تجوِّزُ الانتفاع بجلود السّباع عند مخالفنا - وهي أضعف من الذّكاة -، كانت الذّكاة أولى أن تبيح ذلك؛ لأنّها أقوى من الدّباغ.
فأمَّا الخنزير: فلمَّا لم يجز أن يُدْبَغ جلده، لم يجز أن يُذَكَّى؛ لأنَّ ما جاز أن يُدْبَغُ جلده، جاز أن يُذَكَّى، وما جاز أن يُذَكَّى، جاز أن يُدبَغ جلده، والله أعلم.
•••
[٣٢٥٣] قال مالكٌ في المَلاحِفِ المُعَصْفَرَةِ (^١) للرِّجال في البيوت والأقبية: لا أعلم من ذلك شيئًا حرامًا، وغير ذلك من اللّباس أحبّ إليّ (^٢).
_________________
(١) قوله: «الملاحف المعصفرة»، الملاحف: هي جمع ملحفة، وهو اللباس الذي فوق سائر اللباس، من دثار البرد ونحوه، وكل شيء تغطيت به فقد التحفت به، والمعصفرة: يعني المصبوغ بالعصفر، وهو نبت يهري اللحم الغليظ، ولونه قريب من الزعفران، ينظر: لسان العرب [٩/ ٣١٤]، غذاء الألباب [٢/ ١٧٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٧٢)، الموطأ [٥/ ١٣٣٨].
[ ٤ / ٥٦٨ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ لبس كلّ ثوبٍ مباحٌ، معصفرًا كان أو غيره، إلَّا ما نُهِي عنه، فكان لبسه مباحًا.
قال مالكٌ: أدركت أهل العلم يلبسون ذلك، منهم ربيعة بن أبي عبد الرَّحمن.
وقوله: «وغير ذلك من اللّباس أحبّ إلي»، يعني: أنّ لُبس البياض أحبّ إليه للرّجال؛ لأنّ النَّبيَّ ﷺ قال: «خَيْرُ ثِيَابِكُمُ البَيَاضُ، فَلْيَلْبِسْهَا أَحْيَاؤُكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» (^١).
•••
[٣٢٥٤] قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن الخُرْصِ (^٢) من الذّهب، يُجْعَلُ فيه اللّؤلؤ، ثمَّ يُجْعَل في أذن الصّبيّ؟
فقال: إنّي لأكره الذّهب للغلمان.
فقيل له: أفترجو أن يكون خفيفًا إذا كان قليلًا؟
قال: أرجو ذلك (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود [٤/ ٤٠٤]، والترمذي [٢/ ٣٠٩]، وابن ماجه [٢/ ٤٥٣]، وهو في التحفة [٤/ ٤٢٠].
(٢) قوله: «الخرص»، هو الحلقة من الذهب أو الفضة، وقيل: هو القرط إذا كان بحبة واحدة، ينظر: فتح الباري لابن حجر [٢/ ٥٢٦].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٧٢)، الموطأ [٥/ ١٣٣٨].
[ ٤ / ٥٦٩ ]
• إِنَّمَا كره ذلك للغلمان؛ لِمَا ذكرنا من نهي رسول الله ﷺ عن لبس الذَّهب والحرير للذُّكور من أمّته.
•••
[٣٢٥٥] قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن المِيثَرَةِ (^١)، أترى أن يُرْكَبَ عليها؟
فقال: ما أعلم حرامًا، ثمَّ قرأ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف:٣٢] (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الانتفاع بكل ثوبٍ والرّكوب به مباحٌ، إلَّا أن يمنع من ذلك دليلٌ.
وقد رُوِيَ في ركوب الميثرة نهيٌ، وليس بصحيحٍ (^٣).
•••
[٣٢٥٦] قال ابن وهبٍ: سُئِل مالكٌ عن لُبْسِ الخَزِّ؟
فقال: أمَّا أنا فما يعجبني، وما أحرِّمُه (^٤).
_________________
(١) قوله: «المِيثَرَةِ»، هي من مراكب العجم، تعمل من حرير أو ديباج، ينظر: النهاية لابن الأثير [٥/ ١٥٠]، ولها إطلاقات أخرى، تنظر في فتح الباري لابن حجر [١٠/ ٣٠٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٧٣)، وقد نقل ابن بطال في شرح البخاري [٩/ ١٢٤]، هذه المسألة عن ابن وهب.
(٣) أخرجه النسائي في السنن الكبرى [٨/ ٣٦٤]، وهو في التحفة [٧/ ٤٥٤].
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٧٣)، وقد نقل ابن بطال في شرح البخاري [٩/ ٨٧]، هذه المسألة عن ابن وهب، وينظر: المدوَّنة [١/ ٤٦٢]، التفريع [٢/ ٣٥١].
[ ٤ / ٥٧٠ ]
• إنَّما كره ذلك، لِمَا فيه من القزّ (^١)، وكرهه؛ من أجل السَّرف.
ولم يحرّم لُبْسَه؛ لأنَّهُ قد لبسه جماعةٌ من أصحاب رسول الله ﷺ (^٢)، وكره لبسه جماعةٌ، منهم: عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله (^٣).
•••
[٣٢٥٧] وسُئِلَ مالكٌ عن قميص الحرير، يَلْبَسُهُ الصَّبِيُّ؟
قال: أمَّا الغلمان فلا أحبّ ذلك، وأمّا الجواري فنعم (^٤).
• إنَّما كره ذلك للغلمان؛ لنهي رسول الله ﷺ عن لُبس الذُّكور ذلك، وإبَاحِ الإناث لبسه، وقد ذكرناه فيما تقدَّم (^٥).
•••
[٣٢٥٨] قال أَشْهَبُ: سُئِل مالكٌ عن القراءَةِ في الحمَّام؟
فقال: القراءة في كلّ مكانِ حَسَنَةٌ، وليس الحمَّام بموضع قراءةٍ.
وَقِيلَ مَالِكٌ (^٦) عن قِرَاءَةِ القرآن في الطَّريق؟
_________________
(١) قوله: «القز»، هو الرديء من الحرير، ينظر: عمدة القاري للعيني [٢٠/ ١٥٩].
(٢) ينظر: مصنف ابن أبي شيبة [١٢/ ٤٣٩]، مصنف عبد الرزاق [١١/ ٧٥].
(٣) قوله: «وابنه عبد الله»، كذا في شب، وفي جه: «وعبد الله بن عمر»، وينظر: المحلى لابن حزم [٢/ ٣٥٨].
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٧٣)، المدوَّنة [١/ ٤٦١].
(٥) ينظر: المسألة رقم ٣١٦٥.
(٦) قوله: «وقيل مالك»، كذا في شب، وفي جه: «وسُئِلَ مالك»، ونحوها في العتبية، كما في البيان والتحصيل [١٨/ ٢٧٦].
[ ٤ / ٥٧١ ]
فقال: أَمَّا الشَّيء اليسير فنعم، وأمّا الَّذِي يديم ذلك فلا، وإنَّ ذلك يختلف، يكون الغلام يتعلّم القرآن.
فأمَّا الرّجل الَّذِي يطوف بالكعبة يقرأ القرآن، فليس هذا من الشَّأن الَّذِي مضى عليه أمر النَّاس (^١).
• إنَّما كره القراءة في الحمَّام؛ تعظيمًا للقرآن وتشريفًا له، لئلا يُقْرَأ في كلّ موضعٍ مكروهٍ.
ألا ترى: أَنَّهُ لا يجوز أن يقرأ الإنسان في حال الجنابة، وفي حال ما يبول، وفي حال ما يجامع؛ لأنَّ في ترك القراءة في هذه المواضع تعظيمًا لأمر الله تعالى، قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠]، وقال ﷿: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، ولهذا المعنى، قال النَّبيُّ ﷺ: «لَا يَحْمِلُ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» (^٢)؛ تعظيمًا له، فكَرِهَ القراءة في الحمَّام وفي الطَّريق لهذه العلَّة.
ولأنَّ القراءة يُحتَاج معها إلى تدبّرٍ وتَفَكُّرٍ وتَفَهُّمٍ، وليس يمكن هذا في الحمَّام والطَّريق وأشباه ذلك.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٧٣)، المنتقى للباجي [١/ ٣٤٦]، البيان والتحصيل [١٨/ ٢٧٦]، المسالك في شرح موطأ مالك [٣/ ٣٧٠].
(٢) أخرجه مالك [٢/ ٢٧٨].
[ ٤ / ٥٧٢ ]
وأمَّا القراءة في الطّواف، فلا يُستحب ذلك؛ لأنَّهُ يُستَحَبُّ فيه الذِّكر والتَّكبير والتَّسبيح؛ لأنَّ ذلك موضعه.
ألا ترى: أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ نهى عن القراءة في الرّكوع (^١)؛ لأنّ الرّكوع موضعه التّعظيم، وإن كان قراءة القرآن أفضل من ذكر التّعظيم، فكذلك يجب أن يكون في كلّ موضع وموطن ذكرٍ ما جُعِلَ فيه، وإن كان غيره أعظم وأشرف منه.
فأمَّا تلقين القرآن في الطَّريق للمتعلّم، فلا بأس به للضّرورة إلى ذلك.
ألا ترى أنَّه يجوز للصِّبيان إمساك المصحف واللّوح للتَّعليم؛ لضرورتهم إلى ذلك، وإن كان لا يجوز حمله لغير متوضِّئٍ، ثمَّ جاز ذلك للصّبيان؛ للحاجة إلى ذلك، من أجل تعليمهم.
•••
[٣٢٥٩] قال أشهب: سئِلَ مالكٌ عن اليهود والنّصارى والمجوس إذا قَدِمُوا المدينة، أيُضرب لهم أجلٌ؟
قال: نعم، يضرب لهم أجلٌ ثلاث ليالٍ، يتَسَوَّقون وينظرون في حوائجهم، قد ضَرَبَ ذلك لهم عمر، وقال له رئيس اليهود - حين أجلاهم -: «تُجْلِينَا وَقَدْ أَقَرَّنَا مُحَمَّدٌ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَتُرَانِي نَسِيتُ قَوْلَهُ: «كَيْفَ بِكَ لَوْ قَدْ رَقَصَتْ بِكَ
_________________
(١) أخرجه مسلم [٢/ ٤٨]، وهو في التحفة [٥/ ٤٩].
[ ٤ / ٥٧٣ ]
قَلُوصُكَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ»، قَالَ: إِنَّمَا كَانَتْ هُزَيْلَةً مِنْ أَبِي القَاسِمِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: كَذَبْتَ» (^١) (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ» (^٣)، قال هذا القول عند موته وقبل ذلك.
ولهذا القول أجلاهم عمر بن الخطّاب، فلم يجز أَنَّهُ يُقيموا بالحجاز مقام استقرارٍ، وإنّما يجوز لهم أن يقيموا مقام سفرٍ، ومقدار ذلك ثلاثة أيَّامٍ.
ألا ترى: أنَّ النَّبيَّ ﷺ منع المهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه أكثر من ثلاثٍ (^٤)؛ لأنَّهُ لا تجوز له الإقامة في أرضٍ قد تركها لله تعالى وهاجر منها، فكذلك لا يجوز ترك الكفار في جزيرة العرب أكثر من ثلاثٍ؛ لأنَّهُ يُصَيِّرُ ذلك استقرارًا وإقامةً، والثلاث قدر ما يجوز (^٥)؛ لأنها ليست استقرارًا وإقامةً، وقد أخَّرَ الله سبحانه العذاب عمَّن استحقَّه ثلاثًا فقال: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود:٦٥]، وكذلك المرتدّ يؤخَّر قَتْلُهُ ثلاثًا ويُستتاب.
•••
[٣٢٦٠] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ: هل يُكره إدامة النّظر إلى المجذوم؟
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٢٧٣٠)، مسلم [٥/ ٢٧]، وهو في التحفة [٨/ ٦٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٧٣)، البيان والتحصيل [١٨/ ٢٥٩].
(٣) أخرجه أحمد [٤٣/ ٣٧١]، من حديث عائشة.
(٤) متفق عليه: البخاري (٣٩٣٣)، مسلم [٤/ ١٠٩]، وهو في التحفة [٨/ ٢٤٧].
(٥) قوله: «قدر ما يجوز»، كذا في شب، وفي جه: «فدونها يجوز».
[ ٤ / ٥٧٤ ]
فقال: أمَّا في الفقه، فلم أسمع بكراهيةٍ، ولا أرى ما جاء من النّهي عن ذلك (^١) إلَّا مخافة أن يفزع أو يقع في نفسه من ذلك شيءٌ يخيفه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّظر إلى المجذوم وغيره من أصحاب البلاء مباحٌ؛ لأنَّهُ إذا نظر إليهم ورأى بلاءهم، شكر الله ﷿ على عافيته مِمَّا أبلاهم به.
وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: «مَا رَأَى أَحَدٌ مُبْتَلَىً فَقَالَ: الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا أَبْلَاهُ بِهِ، إِلَّا عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ» (^٣)، هذا معنى الخبر.
فأمَّا ما جاء من النّهي عن النّظر إلى المجذوم وغيره وإدامة ذلك، فيشبه أن يكون ذلك كما قال مالكٌ، وهو أن يفزع المبتلى؛ لأنَّه يقع له أَنَّهُ ينظر إليه لشدّة علَّته وبلائه، فيغتمُّ لذلك، فيُكْرَهُ إدامة النّظر إليه لهذه العلَّة.
•••
[٣٢٦١] سُئِلَ مالكٌ عن الحجامة يوم الأربعاء والسّبت؟
فقال: لا أرى بأسًا بالحجامة يوم الأربعاء والسَّبت، والأيَّامُ كُلُّهَا لله عَزَّ
_________________
(١) أخرج ابن ماجه [٤/ ٥٦٤]، من حديث ابن عباسٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تديموا النَّظر إلى المجذومين»، وهو في التحفة [٥/ ٢٨٠].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٧٤)، الجامع من مختصر المدوَّنة، ص (٢٤٢)، البيان والتحصيل [١٨/ ٢٦١]، المفهم للقرطبي [٥/ ٦١٤].
(٣) أخرجه الترمذي [٥/ ٤٣٠]، وهو في التحفة [٨/ ٥٩].
[ ٤ / ٥٧٥ ]
وَجَلَّ، وإني لأكره أن يترك أحدٌ الحجامة على هذا، قالوا: «لا يحتجم يوم كذا وكذا، ولا يسافر يوم كذا وكذا»، والأيَّام كلُّها لله تعالى (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحجامة وغيرها من التّداوي مباحٌ في كلّ وقتٍ، وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ: «إِذَا تَبَيَّغَ (^٢) بِأَحَدِكُمُ الدَّمُ فَلْيَحْتَجِمْ» (^٣)، وليس وقتٌ من الأوقات أولى إذا احتيج إليه من الآخر.
ولم يرد نهيٌ في يومٍ ولا وقتٍ علمناه، وكان يقال: «لا تعادِ الأيام فتعادِيك».
ويكره ترك ذلك أيضًا من جهة النّجوم؛ لأنَّهُ لا يحَبُّ الأخذ بالنُّجوم وأحكامها، وقد نهى النّبيُّ ﷺ عن النّظر في النُّجوم (^٤).
•••
[٣٢٦٢] قال أشهب: وسُئِلَ مالكٌ عن حمل الصِّبيان الصِّغار على الخيل؛ يُجْرُونَهَا للرِّهَان، فربَّما سقط أحدهم فمات؟
قال: إنّي لأكره أن يُحْمَل الصّبيان على الخيل.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٧٤)، شرح البخاري لابن بطال [٩/ ٣٩٩]، الجامع لابن يونس [٢٤/ ١٥٣]، البيان والتحصيل [١٧/ ٢٢].
(٢) قوله: «تَبَيَّغَ»، يعني: هاج، ينظر: لسان العرب [٨/ ٤٢٢].
(٣) أخرجه ابن جرير في تهذيب الآثار - مسند ابن عباس [١/ ٤٩٤]، من حديث أنس.
(٤) أخرجه أبو داود [٤/ ٣٣٩]، وابن ماجه [٤/ ٦٧٠]، من حديث ابن عباس، أن النَّبيَّ ﷺ قال: «من اقتبس علمًا من النّجوم، اقتبس شعبةً من السِّحر»، وهو في التحفة [٥/ ٢٧٢].
[ ٤ / ٥٧٦ ]
قلت له: أفترى أن يُشْهَدَ إجراؤُهَا (^١)؟
قال: لا أدري، أمَّا أنا فلا أرى حملهم، ولا أراه ينبغي (^٢) (^٣).
• إنَّما كره ذلك؛ لأنَّ في ذلك تعريضًا لإتلافهم وعَطَبِهِم؛ لأنَّ الصَّبيَّ لا يضبط الفرس ولا يمكنه التحرّز منه كما يمكن الرّجل ذلك، فكره حمل الصّبيان عليها للإِجْرَاءِ (^٤) لهذه العلّة.
•••
[٣٢٦٣] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عن اكتحال الرّجل بِالإِثْمِدِ؟
فقال: ما يعجبني، وما كان من عمل النَّاس، وما سمعت فيه شيئًا (^٥).
• إنّما كره الاكتحال بِالإِثْمِدِ؛ لأنَّ فيه ضربًا من الزّينة الَّتِي تُشْبِهُ زينة النِّساء، ويُكره للرِّجال التَّشبّه بالنِّساء.
_________________
(١) قوله: «إجراؤُهَا»، كذا رسمها، وفي طبعة الغرب: «أجرًا»، وفي المطبوع من المختصر: «إجراءهم».
(٢) قوله: «أمَّا أنا فلا أرى حملهم، ولا أراه ينبغي»، لعلَّها من كلام أشهب، إذ السياق يدل عليه، لكنه جاء متصلًا من كلام مالك في العتبية، كما في البيان والتحصيل، والله أعلم.
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٧٤)، النوادر والزيادات [٣/ ٤٣٥]، الجامع من مختصر المدوَّنة، ص (٢٤٧)، البيان والتحصيل [١٨/ ٢٦٤].
(٤) قوله: «للإِجْرَاءِ»، كذا في شب وجه، وهي غير مثبتة في طبعة الغرب.
(٥) المختصر الكبير، ص (٥٧٥)، البيان والتحصيل [١٨/ ٢٧٣].
[ ٤ / ٥٧٧ ]
وهذا إذا كان بالنّهار، فَأَمَّا باللّيل فَإِنَّهُ يجوز إن شاء الله، وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: «عَلَيْكُمْ بِالإِثْمِدِ عِنْدَ النَّوْمِ، فَإِنَّهُ يَشُدُّ العَيْنَ وَيَجْلُو البَصَرَ» (^١).
•••
[٣٢٦٤] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عن الصلاة (^٢) على اللُّعَّابِ بِالشِّطْرَنْجِ والنَّرْدِ؟
فقال: أَمَا هُمْ مِنْ أهل الإسلام (^٣)؟، إذا بُولِغَ في هَذا ذُهِبَ كُلُّ مَذْهَبٍ.
يَسْتَحِقُّون (^٤)، يقول الله ﷿: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة:٦٥]، ويقول: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، وهم أهل الإسلام، وإنّما أمر الله تعالى بإجازة من يُرْضَى.
_________________
(١) أخرجه أبو داود [٤/ ٣٢٧]، والترمذي [٣/ ٣٦١]، وابن ماجه [٤/ ٥٣٦]، وهو في التحفة [٥/ ١٤٥].
(٢) قوله: «الصلاة»، كذا في شب، وفي جه، ولفظ مالك في النوادر [١٤/ ٣١٩]، والجامع من مختصر المدوَّنة، ص (٢٦٤)، والعتبية، كما في البيان والتحصيل [١٨/ ٢٧٣]: «السَّلام».
(٣) قوله: «أهل الإسلام»، كذا في شب، وجه، وفي النوادر والزيادات [١٤/ ٣٢٠]، والجامع من مختصر المدوَّنة، ص (٢٦٤)، وفي المطبوع من المنتقى للباجي [٧/ ٢٧٨]: «أهل السلام».
(٤) قوله: «يَسْتَحِقُّون»، كذا في شب، وفي جه: «يستخفون»، وهو لفظ المطبوع من العتبية كما في البيان والتحصيل.
[ ٤ / ٥٧٨ ]
فقيل: أَفَتَرَى شهادتهم جائزة؟
فقال: أَمَّا من أدمنها، فلا أرى شهادته طائلةً، يقول الله جلَّ وعزَّ: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس:٣٢]، فهذا كلُّه من الضَّلال.
قال ابن وهبٍ: وسمعت مالكًا يكره كلّ ما يُلْعَبُ بِهِ من الطَّبل والأربعة عَشَرَ (^١).
فقيل لمالكٍ: والشِّطْرَنْجُ؟
قال: هي شرٌّ من الطّبل، وهي عندنا أَلْهَى من غيرها.
وسمعت مالكًا، وسُئِلَ عن اللّعب بالشِّطرنج، أتكرهه؟
فقال: نعم (^٢).
• إِنَّمَا كره اللّعب بالشِّطرنج والنّرد والطَّبل وغير ذلك من اللّهو؛ لأنَّهُ يُلْهِي عن ذكر الله ويصدّ عنه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ
_________________
(١) قوله: «والأربعة عَشَرَ»، حكى ابن العربي في أحكام القرآن [٣/ ١٠]، أنها من الألعاب التي فيها قمار.
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٧٥)، الموطأ [٥/ ١٣٩٦]، الجامع من مختصر المدوَّنة، ص (٢٦٤)، النوادر والزيادات [١٤/ ٣١٩]، المنتقى للباجي [٧/ ٢٧٨]، البيان والتحصيل [١٨/ ٢٧٣]، وقد نقل ابن العربي في أحكام القرآن [٣/ ٩]، هذا النص عن ابن عبد الحكم.
[ ٤ / ٥٧٩ ]
بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة:٩١]، فكلُّ ما صَدَّ عن ذكر الله والصّلاة فهو مكروهٌ (^١).
فأمَّا السَّلام عليهم فجائزٌ؛ لأنَّ السَّلام هو من حقِّ المسلم على المسلم، وهم من المسلمين.
فأمَّا قبول شهادتهم، فهي جائزةٌ إذا لم يُدمنوا؛ لأنَّهم إذا أدمنوا، صَدَّهم ذلك عن ذكر الله وعن الصَّلاة، فخرجوا من العدالة، فلم يجز قبول شهادتهم، وإذا لم يُدْمِنُوا، كان ذلك ذنبًا صغيرًا، ويجوز قبول شهادة أهل الذُّنوب ما لم يرتكبوا الكبائر؛ لأنَّ بني آدم لا يخلون من الذّنوب الصّغار، ومنهم من يرتكب الكبائر.
•••
[٣٢٦٥] سُئِلَ مالكٌ عن النَّظر إلى شَعْرِ النَّصَارى، وهُنَّ ظؤورنا، ولا نجد مِنْهُنَّ بُدًّا؟
فقال: ما يعجبني.
قلت له: إنهم من مصر، وإنَّ مصر فتحت عنوةً؟
قال: ما سمعت ذلك (^٢).
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ٣٨٨]، هذه القطعة من الشرح عن الأبهري.
(٢) () من قوله: «قلت له: إنهم من مصر» إلى نهاية المسألة زيادة مثبتة من نسخة برنستون، وينظر: المختصر الكبير، ص (٥٧٥)، البيان والتحصيل [١٨/ ٣١٠].
[ ٤ / ٥٨٠ ]
• إنَّما كَرِه ذلك؛ لأنَّهُ لا يجوز لأحدٍ أن ينظر إلى شعر امرأةٍ حُرَّةٍ لا يحلّ له فرجها أو يكون مَحْرَمًَا لها.
ولأنَّه لا يأمن أيضًا الفتنة على نفسه بالنَّظر إليها.
•••
[٣٢٦٦] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عن القراءة بالألحان؟
فقال: ما يعجبني، إنَّ ذلك يُشْبِهُ بِالغِنَاءِ، ويُضْحِكُ بِالقُرْآنِ، ويُسْتَهْزَأُ به، و[يقال]: «فلانٌ أحسن قراءةً من فلانٍ»، ولقد بلغني أنَّ الجواري قد عُلِّمْنَ ذلك كما يُعَلَّمْنَ الغناء، فلا أحبّ ذلك على حالٍ من الأحوال، في رمضان ولا غيره، أين القراءة الَّتِي يقرأ هؤلاء من القراءة الَّتِي كان رسول الله ﷺ يقرأ؟.
وإنّي لأكره التّطريب في الأذان، ولقد هممت أن أكلّم أمير المؤمنين في ذلك؛ لأنِّي كنت أسمعهم يؤذِّنون (^١).
• إِنَّمَا كره التّطريب في القراءة والتّلحين فيها؛ لأنَّ ذلك يشبه الغناء والقصا [ئد]، ويَخْرُجُ عن المعروف من قراءة رسول الله ﷺ وأصحابه وما مضى عليه السَّلف، وذلك مكروهٌ، فأمّا تحقيق القراءة وترتيبها، فذلك مستحبٌ.
وكذلك [التّـ]ـطريب في الأذان مكروهٌ؛ لأنَّهُ يشبه ذلك أيضًا الغناء، والغناءُ يجري مجرى اللّهو والفرح، والقرآن ذكر الله جَلَّ وَعَزَّ، فيَرْتَفِعُ عن ذلك، ويجب أن يُنزَّه عنه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٧٥)، المدوَّنة [١/ ٢٨٨]، الجامع من مختصر المدوَّنة، ص (١٦٦).
[ ٤ / ٥٨١ ]
فأمَّا ما رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ فَلَيْسَ مِنَّا» (^١) فمعناه [فيما] قاله أهل العلم: يستغني بالقرآن.
وكذلك قوله: «زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» (^٢)، معناه: قراءته بالتّحقيق والتَّرتيل، لا التّطريب والتَّلحين.
ألا ترى: أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ لم يكن يطرب ولا يلحن، بل كان يرتِّل قراءته، وقد قال الله ﷿: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٤]، قيل في التّفسير: بيّنه تبيينًا.
•••
باب ما جاء في خروج النِّساء في الجنائز وغيرها، وجلوسهنَّ عند الصُّنَّاعِ (^٣)
[٣٢٦٧] قال ابن القاسم: قال مالكٌ: إنّي لأكره للشَّابَّة من النِّساء أن تخرج على الجنائز أو إلى المسجد (^٤).
فَأَمَّا الشَّابة (^٥)، فلا بأس أن تخرج على زوجها وعلى أخيها إلى جنا [زته]،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٥٢٧)، وهو في التحفة [١١/ ٣٧].
(٢) أخرجه أبو داود [٢/ ٢٧٥]، وابن ماجه [٢/ ٣٦٦]، والنسائي في الكبرى [٢/ ٢٦]، وهو في التحفة [٢/ ٢٤].
(٣) هذا العنوان مثبت من نسخة برنستون.
(٤) توجد في نسخة برنستون زيادة، هي: فأمَّا المتجالة فلا بأس.
(٥) قوله: «فَأَمَّا الشَّابة»، كذا في شب، وتوجد بعد: «فأمَّا»، علامة إلحاق، لكن خطَّ النَّاسخ على الكلمة التي في الحاشية، مما يوحي بعدم ثبوتها، وفي نسخة جه: «فَأَمَّا غَيْر الشَّابة»، وما في نسخة شب، موافق لما في المدوَّنة [١/ ٢٦٢]، وهو ما يفهم من كلام الشارح، والله أعلم.
[ ٤ / ٥٨٢ ]
ولا بأس بمثل هذا مِمَّا يُعرف، والأمر المعروف أن تخرج على جنازته (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الاختيار للنّساء الإقامة في بيوتهنَّ وترك الخروج إلّا فيما لا بدَّ لهنَّ منه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، وقد قالت عائشة ﵂: «لَوْ رَأَى رَسُولُ الله ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّساء، لَمَنَعَهُنَّ المَسَاجِدَ، كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ» (^٢)، فلهذا استحبَّ مالكٌ أن لا تخرج المرأة من بيتها لجنازةٍ وغيرها، إلّا فيما لا بُدَّ لها منه، مثل جنازة أهلها، مثل: أمها، وأبيها، وأخيها، وزوجها، وما أشبه ذلك؛ لأنَّ في منعها من ذلك ضررًا عليها وحرقةً لها.
ولأنَّ عُرْفَ النّاس قد جرى بخروجها في مثل هذا، وإن كانت شابَّةً.
وأمّا المُتَجَالَّةُ (^٣) والعجوز، فلا بأس أن تخرج؛ لأنَّه قد أُمِن منها الفتنة بالنَّظر إليها، ولم يؤمن ذلك في الشَّابَّة.
•••
[٣٢٦٨] قال ابن القاسم: قال مالكٌ: أرى للأئمَّة أن يتقدَّموا إلى الصُّنَّاع في قعود النِّساء إليهم، وأرى أن لا تُتْرَك المرأة الشَّابَّة أن تجلس إلى الصُّنَّاع، وأمّا المرأة المُتَجَالَّةُ والخادِم الدُّون الَّتِي لا تُتَّهَمُ على القعود، ولا يُتَّهم من تقعد عنده، فإني لا أرى بذلك بأسًا (^٤).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٧٦)، المدوَّنة [١/ ٢٦٢].
(٢) متفق عليه: البخاري (٨٦٩)، مسلم [٢/ ٣٤]، وهو في التحفة [١٢/ ٤٢٤].
(٣) تقدَّم معنى المُتَجَالَّةُ، وأنها المرأة الكبيرة في السن.
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٧٦)، النوادر والزيادات [٨/ ٢٤٣]، الجامع لابن يونس [٢٤/ ١٦٠].
[ ٤ / ٥٨٣ ]
• إنَّما كره ذلك؛ خيفة الفتنة والرّيبة مِمَّنْ يُقْصد إليه من الصُّنَّاع؛ لأنَّهم غير مأمونين إلَّا اليسير منهم، فيكره قعود المرأة الشّابة إليهم.
فأمَّا العجوز والخادم، فلا بأس بذلك؛ لأنَّهُ لا بُدَّ للنّاس من القعود عندهم ومعاملتهم؛ لحاجتهم إلى ذلك.
•••
باب ما جاء في مبيت النِّساء والرِّجال في ثوبٍ واحدٍ (^١)
[٣٢٦٩] قال ابن القاسم: سُئِلَ مالكٌ عن الخَدَمِ، يَبِيتُونَ عراةً في لحافٍ واحدٍ في الشِّتَاء؟
فكره ذلك، وأنكر أن تبيت النِّساء عراةً ليس عليهنَّ ثيابٌ يلبسونها في لحافٍ واحدٍ يتعرَّون (^٢).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ فِعْلَ هذا من دناءة الأخلاق، وفي ذلك إشرافٌ على العورة، وذلك غير جائزٍ من غير ضرورةٍ.
•••
باب ما جاء في علاج المجانين (^٣)
[٣٢٧٠] قال (^٤): وسمعت مالكًا يقول:
_________________
(١) () هذا العنوان مثبت من نسخة برنستون
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٧٦)، وقد نقل ابن بطال في شرح البخاري [٧/ ٣٦٧]، هذه المسألة عن ابن القاسم، وينظر: النوادر والزيادات [٤/ ٦٢١].
(٣) هذا العنوان مثبت من نسخة برنستون.
(٤) () قوله «قال:» كذا في شب، وفي جه: «قال ابن القاسم:»، وفي نسخة برنستون: «قال عبد الله:».
[ ٤ / ٥٨٤ ]
والَّذين (^١) يعالجون المجانين ويزعمون أنَّهم يعالجون بالقرآن كَذَبُوا، ولو كان ذلك لَعَلِمَهُ الأنبياءُ، ولقد سُحِرَ رسول الله ﷺ، فما عَلِمَ حَتَّى أُخْبِرَ به، فأرى أن يُزْجَرَ عن ذلك، وكَرِهَهُ كَرَاهِيَةً شديدةً (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ من يَذْكُرُ أنَّه يعلم هذا في القرآن، قد ادَّعى ما لم يعلمه الأنبياء وأصحابهم، ومحالٌ أن يعلم أحدٌ من القرآن ما لم يعلمه الأنبياء.
•••
باب ما جاء في قراءة القرآن (^٣)
[٣٢٧١] وسُئِلَ مالكٌ عن الهَمْزِ والنّبر في قراءة القرآن؟
فقال: ما يعجبني (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في الهمز الشّديد صعوبةً في القراءة، وخروجًا عن السُّهولة، وذلك مكروهٌ، وقد كانت قراءة رسول الله ﷺ وأصحابه (^٥) سهلةً مُرَتَّلَةً (^٦).
•••
_________________
(١) قوله: «والذين»، كذا في شب، وفي جه: «في الذين».
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٧٦)، البيان والتحصيل [٩/ ٣٤٤].
(٣) هذا العنوان مثبت من نسخة برنستون.
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٧٧)، البيان والتحصيل [١/ ٣٥٨].
(٥) قوله: «وأصحابه»، مثبت في شب، دون جه.
(٦) () توجد في هذا الموضع مسألة مثبتة في نسخة برنستون دون شب وجه، هي: [٣٢٧١ - ٢] قال عبد الله: سمعت مالكًا يقول: أُنْزِلَ القرآنُ على سبعة أحرفٍ، فاقرؤوا ما تيسَّر منه.
[ ٤ / ٥٨٥ ]
ما جاء في شرب الماء الذي يوضع في المسجد (^١)
[٣٢٧٢] وسمعت مالكًا يُسأل عن الماء (^٢) الَّذِي يُسْقَى في المسجد، أترى أن يُشْرَبَ منه؟
قال: نعم، إِنَّمَا جُعِلَ للعطشان، ولم يُرَدْ به أهل المسكنة، فلا أرى أن يُتْرَكَ شُرْبُهُ، ولم يزل هذا من أمر النّاس بهذا المكان وغيره، وقد سقى سعد بن عبادة.
فقيل له: في المسجد؟
فقال: لا، ولكن في منزله الَّذِي كان فيه.
فقيل لمالكٍ: فالأَقْنَاءُ (^٣) تكون في المسجد، وأشباه ذلك؟
فقال: لا بأس بذلك (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الماء إِنَّمَا يُسْقَى ليشربه العطشان، فقيرًا كان أو غنيًّا، وليس يراد به الفقراء، فجاز شرب ذلك للأغنياء، هذا معروفٌ من عرف النَّاس أنَّهم لا يريدون الفقراء بشربه، وقد قال رسول الله ﷺ: «فِي كُلِّ كَبِدٍ حَرَّى (^٥) أَجْرٌ» (^٦).
_________________
(١) هذا العنوان مثبت من نسخة برنستون.
(٢) قوله: «وسمعت مالكًا يُسأل عن الماء»، كذا في شب، وفي جه: «وسألت مالكًا عن الماء».
(٣) قوله: «فالأقناء»، هي العراجين من التمر، وواحدها قنو، ينظر: البيان والتحصيل [١/ ٢٥٤]، وفي لسان العرب [١٥/ ٢٠٤]: «العذق بما فيه من الرطب».
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٧٧)، شرح البخاري لابن بطال [٢/ ٧٣]، البيان والتحصيل [١/ ٢٥٣].
(٥) قوله: «حرى»، كذا في شب وجه، وفي طبعة الغرب: «رطبة»، والحَرَّى: فعلى من الحَرِّ، وهي تأنيث حَرَّانَ، وهما للمبالغة، يريد أنها لشدة حرها قد عطشت ويبست من العطش، ينظر: النهاية في غريب الحديث [١/ ٣٦٢].
(٦) أخرجه ابن حبان [٢/ ٢٩٩]، وأحمد [٢٩/ ١٢٠].
[ ٤ / ٥٨٦ ]
ولأنَّ الماء أيضًا يراد بِشُربِه كلُّ النّاس، الفقير والغنيِّ، كما يكون ذلك في المساجد، يُصَلِّي فيها الفقير والغنيُّ ويقيم فيها (^١)، وكذلك القناطر والجسور والمقابر وأشباه ذلك إذا سُبِّلَت، يستوي فيها الفقير والغنيُّ.
وكذلك الأَقْنَاءُ - وهي الثّمار -، إذا جعلت في المسجد، فإنَّما يراد بها أن يأكلها النّاس، فقيرًا كان آكلها أم غنيًّا.
•••
باب ما جاء في الرَّجُلِ وما يجب عليه من حيازته عبدَه ووَلَدَه (^٢)
[٣٢٧٣] قال ابن القاسم: سُئِل مالكٌ عن الرّجل يشتري الخادم، أترى عليه أن يَخْفِضَهَا (^٣)؟
قال مالكٌ: • إن كان يريد حبسها، فإنّي أرى ذلك له.
• وإن كانت للبيع، فلا أرى ذلك عليه (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أرادها للقنية والخدمة، فيجب أن يخفضها؛ لأنَّ ذلك من سنن الإسلام، وقد قيل: إنَّ ذلك فرضٌ، فوجب أن يفعل ذلك بها، ولا يترك سنَّةً مؤكَّدَةً.
_________________
(١) قوله: «ويقيم فيها»، مثبت في شب دون جه.
(٢) هذا العنوان مثبت من نسخة برنستون.
(٣) قوله: «يخفضها»، يعني: يختنها، والخفض هو ختان الجارية، كما رُوِيَ في الحديث: «اخْفِضِي وَلَا تَنْهَكِي»، ينظر: فتح الباري [١/ ٤٧٠]، لسان العرب [٧/ ١٤٦].
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٧٧)، الجامع لابن يونس [١٤/ ١٤٦]، المنتقى للباجي [٧/ ٢٣٢].
[ ٤ / ٥٨٧ ]
وإن أراد بيعها، لم يكن عليه ذلك؛ لأنَّه يفعل ذلك بها غيره مِمَّنْ يريد حبسها للقنية.
•••
باب ما جاء في الأكل والشُّرب (^١)
[٣٢٧٤] وسُئِلَ مالكٌ عن الرّجل يأكل وهو واضعٌ يده اليسرى على الأرض؟
فقال: إنّي لأتّقيه، وما سمعت فيه بنهيٍ (^٢).
• إنّما كره ذلك؛ لأنَّهُ يشبه الأكل متّكئًا، وذلك من فعل العجم وأهل التّكبّر والتّجبّر.
وقد روى الثوريُّ وغيره، عن عليِّ بن الأقمر (^٣)، عن أبي جحيفة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًَا» (^٤)، وفي خبرٍ آخر: «إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، آكُلُ أَكْلَ العَبِيدِ» (^٥).
•••
_________________
(١) هذا العنوان مثبت من نسخة برنستون.
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٧٧)، المنتقى للباجي [٧/ ٢٥٠]، البيان والتحصيل [١٧/ ٢٢٢].
(٣) علي بن الأقمر بن عمرو الهمداني الوادعي، كوفي، ثقة، من الرابعة. تقريب التهذيب، ص (٦٩٠).
(٤) أخرجه أبو داود [٤/ ٢٨٧]، بهذا الإسناد، وهو في البخاري (٥٣٩٨)، من غير طريق سفيان، وفي التحفة [٩/ ٩٧].
(٥) أخرجه البزار [١٢/ ٥٤]، من حديث ابن عمر، وأبو يعلى في مسنده [٨/ ٣١٨]، من حديث عائشة، وابن أبي شيبة [١٩/ ٦١]، من حديث رجل من بني سالم، أو فهم.
[ ٤ / ٥٨٨ ]
[٣٢٧٥] قال ابن وهبٍ: قال مالكٌ: لا بأس بالشُّرب قائمًا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الشُّرب قائمًا مباحٌ، فلا بأس به.
وقد روى حفص بن غياثٍ، عن عبيد الله، عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال: «كُنَّا نَأْكُلُ وَنَحْنُ نَسْعَى وَنَشْرَبُ قِيَامًَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ» (^٢).
وروى الزُّهريُّ، عن سهل بن سعدٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ» (^٣).
•••
[٣٢٧٦] قال ابن وهبٍ: وسمعته يكره النَّفخ في الشَّراب والطَّعام.
وسمعته يقول: لَعْقُ الأصابع من الطَّعامِ: ما أفعل ذلك، ولقد سمعت من يقوله (^٤).
• إِنَّمَا كره النّفخ في الطَّعام والشَّراب؛ لجواز أن يخرج من ريِقِ الَّذِي ينفخ فيه فيَقَع فيه، وذلك مِمَّا يتقذَّره النّاس، وبخاصّةٍ إذا كان معه من يأكل أو يشرب، وليس ذلك من حسن الأدب.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٧٧).
(٢) أخرجه الترمذي [٣/ ٤٥٢]، وابن ماجه [٤/ ٤٢٤]، وهو في التحفة [٦/ ١٢٥].
(٣) لم أقف عليه.
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٧٧)، التفريع [٢/ ٣٥٠]، البيان والتحصيل [١٧/ ١٧٢].
[ ٤ / ٥٨٩ ]
وقد روى مالكٌ، عن أيُّوب بن حبيبٍ (^١)، عن أبي المثنى الجُهَنِيِّ (^٢)، عن أبي سعيدٍ الخدريّ: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنِ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ» (^٣).
فأمَّا لعق الأصابع فمباحٌ، وتركه مباحٌ، وقد رُوِيَ: «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ» (^٤).
•••
[٣٢٧٧] قال ابن القاسم: سُئِلَ مالكٌ عن المرأة يغيب زوجها (^٥)، فيمرض أخوها، فتريد أن تأتيهم تعودهم، ولم يأذن لها زوجها حين خرج؟
قال: لا بأس أن تأتيهم وإن لم يأذن لها حين يخرج (^٦).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في ترك عيادة أخيها أو أبيها أو من [أ] شبه ذلك ضررًا عليها، وحرقةً لها، فليس عليها أن تفعل ما هو ضررٌ عليها.
_________________
(١) أيوب بن حبيب الزهري المدني، ثقة، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (١٥٨).
(٢) أبو المثنى الجهني المدني، مقبول، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (١٢٠٠).
(٣) أخرجه مالك [٥/ ١٣٥٤]، ومن طريقه الترمذي [٣/ ٤٥٧]، وهو عند أبي داود [٤/ ٢٦٩]، وفي التحفة [٣/ ٤٩٩].
(٤) أخرجه مسلم [٦/ ١١٣]، من حديث كعب بن مالك قال: «رأيت النَّبيَّ ﷺ يَلْعَقُ أصابعه الثَّلاث من الطَّعَامِ»، وهو في التحفة [٨/ ٣١٦].
(٥) () توجد في هذا الموضع زيادة في نسخة برنستون، غير مثبتة في شب، وجه، هي: «أو أختها أو أمُّها»
(٦) المختصر الكبير، ص (٥٧٨)، البيان والتحصيل [٤/ ٣١٨].
[ ٤ / ٥٩٠ ]
ولأنَّ زوجها لو كان حاضرًا، لم يجز له منعها من ذلك؛ لأنَّ في ذلك قطع الرَّحِم، وقد أمر الله تعالى ورسوله صَلَّى الله عَلَيْهِ بصلة الرَّحِمِ.
•••
باب ما جاء في ترك الكلام (^١)
[٣٢٧٨] وسُئِل مالكٌ عن القنوت يومًا - يعني: السُّكوت -؟
فكرهه، وقال: بلغني أنَّه نُهِيَ أن يقنت أحدٌ يومًا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا بدعةٌ وحدثٌ، وذلك مكروهٌ؛ لأنَّهُ شيءٌ لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أصحابه، وقد قال رسول الله ﷺ لأبي ذرٍّ: «وَإِمْلَاءُ الخَيْرِ خَيْرٌ مِنَ السُّكُوتِ» (^٣)، وقال معاذٌ: «أَوْصِنِي يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ الله ﷿» (^٤)، فالكلام بخيرٍ خيرٌ من السّكوت.
•••
[٣٢٧٩] وسُئِلَ مالك عن الأَرْكِبَةِ (^٥)، يُجْعَلُ فيها الأجراس، والحَمِيرِ والإِبِلِ الَّتِي يحمل عليها القُرْطُ وغيرُهُ؟
_________________
(١) هذا العنوان مثبت من نسخة برنستون.
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٧٨).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك [٣/ ٤٢٠].
(٤) أخرجه ابن حبان [٣/ ٩٩]، والطبراني في المعجم الكبير [٢٠/ ٩٣].
(٥) قوله «الأركبة»، كذا رسمها في شب، وهي مطموسة في جه، وفي طبعة الغرب: «الأكرية»، ونحوها في المطبوع من المختصر.
[ ٤ / ٥٩١ ]
فقال: ما جاء في هذا إلَّا الحديث الواحد (^١)، وتركه أحبّ إليّ من غيره.
وعن الَّذِي يكون في أرجل النِّساء؟
قال: مَا في هَذَا الَّذِي جَاء فِيهِ الحَدِيث، وتركُهُ أحبّ إليَّ من غير تحريمٍ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأجراسَ يؤذي النَّاس صوتُهَا، وتتأذى الدَّوابّ بذلك، فيُكرَهُ تعليقُهَا.
ويُكره ذلك أيضًا للنّساء؛ لأنَّ صوت ذلك ينبِّهُ على موضعها، وقد قال الله ﷿: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، وقد قال رسول الله ﷺ: «لَا تَصْحَبُ المَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جَرَسٌ» (^٣).
•••
[٣٢٨٠] قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن الرّجل يُدْعَى إلى الوليمة، أترى أن يجيب إذا كان فيها شرابٌ؟
قال: لِيَتْرُكه، فَإِنَّهُ أَظْهَرَ المنكر.
فقيل له: فالنّصرانيُّ يصنع الصَّنيع، فيدعو المسلم إلى صنيعه؟
_________________
(١) قوله: «الحديث الواحد»، ذكر الباجي في المنتقى [٧/ ٢٥٥]، وابن رشد في البيان والتحصيل [١٧/ ٦٢٥]، أنه حديث أم سلمة، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تصحب الملائكة رُفْقَةً فِيهَا جرسٌ». أخرجه أبو داود [٣/ ٢٤٠]، وهو في التحفة [١١/ ٣١٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٧٨)، الجامع لابن يونس [٢٤/ ١٨٦]، المنتقى للباجي [٧/ ٢٥٥]، البيان والتحصيل [١٧/ ٦٢٤].
(٣) أخرجه مسلم [٦/ ١٦٣]، وهو في التحفة [٩/ ٣٩٥].
[ ٤ / ٥٩٢ ]
فقال: ما أحبّ ذلك، وما أعلمه حرامًا.
قال مالكٌ: وزعموا أنَّ عمر بن الخطاب دعاه بعض النَّصارى، فلم يُجِبْهُ.
سُئِلَ مالكٌ عن الدَّعوة في الختان؟
فقال: ليس ذلك من الدّعوات، فإن أجاب فلا بأس بذلك، وإنّما الإجابة في وليمة العرس.
سُئِلَ مالكٌ عن اللَّهو يكون فيه البوق؟
فقال: إذا كان كثيرًا مشتهرًا فإنّي أكرهه، وإن كان شيئًا خفيفًا فلا بأس به إن شاء الله.
قال مالكٌ: وذلك يختلف في كثرة اللَّهو والعود والجواري (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيُجِبْ» (^٢)، وذلك وليمة العرس؛ لأنَّها تختصّ بهذا الاسم دون سائر الدَّعوات.
وإِنَّمَا استحبّ حضورها؛ لأن يَظْهَر أمر النّكاح وينتشر، فتثبت حقوقه وحرمه، ولا يخفى ذلك على النّاس، ولهذا المعنى أجيز فيه ضرب الدفّ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٧٨)، الجامع من مختصر المدوَّنة، ص (٢٢٢ و٢٦٣)، النوادر والزيادات [٤/ ٥٧٠]، الجامع لابن يونس [٢٤/ ٢٦٧]، البيان والتحصيل [٤/ ٣٥٤]، شرح البخاري لابن بطال [٧/ ٢٩٢ و٢٨٠]، التوضيح لابن الملقن [٢٤/ ٥٤١].
(٢) متفق عليه: البخاري (٥١٧٣)، مسلم [٤/ ١٥٢]، وهو في التحفة [٦/ ١٤٧].
[ ٤ / ٥٩٣ ]
وبعض اللّهو إذا لم يكن سَرَفًَا، وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالغِرْبَالِ» (^١) يعني: الدّفّ، أراد النَّبيُّ ﷺ أن يَظْهَر ذلك.
فأمّا غيره من الدّعوات، فليس على أحدٍ إجابته، فإن أجاب جاز، بل يُستحب ذلك له، إلّا أن يكون في الدَّعوة لعبٌ ولهوٌ، فَإِنَّهُ لا ينبغي أن يجيبه إلى ذلك، وبخاصّةٍ إذا كان المدعو من أهل الفضل والدّين؛ لأن في ذلك بِذْلَةً (^٢) له وضِعَةً (^٣).
وكذلك لا يحبّ أن يجيب غير المسلمين؛ لأنّ في ذلك ضِعَةً له، وقد قال مالكٌ: «لا أحبّ لأهل الفضل والدِّين أن يجيبوا الدّعوات»، أراد لهذا المعنى؛ لأنّ في ذلك بِذْلَةً ومخالطةً لمن لا يشاكله؛ لأنَّ الدَّعوة يكون فيها اختلاط النَّاس، إلَّا أن يكون قومٌ يشاكلونه، وقد قال رسول الله ﷺ: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُوا الأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، وَإِيَّايَ (^٤) وَهَوشَاتِ (^٥) الأَسْوَاقِ» (^٦).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه [٣/ ٩٠]، والترمذي [٢/ ٣٨٤]، وهو في التحفة [١٢/ ٢٥٨].
(٢) قوله: «بِذلةً»، كذا رسمها في شب وجه، ومعناها الامتهان، كما في لسان العرب [١١/ ٥٠]، وقد جاءت في طبعة الغرب: «مذلة».
(٣) قوله: «وضِعَةً»، الضعة خلاف الرفعة في القدر، ينظر: لسان العرب [٨/ ٣٩٧]، وهي غير مثبتة في طبعة الغرب.
(٤) قوله: «وَإِيَّايَ»، كذا رسمها في شب وجه، وفي مصادر التخريج: «وَإِيَّاكُمْ».
(٥) قوله: «وَهَوشَاتِ»، يعني: فِتَنَهَا وَهَيْجَهَا، ينظر: النهاية في غريب الحديث [٥/ ٢٨٢]، وقد جاءت في طبعة الغرب: «وهو شأن».
(٦) أخرجه مسلم [٢/ ٣٠]، وأحمد [٧/ ٣٨٠]، وأبو داود [١/ ٤٦٢]، والنسائي في الكبرى [١٠/ ٣٥٤]، وهو في التحفة [٧/ ٩٦].
[ ٤ / ٥٩٤ ]
فكذلك يُستحبُّ لأهل الفضل أن يخالطوا أمثالهم، ويجتنبوا من لا يُعرَف موضعهم وفضلُهم؛ لأنَّ في ذلك تعظيم أمر الله تعالى وتعظيم الدّين، وذلك مِمَّا يؤمر به ويُسْتَحَبُّ، قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢].
•••
[٣٢٨١] قال أشهب: سألت مالكًا عن قول رسول الله ﷺ: «قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» (^١)؟
قال: أمَّا «قِيلَ وَقَالَ»: فهو الإكثار في رأيي، وهذا الإرجاف (^٢): أُعْطِيَ فلانٌ كذا، ومُنِعَ فُلانٌ؛ يقول الله ﷿: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة:٦٥]، فهؤلاء يخوضون.
وأمَّا كثرة السُّؤال، فلا أدري.
أمَّا ما أنتم فيه مِمَّا أنهاكم عنه، فقد كره رسول الله ﷺ المسائل وعابها،
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٣٢٣٧.
(٢) من قوله: «فهو الإكثار»، إلى هذا الموضع، حكاه ابن بطال في شرح البخاري [٦/ ٥٣١]، الباجي في المنتقى [٧/ ٣١٥] بلفظ: «قَالَ مَالِكٌ: هُوَ الإِكْثَارُ مِنَ الكَلَامِ وَالإِرْجَافُ نَحْوُ قَوْلِ النَّاسِ».
[ ٤ / ٥٩٥ ]
قال الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١]، فلا أدري أهو هذا، أم هو السُّؤال من مسألة الاستعطاء (^١).
[٣٢٨٢] وسألت مالكًا عن حديث أبي هريرة: «كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ» (^٢)؟
قال: أمَّا «كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ»: فلبس الرّقاق، وأمّا «مَائِلَاتٌ»: فمائلاتٌ عن الحقِّ، «مُمِيلَاتٌ» لمن أطاعهنَّ من أزواجهنَّ وغيرهم (^٣).
[٣٢٨٣] وسُئِلَ مالكٌ عن حديث النَّبيِّ ﷺ: «مَنْ قَالَ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ»؟
قال: ذلك فيما يُرَى، أن يقول الرّجل تَفَضُّلًَا على النَّاس: «ولم يبق غيري»، فأمَّا الَّذِي يقول ذلك متحزِّنًا على النَّاس، فيقول: «هلك أهل هذه القرية وبادوا» و«ذهب خيار النَّاس» على وجه التَّحَزُّنِ، فإنَّ ذلك من كلام النّاس، وهو حسنٌ (^٤).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٧٩)، شرح البخاري لابن بطال [٦/ ٥٣١]، المنتقى للباجي [٧/ ٣٥١]، البيان والتحصيل [١٨/ ٣١٨].
(٢) أخرجه مسلم [٦/ ١٦٨]، وهو في التحفة [٩/ ٣٩٨].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٧٩)، شرح البخاري لابن بطال [٣/ ١١٧]، البيان والتحصيل [١٨/ ٣٣٤].
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٨٠)، الجامع لابن يونس [٢٤/ ١٢٦]، البيان والتحصيل [١٧/ ٢٨٠ و١٨/ ٣٤٠].
[ ٤ / ٥٩٦ ]
[٣٢٨٤] وسمعت مالكًا وسُئِلَ عن تفسير حديث النَّبيِّ ﷺ: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى» (^١)؟
قال: تفتح القرى (^٢).
• قد فَسَّر مالكٌ ما تَقَدَّم مِمَّا ذكرناه، فأغنى عن التّفسير، وفيما ذكره في هذا كفايةٌ.
•••
[٣٢٨٥] قال: وسمعت مالكًا يقول: من لم يَعُدّ كلامه من عمَلِه، كَثُرَ كلامه (^٣).
•••
[٣٢٨٦] وسُئِلَ مالكٌ عن الرّجل يُعْطَى الشَّيء فيأبى ذلك، أترى ذلك خيرًا له أن يرُدَّه؟
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (١٨٧١)، مسلم [٤/ ١٢٠]، بلفظ: «أُمِرْتُ بقرية تَأْكُلُ القرى، يقولون يثرب وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكِيرُ خبث الحديد»، وهو في التحفة [١٠/ ٧٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٨٠)، البيان والتحصيل [١٧/ ١٤]، مسند الموطأ للجوهري، ص (٥٩٥)، الفقيه والمتفقه للخطيب [١/ ٢٩٣].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٨٠)، مختصر كتاب الجامع من المدوَّنة لابن أبي زيد، ص (١٧٠)، الجامع لابن يونس [٢٤/ ١٢١].
[ ٤ / ٥٩٧ ]
قال مالكٌ: نعم، إلّا أن يخاف على نفسه الجوع (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الاستعفاف أفضل من أخذ الشَّيء، إلَّا أن تأتي ضرورةٌ، وقد قال رسول الله ﷺ: «وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ» (^٢)، فكان ترك ما يُعطَاه الإنسان خيرًا من أخذه، إلَّا يجوع، فيُحَبُّ أن يأخذه ولا يعذِّب نفسه؛ لأنَّ في جوعه ضعفًا منه عن أداء الفرائض والحقوق الَّتِي لله ﷿ عليه، وذلك يكره للإنسان أن يختار حالةً تؤدّيه إلى ذلك، وقد قال النَّبيُّ ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: «مَا أَتَاكَ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَخُذْهُ» (^٣).
•••
[٣٢٨٧] وسُئِلَ مالكٌ عن المحتجم: أتَرَى أن يضع (^٤) حجامته (^٥)؟
قال: لا بأس حيث طرحه، وقد بلغني أنَّ خالد بن الوليد، قد كان في قَلَنْسُوَتُهُ شَعْرٌ من شَعْرِ رسول الله ﷺ (^٦)، وفي هذا بيانٌ أنَّه لا يُدْفَنُ الشَّعْرُ (^٧).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٨١)، البيان والتحصيل [١٣/ ٣٦٤].
(٢) متفق عليه: البخاري (١٤٢٧)، مسلم [٣/ ٩٤]، وهو في التحفة [٣/ ٧٧].
(٣) متفق عليه: البخاري (١٤٧٣)، مسلم [٣/ ٩٨]، وهو في التحفة [٨/ ٥٥].
(٤) قوله: «يضع»، كذا في شب، وفي جه: «يطرح».
(٥) قوله: «يضع حجامته»، لعلَّ المراد: أنه يضع شعر حجامته ولا يدفنه، كما يدل عليه السياق، والله أعلم.
(٦) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير [٤/ ١٠٤]، والحاكم في المستدرك [٣/ ٣٦٦].
(٧) المختصر الكبير، ص (٥٨١)، النوادر والزيادات [١/ ٥٣٤]، الجامع لابن يونس [٢٤/ ١٥٥]، الذخيرة للقرافي [١٣/ ٢٨١].
[ ٤ / ٥٩٨ ]
• وفي هذا دلالةٌ أنَّ شعر الإنسان والحيوان كلّه طاهرٌ، وكذلك صوف الحيوان؛ لأنَّه مِمَّا لا يجري فيه الرُّوح فيموت بموته.
ألا ترى: أنَّه يجوز قطعه في حال حياته والانتفاع به، فكذلك بعد موته.
•••
[٣٢٨٨] وسُئِلَ مالكٌ عن المولود: أيُؤَذَّنُ في أُذُنَيْهِ حين يولد؟
فأنكر ذلك إنكارًا شديدًا، وقال: من يقول هذا النّصارى (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا بدعةٌ، إذ لم يُنْقَل بِخَبَرٍ صحيحٍ عن رسول الله ﷺ وأصحابّه أنَّهم فعلوا ذلك، ولا عن السّلَفِ بعدهم، وكلُّ محدثةٍ بدعةٌ كما قال ابن مسعودٍ.
•••
[٣٢٨٩] سُئِلَ مالكٌ عن الَّذِي يقوم من المجلس، فقيل له: إنَّ بعض النّاس يقول: «إذا رجع فهو أحقُّ به»؟
قال: ما سمعت فيه بشيءٍ، وإنَّه لحَسَنٌ إذا كانت أَوْبَتُهُ قريبًا، وإن بَعُدَ ذلك حَتَّى يَبْعُدَ أو نحو ذلك، فلا أرى ذلك له، وإنَّ هذا من محاسن الأخلاق (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المكان الَّذِي لا يملكه أحدٌ مباحٌ للنّاس القعود فيه،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٨١)، النوادر والزيادات [٤/ ٣٣٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٨١)، البيان والتحصيل [١٧/ ٢٣١].
[ ٤ / ٥٩٩ ]
فهو أولى به ما دام فيه، فإذا قام عنه، زال ما كان له فيه من الحقِّ، فصار هو وغيره بمنزلةٍ واحدةٍ.
فإن أراد الرّجوع إليه فكانه (^١) كان أولى به من طريق الاستحسان لا الوجوب، وذلك كما يقوم لحاجةٍ يقضيها أو أشباه ذلك، وقد روى عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: «إِذَا قَامَ الرّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ ثمَّ عَادَ إِلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (^٢)، قال محمد بن مسلمة: «معنى ذلك: إذا قام لحاجةٍ، أو أن يكون قد جلس إلى عالمٍ أو من يتعلّم منه خيرًا، فإنّه أولى به، فَأَمَّا إذا كان لغير ذلك، أو قام تاركًا له، فليس هو أولى به من غيره».
•••
[٣٢٩٠] سُئِلَ مالكٌ عمَّا يُنْثَرُ على الصِّبيان عند خروج أسنانهم وفي العرائس، فتكون منه النّهبَةُ؟
قال: لا أحبُّ أن يُؤكل منه شيءٌ إذا كان يُنْتَهب (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد يَأْخُذُ منه من لا يحبُّ صاحب الشَّيءِ أَخْذَه له، ويُحِبُّ أخذ غيره؛ فلهذه العلّة كره أخذه وأكله، وقد قال مالكٌ هذا في غير هذا الموضع.
•••
_________________
(١) قوله: «إليه فكأنه»، كذا في شب، وفي جه: «إلى مكانه».
(٢) أخرجه مسلم [٧/ ١٠]، وهو في التحفة [٩/ ٣٩٩].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٨١)، البيان والتحصيل [٣/ ٣٨٨].
[ ٤ / ٦٠٠ ]
[٣٢٩١] قال ابن القاسم: قال مالكٌ: إنَّ من عَيْبِ القاضي، أنَّه إذا عُزِلَ، لم يرجع إلى مجلسه الَّذِي كان يَتَعَلَّمُ فيه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ كأنَّه قد دخله ضَرْبٌ من الكِبْرِ والتِّيه (^٢) لتقليده القضاء متى لم يرجع إلى مجلسه الَّذِي كان يتعلّم فيه أو يُعَلِّم، وذلك عيبٌ فيه.
•••
[٣٢٩٢] قال مالكٌ: سمعت أنَّه يُستَحبُّ للرَّجُلِ إذا دخل منزله أن يقول: «ما شاء الله، لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله» (^٣).
• لأنَّ الله تعالى يقول في كتابه، في الرَّجُلَينِ أو أحدهما: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩]، فهو يَسْتَحِبُّ ذلك عند دخول الرّجل حجرته وبيته.
•••
[٣٢٩٣] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ: أَتَرَاهُ صالحًا أن يأكل الرّجل من طعامٍ لا يأكله عيالُهُ ورقِيقُهُ، ويلبس ثيابًا لا يكسوهم مثلها؟
فقال: إي والله، إنّي لأراه من ذلك في سَعَةٍ، ولكن يُحْسِن إليهم ويطعمهم.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٨٢)، النوادر والزيادات [٨/ ١٠]، وقد نقله ابن الملقن في التوضيح [٣/ ٣٦٠]، وفيه زيادة، هي: «قَالَ: وكان الرجل إِذَا قام من مجلس ربيعة إلى خطبةٍ أو حكمٍ لم يرجع إليه بعدها».
(٢) قوله: «التِّيه»: هو الصَّلَفُ والكِبْرُ، ينظر: لسان العرب [١٣/ ٤٨٢].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٨٢)، طبقات ابن سعد [٧/ ٥٧٢].
[ ٤ / ٦٠١ ]
فقيل لمالكٍ: أرأيت ما جاء من حديث أبي الدّرداء (^١)؟
فقال: كان النّاس يومئذٍ، ليس لهم هذا القوت (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الإنسان مباحٌ له أن يأكل ويلبس مِمَّا قد رزقه الله تعالى من المال، ما يحبُّه ويشتهيه، ويتجمَّلُ به عند النَّاس، ما لم يكن فِعْلُهُ سَرَفًَا، فجاز له في ذات نفسه أن يفعل ذلك ويختصَّ به دون عياله، بعد أن يُوَفِّي عياله حقوقهم.
وقد كان للنّبي ﷺ ثيابٌ يتجمَّل بها للجمعة والأعياد والوفود إذا قدموا عليه (^٣)، وقال النَّبيُّ ﷺ: «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ أَنْ يَتَّخَذَ ثَوْبَيْنِ لِجُمُعَتِهِ، سِوَى
_________________
(١) لم أقف عليه من حديث أبي الدرداء، ولعلَّ المراد ما الصحيحين: البخاري (٣٠)، ومسلم [٥/ ٩٢]، من حديث أبي ذر، أن النَّبيَّ ﷺ قال له: «إخوانكم خَوَلُكُمْ، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يَلْبَسُ»، وهو في التحفة [٩/ ١٨٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٨٢)، وقد نقل الباجي في المنتقى [٧/ ٢١٢]، هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر: الجامع لابن يونس [٢٤/ ١٦٥]، البيان والتحصيل [١٨/ ٢٧١].
(٣) لعلَّه يشير إلى ما في الصحيحين: البخاري (٨٨٦)، ومسلم [٦/ ١٣٧]، من حديث ابن عمر ﵄ قال: «وجد عمر حلّة إستبرقٍ تباع في السوق، فأتى بها رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ابتع هذه الحلة، فتجمل بها للعيد وللوفود، فقال رسول الله ﷺ: إنما هذه لباس من لا خلاق له، أو: إنما يلبس هذه من لا خلاق له»، وهو في التحفة [٥/ ٣٨٣].
[ ٤ / ٦٠٢ ]
ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ» (^١)، فدلَّ هذا أنَّ التَّجَمُّلَ في النَّاس مستحبٌّ.
•••
[٣٢٩٤] وسُئِلَ مالكٌ عن الرّجل يشتري العَبْدَ، فيَسْأَلُهُ بالله لا يشتريْهِ؟
قال: أحَبُّ إليَّ أن لا يشتريه، فأمَّا أن يُحْكُمَ عليه بذلك فلا (^٢).
• إنَّما استَحَبَّ له أن لا يشتريه؛ لِمَا قد أَقْسَمَ عليه العبد من ترك شرائه.
فأمَّا أن يكون ذلك واجبًا عليه فلا؛ لأنَّ شراءه له مباحٌ، ولا يلزمه ترك شرائه من أجل قسم غيره عليه.
•••
[٣٢٩٥] قال أشهب: وسُئِلَ مالكٌ عن النِّسبة الَّتِي ينتسب إليها النَّاس، حَتَّى يبلغوا آدم ﵇، أتكره ذلك؟
قال: نعم، إنّي أكره ذلك.
فقلت له: أيَنْتَسِبُ حَتَّى يبلُغَ إبراهيم وإسماعيل ﵉؟
فقال: لا أحبّ ذلك.
قال: وأكره أن يُرْفَع في أنساب الأنبياء كغيرهم، يقول» «إبراهيم بن فلانٍ بن فلانٍ»، ما يُدْرِيه ما هذا؟، ومن يخبره بهذا؟ (^٣).
_________________
(١) أخرجه مالك [٢/ ١٥٣]، وابن ماجه [٢/ ١٩٥]، وهو في التحفة [١٢/ ١٤٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٨٢)، البيان والتحصيل [١٨/ ٢٩٣].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٨٢)، البيان والتحصيل [١٨/ ٣٠٣].
[ ٤ / ٦٠٣ ]
• إنَّما كره النِّسبة إلى آدم وإبراهيم وأشباههما؛ لأنَّ معرفة ذلك لا تُعلَم من طريق العقل، وإنّما تُعْلم من جهة الخبر، وليس في هذا خبرٌ صحيحٌ يُعتَمَد عليه، وقد رُوِي: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان:٣٨]، فَقَالَ: كَذَبَ النَّسَّابُونَ» (^١)، فيُكْرَه أن يُنْسَبَ الإنسانُ إلى غير أبيه، ولا سيّما الأنبياء ﵈؛ لوجوب حقهّم، وثبوت حرمتهم على النّاس.
•••
[٣٢٩٦] قال أشهب: قال مالكٌ: الفَظَّةُ مكروهةٌ، يقول الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله سبحانه قال حاكيًا عن لقمان الحكيم: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧]، وقال ﷿: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات:٣]، وقال النَّبيُّ ﷺ: «المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ» (^٣)، وقال أبو الدَّرداء، سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: «مَا وُضِعَ فِي
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات [١/ ٣٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٨٣)، الجامع لابن يونس [٢٤/ ١٢٢]، البيان والتحصيل [١٨/ ٣٠١].
(٣) أخرجه الطبراني في مكارم الأخلاق، ص (٣١٧)، والبيهقي في شعب الإيمان [١٠/ ٤٤٦].
[ ٤ / ٦٠٤ ]
المِيزَانِ شَيْءٌ أَثْقَل مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ» (^١)، وقال الزُّهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، إنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» (^٢)، وقال الزهريّ، عن سالمٍ، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ» (^٣)، ورُوِيَ في الخبر: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا» (^٤)، وقال الأصبغ بن نباته (^٥)، عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵇: «مَنْ لَانَتْ كَلِمَتُهُ، وَجَبَتْ مَحَبَّتُهُ» (^٦)، فيُسْتَحَبُّ للإنسان أن يكون في كلامه لَيِّنٌ، وفي أموره متواضعٌ؛ لأنَّ ذلك من أخلاق المؤمنين، ولايكون فظًّا غليظًا جافيًا؛ لأنّ ذلك من أخلاق الجبابرة، وقد روى العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَلَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ إِلَّا رَفَعَهُ الله ﷿، وَلَا عَفَا عَنْ مَظْلَمَةٍ، إِلَّا زَادَهُ الله بِهَا عِزًّا» (^٧).
•••
_________________
(١) أخرجه أبو داود [٥/ ٢٧٥]، والترمذي [٣/ ٥٣٥]، وهو في التحفة [٨/ ٢٤٣].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٣٢٣٧.
(٣) متفق عليه: البخاري (٢٤)، مسلم [١/ ٤٦]، وهو في التحفة [٥/ ٣٧٣].
(٤) متفق عليه: البخاري (٣٥٦٢)، مسلم [٧/ ٧٨]، وهو في التحفة [٣/ ٣٧٧].
(٥) أصبغ بن نباتة التميمي الحنظلي الكوفي، متروك، رُمِيَ بالرفض، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (١٥١).
(٦) حكاه المبرد في الكامل [١/ ٥٦]، عن علي ﵁.
(٧) أخرجه مسلم [٨/ ٢١]، وهو في التحفة [١٠/ ٢٢٥].
[ ٤ / ٦٠٥ ]
[٣٢٩٧] وسُئِلَ مالكٌ عن بعض (^١) ما جاء من الحديث: «يُكْرَهُ إضاعة المال» (^٢)؟
قال: ألا ترى قول الله ﷿: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء:٢٦] الآية، وهو: مَنْعُهُ مِنْ حَقِّهِ، ووضعه في غير حقِّه (^٣).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ التَّبذير سفهٌ، ومن السّفه أخذ المال من غير حقّه، ووضعه في غير حقّه؛ لأنَّ الحكمة وضع الأشياء مواضعها، والسّفه هو ضدّها، وهو وضع الأشياء غير مواضعها.
•••
[٣٢٩٨] قال أشهب: سمعت مالكًا يقول: لا تنبغي الإقامة بأرضٍ يُعْمَلُ فيها بغير الحقِّ والسَّبّ للسَّلف، قال أبو الدَّرداء لمعاوية ﵁ حين قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا، قَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا كُنْتُ أَرَى بِهَذَا بَأْسًَا، قَالَ أَبُو الدّرْدَاءِ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ وَتُخْبِرُنِي عَنْ رَأْيِكَ، لَا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ أَنْتَ فِيهَا، فَخَرَجَ عَنْهُ» (^٤).
قال مالكٌ: والنَّاس كانوا يخرجون من الكلمة، وهذا يقيم على هذا العمل
_________________
(١) قوله: «بعض»، كذا في شب، وفي جه: «معنى».
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٣٢٣٧.
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٨٣)، البيان والتحصيل [١٨/ ٣٠٧].
(٤) أخرجه مالك [٤/ ٩١٦]، والبيهقي في السنن الكبرى [١١/ ٦٠].
[ ٤ / ٦٠٦ ]
بغير الحقِّ والسبِّ للسَّلف!، وقد قال الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء:١٠٠] (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الإنسان قد أُمِر بترك مجالسة أهل المعاصي والباطل واللَّهو، وأُمِرَ بمفارقتهم، قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨] (^٢) فأمر الله سبحانه نبيَّه ﷺ بمفارقة أهل الكفر والمعاصي، وأمر بقتال أهل البغي والمعاصي بقوله: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء:٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]، وقال النَّبيُّ ﷺ: «سَيَكُونُ أُمَرَاءُ، فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ» (^٣)، فوجب بما ذكرناه مفارقة أهل الظُّلم وترك مخالطتهم والخروج عن جملتهم، وترك الإقامة بالأرض الَّتِي هم فيها؛ لئلا يجري حكمهم عليه ولا يذلُّونه.
هذا إذا أمكنه ذلك، فإن لم يمكنه لضعفٍ أو عِلَّةٍ، كان في سَعَةٍ من ذلك إذا أقام في الأرض الَّتِي هم فيها ولم يخالطهم، ولم يُعِنهم على أمرهم وأنكر
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٨٣)، وقد نقل ابن عبد البر في الاستذكار [١٤/ ٤١]، هذه المسألة عن أشهب، وينظر: البيان والتحصيل [١٨/ ٣٣٥].
(٢) تبدأ الصفحة عند قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَخُوضُوا﴾.
(٣) أخرجه الترمذي [١/ ٦٠٠]، والنسائي في الكبرى [٧/ ١٩٢]، وهو في التحفة [٨/ ٢٩٧].
[ ٤ / ٦٠٧ ]
ما يأتونه بقلبه إن لم يمكنه إنكاره بيده أو لسانه، وقد قال الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء:٩٨ - ٩٩]، وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٩١]، يعني: أَنَّهُ لا ضيق عليهم في التخلّف عن رسول الله ﷺ إذا لم تكن لهم قوَّةٌ على الخروج معه، وقال ﷿: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ [التوبة:٩٣]، فدلَّ على أنَّ الضَّعيف في بدنه وماله معذورٌ في التَّخَلُّفِ عن الخروج مع النَّبيِّ ﷺ، فكذلك هو معذورٌ بتركه الخروج عن الأرض الَّتِي يُعمَلُ فيها بالمعاصي.
•••
[٣٢٩٩] قال ابن وهبٍ: وسُئِلَ مالكٌ عن امرأةٍ من أهل الكتاب، أقبلت تريد الإسلام بمكّة؟
قال: تُسْلِمُ بالمدينة؛ فإنَّها دار الهجرة، ولعلها أن تموت كافرةً قبل أن تبلغ مكّة (^١).
•••
[٣٣٠٠] قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن الرّجل يقوم للرَّجُلِ الَّذِي له الفقه والفضل، فيُجْلِسُهُ؟
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٨٤).
[ ٤ / ٦٠٨ ]
قال: إنَّ ذلك مِمَّا يُكْرَه، ولكن لا بأس أن يُوَسِّعَ له (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ إذا كان قيامه له تعظيمًا له في نفسه، فأمَّا إذا كان قيامه له لدينه أو علمه أو شَرَفِهِ، أو لمعنى متعلِّقٍ بأمر الله تعالى، كان ذلك جائزًا؛ لأنَّ في ذلك تعظيمًا لأمر الله تعالى، قال الله سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠]، وقال النَّبيُّ ﷺ للأنصار: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» (^٢)، حين أقبل سعدٌ.
•••
[٣٣٠١] قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن الرّجل يقول للرَّجُلِ: «أَمْتَعَ الله بِكَ»؟
فقال: لا بأس بذلك، بمنزلة ما يقول: «عافاك الله وأصلحك» (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا القول دعاءٌ له، فلا بأس أن يدعو المرء لأخيه، وبخاصَّةٍ إذا كان المدعو له مِمَّنْ ينتفع به المسلمون.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٨٤)، وقد نقل ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم [١/ ٣٩٥]، هذه المسألة عن مالك.
(٢) متفق عليه: البخاري (٤١٢١)، مسلم [٥/ ١٦٠]، وهو في التحفة [٣/ ٣٢٧].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٨٤).
[ ٤ / ٦٠٩ ]
[٣٣٠٢] قال ابن وهبٍ: وسمعت مالكًا يقول: إذا كُنْتَ في أمرين أَبَدًَا، أنت من أحدهما في شكٍّ، فخذ بالّذي هو أوثق (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا رواه الزُّهريُّ، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ الله ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ مَأْثَمًَا، فَإِذَا كَانَ مَأْثَمًَا، كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ» (^٢)، وقال النَّبيُّ ﷺ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (^٣)، وقال: «مَنْ يَرْعَ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكْ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَىً، وَإِنَّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ» (^٤)، فلهذا ينبغي للإنسان أن يأخذ بالأوثق في أمر دينه، وبالأيسر في أمر دنياه.
•••
[٣٣٠٣] قال ابن وهبٍ: قال مالكٌ: إنَّ الأشياء إِنَّمَا فسدت وقَبُحَتْ، حين تُعُدِّيَ بها منازلها (^٥).
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٨٤)، الجامع لابن يونس [٢٤/ ١١٠]، ترتيب المدارك [٢/ ٦١].
(٢) متفق عليه: البخاري (٣٥٦٠)، مسلم [٧/ ٨٠]، وهو في التحفة [١٢/ ٧٧].
(٣) أخرجه الترمذي [٤/ ٢٨٦]، والنسائي في الكبرى [٥/ ١١٧]، وهو في التحفة [٣/ ٦٣].
(٤) متفق عليه: البخاري (٥٢)، مسلم [٥/ ٥٠]، وهو في التحفة [٩/ ٢١].
(٥) المختصر الكبير، ص (٥٨٤)، الجامع من مختصر المدوَّنة، ص (١٢٠)، الجامع لابن يونس [٢٤/ ٦٦]، المدخل لابن الحاج [١/ ١٢٨].
[ ٤ / ٦١٠ ]
[٣٣٠٤] وقال مالكٌ: لا ينبغي لأحدٍ أن يُفَاحِشَ المرأَةَ، ولا يُرَادّها، ولا يُكْثِرُ مُرَاجَعَتَهَا (^١).
•••
[٣٣٠٥] قال ابن وهبٍ: سُئِل مالكٌ عن الأكل في المسجد؟
فقال: أمَّا الشَّيء الخفيف، مثل: السَّوِيق، والطَّعام اليسير، فأرجو أن يكون خفيفًا، وأمّا الطّعام الكثير، مثل: ألوان اللّحم، وغير ذلك، فلا يعجبني، والخفيف أيسر، ومن النّاس من يشتدّ عليه الصِّيام، وليس كلّ النّاس في الصِّيام سواءٌ، الرّجل الضَّعيف وما أشبهه، فذلك لا بأس به في الخفيف من الطّعام.
فقيل له: فالرِّحاب من المسجد؟
قال: ولا الرِّحَاب من المسجد، أكره ذلك في الطَّعام الكثير.
قال مالكٌ: أرَأَيْتَ هذا الَّذِي يأكل اللّحم في المسجد، أليس يريد أن يغسل يده؟
فقيل له: بلى.
قال: أليس يخرج؟
قالوا: بلى.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٨٤)، وقد ذكر الباجي في المنتقى [٧/ ٢١٢]، هذا النقل عن ابن عبد الحكم، وينظر كلام مالك أيضًا في: الجامع من مختصر المدوَّنة، ص (٢٢٥)، الجامع لابن يونس [٢٤/ ١٩٠].
[ ٤ / ٦١١ ]
قال: فليخرج إذا أراد أن يأكل مثل هذا.
قال مالكٌ: وقد بلغني أنَّ مساجد أهل مصر يُصْبِحُون وبقيَّةُ ذلك في مساجدهم، فلا يعجبني هذا ولا أحبّه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج:٤٠]، وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦]، فأخبر ﷿ أنَّ المساجد بُنِيَت للصَّلاة والذِّكر اللَّذَينِ هما أمر الآخرة لا أمر الدنيا، فيجب أن يجتنب الأكل والشُّرب والبيع والشَّراء فيها، وكلّ ما كان من أمر الدُّنيا.
وكذلك قال عطاء الخراساني للَّذي رآه يبيع في المسجد: «عَلَيْكَ بِسُوقِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ هذَا سُوقُ الآخِرَةِ» (^٢)، فلهذا المعنى يُكْرَه الأكل والشُّرب إذا كثر في المسجد، فأمَّا إذا خفَّ فلا بأس به.
•••
[٣٣٠٦] قال ابن القاسم: سُئِلَ مالكٌ عن الَّذِي يبني في داره مسجدًا، ويتَّخِذُ فوقه منزلًا يسكنه، فيفتحونه لِلْقَبِيلِ يصلُّونَ فيه؟
قال: لا خير في أن يَتَّخِذَ فوقه منزلًا لنفسه، وكَرِهَهُ كَرَاهِيَةً شديدة، قال: وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إمَامَ هُدَىً، وكان قد اتّخذ طريقًا إلى ظَهْرِ المسجد، فربما
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٨٤)، البيان والتحصيل [١/ ٢٦٨].
(٢) ينظر: الموطأ [٢/ ٢٤٤].
[ ٤ / ٦١٢ ]
تَصَفَّ (^١) فيه، فلم يكن تقربه فيه امرأةٌ ولا جاريةٌ، وهذا يريد أن يجعله منزلًا فوقه، فلا يعجبني ذلك (^٢).
• إنَّما كره ذلك؛ لأنَّهُ قد يجوز أن يجامع في البيت الَّذِي هو فوق المسجد ويبول فيه وأشباه ذلك، وذلك مكروهٌ؛ لأنَّه يفعل ذلك فوق المسجد، وفي ترك ذلك تعظيمٌ لأمر الله ﷿، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢].
•••
[٣٣٠٧] قال ابن القاسم: سُئِلَ مالكٌ عن تقليم الأظفار وقصّ الشّارب في المسجد، يَجْعَلُ ذلك في ثوبه؟
قال: لا يفعل ذلك، ولكن ليخرج إذا أراد أن يفعل.
فقيل له: يدفن الشَّعر والأظفار؟
فأنكر ذلك وقال لي: لا تفعله (^٣).
_________________
(١) قوله: «تصف»، كذا رسمها في شب وجه، وفي المدوَّنة وغيرها: «وقد كان عمر بن عبد العزيز إمام هدى، وقد كان يبيت فوق ظهر المسجد - مسجد النَّبيِّ ﵇، فلا تقربه فيه امرأة، وهذا إذا بني فوقه صار مسكنًا يجامع فيه ويأكل فيه».
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٨٥)، المدوَّنة [١/ ١٩٧]، الجامع لابن يونس [٢/ ٦٤٥]، البيان والتحصيل [١٨/ ١٦٣].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٨٥)، المدوَّنة [١/ ٢٩٤]، النوادر والزيادات [١/ ٥٣٤].
[ ٤ / ٦١٣ ]
• إِنَّمَا كره ذلك في المسجد؛ تعظيمًا له، ولجواز أن يسقط شيءٌ منه في المسجد، وذلك مكروهٌ.
•••
[٣٣٠٨] قال مالكٌ: ولا أحبّ لأحدٍ أن يتسوَّكَ في المسجد؛ من أجل ما يخرج من السِّواك فيلقيه في المسجد، ولا أحبُّ لأحدٍ أن يتمضمض في المسجد (^١).
•••
[٣٣٠٩] قال ابن القاسم وابن وهبٍ: سمعنا مالكًا يُسْأَل عن المصاحف، يُكْتَبُ فيها «خواتم السُّور، من كلّ سورةٍ ما فيها من آيةٍ»؟
فقال: إني لأكره ذلك في أمَّهَات المصاحف أن يُكْتَبَ فيها شيءٌ أو تُشْكَلَ، فَأَمَّا ما يتعلَّم فيه الغلمان من المصاحف الصّغار، فلا أرى بذلك بأسًا (^٢).
[٣٣١٠] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ: أرأيت من اسْتُكْتِبَ مصحفًا اليوم، أترى أن يَكْتُبَ على ما أَحْكَمَ النّاس من الهجاء اليوم؟
قال: لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكِتْبَةِ الأولى، وممّا يُبَيِّن ذلك عندي أنَّه هكذا؛ لأنَّ «براءة» لَمَّا لم يوجد أوّلها، لم يُكْتَب فيها: «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم»؛
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٨٥)، النوادر والزيادات [٢/ ٩٤]، البيان والتحصيل [٢/ ٣١٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٨٥)، النوادر والزيادات [١/ ٥٣١]، الجامع لابن يونس [٢/ ٦٩٤].
[ ٤ / ٦١٤ ]
لئَلَّا يوضع شيءٌ في غير موضعه، والنَّاس كلَّما كتبوا في الألواح من القرآن من أوّل السُّورة وآخرها، كتبوا فيه: «بسم الله الرحَّمن الرَّحيم»، ولم يفعلوا ذلك في المصاحف حين لم يجدوا أوَّل «براءة».
فقيل له: أرَأَيْتَ تأليف القرآن كلّه، كيف جاء هكذا وقد بُدِئ بالسّور الكبار، الأُوَلَ فالأُوَلِ، وبعضهم نزل قبل بعضٍ؟
فقال: أجل، قد نَزَلَ بمكَّة، وأُنْزِلَ عليه بالمدينة، ولكن أرى أنَّهم ألَّفُوا على ما كانوا يسمعون من قراءة رسول الله ﷺ (^١).
• إِنَّمَا كره إثبات عدد آي السّور في أولّ كلّ سورةٍ في المصاحف الأمّهات؛ لأنَّ ذلك محدثٌ، ولم يكن في القديم، فكره ذلك، وكذلك شَكْلُ المصحف ونَقْطُهُ، لم يكن ذلك في عصر أصحاب رسول الله ﷺ، وإنّما حدث بَعْدُ، فكره مالكٌ ذلك في أمّهات المصاحف.
فأمَّا ما كان لتعليم الصّبيان وغيرهم، فإنَّ ذلك خفيفٌ؛ للحاجة إلى ذلك.
•••
[٣٣١١] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عن الحلية للمصاحف (^٢)؟
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٨٦)، وقد روى أبو عمرو الدَّاني في المقنع، ص (١٩)، هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر: النوادر والزيادات [١/ ٥٣١]، البيان والتحصيل [١٨/ ٣٥٤].
(٢) قوله: «الحلية للمصاحف»، حلية السيف والمصحف، هي ما يحلَّى به ويزين، ينظر: المصباح المنير، ص (١٤٩).
[ ٤ / ٦١٥ ]
فقال: لا بأس به، وإنَّه لحسنٌ، إنَّ عندي لمُصْحَفًَا لجدّي، كتبه إذ كتب عثمانُ المصاحف، عليه حليةٌ كثيرةٌ من فضَّةٍ، كذلك كان، ما زِدْتُ أنا فيه شيئًا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في فعل ذلك زينةً للمصحف وجمالًا له، وذلك مباحٌ؛ لأنَّ حلية السّيف والمصحف ولبس الخاتم إذا كان ذلك كلّه من فضَّةٍ جائزٌ للرجال، لا يجوز لهم اتِّخاذ حليٍّ غير هذا.
•••
[٣٣١٢] وسُئِلَ مالكٌ عن الحرف يكون في القرآن، مثل: الواو، والألف، أترى أن يُغَيَّر من المصحف إذا وُجِدَ فيه كذلك؟
قال: لا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز تغيير المصحف عمّا نُقِل عليه، مِمَّا نقله الخلف عن السّلف، ولو جاز تغيير الحرف منه، لجاز تغيير الكلمة، وهذا غير جائزٍ؛ لأنَّهُ يؤدّي إلى تغيير القرآن وتبديله.
•••
[٣٣١٣] قال ابن القاسم: وسمعت مالكًا يكره أن يُكْتَبَ القرآن في الصُّحُفِ، قال: بلغني أنَّ رجلًا قال له: «أكْتُبُ في الصُّحُفِ، أتخفَّفُ بها»؟
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٨٦)، البيان والتحصيل [١٨/ ٢٧٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٨٦)، وقد نقل أبو عمرو الداني في المقنع، ص (٣٦)، هذه المسألة عن ابن عبد الحكم.
[ ٤ / ٦١٦ ]
فكره ذلك أن يُفَرَّقَ في كتابه، فيُحمَلَ أسداسًا وأسباعًا، وعاب ذلك على من فعله (^١).
• إِنَّمَا كره ذلك؛ لئلا يُفَرَّق القرآنُ؛ وليكون في موضعٍ واحدٍ.
وليُتْرَك على ما جعله السّلف؛ لأنَّهُ ينبغي لنا أن نقتدي بفعلهم ونتَّبِع آثارهم، وقد مدح جلَّ وعزَّ التابعين للسَّلف فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، وذمَّ مخالفة طريقهم فقال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء:١١٥].
•••
[٣٣١٤] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عن صبيٍّ - ابن سبع سنين - ختم القرآن؟
قال: ما أرى هذا ينبغي (^٢).
• إنّما كره ذلك؛ لأنَّهُ إذا تعلّمه على هذه السُّرعة، لم يُحْكِم أَخْذَهُ ويعرف حدوده، وسَبِيلُ مَنْ تعلّمَ القرآن أن يتعلَّمه ويتبيّن أحكامه وحدوده حسب طاقته، والصّبي لا يمكنه هذا في الأغلب، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يبقون في السُّورة المدّة الطَّويلة، يتعلَّمونها ويتبيّنون ما فيها من الأحكام.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٨٦)، النوادر والزيادات [١/ ٥٣١]، الجامع لابن يونس [٢/ ٦٩٥]، البيان والتحصيل [١/ ٣١٠].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٨٧)، المنتقى للباجي [١/ ٣٤٩]، البيان والتحصيل [١٨/ ٢٨٧].
[ ٤ / ٦١٧ ]
[٣٣١٥] قال ابن القاسم وابن وهبٍ: سألنا مالكًا عن الإيمان، يزيد؟
قال: قد ذكر الله تعالى زيادته في غير آيٍ مِنَ القُرْآنِ.
فقلت له: أبعضه أفضل من بعضٍ؟
فقال: نعم.
قال مالكٌ: الإيمان: القول والعمل (^١).
• إنَّمَا قال: «إنَّ الإيمان يزيد»؛ لأنَّ الله تعالى قد ذكر زيادته في غير موضعٍ، فقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، وقال: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١].
فأمَّا نقصانه، فقد كره مالكٌ الكلام فيه؛ لأنَّهُ لم ير له ذكر نقصانٍ في كتاب الله ﷿، ولا سنَّة رسوله ﷺ.
والدّليل على أنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ، قول الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، فدلَّ على أنَّ الكلم الطيِّب يرتفع بالعمل الصَّالح.
وكذلك رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ البَيْتِ» (^٢)،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٨٧)، وقد نقل ابن عبد البر في الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء، ص (٣٣)، هذه المسألة عن ابن وهب.
(٢) متفق عليه: البخاري (٨)، مسلم [١/ ٣٤]، وهو في التحفة [٦/ ١٤].
[ ٤ / ٦١٨ ]
فجعل أعمال الإسلام من الإسلام، بمنزلة قول لا إله إلَّا الله، أنَّ الإسلام إلَّا يتمُّ إلّا بها، فكذلك شرائعه، لا يتمّ الإسلام إلَّا بإتيانها.
•••
[٣٣١٦] وسُئِلَ مالكٌ عمَّن يتحدث الحديث الَّذِي قالوا: «إِنَّ الله تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» (^١)، والَّذِي جاء: «أَنَّ الله يَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ يَومَ القِيَامَةِ، وَأَنَّهُ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي جَهَنَّمَ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا مَنْ أَرَادَ» (^٢)؟
فأنكر ذلك إنكارًا شديدًا، ونهى أن يَتَحَدَّثَ بها أحدٌ (^٣).
فقيل له: إنَّ ناسًا من أهل العلم يتحدّثون بها؟
فقال: من هم؟
فقلنا له: ابن عجلان، عن أبي الزِّناد.
فقال: لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء، ولم يكن عالمًا (^٤).
• إنّما كَرِهَ أن يُتَحَدَّثَ بهذِهِ الأشياء؛ مِنْ قِبَلِ أنَّها ليست صحيحة الإسناد
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٦٢٢٧)، مسلم [٨/ ١٤٩]، وهو في التحفة [١٠/ ٣٩٩].
(٢) متفق عليه: البخاري (٧٤٣٩)، مسلم [١/ ١١٤]، وهو في التحفة [٣/ ٤١٠].
(٣) ينظر التعليق على كلام الإمام مالك في: الفتاوى الكبرى لابن تيمية [٦/ ٦١٩]، وعقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن، للشيخ حمود التويجري، ص (١٠).
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٨٧)، النوادر والزيادات [١٤/ ٥٥٣]، الجامع من مختصر المدوَّنة، ص (١٢٤)، أصول السنة لابن أبي زمنين، ص (٧٥).
[ ٤ / ٦١٩ ]
عنده (^١)، فلا يجوز أن يضاف إلى رسول الله ﷺ ويُتَحَدَّث عنه بما ليس بصحيح الرّواية عنه.
ولأنَّ في ذلك ضربًا من التّشبيه، والله يتعالى عن التّشبيه بخلقه، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] (^٢).
ولأنَّ هذه الأحاديث إذا صحَّت، لم توجب علم الحقيقة، وإنّما توجب علم الظَّاهر، ولا يجوز ترك ما يوجب العلم الحقيقيَّ الَّذِي أوجبه العقل بخبر غير صحيحٍ، ولو صحَّ أيضًا، لَمَا أوجب العلم الحقيقيَّ كما يوجبه العقل والقياس (^٣).
•••
_________________
(١) هذا التعليل، حكاه ابن القاسم، كما في المستخرجة، ينظر: البيان والتحصيل [١٦/ ٤٠١].
(٢) كذا علل الشيخ أبو بكرٍ هذه الرواية عن مالك، وقد خالفه فيها أبو الوليد محمد بن رشد، كما في البيان والتحصيل [١٦/ ٤٠٢]، وابن عبد البر، كما في التمهيد [٧/ ١٥٠]، حيث ذكرا أنَّ مالكًا إنَّما كره أن تشاع رواية هذه الأحاديث، ويكثر التَّحدُّث بها، فيسمعها الجهَّال الذين لا يعرفون تأويلها، فيسبق إلى ظنونهم التَّشبيه بها.
(٣) أشار أبو الوليد محمد بن رشد ﵀ إلى هذا التعليل في البيان والتحصيل [١٦/ ٤٠١]، ورَدَّهُ، فقال: «ولا اختلاف بينهم أيضًا في جواز إطلاق القول بأنَّ لله يدين ووجهًا وعينين؛ لأنَّ الله وصف بذلك نفسه بكتابه، فوجب إطلاق القول بذلك، والاعتقاد بأنَّها صفات ذاته، من غير تكييف ولا تشبيه ولا تحديد؛ إذ لا يشبهه شيءٌ من المخلوقات، هذا قول المحقِّقين من المتكلِّمين. وتوقف كثيرٌ من الشُّيوخ عن إثبات هذه الصِّفات الخمس، وقالوا: لا يجوز أن يثبت في صفات الله ما لم يعلم بضرورة العقل ولا بدليله، وتأوَّلوها على غير ظاهرها، فقالوا: المراد بالوجه الذات، كما يقال: «وجه الطريق، ووجه الأمر ذاته ونفسه»، والمراد بالعينين إدراك المرئيات، والمراد باليدين النعمتين، وقَوْله تَعَالَى: ﴿بِيَدَيَّ﴾، أي: ليدي؛ لأنَّ حروف الخفض يبدل بعضها من بعض. والصَّواب قول المحقِّقين الذين أثبتوها صفاتٍ لذاته تعالى، وهو الذي قاله مالكٌ في هذه الرِّواية».
[ ٤ / ٦٢٠ ]
[٣٣١٧] وقد سُئِلَ مالكٌ عمَّا رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» (^١)؟
فقال: تُرْسَلُ هذه الأحاد [يث] كما جاءت - يعني: إذا صحَّت - (^٢).
وسُئِلَ عن: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]؟
فقال: الاستواء معلومٌ، والكيفيّة غير معلومةٍ، والسُّؤال عن هذا بدعةٌ (^٣).
_________________
(١) أخرجه مالك [٢/ ٢٩٨]، ومن طريقه البخاري (١١٤٥)، ومسلم [٢/ ١٧٥]، وهو في التحفة [١٠/ ٩٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٨٨)، وقد روى ابن أبي زمنين في أصول السنة، ص (١١٣): «وأخبرني وهب عن ابن وضاح، عن زهير بن عبادة قال: كلّ من أدركت من المشايخ: مالك، وسفيان، وفضيل بن عياض، وعيسى، وابن المبارك، ووكيع، كانوا يقولون: النزول حق».
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٨٨)، النوادر والزيادات [١٤/ ٥٥٢]، الجامع لابن يونس [٢٢/ ٢٩٣]، البيان والتحصيل [١٦/ ٣٦٧].
[ ٤ / ٦٢١ ]
وكان مالكٌ يكره الخوض في الكلام والجِدَالَ في الدِّين، وقال: الجدال في الدِّين يُقَسِّي القلب (^١).
•••
[٣٣١٨] قال أشهب: وقال مالكٌ: وقد أُمِرَ النَّاس أن يُصَلُّوا نحو بيت المقدس ستَّة عشر شهرًا، ثمَّ أمِرُوا بالبيت، فقال الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، في صلاتهم إلى بيت المقدس.
قال مالكٌ: وإنّي لأكره قراءة (^٢) هذه الآية، ما قالت المرجئة: «إنّ الصَّلاة ليست من الإيمان»، وقد سمّاها الله ﷿ من الإيمان (^٣).
•••
[٣٣١٩] قال: وسمعت مالكًا وسُئِلَ عمَّن قَدِرَ على كلام الزَّنادقة والقدرية والإباضيَّة وأصحاب الأهواء، يُكَلِّمُهُم؟
قال مالكٌ: لا يُكَلِّمُهُم، وإنَّ الَّذِينَ كانوا يَخْرُجُونَ، إِنَّمَا عابوا المعاصي لله ﷿، وإنَّ هؤلاء تكلّموا في أمر الله جَلَّ وَعَزَّ (^٤).
_________________
(١) الانتقاء لابن عبد البر، ص (٣٤)، ترتيب المدارك [٢/ ٣٩].
(٢) قوله: «لأكره قراءة» كذا في شب، وفي جه: «لأذكر بقراءة»، إلا أنَّ قوله و«بقراءة»، شبه مطموس، ونحوها عبارة مالك في العتبية، كما في البيان والتحصيل [١٨/ ٢٦٨].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٨٨)، وقد روى ابن عبد البر في الانتقاء، ص (٣٤)، هذه المسألة عن أشهب، وينظر: البيان والتحصيل [١٨/ ٢٦٨].
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٨٨)، الجامع من مختصر المدوَّنة، ص (١٢٥).
[ ٤ / ٦٢٢ ]
[٣٣٢٠] قال ابن وهبٍ: سمعت مالكًا يقول: كان ذلك الرَّجُلُ (^١)، إذا جاءه بعض هؤلاء، قال: «أمَّا أنا فعلى بيِّنةٍ من رَبِّي، وأمّا أنت فاذهب إلى شاكٍّ مثلك فخاصمه».
وقال ذلك الرّجل: «يُلَبِّسُونَ على أنفسهم، ثمَّ يطلبون من يُلَبِّسون عليهم» (^٢).
[٣٣٢١] قال أشهب: سألت مالكًا عن مجالسة القدرية وكلامهم؟
فقال: لا تجالسهم ولا تكلّمهم، إلَّا أن تجلس إليهم تُغَلِّظُ عليهم.
قلت: إنَّ لنا جيرانًا أجالسهم، ولا أكلّمهم ولا أخاصمهم.
قال: لا تجالسهم، عَادِهِم في الله، فإن الله جَلَّ وَعَزَّ يقول: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢]، فلا تُوَادُّوهم ولا تزوروهم.
وقال: ما أَبْيَنَ هذا في الردِّ على القدرية: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً
_________________
(١) ذكر ابن أبي زيد في الجامع من مختصر المدوَّنة، ص (١٢٥)، أن هذا الرجل، هو عبد الله بن عمر ﵁.
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٨٩)، الجامع من مختصر المدوَّنة، ص (١٢٥)، الإبانة الكبرى لابن بطة [١/ ٤٠٤]، أصول السنة لابن أبي زمنين، ص (٣٠١).
[ ٤ / ٦٢٣ ]
فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة:١١٠]، وقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ (^١)، فهذا لا يكون أبدًا يرجع ولا يزال (^٢).
[٣٣٢٢] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عن عيادة أهل القدر؟
فقال: لا تعودوهم، ولا تُحَدِّث عنهم.
قال: وكان لقمان الحكيم يقول لابنه: «يا بني: لا تجالس الفُجّار ولا تماشهم، لا ينزل عليهم عذابٌ فيصيبك معهم، يا بني: جالس الفقهاء ومَاشِهم، عسى أن تنزل عليهم رحمةٌ فتصيبك معهم» (^٣).
[٣٣٢٣] قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن أهل الأهواء، أَيُسَلَّم عليهم؟
قال مالكٌ: أهل الأهواء بئس القوم، لا يُسَلَّم عليهم، واعتزالهم أحبّ إليّ (^٤).
[٣٣٢٤] قال: وسمعت مالكًا وسُئِلَ عن الرّجل يُتَّهَمُ بهذه الأهواء: الإباضيَّة والقدرية وغير ذلك، أتَرَى بهجرته بأسًا؟
فقال: من كان هكذا، فلا خير فيه (^٥).
_________________
(١) قول الله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ﴾، الآية، جاء في شب، وجه: (يا نُوح أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ).
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٨٩)، الجامع من مختصر المدوَّنة، ص (١٢٥)، البيان والتحصيل [١٨/ ٢١٠].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٨٩)، الجامع من مختصر المدوَّنة، ص (١٢٥).
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٨٩).
(٥) المختصر الكبير، ص (٥٩٠).
[ ٤ / ٦٢٤ ]
• إنَّما قال: «إنَّه لا يُكَلَّم أهل الأهواء والبدع على وجه الجدال والنَّظر»؛ لأنَّهُ يُكره له أن يزيلوه عن الحقِّ الَّذِي يعتقده ويقدحوا له شكًّا فيما هو عليه من الصّواب والسّلامة واتِّباع الحق، لا سيما إذا كان المُكِلِّمُ لهم غير عالمٍ بالكلام، ومعرفة الدَّليل العقلي والسّمعي، والعلم بأصول ذلك، فاستحب له مالكٌ ترك كلامهم على وجه الجدال.
فأمَّا على وجه النَّصيحة لهم والغلظة، فَإِنَّهُ يجوز ذلك؛ لجواز أن يتركوا ما هم عليه.
فأمَّا كراهته لكلامهم في غير الجدال أيضًا، والسَّلامِ عليهم، وعيادتهم إذا مَرِضُوا، وتزويجهم والتّزويج إليهم، فإنّهم لَمَّا كانوا على غير حقٍّ في دينهم، وجب مباينتهم، كما وجب مباينة أهل المعاصي والظُّلم، وقد قال الله ﷿: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء:١٤٠]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]، فوجب لِمَا ذكرنا مجانبة أهل المعاصي والبدع والزّيغ؛ لفعلهم ما لا يجوز، واعتقادهم غير الحقِّ.
ويكره لمخالفة أهل الحق لهم أن يُنْسَبُوا إليهم، وقد قال الأعمش: «اجتمع رأي التّابعين، أن لا يسألوا عن المرء بعد أن ينظروا من يخادن» (^١)، وقد رُوِيَ عن
_________________
(١) أخرجه ابن بطة في الإبانة [٢/ ٤٥٢].
[ ٤ / ٦٢٥ ]
النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: «المَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَال» (^١)، فيكره بما ذكرنا كلامُ أهل البدع كلّهم على وجه الجدال وغيره، وتجب مجانبتهم وترك الأُنْسِ بهم، وقد رُوِيَ عن عبد الله بن مسعودٍ أَنَّهُ قال: «إِذَا رَأَيْتَ الفَاجِرَ، فَالْقَهُ بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍ» (^٢)، فلهذا قال مالكٌ: إنَّه لا يُسَلَّم عليهم، ولا يَزَوَّج أحدٌ من أهل الأهواء والبدع، من: القدرية، والإباضيَّة، والخوارج، ومن أشبههم.
وقال عبد الرزاق: سألت مالكًا عن القدريّ؟
فقال: هو الَّذِي يقول: «إنَّ الله لا يعلم الشَّيء حَتَّى يكون».
وعلى هذا يدلُّ كلام مالكٍ واحتجاجه على القدرية، أنَّهم هم عنده الَّذِينَ يقولون هذا القول.
وهذا القول مِمَّنْ قاله مخالفٌ للقرآن؛ لأنَّ الله جَلَّ وَعَزَّ قد أخبر عمَّا لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، فقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]، وقال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣]، (^٣) فمن قال: «إنَّ علم الله جَلَّ وَعَزَّ محدثٌ»، فقد خالف كتاب الله، وضلَّ بقوله، وخالف ما مضى عليه سلف هذه الأمَّةِ.
وقال مالكٌ، عن عمّه أبي سهيلٍ: سألني عمر بن عبد العزيز عن القدريَّة؟
فقلت: أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا وإلّا عرضتهم على السّيف.
_________________
(١) أخرجه أبو داود [٥/ ٢٨٧]، والترمذي [٤/ ١٨٧]، وهو في التحفة [١٠/ ٣٧٧].
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير [٩/ ١١٢].
(٣) تبدأ اللوحة عند قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
[ ٤ / ٦٢٦ ]
قال عمر: ذلك رأيي.
قال مالكٌ: وذلك رأيي (^١).
وقال ابن القاسم: سألت مالكًا عن الإباضيَّة؟
فقال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا قُتِلوا (^٢).
قلت: فهذا رأي مالكٍ في الإباضيَّة وحدهم؟
قال: هذا رأي مالكٍ في الإباضيَّة، وفي سائر أهل البدع.
وقال ابن وهبٍ، وأشهب، وابن عبد الحكم عن مالكٍ في الإباضيَّة: إنَّهم يستتابون، وكذلك أهل البدع كلّهم يستتابون، فإن تابوا، وإلا قتلوا (^٣).
وقالوا جميعًا: لا يُعَادُ أهل البدع، مِنَ: القدرية، والإباضيَّة، وأشباههم من أهل الأهواء (^٤).
قال مالكٌ هذا في كتبه الأحكام، مثل: الحدود، والجهاد، لا في حِكَايَةٍ شاذَّةٍ عنه.
_________________
(١) ينظر: الموطأ [٥/ ١٣٢٤].
(٢) ينظر: الموطأ [٥/ ١٣٢٤]، المدوَّنة [٥/ ٥٣٠].
(٣) ينظر: النوادر والزيادات [١٤/ ٥٢٤].
(٤) ينظر: المدوَّنة [١/ ٢٥٨، ٥٣٠].
[ ٤ / ٦٢٧ ]
وقال ابن القاسم: قال مالكٌ: إذا خرج قومٌ على إمام عدلٍ، فأظهروا الهوى والعصبيَّة كما فعله أهل الشّام، فأرى أن يُجَاهَدُوا حَتَّى يرجعوا إلى الحقِّ (^١).
وقال مالكٌ: لا يُصَلَّى خلف أهل البدع، ولا تُقْبَل شهادتهم (^٢).
فهذا مذهب مالكٍ في أهل البدع والأهواء، مثل: القدريَّة، والإباضيَّة، والخوارج، ومن أشبههم.
ورأيت في كتاب رجلٍ ليس من أهل الفقه، قد نسب مالكًا إلى رأي الإباضيَّة، والشافعيّ إلى رأي الرّافضة، وأبا حنيفة إلى الإرجاء، ولم يَحِلَّ لهذا الرّجل أن يَنْسِبَ هؤلاء القوم إلى دينٍ لا يُعرَفون به.
فأمَّا مالكٌ: فقد ذكرنا قوله في الإباضيَّة، وما يراه من الرّأي فيهم، أنَّهم يُستَتابون، فإن تابوا وإلَّا قُتِلوا.
والإباضيَّة ضربٌ من الخوارج، يتولَّون أبا بكرٍ وعمر، ويتبرَّؤون من عثمان وعليٍّ وكثيرٍ من الصَّحابة ﵃.
فهذا ما عرفناه من مذهب مالكٍ، فأمَّا ما في القلب، فلا يعلمه إلّا خالق القلب، ولا يحلّ لأحدٍ أن يَنْسِبَ أحدًا إلى دينٍ لا يعلمه، لا سيّما مثل مالك بن أنسٍ في دينه وفضله وإمامته؛ إذ كان من أهل القرآن والحديث والفقه
_________________
(١) ينظر: المدوَّنة [١/ ٥٣٠].
(٢) ينظر: المدوَّنة [١/ ١٧٧]، التوسط بين مالك وابن القاسم، ص (٢٩).
[ ٤ / ٦٢٨ ]
والورع، وهو إمام دار الهجرة، وشيخ الحجاز الَّذِي حفظ علم الحجاز وعرفه، وقال الشافعيُّ: «لولا مالكٌ وابن عيينة، لذهب علم الحجاز» (^١).
وابن عيينة، فإنَّما نُقِلَ عنه الحديث ولم ينقل عنه الفقه، ومالكٌ فنُقِلَ عنه الأمران جميعًا.
وقد أفتى مالكٌ نحوًا من سبعين سنةً، وحدَّث مثلها، وحُدِّثَ عنه عشرون ومئة سنةٍ، منها خمسون سنةً وهو حيٌّ، وحدَّث عنه جماعةٌ من التَّابعين، مثل: الزّهريّ، ويحيى بن سعيدٍ الأنصاريّ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وحدَّث عنه الأئمة، مثل: الأوزاعيّ، والثّوريّ، وأبي حنيفة، وحملوا عنه، فكيف يحلُّ لأحدٍ أن يُضِيف مثل هذا الرّجل الجليل إلى بدعةٍ، هذا ما لا يسع مسلمًا فعله.
وقد كان مالكٌ - لشدّته على أهل الأهواء والزَّيغ - ينحرفون عنه، فأمَّا أن يُتَعَّلق عنه ببدعةٍ أو حادثةٍ، فنعوذ بالله من ذلك، وقد كان أشدَّ النَّاس اتّباعًا لسلفه وشيوخه مِمَّنْ أدركهم، وإنّما أدرك التَّابعين [في الأكثر] وجالسهم وأخذ عنهم، وقد كان مع ذلك مُعَظِّمًَا للدِّين وأهله، مُجِلًّا للعلم، حَتَّى لا يحدِّثُ إلَّا على طهارةٍ، ولا يفتي إلَّا كذلك، هذا مشهورٌ عنه.
وقد قال عبد الرحمن بن مهدي: ما رأيت رجلًا أعقل من مالكٍ، ولا رأيتُ أحدًا، لله أهيب في قلبه من مالكٍ» (^٢).
وكُتُبُ مالكٍ مملوءةٌ بالرِّواية عن أهل البيت، مثل: عليّ بن أبي طالب،
_________________
(١) ينظر: آداب الشافعي ومناقبه، لابن أبي حاتم، ص (١٥٧).
(٢) ينظر: مسند الموطأ للجوهري، ص (١٠٩).
[ ٤ / ٦٢٩ ]
وولده من بعده، وقد جالس جعفر بن محمد سنين وحَمَلَ عنه، وإنَّه ليقول في الموطَّأ: «بلغني عن عليّ بن أبي طالبٍ»، فيبنى عليه الباب ويقول به، ويكون عنده خبرٌ متَّصلٌ عن عمر وابنه فيدعه، وكذلك عن غيره، لِمَا يرى أنَّ الحقَّ في غيره، وكذلك يقول: «بلغني عن ابن مسعودٍ، فيبنى عليه ويقول به».
وقد رُوِيَ عن معنٍ أنَّه قال: سمعت مالكًا يقول: من سبَّ واحدًا من السَّلفِ، فلا حظ له في الفيء (^١).
وقال ابن وهبٍ: قيل لمالكٍ: لم لا تخضب؟
فقال: كان عليُّ بن أبي طالبٍ لا يخضب.
وروى غيره: أنَّ رجلًا من ولاة المدينة قال لمالكٍ: يا أبا عبد الله، لم لا تخضب؟
فقال: لم يبق من عدلك إلّا أن أخضب أنا، كان عليّ بن أبي طالبٍ لا يخضب (^٢).
وقال ابن وهبٍ: سمعت مالكًا يقول: تُوُفِّي رسول الله ﷺ، فقام أبو بكرٍ سنتين، وعُمَرُ عشر سنين، وعثمان اثنتي عشرة سنةً، ثمَّ سار عليٌّ مَسِيرَهُ، فخرجت عليه الخوارج.
فهذا مذهب مالكٍ واعتقاده فيمن خالف عليًّا وقاتله؛ لأنَّه يرى أنَّ الحق معه والصّواب ما هو عليه، ومن خالفه مخطئٌ، لكنّه غير كافرٍ ولا فاسقٍ ولا ضالٍّ
_________________
(١) ينظر: النوادر والزيادات [٣/ ٣٩٨].
(٢) ينظر: الاستذكار لابن عبد البر [٢٧/ ٨٦].
[ ٤ / ٦٣٠ ]
بالخطأ؛ لأنَّ المجتهد في الدِّينِ - إذا كان في غير التّوحيد والعدل - إذا أخطأ معذورٌ، لا يُكَفَّر ولا يُفَسَّق.
ألا ترى: أنَّ أصحاب رسول الله ﷺ قد خالف بعضُهم بعضًا في الأحكام، وخطَّأَ بعضهم بعضًا، ثمَّ لم يُكَفِّر أحدهم من خالفه ولا ضَلَّله؛ لأنَّ طريق ما قالـ[ـوا فيه] الاجتهاد لا النّصّ، وكذلك ما فعلوه في الإمامة، طريقه الاجتهاد لا النَّصّ، فلم يُكَفِّروا ولم يُفَسِّقُوا ولم يُضِلّوا، وإن أخطأ بعضهم في الاعتقاد والفعل، وقد قال رسول الله ﷺ: «إِذَا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنِ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» (^١).
فهذا مذهب أهل العلم والفقهاء في اجتهاد أصحاب رسول الله ﷺ في الأحكام كلّها، من الإمامة وغيرها، أنَّ المصيب منهم مأجورٌ، والمخطئ معذورٌ بخطئه، غير كافرٍ ولا فاسقٍ ولا ضالٍّ، ومن خرج عن هذا الاعتقاد فيهم، خرج ولم يحلّ له ذلك، لا أنَّه (^٢) ينسب بعضهم إلى كفرٍ أو فسقٍ أو ضلالٍ، ونعوذ بالله من ذلك.
وسأذكر مسألة الإباضية وسائر أهل البدع وأذكر قول مالكٍ فيهم. وما رواه في الموطأ عن عليٍّ من المسند والمقطوع، وما رواه عن ولده، منهم: جعفر بن محمَّدٍ وغيره، وما رواه عن ابن مسعودٍ.
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٧٣٥٢)، مسلم [٥/ ١٣١]، وهو في التحفة [٨/ ١٥٧].
(٢) قوله: «لا أنَّه»، كذا في شب، وفي جه: «لأنه».
[ ٤ / ٦٣١ ]
فقد حُكِيَ عمَّن قطع الله لسانه وجدَّدَ عذابه عليه، أنَّه حكى عن مالكٍ أنّه قال: «عليٌّ وابن مسعودٍ مِمَّنْ نفته المدينة».
ولقد كذب من قال هذا عنه، وكيف يقول ذلك وهو يروي عنهم ويأخذ بقولهم ويتَّبع آثارهم.
وإنَّما روى مالكٌ وغيره من العلماء، - منهم الثَّوريُّ -، عن محمد بن المنكدر، عن جابرٍ: «أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَدِمَ المَدِينَةَ، وَبَايَعَ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى الإِسْلَامِ، ثمَّ إِنَّ الأَعْرَابِيَ وَعِكَ، فَجَاءَ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، ثمَّ جَاءَ إِلَيْهِ مِنَ الغَدِ، فَأَبَى، فَهَرَبَ الأَعْرَابِيُّ وَخَرَجَ عَنِ المَدِينَةِ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ: المَدِينَةُ كَالكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا، وَيَنْصَعُ طِيبُهَا» (^١)، وقال النَّبيُّ ﷺ: «لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنَ المَدِينَةِ رَغْبَةً عَنْهَا، إِلَّا أَبْدَلَهَا الله تَعَالَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ» (^٢)، وقال: «لا يَصْبِر أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا، إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًَا أَوْ شَفِيعًَا يَوْمَ القِيَامَةِ» (^٣).
ومعلومٌ أنَّ أصحاب رسول الله ﷺ لم يخرجوا عن المدينة رغبةً عنها، وعن الكون بقرب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وجواره، رغبةً عنه من أجل دنيا، وإنّما خرجوا لحاجتهم إلى الخروج، ولطلب الطاعة، مثل: الجهاد، والرِّباط، والحجّ، والعمرة، والأعمال الَّتِي بالنّاس ضرورةٌ إلى من يعملها: كالإمرة، والعمالة، والحكم، وأخذ الصّدقة، وأشباه ذلك، فمتى خرج الإنسان عن المدينة لهذه الوجوه، أو لطلب فضل الله، أو حاجةٍ، ولم يكن خروجه رغبةً عنها، فليس
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (١٨٨٣)، مسلم [٤/ ١٢٠]، وهو في التحفة [٢/ ٣٦١].
(٢) أخرجه مسلم [٤/ ١١٣]، وهو في التحفة [٣/ ٢٩٤].
(٣) هي قطعة من الحديث المتقدِّم.
[ ٤ / ٦٣٢ ]
مِمَّنْ نفته المدينة، ومتى خرج رغبةً عنها وكراهية الإقامة فيها، لا من أجل شدَّةٍ تلحقه، فهو مِمَّنْ نفته المدينة.
(وقد سمعت من يذكر أنَّ لمالك بن أنسٍ كتاب سِرٍّ، وكان مالكٌ أتقى لله ﷿ وأعظم شأنًا أن يتَّقِي في دينه أحدًا أو يراعيه، وكان مشهورًا بهذه الحال، وأنَّه لا يتَّقى أحدًا من سلطانٍ ولا غيره.
وقد نظرت في غير نسخةٍ من كتاب السرِّ تنقض بعضها بعضًا، ولو سمع مالكٌ إنسانًا يتكلّم ببعض ما فيه، لأوجعه ضربًا.
وقد حدَّثني موسى بن إسماعيل القاضي، قال: سمعت عبد الله بن أحمد الطيالسيِّ يقول: سألت إسماعيل بن إسحاق عن كتاب السِّرِّ لمالكٍ؟
فقال: سألت أبا ثابتٍ، محمد بن عبيد الله المدنيِّ - صاحب ابن القاسم -: هل لمالكٍ كتابُ سِرٍّ؟
فقال: سألت ابن القاسم عن ذلك، فقال: ما يُعْرَفُ لمالكٍ كتاب سرٍّ (^١).
فأمّا كراهيته للصّلاة خلف أهل البدع؛ فلأنَّهم على غير حقٍّ، فوجب أن لا يكونوا أئمةً يُقْتَدى بهم ويُؤْتمُّ بأفعالهم.
ألا ترى: أنَّ الفاسق يُكْرَهُ أن يُصَلَّى خلفه ويُقْتَدى بفعله، فكذلك المبتدع مثله.
_________________
(١) من قوله: «وقد سمعت»، إلى هذا الموضع، نقله ابن شاس عن الأبهري، في عقد الجواهر [١/ ٦٨].
[ ٤ / ٦٣٣ ]
ولأنَّ الإمامة، لَمَّا كان الأولى بها من كان من أهل الدِّين والقرآن والعلم؛ لفضله على غيره، كان أن لا يكون المبتدع إمامًا أولى؛ لنقصه عن أهل الحقِّ والصَّواب؛ لاعتقاده البدعة.
وكذلك لا يجوز قبول شهادتهم؛ لِأَنَّهُم غير عُدُولٍ باعتقادهم الخطأ؛ لأنَّهُ لَمَّا لم يجز قبول شهادتهم مع فعلهم الخطأ وإتيانهم له - أعني: ركوبهم الكبائر -؛ لخروجهم بهذا عن الحقّ، فكذلك لا يجوز قبول شهادتهم؛ لخروجهم عن الحقّ باعتقادهم البدعة.
ولَمَّا لم يجز قبول شهادة الكافر على المسلم؛ لمخالفته له في الاعتقاد وخطأ الكافر في اعتقاده، وجب أن لا تقبل شهادة أهل البدع؛ لخطئهم في اعتقادهم على أهل الحقِّ.
ولأنّهم غير مأمونين أيضًا في النّقول على أهل الحقِّ؛ لمخالفتهم لهم في الاعتقاد وعداوتهم لهم في ذلك، وشهادة العدوّ على العدوّ غير مقبولةٍ إذا كانت العداوة في الدِّينِ، لا تقبل شهادة المُبْطِل على المحقِّ، وتقبل شهادة المحقّ على المبطل؛ بدلالة: قبول شهادة المسلم على الكافر، وترك قبول شها [دة] الكافر على المسلم.
ولَمَّا كانت العداوة في أمر الدنيا بين النّاس لا يجوز معها قبول شهادة بعضهم على بعضٍ؛ لِمَا يُتَّهَمُ العدو في الشّهادة على عدوه، كانت العداوة في أمر الدِّين أولى أن لا يجوز قبول الشّهادة معها، وأن لا تقبل شهادة المبطل في الدّين على المحقّ.
وكما وجب قتال أهل العدل لأهل البغي وردِّهم حَتَّى يرجعوا إلى
[ ٤ / ٦٣٤ ]
الحقِّ؛ لمخالفتهم لأهل الحقِّ، كذلك وجب أن لا يُقْبَل قولهم على أهل الحقِّ؛ لمخالفتهم إيَّاهم في الحقِّ.
فأمَّا وجوب قتل أهل البدع والأهواء إذا لم يَتْرُكُوا ما هم عليه ويرجعوا إلى الحقّ؛ فلأنّ الله سبحانه لَمَّا أمر بقتال أهل البغي حَتَّى يرجعوا إلى الحقّ ويتركوا ما هم عليه من الباطل، وجب أيضًا أن يؤمر أهل البدع بترك البِدَعِ والرّجوع إلى الحقّ، فإن فعلوا وإلّا جاز قتلهم.
وكما جاز قتل الزَّاني المحصن، والقاتل العمد، وإن تابا؛ لفعله ما قد نهاه الله عنه من الفساد، كذلك جاز قتل أهل البدع؛ لفعلهم واعتقادهم ما قد نهاهم الله ﷿ عنه من الباطل.
ولَمَّا جاز قتل اللُّصوص إذا خرجوا لطلب المال، وجاز قتلهم إذا قُدِر عليهم من غير توبةٍ؛ لأنَّ فعلهم يؤدِّي إلى إ [فـ]ـساد المال، ويُدْخِلُ على النّاس الضَّرر في معاشهم وسبلهم الَّتِي لا بدّ لهم من [سـ]ـلوكها، جاز قتل أهل البدع إذا لم يتوبوا؛ للضّرر الَّذِي يلحق النّاس في دينهـ[ـم]؛ لأنَّهم يَدْعُون النّاس إلى دينهم، ويُعَلِّمُونهم ويقتدي النّاس بهم - وإن لم يعلمّو [هم -، فَإِنَّهُ يـ]ـدخل عليهم من الضَّرر في دينهم أكثر من الضّرر الَّذِي يدخل عليهم في دنـ[ـيا] هم مِمَّا يفعله اللّصوص وقطاّع الطريق الَّذِينَ قد أباح الله قتلهم [إن لم يتوبوا، فجاز] للضّرر الَّذِي يلحق النّاس في دينهم قتل أهل البدع إن لم يتوبوا ويَتْرُكُوا [ما] هم عليه.
[ ٤ / ٦٣٥ ]
فلهذا قال مالكٌ ومن تقدَّمه من أهل العلم: «إنَّ أهل البدع والأهواء يُسْتَتَابون، فإن تابوا وإلا قُتِلُوا» (^١).
تم الكتاب، والحمد لله رب العالمين كثيرًا، وصلَّى الله على [نبينا محمدٍ]، وعلى آله وسلم تسليمًا.
_________________
(١) جاء بعد هذا الموضع في نسخة جه: «آخر كتاب الجامع، وهو آخر كتاب عبد الله بن عبد الحكم المصري، سماعه منه، وسماع ابن وهب وابن القاسم منه، والحمد لله رب العالمين، ذكر أنه قوبل بالأمّ المسموعة على أبي بكرٍ الأبهري ﵀، ومنها كُتِبَ بمصر. وكان الفراغ منه: مستهل شوَّال، سنة خمس وثلاثين وأربعمئة. وفُرِغَ من هذه النسخة يوم الخميس، التاسع من شهر رمضان المعظم، سنة اثنتين وستمئة. وكتب: مروان بن حسَّان بن جندي بن خولة بن جندي القشيري، عفا الله عنه برحمته، وجميع المسلمين، وصلَّى الله على محمد، وآله، وسلَّم.
[ ٤ / ٦٣٦ ]