[٢٧٣٢] قلت: أرأيت العبد، أعلى سيِّده أن يُكَاتبه إذا سأله؟
قال: ليس ذلك عليه، وإنّما ذلك أمْرٌ أَذِنَ الله ﷿ فيه للنَّاس، وليس بواجبٍ عليهم (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الكتابة ضربٌ من البيع؛ لِأَنَّهَا بيع العبد من نفسه بمالٍ يؤخذ منه، أباحنا الله سبحانه ذلك - وإن كان في ذلك غررٌ -؛ لحرمة العتق، ولأنَّه تتعلَّق به قربهٌ إلى الله تعالى، فلمَّا لم يكن على الإنسان أن يبيع عبده إذا سأله العبد ذلك - من غير ضررٍ يلحقه من سيّده -، فكذلك ليس عليه أن يُكاتبه إذا سأله.
وقول الله جلَّ وعزَّ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:٣٣] هو على وجه الإرشاد والإباحة، لا على الوجوب، وذلك بمنزلة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ
_________________
(١) قوله: «المكاتب»، هو المعتق على مال مؤجل يدفعه لسيده مقسَّطًا، في مدَّة معلومة، ينظر: طلبة الطلبة، ص (٦٤)، الفواكه الدواني [٢/ ١٣٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٧٣)، المختصر الصغير، ص (٤٥٢)، الموطأ [٥/ ١١٤٧]، البيان والتحصيل [١٨/ ١٨٥].
[ ٤ / ١٤٩ ]
فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢]، وكقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة:١٠].
•••
[٢٧٣٣] مسألة: قال: وإذا كاتَبَه، وَضَع عنه من آخر كتابته شيئًا مُسمَّىً، وذلك تأويل قوله ﷿: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣]، وَيَتْرُكُ (^١) ذلك من آخر كتابته (^٢).
إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾، فندب الله سبحانه إلى أن يُتْرَكَ للمكاتَبِ شيءٌ من كتابته.
وليس ذلك فرضًا على السيّد، ولو كان فرضًَا، لكان معلومًا؛ إذ الفرائض الواجبة في الأموال معلومةٌ، فلمَّا كان هذا غير معلومٍ، دلَّ على أنَّه ليس بفرضٍ.
ولو كان فرضًا لا يُعلَم مقداره، لكان ما يحب أداؤه مِمَّا وقعت الكتابة به مجهولةً، ولا يجوز أن تكون (^٣) الكتابة مجهولةً عند العلماء.
وقد رُوِيَ عن جماعةٍ من الصَّحابة والتَّابعين أنَّهم قالوا: يُوضَعُ عنه من
_________________
(١) قوله: «وَيَتْرُكُ»، كذا في شب، وفي جه ومك ٢٦/ب: «ويكتب».
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٧٣)، المختصر الصغير، ص (٤٥٣)، الموطأ [٥/ ١١٤٨]، المدونة [٢/ ٤٥٤].
(٣) قوله: «تكون»، كذا في شب، وفي جه: «تقع».
[ ٤ / ١٥٠ ]
آخر كتابته شيءٌ، منهم: عمر بن الخطاب (^١)، وابن عمر، وابن عباسٍ (^٢)، وأنس (^٣)، رحمة الله عليهم.
وقد روى مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر: «أَنَّهُ كَاتَبَ عَبْدًَا لَهُ عَلَى خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَوَضَعَ عَنْهُ مِنْ آخِرِ (^٤) كِتَابَتِهِ خَمْسَةَ آلَافٍ (^٥)» (^٦).
•••
[٢٧٣٤] مسألة: قال: ولا بأس بمكاتبة العبد الَّذِي لا حِرفة له، ولا نُحبُّ مكاتبة الأَمَة غير ذات الصّنعة ولا العمل المعروف (^٧).
• إنَّما جوَّز كتابة العبد الَّذِي لا حرفة له؛ لأنَّ الكتابة عتقٌ بصفةٍ، فتجوز فيمن له حرفةٌ وفيمن لا حرفة له، وفي الصَّغير والكبير.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة [١١/ ١٥٤].
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى [٢١/ ٤٨٠].
(٣) لم أقف عليه.
(٤) قوله: «آخِرِ»، غير مثبت في جه.
(٥) قوله: خَمْسَةَ آلَافٍ»، كذا في شب، وفي جه: «خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ».
(٦) لم أقف عليه من طريق مالك مسندًا، وهو في الموطأ [٥/ ١١٤٨]، بلاغًا، وقد أسنده سحنون في المدوَّنة [٢/ ٤٥٤] من طريق ابن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن نافع، ورُوِيَ عن نافع من طرق أخرى.
(٧) المختصر الكبير، ص (٤٧٣)، المدونة [٢/ ٤٧٣].
[ ٤ / ١٥١ ]
فأمَّا الأمة غير ذات الصّنعة، فإنَّمَا كَرِهَ ذلك؛ لِمَا رُوِي عن عثمان ﵁ أَنَّهُ قال: «لَا تُكَلِّفُوا الأَمَةَ الكَسْبَ فَتَزْنِي» (^١)، يعني: غير ذات الصّنعة.
•••
[٢٧٣٥] مسألة: قال: وإذا كُوتِبَ المُكَاتَبُ، تبعه ماله، ولم يتبعه ولدُه إلَّا أن يشترطهم.
فإن اشترطهم ومات وترك مالًا، ورثوا ما بقي من ماله بعد قضاء كتابته، للذّكر مثل حظِّ الأنثيين.
ومن وُلِدَ في كتابته، بمنزلة من كاتَبَ عليه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الكتابة عقد حريّةٍ على معاوضةٍ، فيتبَعُ المكاتَبَ مالُه، كما يتبع العبد ماله إذا أعتقه.
وقد روى بكير بن الأشجِّ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًَا، تَبِعَهُ مَالُهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ (^٣) سَيِّدُهُ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه مالك [٥/ ١٤٢٨]، وابن أبي شيبة [١١/ ٣٩٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٧٣)، المختصر الصغير، ص (٤٥٣)، الموطأ [٥/ ١١٤٨]، المدونة [٢/ ٤٧٢].
(٣) قوله: «يَشْتَرِطَهُ»، كذا في شب، وفي جه: «يستثنيه».
(٤) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٠٢٦.
[ ٤ / ١٥٢ ]
فأمَّا ولده فلا يتبعه؛ لأنَّهُ لا يملكهم كما يملك ماله، فإذا شَرَطَ دخولهم في الكتابة، فقد شَرَطَ (^١) السّيِّد لهم عقد الكتابة كما عقد لأبيهم.
وكذلك ولده إذا وُلِدُوا من أمته، فهم بمنزلته في الكتابة؛ لأنَّ كلّ ولدٍ يحدث بملك اليمين فهو مثل أبيه في الحرمة والحريَّة والعبودية؛ بدلالة: أنَّ ولد الحرّ من أمته حرٌّ، فكذلك كان ولد المكاتب من أَمَتِه مُكَاتبًا مثله.
فإن مات المكَاتَبُ وترك مالًا، أُدِّيت كتابته، وكان ما فضل من المال لولده المكاتَبِين؛ لِأَنَّهُم مثله في الحرمة والدّين، فوجب أن يكون الميراث لهم؛ لأنّهم مثله في الكتابة.
ولم يكن لولدٍ آخر - إن كان له -، حُرٍّ، أو عبدٍ، أو مكاتَبٍ (^٢) في غير كتابة أبيه؛ لأنَّ هؤلاء مخالفون له في الحرمة والكتابة، والمواريث فإنَّمَا تُستحقُّ باتِّفاق الدّين والحرمة.
ألا ترى: أنَّ الكافر لا يرث المسلم، ولا العبد الحرَّ؛ لاختلاف حُرَمِهِم.
•••
[٢٧٣٦] مسألة: قال: ومن كاتَبَ وله أَمَةٌ حامِلٌ - عَلِمَ بها أو لم يعلم بها -، أَنَّهُ لا يَتْبَعُهُ ذلك الولد، وتتبعه أمُّهُ (^٣)؛ لأنَّ ولده ليس له بمالٍ، وأَمَتُه مالٌ له.
_________________
(١) قوله: «شَرَطَ»، كذا في شب، وفي جه: «عَقَدَ».
(٢) قوله: «لولدٍ آخر - إن كان له -، حُرٍّ، أو عبدٍ، أو مكاتَبٍ»، كذا في شب، وفي جه: «لولدٍ حرٍّ - إن كان له -، أو عبدٍ، أو مكاتَبٍ».
(٣) قوله: «أمه»، كذا في جه، وشب، وفي مك ٢٦/ب: «أمته».
[ ٤ / ١٥٣ ]
ويُنْتَظَر بها حَتَّى تضع، ويكون الولد للسيِّد، والوليدة للمُكَاتَبِ (^١).
• قد ذكر مالكٌ العلَّة في أنَّ ولده لا يتبعه، قال: «لأنَّه لا يملكه»؛ لأنَّ ولده ملكٌ لسيِّده.
وتتبعه أُمُّهُ لِأَنَّهَا ملكه.
•••
[٢٧٣٧] مسألة: قال: ومن كاتَبَ أَمَةً له فتستمرُّ حاملًا، أو كان بها حملٌ لم يعلمه أو علمه، فذلك كلّه سواءٌ، يكون ولدها معها في كتابتها (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ولدها - إذا كانت حاملًا - بمنزلة عضوٍ منها، فلا يجوز أن يكُاتَبَ بَعْضُهَا أو عضوٌ منها (^٣) دون كلّها، فوجب أن يتبعها ولدها إذا كانت حاملًا، أو حملت بعد ذلك، كما يتبعها إذا أعتقها.
•••
[٢٧٣٨] مسألة: قال: ولا بأس بشراء كِتَابة المُكَاتَبِ إن كانت ذهبًا أو فضَّةً، بعرضٍ مُعَجَّلٍ، ولا يُؤَخَّر، وإن كانت عرضًا، فبِذَهبٍ أو وَرِقٍ مُعَجَّلَةٍ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٧٣)، الموطأ [٥/ ١١٤٩]، المدونة [٢/ ٤٧٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٧٣).
(٣) قوله: «أو عضوٌ منها»، مثبت في الحاشية في شب، وجزؤها الأسفل غير ظاهر بسبب التصوير، والمثبت في النص من جه.
[ ٤ / ١٥٤ ]
والمكاتب أحقُّ بها مِمَّنِ اشتراها إذا قوِيَ على أداء الثَّمَنِ إلى سيِّده؛ لِأَنَّهَا عَتَاقَةٌ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ سيِّد المُكَاتَبِ مالِكٌ لمكاتَبَةِ مُكَاتَبِهِ، فجاز له بيعها؛ لأنَّ كلّ من ملك شيئًا، فجائزٌ له بيعه وهبته والمعاوضة عليه، إلَّا الوطء خاصَّةً، فَإِنَّهُ لا يجوز نقله إلى غيره بعوضٍ وغير عوضٍ.
وإذا كان ذلك كذلك، جاز بيع كتابة المُكَاتَبِ؛ إذ ليس هاهنا دليلٌ يمنع من بيعها.
فإن قيل: إنَّ ذلك غررٌ؛ لأنَّ المشتري لا يدري هل يؤدِّيها المُكَاتَبُ إليه أو يعجز (^٢)؟
قيل له: ليس في ذلك غررٌ؛ لأنَّ المشتري يحصل له أحد الشَّيئين:
(إمَّا كتابة المُكَاتب إن أدَّاها إليه.
(أو رقبته إن عجز.
وذلك بمنزلة الرّجل إذا أسلم في ثوبٍ موصوفٍ إلى أجلٍ، أنَّ البائع عليه دفع الثَّوب إلى المشتري على صفته، أو ردَّ ثمنه إليه إن لم يقدر على دفعه (^٣)، ولم يكن البيع ممنوعًا، وإن كان المشتري لا يدري ما يحصل له من الثوب أو ثمنه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٧٤)، المختصر الصغير، ص (٤٥٤)، الموطأ [١١٦١ و١١٦٢].
(٢) ينظر الاعتراض في: الأم للشافعي [٩/ ٤٣٠].
(٣) قوله: «إن لم يقدر على دفعه»، كذا في شب، وفي جه: «إن تعذَّر عليه دفعه».
[ ٤ / ١٥٥ ]
فكذلك لا يُمنع من بيع كتابة المكَاتَبِ، وإن كان المشتري لا يدري ما يحصل له من: رقبة المكاتَبِ إذا عجز، أو كتابته.
وقوله: «إنه يبيعها بعرَضٍ إن كانت عينًا، أو بعينٍ إن كانت عرضًا»؛ فلأن لا يدخل في ذلك ربًا إذا باعها بجِنسٍ مخالفٍ له؛ لأنَّهُ إذا باعها بجنسٍ موافقٍ له بزيادةٍ دخله الرِّبا، وكذلك إذا باع عينًا بعينٍ مُتَأخّرةٍ أو بزيادةٍ أو نقصانٍ، دخل في ذلك الرِّبا، وكان ذلك غير جائزٍ.
وقوله: «إنَّ المكَاتَبَ أحقّ بها»؛ فلأنَّها عتاقَةٌ، ولها حرمةٌ، فالمكاتَبُ أولى بشرائها؛ لأنَّ أمره يؤدّي إلى حريّته وكمال حرمته؛ فكان أولى بها لهذه العلّة؛ إذ ليس على سيّده ضررٌ في بيعها من المكاتَبِ، وعلى المكاتَبِ ضررٌ بشراء غيره إيّاها؛ لأنَّهُ يصير إلى رقٍّ، وإذا اشتراها المُكاتَبُ صار إلى حريَّةٍ، فوجب أن لا يُضَّر به، وقد قال رسول الله ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (^١).
وهذا إذا بِيع كلُّ الكتابة، فَأَمَّا إذا بِيع بعضُها، فليس المكاتَبُ أولى ببعضها؛ لأنَّ شراء بعضها ليس فيه حصول حريّته، ولا كمال حرمته، فسواءٌ كان في ملك سيّده، أو ملك من يشتريه.
•••
[٢٧٣٩] مسألة: قال: وإن باع بعضُ من كَاتَبَ المُكَاتَبَ نصف المُكَاتَبِ (^٢)
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٦٧٥.
(٢) قوله: «المُكَاتَبِ»، كذا في شب، ومك ٢٦/أ، وفي جه: «الكتابة».
[ ٤ / ١٥٦ ]
أو ثُلثه، فليس للمُكَاتَبِ فيه شفعةٌ؛ لِأَنَّهَا بمنزلة القُطَاعَةِ (^١)، ولا يجوز له أن يُقَاطِعَ بعض من كاتبه (^٢) (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ شراء بعضه ليس فيه كمال حريَّته، ولا تتمّة حرمته، فلم يكن المكاتَبُ أولى بها من غيره.
وليس يجوز أيضًا أن يشتريها المكاتَبُ؛ لأنَّ ذلك بمنزلة المقاطعة له على مالٍ، ولا يجوز أن يفعل ذلك أحد الشَّريكين دون إذن شريكه له في ذلك؛ لأنَّهُ يستبدّ بمالٍ يأخذه من المكاتَبِ دون شريكه.
•••
[٢٧٤٠] مسألة: قال: ولا يحل بيع نَجْمٍ (^٤) من نُجومِ المَكَاتَبِ (^٥).
_________________
(١) قوله: «القُطَاعَةِ»، هي عتقٌ على مالٍ معجَّل، بخلاف الكتابة، فإنها عتق على مالٍ مؤجَّل، ينظر: شرح حدود ابن عرفة، ص (٥٢٤).
(٢) قوله: «كاتبه»، كذا في شب، وفي جه: «كتابته»، وفي مك ٢٦/ب زيادة، هي: «إلَّا بإذن شركائه».
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٧٤)، الموطأ [٥/ ١١٦٢].
(٤) قوله: «نجم»، هو نجم الكتابة، وهو القدر المعين الذي يؤديه المكاتب في وقت معين، وأصله أنَّ العرب كانوا يبنون أمورهم في المعاملة على طلوع النجم والمنازل، لكونهم لا يعرفون الحساب، فسمّيت الأوقات نجومًا بذلك، ثم سُمِّي المؤدى في الوقت نجمًا، ينظر: فتح الباري لابن حجر [٥/ ٢١٩].
(٥) المختصر الكبير، ص (٤٧٤)، الموطأ [٥/ ١١٦٣].
[ ٤ / ١٥٧ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ذلك غررٌ (^١)، لا يُدْرَى كم حصَّته من الكتابة، أو هل يؤدِّي ذلك أم لا، وذلك غير جائزٍ.
•••
[٢٧٤١] مسألة: قال: ولا بأس أن يبتاع المُكَاتَبُ ما عليه، ولا بأس أن يشتريه من سيِّده بعينٍ أو عرضٍ معجَّلٍ أو مؤخرٍ.
فأمَّا من غيره، فلا يباع إلَّا بشيءٍ مخالفٍ لِمَا كاتب عليه، يُعَجَّل ولا يؤخَّرُ (^٢).
• إنَّما أجاز بيع ذلك من المُكَاتَب، بمثل ما كاتبه عليه أو أقل أو أكثر، من جنسه وغير جنسه؛ لأنَّ هذا ضربٌ من المعروف والمسامحة فيما بين المكاتَبِ وسيِّدِه، فجاز بينهما؛ لأنَّ ذلك طريقه المعروف والمسامحة، لا المتاجرة، فجاز فيها ما جاز في العَرِيَّةِ والحوالة والقرض، وغير ذلك من الأشياء الَّتِي تجري مجرى المعروف لا المتاجرة.
ولم يجز ذلك بين السَّيِّد والأجنبيّ؛ لأنَّ ذلك يجري مجرى المبايعة والمكايسة، فيدخل فيما بينهما الرِّبا والدَّين بالدَّين، فوجب أن يبيعها منه بشيءٍ مخالفٍ له، كما ذكره مالكٌ.
•••
[٢٧٤٢] مسألة: قال: وإذا هلك المُكَاتَبُ وقد اشتُرِيَت كتابته قبل (^٣) أن
_________________
(١) قوله: «لأنَّ ذلك غررٌ»، كذا في شب، وفي جه: «لأنَّ بيع ذلك غررٌ».
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٧٤)، الموطأ [٥/ ١١٦٣]، وينظر: المسألة [٢٧٣٨].
(٣) قوله: «كتابته قبل»، كذا في شب وجه، وفي مك ٢٦/ب: «كتابته فمات قبل».
[ ٤ / ١٥٨ ]
يؤدِّي، ورثه الَّذِي اشترى كتابته، وإن عجز فله رقبته، وإن أدَّى، صار (^١) ولاؤه للذي عقد كتابته (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المكاتَبَ إذا مات قبل أن يؤدِّي كتابته، مات عبدًا، فماله لمن اشترى كتابته.
وكذلك إن عجز؛ لأنَّهُ بالعجز قد صار عبدًا، فله رقبته.
وإن أدَّى إلى المشتري الكتابة، فولاؤه لمن عقد كتابته؛ لأنَّهُ هو المعتِقُ له، فكان ولاؤه له؛ لأنَّهُ لا يجوز له نقله عنه ببيعٍ ولا هبةٍ.
وقد روى مالكٌ وشعبة، عن عبد الله بن دينارٍ، عن ابن عمر: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ» (^٣).
•••
[٢٧٤٣] مسألة: قال: ومن أُوصِيَ له بِدراهم ممَّا على مُكَاتَبٍ، فليس له أن يبيعها، ولا يبعها أيضًا من المكاتب نَفْسِهِ إلَّا بإذن أهله (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ما أوصِيَ له بمنزلة نجمٍ من نجومه، ولا يجوز بيع ذلك؛ لأنَّهُ لا يُدرى كم حصَّة ذلك من قيمة الكتابة، فبيعها مجهولٌ.
_________________
(١) قوله: «صار»، كذا في شب وجه، وفي مك ٢٦/ب: «عتق وصار».
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٧٤)، الموطأ [٥/ ١١٥٣].
(٣) حديث مالك في الموطأ [٥/ ١١٣٧]، وحديث شعبة، أخرجه البخاري (٢٥٣٥)، ومسلم [٤/ ٢١٦]، والحديث في التحفة [٥/ ٤٥٢].
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٧٥).
[ ٤ / ١٥٩ ]
ولا تباع من العبد نفسه؛ لأنَّ ذلك بمنزلة القطاعة، ولا يجوز أن يقاطع أحد الشَّريكين عبدًا على حصَّته منه بمالٍ يعطيه؛ لأنَّ في ذلك أخذ مال العبد بغير إذن شريكه الآخر، وذلك غير جائزٍ.
•••
[٢٧٤٤] مسألة: قال: ومن أفلس وله مُكَاتَبٌ، بيعت كتابته، ولا يُؤَخَّر الغرماء في حقوقهم إلى نجومه، ولكن يباع مُكَاتَبًَا على حاله (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ يَقْدِرُ إلى إيصال الغرماء إلى حقوقهم ببيع الكتابة، فلا يجوز تأخيرهم عن إعطاء حقوقهم إذا طلبوا ذلك.
•••
[٢٧٤٥] مسألة: قال: ومن وُهِبَ له مُكَاتَبٌ، فعجِزَ، فهو له كلّه (^٢) (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ رقبته تصير للموهوب له إذا عجز، كما تصير للمشتري إذا عجز؛ لأنَّهُ يملك بالهبة أحد الشيئين: إمَّا كتابته إن أدَّاها، أو رقبته إن عجز، كما يملك ذلك المشتري منه سواءٌ.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٧٥)، المدونة [٢/ ٤٨٤].
(٢) قوله: «له كلّه»، كذا في شب وجه، وفي مك ٢٦/ب: «له كله رقيقٌ».
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٧٥).
[ ٤ / ١٦٠ ]
[٢٧٤٦] مسألة: قال: وإذا كاتب النَّصرانيُّ عبدًا، ثمَّ أسلم المُكَاتَبُ، بيعت كتابته (^١) (^٢).
• إنَّما قال: «تُباع كتابته»؛ لأنَّهُ لا يجوز بقاء ملك الكافر على المسلم، ولم يجز فسخ الكتابة؛ لأنَّ ذلك عقد حريَّةٍ؛ لجواز أن يتمَّ له بالأداء، فوجب بيعه عليه لهذه العلَّة.
•••
[٢٧٤٧] مسألة: قال: وإذا جاء المكاتب بنُجُومِهِ كلّها، عَتَقَ، ولم يكن لسيِّده أن يأبى ذلك عليه.
وإن مرض المُكَاتِبُ ففعل، فذلك له (^٣) (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في امتناع السيِّد من قبوله الكتابة إضرارًا منه بالمُكَاتَبِ وتأخيرًا له عن حريَّته، فليس ذلك له إذا أدَّاها إلى سيِّده.
ولا يشبه ذلك السِّلعَ تكون (^٥) في ذمَّة الرّجل يعجِّلها للمشتري قبل الأجل؛ لأنَّ هذا دينٌ، والكتابة ليست بدينٍ ثابتٍ.
_________________
(١) قوله: «بيعت كتابته»، كذا في شب وجه، وفي مك ٢٦/ب: «بيعت كتابته من مسلم».
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٧٥)، النوادر والزيادات [١٣/ ١٣٧].
(٣) قوله: «وإن مرض المُكَاتِبُ ففعل»، يعني: أن يكاتب السيد عبده وهو مريضٌ، من غير محاباة، ينظر: المدوَّنة [٢/ ٤٩٧].
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٧٥)، الموطأ [٥/ ١١٦٧]
(٥) قوله: «السلع تكون»، كذا في شب، وفي جه: «السَّلم يكون».
[ ٤ / ١٦١ ]
ولأنَّ الكتابة أيضًا هي عتقٌ بصفة الأداء، فإذا جاءت الصِّفة - وهي الأداء -، وجب عتقه، ولزم السَّيِّد قبولها من المكاتَبِ؛ لأنَّهُ قد ألزم نفسه قبولها منه إذا أُدِّيَت إليه.
•••
[٢٧٤٨] مسألة: قال: ومن شرط على مكاتبه سفرًا أو خدمةً أو ضحيةً، ثمَّ أدَّى النُّجوم قبل محلّها، فَإِنَّهُ يَعْتَقُ، ويسقط عنه كلَّ ما شرطٍ من عملٍ أو خدمةٍ أو سفرٍ يعالجه بنفسه، وما كان من ضحيةٍ أو كِسْوَةٍ، قُوِّمَ ذلك كلّه، ثمَّ دفعه مع نجومه، ولا يَعْتَقُ حَتَّى يدفع ذلك كلّه.
وقد قيل: إنَّ عليه أن يأتي بالكِبَاشِ، إلَّا أن يُصَالِحَ منها، وذلك أحبّ إلينا (^١).
• إنَّما قال: «إنَّ الخدمة تسقط عنه»؛ لِأَنَّهَا ليست كتابَةً؛ إنَّما الكتابة تكون على مـ[ـالٍ].
فأمَّا الكباش فهي مالٌ، وكذلك الكسوة، فعليه قيمتها؛ لأنَّ أعيانها تختلف.
ووجه القول الآخر: فعليه أن يأتي بالكباش؛ لأنَّ الكتابة عليها جائزةٌ، كما تجوز على الوصفاء (^٢)؛ لأنَّ الكتابة فيها ضربٌ من المسامحة؛ لأنَّهُ يدخلها عتقٌ بصفةٍ، وليس هي كالبيع المجرَّد الَّذِي يجري مجرى المكايسة والمتاجرة.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٧٥)، المختصر الصغير، ص (٤٥٥)، الموطأ [٥/ ١١٦٧ و١١٦٩].
(٢) قوله: «الوصفاء»، هو جمع وصيف، والوصيف العبد، ينظر: طلبة الطلبة، ص (٤٥).
[ ٤ / ١٦٢ ]
وقوله: «إنَّ الخدمة تسقط عنه»؛ لأنَّ في بقاء الخدمة عليه بقاء الرقّ، ولا يجوز أن يبقى على المكاتب رِقٌّ بعد أداء كتابته.
•••
[٢٧٤٩] مسألة: قال: ومن بَعَثَ بآخر نُجُومه إلى سيّده وأشْهَدَ عليها، وكذلك فعل (^١)، فهلك قبل (^٢) أن تصل (^٣)، فميراثه لسيِّده (^٤) (^٥).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عتق المكاتب إِنَّمَا يكون بأداء الكتابة إلى السيّد، فإذا مات قبل أن يصل ذلك إليه، مات عبدًا؛ لأنَّ صفة الأداء لم تحصل فيه قبل موته.
•••
[٢٧٥٠] مسألة: قال: وإن استأجره سيّده وله عليه من كتابته مئة درهمٍ، بإجارةٍ حلَّ له بها على سيِّده مئةٌ (^٦) وأكثر، ثمَّ مات قبل أن يدفع ما عليه، فهو عبدٌ حَتَّى يقضِيَ ما بقي عليه من الكتابة (^٧).
_________________
(١) قوله: «وكذلك فعل»، كذا في شب، وفي جه ومك ٢٧/أ: «وكذلك كان يفعل».
(٢) قوله: «فهلك قبل»، كذا في شب، وجه، وفي مك ٢٧/أ: «فهلك العبد قبل».
(٣) قوله: «تصل»، كذا في شب وجه، وفي مك ٢٧/أ: «تصل لسيده».
(٤) توجد زيادة في مك ٢٧/أ، غير مثبتة في شب وجه، هي: «ولا يرث ولده الأحرار منه شيئًا».
(٥) المختصر الكبير، ص (٤٧٦).
(٦) قوله: «مئة»، مثبت في شب ومك ٢٧/أ، دون جه.
(٧) المختصر الكبير، ص (٤٧٦).
[ ٤ / ١٦٣ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عتق المكاتب إِنَّمَا يكون بأداء الكتابة كلّها، فإذا مات قبل أن يؤدِّيها أو قبل تقضِّي مدَّة الإجارة الَّتِي استأجره سيِّده ببقية كتابته، مات عبدًا.
•••
[٢٧٥١] مسألة: قال: ومن كاتب عبدًا، فاقتضى نجمًا، ثمَّ اسْتُحِقَّ العبد بِسَرِقَةٍ، فما اقتضى فهو للّذي كاتبه، ويرجع العبد إلى سيّده (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ما اقتضاه من كتابته بمنزلة خراجه، فهو له؛ لأنَّ الخراج له بالضَّمان؛ لأنَّهُ لو تلف كان تلفه منه.
•••
[٢٧٥٢] مسألة: قال: وإذا عَتَقَ المُكَاتَبُ (^٢)، فميراثه لأولى النّاس بمن كاتبه يوم يموت من ولدٍ أو عصبةٍ، وكذلك العبد المُعْتَق (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الولاء يرثه الأقرب فالأقرب من عصبة المُعْتِقِ يوم يموت المُعْتِقُ؛ لأنَّهُ موروثٌ بالكُبْرِ وهو القُرْب، وهذا قول جملةٍ من الصَّحابة والعلماء بعدهم.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٧٦)، البيان والتحصيل [١٥/ ٢٢٢].
(٢) قوله: «عتق المكاتب فميراثه»، كذا في شب وجه، وفي مك ٢٧/أ: «عتق المكاتب ومات سيده فميراثه».
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٧٦)، الموطأ [٥/ ١١٦٨].
[ ٤ / ١٦٤ ]
[٢٧٥٣] مسألة: قال: ومن كاتب رقيقًا له جميعًا لا رحم بينهم يتوارثون بها، فإنَّهم حملاء بعضهم عن بعضٍ، ولا يَعْتَقُ بعضٌ دون بعضٍ.
فإن هلك واحدٌ منهم، أُدِّيَ عنهم (^١) من ماله، وكان فضله للسيّد، ويتبعهم السيّد بما أُدِّيَ عنهم من مال الميت دينًا.
وكذلك لو عجزوا فسعى واحدٌ فأدَّى عنهم وعَتَقُوا، كان ما أَدَّى عنهم دينًا يتبعهم به (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ وضع الكتابة على الحمالة تأكيدٌ لحرمة العتق، وأن يتعاون الجميع على الأداء، فإذا مات أحدهم وكان له مالٌ، أُدِّيَت الكتابة من ماله؛ لِمَا لزمه من الحمالة، ثمَّ رجع السيّد عليهم بذلك.
وكذلك لو أدَّى أحدهم، رجع على الباقين، وكذلك إذا عجز بعضهم، إلَّا أن يكون الَّذِي أدَّى عنه مِمَّنْ يلزمه عتقه إذا ملكه، فلا يرجع عليه بشيءٍ؛ لأنَّهُ كأنه مَلَكَهُ فعَتَقَ عليه.
•••
[٢٧٥٤] مسألة: قال: وإذا هلك المُكَاتَبُ عن فضلٍ، فإنّما يرثه ولده الَّذِينَ معه في الكتابة، ولا يرثه ولده الأحرار.
_________________
(١) قوله: «هلك واحدٌ منهم، أُدِّيَ عنهم»، كذا في شب، وجه، وفي مك ٢٧/أ: «هلك واحدٌ منهم وترك مالًا، أُدِّيَ عنهم».
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٧٦)، الموطأ [٥/ ١١٥٣ و١١٦٦].
[ ٤ / ١٦٥ ]
والإخوة بمنزلة الولد إذا كانوا معه في كتابةٍ واحدةٍ، يتوارثون بها، فإن هلك ولأحدٍ منهم ولدٌ؛ كان ميراثه لهم دون إخوته (^١).
• إنَّما قال: «إنه يرثه ولده الَّذِينَ معه في الكتابة»؛ لاستواء أحوالهم في الحرمة - وهي الكتابة -؛ لأنَّ حكمهم في الحرمة والكتابة واحدٌ، فكان الميراث لهم دون الأحرار من ولده والعبيد؛ لأنَّ الميراث يُسْتَحَقُّ بتساوي الأحوال والحرمة.
ألا ترى: أنَّ العبد لا يرث الحرَّ، ولا الكافر المسلم.
فإن قيل: إنَّ المكاتب لا يخلو من:
(أن يكون حرًّا، فيجب أن يكون ميراثه لكل ولده: الَّذِينَ عتقوا بالأداء، وغيرهم من الأحرار.
(أو يكون عبدًا، فيجب أن لا يرثه ولدٌ له، حرًّا كان أو عبدًا أو مكاتبًا (^٢)؟
قيل له: قد خلا مِمَّا ذكرت، وهو أَنَّهُ مُكَاتَبٌ لا حرٌّ ولا عبدٌ؛ لأنَّ المكاتب له أحكامٌ ليست حكم الحرِّ المحض، ولا العبد المحض، وإذا كان كذلك، كان المكاتَبُ أصلًا في نفسه، وله حكم نفسه دون حكم الأحرار.
وفي المسألة كلامٌ يطول اختصرناه.
وقوله: «إنَّ الإخوة بمنزلة الولد إذا كانوا في كتابةٍ واحدةٍ يتوارثون بها»؛
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٧٦)، الموطأ [٥/ ١١٥٣ و١١٦٩].
(٢) لم أقف على من قال بهذا الاعتراض.
[ ٤ / ١٦٦ ]
فلأنَّ حكم الإخوة في الميراث وأنَّهم يرثون به كحكم الولد؛ لأنّهم عصبةٌ، فوجب أن يرث كلّ من كان من عصبة المكاتب معه.
فإن كان معه في الكتابة ولدٌ وإخوةٌ أو غيرهم من العصبة، كان ميراثه لولده؛ لأنَّهم أقرب إليه من غيرهم من عصبته.
وكذلك على هذا التَّرتيب (^١)، فميراثه لمن قَرُبَ منه دون من بَعُد منه، على حكم المواريث سواءٌ.
•••
[٢٧٥٥] قال: وإذا ورث المكاتَبَ رجلٌ من امرأته وابْنُهَا (^٢)، فهلك قبل أن يؤدِّيَ، اقتسما ميراثه على كتاب الله ﷿.
فإن أدَّى ومات (^٣)، فميراثه للابن (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا مات قبل أن يؤدِّي كتابته، مات عبدًا، فماله مقسومٌ على كتاب الله ﷿، يرثه الرِّجال والنِّساء، فكان للزَّوج حصَّته من الميراث - وهو الرّبع -، وما بقي فللابن.
_________________
(١) قوله: «وكذلك على هذا الترتيب»، كذا في شب، وفي جه: «وكذلك من كان على هذا التَّرتيب».
(٢) يعني: أن المرأة هي التي كاتبت العبد، وهلكت ولها زوج وابن.
(٣) يعني: أنه مات وليس له ورثة من عصبته، فيرثه مولاه وهي المرأة التي أعتقته، ثم يكون الولاء لابنها.
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٧٧)، الموطأ [٥/ ١١٤٩ و١١٦٤].
[ ٤ / ١٦٧ ]
فإذا أدَّى كتابته فقد عَتَقَ، فماله إن مات لابن المرأة دون زوجها؛ لأن ابنها عصبتها، وهو أقرب إليها من زوجها أن لو كان من عصبتها.
•••
[٢٧٥٦] قال: وقد اختُلِفَ في ميراث امرأة المكاتَبِ مع ولده:
• فقيل: ترثه.
• وقيل: لا ترثه.
وأحبَّ إلينا أن لا ترثه (^١).
• وجه قوله الَّذِي ترث امرأته منه: فلأنَّها متساويةٌ له في الحرمة والكتابة، فلا فرق بينها وبين سائر ورثته، فوجب أن ترثه كما يرث سائر ورثته.
ويرث على هذا القول، كلّ قريبٍ معه في كتابته، وكلّ عصبةٍ تكون معه في كتابته، على ما بيَّنَّاه قبل هذا.
ووجه القول الآخر: أَنَّهُ إِنَّمَا يرثه من إذا مَلَكَه عَتَقَ عليه؛ لقوَّة سببه، وليس كذلك امرأته ولا غيرها من ذوي رحمه وعصبته، ما عدا الآباء (^٢)، والأجداد، والإخوة والأخوات، على ما فسّرناه مِمَّنْ يجب عتقه على الإنسان إذا ملكه، فَأَمَّا غيرهم فَإِنَّهُ لا يرثه إذا مات، ولا يعتق عليه إذا ملكه.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٧٧)، المدونة [٢/ ٥٠٧].
(٢) قوله: «ما عدا الآباء»، كذا في شب، وفي جه: «ما عدا الأبناء، والآباء».
[ ٤ / ١٦٨ ]
[٢٧٥٧] مسألة: قال: وإذا هلك المكَاتَبُ وترك ولدًا قد كان كاتب عليهم، ثمَّ أعتق السَّيِّد أحدهم، فميراثه لمن معه في الكتابة، وليس للحرِّ منه شيءٌ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحرَّ لَمَّا عَتَقَ، خرج عن مساواة أبيه في الكتابة، فلم يرثه؛ لأنَّ المواريث تجب بمساواة الأحوال والحرم والدِّين، على ما ذكرناه.
•••
[٢٧٥٨] مسألة: قال: وَيَقْسِم (^٢) ولد المكاتب ميراثَهُ، للذَّكَرِ مِثْلُ حظِّ الأنثيين (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لعموم قول الله ﷿: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، وهذا على عمومه، ولا فرق في ذلك بين ولد المكاتب وغيره.
•••
[٢٧٥٩] قال: وإذا كان المكاتَبُ بين رجلين، فأعتق أحدهما نصيبه، ثمَّ مات المكاتَبُ وعليه دينٌ، فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بدينه، ثمَّ يَأْخُذُ الَّذِي تَمَسَّكَ ما بقي له، ثمَّ يكون ما بقي لهما (^٤).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٧٧).
(٢) قوله: «ويقسم»، كذا في شب وجه، وفي مك ٢٧/أ: «ويقتسم».
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٧٧)، المدونة [٢/ ٥٠٣].
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٧٧)، الموطأ [٥/ ١١٥٤ و١١٦٨].
[ ٤ / ١٦٩ ]
• إِنَّمَا قالَ: «إنَّه يُبْدَأ بدينه»؛ لأنَّ الدَّيْنَ قد أخذ عِوَضه، فهو أولى من الكتابة.
ألا ترى: أنَّ الدَّين مقدَّمٌ على الوصيّة والميراث، فكذلك يُقَدَّم على الكتابة.
وقوله: «يأخذ الَّذِي تَمَسَّك ما بَقِيَ له»، يعني: الَّذِي لم يضع عنه ما بقي له من الكتابة.
ثمَّ يقتسمان ما بقي من ماله بينهما؛ لأنَّهُ مات عبدًا لهما جميعًا؛ لأنَّ الَّذِي أعتقه إِنَّمَا وضع عنه ما له عليه من الدَّراهم، لا أنَّه ابتدأ عتقه.
ألا ترى: أنَّ أحد الورثة إذا وضع عن المكاتب حصّته لم يَعتق عليه؛ لأنَّ ذلك ليس بابتداءِ عتقٍ، وإنّما هو وضع دراهم، فكذلك المكاتب نفسه إذا فعل ذلك، فليس هو بعتقٍ.
•••
[٢٧٦٠] مسألة: قال: ولا يطأ الرّجل مُكاتَبَته، فإن وطئ فحملت فهي بالخيار:
• إن شاءت كانت أمَّ ولدٍ.
• وإن شاءت قُرَّت على كتابتها.
وإن لم تحمل فهي على كتابتها (^١).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٧٧)، الموطأ [٥/ ١١٥٠]، المختصر الصغير، ص (٤٥٨).
[ ٤ / ١٧٠ ]
• إنَّمَا قال: «إنَّه لا يطأ المكاتَبَةَ»؛ فلأنَّ الكتابة عتقٌ على عوضٍ بعقدٍ قد عقده السيّد على نفسه، فأشبه ذلك البيع، فلا يجوز وطء مَنْ هذه صفتها.
فإن وطِئَهَا فحملت، كان لها الخيار:
(في أن تمضي على كتابتها؛ لأنَّهُ قد ثبت لها عقد الكتابة، لتعتق بأدائها قبل موت سيدها.
(أو تفسخ كتابتها وتصير أمّ ولدٍ؛ من قِبَلِ أنّه ليس على أمِّ الولد أن تسعى في أداء الكتابة عنها إن لم تختر ذلك، كما لا يجوز أن تكاتب إن لم تحبَّ ذلك؛ لأنَّ الَّذِي للسيّد في أمِّ ولده الاستمتاع بها بالوطء، دون البيع والإجارة والكتابة.
•••
[٢٧٦١] مسألة: قال: وإذا كان العبد بين رَجُلَيْنِ، فليس يجوز لأحدهما أن يكاتبه، أَذِنَ في ذلك شريكه أو لم يأذن.
فإن جُهِلَ ذلك حَتَّى يؤدّي، أو قبل أن يؤدّي: ردَّ الَّذِي كاتبه ما قبض من المكاتب (^١) واقتسماه، وكان عبدًا على حالته الأولى (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المكاتِبَ لحصّته من العبد، قد باع نصيبه من خراجه من شريكه بشيءٍ معلومٍ يأخذه من العبد، وذلك لا يجوز؛ لأنَّهُ يدخله بيع شيءٍ مجهولٍ بشيءٍ معلومٍ، ويدخله بيع ذهبٍ بذهبٍ أو فضّةٍ.
_________________
(١) قوله: «المكاتب»، كذا في شب، وفي جه: «الكتابة».
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٧٧)، الموطأ [٥/ ١١٥٠].
[ ٤ / ١٧١ ]
ولأنَّ هذا يؤدّي إلى ترك العتق على شريطه حصَّة شريكه الَّذِي لم يعتق إذا كاتبه بإذنه، وذلك خلافٌ لما أمر به رسول الله ﷺ من إيجابه العتق في حصَّة شريكه على الَّذِي أعتقه (^١).
ولو أعتقناه عليه، كان ذلك ضررًَا بالذي كاتبه؛ لأنَّهُ إِنَّمَا طلب الفضل بكتابته، ولم يطلب وجه القربة الَّتِي توجب تكميل الحريّة عليه.
فوجب لهذه العلَّة أن لا يجوز لأحد الشّريكين أن يُكاتب حصَّته من العبد، أذِنَ له في ذلك شريكه أم لم يأذن.
•••
[٢٧٦٢] مسألة: قال: وإذا كان كاتباه جميعًا، فأنظره أحدهما بحقِّه وأبى الآخر، فاقتضى الَّذِي أبى، ثمَّ مات المُكاتَبُ ولم يترك وفاءً، فإنهما يتحاصَّان بقدر ما بقي لكلّ واحدٍ منهما.
وإن ترك فضلًا عن كتابته، كان ما بقي بينهما سواءٌ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ ليأخذ كلّ واحدٍ من السَّيِّدين بقدر ما بقي له من الكتابة؛ ليكون كلّ واحدٍ منهما قد أخذ حقه، ولا يفضل أحدهما الآخر.
ثمَّ يقتسمان الباقي؛ لأنَّهُ مات عبدًا لهما.
•••
_________________
(١) ينظر: الحديث في المسألة رقم ٢٦٧٨.
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٧٨)، الموطأ [٥/ ١١٥٠].
[ ٤ / ١٧٢ ]
[٢٧٦٣] مسألة: قال: فإن عجز (^١) ولم يقتض الَّذِي لم يُنْظِر، كان بينهما شطرين، ولم يرجع على صاحبه بشيءٍ مِمَّا اقتضاه.
ولو وضع أحدهما له نصيبه، ثمَّ عجز وقد اقتضى الَّذِي لم يضع، فَإِنَّهُ لا يرجع على صاحبه بشيءٍ.
وكذلك الدَّينُ يكون بين الرَّجُلَين، فينظره أحدهما ويشحّ الآخر، ثمَّ يفلس الغريم، فلا يَرُدّ الَّذِي اقتضى شيئًا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا اقتضى أحدهما بإذن شريكه شيئًا من الكتابة، ثمَّ عجز قبل أن يقضي الآخر، لم يرجع عليه الَّذِي لم يُقْضَ؛ لأنَّ الَّذِي اقتضى إِنَّمَا أخذ حصَّته الَّتِي كانت له، ولم يتعدّ بما فعل، كما يأخذ حصّته من دينه الَّذِي له على غريمه بإذن شريكه.
وليس هذا بمنزلة ما يكاتبه أحدهما أو يقاطعة؛ لأنَّهُ ليس له أن ينفرد بأخذ ماله دون صاحبه.
•••
[٢٧٦٤] مسألة: قال: وإذا ترك له أحدهما حصّته من الكتابة، ثمَّ عجز، رجع عبدًا بينهما (^٣).
_________________
(١) إلى هذا الموضع تنتهي القطعة الموجودة من مك من كتاب المكاتب، وما بعدها مفقود.
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٧٨)، الموطأ [٥/ ١١٥٠].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٧٨)، الموطأ [٥/ ١١٥٠].
[ ٤ / ١٧٣ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ترك أحدهما نصيبه من الكتابة للعبد، إِنَّمَا هو وضع دراهم له، وليس بابتداء عتقٍ، فإذا عجز، رجع عبدًا بينهما؛ لأنَّ وضع كتابته ليس هو ابتداء حريِّةٍ.
ولو كان كذلك، لوجب على من وضع كتابة عبده - أعني: حصَّته منها -، أن يعتق عليه حصَّة شريكه، كما يعتق عليه حصّة شريكه إذا أعتق الشَّريك حصَّته.
•••
[٢٧٦٥] مسألة: قال: وإذا كان العبد نصفه حرًّا، فلا بأس بكتابته النِّصف الباقي (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ بكتابته هذا النِّصف، ليس يكون فيه أداءان مختلفان، كما يكون ذلك في حصّته إذا كاتبه دون شريكه، على ما بيَّنَّاه.
•••
[٢٧٦٦] مسألة: قال: وإذا كان المُكَاتَبُ بين الرَّجلين، فأراد أحدهما بيع نصيبه منه، فقداختُلِفَ فيه: فأُجِيز، وكُرِهَ، وإجازته أحبُّ إلينا (^٢).
• إنَّما كره بيع حصَّته؛ لأنَّ ذلك بمنزلة مقاطعةٍ له على مالٍ يأخذه دون شريكه، وذلك غير جائزٍ.
ووجه إجازته لذلك: فلأنَّه لَمَّا جاز بيعه كلّه إذا كان مُكاتَبًَا - أعني: بيع
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٧٨).
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٧٨)، البيان والتحصيل [١٥/ ٢١٩].
[ ٤ / ١٧٤ ]
كتابته -، فكذلك يجوز بيع نصفها، وكما جاز بيع نصف رقبته إذا كان عبدًا، فكذلك يجوز بيع نصف كتابته.
•••
[٢٧٦٧] مسألة: قال: وإذا أعتق أحد الشَّريكين من المكاتَبِ نصيبه، لم يُقَوَّم عليه؛ لِأَنَّهُ وَضْعُ دراهِمَ، فإن عجز رجع رقيقًا كلّه.
ولو ورث قومٌ مُكَاتَبًَا فأعتق بعضهم (^١) نصيبه، ثمَّ عجز، رجع حصَّة المُعتِقِ رقيقًا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا ليس بعتقٍ مُبتدَأٍ، وإنّما هو ترك مالٍ، وإذا كان كذلك، كان عبدًا لكلّهم إذا عجز عن أداء الكتابة؛ لأنَّهُ عبدٌ لهم ما بقي عليه شيءٌ من الكتابة.
•••
[٢٧٦٨] مسألة: قال: وإذا كان عبدٌ بين ثلاثةٍ، فكاتبه اثنان بإذن شريكهما، ثمَّ قاطعاه بإذنه، وعتق نصيبهما، ثمَّ إن الَّذِي له فيه الرقُّ مات وورثه ورثته، وخَدَمَهُم سنين، فهو رقيقٌ، لا ينفع ما كاتباه عليه وإن أذن شريكهما، ولا قطاعتهما وإن أذن، فهو رقيقٌ، يَرُدَّانِ ما أخذا منه، إلَّا أن يرضى الَّذِي بقي له فيه الرِّقّ (^٣).
_________________
(١) قوله: «بعضهم»، كذا في شب، وفي جه: «أحدهم».
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٧٨)، الموطأ [٥/ ١١٧٣].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٧٩)، البيان والتحصيل [١٥/ ٢١١].
[ ٤ / ١٧٥ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز لأحد الشّريكين أن يكاتب حصّته من العبد، وإن كان ذلك بإذن شريكه؛ لأنَّ العبد يصير مؤدِّيًا لخراجين مختلفين، فكأنَّ أحد الشّريكين قد ترك خراجه منه بشيءٍ ضَمِنَه له شريكه أو العبد عن شريكه، وذلك لا يجوز.
وإذا كان أصل الكتابة فاسدًا، فكذلك القطاعة منها، فهو عبدٌ بينهم كما كان، ويرث الميِّتَ ورثتُه ويقومون مقامه.
وعلى الشّريكين أن يَرُدَّا ما أخذا منه إلى شريكهما بقدر ما يحصُّهُ، أو إلى ورثته إن كان قد مات؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يستبدَّ أحدهما بشيءٍ من خراجه دون شركائه.
•••
[٢٧٦٩] مسألة: قال: وإذا كان القوم في كتابةٍ واحدةٍ، فأدَّى واحدٌ عنهم، فَإِنَّهُ يتبعهم بقدر ذلك، على قدر كتابة كلِّ واحدٍ منهم من صاحبه بقدر ما كان يطيق منها، وبعضهم في الكتابة حُمَلَاء عن بعضٍ.
فإن ألقى أحدهم بيديه وقال: «قد عجزت»، فلهم أن يستعملوه ما يطيق من العمل (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الكتابة تقتضي الحمالة؛ لحرمة العتق ووكود سببه.
فإذا أدَّى أحدهم عنهم، رجع عليهم، كما يرجع الحميل على المتَحَمَّلِ عنه إذا أدَّى عنه بقدر ما أدَّى، وهكذا يرجع هذا على كلّ واحدٍ بقدر ما كان يطيق من الأداء؛ لأنَّ ذلك الَّذِي كان يلزمه، فليس عليه أكثر من ذلك.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٧٩)، الموطأ [٥/ ١١٥٢].
[ ٤ / ١٧٦ ]
وإن عجَّزَ أحدهم نفسه لم يقبل منه، ووجب عليه السَّعي في الكتابة كما ألزم نفسه، إلَّا أن يُعْلَم عَجْزُهُ فيسقط عنه السَّعي.
•••
[٢٧٧٠] مسألة: قال: ولا ينبغي للمُكَاتَبِ أن يُحَمَّلَ (^١) لسيِّده بكتابته أحدٌ، ولكنْ بعض المكاتبين حملاء عن بعضٍ.
ولا يَعْتَقُ أحدٌ منهم دون بعضٍ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الكتابة ليست بدَيْنٍ ثابتٍ، فلا تجوز الحمالة فيها؛ لأنَّ المكاتَبَ قد يعجز، فلا يرجع الحميل إذا أدَّى عنه إلى أخذ ما قد أدَّى عنه، وفي ذلك إتلافٌ لماله وتركه على غير عوضٍ؛ لأنَّهُ إِنَّمَا أدَّى عن المكاتب ليأخذ بدله منه، ولم يؤدّه عنه على وجه القربة إلى الله ﷿ والحسبة، فلا يكون له الرُّجوع.
وقوله: «لا يعتق بعض المكاتبين دون بعضٍ»؛ فلأنَّ في عتق بعضهم قد يكون عجزًا للباقين؛ لقوَّة سعي الَّذِي أعتقه دونهم.
فإن كان الَّذِي أعتقه لا سعي فيه، مثل: صغيرٍ، أو كبيرٍ لا سعي فيه، فعتقه جائزٌ؛ لأنَّ عتق مثل هذا لا يؤدِّي إلى عجز الباقين.
•••
_________________
(١) قوله: «يُحَمَّلَ»، كذا في شب، وفي جه: «يتحمل»، وفي الموطأ [٥/ ١١٥٢]: "يَتَحَمَّلَ له بكتابة عبده أَحَدٌ".
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٧٩)، الموطأ [٥/ ١١٥٢].
[ ٤ / ١٧٧ ]
[٢٧٧١] مسألة: قال: ومن مات منهم وترك فضلًا، أُدِّيَ عنهم جميع كتابتهم، وكان الفضل للسيّد، ويتبعهم بقدر حصصهم مِمَّا أُدِّيَ من مال الميِّت عنهم (^١).
• إنَّمَا قال: «إنَّه يؤدَّى عنهم من مَالِهِ الكِتَابَةَ بالحمالة الَّتِي قد لزمته، ثُمَّ يرجع السَّيِّد عليهم مِمَّا أُدِّيَ عنهم»؛ لأنَّ ذلك ماله، كما لو كان المُكَاتَبُ حيًّا لرجع عليهم، إلَّا على من يعتق عليه إذا ملكه.
•••
[٢٧٧٢] مسألة: قال: فإن كان للمكاتب ولدٌ أحرارٌ، لم يرثوه؛ لأنَّهُ مات عبدًا، ويرثه ولده الَّذِينَ معه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ الميراث إِنَّمَا يكون بتساوي الحرم والدِّين، فالمكاتب مساوي الحرمة لولده الَّذِينَ معه في الكتابة، دون ولده الأحرار والعبيد، فلم يرثوه لهذه العلَّة.
•••
[٢٧٧٣] مسألة: قال: ولا يَعْتَقُ أحدٌ من المكاتَبِينَ دون مُؤَامرةِ (^٣) أصحابه.
فإن كانوا صغارًا، فليس مؤامرتهم بشيءٍ، ولا يجوز ذلك عليهم؛ لأنَّ في ذلك عجزهم.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٧٩)، الموطأ [٥/ ١١٥٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٧٩)، الموطأ [٥/ ١١٥٣].
(٣) قوله: «مؤامرة»، يعني: مشاورة، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٢٨).
[ ٤ / ١٧٨ ]
وإن أحب السَّيِّد أن يُعتِقَ من المكاتبين كبيرًا فانيًا، أو صغيرًا لا يؤدِّي، فذلك له، وإن كان الصَّغير منهم يبلغ الحلم قبل أن يُؤَدِّي النُّجوم، فيَعْتَق.
ولا يُقْبَل قولهم بغير قيمةٍ ولا مُحَاصَّةٍ (^١).
• إنَّمَا قال: «إنَّه لا يعتق أحدٌ منهم دون أصحابه»؛ لأنَّ في عتقه قد يكون عجزٌ لهم، فلا يجوز ذلك إلابإذنهم، إلَّا أن يكون مِمَّنْ لا سعي فيه، كالصَّغير والشَّيخ الفاني، فيجوز ذلك بغير إذنهم؛ لأنَّهُ ليس في ذلك عجزٌ لهم.
وقد اختلف قول مالكٍ في تعجيز المكاتب نَفْسَه: فأجازه مرَّةً، ومنع منه أخرى.
فوجه إجازته: هو أنَّ ذلك حقٌّ له، فإذا تركه، جاز.
ووجه منعه: فلأنَّ ذلك قد تعلّق به حقٌّ لله ﷿ وهي الحريّة -، فلا يجوز ذلك إذا كان قويًّا على الأداء.
•••
[٢٧٧٤] مسألة: قال: وإذا كان للمكاتب حَمْلٌ فأعتقه سيِّده، فقال: «لا حاجة لي بذلك، أُؤَدِّي ويعتَقُ ولدي معي»:
• فقد قيل: يَعْتَقُ وتَتِمُّ حريّته، ويؤدِّي عن ابنه، وإنّما يكون ذلك لو طلبه الوالد (^٢).
• وقد قيل: لا يَعْتَق.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٧٩)، الموطأ [٥/ ١١٧٤].
(٢) قوله: «الوالد»، كذا في شب، وفي جه: «الولد».
[ ٤ / ١٧٩ ]
ولا يَعْتَق أحبّ إلينا (^١).
• وجه قوله: «يعتق»؛ فلأنَّ عتقه في هذه الحال متيَقَّنٌ، فلا يُرفع لشيءِ قد يكون أو لا يكون - وهو أداء الكتابة -.
ووجه القول الآخر: أنَّ الأب يقول: «إنَّما دخلت في الكتابة على أنَّ ولدي يكون معي فيها، وحكمهم حكمي، فإذا متُّ ورثني، وإذا مات ورثته، فإذا أُعْتِقَ قبلي، لم أرثه ولم يرثني، فقد بطل ما أردته»، وذلك له، ولا يعتق على هذا القول إلَّا باختياره.
•••
[٢٧٧٥] مسألة: قال: وإذا قاطَعَ المكاتَبُ وله أولادٌ، عَتَقُوا كلّهم، هم و[هُـ]ــوَ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عِتْقَهم بالقُطَاعَةِ إِنَّمَا هو بالأداء، فيعتَقُ هو وولده بالأداء؛ لأنَّهُ على ذلك دخل.
•••
[٢٧٧٦] مسألة: قال: وإذا كان للمكاتَبِ الولدُ الصّغارُ، فأعتقه سيِّده، فلا يجوز عِتْقُهُ، إلَّا أن يكون كبيرًا لا منفعة فيه (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٠).
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٨٠).
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٨٠).
[ ٤ / ١٨٠ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه على أحد القولين (^١)؛ لأنَّهُ يقول: «أريد أن يعتق بعتقي؛ ليرثني وأرِثُهُ».
•••
[٢٧٧٧] مسألة: قال: فإن مات المكاتَب وكان له مالٌ، أُدِّيَ عن ولده نجمًا نجمًا حَتَّى يبلغوا السّعي، ثمَّ يسعون إن كانوا أُمناء، ويُدْفع المال إليهم.
وإن لم يكونوا مأمونين، أُدِّيَ عنهم نجمًا نجمًا حَتَّى ينفد (^٢).
• إنَّمَا قال: «يُدْفَع إليهم المال»؛ لأنَّهُ حقٌّ قد وجب لهم، فيُدفع إليهم لينتفعوا به ويتصرَّفوا فيه ويُؤَدُّوا منه الكتابة إن كانوا أمناء.
فإن كانوا غير مأمونين، لم يُدْفَع ذلك إليهم؛ لأنَّ في ذلك إتلاف حقٍّ للسَّيِّد، وفيه ضررٌ عليهم أيضًا.
ولكن يؤدَّى عنهم نجمًا نجمًا؛ لأنَّ في ذلك صلاحًا لهم وللسيِّد، فوجب فعله، وقد قال الله ﷿: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود:٨٨].
•••
[٢٧٧٨] مسألة: وإذا كاتب الرّجل عبدين، جَعَلَ (^٣) على كلِّ واحدٍ منهما من الكتابة بقدر الاجتهاد.
_________________
(١) قوله: «أحد القولين»، كذا في شب، وفي جه: «إحدى الرِّوايتين»، وينظر: المسألة [٢٧٧٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٨٠)، النوادر والزيادات [١٣/ ٨٤].
(٣) قوله: «جعل»، كذا في شب، وفي جه: «وضع».
[ ٤ / ١٨١ ]
وكذلك إذا أوصى بكتابة عبدٍ، كوتب على قدر حاله وقوَّتِهِ، وعلى قدر ناحيته (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قدر كتابة كلّ واحدٍ منهما هو العدل، وعلى ذلك دخلا، فوجب أن يُلْزِمَ كلّ واحدٍ من الكتابة بقدر ما يحصُّه من ذلك، ويُلْزِمُهُ بالإنصاف والعدل، ولا يحمل لأحدهما على الآخر.
•••
[٢٧٧٩] مسألة: قال: ومن كان له وصيفٌ وله أبٌ حرٌّ، فكاتب أبوه عنه وضَمِنَ ذلك: يؤدّيها على النُّجوم، فلا خير في ذلك؛ لأنَّهُ إن عجز ذهب ماله باطلًا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحمالة في الكتابة لا تجوز؛ لِأَنَّهَا ليست بدينٍ ثابتٍ.
ولو أدَّى الحميل عنه ثمَّ عجز المُكَاتَبُ، لم يرجع الحميل على المكاتب بشيءٍ؛ لأنَّ الكتابة تسقط عنه بالعجز.
فهذا معنى قول مالكٍ: «يذهب ماله باطلًا».
•••
[٢٧٨٠] مسألة: قال: ومن كاتب على نفسه وبنيه، ثمَّ مات، سعى بنوه، ولم يوضع عنهم لموت أبيهم شيءٌ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٠)، البيان والتحصيل [١٥/ ٢١٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٨٠)، النوادر والزيادات [١٣/ ١٠٨].
[ ٤ / ١٨٢ ]
وإذا كانوا صغارًا لا سعاية فيهم، لم يُنْتَظَر بهم ورَقُّوا.
وقد قيل: لا يَرِقُّوا حَتَّى يُرفَعُوا إلى السّلطان، وذلك أحبّ إلينا (^١).
• إنَّمَا قال: «لا يُوضع عنهم شيءٌ بموت أبيهم»؛ لأنَّ الكتابة عتقٌ بصفةِ الأداء، وعلى ذلك دخلوا، فمتى لم يؤدُّوا كلّ ما دخلوا عليه، لم يكن لهم العتق.
وقوله: «إذا كانوا صغارًا لا سعاية فيهم، أنَّهم قد رقّوا»؛ فلأنَّهم قد عجزوا عن التَّصرف، وعجزهم ظاهرٌ ليس فيه إشكالٌ، فلم يُحتج إلى رفعهم إلى الإمام.
ووجه قوله الآخر: هو أنَّ الكتابة عقد حريَّةٍ، لا يرفعها غير الحاكم، حَتَّى ينظُرَ في ذلك؛ لجواز أن لا يكون هناك عجزٌ منهم.
•••
[٢٧٨١] مسألة: قال: وإذا ترك ولدًا وأمَّ ولدٍ ومالًا، فأرادت أن تسعى عنهم وكانت مأمونةً قويَّةً على السَّعي، فذلك لها، وإن لم تكن كذلك، لم تعطَ شيئًا، ورَقَّت هي وولده.
وإن لم يترك مالًا غير أمِّ ولده، رقَّتْ ولم تسع، ولا عتق لها (^٢).
• إنَّمَا قال: «إنَّها تسعى»؛ لأنَّ في سعيها عتقًا للولد الَّذِينَ قد ثبت لهم عقد حريَّةٍ، وهي تبعٌ لهم، فجائزٌ سعيها عنهم؛ لبقاء من ثبت له عقد الكتابة.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨١)، الموطأ [٥/ ١١٦٤]، المختصر الصغير، ص (٤٥٦).
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٨١)، الموطأ [٥/ ١١٦٥].
[ ٤ / ١٨٣ ]
فأمَّا إذا لم يكن هناك ولدٌ، رَقَّت؛ لِأَنَّهَا ليست مِمَّنْ عُقِد عليها الكتابة، ولا حكمُهَا حُكْمُ مَنْ عُقِد عليه، وإنّما هي مال المكاتب يتبعه في الكتابة، كما يتبعه سائر ماله.
•••
[٢٧٨٢] قال: وإذا خِيف على ولده العجز، بيعت أمُّ ولد أبيهم - كانت أمُّهم أو غير أمّهم -، وَكَذَلِكَ الأَبُ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُ بَيْعَهَا إذا خاف على نفسه.
وإن لم يكن في ثمنها ما يؤدوا حَتَّى يبلغوا، رَقُّوا جميعًا (^١).
• لأنَّ في ذلك منفعةً (^٢) لهم ومعونةً على العتق، فجاز بيعها؛ لِأَنَّهَا مالٌ من مال أبيهم، وسواءٌ كانت أمّهم أو غير أمّهم، فجاز لهم بيعها كما كان يجوز لأبيهم إذا خاف العجز.
•••
[٢٧٨٣] مسألة: قال: وإذا عجز المكاتَبُ عن نجمٍ، لم يَرِقَّ حَتَّى يؤجَّلَ أجلًا (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لجواز أن يؤدِّي كتابته بعد يسيرٍ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨١)، الموطأ [٥/ ١١٦٣].
(٢) قوله: «لأنَّ في ذلك منفعةً»، كذا في شب، وفي جه: «إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في ذلك منفعةٌ».
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٨١).
[ ٤ / ١٨٤ ]
ولأنَّ عجزه لا يجوز إلَّا عند السُّلطان.
•••
[٢٧٨٤] مسألة: قال: والمكاتَبُ إذا خاف العجز عن نجمٍ - وإن لم يكن آخر نجومه -، فله أن يبيع أمَّ ولده، ويبيعها من غير مؤامرة السّلطان.
وليس يُضْرَبُ له أجلٌ في نجمه إذا كانت له أمُّ ولدٍ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مالٌ من ماله، ولم يثبت لها عقد حريَّة مستقرَّةٍ، فجاز له بيعها في أوَّل نجمٍ وآخره.
ولم يحتج إلى ضرب أجلٍ له؛ لأنَّهُ مِمَّنْ يقدر على الأداء ببيع أمِّ ولده.
•••
[٢٧٨٥] مسألة: قال: ولا يبيع المكاتَبُ ولدَهُ إذا عَجِزَ.
وإن اشترى المكاتَبُ ابْنَهُ، ثمَّ عجز، فليس له أن يبيعه، ويَدْخُلُ معه في كتابته إذا كان شراؤه بإذن سيِّده.
وكذلك أبوه، لا يشتريه إلَّا بإذن سيِّده، فإن اشتراه بإذنه كان مُكاتَبًَا معه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يملك ولده، وهم عبيدٌ لسيِّده، سواءٌ كانوا معه في الكتابة أو اشتراهم بعد كتابته.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨١)، الموطأ [٥/ ١١٦٣]، المدونة [٢/ ٤٩٤ و٥٠١]، البيان والتحصيل [١٥/ ٢٦٠].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٨١)، المدونة [٢/ ٤٩٢].
[ ٤ / ١٨٥ ]
فأمَّا قوله: «إنَّهم يدخلون معه في كتابته إذا اشتراهم بإذن سيِّدهم»؛ فلأنَّ كلَّ من مَلَكَ ولده صار حُكْمُهُ حُكْمَهُ؛ بدلالة: أنَّ الحر إذا ملك ولده صار حرًّا مثله، فكذلك يجب أن يكون ولد المكاتب إذا ملكه مثله.
وكذلك أبوه، يصير حُكْمُهُ حُكْمَهُ إذا اشتراه وهو مُكَاتبٌ، كما أنَّه إذا كان حرًّا فاشترى أباه صار حُرًّا مثله.
•••
[٢٧٨٦] قال: وإذا هلك المكاتَبُ وله أولادٌ صغارٌ، فأراد عمُّهم القيام بكتابتهم، فلا تجوز حمالةٌ في مثل هذا.
وإن ترك مالًا يُبَلِّغُهُم الحُلَمَ والقوَّةَ على العمل: حُكِمَ عليه أو تَجَرَ بِهَ، وأدَّى عَنْهُمْ مِنْهُ نجمًا نجمًا حَتَّى يبلغوا من ذلك، ولا يُدفَع إلى سيِّدهم.
وإن لم يكن فيه ما يُبَلِّغُهُمْ، رَقُّوا (^١).
• إنَّمَا قال: «لا تجوز الحمالة في الكتابة»؛ لِأَنَّهَا ليست بدينٍ ثابتٍ على المُكَاتَبِ.
ألا ترى: أَنَّهُ لو عجز سقطت عنه، ولو أدَّاها عنه الحميل، ثمَّ عجز، لَمَا جاز أن يرجع عليه بشيءٍ، وذلك غررٌ.
وقوله: «إنَّه يَعْمَلَ بمال المكاتب ما وَصَفَهُ»؛ فلأنَّ في ذلك نظرًا لولده
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٢)، الموطأ [٥/ ١١٥٢]، المختصر الصغير، ص (٤٥٦).
[ ٤ / ١٨٦ ]
الأصاغر؛ لأنَّ في ذلك معونةً لهم على العتق، ونظرًا لسيِّده أيضًا؛ لأنَّ في ذلك أخذ حقِّه من الكتابة.
ولا يُدْفَعُ إلى سيِّده مع إمكان تصرّفهم فيه؛ لأنَّ في ذلك عجزهم.
فأمَّا إذا لم يكن مَنْ يَتَصَرَّفُ فيه ويسعى في عتقهم، دُفِعَ إلى سيِّدهم ورَقُّوا؛ لِأَنَّهُم قد عجزوا عن السَّعي.
•••
[٢٧٨٧] مسألة: قال: وليس للسيِّد أن يمنع مكاتبه أن يدَّان فيقضيه نجومه، وله أن يمنعه أن يدَّان في سَفَهٍ أو فَسَادٍ.
وليس لسيِّده أن يأبى أن يقبل الكتابة مِمَّنْ أعطاه إيَّاها مِنَ الخَلْقِ عن عبده (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العبد بكتابة سيّده له صار مأذونًا له في التِّجارة والتَّصرف، فله أن يستدين فيما كان صلاحًا له، مِمَّا يؤدّي إلى عتقه والزّيادة في ماله.
فأمَّا في السَّفَه والفساد، فلم يأذن له فيه سيّده، فلا يجوز له أن يستدين في ذلك.
وقوله: «إنَّ على السَّيِّد قبول الكتابة مِمَّنْ أعطاها عن عبده»؛ فلأنَّ الكتابة عقد حريّةٍ بصفة الأداء، فكلُّ من أدَّى إلى السَّيِّد الكتابة عن عبده، فقد جاءت (^٢)
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٢).
(٢) قوله: «جاءت»، كذا في شب، وفي جه: «حلَّت».
[ ٤ / ١٨٧ ]
صفة العتق، فلزمه قبولها؛ لأنَّ غرض السيّد في الكتابة أخذ المال، فإذا دُفِع إليه، وجب عليه قبوله، وصار المكاتب حُرًّا.
•••
[٢٧٨٨] مسألة: قال: ولا يدخل مع المُكَاتَبِ أخوه إذا اشتراه، ولا يدخل معه إلّا الولد والوالد (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأخ لَمَّا ضعفت حرمته عن الأب والابن، وضعفت أيضًا حرمة الكتابة عن العتق، لم يجب أن يساويه فيها كما يساويه في الحريَّة إذا ملكه.
وحكى أشهب عن مالكٍ (^٢): أنَّ الإخوة يدخلون معه في الكتابة إذا اشتراهم، وهو أقيس (^٣).
وذلك أنَّ كلّ من يعتق على الحرِّ إذا ملكه، يدخل مع المكاتَبِ في كتابته إذا
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٢)، وقد أشار ابن عبد البر في الكافي، ص (٥٢٥)، إلى هذا النقل عن ابن عبد الحكم، وينظر قول مالك في: النوادر والزيادات [١٣/ ٨٢]، البيان والتحصيل [١٥/ ٢٢٣].
(٢) قوله: «أشهب عن مالك»، كذا في شب، وفي جه: «أشهب بن عبد العزيز عن مالكٍ».
(٣) لم أقف عليه، والذي في النوادر والزيادات [١٣/ ٨٢]، من سماع أشهب عن مالك: «قال مالكٌ في المكاتب يشتري أخاه، هل يدخل في كتابته؟، قال: ما سمعت ذلك».
[ ٤ / ١٨٨ ]
ملكه واشتراه بإذن سيّده؛ لأنَّهُ لَمَّا وجب أن يساويه في الحريَّة إذا ملَكَه، وجب أن يساويه في عقد الحريّة إذا ملَكَه، وسواءٌ كان ذلك عقد كتابةٍ أو غيرها.
•••
[٢٧٨٩] مسألة: قال: وإذا مات المكاتَبُ وترك ولدًا وأمَّ ولدٍ، فسعوا، ثمَّ هلكوا وتركوا أموالًا فيها وفاءٌ، وتركوا أُمَّهم، فهي أَمَةٌ، وما تركوا من المال لسيِّدهم (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يَبْقَ أحدٌ مِمَّنْ ثبت له عقد الكتابة ولا وجب له حكمها؛ لأنَّ أمّ ولد المكاتب تبعٌ له ولم يقع عليها عقد كتابةٍ.
ألا ترى: أنَّهَا تباع إذا احتاج المكاتَبُ أو وَلَدُهُ إلى بيعها.
•••
[٢٧٩٠] مسألة: قال: وإذا ترك المكاتَبُ ولدًا ومالًا ليس فيه وفاءٌ من كتابته، دُفِعَ ذلك إليهم إذا كانوا مأمونين.
وإن ترك مالًا فيه وفاءٌ، فَدَعَوا إلى أخذه والقيام بالنُّجُومِ، فليس ذلك لهم (^٢).
• إنَّمَا قال: «إنَّ مال المكاتب يُدْفَعُ إلى ولده إذا كانوا أمناء؛ ليسعوا فيه»؛ فلأنَّه قد وجب لهم من عقد الكتابة ما وجب لأبيهم، فكان لهم أن يَسْعَوا في ماله ليؤدُّوا الكتابة، كما كان يسعى أبوهم.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٢)، الموطأ [٥/ ١١٧٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٨٢)، المدونة [٢/ ٥٠٦].
[ ٤ / ١٨٩ ]
فإن كان في المال وفاءٌ بالكتابة، أخذه السَّيِّد بكتابته وعَتَقُوا، ولم يُدفع إليهم ليؤدُّوه على نجومه؛ خيفة أن يتلفوه فيبطل حقّ السَّيِّد ولا يحصل لهم عتقٌ.
فإن كانوا غير مأمونين، فليس على السَّيِّد دفع ذلك إليهم، وله أخذ المال؛ لأنَّهم قد عجزوا عن السَّعي ورجعوا عبيدًا له.
•••
[٢٧٩١] مسألة: قال: وإذا أعْتَقَ المكاتَبُ عبدَهُ أو تصدَّق بشيءٍ من ماله، ولم يعلم بذلك سيِّده حَتَّى عَتَقَ المُكَاتَبُ، نَفَذَ ذلك عليه.
وإن علم السَّيِّد قبل ذلك فرده، ثمَّ عَتَقَ المكاتَبُ، لم يكن عليه إخراجه، إلَّا أن يفعل ذلك من عند نفسه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المكاتَبَ إِنَّمَا كان ممنوعًا من العتق والصَّدقة من أجل حقِّ سيِّده، فإذا زال ذلك عنه، نفذ عليه، كالمدين إذا أَعْتَقَ، ثمَّ قضى الدَّين بعد العتق، نفَذ عتقه.
وإن ردَّ السيّد بطل ذلك، كما يُرَدُّ عتق الموَلَّى عليه إذا أَعْتَقَ.
ولا يلزم المكاتَبَ عتقُ من أعتق بعد ذلك، كما لا يلزم المحجورَ عتق ما أعتقه في حال الحجر، وكذلك السَّفيه والعبد إذا أعتقا في حال الحجر والعبودية،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٢)، الموطأ [٥/ ١١٧٥].
[ ٤ / ١٩٠ ]
فليس يلزم كلّ واحدٍ منهما تنفيذ ما أعتقه إذا ولِيَ نفسه بالرُّشْدِ أو الحريّة، إذا كان من يلي عليهما قد ردَّه، مِنَ: السيّد والوصيّ.
•••
[٢٧٩٢] مسألة: قال: ولا بأس أن يُكاتِبَ المكاتَبُ عبدَهُ على وجه الرّغبة وطلب المال، فإن كان ذلك لمحاباةٍ، فلا يجوز (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كتابة المكاتَبِ عبدَهُ على وجه الرَّغبة وطلب المال، ضربٌ من المتاجرة، وذلك جائزٌ له؛ لأنَّ سيِّده قد أذن له في ذلك.
فأمَّا إذا كان فيها محاباةٌ أو عتقٌ بغير عوضٍ، فلا يجوز ذلك؛ لأنَّهُ إخراج مالٍ بغير عوضٍ، ولم يأذن له سيِّده في ذلك.
•••
[٢٧٩٣] مسألة: قال: ولا يجوز للمكاتَبِ أن يُعْتِقَ عبدَهُ إلَّا بإذن سيِّدِه، فإن أذن له، ثمَّ عَتَقَ المُكَاتَبُ، كان ولاؤه له، وإن مات المكاتَبُ قبل أن يَعْتَقَ، كان ولاؤه لسيِّدِ المكاتَبِ.
وإن مات المُعْتَقُ قبل أن يَعْتَقَ المكاتَبُ، ورثة سيِّد المكاتَبِ.
وكذلك المكاتَبُ يكاتِبُ عبدَهُ فيَعْتَقُ مَكَاتَبُهُ قَبْلَهُ، فولاؤه لسيِّده، فإن عَتَقَ رجع إليه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٢)، الموطأ [٥/ ١١٤٩].
[ ٤ / ١٩١ ]
وإن مات قبل أن يؤدِّي وله ولدٌ أحرارٌ، لم يرثوا وَلَاءَ مُكَاتَبِ أبيهِمْ؛ لأنَّهُ لم يثبت لأبيهم ولاءٌ، ولا يثبت ولاءٌ حَتَّى يَعْتَقَ (^١).
• إنَّمَا قال: «إنَّ ولاء ما أعتق المكاتَبُ له»؛ لأنَّهُ مِمَّنْ قد ثبت له عقد حريَّةٍ في حال عتقه عبده، فإذا أدَّى الكتابة، ثبت له حكم الولاء.
فإن مات المكاتَبُ قبل أن يؤدّي الكتابة، كان ولاء مُعْتَقِهِ لسيِّدِ المكاتَبِ؛ لأنَّ المكاتَبَ لم يتقرَّر له ولاءُ من أعتَقَهُ؛ لأنَّهُ لم تتمّ له حريّةٌ حين مات مكاتبًا.
وكذلك المُكَاتَبُ إذا كاتب عبْدَهُ، فقد ثبت له عقد ولاءٍ على مُكَاتَبِهِ، فإن مات المُكَاتَبُ الأعلى قبل أن يؤدِّي المكاتَبُ الأسفل، كان ولاء الأسفل لسيِّد المُكَاتَبِ الأعلى، ولم يكن لولد المكاتَبِ الأعلى؛ لأنَّ أباهم لم يثبت له ولاءٌ.
وإن أدَّى المكاتَبُ الأسفل الكتابة، ثمَّ أدَّى المكاتَبُ الأعلى الكتابة، كان ولاء المكاتَبِ الأسفل للمكاتَبِ الأعلى، وولاء المكاتَبِ الأعلى لسيِّده، على هذا الترتيب يكون حكم الولاء في هذا.
فأما العبد القنُّ إذا أَعْتَقَ بإذن سيِّده، فالولاء للسيّد دون العبد؛ لأنَّ العبد لم يثبت له عقد حريّةٍ يكون له بها الولاء، كما ثبت ذلك للمكاتَبِ.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٢)، الموطأ [٥/ ١١٧١]، المختصر الصغير، ص (٤٥٧).
[ ٤ / ١٩٢ ]
[٢٧٩٤] مسألة: قال: وإذا كاتَبَ النَّصرانيُّ عَبْدَهُ النّصرانيَّ، ثمَّ أسلم المُكَاتَبُ فبيع، فأدَّى كتابته، ثمَّ عَتَقَ، فولاؤه للمسلمين حَتَّى يُسْلِمَ سيِّده، فإذا أسلم، انتقل ولاؤُهُ إليه.
وإن كاتبه بعد أن يسلم العبدُ، لم ينتقل إليه ولاؤُه، وكان بمنزلة العبد المسلم يُعْتِقُه النَّصرانيُّ.
فإن رضي العبد أن يكون مُكَاتَبًَا للنَّصرانيّ وهو مسلمٌ، لم يكن ذلك له، وبِيعَت كتابته (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يبقى لكافرٍ رِقٌّ على مسلمٍ، فوجب أن تباع كتابة العبد المكاتب إذا أسلم، كما وجب أن يباع العبد إذا أسلم متى كان مُلْكًَا لكافرٍ.
فإذا أدَّى المُكَاتَبُ الكتابة إلى من اشتراه وعَتَقَ، كان ولاؤه للَّذي عقد كتابته - وهو النَّصراني -؛ لأنَّهُ قد كان ثبت له عقد الولاء حين كاتبه وهو نصرانيٌّ مثله، إذا كان العبد مِمَّنْ جاز له مُلكُه في حال كتابته.
فأمَّا إذا كاتبه بعد أن أسلم العبد، فَإِنَّهُ تُباع كتابته، فإذا أدَّاها إلى المشتري، كان ولاؤه للمسلمين؛ لأنَّ سيِّده الكافر لم يجز له ملكه في حال ما كاتبه.
وذلك بمنزلة ما لو أعتقه بعد أن أسلم العبد، لم يكن له الولاء؛ من قِبَلِ أنَّ ملك الكافر على المسلم غير مستقرٍّ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٣)، المدونة [٢/ ٤٨٥].
[ ٤ / ١٩٣ ]
ألا ترى: أَنَّهُ يجب إزالته عنه؛ لنقصان حرمة ملك الكافر عن ذمَّة (^١) المملوك المسلم، فلم يكن له الولاء لهذه العلَّة.
فإن قيل: أليس الحرُّ إذا ملك أباه أو ابنه، وجب عتقه عليه، ثمَّ يكون له الولاء، فكذلك يجب أن يكون في الكافر إذا أعتق عبده المسلم (^٢)؟
قيل: لا يجب أن يكون كذلك؛ من قِبَلِ أنَّ عتق الأب على ابنه إذا ملكه والابن على أبيه إذا ملكه، إِنَّمَا هو من أجل حرمة كلّ واحدٍ منهما على الآخر ووجوب حقَّه عليه؛ لا لنقصان حرمته عن حرمة مالكه، والكافر فإنّما أزيل ملكه عن عبده المسلم؛ لنقصان ملكه، لا من أجل حرمته، فافترقا لهذه العلَّة.
[٢٧٩٤ - ٢] مسألة (^٣): قال: ولا يجوز أن تبقى كتابة الكافر على المسلم حَتَّى يؤدِّيها، وإن رضي بذلك المكاتَبُ (^٤).
لأنَّ في ذلك ملك الكافر للمسلم، كما لا يجوز أن يبقى رِقُّ الكافر على المسلم وإن رضي بذلك العبد، وإذا كان الأمر على ما وصفنا، لم يجز أن يبقى ملك الكافر على المسلم، بل تجب إزالته عنه، ولم يكن له الولاء إذا كان عِتْقُهُ له بعد إسلامه، أو كتابته له بعد إسلامه، على ما بيَّنَّاه.
•••
_________________
(١) قوله: «ذمَّة»، كذا في شب، وفي جه: «حرمة».
(٢) لم أقف على من قال بهذا الاعتراض.
(٣) قوله: «مسألة»، مثبت في شب دون جه، إذ هي في جه متصلة بالمسألة السابقة.
(٤) هذه المسألة غير مثبتة في المطبوع، وينظر: المدونة [٢/ ٤٨٥].
[ ٤ / ١٩٤ ]
[٢٧٩٥] مسألة: قال: وإذا كاتب الرّجل على نفسه وعلى ولده، ثمَّ أدَّى عنهم، لم يرجع عليهم، وكذلك الإخوة، لا يرجع بعضهم على بعضٍ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من هؤلاء إذا ملكهم الحرُّ وجب عليه عتقهم، فلمَّا ملكهم المكاتَبُ بالأداء عنهم، لم يرجع عليهم بشيءٍ؛ لأنَّهُ إذا أدَّى عنهم فقد أعتقهم، كما لا يرجع الحرُّ إذا ملك أباه أو ابنه فعتَقَ عليه بالثّمن الَّذِي اشتراهم به أو بقيمتهم، فكذلك المكاتَبُ مثله إذا أدَّى عمن يعتق عليه، إذا ملكه لم يرجع عليه بشيءٍ.
•••
[٢٧٩٦] مسألة: قال: ولا بأس بمُقَاطَعَةِ المكاتَبِ، بأن يعجِّلَه بعض ما كاتب عليه ويضع عنه بعضه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الكتابة ضربٌ من المعروف وفعل الخير؛ لِأَنَّهَا عتقٌ بصفةٍ، فجاز ذلك فيها، وليست أيضًا دينًا ثابتًا فيدخله وضعٌ وتَعَجُّلٌ، كما يدخُلُ ذلك في الدَّين الثابت.
ألا ترى: أنَّها تسقط بعجز المكاتَبِ عن الأداء، وليس يسقط الدَّين بعجز المدين عن الأداء.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٣)، النوادر والزيادات [١٣/ ٨٠].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٨٣)، الموطأ [٥/ ١١٥٨]، المختصر الصغير، ص (٤٥٧).
[ ٤ / ١٩٥ ]
[٢٧٩٧] مسألة: قال: وإذا كان العبد بين الشَّريكين، فلا تجوز مُقَاطَعَةِ أحدهما إلَّا بإذن شريكه (^١)، ولا يجوز له أن يأخذ من ماله شيئًا إلَّا بإذنه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ بمقاطعته له دون شريكه، يستبدُّ بأخذ شيءٍ من مال المكاتَبِ دون شريكه، ولا يجوز ذلك إلَّا بإذن شريكه؛ لأنَّ مال المكاتَبِ لشريكه فيه حقٌّ مثل ما هو له، كما أنَّ رقبة المكاتب ملكٌ لهما جميعًا، فليس لأحدهما أن يأخذ من رقبته ولا من ماله شيئًا بغير إذن شريكه.
•••
[٢٧٩٨] مسألة: قال: وإذا قاطع أحد الشّريكين المكاتَبَ بإذن صاحبه، ثمَّ اقتضى الَّذِي لم يقاطع مثل ما قاطع عليه صاحبه أو أكثر، ثمَّ عجز، فهو بينهما نصفين.
وإن اقتضى أقلَّ، ثمَّ عجز المكاتَبُ، فأَحَبَّ الَّذِي قاطع أن يترك (^٣) نصف ما يفضله به ويكون العبد بينهما، فذلك له، وإن أبى، فجميع العبد للَّذي لم يقاطعه.
فإن مات المكاتب عن مالٍ؛ استوفى الَّذِي لم يقاطع ما بقي من كتابته، وكان الفضل بينهما شطرين (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ أحد الشّريكين - الَّذِي قاطعه بإذن شريكه -، قد
_________________
(١) قوله: «بإذن شريكه»، كذا في شب، وفي جه: «بإذنه».
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٨٣)، الموطأ [٥/ ١١٥٤].
(٣) قوله: «يترك»، كذا في شب، وفي جه: «يرد».
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٨٣)، الموطأ [٥/ ١١٥٤ و١١٥٥ و١١٥٦].
[ ٤ / ١٩٦ ]
اختار جعل المكاتب لشريكه الَّذِي لم يقاطعه، بتركه أن يَرُدَّ إليه ما فَضَلَهُ به مِمَّا أخذه من مال المكاتَبِ؛ لأنَّ مال المكاتب فيه حقٌّ للشريكين جميعًا، فليس لأحدهما أن يفضل شريكه بشيءٍ من ماله، فإذا لم يردّ إليه مَا يخص شريكه من الفضل، اختار إسلامه، فصار المكاتب كلّه لشريكه، أو بمقدار ما فضله شريكه الَّذِي قاطع عليه.
وأشبه ذلك سيِّد العبد الجاني إذا اختار إسلامه بتركه أن يفديه.
وقوله: «إن مات المكاتَبُ عن مالٍ، استوفى الَّذِي لم يقاطع ما بقي من كتابته (^١)، ثُمَّ يكون الفضل بينهما شطرين»، فلأن يستوفي كلَّ واحدٍ من السيدين حقه من الكتابة (^٢)، ولا يفضل أحدهما الآخر، ثمَّ يكون ما فضل بينهما شطرين»؛ لأنَّهُ مات عبدًا لهما، فورثاه بالرقِّ، وليس أحدهما أولى بماله من الآخر.
•••
[٢٧٩٩] مسألة: قال: وإذا قاطع أحدهما على نصف حقِّه بإذن صاحبه، ثمَّ اقتضى الَّذِي تمسَّك أقلَّ مِمَّا قاطع عليه صاحبه، ثمَّ عجز، فشاء الَّذِي قاطع أن يردّ نصف ما يفضله به، فعل وكان العبد بينهما على حاله.
_________________
(١) قوله: «ما بقي من كتابته»، كذا في شب، وفي جه: «ما بقي من حقِّه من الكتابة، ولا يفضل أحدهما الآخر».
(٢) من قوله: «ثم يكون»، إلى هذا الموضع، غير مثبت في جه.
[ ٤ / ١٩٧ ]
فإن أبى، فللَّذي تمسَّك بالرقِّ حصَّة صاحبه الَّذِي قاطع عليه المكاتَبَ، وهو ربعه، فصار له ثلاثة أرباعِ العبد، وللَّذي قاطع ربعٌ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه: من وجوب مساواة الشّريكين في مال المكاتب بحسب ما يملكانه منه، كما وجب مساواتهما في رقبته، فمتى قاطع أحد الشّريكين في نصف الكتابة واقتضاها من العبد، ثمَّ عجز المكاتَبُ، كان عليه أن يردَّ على شريكه ما يخصُّه منها مِمَّا فضل عليه.
فإن أبى، كان مقدار ذلك من رقبته لشريكه؛ لأنَّهُ قد اختار إسلامه إليه، كاختيار سيّد العبد الجاني رقبة (^٢) العبد إلى المجني عليه، إذا لم يفتده بأرش الجناية.
•••
[٢٨٠٠] مسألة: قال: وإذا قاطع المكاتَبُ سيِّدَهُ فعجَّل له العتق، وكتب عليه ما بقي عليه من قَطَاعَتِهِ، ثمَّ مات المكاتَبُ وعليه دينٌ، فإنَّ السيّد لا يحاصّ بذلك غرماءَهُ، وهم يُبَدَّونَ قبله (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الغرماء قد أُخِذَ منهم مالٌ، فكانوا أحقَّ بمال الغريم؛ لأنَّهم كأنَّهم وَجَدُوا عين أموالهم.
ألا ترى: أنَّ بائع السِّلعة أولى بها إذا وجدها بعينها عند المفلس من سائر
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٣)، الموطأ [٥/ ١١٥٦].
(٢) قوله: «الجاني رقبة»، كذا في شب، وفي جه: «الجاني إسلام رقبة».
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٨٤)، الموطأ [٥/ ١١٥٣ و١١٥٧].
[ ٤ / ١٩٨ ]
غرمائه؛ لقوَّة سببه، فكذلك غرماء المكاتب إذا عتق أولى بماله من سيِّده؛ لأنَّ سيّده ليس له عين مالٍ كان دَفَعَهُ إليه؛ لأنَّ العتق ليس هو مالًا، فكان الغرماء أولى بماله لهذه العلَّة.
•••
[٢٨٠١] مسألة: قال: وليس للمكاتَبِ أن يقاطِعَ سيِّده إذا كان عليه دينٌ، فيَعْتَقُ ويصير لا شيء له؛ لأنَّ أهل دَيْنِهِ أحقّ بماله (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إِنَّمَا يقاطع سيّده على مال الغرماء (^٢)، وليس يجوز ذلك إلَّا بإذنهم.
•••
[٢٨٠٢] مسألة: قال: ولو قاطع سيِّدَهُ بأموال النّاس وهي عليه دينٌ ودَفَعَ إليه ذلك، لم يكن ذلك جائزًا (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ أموال النّاس هي حقوقٌ لهم، فلا يجوز له أن يخرجها عنهم إلَّا بإذنهم، وكان لهم أخذها من يد سيِّد المكاتَبِ.
•••
[٢٨٠٣] مسألة: قال: ومن قاطع سيِّده على رقيقٍ، فوجد منهم جاريةً حاملًا، ردَّهَا وأخذ قيمتها.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٤)، الموطأ [٥/ ١١٥٨]، المدونة [٢/ ٤٧٠].
(٢) قوله: «على مال الغرماء»، كذا في شب، وفي جه: «بأموال النَّاس».
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٨٤)، المدونة [٢/ ٤٧٠].
[ ٤ / ١٩٩ ]
فإن لم يكن له مالٌ، لم تَتِمَّ عَتَاقَتُهُ إلَّا بذلك.
فإن زعم أنَّ الولد منه، أُخِذَ منه قيمتها، ولا تُؤخَذُ قيمة ولدها (^١).
• إنَّمَا قال: «إنَّ السَّيِّد يأخذ قيمة الجارية إذا ردَّها على المكاتب لعيبٍ»؛ لأنَّهُ إِنَّمَا أعتقه بصفةٍ ما، وهي أداء الكتابة، فإذا لم تقع الصفة، لم تقع العتاقة، وكان له أخذ قيمتها إذا وجد عنده القيمة، كما يأخذ المشتري ثمنها إذا ردَّها بعيبٍ: من حَمْلٍ بها أو غيره.
فإن لم يجد المكاتب قيمتها، عجز وصار عبدًا؛ لأنَّ سيِّده إِنَّمَا أعتقه بأداء الكتابة إليه على ما ذكرناه.
وكذلك إن زعم المُكَاتَبُ أنَّ الولد منه، لحق به، وكان عليه قيمتها لسيِّده دون قيمة ولدها؛ لأنَّ الولد في حال حمله لم تثبت له قيمةٌ، فلم يدخل السَّيِّد على أنَّ له قيمته، فلم تجب على المكاتب قيمة الولد.
•••
[٢٨٠٤] قال: ومن قاطع مكاتَبَهُ بعبدٍ فاعْتُرِفَ، رَجَعَ على المكاتب بقيمته (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ السَّيِّد قد رضي بقيمة العبد الَّذِي قاطعه به دون قيمة
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٤).
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٨٤)، المدونة [٢/ ٤٧٠]، النوادر والزيادات [١٣/ ١١٧]، البيان والتحصيل [١٥/ ٢٢٣].
[ ٤ / ٢٠٠ ]
المكاتب، فوجب أن يرجع بقيمة العبد بدلًا من الكتابة؛ لأنَّهُ رضي بذلك حين قاطع مكاتَبَهُ على العبد، فإذا استُحِقَّ، كانت له قيمته.
•••
[٢٨٠٥] مسألة: قال: وإذا قاطع المكاتَبُ سيِّدَّه بحليٍّ اسْتُرْفِعَهُ، أو ثيابٍ استُودِعَها، ثمَّ اعتُرِفَ ذلك في يدي سيِّده، لم تجز قَطَاعَتُهُ، ولم يؤخذ الحقُّ بالباطل (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قَطَاعَة المكاتب سيِّدَه إِنَّمَا كانت بصفةٍ ما، وهي أن يصحَّ له مُلْكُ ما دفعه إليه بدلًا من الحريّة الَّتِي يوقعها على المكاتب، فإذا لم يصحّ ملك السيّد على ما دُفِعَ إليه، لم تثبت الصِّفة، ورجع المكاتب عبدًا كما كان؛ لأنَّ الحريّة تجب بأداء الكتابة، أو أداء ما قاطعه السيّد عليه منها.
•••
[٢٨٠٦] قال: وإذا كان العبد بين الرَّجُلَين، فقاطعه أحدهما بغير إذن شريكه، فمات المكاتب وله مالٌ أو عَجِزَ، فليس لمن قاطعه شيءٌ من ماله، ولم يكن له أن يردّ ما قاطعه عليه ويُرْجِعَ حقَّه في رقبته.
وقد قيل: إنَّه إذا قاطع بغير إذن شريكه (^٢) ثمَّ مات عن مالٍ، فَإِنَّهُ يأخذ الَّذِي
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٤)، النوادر والزيادات [١٣/ ١١٧]، البيان والتحصيل [١٥/ ٢٢٢].
(٢) قوله: «شريكه»، كذا في شب، وفي جه: «سيّده».
[ ٤ / ٢٠١ ]
لم يقاطع بما بقي له من المال، ثُمَّ يقتسمان الفضل، فإن عجز فأراد أن يردَّ عليه نصف ما يفضله به ويكون على نصيبه في العبد، فذلك له.
والإذن وغير الإذن سواءٌ إذا أراد أن يردَّ ما يفضله به، وإنّما يفترق إذا أراد المُقَاطِعُ أن يحبس ما قاطعه عليه ويُسْلِمَ حصَّته في العبد، ويأبى ذلك الَّذِي لم يُقَاطِعْ، فذلك للَّذي أبى، ولا يكون ذلك للَّذي قاطع، والقول الأوّل أحبّ إلينا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لَمَّا قاطَعَ المكاتَبَ بغير إذن شريكه على مالٍ أخذه منه، فقد اختار ترك حصَّته لشريكه بما أخذه منه، فلم يكن له أن يَرُدَّهُ ويُرْجِعَ حقَّه في رقبته؛ لأنَّهُ قد رضي بترك ذلك لشريكه بدلًا مِمَّا أخذه من مال المكاتب، كما يسلم سيّد العبد الجاني عبده بجنايته، فليس له بعد ذلك أن يرجع فيه ويختار دفع أرش الجناية؛ لأنَّهُ اختار ترك ذلك.
ووجه قوله الآخر: «إنَّ له أن يردَّ على شريكه ما فضله به، ويكون حقّه باقيًا في العبد»؛ لأنّه وإن قاطَعَ المكاتَبَ بغير إذن شريكه، فَإِنَّهُ لم يأخذ أكثر من حقِّه في الكتابة، فلم يكن متعدّيًا بهذا الفعل.
وليس كذلك سيِّد الجاني؛ لأنَّهُ قد اختار بعد جناية العبد أن يسلم العبد إلى المجني عليه، والمقَاطِعُ للمُكَاتَبِ فلم يختر ترك نصيبه من العبد بما قاطعه.
وسواءٌ كان ذلك بإذن شريكه أو بغير إذنه، فهو مخيَّرٌ بين أن يردَّ ما فضله به، وبين أن يكون نصيبه لشريكه، فيكون قد اختار ترك نصيبه بما فضل على شريكه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٤)، الموطأ [٥/ ١١٥٠ و١١٥٤].
[ ٤ / ٢٠٢ ]
ويشبه سيِّدُ العبدِ الجاني في هذا الوقت (^١)، إذا اختار تسليم عبده الجاني بترك أن يفتديه بأرش الجناية.
وهذا القول هو أصحَّ عندي وأولى، والله أعلم، وهو الَّذِي حكاه غير واحدٍ من أصحاب مالكٍ.
•••
[٢٨٠٧] مسألة: قال: وإذا كان المكاتَبُ بين الرَّجلين، فترك أحدهما للمكاتَبِ ما عليه، ثمَّ مات المكاتَبُ عن مالٍ، فليست تلك بِعَتَاقَةٍ، ولكن يقتضي الَّذِي لم يَضَعْ ما بقي له، ويقتسمان الفضل (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا إِنَّمَا وَضَعَ عنه دراهم عليه وليست عتاقَةً، ولو كانت عتاقةً، لكان باقي المال للَّذي فيه الرقّ.
ألا ترى: أَنَّهُ لا يجب أن يُقَوَّمَ باقي المكاتب على الشَّريك الَّذِي وضع عنه الكتابة، ولو كان ذلك عتقًا، لوجب أن يقَوَّم عليه.
وكذلك لو مات فأدَّى إلى ورثته، كان ولاؤه لمن عقد كتابته، لا لمن قبضها منه بعد موته.
•••
_________________
(١) قوله: «الوقت»، كذا في شب، وفي جه: «الموضع».
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٨٥)، الموطأ [٥/ ١١٧٢].
[ ٤ / ٢٠٣ ]
[٢٨٠٨] قال: وإذا هلك الرّجل وترك مُكَاتَبًَا وولدًا: بنين ونساءً، فأعْتَقَ بعضهم حصَّته، لم تكن تلك عَتَاقَةً، ولا يثبت له من الولاء شيءٌ.
فإن عجز المكاتب، لم يقَوَّم على من أعتقه، والولاء لمن عقد الكتابة.
وليس لمن ورث السيِّدَ من النِّساء شيءٌ، وإن أعتقن نصيبهنَّ.
والمكاتَبُ بمنزلة عبدٍ أعتقه سيّده بعد خدمته (^١) سنين، فإذا هلك سيِّدُه قبلها، خَدَمَ ورثَتَه بقيَّتها ثمَّ عَتَقَ، وكان ولاؤه لمن عقد عِتْقَهُ، وللرِّجال من ولده أو عصَبَتِه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عتق بعض الورثة للمكاتَبِ، إِنَّمَا هو وضْعُ حقِّه (^٣)، وهو ترك دراهم عليه، وليست بعتاقَةٍ مُبْتَدأةٍ، فلم يجب أن يقوَّمَ عليه نصيب شريكه في حال كتابته، ولا إذا عجز، ورجع متى عجز عبدًا لهما.
والولاء لمن عقَدَ كتابته؛ لأنَّهُ المعْتِقُ له في الحقيقة.
وترث النِّساء الكتابة؛ لِأَنَّهَا مالٌ.
ولا يَرِثْنَ ولاءَه إذا عتق المكاتَبُ؛ لأنَّ النِّساء لا يرثن من الولاء شيئًا؛ لضعف حرمتهنَّ عن حرمة الرِّجال.
وللنِّساء من الولاء ما أعتَقْنَ أو أعتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ أو أولاد من أعْتَقْنَ؛ لأنَّ
_________________
(١) قوله: «خدمته»، كذا في شب، وفي جه: «حريّةِ».
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٨٥)، الموطأ [٥/ ١١٧٠]، المختصر الصغير، ص (٤٥٧).
(٣) قوله: «إنما هو وضْعُ حقِّه»، كذا في شب، وفي جه: «إنما هو وضْعُ حقِّه من الكتابة».
[ ٤ / ٢٠٤ ]
ذلك عن مباشرة العتق، فأمَّا ما يؤخذ بِمِيراثٍ، فلا ترث النِّساء منه شيئًا؛ لأنَّ الولاء إِنَّمَا يُورَثُ بالتَّعصيب لا الرَّحم.
وقوله: «إنَّ المكاتَبَ بمنزلة عبدٍ أعتقه سيِّده بعد خدمة سنين»، يعني بذلك: أنَّ الولاء لمن عقد كتابته - وهو السَّيِّد -، دون ورثته؛ لأنَّهُ هو الَّذِي أعتقه في الحقيقة؛ لأنَّ عتقه يتمّ بعد أداء الكتابة وإن كانت بعد موته، كما يتم عتق المُخْدَمِ (^١) بعد سنين بتمام الخدمة، وإن كانت بعد موت سيِّده.
والولاء في ذلك كلّه لمن عقد حريَّته دون ورثته، وإنّما يرث الولاءَ عنه عصبتُه من الرِّجال دون النِّساء.
•••
[٢٨٠٩] مسألة: قال: وإذا ورثت امرأةٌ مكاتبًا من أبيها - لم يصر لها من ميراثه غيره (^٢) -، ثمَّ أعتقته، فليس لها من ولائه شيءٌ، وولاؤه لمن عَقَدَ كتابته (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا وضعت عنه دراهم كانت لها عليه؛ لِأَنَّهَا لا تملك رقبته فتعتقه، والمعتق له هو أبوها الَّذِي عقد كتابته دونها.
•••
_________________
(١) قوله: «المخدَم»، هو الرقيق الذي يعطى لخدمة شخصٍ آخر، ينظر: شرح حدود ابن عرفة، ص (٣٤٩).
(٢) قوله: «من ميراثه غيره»، كذا في شب، وفي جه: «من ميراثه شيئًا غيره».
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٨٥)، الموطأ [٥/ ١١٧٣].
[ ٤ / ٢٠٥ ]
[٢٨١٠] مسألة: قال: ومن قاطع عبدَهُ على دنانير وأسفارٍ يسافرها، فلا ينبغي له؛ لأنَّهُ لا تتمُّ حرمته، وذلك عليه، ولكن يعطيه مكان تلك الأسفار شيئًا ويُمْضِي له عِتْقَهُ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أدَّى كتابته وجب عتقه؛ والأسفار ليست بكتابةٍ؛ لِأَنَّهَا ليست بمالٍ، فلا ينبغي أن يشترطها السَّيِّد على مكاتبه؛ لأنَّهُ كأنَّه قد شَرَط عليه بعد عتقه خدمةً، وذلك يُكرَه.
•••
[٢٨١١] مسألة: قال: ومن قاطع مُكَاتَبًا له وبَتَّ عِتقه وَنَجَّمَ عَلَيْهِ النُّجومَ، ثمَّ إنَّ الَّذِي أُعْتِقَ مات وأقام نحوًا من عشرين سنةً، ثمَّ جاء الَّذِي قاطعه يزعم أَنَّهُ لم يدفعه إليه (^٢)، فإن كان يبايع النّاس ويشتري، فلا شيء له (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الغالب من أمر الإنسان أنَّه لا يترك حقَّه هذه المدَّة الطويلة ولا يتقاضاه ولا يذكره، فلا يقبل قوله؛ لخروجه عن عادة النَّاس؛ لأنَّ كلّ من ادَّعى دعوى يخرج بها من عرف النّاس لم تقبل.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٥).
(٢) في المطبوع من النَّوادر والزِّيادات [١٣/ ١٠٨]: "ثمَّ قام السَّيِّد يطلب ذلك من ولده".
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٨٥)، النوادر والزيادات [١٣/ ١٠٨].
[ ٤ / ٢٠٦ ]
[٢٨١٢] مسألة: قال: ومن وُهِبَت له كتابَةُ مُكَاتَبٍ، فلا بأس أن يقاطعه بذهبٍ أو وَرِقٍ أو عَرَضٍ، مثل ما كان يفعل سيّده (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا وُهِبَ له المكاتَبُ أو اشتراه، فقد قام في ذلك مقام بائعه، فجاز له أن يقاطعه، كما كان ذلك جائزًا لبائعه، وكما جاز لمشتري العريَّةِ (^٢) أن يبيعها ويأكلها ويتصرَّف فيها كما كانت تجوز للمُعْرِي، فكذلك يجوز لمن اشترى كتابة مكاتبٍ أو وُهِبت له أن يفعل فيها ما كان يفعل سيّده الأوَّل.
•••
[٢٨١٣] مسألة: قال: ومن كاتب مُكَاتَبًَا بطعامٍ، فلا بأس أن يقاطعه بعرَضٍ أو ذَهَبٍ، إذا كان صاحِبُهُ هو الَّذِي يقاطِعُهُ، ونكرهه من غير صاحبه (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ صاحبه الَّذِي كاتبه إذا قاطعه من كتابته على شيءٍ، فـ[ـكـ]ـأنَّه إِنَّمَا كاتبه بما انتقل إليه دون الطَّعام الَّذِي كاتبه عليه أو غيره من المال، فجاز ذلك له.
فأمَّا غير صاحبه: فيدخل في ذلك بيع الطَّعام قبل قبضه؛ لزوال معنى الانتقال منه، وبيع الطَّعام قبل قبضه غير جائزٍ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٦)، النوادر والزيادات [١٣/ ٩٢].
(٢) قوله: «العَرِيَّةِ»، العرية: هي أن يجعل الرّجل ثمر نخلته لرجلٍ محتاجٍ بأكل ثمرتها سنة أو سنتين أو أكثر من ذلك. ينظر: شرح غريب ألفاظ المدوَّنة، ص (٩٦)، المغرب للمطرزي، ص (٣١٣).
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٨٦)، المدونة [٤/ ١٣٠]، الجامع لابن يونس [١/ ٣٩٣].
[ ٤ / ٢٠٧ ]
وكذلك بيع الذَّهب بالذَّهب والوَرِقِ بالورق متفاضلًا أو نسيئةً غير جائزٍ.
•••
[٢٨١٤] مسألة: قال: ولا بأس على من اشترى كتابَةَ مُكَاتَبٍ، أن يقاطعه بمثل ما كان يقاطعه به سيّده (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المشتري قد قام في المكاتَبِ مقام البائع له، فجاز أن يفعل في كتابته ما كان يفعله من المقاطعة.
•••
[٢٨١٥] مسألة: قال: ومن قاطع عبدًا، فإن جاء به إلى الأجل، فذلك له، وإلا أُخِّرَ شهرًا ونحوه كما يُؤَخَّرُ الغريمُ، فإن جاء به، وإلَّا فلا قَطَاعَةَ له (^٢).
• إنَّمَا قال: «إنَّه يُؤخَّر شهرًا ونحوه - حسب ما يراه الإمام -»؛ حَتَّى يحتال فيما عليه من الكتابة أو ما قاطعه عليه منها؛ ليصير إلى الحريّة من غير ضررٍ يلحقه.
فإن وَجَدَ ذلك وإلا فقد عجز؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يؤخِّر سيِّدَهُ عن أداء الكتابة، أو المقاطعة إليه، أو عَجْزِ العبدِ؛ لأنَّ في ذلك ضررًا عليه.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٦)، الجامع لابن يونس [٨/ ٩٠٣]، البيان والتحصيل [١٥/ ٢١٠].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٨٦)، ديوان الأحكام الكبرى، ص (٥٢٠)، البيان والتحصيل [١٥/ ٢٠٩].
[ ٤ / ٢٠٨ ]
[٢٨١٦] مسألة: قال: ومن قاطع مُكَاتَبًَا على جاريةٍ، فزعمت أنَّها حامِلٌ منه، فاختصما، فعلى من النّفقة إلى أن يُقْضَى بينهما؟
قال: النّفقة على الَّذِي الجارية في يديه، وإن قُضِيَ بها على المكاتَبِ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الَّذِي في يده الجارية هي على ملكه في الظَّاهر، فهي على ما كانت عليه حَتَّى يُعْلَم زوالها عنه بثبوت الحمل، فالنَّفقة عليه لهذه العلَّة.
•••
[٢٨١٧] مسألة: قال: وليس للمكاتَبِ أن يَنْكِحَ، ولا يُسافر، ولا يخرج من أرض سيّده، إلَّا بإذنه، اشْتَرَطَ ذلك عليه أو لم يشترطه.
فإن شرط عليه: «إن هو فعل، فَمَحْوُ كتابته بيده»، فَفَعَلَ، فليس ذلك بيده، وليرفعه إلى السّلطان، ولا يفسخ الكتابة إلَّا السُّلطان (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الكتابة إذنٌ للعبد في التِّجارة، وليست تقتضي إذنًا له في النِّكاح، فلا يجوز له أن يتزوَّج بغير إذن سيّده، كما لا يجوز للمأذون له أن يتزوَّج (^٣) بغير إذن سيّده.
وكذلك لا تقتضي الكتابَةُ السَّفَرَ، فلا يجوز له أن يسافر إلَّا بإذن سيِّده.
فمتى فعل ذلك، لم يجز فسخ كتابته؛ لأنَّه لا يجوز فسخ الكتابة دون أن
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٦)، النوادر والزيادات [٨/ ١٩١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٨٦)، الموطأ [٥/ ١١٧٠]، المختصر الصغير، ص (٤٥٧).
(٣) قوله: «للمأذون له أن يتزوج»، كذا في شب، وفي جه: «للمأذون له في التِّجارة أن يتزوَّج».
[ ٤ / ٢٠٩ ]
يصحّ عجز المكاتب عن أدائها، وليس يُعْلَم ذلك إلَّا بأن ينظر السُّلطان فيه، ويثبت عنده، فيجوز حينئذٍ فسخها.
•••
[٢٨١٨] مسألة: قال: وإذا ولدت المُكَاتَبَةُ من زوجٍ أو من غير زوجٍ، وأبت الأمُّ أن تَقْضِيَ الكتابة والابن قَوِيَ عليها، فليس ذلك لها (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عليها أن تفي بما عقدت على نفسها من أداء الكتابة إذا قَوِيَت عليه؛ لأنَّ عقد الكتابة عقدٌ ثابت (^٢)، لا يزول إلَّا بعجز المكاتَبِ عن الأداء.
•••
[٢٨١٩] مسألة: قال: ومن عَجَّزَ نفسه وله مالٌ وقوةٌ، فلا يُقبل ذلك منه، فإن فعل ذلك، مضى إذا كان طائعًا، إلَّا أن يكون له ولدٌ - يعني: صغيرًا -، فلا يكون له ذلك.
وقد قيل: إنَّه ليس له أن يُعَجِّزَ نفسه إذا كان له مالٌ، وذلك أحبُّ إلينا (^٣).
• قد اختلف قول مالكٍ في تعجيز المكاتَبِ نفسَه إذا لم يكن معه ولدٌ صغيرٌ:
(فقال: يجوز إذا اختار ذلك السَّيِّد والمكاتب.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٦).
(٢) قوله: «ثابت»، كذا في شب، وفي جه: «لازم».
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٨٧)، المدونة [٢/ ٤٦٨]، النوادر والزيادات [١٣/ ٧٧].
[ ٤ / ٢١٠ ]
ووجه هذا القول: أنَّهما فسخا عقد الكتابة باختيارهما، فجاز لهما ذلك، كما يفسخان عقد البيع والإجارة فيجوز؛ لأنَّ ذلك عقدٌ على معاوضةٍ، كالبيع والإجارة، فجاز فسخهما له إذا لم يتعلَّق بذلك حقٌّ لغيرهما من الولد، فلا (^١) يجوز إذا كان في ذلك حقٌّ لغيرها.
(ووجه القول الآخر: «إنَّ ذلك لا يجوز وإن اتَّفقا على فسخها»؛ لأنَّ الكتابة عقد حريَّةٍ، والحريَّةُ يتعلَّق بها حقٌّ لله ﷿، فلا يجوز لهما رفعه.
وهي مخالفةٌ للبيع والإجارة؛ لأنَّهما قد عريا من حقوق الله تعالى، والكتابة بالعتق أشبه، - الَّذِي لا يجوز رفعه ولا إبطاله، وإن اتَّفق على ذلك العبد والسيِّد -.
وكلا القولين له وجهٌ، وهذا القول أشهر قوليه، وهو أصحُّ، والله أعلم.
•••
[٢٨٢٠] مسألة: قال: ومن كاتَبَ عبدَهُ وشَرَطَ: «أنَّ ما وُلِدَ له من ولدٍ فهم عبيدٌ»، فيُفسَخ ذلك، إلَّا أن يشاء السَّيِّد أن يضع ما شَرَطَ من رِقِّ الولد، فتمضى الكتابَةُ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ولد المكاتب من أمَتِهِ بمنزلته في الكتابة؛ لأنَّ حكم ولد الرّجل من أَمَتِهِ أن يكون مثله في الحريَّةِ والرقِّ؛ بدلالة: أنَّ ولد الحرِّ من أَمَتِهِ
_________________
(١) قوله: «فلا»، كذا في شب، وفي جه: «ولا».
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٨٧)، البيان والتحصيل [١٥/ ٢٢٥].
[ ٤ / ٢١١ ]
حرٌّ، فكذلك ولد المكاتب من أَمَتِهِ مُكَاتَبٌ مثله، وكذلك ولده من زوجته - إذا كانت معه في كتابته - مُكَاتَبٌ مثله.
ومتى شَرَطَ عليه السيِّد: «أنَّ ولده لا يدخلون في هذه الكتابة»، كان شرطه فاسدًا؛ لأنَّهُ شرطٌ خلاف كتاب الله ﷿.
فإن وَضَعَ الشَّرط صحَّت الكتابة؛ لتغليب أمر الحريَّة، ولم يُرفَع عقدها.
وليس يشبه عقد الكتابةِ عقدَ البيع والإجارة الَّذِي لا يجوز ترك ذلك مع الشَّرط الفاسد؛ لأنَّ عقدهما هو على معاوضَةٍ ومُتَاجَرَةٍ، فلا يجوز أن يقعا إلَّا على صحَّةٍ، وعقد الكتابة يقع على الصِّحة وغيرها؛ لأنَّ العتق يقع في الملك الصَّحيح وشبهة الملك، ويلزم الإنسان عتق ملك غيره إذا كان مشاركًا لمُلْكِهِ، وكلَّ ذلك لتغليب العتق ووجوب إنفاذه.
وكذلك هذا في المكاتب مثله، تنفَذ الكتابة إذا شُرِطَ الشَّرط الفاسد فيها.
•••
[٢٨٢١] مسألة: قال: ومن كاتب عبدًَا على ألف درهمٍ: يُعطِي كلَّ شهر دينارًا، فأقام عنهم، ثمَّ جاءهم بمالهم، فأراد أن يحاسبهم بصرف يومه، فقالوا هم: «بل بصرف ذلك اليوم»، فإنَّ الصَّرْفَ صَرْفُ اليوم الَّذِي يدفعه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الدَّراهم على المكاتب؛ لِأَنَّهَا الَّتِي وجبت عليه
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٧).
[ ٤ / ٢١٢ ]
بالكتابة، فكأنَّهم يبيعونها منه بالدنانير، فوجب مراعاة ذلك وقت الدَّفع، لا وقت الصرف.
•••
[٢٨٢٢] مسألة: قال: وإذا خرج المكاتَبُ إلى بعض الأغراض وهو مُسْتَقِلٌّ بنجومه، فلسادته أن يردُّوه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المكاتَبَ لا يجوز له أن يسافر إلَّا بأمر (^٢) سيِّده.
ولأنه قد يجوز أن يعجز في سفره ويعود رقيقًا، فلا يصل السيِّد إلى خدمته.
•••
[٢٨٢٣] مسألة: قال: ومن لم يوجد عنده ما يَحِلُّ من نجومه، فليُرفَع إلى السُّلطان، فليضرب له أجلًا يتمحَّل (^٣) فيه (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز فسخ الكتابة إلَّا بنظر الإمام في ذلك، وبعد أن يتلوَّم له ويؤخِّره قليلًا ليحتال لها، فإن وجدها، وإلَّا فقد عجز وصار عبدًا لا كتابة له.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٧).
(٢) قوله: «بأمر»، كذا في شب، وفي جه: «بإذن».
(٣) قوله: «يتمحَّل»، يعني: يسعى، ينظر: لسان العرب [١١/ ٦١٨].
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٨٧)، المدونة [٢/ ٤٦٨]، الجامع لابن يونس [٨/ ٩٢٩].
[ ٤ / ٢١٣ ]
[٢٨٢٤] مسألة: قال: ومن كاتب على دراهم، فجاء بدراهم عددًا، فأبى أهله أن يأخذوا منه إلَّا كيلًا (^١) - ولم يشترطوا كيلًا ولا عددًا -، فإن أعطاهم فرادى وَازِنَةً، فذلك عليهم أن يأخذوها (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُم (^٣) قد أعطاهم ما وَقَعَ عقد الكتابة به من عدد الدَّراهم، ووفَّاهم الوزن أيضًا، فلزمهم أخذها منه، ويصير بأدائها حرًّا.
•••
[٢٨٢٥] مسألة: قال: ومن قاطع مكاتَبَهُ على نجومٍ، وشَرَطَ: «إن لم يستقم بها، فلا كتابة له»، فعجز، فلا تفسخ الكتابة إلَّا بعد بلوغ السُّلطان (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في فسخها بغير السُّلطان وَنَظَرِهِ فيها تطرُّقًا إلى رفع عقد الحريَّة من غير سببٍ يوجب رفعه، وليس يجوز أن يَرْفَعَ ذلك غير السُّلطان إذا ثبت عنده عجز المكاتب.
•••
_________________
(١) في البيان والتحصيل [١٥/ ٢١٨]: «فأبى أهله أن يأخذوا إلا كيلًا وفيها زيادة في وزنها».
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٨٧)، البيان والتحصيل [١٥/ ٢١٨].
(٣) قوله: «لأنهم»، كذا في شب، وفي جه: «لأنه».
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٨٧)، المدونة [٢/ ٤٥٦].
[ ٤ / ٢١٤ ]
[٢٨٢٦] مسألة: قال: وإذا كان المكَاتَبُ صانعًا بيده، ثمَّ عَجَّزَ نفسه، فإذا لم يُعْلَم كَذِبُه، جاز ذلك (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا ظهر عجْزُهُ، وجب قبول ذلك منه، وإلَّا لم يقبل منه؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يُعَجِّزَ نفسه وهو قويٌّ على أداء الكتابة.
•••
[٢٨٢٧] مسألة: قال: وإذا جَرَحَ المكاتَبُ:
• فإن قَوِيَ على أن يؤدِّي عَقْلَ ذلك الجَرْحِ مع كتابته، أدَّاه ومضى.
• فإن لم يقوَ فقد عَجَزَ.
وعَقْلُ الجرح قبل الكتابَةِ، ويُخَيَّرُ سيِّدُه:
• فإن أحبَّ أن يؤدِّي عقل الجرح ويُمْسِكَ الغلام، فعل.
• وإن أحب أن يُسْلِمَه، أسلَمَهُ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عقل الجناية قبل الكتابة؛ لأنَّ الجناية متعلِّقةٌ بالرَّقبة، وليست الكتابة كذلك، فكانت الجناية مُبَدَّأةً على الكتابة، فإن أدَّاها وإلَّا فقد عجز، وخُيِّرَ سيِّدُه في افتدائه بأرش الجناية، أو إسلام رقبته، كما يُخَيَّر في العبد القنِّ.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٧)، الجامع لابن يونس [٨/ ٩٢٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٨٨)، الموطأ [٥/ ١١٥٩].
[ ٤ / ٢١٥ ]
[٢٨٢٨] مسألة: قال: وإذا كاتَبُوا جميعًا كتابةً واحدةً، فَجَرَحَ واحدٌ، قيل له ولمن معه: «أَدُّوا عَقْلَ ذلك الجَرْحِ واثبتوا على كتابتكم»، فإن لم يفعلوا، فقد عجزوا وصاروا عبيدًا، ويُخَيَّر السَّيِّد: في إسلام الجارح وحده، وفي افتكاكه بعقل جرحه.
وكذلك لو جَرَحَ بعض ولده الذين معه في الكتابة أو كاتب عليهم (^١).
• إنَّمَا قال: «إنَّه يقال لمن معه في الكتابة: تُؤَدُّون أرش الجناية مع الجاني»؛ لأنَّ الكتابة موضوعةٌ على الحمالة؛ لحرمة العتق وفضيلته، فصار بعضهم حملاء عن بعضٍ، ودخلوا على أن يؤدِّيَ بعضهم عن بعضٍ ما عليه من الكتابة والجناية.
فإن أدَّوا وإلَّا فقد عجزوا؛ لأنَّ الجناية مُقَدَّمَةٌ على الكتابة، فكما يعجزون بترك أداء الكتابة، فكذلك يعجزون بترك أداء الجناية، بل هي أولى بذلك؛ لِأَنَّهَا مُبَدَّأَةٌ على الكتابة.
فإذا لم يؤدوا، فقد عجزوا وبطلت الكتابة، وخُيِّرَ السيِّد في: إسلام الجارح وحده، أو افتدائه بأرش الجناية، على ما يَفعل ذلك في العبد القنِّ؛ لأنَّه بالعجز قد صار عبدًا لا كتابة فيه.
وحكم ولده الذين كاتب عليهم أو ولدوا في الكتابة حكم أبيهم؛ لأنَّهُ قد صار هو وولده في الكتابة سواءٌ.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٨)، الموطأ [٥/ ١١٦٠].
[ ٤ / ٢١٦ ]
[٢٨٢٩] مسألة: قال: وإذا أصيب المكاتَبُ بجُرْحٍ يكون له فيه عقلٌ، أو أحدٌ من ولده، فإنَّ عَقْلَهُم عَقْلُ العبيدِ في قيمتهم، ويُدْفَعُ ما وجب لهم إلى سيِّدهم، ويُحْسَبُ لهم في آخر الكتابة:
• فإن كانت هي تمام ما عليهم، عَتَقُوا.
• وإن كان أكثر، ردَّ الفضل إلى المكَاتَبِ (^١).
• إنَّمَا قال: «إنَّ عقلَ المكاتب عقل العبد في قيمته»؛ فلأنَّ المكاتب عبدٌ ما بقي عليه من كتابته شيءٌ، فكانت قيمته إذا قُتِلَ قيمة عبدٍ؛ لأنَّ أحكامه في الحدود والمواريث حُكْمُ عبدٍ لا حكم حرٍّ، فكذلك إذا قُتِلَ ففيه قيمة عبدٍ لا دية (^٢) حرٍّ.
وقوله: «يُدْفَع ذلك إلى سيّده ويُحْسَب للمكاتب من آخر كتابته»؛ فلأنَّ السَّيِّد له في ذلك حقٌّ؛ إذ هو بدل ما جُنِيَ على عبده، أو بدل عُضْوٍ من أعضاء عبده المكاتب - الَّذِي مُلْكُه للسيِّد -.
ولم يُدْفَع إلى المكاتب؛ لجواز أن يُتْلِفَه ويرجع ناقصًا إلى السيِّد متى عجز، ويكون المكاتَبُ قد أسقط بأداء ذلك بعض ما عليه من الكتابة، فيصل كلُّ واحدٍ إلى غرضه: من الحريَّة للعبد، والأداء للسيِّد، وأن لا يرجع ناقصًا إن عَجِزَ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٨)، الموطأ [٥/ ١١٦٠].
(٢) قوله: «دية»، كذا في شب، وفي جه: «قيمة».
[ ٤ / ٢١٧ ]
ومتى فضَلَ أرش الجرح (^١) عن الكتابة، كان ذلك للمكاتَبِ؛ لأنَّهُ قد صار حرًّا بأداء الكتابة، فكان ما فضل له.
•••
[٢٨٣٠] مسألة: قال: وليس للمكاتب أن يَسْتَقِيدَ مِنْ جُرْحِهِ بغير رضا سيِّده، وإن كان له مالٌ فيه وفاءٌ من كتابته (^٢).
• إنَّمَا قال: «إنَّه ليس للمكاتَبِ أن يستقيد من جُرْحِهِ بغير إذن سيّده؛ فلأنَّ في ذلك إتلاف مالٍ للسيِّد فيه حقٌّ.
ألا ترى: أنَّ العبد لا يجوز له أن يستقيد من جُرْحِهِ إلَّا بإذن سيّده، فكذلك لا يجوز للمكاتَبِ؛ لبقية أحكام الرقِّ فيه، حَتَّى يؤدِّي الكتابة.
وكذلك لا يجوز للسيِّد أن يستقيد من جرحِ مُكَاتَبِهِ بغير إذن المُكَاتَبِ؛ لأنَّ المُكَاتَبَ يقول: «أنا آخذ بدله مالًا أستعين به على أداء الكتابة، وفي ترك ذلك عجزٌ لي»، فكان ذلك له.
•••
[٢٨٣١] مسألة: قال: وإذا قُتِلَ المُكَاتَبُ، قُوِّمَ عَبْدًا عليه كتابةٌ قد اخْتُبِرَ فيها:
(فَعُرِفَ جَزَاؤُهُ منها، فيزاد في ثمنه.
_________________
(١) قوله: «الجرح»، كذا في شب، وفي جه: «الجناية».
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٨٨).
[ ٤ / ٢١٨ ]
(أو عُرِفَ عجزه، فيُنْقَصُ من ثمنه.
ولا يُقَوَّمُ على الرجاء والخوف (^١).
• إنَّمَا قال: «إنَّه يُقَوَّم مُكاتبًا»؛ لأنَّهُ قُتِلَ في حال الكتابة، فوجب قيمته على الـ[ـحـ]ـال الَّتِي قُتِل فيها، كما كانت دية الحرِّ تَجِبُ لأنَّهُ حرٌّ، وقيمة العبد وهو عَبْدٌ، فكذلك قيمة المكاتَبِ على أنَّه مُكَاتَبٌ؛ لأنَّهُ تُرَاعى الحال الَّتِي أُتْلِفَ فيها، فتُجعل فيه القيمة على تلك الحال.
•••
[٢٨٣٢] قال: وإذا شَجَّ السَّيِّدُ مكاتَبَهُ مُوضِحَةً، كان عليه نصف عُشْر ثَمَنِهِ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حكم المكاتب حكم العبد فِي شِجَاجِهِ، وفي مُوضِحَةِ العبد نصف عشر قيمته.
ولا فرق بين أن يُوضِحَهُ سيِّده أو أجنبيٌّ؛ لأنَّ المكاتَبَ قد صار له حقٌّ في نفسه وماله بعقد الكتابة.
ألا ترى: أَنَّهُ لا يجوز لسيِّده بيعه، فكذلك يجب له عليه أرش ما جنى عليه.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٨)، المدونة [٤/ ٦١٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٨٨)، الموطأ [٥/ ١٢٦٦].
[ ٤ / ٢١٩ ]
[٢٨٣٣] مسألة: قال: وإذا أَعْتَقَ المكاتَبَ سَيِّدُهُ عند الموت، فَإِنَّهُ يقوَّم ما بقي عليه من الكتابة وتقام رقبته:
• فإن كانت قيمة الكتابة أقلُّ من قيمة رقبته، وُضِعَ ذلك في ثلث سيِّده.
• وإن كان قيمة رقبته أقلُّ من قيمة كتابته، وضع ذلك في ثلثه.
إنَّمَا يوضع في الثّلث الأقلُّ منها، ثمَّ يخرج حُرًّا بتلك القيمة (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ ليتوفَّر حظُّ الثّلث متى وُضِعَ فيه أقلّ من قيمته أو من قيمة الكتابة؛ وليخرج المكاتَبُ حرًّا أيضًَا إذا فعل ذلك.
وليس في ذلك حُجَّةٌ للورثة بأن يقولوا: «اجعلوا في الثّلث الأكثرَ مِنَ القيمة أو الكتابة»؛ لأنَّهُ لو قُتِلَ المكاتَبُ، لَمَا كان على قاتله غير قيمته، وإن كانت أقلَّ من الكتابة، ولو أدَّى الكتابة، لخرج حرًّا وإن كانت أقلَّ من قيمة رقبته.
فلذلك وجب اعتبار الأقلِّ من الكتابة أو القيمة في الثُّلث؛ ليتوفر حظُّ العتق، والوصايا بعده.
•••
[٢٨٣٤] وإن أَوْصَى أن يُكَاتَبَ عَبْدُهُ، وإن أوصى معه بوصايا غيره ليست عَتَاقَةً، خُيِّرَ الورثَةُ:
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٨)، وقد نقل ابن عبد البر في الاستذكار [٢٣/ ٣٥٦] هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر: الموطأ [٥/ ١١٧٦].
[ ٤ / ٢٢٠ ]
• بين أن يدفعوا إلى أهل الوصايا وصاياهم، وتكون كتابة المُكَاتَبِ لهم.
• وبين أن يُسْلِمُوا كِتَابَةَ المكَاتَبِ إليهم، يتحاصُّونَ فيها بقدر وصاياهم، فإن أدَّى عَتَقَ، وإن عجز كان عبدًا لهم، وإن مات عن مالٍ كثيرٍ أكثر مِمَّا بقي عليه، فهو لأهل الوصايا، وإن عَتَقَ المُكاتَبُ، فولاؤه إلى عَصَبَةِ الَّذِي عقد كتابته (^١).
• إنَّمَا قال: «إنَّ ورثة الميِّتِ بالخيار: بين أن يُخرِجُوا وصيّة الميت وتكون كتابة المكاتب لهم إذا كانت قيمة المكاتَبِ مُحيطةً بالثُّلث كلّه، أو يُسْلِموا كتابة المكاتب إلى أهل الوصايا يتحاصّون فيها بقدر وصاياهم»؛ لأنَّ الوصيَّة قد وجبت في كتابة المكاتَبِ، لا يجوز أن تُنْقَل إلى غيره؛ لجواز أن يؤدِّي المكاتَبُ الكتابة فيصير حرًّا، ولا يجوز إبطال هذه الحريَّة، فإمَّا أخرج الورثة الوصايا، وإمّا أسلموا كتابة المكاتَبِ إلى الموصى لهم، لا بدَّ لهم من أحد هذين الأمرين.
وهذا هو خَلْعُ الثّلث: إذا امتنع الورثة من تنفيذ الوصايا، وقالوا: «هي أكثر من الثُّلث»، يقال لهم: «إمَّا أنفذتم الوصايا، وإمّا أسلمتم الثُّلُث؛ لتعلقّ الوصايا فيه»، كما يجب إسلام رقبة العبد الجاني إن لم يفتده السَّيِّد بأرش جنايته؛ لتعلّق الجناية فيه، وقد ذكرنا هذا في غير هذا الكتاب (^٢).
فإذا أسلَمُوا المكاتَبَ إلى المُوصَى لهم، تحاصّوا في كتابته بقدر وصاياهم، فإذا أدَّى الكتابة، صار حرًّا، وكان ولاؤه لمن عقد كتابته؛ لأنَّهُ المعتق له في الحقيقة.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٨٩).
(٢) ينظر: المسألة [١٩٠٨].
[ ٤ / ٢٢١ ]
وإن عجز صار عبدًا لأهل الوصايا دون الورثة؛ لأنَّ الورثة قد اختاروا تسليمه إلى الموصى لهم.
•••
[٢٨٣٥] قال: ومن كاتب مكاتَبَهُ على عشرة آلاف درهمٍ، فَوَضَعَ عنه ألف درهمٍ (^١)، فَإِنَّهُ يُطْرَحُ في ثلث الميِّت، الأقلّ: من عُشْرِ قيمة رقبته، أو من عُشرِ كتابته.
ولو وَضَعَ عنه نصف كتابته أو ثلثها كان كذلك، ثمَّ يوضع عن المكاتَبِ من كلّ نجمٍ عُشْرُهُ، ويعتق منه عُشْرهُ (^٢).
• إنَّمَا قال: «إنَّه يطرح في ثلث الميِّت، الأقلُّ من: عُشرِ قيمة رقبته، أو من عشر كتابته»؛ لتتوفَّر حصَّة الحريَّة، ويتوفَّر أيضًا على أهل الوصايا حظُّهم، باعتبار الأقلِّ من هذين في الثّلث، وقد بيَّنَّا حُجَّة ذلك.
ثم يعتق المكاتَبُ بقدر ما يصيبه في القيمة من الثّلث، ثمَّ يوضع عنه من الكتابة بقدر ذلك؛ لأنَّهُ قد صار حرًّا بقدر ما أوصى له سيِّده بعتقه.
•••
[٢٨٣٦] مسألة: قال: وإذا أوصى الرّجل بأن يوضَعَ عن مكاتَبِه ألف درهمٍ من أوَّل كتابته، قُوِّمَ المكاتب قيمة التَّقديم، ثمَّ قُسِمَت تلك القيمة على الآلاف
_________________
(١) () في الموطأ [٥/ ١١٧٩]: "فيضع عنه عند موته ألف درهم".
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٨٩)، الموطأ [٥/ ١١٧٩].
[ ٤ / ٢٢٢ ]
الَّتِي عليه، حَتَّى يقع على كلّ ألفٍ بقدرها، ثمَّ يوضع في ثلث الميِّت (^١) قدر ما أصاب تلك الألف من القيمة، ثمَّ توضع تلك الألف بعينها، ثمَّ يَعتَقُ منه بقدر ما صار لها من القيمة، إن كانت النِّصف عَتَقَ النِّصف، وإن كان الرُّبُع، عَتَقَ الرُّبع (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ أوَّل نجم المكاتب أكثر قيمةً من الأخير إذا بيع؛ لأنَّ ما تنجَّز من المال عند النّاس أكثر قيمةً مِمَّا تأخر، فيعتق منه مقدار قيمة الألف: يُنظَر كم قيمة المكاتب، ثمَّ يُنظَرُ كم قيمة النَّجم الَّذِي وُضِعَ من جملة الكتابة، فيعتق بقدر ذلك بالغًا ما بلغ من الكتابة، كان ذلك نصفها، أو ربعها، أو ما كان من الأجزاء.
•••
[٢٨٣٧] مسألة: قال: ومن أوصى لرجلٍ بِرُبْعِ مُكَاتَبٍ وأعتَقَ رُبْعَهُ، ثمَّ هلك المكاتَبُ، فيُعْطَى ورثَةُ السيِّد والذي أُوصِيَ له ما بقي لهم على المكاتَبِ، ثمَّ يقتسمون ما فضل أثلاثًا، للموصى له بربعه ثُلُثٌ، ولورثة السيِّد الثُّلثان؛ لأنَّهُ وُرِثَ بالرقِّ (^٣).
• إنَّما قال: «يقتسمون أثلاثًا»؛ لأنَّهم إِنَّمَا يقتسمون ذلك بالرقِّ؛ لأنَّ حصَّة الحريّة الَّتِي للرّبع لا يؤخذ لها شيءٌ، فرجع ذلك إلى النِّصف والرّبع، فصار
_________________
(١) قوله: «ثلث الميِّت»، كذا في شب، وفي جه: «ثلث مال الميت».
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٨٩)، الموطأ [٥/ ١١٧٩].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٨٩)، الموطأ [٥/ ١١٨٠].
[ ٤ / ٢٢٣ ]
للنّصف الثلثان، وللرُّبع الثّلث بما رجع إليه من حصّة الحريَّة؛ لأنَّ المعتق بعضه إذا مات، كان مالُه لمن له فيه الرقُّ، وليس لمن أعتقه منه شيءٌ.
•••
[٢٨٣٨] مسألة: قال: ومن أعتق مكاتَبَهُ عند الموت: أنَّه (^١) إن لم يحمله الثّلث، وُضِعَ عنه من الكتابة بقدر ذلك (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد أعتق مكاتبه عند موته، فوجب أن يعتق ذلك كلّه إن حمله الثّلث، وإلَّا فمقدار ذلك؛ لأنَّهُ لا يجوز له أن يوصي بأكثر من ثُلُثِهِ في عتقٍ أو غيره بغير إذن الورثة.
•••
[٢٨٣٩] مسألة: قال: ومن قال: «غلامي حرٌّ، وكاتبوا فلانًا»، بُدِئ بالعَتَاقَةِ، فإن فضل شيءٌ: خُيِّرَ الورثةُ:
• بين أن يُمْضُوهُ مُكَاتبًا.
• وبين يُعتِقُوا ما حمل الثّلث منه بَتْلًَا (^٣).
• إنَّمَا قال: «يُبْدَأُ بالعتَاقَةِ»؛ لقوَّة سببها ووكود حرمتها.
ولأنَّه عتق عبدٍ بعينه، فكانَتْ أولى.
_________________
(١) قوله: «أنَّه»، كذا في شب، وجه، وفي الموطأ [٥/ ١١٨١]: «قال مالكٌ في مكاتبٍ أعتقه سيده عند الموت، قال: إن لم يحمله ثلث الميِّت، عتق منه قدر ما حمل الثلث، ويوضع عنه من الكتابة قدر ذلك».
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٨٩)، الموطأ [٥/ ١١٨١]، الاستذكار [٢٣/ ٣٥٦].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٨٩)، البيان والتحصيل [١٢/ ٤٣٠].
[ ٤ / ٢٢٤ ]
ثمَّ المكاتب بعده؛ لقوَّة سببه أيضًا؛ لأنَّهُ عقد حريَّةٍ يُقَدَّمُ (^١) على غيره من الوصايا.
ويُخَيَّرُ الورثَةُ بين أن يُكَاتِبُوه في باقي الثّلث - على ما أوصى به الميِّت -، أو يُعْتِقُوا ما حمل الثّلث منه بتلًا، لا بدَّ لهم من ذلك؛ لتعلّق الوصيّة فيه كتعلّقها في الثّلث، على ما بيَّنَّاه.
•••
[٢٨٤٠] مسألة: قال: ومن أوصى: «أن يُكَاتَبَ عَبْده بخمسين»، وهو يَخْرُجُ من الثّلث، فيأبى الورثة، فليس لهم في هذا قولٌ، ولا يخيَّروا إذا حمل الثُّلثُ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الموصي لم يتعدَّ بأخذ ما ليس له أن يأخذ - وهو أكثر من ثلثه -؛ لأنَّهُ إِنَّمَا أخذ ثلثه أو أقلَّ.
وليس للورثة أن يأبوا ذلك، ولا تخيير لهم في هذا الموضع، وإنّما يُخَيَّرُون:
(إذا زادت الوصيّة على الثّلث.
(أو أخذ ناضًّا وترك لهم دينًا أو عرضًا.
ففي مثل هذا يُخَيَّرُ الورَثَةُ؛ لأنَّهم يقولون: «قد تعدَّى في فعله ما ليس له».
فَأَمَّا إذا فعل ما له فِعْلُهُ، فعليهم إنفاذ ما أوصى به جبرًا.
•••
_________________
(١) قوله: «يقدَّم»، كذا في شب، وفي جه: «يُبَدَّى».
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩٠).
[ ٤ / ٢٢٥ ]
[٢٨٤١] مسألة: قال: ومن أوصى لمكاتَبٍ له بألف درهمٍ: (^١) «من أوَّلِ كتابته»، ولم يترك مالًا غيره، فشَحَّ الورثَةُ على المئة الأولى وقالوا: «لا نسلِّمها» - وهي أقلُّ من ثلثه - فليس ذلك لهم، ويُبَدَّأُ عليهم.
وإنَّما يكون ذلك لهم، إذا كان أوصى بأكثر من الثُّلث (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يتعدَّ (^٣) فيما أوصى به؛ لأنَّهُ أخذ أقل مِمَّا له أخْذُهُ والوصية به، وإنّما يكون لهم المقال إذا تعدَّى ما له أخذه.
•••
[٢٨٤٢] مسألة: قال: وإذا أوصى الرجلُ (^٤) بنجمٍ من نجوم مُكَاتَبِهِ، ثمَّ عَجَزَ المكَاتَبُ، كان له في رقبته بقدر ذلك (^٥).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أوصى له بكتابة عبدٍ، ثمَّ عجز، فله رقبته، كما لو اشتراه رجلٌ فعجز، فرقبته له؛ لأنَّه قد قام مقام سيّده الَّذِي كاتبه، فكذلك
_________________
(١) في النوادر والزيادات [١٣/ ٩١]، والجامع لابن يونس [٨/ ٩٩٥]: أن المسألة في مكاتب عليه عشرة أنجم، وأوصي له بالنجم الأول.
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩٠).
(٣) قوله: «يتعدَّ»، كذا في شب، وفي جه: «يتعمَّد».
(٤) قوله: «الرَّجلُ»، كذا في شب، وفي جه: «لرجلٍ».
(٥) المختصر الكبير، ص (٤٩٠)، النوادر والزيادات [١٣/ ٩٢]، الجامع لابن يونس [٨/ ٩٩٦].
[ ٤ / ٢٢٦ ]
إذا أوصى لرجلٍ بِنَجْمٍ من نجوم مكاتَبِهِ، ثمَّ عجز، كان له من رقبة المكاتَبِ بقدر ذلك النَّجم.
والوصيَّة بنجمٍ من نجوم المكاتَبِ جائِزَةٌ، وليس يجوز بيع نجمٍ من نُجُومه؛ لأنَّ الوصايا يجوز فيها الغرر، وكذلك العتق يجوز فيه ذلك، ولا يجوز في البيع.
•••
[٢٨٤٣] مسألة: قال: وإذا وضع الرّجل عن مُكَاتَبِهِ ما عليه عند موته، وله وَلَدٌ وُلِدُوا في كِتَابَتِه، أُقِيمَ هو وولده معه، ثمَّ وُضِعَ في الثّلث: الأقلُّ من قيمتهم، أو من قيمة الكتابة (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حكم ولده حكمه؛ إذ قد ثبت لهم من عقد الحريّة ما ثبت لأبيهم، فوجب أن يعتقوا بعتقه متى كان عتقه من جهة الكتابة.
فأمَّا إن أفرده هو بالعتق دون ولده، وكان فيهم قوَّةٌ على الأداء، كان العتق له دونهم.
•••
[٢٨٤٤] مسألة: قال: وإذا كاتب رجلٌ عبدَه على نجومٍ، من كلِّ سَنَةٍ نجْمٌ، وأوصى: «إن أدَّى منها الأربعة الأنْجُم الأُولَى، وُضِعَ عنه من كتابته خمسون»، فتكامَلَتْ عليه أربَعةٌ سوى الأولى، فقال العبد: «قاضوني بها فيما وَضَعَ عَنِّي
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٠)، النوادر والزيادات [١٣/ ٨٩]، البيان والتحصيل [١٥/ ٢١٢].
[ ٤ / ٢٢٧ ]
سيِّدي»، فَإِنَّهُ تُقْسَمُ الخمسون على النُّجوم الَّتِي قد حلَّت والتي لم تحل، فيوضع عنه ما يصيب كلّ نجمٍ من الخمسين (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ سيّده إِنَّمَا أوصى بأن يوضع عنه من كتابته خمسون، فذلك مقسومٌ على كلِّ نجمٍ من كتابته دون الأنجم الَّتِي قد حلَّت أو غيرها، فليس للمكاتَبِ أن يطالب بأن يُجْعَل ذلك في بعض النُّجوم دون بعضٍ.
•••
[٢٨٤٥] مسألة: قال: ولا بأس أن يكاتِبَ الرّجل عَبْدَ يتيمه على وجه النَّطَر له (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الكتابة فيها ضربٌ من المعاوضة، فجاز له أن يكاتب على وجه النَّطر، كما يجوز له أن يبيعه على وجه النَّطر، على وجه النظر (^٣).
•••
[٢٨٤٦] مسألة: قال: وإذا أفلس المكاتَبُ، لم يدخل غرماؤه على سيِّده في شيءٍ من خَرَاجِهِ، ولا في كَسْبِه بيده، وهم أولى بما في يديه من ماله (^٤).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٠)، النوادر والزيادات [١٣/ ٨٩]، البيان والتحصيل [١٥/ ٢١٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩٠)، المدونة [٢/ ٤٨٠]، النوادر والزيادات [١١/ ٢٩٥].
(٣) قوله: «على وجه النظر»، كذا في شب وهو مثبت في الحاشية، وفي جه: «كما يجوز له أن يبيعه على وجه النظر».
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٩٠)، الموطأ [٥/ ١١٥٣].
[ ٤ / ٢٢٨ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ خراجه وكسبه لسيِّده، وليس هو للعبد، فلا شيء لغرماء العبد ولا المكاتب في مال سيِّده، وإنّما لهم الحقُّ في ماله - أعني: مال العبد والمكاتب، دون مال سيِّده وحَقِّهِ -.
•••
[٢٨٤٧] قال: ولا ينبغي للرَّجُلِ أن يَضْرِبَ مُكَاتَبَهُ إذا حَبَسَهُ ببعض نجومه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في ضربه إيَّاه ظلمًا له وضررًا به، ولا يجوز له أن يعمل ذلك، إذا كان مَلِيًّا أُخِذَتْ منه الكتابة، وإن كان عاجزًا فقد رجع عبدًا.
•••
[٢٨٤٨] قال: ومن اتَّهَمَ مكاتَبَهُ على التَّزويج، فليس له أن يستحلفه بطلاق كلّ امرأةٍ هي له (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ سيّده قادرٌ على أن يفرِّق بينه وبين زوجه إن كان تزوَّجها بغير إذنه، فلا حاجة به إلى استحلافه؛ لأنَّ ذلك مكروهٌ.
•••
[٢٨٤٩] مسألة: قال: ولا بأس بالكتابة على الوُصَفَاءِ، وهو من الأمر القديم.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٠).
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩١).
[ ٤ / ٢٢٩ ]
وإن لم تُسَمَّ قِيمَةٌ، فَليُسْأَل عن ذلك أصحاب الرَّقيق في قيمة الوصفاء: الحُمْرَان والسُّودان (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الكتابة لَمَّا كانت موضوعةً على المسامحة؛ - لِأَنَّهَا عتقٌ بصفةٍ -، جاز أن يُتَسَاهَلَ فيها بما لم يُتَسَاهَلْ في البيع والإجارة؛ لأنَّهما معاوضة محضٌ ليس يدخلهما معروفٌ ولا عتقٌ، ويدخل ذلك في الكتابة.
ألا ترى: أنَّ الكتابة هي شراء العبد نفسَهُ من سيِّدِه، فكأنه قد اشترى مال سيِّده بمال سيِّده، ثمَّ جاز ذلك لحرمة العتق، فكذلك يجوز على الوصفاء.
والوصفاء هم الرقيق، يكون للسيِّد من وسط رقيق ذلك البلد، حمرانًا كانوا أو سودانًا، لا أعلى ما في البلد من الوصفاء، ولا أدناه.
•••
[٢٨٥٠] قال: مالكٌ: والكتابة على الوصفاء من الأمر القديم، وكذلك يجوز عقد النِّكاح على الوصفاء (^٢).
• لأنَّ النِّكاح أيضًا يجري مجرى المكارمة والمسامحة والمواصلة، وليس يجري مجرى المتاجرة والمكايسة، كما يجري ذلك في البيع والإجارة.
ألا ترى: أنَّ البيع لا يصحُّ بغير ثمنٍ مسمَّىً، وكذلك الإجارة لا تصحُّ بغير أجرةٍ معلومةٍ؛ لأنَّ الغرض فيهما المعاوضة، ويجوز عقد النِّكاح بغير مهرٍ مسمَّىً،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩١)، المدونة [٢/ ٤٥٥]، لتفريع مع شرح التلمساني [٦/ ١٣٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩١).
[ ٤ / ٢٣٠ ]
ثمَّ يُسَمَّى بعد ذلك أو يجب بالدُّخول؛ لأنَّ الغرض ليس فيه المال، وإنّما الغرض فيه وقوع المواصلة وثبوت الحرمة والنَّسب، والله أعلم.
•••
[٢٨٥١] مسألة: قال: وإذا أُعِينَ المكاتَبُ في كتابته، فأدَّى وفَضَلَ، دَفَعَ ذلك إلى من أَعَانَهُ، فإن لم يقدر عليه، تصدَّقَ بذلك عنهم، أحبّ إليَّ من أن يدفع ذلك إلى مكاتَبٍ فيأكُله (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا دُفِعَ إليه في وجهٍ ما أو على صفةٍ ما، ثمَّ فضل عنه واستغنى، وجب ردُّه إلى ربِّه إن وجده، وإلَّا تصدَّق به.
قال مالكٌ: «وقد كان يُفْعَلُ ذلك قديمًا» (^٢).
•••
[٢٨٥٢] مسألة: قال: ولا بأس أن يستأجِرَ المكاتَبَ سَيِّدُهُ، فإن قاصَّه به من كتابته فلا بأس (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ استئجاره إيَّاه جائزٌ، كما يجوز لسيِّده أن يشتري منه سلعةً، فكذلك يجوز أن يستأجره بما عليه من الكتابة، ويقاصّه بها.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩١)، المدوَّنة [٢/ ٤٧٣ و٤٧٣].
(٢) في المدوَّنة [٢/ ٤٧٣]: «وقد فعله زياد مولى ابن عياش، ردَّ عليهم الفضلة بالحصص».
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٩١)، المدونة [٢/ ٤٦٢]، الجامع لابن يونس [٨/ ٩٠٣].
[ ٤ / ٢٣١ ]
ولا يدخُل هذا دينٌ بدينٍ، كما لا يدخل ذلك بيعه الكتابة من المكاتبِ بشيءٍ إلى أجلٍ؛ لأنَّ الكتابة يدخلها ضربٌ من الحريَّة والمسامحة، فجاز فيها ما لا يجوز في غيرها من البياعات والإجارات الَّتِي طريقها المتاجرة لا غير.
•••
[٢٨٥٣] مسألة: قال: وإذا هلك المكاتَبُ عن مالٍ كثيرٍ، فأراد أن يوصي عن ثلث ماله ولم يقض كتابته، فلا يكون ذلك له حَتَّى يَقْضِيَ كتابته (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المكاتَبَ عبدٌ قبل أن يؤدِّي كتابته كلّها - الَّتِي هي صفة عتقه -، فلا تجوز وصيّته بماله؛ لأنَّ لسيّده فيه حقًّا، كما لا تجوز وصيّة العبد إلَّا بإذن سيِّده، فكذلك المكاتب مثله.
•••
[٢٨٥٤] قال: وإذا أُعِينَ المكاتَبُ بما لم يكن فيه ما يَعْتَقُ به مِمَّا قاطع عليه، فليردَّه إلى أهله، فإن طابت أنفس الَّذِينَ أعانوه أن يدفعوا ذلك إلى مُكَاتَبٍ آخر، فلا بأس (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرنا: أنَّه أُعْطِيَ على صفةٍ ما، فليس له أن يغيِّر ذلك، ولا يصرفه إلى غيرها، وعليه ردُّه إلى من أعانه، إلَّا أن يأذن له في صرف ذلك في وجهٍ آخر فيجوز.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩١)، الموطأ [٥/ ١١٤٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩١)، المدونة [١٢/ ٢٥٦].
[ ٤ / ٢٣٢ ]
[٢٨٥٥] مسألة: قال ومن كانت له مكاتَبَةً، فجاءه رجلٌ فقال: «افسخ كتابتها وزوِّجنيها، وأضمنها لك، فيكون ذلك لَكَ عليَّ (^١) على أن تزوِّجني»، ففعل، ففسخ الكتابة وزوَّجَها، وولدت، ثمَّ هلك الرَّجل، فليس لها ميراثٌ في ماله، وهي أَمَةٌ، وبَنوْهَا كذلك، وليس ذلك حمالةٌ، وهي أَمَةٌ حين فَسَخَ كتابتها ولم يؤدّ كتابَتَهَا حَتَّى مات (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحمالة غير جائزةٍ في الكتابة؛ لِأَنَّهَا ليست بدينٍ ثابتٍ.
ولأنَّ في ذلك غررًا ومُخَاطرةً على ما بيَّنَّاه فيما تقدَّم.
فلمَّا لم تصحَّ الحمالة، لم يصحّ العتق، وكانت الكتابة بحالها، وولدها مكاتبون، والنّكاح ثابتٌ بحاله.
فإن مات لم يكن لها ميراثٌ؛ لِأَنَّهَا أَمَةٌ، ولا ترث الأمَةُ من زوجها ولا غيره.
ولم تكن عليه قيمةٌ في ابنتها ولا تكون (^٣) حرَّةً؛ لأنَّ التقصير جاء من قبل السيِّد في ترك تعرُّفِ أنَّ هذا لا يجوز، فكان مخالفًا للمغرور الَّذِي يتزوج بأَمَةٍ على أنَّها حُرَّةٌ، أنَّ ولده أحرارٌ وتؤخذ منه قيمتهم؛ لأنَّ سيد الأمة لم يغرَّ ولم يقصِّر في هذا، كما قصَّر في تزويجه المكاتَبَةَ بترك تعرّفه أنَّ ما فعله غير جائزٍ.
•••
_________________
(١) قوله: «عليَّ»، مثبت في شب، دون جه.
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩١)، المدونة [٢/ ٤٩١].
(٣) قوله: «ولا تكون»، كذا في شب، وفي جه: «وتكون».
[ ٤ / ٢٣٣ ]
[٢٨٥٦] مسألة: قال: وإذا كان على المكاتَبِ دَيْنٌ، فدفع إلى سيِّده عشرة دنانير، ثمَّ عجز، فطلبها الغرماء، فإن عُلِمَ أنَّها من أموالهم الَّتِي داينوه فيها، أخذوها من سيِّد المكاتَبِ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا إذا كانت من أموال الغرماء، كان لهم أخذها من السيِّد؛ لأنَّهم أحقّ بأموالهم من غيرهم، كما أنَّ المرتهن أحق بالرَّهن من سائر الغرماء؛ لقوَّة سببه، وكذلك من وجد عين ماله عند مُفْلِسٍ فهو أحقُّ به لقوَّة سببه، فكذلك الغرماء هم أولى بأموالهم من سيِّد المكاتب؛ لقوَّةِ سَبَبِهِمْ.
•••
[٢٨٥٧] مسألة: قال: وإذا كاتب رجلٌ عبْدَهُ، ثمَّ كتب عليه ذِكْرَ حَقٍّ - بعد الكتابة - بدينٍ له عليه، ثمَّ عجز المُكَاتَبُ وباعه سيِّده رقَبَةً، فَعَتَقَ وعليه ذكر الحق، ثمَّ ثاب له مالٌ، فإنَّ السَّيِّد يحاصُّهم بدينه مع غرمائه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المكاتب قد أخذ عوض هذا الدَّين الَّذِي هو للسيِّد من سيِّدِهِ، فكان للسيّد أن يحاصَّ الغرماء بِدَيْنِه؛ لأنَّ منزلته ومنزلتهم سواءٌ.
وليس ذلك بمنزلة ما يكون للسيِّد من الكتابة والعتق؛ لأنَّ ذلك ليس بمالٍ، فلا يحاصّ السيِّد الغرماء بدل العتق والكتابة، ويحاصُّهم بدل الدَّين الَّذِي أخذ المكاتَبُ عوضه منه.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٢)، المدونة [٢/ ٤٧٠].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩٢).
[ ٤ / ٢٣٤ ]