[٢٩٥٧] قال: ولا يحلُّ بيع الولاء ولا هبته (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الولاء تثبت حرمته كما تثبت حرمة النَّسب، فلا يجوز بيعه ولا هبته، كما لا يجوز ذلك في النَّسب.
وقد روى مالكٌ، وشعبة، عن عبد الله بن دينارٍ، عن ابن عمر: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ» (^٢)، وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء.
•••
[٢٩٥٨] مسألة: قال: ومن ابتاع نفسه من سيِّده على أن يُوَالِيَ من شاء، لم يكن ذلك له، والولاء لمن أعْتَقَ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا شرطٌ خلاف شرط الله ﷿، فلا يجوز
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٦)، المختصر الصغير، ص (٤٦٨)، مختصر أبي مصعب، ص (٢٥٦).
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٧٤٢.
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٠٦)، الموطأ [٥/ ١١٣٧]، المختصر الصغير، ص (٤٦٨).
[ ٤ / ٣٠٣ ]
شرطه؛ لأنَّ مِنْ شَرْطِ الله تعالى أن يكون الولاء للمُعْتِقِ، وقد قال رسول الله ﷺ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ ﷿، فَهُوَ بَاطِلٌ» (^١).
وروى مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (^٢).
ورواه مالكٌ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، عن النَّبيِّ ﷺ نحوه (^٣).
•••
[٢٩٥٩] مسألة: قال: وليس للرَّجُلِ أن يأذن لمولاه أن يوالِيَ مَنْ شاءَ (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذه هبة الولاء ونقْلِهِ إلى غير المعتِقِ، وذلك غير جائزٍ؛ لنهي رسول الله ﷺ عن بيع الولاء وهبته.
•••
[٢٩٦٠] مسألة: قال: ولو وَهَبَ رَجُلٌ عبدًَا وشَرَطَ أن يُعْتَقَ، كان ذلك جائزًَا (^٥).
_________________
(١) أخرجه النسائي في السنن الكبرى [١٠/ ٣٧٠]، وابن ماجه [٣/ ٥٦٣]، بهذا اللفظ، وهو في التحفة [١٢/ ٤٢٥].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٩٥٤.
(٣) أخرجه مالك [٥/ ١١٣٤].
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٠٦)، الموطأ [٥/ ١١٣٧]، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٣٨].
(٥) المختصر الكبير، ص (٥٠٦)، النوادر والزيادات [١٢/ ٤١١]، البيان والتحصيل [١٤/ ٤٩٧].
[ ٤ / ٣٠٤ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا قد وهب رقبة العبد للموهوب له، وشرط عليه عِتْقَهُ، فكان ذلك جائزًا.
ويكون الولاء للموهوب له؛ لأنَّهُ قد مَلَكَهُ، ثمَّ أعتقه، كما لو باعه منه وشَرَطَ عليه عِتْقَهُ، كان على المشتري عِتْقُهُ بالشَّرط والولاء له، فكذلك الهبة.
•••
[٢٩٦١] مسألة: قال: والولد الذُّكُورُ أَحَقُّ بموالي أبيهم من جدِّهم، والجَدُّ أولى من بني العمِّ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الوَلَدَ أَقْرَبُ إلى الإنسانِ من جَدِّهِ، فكان الولاء لولده دون جدِّه؛ لقربه منهم؛ ولقوَّة تعصيبهم.
وكذلك الجدُّ أولى من بني العمّ؛ لأنَّ جدَّ الإنسان أقرب إليه من بني عمِّه؛ لأنَّ بني العمِّ إِنَّمَا ينتسبون بالعمِّ، والعَمُّ بالجدِّ، فكان الجدُّ أولى منهم؛ لأنَّهُ أقرب إلى الميِّت، والولاء يُستَحَقُّ بالقرب، وكذلك قال أصحاب رسول الله ﷺ (^٢).
•••
[٢٩٦٢] مسألة: قال: والأخ، وبنو الأخِ، أولى من الجدِّ (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٦)، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٥١].
(٢) ينظر: مصنف عبد الرزاق [٩/ ٣٠]، مصنف ابن أبي شيبة [١٦/ ٣٥٧]، مسند الدارمي [٤/ ١٩٦٦].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٠٦)، المدونة [٢/ ٥٨٨]، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٥١].
[ ٤ / ٣٠٥ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ فيهم قربًا وقوَّةَ تعصيبٍ، فكانوا أولى من الجدّ؛ لأنَّ الولاء إِنَّمَا يُستَحقُّ بالقرب مع قوَّة التَّعصيب، فمن قوي تعصيبه فهو أولى.
فأوَّل ذلك: الابنُ، ثمَّ ابنُ الابنِ، ثمَّ الأبُ، ثمَّ الأخُ، ثمَّ ابن الأخِ؛ لأنَّ الأخ وابنه أقوى تعصيبًا من الجدِّ؛ من قِبَلِ أنَّ الأخ فيه تعصيبٌ محضٌ، وكذلك ابنه، وليس فيهم ولادةٌ، فلذلك كان الأخ وابنه أولى من الجدِّ بالولاء.
وليس كذلك ميراث المال؛ لأنَّ المال يورَثُ بِقُرْبِ الرَّحِمِ وتأكُّدِه وبالأسباب دون قوَّة التَّعصيب، فطريقهما مختلفٌ.
وكذلك من جَمَعَ القرب والتَّعصيب، هو أولى بالولاء وبالمال أيضًا، وذلك كالابن والأب، والابن أولى بالولاء، وكذلك الأب؛ لأنَّهما قد جمعا قربًا وتعصيبًا.
فأمَّا من جمع تعصيبًا دون القرب، فإنَّ من جمع قُرْبًَا مع التَّعصيب أولى، وذلك بمنزلة الجدِّ والعمِّ، أنَّ الجد أولى بالميراث والولاء من العمِّ وابنه؛ لأنَّ الجدَّ قد جمع تعصيبًا وقربًا؛ ولأنَّ تعصيبه أقوى من تعصيب العمِّ.
ومما يدلُّ على أنَّ الأخ وابن الأخ أولى بالولاء من الجدِّ، أنَّ الولاء لا مدخل للرَّحِم على التَّجريد في أخذه وإرْثِهِ، وللتَّعصيب على التَّجريد مدخلٌ في الإرث به، فلمَّا كان الأخ وابن الأخ قُوَّةُ سببهما هو بالتَّعصيب، كانا أولى بالولاء من الجدِّ الَّذِي ليس سببه بالتَّعصيب دون الرَّحِمِ.
فإن قيل: لَمَّا كان الأب أولى بالولاء من الأخ - وإن كان فيه ولادةٌ وتعصيبٌ -، وجب أن يكون كذلك الجدّ؟
[ ٤ / ٣٠٦ ]
قيل له: الأب هو أقرب إلى المُعْتِقِ من الأخ وابن الأخ، لأنَّ الأخ وابنه ينتسبان بالأبِ، فكان الأب أولى لقربه وقوةَّ تعصيبه بالقرب، وليس كذلك الجدُّ.
ألا ترى: أنَّ ولد الأب، يستوي حكم الذَّكر والأنثى في أنَّهم يرثون كما يرث الولد من أبيهم، وليس يستوي حكم ولد الأخ الذُّكور والإناث منهم، ولا حكم العمّ والعمَّةِ في الميراث؛ وذلك لقرب سببهم من الميِّت، فوجب أن لا يكون حكم الجدِّ كحكم الأب في الولاء؛ لبعده من الميِّت وقرب الأخ وابنه منه.
فإن قيل: لَمَّا كان الأخ للأب والأمّ أولى بالولاء من الأخ للأبِ؛ لأنَّ الأخ للأب والأمِّ يجمع تعصيبًا ورَحِمًَا، فكذلك يجب أن يكون الجدُّ أولى بالولاء؛ لأنَّهُ يجمع تعصيبًا ورَحِمًَا من الأخ وابنه؟
قيل: الأخ للأب والأمّ سببه أقوى؛ لأنَّ أُخُوَّتَهُ أوكد؛ لأنَّ فيه الأُخُوَّة من وجهين، فأكَّد بعضها بعضًا، فكان أوكد أُخُوَّةً من الأخ للأب، وليس كذلك الجدّ؛ لأنَّ الولادة ليست من جنس التَّعصيب فتُقَوِّيه.
ألا ترى: أنَّ الولادة تكون مِمَّنْ لا تعصيب فيه، كالأمِّ والجدَّة، فلم يقوِّ ذلك تعصيب الجدِّ.
•••
[٢٩٦٣] قال: والأبُ أولى من بني الأخ.
وإنّما كان بنو الأخ أولى بالولاء من الجدِّ، والجدُّ أولى بالميراث؛ مِنْ قِبَلِ أنَّ رَجُلًَا لو هلَكَ وترك ولدًا ذَكَرًَا، وترك أبويه، كان لكلِّ واحدٍ منهما السُّدس وما بقي فللولد، فلو هلك بعض موالي الميِّت، كان ميراثه لولده دون أبويه.
[ ٤ / ٣٠٧ ]
وكذلك الجدُّ أولى بالمال من ابن الأخ، وابن الأخ أولى بالموالي منه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ طريق ميراث الولاء مُخَالِفٌ لطريق ميراث المال؛ لأنَّ الميراث يكون بالرَّحِمِ وإن لم يكن معها تعصيبٌ، ويكون بالسَّبَبِ من غير رَحِمٍ ولا تعصيبٍ، وهي الزَّوجية، وليس كذلك ميراث الولاء؛ لأنَّهُ إِنَّمَا يُسْتَحُّقُّ بالتَّعصيب دون الرَّحِم، وقد بيَّن مالكٌ ذلك بما ذكره.
•••
[٢٩٦٤] مسألة: قال: وإذا تزوَّج العبدُ الحرَّةَ فولدت، ثمَّ أُعْتِقَ العبْدُ، جرَّ ولاء وَلَدِهِ.
وكذلك ابن الملاعَنَةِ، يكونُ موالي أُمِّهِ مَوَاليه، فإنِ اعترف به أبوه، جرَّه إلى مواليه.
وكذلك ابن المُلاعَنَةِ العَرَبِيَّةِ، إذا أقرَّ به أبوه رجع إليه، وإن مات كان ميراث عصبته منه للمسلمين (^٢).
• إنَّما قال: «إنَّ العبد يجُرُّ ولاءَ ولده إذا أُعْتِقَ»، وكذلك الجدُّ؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥]، فأمر بدعوة الولد للأبِ؛ لأنَّ نسبه يرجِعُ إليه، فكذلك يجب أن يرجع الولاء إليه؛ لأنَّ الولاء
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٦)، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٥١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٠٦)، المختصر الصغير، ص (٤٦٨)، الموطأ [٥/ ١١٣٩]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٥٧).
[ ٤ / ٣٠٨ ]
كالنَّسب، وإنّما كان لموالي الأمِّ حين كانت نعمة الحريَّة عليه من جهة الأمِّ دون الأب، فلمَّا أُعْتِقَ الأبُ، صار ذلك إليه.
وجَرُّ الولاء إِنَّمَا يكون في ولد المولاة الحرَّةِ دون ولد الأَمَةِ؛ لأنَّ ولد الأمَةِ إذا أُعْتِقُوا معها أو منفردين، فقد مسَّهم الرِّقُّ، ولا ينتقل الولاء الحادث عن الرقِّ.
وقد روى أحمد بن حنبل، عن عبد الرزَّاق، عن معمرٍ قال: سمعت الحجَّاج يحدث عن عامرٍ، عن الحارث، عن علي ﵁ أَنَّهُ قال: «يَرْجِعُ الوَلَاءُ إِلَى مَوَالِي الأَبِ إِذَا أُعْتِقَ»، وَقَضَى بِهِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ ﵄ (^١).
وروى الثَّوريّ، عن جابرٍ، عن الشَّعبيّ، عن الأسود، عن عبد الله قال: «إِذَا أُعْتِقَ الأَبُ، جَرَّ الوَلَاءَ» (^٢)، وهذا قول جماعةٍ من التَّابعين ومن بعدهم.
وقوله في ولد المُلاعَنَةِ: «إنَّ ولاءه لموالي أمِّه»؛ فلأنَّ نسبه من أبيه لَمَّا انقطع منه، صار ولاؤه إلى موالي أمِّه، فإن استلحقه الأب عاد نسبه إليه كما كان، وإن مات قبل ذلك كان ما زاد على حقِّ أُمِّهِ لموالي أمه.
وكذلك ابن المُلاعَنَةِ العَرَبِيَّةِ مثله، إلَّا فيما فَضَلَ عن حقِّ أمِّه، فَإِنَّهُ يكون للمسلمين؛ لأنَّهُ لا ولاء لأحدٍ عليه ولا على أمِّه، وهي عربيَّةٌ وليست بمولاةٍ.
وقد روى أحمد بن حنبل، قال: حدّثنا عبد الرزاق، عن معمرٍ، عن قتادة:
_________________
(١) لم أقف عليه من طريق أحمد، وقد أخرجه ابن أبي شيبة [١٦/ ٣٥٣].
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة [١٦/ ٣٥٤]، وعبد الرزاق [٩/ ٤٠].
[ ٤ / ٣٠٩ ]
«أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَابْنَ عَبَّاسٍ قَالَا فِي مِيرَاثِ ابْنِ المُلَاعَنَةِ: لِأُمِّهِ الثُّلُثُ، وَمَا بَقِيَ فَلِبَيْتِ المَالِ» (^١).
وروى سعيدٌ، عن قتادة، عن خلاسٍ: «أنَّ عَلِيًّا وَزَيْدًَا قَالَا ذَلِكَ» (^٢).
وقال مالكٌ: «ذلك الأمر المجتمع عليه عندنا» (^٣).
•••
[٢٩٦٥] مسألة: قال: ومن أعتق عبَدَه - وله ولدٌ من حُرَّةٍ - عند موت العبد، جرَّ المُعْتَقُ ولاء ولده (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه: من رجوع نسبه إلى أبيه ودعوته به، فكذلك يجب رجوع الولاء إليه؛ لأنَّ الولاء لحمةٌ كلحمة النَّسب، كما قال رسول الله ﷺ (^٥).
•••
[٢٩٦٦] مسألة: قال: ومن كان لعبده ولدٌ من امرأةٍ حُرَّةٍ، وللعبد أبٌ حرٌّ،
_________________
(١) لم أقف عليه من طريق أحمد، وقد أخرجه عبد الرزاق [٧/ ١٢٥].
(٢) ذكره البيهقي في السنن الكبرى [١٢/ ٥٨٧]، من طريق سعيد به، ورواه سحنون في المدوَّنة [٢/ ٥٩٦]، من طريق الخليل بن مرة عن قتادة.
(٣) ينظر: المدوَّنة [٢/ ٥٨٠].
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٠٧)، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٤١ و٢٦١].
(٥) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٤٤٤.
[ ٤ / ٣١٠ ]
أنَّه يجرُّ ولاء ولد ابنه ما دام أبوهم عبدًَا، فإذا أُعْتِقَ، رجع إليه الولاء، وإن مات وهو عبدٌ، كان ذلك للجدِّ.
ولو كان للعبد ابنان حرَّانِ، فهلك أحدهما، جرَّ الجدُّ الولاء والميراث (^١).
• إنَّما قال: «إنَّ الجدَّ يجرُّ الولاءَ كما يجرُّ الأب - إذا كان الأب عبدًا والجدُّ حرًّا -»؛ فلأنَّ الجدَّ لَمَّا كان يرجع إليه النَّسبُ كما يرجع ذلك إلى الأب، وجبَّ أن يجرَّ الجدُّ الولاء إلى مواليه كما يجرّ ذلك الأب إلى مواليه؛ لأنَّ السَّبب في رجوع الولاء هو النَّسب، فمن كان نسب المعتق يرجع إليه جرَّ الولاء، سواءٌ كان ذلك الأب أو الجد.
والجدَّ يرث المال ويجرَّ الولاء، كما يرث ذلك الأب ويجرَّ الولاء.
•••
[٢٩٦٧] مسألة: قال: ولا يجرُّ الأخ ولا العمُّ ولا أحدٌ من القرابات ولاءً، إلَّا الجدّ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأخ والعمَّ لا يرجع النَّسَبُ إليهم ولا إلى أحدٍ من القرابات، كما يرجع ذلك إلى الأب والجدِّ، فلم يكن حكمهم في جرِّ الولاء حكم الأب والجدّ؛ لأنَّ الولاء إِنَّمَا يرجع برجوع النَّسب إليه على ما ذكرناه، دون غيره من الرَّحِمِ والتَّعصيب.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٧)، الموطأ [٥/ ١١٤٠].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٠٧)، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٤٢].
[ ٤ / ٣١١ ]
[٢٩٦٨] مسألة: قال: وإذا أُعتِقَت الأمةُ وهي حاملٌ وزوجها مملوكٌ، ثمَّ أُعتِقَ زوجها قبل الولادة أو بعدها، فولاء ما في بطنها لمن أعتق أُمَّهُ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الولد قد مسَّه الرقُّ ووقع العتق عليه بالمباشرة في نفسه، فلا يجرُّ الأبُ ولاءه؛ لأنَّ جرَّ الولاء إِنَّمَا يكون فيمن لم يمسه الرقُّ ولم يباشر بالعتق، وهو أن يَتَزوَّج عبدٌ بمولاة قومٍ حُرَّةٍ بعتقهم لها، لا فيمن قد مسَّه رقٌّ؛ لأنَّ ولاء من قد مسَّه الرقُّ لا يجوز نقله ببيعٍ ولا هبةٍ ولا غير ذلك.
•••
[٢٩٦٩] مسألة: قال: ومن قال لعبده: «أنت حرٌّ وعليك خمسون دينارًَا»، فذلك جائزٌ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لَمَّا كان له أن يكاتب جبرًَا على مالٍ يلزمه من أجل حرمة الحريَّة، فكذلك له أن يعتقه على مالٍ يلزمه إيَّاه جبرًَا.
وقال ابن القاسم في هذه المسألة: العتقُ يقع ولا يلزمه المال؛ إلَّا أن يقول: «أعتقتك على مالٍ» (^٣).
وكأنَّ هذا القول أقيس؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يُلْزِمَهُ مالًا بعد عتقه إيَّاه؛ لأنَّهُ قد
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٧)، الموطأ [٥/ ١١٤٠].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٠٧)، الموطأ [٥/ ١١٨٤]، النوادر والزيادات [١٢/ ٤٥٧].
(٣) ينظر: النوادر والزيادات [١٢/ ٤٥٧].
[ ٤ / ٣١٢ ]
ملك نفسه وصار حرًّا، فلا يلزمه شيءٌ من المال ولا الخدمة، إلَّا أن يُلْزِمَ ذلك نفسه على وجه الاختيار له.
•••
[٢٩٧٠] مسألة: قال: وولاء ما أُعْتِقَ في الظِّهار والكفَّارات لمن أعْتَقَ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ أعْتَقَ في الظِّهار والكفَّارات ما يمْلِكُهُ؛ فكان الولاء له؛ لعموم قول رسول الله ﷺ: «الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (^٢).
وليس كذلك المعْتِقُ من الزَّكاة؛ لأنَّهُ غير مالكٍ للزَّكاة، وإنّما أعتقه عن المسلمين، فكان الولاء لهم.
•••
[٢٩٧١] مسألة: قال: ومن أسلم على يدي رجلٍ، فولاؤه للمسلمين (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الَّذِي أسلم على يديه لم يُعْتِقْه، والولاء إِنَّمَا يثبت بالعتق، لقول النَّبيِّ ﷺ: «إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».
وقد روى عبد الله بن مَوْهِبٍ (^٤)، عن تميم الداريِّ قال: «سَأَلْتُ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٧)، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٤١].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٩٥٤.
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٠٧)، المختصر الصغير، ص (٤٧٢)، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ٣٠٨].
(٤) عبد الله بن موهب الهمداني الشامي، ثقة، لكن لم يسمع من تميم الداري، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٥٥٠).
[ ٤ / ٣١٣ ]
رَسُولَ الله ﷺ: مَا السُّنَّةُ فِي الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الكُفْرِ يُسْلِمُ عَلَى يَدَي الرَّجُلِ مِنَ المُسْلِمِينَ؟، قَالَ: هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَـ[ـحْيَاهُ] وَمَمَاتِهِ» (^١)، وعبد الله بن موهبٍ مجهولٌ لا يحتجُّ به.
وليس في الحديث دليلٌ أنَّ له الولاءَ، ولو ثبت له الولاء، لَمَا جاز أن ينقله عنه.
ومخالفنا (^٢) يقول: «له أن ينقله عنه قبل أن يعقل عنه» (^٣).
ولو جاز ذلك مع ثبوت الولاء، لجاز ذلك في العتق مع ثبوت الولاء، وقد قال رسول الله ﷺ: «الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ، وَلَا يُوهَبُ» (^٤).
•••
[٢٩٧٢] مسألة: قال: وإذا أعتق رجلان رجلًا، فلينْتَسِبْ إليهما (^٥).
_________________
(١) أخرجه أبو داود [٣/ ٤٢٠]، والترمذي [٣/ ٦١٣]، وابن ماجه [٤/ ٥٠]، والنسائي في الكبرى [٦/ ١٣٦٣]، وهو في التحفة [٢/ ١١٥].
(٢) المخالف هنا هم الأحناف، ينظر: الأصل لمحمد بن الحسن [٥/ ٢٥٢]، مختصر اختلاف العلماء للجصاص [٤/ ٤٤٤].
(٣) ينظر: الأصل لمحمد بن الحسن [٥/ ٢٥٤].
(٤) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٦٨٨.
(٥) المختصر الكبير، ص (٥٠٧)، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٦٦].
[ ٤ / ٣١٤ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الولاء لهما، والولاء كالنَّسب، فيجب أن يَنْتَسِبَ إليهما؛ لئلا ينقطع ولاء أحدهما ويُجْهَل متى لم ينتسب إليه.
•••
[٢٩٧٣] مسألة: قال: وتجرُّ المرأة ولاء مَوَالِيها الَّذِينَ أعتقت (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لقول رسول الله ﷺ: «الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (^٢)، فللمرأة ولاء ما أعتقت، وولاء موالي من أعتقت، وولاء أولاد من أعتقت؛ لأنَّ هذا كلّه يرجع إلى أصل ولاءٍ هو عن مباشرتها العتق.
ولا ترث ولاء من أعتق غيرها، مثل: أبيها وابنها وأخيها؛ لضعف سببها عن سبب الرِّجال؛ لأنَّ المرأة لا تعصيب فيها، وإنّما يعصّبها غيرها، والرِّجال ففيهم تعصيبٌ، وهم القوَّامون على النِّساء، كما قال الله ﷿: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٤].
•••
[٢٩٧٤] قال: وإذا أسلم النَّصرانيُّ، فتسمَّى فقال: «أنا فلان بن عبد الله»، وأبوه نصرانيٌّ، فلا نحبُّ ذلك له (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٨)، المختصر الصغير، ص (٤٧٠)، مختصر أبي مصعب، ص (٢٥٨).
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٩٥٤.
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٠٨)، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٦٦].
[ ٤ / ٣١٥ ]
• إنَّما كره ذلك؛ لأن في ذلك إيهامًا أنَّه ابن فلانٍ وليس بابنه، فكأنه قد انتفى من أبيه.
•••
[٢٩٧٥] مسألة: قال: ومن أُعْتِقَ من الزَّكاة، فولاؤه للمسلمين، ولا ينبغي أن يَشْتَرِطَ الولاءَ للَّذي يشتَرِي منه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المُعْتِقَ من الزكَّاة غير مالكٍ للزَّكاة، فلا يجب أن يكون له ولاء ما أعتق منها.
ولايجوز أن يَشْتَرِطَ ذلك للبائعِ ولا لأحدٍ بعينه؛ لأنَّهُ للمسلمين جملةً؛ لأنَّ المعْتِقَ من الزَّكاة إِنَّمَا أَعْتَقَ بمالٍ كأنَّه يملكه المسلمون، وكذلك ولاء ما أَعْتَقَ بذلك المال هو لهم، لا يختصُّ به أحدٌ.
•••
[٢٩٧٦] مسألة: قال: ومن كان له عبدٌ تحتَهُ حُرَّةٌ، فولدت غلامًا، فاشترى الغلام أباه فأُعْتِقَ عليه، فولاؤه لموالي أمِّ ابنه، ينتقل ذلك إليهم.
وإنّما جرَّ الابن من ذلك، ما كان يجرُّه غيره لو اشتراه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ولاء الأب قد صار لموالي أمِّ ابنه؛ لأنَّهُ لَمَّا اشترى
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٨)، المدونة [٢/ ٥٧٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٠٨)، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٤٤].
[ ٤ / ٣١٦ ]
أباه فعَتَقَ عليه، صار ولاؤه لمواليه، وهم موالي أمِّه، كما لو اشتراه غير ابنه فأعتقه، كان ولاؤه لموالي مشتريه.
•••
[٢٩٧٧] مسألة: قال: ولا ترث المرأة إلَّا ما أعْتَقَتْ، أو أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقَتْ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ المرأة لا ترث ولاء من أعتق غيرها؛ لأنَّهَا لا تعصيب فيها؛ لأنَّ الولاء يورث بالتَّعصيب.
وترث ولاء من باشرت عتقه وولاء ولده وولاء مواليه؛ لأنَّ ذلك يرجع إلى أصلٍ هو المباشِرَة، وهي أقوى من إرث الولاء، فورثت به.
•••
[٢٩٧٨] مسألة: قال: وإذا كاتب نَفَرٌ مُكَاتَبًَا، فعَتَقَ، ثمَّ مات، وقد مات اثنان من مواليه وتركا وارثًا، وبقي واحدٌ، فإنَّه يرثه البَاقِي وَوَلَدُ الَلَّذَيْنِ أعتقاه.
فإن كان الَّذِي كاتب العبد أبا الثَّلاثة، وَرِثَهُ الباقي من الثَّلاثة (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٨)، المدونة [٢/ ٥٩٠]، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٥٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٠٨)، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٥٠].
[ ٤ / ٣١٧ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هؤلاء ليست قرابتهم واحدةٌ فيرُاعَى قربهم من المعْتِقِ، فوجب أن يرث ولد كلّ واحدٍ من الولاء ما كان يرثه أبوه، إذ لا قرابة بينهم.
فإن كان أبو أحدهم هو المعْتِقُ، كان الولاء للباقي؛ لأنَّهُ أقرب إلى المعتِقِ من ولد أخيه، والولاء يُسْتَحقّ بالقرب على ما بيَّنَّاه.
•••
[٢٩٧٩] مسألة: قال: ومن أعتق عبدًَا عن أبيه وهو حيٌّ، فالولاء للأب، ولو وهبه للأب حَتَّى يكون هو الَّذِي يعتقه، كان أفضل.
وما أُعْتِقَ عن الميّت فولاؤه له (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أعْتَقَ عن أبيه، فقد مَلَّكَ العبدَ أباه، ثمَّ أعتق عنه، فكان الولاء للأب، كما إذا أعتق الوَكِيلُ، فالولاء للموكِّلِ.
وكذلك إذا أُعْتِقَ عن الميِّت، فالولاء للميِّتِ.
وكذلك إذا أُعْتِقَ سائبةً، فولاؤه للمسلمين؛ لأنَّ الولاء يثبت للإنسان وإن لم يختره.
ألا ترى: أنَّ الرّجل يُعْتِقُ العبدَ فيثبت ولاؤُهُ لبني عمّه وعصبته وإن لم يختاروا ذلك، ولو جنى العبدُ المعتَقُ جنايةً، كانت على المعتِقِ له وعلى عصبته،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٨)، المختصر الصغير، ص (٤٧٠)، المدونة [٢/ ٥٥٨]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٥٦).
[ ٤ / ٣١٨ ]
بمنزلة النَّسب، فكذلك يجوز أن يُعْتِقَ الإنسانُ عن غيره بغير أمره فيثبت له الولاء، وقد قال سعدٌ لرسول الله ﷺ: «إِنَّ أُمِّي أَرَادَتْ أَنْ تُعْتِقَ، أَفَيَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا، فَقَالَ: نَعَمْ» (^١)، فلمَّا كان لها ثواب العتق وإن لم تأمر هي بالعتق، فكذلك لها ولاء المُعْتَقِ، وإن لم تأمر به.
•••
[٢٩٨٠] مسألة: قال: وإذا كانت الأمَةُ تحت الحرِّ فأُعْتِقَتْ، فلا يكفّ عن وطئها (^٢) حَتَّى يتبيَّن حملها؛ لمكان الولاء (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا في الظَّاهر غير حاملٍ، فالوطء جائزٌ له على الأصل، فلا يمنع منه للإمكان.
•••
[٢٩٨١] مسألة: قال: وإذا أعْتَقَ الرَّجُلُ عَبْدًَا، وأَعْتَقَ أبا العبد آخَرُ،
_________________
(١) أخرجه النسائي في السنن الكبرى [٦/ ١٦٤]، وهو في التحفة [٣/ ٢٧٥].
(٢) قوله: «فلا يكفّ عن وطئها»، كذا في شب، وجه، والَّذي في التبصرة للخمي [٩/ ٤١٣٨]، وعنه في التوضيح للشيخ خليل [٨/ ٣٩٧]، نقلًا عن المختصر الكبير: «يكف عنها حتى يتبين هل بها حملٌ أم لا لمكان الولاء»، يعني: أن الزوج يكف عن وطئها، حتى يعرف هل هي حامل أم لا، فيكون الولد لسيِّد الأمة أو حرًّا، وهذا مخالف لما قرَّره الشارح، من أن الأصل جواز الوطء، والله أعلم.
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٠٩)، وقد نقل اللخمي في التبصرة [٩/ ٤١٣٨]، هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر قول مالك في: النوادر والزيادات [١٣/ ٢٤٥]، الجامع لابن يونس [٨/ ١١٧٣].
[ ٤ / ٣١٩ ]
فيَكْتُبُ إذا كَتَبَ: فلان بن فلانٍ، ويجعل نفسه في ذلك: «مولى فلانٍ»، يجمعهما جميعًا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لكيلا ينقطع ولاء أحدهما ويُنْسَى بترك ذكره، فيكتب: «فلانٌ مولى فلان، بن فلانٍ مولى فلانٍ».
•••
[٢٩٨٢] مسألة: قال: ومن أَعْطَى بغلامٍ للعتق خمسين دينارًا، وأبى سيِّده إلَّا ستِّين، فقال العبد لسيّده: «بِعْنِي بخمسينَ واكتب علي عشرة دنانيرٍ، دينارًا في كلِّ شهرٍ» - بعلمٍ من المشتري -، فاشتراه فأعتقه، فالولاء للَّذي اشتراه كلُّه، وليس للبائع فيه شيءٌ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ البائع ليس بشريكٍ في العتق للمشتري، فلا ولاءَ له، وإنّما له في ذمَّةِ العبد دينٌ يلزمه ذلك؛ لأنَّهُ برضا المشتري له.
•••
[٢٩٨٣] مسألة: قال: ومن أعتق عبدًَا، فرَحِمُهُ أولى بميراثه، فإن لم يكن له رَحِمٌ، فمولاه يرثه (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الرَّحِمَ أقوى من الولاء وأوكد سببًا، فوجب أن يُقَدَّمَ عليه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٩)، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٦٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٠٩)، النوادر والزيادات [١٢/ ٥١٤].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٠٩)، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٥٠].
[ ٤ / ٣٢٠ ]
وكذلك التَّعصيب مُقَدَّمٌ على الرَّحم، - وهذا ما لا خلاف فيه -، لأنَّ الولاء مُشَبَّهٌ بالنَّسب، والنَّسب هو الأصل والولاء فرعه، فكان الأصل أولى بالميراث إذا وُجِدَ من الفرع الَّذِي هو الولاء.
•••
[٢٩٨٤] قال: وإذا وهب الرّجل لابنته جاريةً، والبنت قد بلغت وحاضت، فولدت الجارية ولدين، فوهبت لأمِّها واحدًا فأعتقته، ووهبت لأبيها آخر، فقال: «هو حرٌّ»، وقالت البنت: «هو حرٌّ»، فلا قول لها، هو حرٌّ من أبيها والولاء له (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأب يجوز له عتق عبيد ولده الَّذِينَ هم في حِجْرِهِ، فلمَّا أعتَقَ ولد جارِيَةِ ابنته، كان عتقه جائزًا، وعليه قيمته للبنت إن كان مُوسِرًَا، وإن كان معسرًَا فعتقه غير جائزٍ.
وكذلك يجوز عتق الأمِّ لجارية ابنتها على هذا الوجه.
•••
[٢٩٨٥] مسألة: قال: وميراث السَّائبة (^٢) للمسلمين، وعقله عليهم؛ لأنَّهُ بمنزلة من أُعْتِقَ عن جماعة المسلمين (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٩).
(٢) قوله: «السائبة»، هو العبد يعتقه الرّجل عند الحادث، مثل البرء من المرض أو غيره من وجوه الشكر، ينظر: الأم للشافعي [٧/ ٤٨٥].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٠٩)، المختصر الصغير، ص (٤٧١)، الموطأ [٥/ ١١٤٤]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٥٦).
[ ٤ / ٣٢١ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لَمَّا أعتقه سائبةً - وهو قوله: «أنت حرٌّ سائبةً» - كان قد أعتقه عن المسلمين، فكان ولاؤه لهم، بمنزلة الوكيل إذا أَعْتَقَ عن موكِّلِه، فالولاء للمُوَكِّلِ دون الوكيل، وقد بيَّنَّا أنَّ الولاء يثبت للإنسان من غير اختياره (^١).
•••
[٢٩٨٦] قال: وولاء المنبوذِ (^٢) للمسلمين (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا عصبة له تُعْرَف، فوجب أن يكون بمنزلة رجلٍ من المسلمين مات ولا عصبة له، فماله للمسلمين؛ لأنَّهم عصبته، يرثونه ويعقلون عنه.
ولا يكون ولاء المنبوذ لمن التقطه؛ لأنَّهُ:
(إنْ كان ابن أَمَةٍ، فهو عبدٌ لسيِّد الأمةِ.
(وإن كان ابن حرَّةٍ مولاةٍ، فولاؤه لمواليها.
(وإن كان ابن حرَّةٍ لا ولاء عليه (^٤)، فولاؤه للمسلمين.
فوجب أن يكون ولاؤه للمسلمين لهذه العلَّة.
_________________
(١) ينظر: المسألة رقم ٢٩٧٩.
(٢) قوله: «المنبوذ»، هو ولد الزنا في عرف أهل المدينة، ينظر المسألة (٢٤٤٦).
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٠٩)، مختصر أبي مصعب، ص (٢٥٦).
(٤) قوله: «عليه»، كذا في شب، وفي جه: «عليها».
[ ٤ / ٣٢٢ ]
وقول عمر ﵁ لسُنَيْن (^١) حين التقط لقيطًا: «اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ، وَلَكَ وَلَاؤُهُ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ ورَضَاعُهُ» (^٢)، معناه: أي: هو حـ[ـرُّ الأ] صل، «ولك ولاؤه»: أي: القيام به، «وعلينا رضاعه ونفقته»: أي: مؤونة ما يحتاج إليه.
وروى شعبة، عن يونس، عن الحسن، عن عليٍّ: «أَنَّهُ قَضَى فِي اللَّقِيطِ أَنَّهُ حُرٌّ، وَقَرَأَ: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ﴾» (^٣)، وهذا قول عامَّة العلماء (^٤).
•••
[٢٩٨٧] مسألة: قال: وإذا أَذنَ السّيِّد لعبده بأن يُعْتِقَ عَبْدَهُ، ففعل، فولاؤه للسيِّد، لا يرجِعُ للعبدِ وإن أُعْتِقَ، وكذلك ما أعتق المُدَبَّرُ وأمُّ الوَلَدِ (^٥).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أَذِنَ لعبده في العتق، فالسيّد هو المُعْتِقُ؛ لأنَّ بأمره وقع العتق، فهو كالمُوَكِّلِ.
_________________
(١) سُنَيْن، أبو جميلة السلمي، صحابيٌّ صغيرٌ، له في البخاري حديثٌ واحدٌ. تهذيب التهذيب، ص (٤١٨).
(٢) أخرجه مالك [٤/ ١٠٦٨]، وابن أبي شيبة [١١/ ٢٨٢]، عن ابن عيينة، وعبد الرزاق [٧/ ٤٥٠]، عن معمر، وغيرهم، عن الزهري، عن سُنينٍ أبي جميلة، به.
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى [١٢/ ٣٩٨].
(٤) قوله: «عامة العلماء»، كذا في شب، وفي جه: «عامَّة علماء المدينة».
(٥) المختصر الكبير، ص (٥٠٩)، المدونة [٢/ ٥٦٤].
[ ٤ / ٣٢٣ ]
وكذلك ما أعتقه المُدَبَّرُ وأمُّ الولَدِ بإذن سيّدهم، فالولاء للسيِّد؛ لأنَّهم غير مالكين لأموالهم، وليس لهم فيها عقودٌ يمتنع السيِّد معها من نزع مالهم.
•••
[٢٩٨٨] مسألة: قال: وإذا أعتَقَ المكَاتَبُ بإذن سيِّدِه، كان الولاءُ للسيِّد حَتَّى يَعْتَقَ المكاتَبُ، فإن مات قبل أن يَعْتَقَ، كان الولاء للسيِّد، وإن مات العبد المعتَقُ، ورثه سيِّدُ المكاتَبِ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المكاتَبَ إذا أعْتَقَ بإذن سيِّده، فالولاء له متى عَتَقَ المكَاتَبُ؛ لأنَّهُ مِمَّنْ قد ثبت له عقد ملكٍ، لا يجوز لسيِّده انتزاع ملكه بعقد الحريّة له، فثبت له من أجل ذلك عقد الولاء، فإذا صار له الولاء، وَرِثَ به.
فأمَّا ما دام لم يؤدّ الكتابة، فالولاء لسيِّده؛ لأنَّ المكاتَبَ لم يستكمل حريّته في هذه الحال.
وكذلك إن مات المكاتَبُ قبل أن يؤدِّي الكتابة، كان ولاء ما أعتقه المكاتَبُ لسيِّد المكاتَبِ دون ولد المكاتَبِ.
•••
[٢٩٨٩] مسألة: قال: وإذا أَعْتَقَ المُكَاتَبُ رَقَبَةً، ولم يعلم به السَّيد حَتَّى عَتَقَ المكَاتَبُ، مضى حُرًّا، وكذلك ما تصدَّق به المكاتَبُ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٠)، المدونة [٢/ ٥٦٦].
[ ٤ / ٣٢٤ ]
فإن علم السَّيِّد فردَّه، ثمَّ عَتَقَ المكاتَبُ، لم يكن عليه أن يُعْتِقَه (^١).
• إنَّما قال: «إنَّ للسيِّد أن يردَّ عتق ما أعتقه المكاتَبُ»؛ فلأنَّ للسيّد في مال المكاتَبِ حقًّا، فلا يجوز للمكاتَبِ أن يُبْطِلَ ذلك؛ لأنَّ السيِّد إِنَّمَا كاتبه ليطلب الفضل فيه، فيؤدِّي منه الكتابة إليه، وعلى ذلك أَذِ [نَ له فـ]ـي التّصرف وعَقَدَ له الكتابة، فأمَّا أن يُخْرِجَه بغير عوضٍ، فلا يجوز ذلك له، كما لا يجوز للمأذون له في التِّجارة أن يتصدَّق ويُعتِق من ماله؛ لأنَّ سيِّده لم يأذن له في ذلك، وإنّما أذن له في طلب الفضل، فكذلك المكاتب مثله.
فأمَّا إذا لم يَعْلَم سيّده بذلك حَتَّى عَتَقَ المكاتَبُ، مضى العتق والصدقة والهبة؛ لزوال حقّ السيّد في مال المكاتَبِ بأداء الكتابة.
وكذلك إذا أعتَقَ العبد عبدَهُ بغير إذن سيِّده فلم يعلم به سيِّده حَتَّى أُعْتِقَ العَبْدُ، مضى عتقه؛ لأنَّ السَّيِّد قد زال حقَّه عن العبد وماله بعد عتقه، والله أعلم.
•••
[٢٩٩٠] مسألة: قال: وإذا حلف المدَبَّرُ بعد موت سيِّده بعتق غلامٍ له فحَنَثَ، نُظِرَ:
• فإن كان خرج المدَبَّرُ حُرًّا، عَتَقَ العبد.
• وإن لم يخرج، لم يَعْتِقْ.
• وإن خرج بعضه حرًّا، فكذلك.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٠)، المدونة [٢/ ٥٧٠].
[ ٤ / ٣٢٥ ]
وإن عَتَقَ المدبَّر والعبد في يده، لم يَعْتَقْ عليه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد عَقَدَ عَقْدَ حريَّةٍ: إن تمَّ مُلْكُه على المعقود فيه، تمَّت الحريَّة فيه، وذلك بعتق المدبَّرِ كلّه دون بعضه، كما لو قال رجلٌ: «إن ملَكْتُ عبدًا فهو حرٌّ»، فَمَلَكَهُ كلَّه، فَإِنَّهُ حرٌّ كلُّه، وكذلك إن ملك بعضه فهو حرٌّ.
فكذلك عتق المدبَّر بعد موت سيّده موقوفٌ على هذا؛ لأنَّ المدبَّرَ قد ثبتت له حرمة الحريّة بعد موت سيِّده، فصار له بها أن يعقد عقد حريَّةٍ، كما يكون ذلك لغيره مِمَّنْ له الحريّة.
ومتى لم يَخْرُج المدَبَّرُ حُرًّا كلّه، لم يعتق من عبده شيءٌ؛ لأنَّ المُعْتَقَ بعضُهُ لا يجوز عِتْقُ عبدِهِ ولا التَّصرف في ماله بغير إذن مولاه، وإنّما يجوز ذلك له إذا لم يبق عليه حقٌّ لسيِّده، وهو أن يصير حرًّا كلّه.
وهذا معنى قول مالكٍ: «وإن خرج بعضه حرًّا فكذلك»، أي: لا يكون من العبد الَّذِي كان للمدبَّرِ فحلف بحرِّيَّته، ثمَّ حنث شيءٌ منه حرًّا؛ لأنَّ المدبَّر لو ابتدأ عتقه لم يجز له عتقه، فكذلك إذا حنث بعتقه.
•••
[٢٩٩١] مسألة: وإذا أَعْتَقَ العبدُ عبدَهُ بغير إذن سيّده، فلم يعلم به حَتَّى أُعْتِقَ العَبْدُ، نفذ عتقُهُ، وكان ولاؤه للعبد المُعْتِقِ (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٠).
(٢) المختصر الكبير، ص (٥١٠)، المدونة [٢/ ٥٦٤].
[ ٤ / ٣٢٦ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ السَّيِّد إِنَّمَا كان له ردُّه ما دام له في مال عبده حقٌّ، فإذا أعتقه، فقد زال حقّه منه، فثبت عتق العبد له، وكان ولاؤه للعبد الَّذِي أَعْتَقَ.
•••
[٢٩٩٢] مسألة: قال: وإذا أعتق المسلِمُ النَّصرانِيَّ، ثمَّ يموت وهو نصرانيٌّ، وترك ورثةً من أهل دينه، فقد اخْتُلِفَ فيه:
(فقيل: لا يرثه ورثته من أهل دينه، ويُطرح ماله في بيت المال، كما صنع عمر بن عبد العزيز (^١).
(وقيل: يرثه ولده الَّذِينَ على دينه إذا كانوا أحرارًا، ولا يرثه إخوته ولا غيرهم من قرابته، وإنّما وَرِثَهُ وَلَدُهُ؛ لأنَّهم مواليه.
(وقيل: يرثه إخوته، وهذا أحبّ إلينا (^٢).
• إنَّمَا قال: «إنَّه لا يرثه ورثته من أهل دينه»؛ لأنَّ هذا المعتَقَ لا حريَّة عليه، فلا يرثه أهل الحريَّة؛ لأنَّهُ مخالفٌ لهم في الحال؛ لأنَّ المواريث تجب بتساوي الحرم والأحوال، من: الحريَّة والدِّينِ والحرمة على ما بيَّنَّاه، فلمَّا اختلف حرمهم وحالهم في الحريَّة، لم يرثه أهل دينه؛ إذ لا حريَّة عليه كهي عليهم.
ولأنه لو جنى هذا المُعْتَقُ، كانت جنايته على المسلمين دون أهل دِينِه، فكذلك ماله فيءٌ للمسلمين.
_________________
(١) () أخرجه سحنون في المدونة [٢/ ٥٧٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥١٠)، المدونة [٢/ ٥٧٦]، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٥٧].
[ ٤ / ٣٢٧ ]
ووجه قوله: «إنَّه يرثه ولده دون سائر قرابته»؛ فلأنَّ ولده لَمَّا كان في مثل حاله، وحُكْمُهُ حُكْمُهُ، ورِثُوه.
ألا ترى: أنَّ ولد الحرِّ حرٌّ إذا كان من أَمَتِهِ، ومسلمٌ بإسلامه.
ووجه قوله: «إنَّه يرثه كلّ قرابته»؛ فلأنَّ الميراث بالقرابة والنَّسب مُقَدَّمٌ على الولاء، فلمَّا كان مواليه يرثونه إذا كانوا على دينٍ واحدٍ، فكذلك يرثه قرابته إذا كانوا على دينٍ واحدٍ؛ لأنَّ النَّسب أوكد من الولاء وهو مقدَّمٌ عليه، وهذا أصحُّ الأقاويل.
•••
[٢٩٩٣] قال: وإذا مات النَّصرانيُّ وليس عليه ولاءٌ لأحدٍ، فميراثه لأهل دينه وأهل سُنَّته الَّذِينَ عليهم الجزية معه، ولا يُطرح ماله في بيت مال المسلمين (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ أهل دينه هم عصبته، يعقلون عنه إذا جنى، فكذلك يرثونه إذا مات، كالمسلم إذا مات ولا وارث له من قرابةٍ، فالمسلمون يرثون ماله كما يعقلون عنه جنايته؛ لأنَّ المواريث تكون بالأنساب والقرابة، فإذا عُدِمَتْ، فَبِوُلايَةِ الدِّين؛ لِأَنَّهَا تجب بمساواة الدِّين والحريَّة، فكذلك يجب أن يرث الذميَّ أهلُ دينه إذا مات ولا وارث له من قرابته.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١١)، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٥٨].
[ ٤ / ٣٢٨ ]
[٢٩٩٤] قال: ولا ينتسب النَّصْرانيُّ، يُسْلِمُ فيقول: «عبد الله بن عبد الرحمن»، وكذلك الَّذِي لا يُعْرَفُ أبوه في الإسلام.
ولا بأس أن يغيِّرَ النَّصرانيُّ اسمه بالعربيَّة إذا أسلم (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في ذلك انتسابًا منه إلى غير أبيه، وذلك لا يجوز؛ لأنَّ اسم أبيه ليس هو الاسم الَّذِي قد انتسب إليه.
فأمَّا تغيير اسمه فلا بأس به، وقد غيَّر النَّبيُّ ﷺ أسماءَ جماعةٍ من أصحابه (^٢)؛ لأنَّهُ ليس في ذلك انتسابٌ إلى غير نسبه.
•••
[٢٩٩٥] مسألة: قال: وإذا أعتق المسلِمُ النَّصرانيَّ فمات (^٣)، فليُجْعَل ماله في بيت مال المسلمين فيئًا للمسلمين، ولا يكون وقفًا (^٤).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١١)، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٦٧].
(٢) كما في صحيح مسلم [٦/ ١٧٢]، من حديث ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ غير اسم عاصية، وقال: أنت جميلة». وفي صحيح مسلم [٦/ ١٧٣]، عن ابن عباس قال: «كانت جويرية اسمها برة، فحوَّل رسول الله ﷺ اسمها جويرية».
(٣) يعني: مات ولا وارث له من أهل دينه، وقد تقدَّمت مسألة النصراني يعتق ويترك ورثة من أهل دينه، ينظر: المسألة [٢٩٩٢].
(٤) المختصر الكبير، ص (٥١١)، المدونة [٢/ ٥٧٦].
[ ٤ / ٣٢٩ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الوقف إِنَّمَا يكون في الأرض المغنومة بالسَّيف، فَأَمَّا غير ذلك من المال فَإِنَّهُ:
(إن كان أُخِذَ بغير إيجافٍ: فهو فيءٌ.
(وإن كان أُخِذَ بإيجافٍ وقتالٍ: فخمُسُه يُفَرَّق في الوجوه الَّذِي ذكرها الله ﷿ في آية الخمس وغيرها من وجوه الخير، وأربعة أخماسه للجيش.
فكذلك مال هذا النَّصرانيّ الَّذِي أعتقه المسلم، يفرِّقه الإمام في وجوه الخير على ما يراه، كما يفعل ذلك بمال الفيء.
•••
[٢٩٩٦] مسألة: قال: وإذا أسلم النَّصرانيُّ على يدي رجلٍ من قريشٍ أو الأنصار، فلا يَكْتُب شهادته: «الأنصاريُّ» أو: «القرشيُّ»، ولا بأس أن يَكْتُبَ: «المعتقُ الأنصاريُّ» و«القرشيُّ» (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ من أَسْلَمَ على يديه لم يُعْتِقْهُ، والولاء إِنَّمَا يثبت بالعتق كما قال النَّبيُّ ﷺ: «إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١١)، المدونة [٢/ ٥٧٦].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٩٥٤.
[ ٤ / ٣٣٠ ]
فإذا أعتقه، جاز أن ينتسب إليه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» (^١)، وقال: «مَوْلَى القَوْمِ مِنْهُمْ» (^٢).
•••
[٢٩٩٧] مسألة: قال: ويرث المسلِمُ مولاه النَّصرانيَّ إذا أسلم (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الولاء قد ثبت عليه بالعتق كما يثبت النَّسب، فإذا أسلم المعْتَقُ، ثمَّ مات، ورثه سيّده الَّذِي أعتقه، كما يكون ذلك في النَّسب؛ لأنَّ الميراث يكون في النَّسب باستواء الحريّة والدِّينِ مع النَّسب، فكذلك يكون في الولاء باستواء الحريّة والدِّينِ مع الولاء.
•••
[٢٩٩٨] مسألة: قال: ويرث المسلِمُ عبْدَهُ النَّصرانِيَّ واليهودِيَّ (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المسلم إِنَّمَا يرث عبده الكافر إذا مات بالرقِّ وبالولاء ولا النَّسب، فلا فرق بين كافرٍ ومسلمٍ إذا كان إِنَّمَا يورَث بالرِّقّ.
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٤٤٤.
(٢) أخرجه البخاري (٦٧٦١)، من حديث أنس، وهو في التحفة [١/ ٤٠٩]، وأخرجه أبو داود [٢/ ٣٦٨]، والترمذي [٢/ ٣٨]، والنسائي في الكبرى [٣/ ٥٨]، من حديث أبي رافع، وهو في التحفة [٩/ ٢٠٠].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥١١).
(٤) المختصر الكبير، ص (٥١١).
[ ٤ / ٣٣١ ]
وإنَّما يختلف ذلك إذا كان الإرث بالنَّسب أو الولاء، فيجب أن يكون حينئذٍ بمساواة الحريَّة والدِّين مع النَّسب أو الولاء.
•••
[٢٩٩٩] مسألة: قال وإذا هلك الرَّجُلُ، فشهد بعض ورثته: «أنَّ أباه أعتق عبدًَا من عبيده»، لم تجز شهادته، فإن مَلَكَهُ، أُعْتِقَ عليه، وإن أَخَذَ حقَّه منه، جَعَلَهُ في رَقَبَةٍ أو في مُكَاتَبٍ مُقَاطَعٍ، يُشَارُ بذلك عليه ولا يُقْضَى به.
وسواءٌ كانت شهادته في عبدٍ: تُنْقِصُ شهادَتُه ثَمَنَه أو لا تُنقِص إذا أَعْتَقَ تلك الحصَّة.
ولو كان معه وَرَثَةٌ صغارٌ أو كِبَارٌ وهو كان الوصيّ، فإذا لم يَجُزْ ذلك، فإن رَضِيَ الوصيُّ أن يعتقه عن أبيه ويَغْرَم للأصاغر مُصَابَتَهُم، فلا بأس عليه في ذلك إن شاء الله (^١).
• إنَّما قال: «إنَّ شهادته لا تجوز»؛ لأنَّ في ذلك إدخال الضَّرر على غيره من الورثة، فلا يُقبل إقراره.
ولا يلزمه عِتْقُ كلّ العبد؛ لأنَّهُ لم يباشر هو عتقه، وإنّما أَخْبَرَ أنَّ غيره أعتقه، فلو قُبِلَ منه، كان في ذلك ضررٌ على غيره من غير أن تلزمه هو في ذلك قيمةٌ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١١)، المدونة [٢/ ٥٨٢]، النوادر والزيادات [١٢/ ٤٧٤]، البيان والتحصيل [١٤/ ٥٢٢].
[ ٤ / ٣٣٢ ]
فأمَّا ما يصير إليه من ثمنه: فَإِنَّهُ يُسْتَحبّ له أن يجعله في رقبةٍ إن بلغت، أو قَطَاعَةِ مُكَاتَبٍ تتمُّ له بها حريٌّة، أو يتصدَّق به.
ولا يملكه: لأنَّهُ يزعم أنَّه بدلُ حرٍّ لا يجوز له تملّكه.
ولا يُقْضَى عليه بذلك: لجواز أن يكون ليس كما قاله، وإنّما أراد إدخال الضَّرر على غيره من الورثة بما قاله.
فأمَّا إذا كان وصيًّا: جاز له أن يُعْتِقَ العبد كلَّه ويغرَمَ للأصاغر حصَّتهم؛ لأنَّهُ يجوز له بيع العبد عليهم، فكذلك يجوز أن يعتقه هو على مالٍ يعطيهم؛ لأنَّ ذلك شراء منه، ويجوز له ذلك له إذا لم يحاب نفسه، وكان فيما يفعله نظرٌ للأصاغر.
•••
[٣٠٠٠] مسألة: قال: وتجوز شهادة الأبداد - يعني: مفترقين - في العتق، يشهد رجلٌ: «أنَّه أعتق عبده ميمونًا في شعبان»، ويشهد آخر: «أنَّه أعتقه في رمضان» (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العتق بالقول يتهيَّأ تكراره، فالشّهادة فيه جائزةٌ وإن افترق الشُّهود في سماع القول، كما لو شهد شاهدٌ على إقرار رجلٍ لزيدٍ بِمِئةٍ في وقتٍ ما، وشهد آخر على إقراره له بمئتين في وقتٍ آخر، لثبتت الشَّهادة لزيدٍ بمئةٍ، وإن افترق الشُّهود في سماع ذلك من المقرِّ، وكذلك كلُّ شهادةٍ كانت على القول فهي جائزةٌ، وإن افترق الشُّهود في سماعها.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٢)، النوادر والزيادات [٩/ ٩٥].
[ ٤ / ٣٣٣ ]
فأمَّا إذا كانت على فعلٍ: لم تجز حَتَّى يتَّفق الشُّهود على رؤية الفعل في وقتٍ واحدٍ، بدلالة: أنَّ الشّهادة على الزِّنا لا تجوز حَتَّى يتَّفق الشُّهود على رؤية الزِّنا في وقتٍ واحدٍ، وكذلك السَّرقُ مثله، وكذلك كلُّ شهادةٍ كانت على الفعل، فهي بمنزلة الشّهادة على الزِّنا.
•••
[٣٠٠١] مسألة: قال: ومن حلف بِعِتْقِ عبده إن لم يضربه في شهر كذا وكذا، فزعم العبد: «أنَّه لم يضربه»، وقال السيِّد: «قد ضربته»، فالسَّيِّد مُصَدَّقٌ، وليس عليه أن يُشْهِدَ.
وكذلك الرّجل يحلف في امرأَتِهِ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العبد والمرأة يريدان الخروج عن مُلْكٍ ثابتٍ عليهما بما يدَّعيانه، وفي ذلك إسقاط حقِّ غيرهما، فلا يقبل ذلك منهما إلَّا بشيءٍ يثبت.
فالعبد يريد الخروج عن مُلْكِ سيِّده وإسقاط مَا لَهُ عليه من الرقِّ، والمرأة تريد الخروج عن عصمة زوجها والحقِّ الَّذِي له فيها، فلا يُقْبَل قولها إلَّا ببيِّنةٍ.
•••
[٣٠٠٢] مسألة: قال: وإذا أوصى رجُلٌ أن تُشْتَرى رقبةٌ ليست بعينها، فشهد على ذلك رجلٌ وامرأتان، فلا تجوز شهادة النِّساء في ذلك؛ لأنَّهُ عِتْقٌ (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٢)، النوادر والزيادات [١٢/ ٤٦٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥١٢)، النوادر والزيادات [١٢/ ٤٦٨].
[ ٤ / ٣٣٤ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ شهادة النِّساء غير جائزةٍ في العتق؛ لأنَّ العتق شيءٌ يثبت في البدن، ولا تجوز الشّهادة فيما يثبت في البدن إلَّا شهادة الرِّجال دون النِّساء.
ألا ترى: أنَّ شهادة النِّساء لا تجوز في الحدود بإجماع العلماء؛ لِأَنَّهَا تثبت في البدن.
وكذلك لا تجوز في التَّعديل؛ لأنه شيء يثبت في البدن، وكذلك العتق والطَّلاق والنِّكاح مثل ذلك، لا تجوز شهادة النِّساء منفرداتٍ فيه، ولا مع الرِّجال، وإنّما يجوز في ذلك شهادة الرِّجال.
•••
[٣٠٠٣] مسألة: قال: وإذا أَعْتَقَ رجلٌ في مرضه ولم يُشْهِدْ إلَّا واحدًَا، فَإِنَّهُ يحلِفُ الورثَةُ: «ما علموا» (^١).
• إنَّمَا قال: «إنَّ الورثة يحلفون»؛ لِمَا قد ثبت للعبد من الشُّبهة فيما يدَّعيه بالشَّاهدِ.
ولم يجز أن يُحْكَم للعبد بالحريَّةِ بالشَّاهد مع يمينه؛ لأنَّ الشَّاهد واليمين لا يجوز الحكم به في غير الأموال.
ويحلفون على علمهم؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يحلف الإنسان على فعل غيره على البتِّ إلَّا فيما كان طريق نقله إليه التَّواتر، فأمَّا إذا كان علمه بغير التَّواتر، فإنَّما يحلف على علمه؛ لأنَّ العلم الظَّاهر قد يقع بغير نقل التَّواتر، وقد يكون علمٌ وإن
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٢)، النوادر والزيادات [١٢/ ٤٦٨].
[ ٤ / ٣٣٥ ]
لم يقطع على غيب ما قد علمه ولا على حقيقته، قال الله ﷿: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة:١٠]، وإنّما هذا علم الظَّاهر لا الحقيقة؛ لأنَّ عِلْمَ أَنَّ الإنسان مؤمنٌ، حقيقةٌ لا يعلمها إلَّا الله سبحانه؛ لأنَّهُ إِنَّمَا يكون كذلك باعتقاد القلب للإيمان، وذلك لا يعلمه أحدٌ إلَّا الله تعالى، فَأَمَّا الظاهر بالقول أو الفعل فيعلمه النَّاس، وهو علمٌ ظاهرٌ ودلالةٌ على الإيمان لا على الحقيقة.
•••
[٣٠٠٤] مسألة: قال: ومن حلف: «بعتق جاريٍة»، على أمرٍ إن لم يفعله، فولدت الجارية، ثمَّ حَنَثَ، فإنَّهَا تَعْتَقُ وولدَهَا.
وإذا حَلَفَ: «إِنْ كَلَّمَ رَجُلًَا فجاريته حرَّةٌ»، فولدت، ثمَّ حَنَثَ، فإنَّ ولدها يَعْتَقُون مَعَهَا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كلَّ من عقد في أَمَتِهَ عقد حريَّةٍ لا سبيل له إلى حلّه، فولدت بعد ذلك العقد ولدًا، فولدها بمنزلتها في ذلك العقد، يَعْتَقُون بِعِتْقِهَا، بدلالة: أنَّ ولد أمِّ الولد، والمدَبَّرَةِ، والمكَاتَبَةِ، بمنزلة أمِّهِم، فكذلك ولد المعقود عليها عقد الحريَّة في يمينٍ أو صفةٍ بمنزلتها إذا حنث بعد العقد؛ لأنَّهُ لا سبيل إلى رفع هذا العقد.
وكذلك ولد المعْتَقَةِ إلى أجلٍ، وولد المُعْتَقِ بعضُهَا؛ لأنَّهُ لا سبيل إلى رفع ما قد ثبت لها من الحريّة وعقدها، فكذلك يدخل ولدُهَا معها في الحريِّة.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٢)، البيان والتحصيل [١٤/ ٤١٨ و٤٣٩].
[ ٤ / ٣٣٦ ]
وكلُّ عقدِ حريِّةٍ يمكن رفعه، فولد المعقود عليها لا يدخل في العقد، بمنزلة الموصَى بعتقها إذا ولدت قبل موت سيِّدها، فإنَّ ولدها لا يَعْتَقُون بِعِتْقِهَا؛ لأنَّ العقد على الأمِّ يمكن الرّجوع فيه.
•••
[٣٠٠٥] مسألة: قال: والمعتَقُ إلى سَنَةٍ، إذا وُلِدَ له وَلَدٌ من أمَتِهِ، كان بمنزلته، وكذلك المعتق نِصْفُهُ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كلَّ وطءٍ بملك يمينٍ، فولده بمنزلته في الحرمة من الحرِيَّة والرقِّ، بدلالة: أنَّ الحرَّ إذا وطئ أَمَتَهُ، فولده حرٌّ، فكذلك المُعْتَقُ إلى سَنَةٍ، والمعتق بعضُهُ، والمدَبَّرُ، والمكاتَبُ، إذا وطِئوا إماءَهُم فأولادهم بمنزلتهم.
وكلُّ من وطئ بعقد النِّكَاح، فولده بمنزلة أمِّه في الحريَّةِ والعبودية، بدلالة: أنَّ الحرَّ إذا تزوَّج بأَمَةٍ، فولده عبدٌ لسيِّد الأمَةِ، وكذلك العبد إذا تزوَّجَ بحرَّةٍ، فولده أحرارٌ.
•••
[٣٠٠٦] مسألة: قال: ومن قال في وصيَّته: «إن حدث بي حدثٌ، فجاريتي حرَّةٌ»، فمات، ثمَّ وَلَدَتْ بعده ولدًا، ومنهم من كانت به حاملًا، فإنَّها تُقَام هي وهم فيُعْتَقُونَ جميعًا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا إذا ولدت بعد موت سيّدها، فلا سبيل إلى رفع
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٢).
(٢) المختصر الكبير، ص (٥١٢).
[ ٤ / ٣٣٧ ]
عقدها، فثبت ذلك لولدها على ما بيَّناه، كما يثبت ذلك لوَلَدِ أمِّ الولد والمكاتَبَةِ والمدَبَّرَةِ؛ بثبوت العقد على أمِّهم، فوجب أن يكون حكمهم في العتق حكمًا واحدًا، ويقوَّمون قيمةً واحدةً، فيعتقون في الثّلث إن خرجوا منه، أو بقدر ذلك.
•••
[٣٠٠٧] مسألة: قال: ومن أوصى بعِتْقِ جاريته، فولدت في صحَّتِهِ، ثمَّ مات، أُعْتِقَتِ الجارية ولم يُعْتَقْ ولدُها (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الوصيّة بالعتق، يجوز للموصِي أن يرجع فيها، ولم يكن عقد الحريّة لازمًا على الأمِّ لا يمكن الرّجوع فيه؛ كما يكون ذلك في عقد أمِّ الولد والمكاتَبَةِ والمدبَّرَةِ، فلم يدخل ولد الموصَى بِعِتقِهَا في الحريّة مع عقد الأمِّ إذا كان عقدها غير لازمٍ على ما بيَّناه.
فأمَّا إذا ولدت بعد موت سيِّدِهَا، أُعْتِقَ الولد مع أمِّه؛ لأنَّ عقد الأمِّ قد ثبت ولا سبيل إلى رفعه.
•••
[٣٠٠٨] مسألة: قال: وإذا أوصى رجلٌ في جارِيَةٍ حاملٍ: «أنَّها حُرَّةٌ وما في بطنها رقيقٌ»، فولدت بعد موت السيِّد، فهي حُرَّةٌ وما في بطنها (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز له أن يُعْتِقَ أَمَةً ويستثني ما في بطنها؛ لأنَّ ذلك بمنزلة ما لو أعتقها واستثنى عضوًا منها، وذلك غير جائزٍ، وقد قال
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٣).
(٢) المختصر الكبير، ص (٥١٣).
[ ٤ / ٣٣٨ ]
رسول الله ﷺ: «ذَكَاةُ الجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» (^١)، فجعل حكم الجنين حكم أمِّهِ في الذَّكاة، فإذا خرج من أمِّهِ، ثَبَتَ له حكم نفسه.
وكذلك جعل في جنين الحرَّة خمسًا من الإبل، وهي عُشْرُ دية الأمِّ (^٢)، فإذا زايل أُمَّهُ واستهلَّ صارخًا، كان له حكم نفسه ودِيَتِه.
•••
[٣٠٠٩] مسألة: قال: وإذا كان في الجارية أو العبد عِتْقُ سَهْمٍ، فلا يُقَاسِمُوهَا يومًا بيومٍ، ولكن من كلِّ شهرٍ عَشْر، أو من كلّ ثلاثة أشهرٍ شهر.
ويأكل ويكتسي من ماله، وليس له أن يُحْدِثَ فيه شيئًا.
فإن مات، ورِثَهُ الَّذِي له فيه الرقُّ.
فإن أَبِقَ فأقام أشهُرًَا، لم يُقَاصَّهُ الَّذِي له فيه الرقُّ بأيامه يَخْتَدِمُهُ مِثْلهُ.
ولا ينبغي له أن يَضْرِبَهُ إلَّا بالسّلطان.
وإن أراد أن يسافر به ويأبى الغلام:
• فإن كان ذلك قريبًا، فذلك له.
_________________
(١) أخرجه أبو داود [٣/ ٣٧٤]، من حديث جابر، وهو في التحفة [٢/ ٣٣٢]، وأخرجه أبو داود [٣/ ٣٧٤]، والترمذي [٣/ ١٤٣]، وابن ماجه [٤/ ٣٦٠]، من حديث أبي سعيد، وهو في التحفة [٣/ ٣٣٨].
(٢) ينظر: المسألة (٣٢٣).
[ ٤ / ٣٣٩ ]
• وإن كان بعيدًَا، كتب له القاضي كتابًا يكون معه، وشهودًَا من أهل البلد الَّذِي يخرج إليه، ثمَّ يخرج به إن كان مأمونًا، فإن لم يكن مأمونًا مُنِعَ منه.
وعلى السيّد الكراء والنَّفقة إذا خرج به، حَتَّى يَقَرَّ بموضعٍ يكون له فيه عملٌ ومُكْتَسَبٌ، ثمَّ يكون للسيِّد أيامٌ وللعبد أيَّامٌ، وإذا كان سفرهم في موضعِ ليس فيـ[ـه] عملٌ ولا مُكْتَسَبٌ، فالنَّفقة على السَّيِّد حَتَّى يَقْدُمَ به (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في مقاسمته يومًا بيوم ضررًا عليهما جميعًا، فيجب أن تكون المقاسمة مدَّةً يتهيَّأ لهما التَّصرف فيها والانتفاع بها بالإجارة أو العمل.
وقوله: «يأكل ويكتسي من ماله»؛ فلأنَّ هذا لا بُدَّ له منه، وليس لسيِّده منعه منه.
ولا يجوز له أن يُخْرِجَ من ماله شيئًا على غير عوضٍ بغير إذن سيِّده، للحقِّ الَّذِي لسيِّده في ماله.
وقوله: «إنَّه يرثه الَّذِي له فيه الرقُّ دون من أعتق بعضه»؛ فلأنَّ أحكامه لَمَّا كانت أحكام العبيد في حدوده وشهادته؛ لنقصان حرمته عن حرمة الحرِّ، وجب أن يكون حكمه في الميراث حكم العبد، يورَثُ بالرقِّ دون الحريَّة.
ألا ترى: أَنَّهُ لا يُورَثُ بالنَّسَبِ إذا كان بعضه حُرًّا، فكذلك يجب أن لا يورث بالولاء إذا كان بعضه عبدًَا؛ لأنَّ النَّسب أقوى من الولاء.
ألا ترى: أَنَّهُ لا يورثُ بالولاء مع النَّسَبِ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٣)، النوادر والزيادات [١٢/ ٣٢٨].
[ ٤ / ٣٤٠ ]
وقوله: «إنَّه لا يُقَاصّه بأيامه الَّتي أَبِقَ»؛ فلأنَّ المدَّةَ الَّتِي مضت في أيامه هي بينهما، وما يستأنفه أيضًا من المدَّةِ بينهما، فلم يجز أن يُقَاصَّهُ بشيءٍ قد مضى؛ لأنَّ ذلك بمنزلة شيءٍ قد تلف منهما.
وقوله: «لا يضربه إلَّا بالسُّلطان»؛ فلأنَّه لا يملكه كلّه.
ولجواز أن يتعدَّى عليه في ضربه، فإذا فعل ما يوجب الأدَبَ، أَدَّبَه السلطان.
وقوله: «إنَّ له أن يسافر به إذا كان قريبًا»؛ فلأنَّه لا ضرر على العبد في ذلك.
ولأنَّ حال العبد وما فيه من الحريَّة يُعْرَفُ عن قربٍ إذا ادَّعى سيِّده رقَّه كلَّه.
وإن كان سفرًا بعيدًا، كَتَبَ له الحاكم كتابًا بما له من الحريَّة؛ حُجَّةً له، وأشهد عليه شهودًا؛ لئلا يدَّعي سيِّده رقَّه كلّه، ثمَّ له أن يسافر به إن كان مأمونًا عليه، وإن لم يكن مأمونًا عليه مُنِعَ منه؛ لأنَّ في ذلك ضررًا بالعبد الَّذِي فيه الحريَّة، وإتلافًا لحقّه الَّذِي له، وهو جزء الحريَّة.
وقوله: «إنَّ على سيِّده الكراء والنَّفقة إذا خرج به في سفره»؛ فلأنَّ العبد لا يمكنه الكسب في حال سفره، وسبب منعه سيّده، فوجب عليه أن يُنْفِقَ على العبد حَتَّى يستقرَّ بموضعٍ يستغني بكسبه عن نفقة سيِّده.
وكذلك إذا كان الموضع الَّذِي يسافر إليه لا كسب فيه للعبد، فعلى السيِّد أن ينفق عليه؛ لأنَّه هو السَّبب في فقد كسبه وتصرّفه فيما يستغنى به عن نفقة سيِّده؛ لأنَّ سيِّده أحوجه إلى ذلك.
•••
[٣٠١٠] مسألة: قال: وإذا كان العبد بين الشَّريكين، فليس لأحدهما أن
[ ٤ / ٣٤١ ]
يضربه إلَّا بإذن صاحبه، فإن فعل ضمن، إلَّا أن يكون ضربًا لا يُعَنَّتُ أحدٌ في مثله، أو في أَدَبٍ أَدَّبَهُ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ ليس العبد كلّه له، فلا يجوز له أن يضربه، كما لا يجوز له أن يتصرَّف فيه كلّه، فإن فعل ضمن؛ لأنَّهُ قد تعدَّى، إلَّا أن يكون مثله لا يُعَدُّ تعدِّيًا، فلا يكون عليه شيءٌ.
•••
[٣٠١١] مسألة: قال: وإذا كان العبد بين الرَّجلين، فيؤَاجِرُهُ أحدهما في أيَّامه بإجارةٍ عظيمةٍ، ويُؤَاجِرُهُ الآخَرُ في أيَّامه بدون ذلك أو لا يجد له شيئًا، فيريد أن يرجع على صاحبه فيما أخذ، فليس ذلك له.
وأمَّا أن يعمَدَ إليه فيؤاجره - وإنَّمَا هُوَ غُلَامُ خَرَاجٍ، وَلَيْسَ بِغُلَامِ خِدْمَةٍ - بإجارةٍ عظيمةٍ، ثمَّ يجيء إلى صاحبه فيقول: «خذه أنت فواجره شهرًَا»، فليس ذلك له، ويقاسم صاحبه تلك الإجارة، وليس هذا بالذي يُبْطِلُ خَرَاجَهُ.
وليس لهما أن يقتسما خراج شهرٍ بشهرٍ، فيقول: «لك خراج شهرٍ، وَلِي خراج شهرٍ»، ولكن ما جاء به من شيءٍ اقتسماه.
وأمَّا غلام الخدمة الَّذِي يخدم هذا يومًا وهذا يومًا، فيؤاجره أحدهما في يومه، فتلك الإجارة له (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٣)، النوادر والزيادات [١٢/ ٣٢٤]، البيان والتحصيل [١٢/ ٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥١٣)، النوادر والزيادات [١٢/ ٣٢٦].
[ ٤ / ٣٤٢ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهما إذا اتَّفقا على قسمة الأيام وكان غلام خدمةٍ، فقد صار لكلِّ واحدٍ منهما الأيَّام الَّتِي اقتسماها، فله أن يستخدمه إن شاء، وله أن يؤاجره.
وليس لكل واحدٍ منهما الاعتراض على الآخر في ذلك؛ لأنَّهما قد رضيا به واتَّفَقَا عليه، وذلك جائزٌ من فِعْلِهما.
فأمَّا إذا كان عبد خراجٍ وغلَّةٍ وكسبٍ، فليس لأحدهما أن يأخذ خراجه مدَّةً ويأخذ الآخر خراجه مدَّةً؛ لأنَّهُ يصير دراهم بدراهم أقلَّ منها، وذلك غير جائزٍ؛ لأنَّ أحدهما قد ترك نصيبه من الكسب في أيام ما ينصب شريكه في العبد في أيَّام ٍأُخر، وذلك غير جائزٍ؛ لأنَّهُ يصير ذهبًا بذهبٍ، أو فِضَّةً بفضَّةٍ أكثر منها، وذلك غير جائزٍ.
•••
[٣٠١٢] مسألة: قال: وإذا كان العبد بين الرجلين وله مالٌ، فقال أحدهما: «أنا أريد أن آخذ من مال العبد، فخذ مثله»، فقال: «لا أريد ذلك»، فليس للَّذي أراد أن يأخذ منه شيئًا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العبد وماله لهما، فليس لأحدهما أن ينفرد بأخذ شيءٍ من ماله دون شريكه؛ لأنَّ في ذلك ضررًا على شريكه، حَتَّى يتَّفقا جميعًا على أمرٍ ما فيجوز.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٤).
[ ٤ / ٣٤٣ ]
[٣٠١٣] مسألة: قال: وإذا حلفت المرأة بعِتْقِ جاريةٍ لها، فحنثت، فردَّ ذلك عليها زوجها، فذلك له، ولا عِتْقَ لها (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المرأة في حجر زوجها، لا يجوز لها التَّصرف في مالها على غير وجه المعاوضة بغير إذن زوجها إلَّا في الثّلث، كما لا يجوز ذلك للمريض إلَّا بإذن ورثته.
والدَّليل على أنَّ للزَّوج الحَجْرَ على امرأته، قول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤].
وقال النَّبيُّ ﷺ: «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِدِينِهَا وَمَالِهَا وَجَمَالِهَا» (^٢)، فدَّل هذا الخبر على أنَّ في مال المرأة للزَّوج المنفعة والقوَّة، كما له ذلك في جمالها ودينها؛ لأنَّهُ ينتفع بجمالها ودينها بما لا خفاء به على النَّاس، فكذلك مالها.
وقد روى طاوس، عن ابن عمر وابن عباسٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ مَلَكَ زَوْجُهَا عِصْمَتَهَا التَّصَرُّف فِي مَالِهَا بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا» (^٣)، هذا معنى الخبر.
•••
[٣٠١٤] مسألة: قال: وإذا أعتقَتِ المرأة ذات الزَّوج رقيقها:
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٤).
(٢) متفق عليه: البخاري (٥٠٩٠)، مسلم [٤/ ١٧٥]، وهو في التحفة [١٠/ ٣٠٢].
(٣) لم أقف عليه من حديث طاوس مرفوعًا، وقد رواه عبد الرزاق [٩/ ١٢٥]، من طريق طاوس مرسلًا، ورواه أبو داود [٤/ ١٩٨]، والنسائي في الكبرى [٣/ ٥٣]، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو في التحفة [٦/ ٣٠٦].
[ ٤ / ٣٤٤ ]
• فإن كانوا ثلث مالها أو أدنى، عَتَقُوا.
• وإن كانوا أكثر من ذلك، لم يَعْتَقْ منهم أحدٌ، إلَّا أن يجيز الزَّوج، - لا ثُلُث ولا غيره -.
ويجوز لها الثّلث وإن كانت أرادت ضَرَرَهُ (^١).
وإن كانت سفيهةً تُوَلَّى، فلا عتق لها، لا في ثلثٍ ولا في غيره (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المرأة ذات الزَّوج، عليها حقٌّ للزَّوج في مالها كما ذكرناه، بدلالة: أنَّ الصَّداق يكون للمرأة بحسب مالها وجمالها، كما قال رسول الله ﷺ لامرأةٍ: «أَرَضِيتِ مِنْ مَالِكِ وَنَفْسِكِ بِنَعْلَيْنِ؟» (^٣)، وإذا كان كذلك، لم يجز لها التَّصرف في مالها بغير عوضٍ في أكثر من ثلثها؛ من أجل الزَّوج، كما لا يجوز ذلك للمريض من أجل ورثته.
فإن أَعْتَقَتَ أكثر من ثُلُثِ مالها أو تصدقت به، رُدَّ ذلك كلَّه؛ لأنها قصدت الإضرار بالزَّوج ولم تُرِدِ القُرْبَةَ، فَرُدَّ فِعْلُهَا كلّه.
وإذا كان ذلك قدر الثّلث، مضى فعلها؛ لأنَّها لم تقصد الضَّرَرَ، وإنّما أرادت القربة.
_________________
(١) قوله: «ضَرَرَهُ»، كذا في شب، حيث كتبت: «ضروره»، ووضع الناسخ فوق الواو: (x) إشارة أنها غير مثبتة، وتنظر مسألة تصدق المرأة بثلث مالها لتضر زوجها في الأحكام لابن حبيب، حيث أجازه ابن القاسم، ورأى أنه ليس بضرر.
(٢) المختصر الكبير، ص (٥١٤)، المدوَّنة [٤/ ١٢٤]، الأحكام لابن حبيب، ص (٢١٦)، النوادر والزيادات [١٠/ ١٠٤].
(٣) أخرجه الترمذي [٢/ ٤٠٥]، وابن ماجه [٣/ ٨٤]، وهو في التحفة [٤/ ٢٢٨].
[ ٤ / ٣٤٥ ]
فأمَّا إذا كانت سفيهةً تُوَلَّى، فلا يجوز تصرّفها في مالها في ثلثٍ ولا غيره، كما لا يجوز ذلك للسَّفيه والمحجور عليه؛ لنقصانهم في أنفسهم وقلّة تمييزهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥]، أي: أموالهم؛ لأنَّهُ يجب علينا حفظُهَا عليهم.
•••
[٣٠١٥] مسألة: قال: وللمرأة ذات الزَّوج أن تبيع وتشتري بغير إذن زوجها، إذا كان غير فسادٍ ولا سَفَهٍ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ البيع والشراء هو تصرُّفٌ في المال على وجه المعاوضة، وذلك جائزٌ لها إذا لم تحدث فيه؛ لأنها تأخذ بدل ما تُخْرِجه، كما يجوز ذلك للمريض.
فأمَّا العتق والصَّدقة، فلا يجوز إلَّا من الثُّلُثِ؛ لأنَّه إخراج مالٍ بغير عوضٍ.
•••
[٣٠١٦] مسألة: قال: وإذا حلفت الجارية البكر بعِتْقِ ما تملك: «إن نَكَحَتْ رَجُلًَا»، فأنكحها أبوها، فالنِّكاحُ ماضٍ ولا عِتْقَ لها؛ لأنَّها في حِجْرِ أبيها (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المحجور عليه لا يجوز عِتْقُهُ ولا تلزمه العقود الَّتِي يعقدها على نفسه بالعتق وغيره.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٤)، المدونة [٤/ ٧٣ و١٢٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥١٤)، البيان والتحصيل [٤/ ٢٧٨].
[ ٤ / ٣٤٦ ]
ولأنَّ الأب أيضًا هو يُجبِرُها على العقد، فهي بمنزلة المكرَهَةِ، ولا يلزم المكرَهَ ما يُكْرَهُ عليه من يمينٍ أو غيرها.
•••
[٣٠١٧] مسألة: قال: وليس على المفتي أن يُلَقِّنَ الزَّوج: «أن يَرُدَّ على المرأة عِتْقَ رَقِيقِهَا إذا كانوا أكثر من ثُلُثِهَا»، ولكن إن رَدَّ ذلك وسأل عنه، أُفْتِيَ بِهِ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عِتْقَ المرأة مالها كلَّه وتصرفها فيه على وجه المعاوضة (^٢)، مِمَّا قد اختَلَفَ فيه العلماء (^٣)، وإنّما رَدُّهُ هو بوجه الاجتهاد لا هو بنصٍّ متَّفَقٍ عليه، وإذا كان كذلك، لم يبتدئ المفتي بقول ذلك للزَّوج ليَرُدَّهُ، لكن إن سأل عن شيءٍ، عُرِّفَ ذلك.
•••
[٣٠١٨] مسألة: قال: وإذا قال الرَّجُلُ: «ما في بطن جاريتي حُرٌّ»، ثمَّ ماتَ:
• أنَّ الأمة تُباع وما في بطنها إن قام غرماؤه أو احتاج ورثته.
• وإن تأخَّر بيعها حَتَّى تضع، فهو حرٌّ (^٤).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٥)، النوادر والزيادات [١٢/ ٢١٢].
(٢) قوله: «على وجه المعاوضة»، كذا في شب، وفي جه: «على غير وجه المعاوضة».
(٣) ينظر اختلاف أهل العلم في: مختصر اختلاف العلماء [٢/ ٣٤١]، المحلى [٨/ ٣٠٩]، المغني لابن قدامة [٦/ ٦٠٢].
(٤) المختصر الكبير، ص (٥١٥)، النوادر والزيادات [١١/ ٥٧٤].
[ ٤ / ٣٤٧ ]
• إنَّمَا قال: «إنَّها تُبَاع وما في بطنها»؛ لأنَّ عتق ما في بطنها إِنَّمَا يقع بالوضع لا ما قبل ذلك؛ لأنَّهُ لا يُدْرَى أمخلوقٌ هو أم لا؟
وليس ذلك بمنزلة المعتَقِ إلى أجلٍ الَّذِي لا يردُّه الدَّين؛ لأنَّهُ قد ثبت عقد عتقه وتُيُقِّنَ وجودُهُ.
ومنزلة عتق الحمل: بمنزلة عتق العبد بصفةٍ غير آتيةٍ لا محالة، كدخول الدَّار وقدوم زيدٍ، فلا يجوز أن يقع العتق حَتَّى تقع الصِّفَة.
فأمَّا إذا وضعت الحمل قبل بيعها، وقع العتق؛ لمجيء صفة العتق.
•••
[٣٠١٩] مسألة: قال: ومن قال لأمته: «إذا وَضَعْتِ فأنتِ حُرَّةٌ»، فليس الحمل بِأَجَلٍ، وما هذا من عمل النَّاس (^١).
• يعني: أنَّ وضع الحمل ليس بمنزلة أجلٍ آتٍ لا محالة، كمجيء الشَّهر والسَّنَةِ الَّذِي إذا أعتق إليهما لم يجز له الرّجوع فيه؛ لأنَّ ذلك صفةٌ آتيةٌ لا محالة.
ووضع الحمل فليس بصفةٍ آتيةٍ لا محالة؛ لأنَّ الحمل غير مُتَيَّقَنٍ، وإنّما يُعْلَم بالظَّاهر والأغلب، لا بالحقيقة.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٥)، النوادر والزيادات [١٢/ ٢٨٣].
[ ٤ / ٣٤٨ ]
[٣٠٢٠] مسألة: قال: ومن قال لأمته: «إن جئتِنِي بغلامٍ، فهو حرٌّ»، فوضعت غلامين، قال: لا يَعْتَقُ إلَّا الأوَّل (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يقصد عتق غير الأوَّل، فلا يلزمه العتق في غيره، وذلك بمنزلة رجلٍ قال لعبديه: «من دخل الدَّار منكما أوَّلُ، فهو حرٌّ»، فدخلا جميعًا واحدًا بعد آخر، فالأوَّل منهما دخولًا حرٌّ دون الآخر.
•••
[٣٠٢١] مسألة: قال: ومن اشترى جاريَةً للعتق ولها زوجٌ، فكتموه، فله قيمة العيب (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ تزويج الأمة عيبٌ يُنْقِصُ ثَمَنَها، فللمشتري ردّها بالعيب، فإن فاتت بالعتق فله قيمة العيب.
•••
[٣٠٢٢] مسألة: قال: ومن ابتاع عبدًَا رقَبَةً واستقال صاحبه:
• فإن كان اشتراه ليتخيَّر فيه وينظر ويستشير حَتَّى إن شاء أوجبه، فذلك له.
• وإن اشتراه على الاستيجاب (^٣)، فلا أرى ذلك له.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٥)، النوادر والزيادات [١٢/ ٤٤٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥١٥)، النوادر والزيادات [٦/ ٢٦٠].
(٣) قوله: «الاستيجاب»، كذا في شب، وفي جه: «الاستنجاز».
[ ٤ / ٣٤٩ ]
وقد قيل: إنَّه لا يجوز أن يستقيله (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا كان شراه له مُعتَقِدًَا لِعِتْقِةِ، فقد أوجب على نفسه عتقه، فلا يجوز له أن يقيل منه؛ لأنَّهُ قد ألزم نفسه العتق، فلا سبيل له إلى الرّجوع فيه.
وأمَّا إذا لم يشتره معتقدًا لِعِتْقِةِ، فله أن يقيل منه؛ لأنَّهُ لم يرفع عتقًا ألزمه نفسه.
ووجه كراهيته للإقالة: فلأنَّهُ رُجوعٌ في شيءٍ قد نواه من فعل الخير، وذلك مكروهٌ له.
•••
[٣٠٢٣] مسألة: قال: ومن اشترى عبدًَا بشرط أنَّهُ يُعْتِقُهُ، ثمَّ وجد به عيبًا، فيوضَعُ لَهُ مِنْ ثَمَنِهِ.
وكذلك لو وجده آبقًا أو سارقًا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كونه آبقًا وسارقًا عيبٌ فيه، فللمشتري أن يرجع بقيمة العيب.
وليس له ردَّ العبد؛ لأنَّهُ قد ألزم نفسه عتقه حين اشتراه بشرط عتقه، فلا
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٥).
(٢) المختصر الكبير، ص (٥١٥)، النوادر والزيادات [٥/ ٣٠٤].
[ ٤ / ٣٥٠ ]
يجوز له ردُّه، ولا مخالفة ما ألزمه نفسه بالشَّرط من عتقه، وقد قال ﷿: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١].
•••
[٣٠٢٤] مسألة: قال: ومن اشترى عبدًَا بشرطٍ للعتق، فليس له ردُّه، وله قيمة العيب (^١).
• وهذا لِمَا ذكرناه: لأنَّه قد ألزم نفسه عتقه، فوجب عليه الوفاء بما ألزم نفسه.
وله قيمة العيب؛ لأنَّهُ اشتراه على السَّلامة لا العيب.
•••
[٣٠٢٥] مسألة: قال: ومن ابتاع عبدًَا على أن يُعْتِقَه، ويشترط عليه: «أن لا يفارقه حَتَّى يموت»، فليس ذلك له، ويذهب العبد إذا أُعْتِقَ حيث شاء (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أعتقه صار حرًّا، ولا يجوز له أن يستخدم حُرًّا عن غير طيب نفسه؛ لأنَّ في ذلك بقاء أحكام الرقِّ عليه، ولا يجوز أن يشترط مع إيجاب الحريّة له بقاء الرقِّ عليه؛ لأنَّ الحريَّة مباينةٌ للرقِّ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٥)، النوادر والزيادات [٥/ ٣٠٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥١٦)، النوادر والزيادات [١٢/ ٥١٩].
[ ٤ / ٣٥١ ]
وفي شرطه لذلك خلاف شرط الله ﷿، وكلُّ شرطٍ خلاف كتاب الله ﷿ فهو باطلٌ، كما قال رسول الله ﷺ (^١).
•••
[٣٠٢٦] مسألة: قال: ومن أَعْطَى بعبدٍ للعتق أربعين، فأبَّى سيِّده إلَّا بخمسين، فقال العبد للسيِّد: «أنا أُشْهِدُ لَكَ عَلَيَّ بعشرة دنانير»، ولم يَعْلَمِ المشتري، فأشهد عليه، ثمَّ باعه فأُعْتِقَ، فليس ذلك بجائزٍ، ولا شيء له على العبد (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ فيما شرَطَ إلزام ذمَّة العبد دَيْنًَا بغير إذن سيِّده الَّذي اشتراه، فلا يلزمه ذلك، إلَّا أن يرضى به المشتري.
•••
[٣٠٢٧] مسألة: قال: وإذا كان للرَّجُلِ عَبْدٌ فأراد عِتْقَهُ، وله قَرابَةٌ مَحَاوِيجَ، فالصَّدقة عليهم أحبّ إِلينا من عتقه (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في الصَّدقة عليهم أجرًَا وصِلَةَ رَحِمٍ، وفي العتق أجرٌ دون صلة رحمٍ، فكانت الصّدقة عليهم أولى.
•••
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٤٢٥.
(٢) المختصر الكبير، ص (٥١٦)، النوادر والزيادات [٦/ ٢٦٥]، البيان والتحصيل [٧/ ٢٨٠].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥١٦)، النوادر والزيادات [١١/ ٢٦٩].
[ ٤ / ٣٥٢ ]
[٣٠٢٨] مسألة: قال: وإذا أعتَقَ الرَّجُلُ العَجَمِيَّ، ثمَّ يقيم عنده يعمل له، فنَرَى أن يُعْلِمَهُ بلسَانِهِ، فإن أحبَّ أن يُقيم عنده بعد المعرفة بذلك، فلا بأس به.
وقد قيل: لا يُحبُّ أن يختدمه، فَأَمَّا اليَّوم والأيَّام شَبَهًَا بالمعونة من غيره، فلا بأس، والأوَّل أعجب إلينا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لجواز أن يكون لا يَعْرِف حكم العتق -؛ للعجومة الَّتِي فيه -، ولا أنَّ الخدمة قد زالت عنه، فاستحبَّ مالكٌ أن يُعَرِّفَهُ ذلك بعد عتقه.
فإن أحبَّ المقام بعد ذلك، جاز لسيِّده أن يستخدمه؛ لأنَّه مُختَارٌ لذلك.
فأمَّا وجه كراهته خدمته وإن اختار ذلك المُعْتَقُ؛ فلأنَّه كأنَّه انتفاعٌ بشيءٍ أخرجه لله ﷿، وذلك مكروهٌ.
ألا ترى: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ مَنَعَ عُمَرَ بَنَ الخَطَابِ ﵁ أَنْ يَشْتَرِيَ الفَرَسَ الّذِي كَانَ حَمَلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ الله ﷿» (^٢)؛ كراهية أن ينتفع بشيءٍ قد أخرجه لله تعالى.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٦).
(٢) متفق عليه: البخاري (١٤٩٠)، ومسلم [٥/ ٦٣]، من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أنَّ عمر بن الخطاب، قال: حملت على فرسٍ عتيقٍ في سبيل الله، فأضاعه صاحبه، فظننت أنَّهُ بائعه برخصٍ، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك، فإنَّ العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه»، وهو في الموطأ [٢/ ٤٠٠]، والتحفة [٨/ ٥].
[ ٤ / ٣٥٣ ]
وهذا إذا اختار هو الانتفاع به ورَدِّهِ إلى ما كان عليه، فَأَمَّا إذا رَدَّهُ الميراث (^١) عليه فلا بأس؛ لأنَّهُ لا صنع له في رجوعه إليه.
•••
[٣٠٢٩] قال: ومن أخذ آبقًا فباعه من رجلٍ فأعتقه، ثمَّ جاء سيِّدُهُ، فَسَخَ عِتْقُهُ وَأَخَذَهُ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ البائع له غير مالكٍ له، فإذا جاء مُسْتَحِقُّهُ، أَخَذَهُ.
وليس هذا بمنزلة ما يشتريه من مالكه فيعتقه، ثمَّ يتبيَّن فساد البيع أو يظهر على عيبٍ، فيجوز عتقه؛ لأنَّ البائع هاهنا هو مالكٌ للعبد، والمشتري أعتق بتسليط مالكه له عليه وتمليكه إيَّاه، فجاز عتقه، ولم يجز بتمليك الغاصب له ذلك؛ لأنَّ الغاصب لا ملك له.
•••
[٣٠٣٠] مسألة: قال: ومن باع أَمَةً، ثمَّ اختلط عقله فقال: «قد كنت أعتقتها»، ثمَّ مات، فليس على ورثته أن يشتروها ويُعْتِقُوها، ولا يشتروا رأسًا (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قوله بعد اختلاط عقله ليس مِمَّا يُقْبَلُ منه، ولا يثبت
_________________
(١) قوله: «رده الميراث»، يعني أن يرد الميراث للشخص شيئًا أخرجه في سبيل الله ﷿.
(٢) المختصر الكبير، ص (٥١٦).
(٣) المختصر الكبير، ص (٥١٦).
[ ٤ / ٣٥٤ ]
له حكمٌ، ولا يجوز العمل على قوله ولا الأخذ به، وقوله بمنزلة قول السَّفيه وفعله الَّذِي لا يؤخذ به ولا يلتفت إليه.
•••
[٣٠٣١] مسألة: قال: ومن قال لغلام غيره: «أنت حرٌّ من مالي»، فليس عليه شيءٌ، ولو قال له سيِّدُهُ: «هو لك بالقيمة»، ما كان ذلك لازمًا له (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ أعتق ما لا يملكه، فعتقه غير جائزٍ ولا لازمٍ له إن مَلَكَهُ بعد ذلك.
وذلك بمنزلة طلاقه امرأةً أجنبيَّةً منه، فذلك غير لازمٍ له في حاله ولا بعد تزويجه بها.
وقد روى عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ، وَلَا عِتْقَ قَبْلَ مِلْكٍ» (^٢)، وقال في قصة الغضباء (^٣): «لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ» (^٤)، ولا خلاف في هذا بين أهل العلم: أنَّ عتقه في ملك غيره غير لازمٍ.
وكذلك طلاقه فيمن لا يملكه عقد نكاحه، إلَّا أن يعقد الطلاق والعتق فيما
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٦).
(٢) أخرجه أبو داود [٣/ ٦٩]، والترمذي [٢/ ٤٧٢]، وابن ماجه [٣/ ٢٠٢]، والنسائي في الكبرى [٤/ ٤٤٢]، وهو في التحفة [٦/ ٣١٨].
(٣) قوله: «الغضباء»، هي ناقة رسول الله ﷺ، كما في الحديث الآتي ذكره.
(٤) أخرجه مسلم [٥/ ٧٨]، وهو في التحفة [٨/ ٢٠٢].
[ ٤ / ٣٥٥ ]
سيملكه في ثانٍ فيلزمه ذلك، كما يلزم النَّذر فيما سيملكه، وقد ذكرنا هذا فيما تقدَّم.
•••
[٣٠٣٢] مسألة: قال: ومن حلف لرجلٍ: «بعتق ما يملك أبدًَا إن كَلَّمَه»، فلا شيء عليه.
ومن قال: «كلّ جاريةٍ أشتريها فهي حُرَّةٌ»، ففعل، فلا عِتْقَ عليه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا قد حرَّم على نفسه جميع ملك اليمين، فهو عاصٍ بهذا العقد، فلا يلزمه؛ لأنَّ عقد المعصية لا يلزم، وقد قال رسول الله ﷺ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيهِ فَلَا يَعْصِهِ» (^٢).
وكذلك إذا منع نفسه من ملك جاريةٍ أبدًا وحلف بحريَّتِها، لم يلزمه ذلك؛ لأنَّه قد منع نفسه الوطء بملك اليمين، فهو مُحَرِّمٌ على نفسه شيئًا قد أباحه الله له، وذلك غير لازمٍ له، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:٨٧]، فلم يلزمه ما عقد على نفسه مِمَّا هو متعدٍّ به.
وكذلك إذا قال: «كلُّ امرأةٍ أتزوجها فهي طالقٌ»، لم يلزمه ذلك؛ لأنَّهُ قد
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٧)، المدونة [٢/ ٣٩٠].
(٢) أخرجه مالك [٣/ ٦٧٨]، ومن طريقه البخاري (٦٦٩٦)، وهو في التحفة [١٢/ ٢٦٠].
[ ٤ / ٣٥٦ ]
منع نفسه من الوطء بعقد النّكاح الَّذِي أباحه الله إيّاه، فهو متعدٍّ عاصٍ، ولا يلزمه عقد معصيةٍ، وقد بيَّنَّا هذا فيما مضى (^١).
•••
[٣٠٣٣] مسألة: قال: ومن حلف بعتق غلامٍ - لابنه صغيرٍ - إن لم يضربه، فلم يفعل، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عليه إذا كان يليه ويَمُونُهُ، ويَغْرَم قيمته لابنه (^٢).
• إنَّما قال: «إنَّ عتقه يلزمه»، لمعنيين:
(أحدهما: الولاية.
(والآخر: أنَّ له شبهةً في مال ابنه.
فلزمه عتقه لهذه العلَّة؛ لأنَّهُ لو باعه عليه جاز بيعه، فكذلك إذا أعتقه مضى عتقه.
وعليه قيمته؛ لأنَّهُ كَأَنَّه اشتراه من ابنه لنفسه، وشراء الأب مال ابنه لنفسه وبيعه منه جائزٌ إذا كان في ذلك نظرٌ لابنه، وكذلك بيعه من غيره جائزٌ.
فأمَّا إذا كان الابن كبيرًا يلي نفسه، فلا يجوز ذلك إلَّا بإذن الابن؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يتصرَّف في مال ابنه الكبير في بيعٍ أو غيره بغير إذن ابنه.
•••
_________________
(١) ينظر: المسألة [٩١٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥١٧).
[ ٤ / ٣٥٧ ]
[٣٠٣٤] مسألة: قال: وإذا اشترت امرأةٌ غلامًا من مالها، ثمَّ وهبته لابنها وأعتقته عنه وهو صغيرٌ:
• فإن كانت الهبة على شرط: «أنَّهَا تُعْتِقه»، فذلك جائزٌ.
• وإن لم تكن على شرطٍ، وكان لها مالٌ يكون فيه وفاءٌ من ثمن العبد، جاز عِتْقُهُ وأُعْطِيَ الثَّمن.
• وإن لم يكن لها مالٌ، لم يجز ذلك إذا كانت تليه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الهبة إذا كانت على شرط العتق جاز العتق؛ لأنَّها إِنَّمَا مَلَّكَته الولاء، كأنَّها أعتقته عنه، وذلك جائزٌ.
وإن لم يكن كذلك، لم يجز عتقها؛ لأنَّ في ذلك إتلاف مال الصَّغير، إلَّا أن تكون موسرةً فتلزمها القيمة ويجوز عتقها لِمَا ذكرناه: لأنَّ لها شبهةً في مال ابنها؛ ولأنَّها تلي عليه.
وإن لم تَلِ عليه لم يجز عتقها على ما ذكرناه.
•••
[٣٠٣٥] قال: ومن أوصى: «بعِتْقِ غلامٍ لولدٍ له صغارٍ يليهم»:
• فإن كان له مالٌ، جاز عتقه بالقيمة في الثُّلُثِ، وأُعْطِيهَا وَلَدُهُ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٧)، النوادر والزيادات [١٢/ ٤٢٧].
[ ٤ / ٣٥٨ ]
• وإن لم يكن له مالٌ، لم يجز (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا كان له مالٌ، فكأنَّه أوصى ببيعه على ولده، وذلك جائزٌ؛ لأنَّهُ كأنَّه باعه عليهم.
وكان لولده قيمة العبد من ثلثه؛ لأنَّ عتقه عبْدَ ابنِه الصّغير في حياته جائزٌ، وعليه قيمته في ماله، بمنزلة ما يبيعه له من غيره، فكذلك تجوز وصيَّته له بعتقه، وتكون قيمة العبد لولده في ثلثه.
وإن لم يكن له مالٌ، لم يجز عتقه في حال حياته ولا بعد موته في وصيَّةٍ.
•••
[٣٠٣٦] قال: ومن أعتق جارية ابنٍ له صغيرٍ، ولا مال له:
• فيُرَدُّ العِتق ما لم يطل.
• فإن طال لم يُرَدْ.
• وإن كان له مالٌ، جاز عتقه.
وقد قيل: إنَّه إن لم يكن له مالٌ، لم يُجَزْ ما صَنَعَ (^٢).
• إنَّما قال: «إنَّه لا يُرَدُّ عتقه إذا طال»؛ فلأنَّ للأب شبهةٌ في مال ابنه الصِّغير وولاية له عليه، فجاز عتقه لعبد ابنه الصَّغير، وتكون عليه قيمته إذا حدث له مالٌ، كما يجوز أن يبيعه بدَيْنٍ، فهذا وجه قوله: «إنَّه لا يرد إن طال».
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٧).
(٢) المختصر الكبير، ص (٥١٧).
[ ٤ / ٣٥٩ ]
ووجه قوله: «إنَّه يُرَدُّ إذا لم يكن له مالٌ، طال ذلك أو لم يطل»؛ فلأنَّ فعله هذا فيه إتلافُ مالِ ابنه الصَّغير، وذلك لا يجوز له، وإنّما يجوز له فعل ما كان لابنه فيه نظرٌ.
ألا ترى: أنَّه لو أعتق عبد ابنه عن ابنه لم يجز؛ لأنَّ في ذلك إتلاف ماله، وكذلك إذا أعتقه عن نفسه ولا مال له، فهو أولى ألَّا يجوز، وهذا القول أقيس.
•••
[٣٠٣٧] مسألة: قال: ومن فرَّ عبْدُهُ، فقال: «اخرج يا فلان وأنت حرٌّ»، ثمَّ خرج، فقال: «أردت أن أستخرجه»:
• فإن كان أَشْهَدَ: «أنَّه إِنَّمَا يقول ذلك ليستنقذه»، فلا عتق عليه.
• وإن لم يُشْهِدْ بِهِ، فهو حرٌّ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أَشْهَدَ: «أنَّه لا يريد بقوله ذلك الحريَّة»، لم يلزمه العتق؛ لأنَّهُ قد عُلِمَ أنَّه لم يقصد بهذا القول حريَّةً.
فأمَّا إذا لم يُشْهِد قَبْلَ قوله، لم يُقْبَل قوله فيما بعد؛ لأنَّ ظاهر هذا القول يوجب الحريَّة، فلا سبيل له إلى رفعها.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٧)، النوادر والزيادات [١٢/ ٤٨٦]، البيان والتحصيل [١٤/ ٣٩٥].
[ ٤ / ٣٦٠ ]
[٣٠٣٨] مسألة: قال: ومن سُئِلَ عن أمِّ وَلَدِهِ، فقال: «ما هذه إلَّا حُرَّة»، فإن لم يكن أراد العتق، فلا شيء عليه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قوله: «ما هي إلَّا حرَّة»، يحتمل أن يكون أراد: أنَّها كالحرَّة في الامتناع من بيعها وإجارتها وما أشبه ذلك.
وكذلك قال مالك، فيمن قال لخادمه: «ما أنت إلَّا حرٌّ»، فلا شيء عليه؛ لأنَّهُ يريد بذلك: أنَّك لا تمتثل أمري (^٢)، فهذا منه على وجه التوعّد له، لا على الحريّة.
•••
[٣٠٣٩] مسألة: قال: ومن قال لخادمه: سيعلم (^٣) الحرُّ»، ولم يُرِدْ به عِتْقًَا، فلا عتق له (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه: أَنَّهُ إِنَّمَا أراد بهذا القول وجه التَّهَدُّدِ والوعيد، لا الحريَّة، فلا عتق عليه.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٧)، النوادر والزيادات [١٢/ ٢٦١].
(٢) ينظر: المدوَّنة [٢/ ٤٠٤].
(٣) قوله: «سيعلم»، كذا في شب، وفي جه: «ستعلم».
(٤) المختصر الكبير، ص (٥١٨)، النوادر والزيادات [١٢/ ٢٦٢].
[ ٤ / ٣٦١ ]
[٣٠٤٠] مسألة: قال: ومن آجر عبده سنين، ثمَّ أعتقه، فلا يجوز عِتْقُهُ حَتَّى يَمْضِيَ الأجَلُ، إلَّا أن يشاء المستأجر.
وإن مات قبل السِّنين وله ولدٌ أحرارٌ، لم يرثوه، ولو مات السيِّدُ قبل السِّنين، لم يَعْتَقْ حَتَّى يَمْضِي.
ويَعْتَقُ من رأس المال (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عقد الإجارة في العبد كعقد الرّهن، فلمَّا لم يجز عتق العبدِ الرَّهْنِ إلَّا أن يُعْطَى المرتهن حقَّه، فكذلك لا يجوز له عتق العبد المؤاجر إلَّا بتوفية المستأجر حقَّه من الإجارة؛ لأنَّ حقَّ المستأجر قد تعلَّق برقبة العبد.
ألا ترى: أنَّ المؤاجر لو أفلس، لكان المستأجِرُ أحقُّ بعين العبد واستخدامه من سائر الغرماء.
فلهذا قال مالكٌ: إنَّ الحريّة لا تتقرَّر إلَّا بمضِيِّ مُدَّةِ الإجارة، وحكمه حكم العبد المُعْتَقِ إلى أجلٍ في أحكامه كلّها؛ لأنَّهُ قد أعتقه إلى أجلٍ آتٍ لا محالة.
ويخرج من رأس المال، كما يخرج المعْتَقُ إلى أجلٍ من رأس المال؛ لجواز أن يأتي الأجل قبل موت سيِّده، فلهذه العلَّة قال: إنَّه يكون من رأس المال.
وقوله: «إنَّه إن مات قبل تَقَضِّي السّنين، لم يرثه ولده الأحرار»؛ فلأنَّه مات
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٨)، النوادر والزيادات [١٢/ ٤٢٢].
[ ٤ / ٣٦٢ ]
عبدًا؛ لأنَّه إِنَّمَا يعتق بمضيِّ مدَّة الإجارة، كما يعتق المُعْتَقُ إلى أجلٍ بمجيء الأجل.
فإن مات سيِّده قبل مضيِّ مدَّة الإجارة، أُعْتِقَ العبد بعد مضي مدَّة الإجارة من رأس مال سيِّده الَّذِي أعتقه؛ لأنَّ عقد حريَّته قد ثبت في حال صحَّته، وقد كان يجوز أن يأتي الأجل مع بقاء سيِّده، فكان من رأس المال.
•••
[٣٠٤١] مسألة: قال: ومن أَعْمَرَ (^١) أُمَّهُ عبدين حياتها: «فإن مات قبلها فهما لها، وإن ماتت قبله فهما عليه رَدٌّ»، فحضرته الوفاة فأعتق أحدهما:
• فإن أجازت ذلك أُمُّه، فذلك جائزٌ.
• وإن لم تُجِز، عَتَقَ إذا ماتت أُمُّهُ (^٢).
• إنَّمَا قال: «إنَّ عتقه يجوز بإجازة الأمِّ»؛ لأنَّهُ قد تعلَّق لها حقٌّ في العبد، فلا يجوز له أن يُبْطِلَ ذلك بعتقه وإن كان العبد مُلكًَا له، كما لا يجوز ذلك للمؤاجِرِ لعبده - على ما ذكرناه -؛ لتعلُّقِ حقِّ المستأجِرِ في رقبة العبد.
وكذلك العبد المرهون لا يجوز عتقه؛ لتعلّق حقِّ المرتِهن في رقبته.
فإذا أجازت الأمُّ عتقه، جاز، وإن لم تُجِزه، عَتَقَ بعد موتها من ثلثه؛ لأنَّهُ
_________________
(١) قوله: «أعمر»، يعني: وهبه منفعة العبد مدَّة عمره، حتى يموت، ينظر: المنتقى للباجي [٦/ ١١٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥١٨)، النوادر والزيادات [١٢/ ٩٢].
[ ٤ / ٣٦٣ ]
أعتق ذلك في وصيَّته، فكان في ثلثه، ولو كان أعتقه في صحَّته، كان من رأس ماله.
•••
[٣٠٤٢] مسألة: قال: ومن حبس عبدًَا على رجلٍ ما عاش العبْدُ، ثمَّ قال السَّيِّد: «هو حرٌّ»، فلا عِتْقَ عليه، إِنَّمَا هو للَّذي حبسه عليه، إذا حبسه عليه ما عاش العبد فقد أعطاه إيَّاه أبدًَا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد مَلَّكَ المحَبَّس عليه العبدَ لَمَّا حبسه عليه حياة العبد؛ لأنَّهُ إذا جعله كذلك فقد أعطاه إيَّاه، فلا سبيل له إلى الرُّجوع فيه؛ لأنَّهُ لا مرجع للعبد بتَّةً إلى الَّذِي أَعْطَى، فلا يجوز عتقه له؛ لأنَّه أعتق ما لا يملكه.
•••
[٣٠٤٣] مسألة: قال: ومن حلف: «بعتق مماليكه إن فَعَلَ شيئًا»، فباعهم ثمَّ فَعَلَ، وقد كان أبوه أخْدَمَ إنسانًا عبدَهُ حيَاتَهُ، ثمَّ مرجعه إلى ابنه، ثمَّ رجع العبد إليه بعد حنثه، فعليه عتقه (^٢).
• معنى هذه المسألة: يكون الحالِفُ بِعِتْقِهِم إِنَّمَا حَلَفَ بعد موت الأب، لأنَّهُ قد صار العبد المُخْدَمُ له، فقد عقد فيه الحريَّة، ولولا الخدمة
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٨)، النوادر والزيادات [١٢/ ٤٢٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥١٨).
[ ٤ / ٣٦٤ ]
لعَتَقَ بالحنث، فإذا رجع إليه بعد تقضِّي الخدمة، عَتَقَ عليه بالحنث المتقدِّم قبل رجوع العبد إليه.
•••
[٣٠٤٤] مسألة: قال: ومن قال لغلامه: «إن أسلمت فأنت حرٌّ»، فَإِنَّهُ يقال له: «أسلم الآن، وإلَّا فلا شيء لك، ولا تُتْرَك حَتَّى تُسلِم أو تموت» (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا الكلام يقتضي الإسلام في الحال لا ما بعد ذلك، كما يقول لامرأته: «إن شئتِ فأنْتِ طالقٌ، أو أمرك بيدك»، إِنَّمَا هو في الحال والمجلس لا ما بعده.
•••
[٣٠٤٥] مسألة: قال: ومن بلغه أنَّ أباه قادمٌ، فقال: «إذا قَدِمَ أبي فأنت حرٌّ»، فلا يبعه.
وكذلك الَّذِي يقول لامرأته: «إذا وَلَدْتِ غلامًا - وهي حاملٌ -، فغلامي حرٌّ»، فلا يبعه، فإن لم تكن امرأته حاملًا، فليبعه إن شاء (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا بمنزلة العتق إلى أجلٍ آتٍ، ولا يجوز بيعه؛ لأنَّ «إِذَا»، إِنَّمَا تلي شيئًا يقع لا محالة، قال الله ﷿: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١]، وقال: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١]، فكأنَّه أراد ما بين قوله: «أنت
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٨).
(٢) المختصر الكبير، ص (٥١٨).
[ ٤ / ٣٦٥ ]
حرٌّ» وبين قدوم أبيه من الوقت، لا أراد القدوم على الحقيقة، فلهذا قال: لا يجوز بيعه، كما لا يجوز بيع المُعْتَقِ إلى أجَلٍ.
وقد قال مالكٌ: «إنَّه يجوز بيعه»؛ لجواز أن لا يقْدُمَ أبوه، كما يقول ذلك في قوله: «إن قدم أبي»، لا فصل بينهما.
وقوله: «لا يبعه - إذا كانت امرأته حاملًا - متى أعتقه بوضع امرأته»؛ فلأنَّ الحمل سبب الوضع، فإذا كان الحمل ظاهرًَا، فوضعه واقعٌ لا محالة، فلم يجز أن يبيع العبد المعتَقَ بوَضْعِ الحمل؛ لأنَّهُ بمنزلة أجلٍ يأتي لا محالة، كما لا يجوز بيع العبد المعتق إلى أجل آتٍ لا محالة.
•••
[٣٠٤٦] قال: ومن قاطَعَ مُكَاتَبًَا له، على: أسفارٍ يسافرها، ودنانير يعطيه، فلا ينبغي؛ لأنَّهُ لا تتمُّ حرمته ولا تجوز شهادته، وذلك عليه، ولكن يعطيه مكان تلك الأسفار شيئًا يُمْضِي له عتقه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ شرط هذا عليه في قَطَاعَتِهِ تبقيةٌ لحكم الرقِّ عليه بعد عتقه، وذلك مكروهٌ.
لكن يُحَبّ أن تكون قطاعته على مالٍ يعطيه العبدُ، تَتَنَجَّز حريَّته معه، لا على خدمةٍ يشترطها عليه بعد عتقه.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٩)، النوادر والزيادات [١٣/ ٦٥].
[ ٤ / ٣٦٦ ]
[٣٠٤٧] مسألة: قال: ومن قال لغلامه: «ابن لي هذه الدَّار وأنت حرٌّ»، فمرض وأتى بمثله يُتِمُّ ذَلِكَ له، فأبى السيِّد، فذلك على سيِّده (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ جعل صفة عتقه ببناء الدَّار الَّتِي شرطها على عبده، فمن بناها فقد عَتَقَ العبد، كالكتابة، من أدَّاها عن العبد إلى السَّيِّد عَتَقَ.
وليس للسيّد الامتناع من ذلك؛ لأنَّهُ يقصد الإضرار بالمُكَاتَبِ، فكذلك مَنْ بِنَى الدَّار له، كان العبد حرًّا، وليس لسيّده الامتناع من ذلك.
•••
[٣٠٤٨] مسألة: قال: ومن قال لعبده: «أنت حرٌّ وعليك خمسون دينارًا»، فذلك جائزٌ ثابتٌ عليه، ولا يُحَاصُّ به الغرماءَ، إلَّا أن يكون أراد به وجه الكتابة، فيكون مكاتبًا.
ولو قال العبد: «لا أقوى على ذلك» - إذا أراد وجه الكتابة -، فذلك له (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لَمَّا كان للسيّد أن يُكْرِه عبده على الكتابة، فكذلك له أن يُعْتِقَه على مالٍ يُلْزِمُهُ إيَّاه بعد العتق.
وقال ابن القاسم: «يكون حُرًّا ولا يلزمه المال»، وكأنَّ هذا أقيس؛ لأنَّ المال إِنَّمَا ألزمه بعد الحريَّة.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٩)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥١٩)، المدونة [٢/ ٤٣٨]، النوادر والزيادات [١٢/ ٤٥٩].
[ ٤ / ٣٦٧ ]
ولو قال: «أنت حرٌّ إن أدَّيت إليَّ خمسين دينارًا»، لزمه ذلك على قول مالكٍ وابن القاسم.
وقوله: «لا يحاصُّ الغرماء»؛ لأنَّ العتق ليس مالًا، وسبَبُ الغرماءِ أوكد، فكانوا أولى؛ لأنَّهُ قد أخذ مالهم.
وقوله: «إن أراد وجه الكتابة»، فمعناه: أَنَّهُ لا يَعْتَقُ إلَّا بالأداء.
•••
[٣٠٤٩] مسألة: قال: وإذا مرض الرَّجُلُ، فجعل لله عليه عتقًا إن صَحَّ، فصَحَّ إلَّا أنَّه يجد ضَعْفًَا، فما عَجَّلَ من ذلك فهو أفضل (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ السّرعة في فعل الخير أفضل، لا سيّما إذا كان قد أوجبه على نفسه ولزمه ذلك بمجيء الصِّفة وهي الصِّحة، وقد قال الله ﷿: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون:٦١].
•••
[٣٠٥٠] قال: ومن قال لعبده: «اعمل كذا وكذا وأنت حرٌّ»، فردَّ العبد، ثمَّ قال: «أنا أعمله»، فليس ذلك له (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا كما يدعوه إلى الكتابة فَيَكْرَهُهَا، ثمَّ يسأله بعد
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٩).
(٢) المختصر الكبير، ص (٥١٩)، النوادر والزيادات [١٢/ ٢٦٦].
[ ٤ / ٣٦٨ ]
ذلك، فليس ذلك على السيِّد، إلَّا أن يحبَّ ذلك؛ لأنَّهُ قد ترك العبدُ ما بذله له سيِّده.
•••
[٣٠٥١] قال: ومن أعتق جاريةً إلى سنين، فلا يطأْها.
وقد اختُلِفَ في تزويجها: فقيل: لا يُزَوِّجُها إلا برضاها، وقيل: ذلك له (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ يصير مُستمتِعًا بفرجٍ يخرُجُ عن ملكه بعد مُدَّةٍ آتيةٍ لا محالة بغير اختياره للخروج، فيصير بمنزلة الواطئ بنكاح المتعة، وذلك غير جائزٍ.
وكما لا يجوز وطء المُكَاتَبِةَ؛ لأنَّهُ وطءٌ إلى مدَّةٍ، فكذلك لا يجوز وطء المُعْتَقَةِ إلى أجلٍ آتٍ لا محالة.
فإن قيل: إنَّ المكاتَبَةَ لم يجز وطؤها؛ لدخول المعاوضة في ذلك، لا من أَجْلِ الأَجَلِ (^٢)؟
قيل له: لو كان كذلك، لكان إذا قال لجاريته: «إن أدَّيتِ إليَّ درهمًا أو جئتني بدرهمٍ إلى رأس الشَّهر، فأنت حرَّةٌ»، لم يجز وطؤها؛ لدخول العوض في ذلك، ووطء هذه جائزٌ مع دخول العوض.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٩)، المختصر الصغير، ص (٤٧٣)، مختصر أبي مصعب، ص (٢٥٧).
(٢) تقدَّم ذكر الاعتراض في المسألة (٨٥٧)، حيث ذكر الشارح المسألة في ذلك الموضع.
[ ٤ / ٣٦٩ ]
وقوله: «لا يزوِّجُها إلَّا برضاها»؛ فلأنَّه قد ثبت لها عقد حريَّةٍ واقعةٍ لا محالة، فلا يجوز تزويجها إلَّا برضاها، كما لا يجوز ذلك في الحرَّةِ.
ووجه قوله: «يزوِّجُها بغير رضاها»؛ فلأنَّها في أحكام الرقِّ في حدودها وشهادتها، فكذلك هي في تزويجها في حكم الرقِّ، يزوّجها بغير رضاها.
•••
[٣٠٥٢] قال: ومن قال لأمَتِهِ: «أنتِ حرَّةٌ، على أن تخدميني أشْهُرًَا»، فذلك جائزٌ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا عِتْقٌ بِصِفَةٍ، وهو خدمتها له أشْهُرًَا، فذلك جائزٌ؛ لأنَّهُ لو أعتقها إلى شهورٍ أو سنين، كان له خِدْمَتُهَا إلى ذلك، فكذلك لو أَعْتَقَهَا وشَرَطَ ذلك عليها، أعني: أنَّه يُعْتِقُهَا بعد شهورٍ من خدمتها.
•••
[٣٠٥٣] مسألة: قال: وإذا قال الرّجل لعبده: «إذا مات فلانٌ، فأنت حرٌّ»، ثمَّ مات السيّد، خَدَمَ الوَرَثَةَ حَتَّى يموت الرَّجُلُ، ثمَّ يَعْتَقَ من رأس المال (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا مُعْتَقٌ إلى أجلٍ آتٍ لا محالة، وهو موت فلانٍ، فإنَّما له فيه خدمته تلك المدَّة، فإن مات السّيِّد قبلها كان ذلك لورثته، بمنزلة مَنْ كَانَ ذلك في حياته (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥١٩)، المدونة [٢/ ٥٢٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥١٩)، المدونة [٢/ ٥٢٧].
(٣) قوله: «ذلك في حياته»، كذا في شب، وفي جه: «ذلك له في حياته».
[ ٤ / ٣٧٠ ]
فإذا مات فلانٌ، خرج العبد حرًّا من رأس مال السيّد؛ لأنَّهُ أعتقه في حال صحّته بصفةٍ قد كان يجوز وقوعها في حال حياة السيّد المُعْتِقِ.
•••
[٣٠٥٤] مسألة: قال: ومن أعتق عبده إلى سنةٍ، فمات السيِّد قبل السَّنة، كان العبد حرًّا من رأس المال عند السَّنَةِ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد أعتقه إلى أجلٍ يأتي لا محالة، وقد يجوز أن يأتي في حال حياة السيِّد، ولا يجوز للسيّد الرّجوع في عتقه، فكان خروجه من رأس المال لهذه العلَّة.
ولم يشبه ذلك المُدَبَّر؛ لأنَّ عتقه يقع بعد موت سيِّدِه، لا في حال حياته.
فأمَّا أمُّ الولد فهي من رأس المال؛ لأنَّ سببها أقوى من سبب المدبَّرِ والمُعْتَقِ إلى أجلٍ؛ لثبوت حرمتها بحرمة الولد وتعلّق ذلك بالسَّبب، فكان أمرها أوكد من أمر المُعْتَقِ إلى أجلٍ والمدبَّرِ.
•••
[٣٠٥٥] مسألة: قال: ومن قال لجاريته: «أنت حُرَّةٌ عند الصَّدْرِ»، فذلك له، يستخدمها، ثمَّ هي حرَّةٌ، ولا تُمَسُّ، ولا تُبَع، ولا يلحقها دَينٌ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الصَّدر هو شيءٌ واقعٌ لا محالة، وهو صدور النّاس
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٠)، المدونة [٢/ ٤٤٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٢٠)، النوادر والزيادات [١٢/ ٢٨٢].
[ ٤ / ٣٧١ ]
من الحجِّ، فقد أعتقها إلى أجلٍ آتٍ لا محالة؛ لأنَّهُ أراد وقت الصَّدر، كما يقول لها: «أنت حرَّةٌ عند الموسم»، فإنَّما أراد الوقت.
وقوله: «لا يبيعها»؛ فلأنَّه قد عقد فيها عقد حريّةٍ لا سبيل إلى رفعه، وهو بصفةٍ آتيةٍ لا محالة.
وقوله: «لا يلحقها دَيْنٌ»؛ فلوجوب عِتْقِهَا بمجيء الصِّفة من رأس المال، كما يجب عِتْقُ أمِّ الولد بموت سيّدها، فلم يلحقها الدَّين، فكذلك المعْتَقَةُ إلى أجلٍ، لا يلحقها الدَّين إذا كان أجلًا آتيًا لا محالة.
فأمَّا إذا كان أجلًا قد يأتي ولا يأتي، فلا عِتْقَ لها حَتَّى يأتي، ويجوز بيعها؛ لجواز أن لا يأتي الأجل، فليس أمرها إلى حريّةٍ لا محالة، كأمر المعْتَقَةِ إلى أجلٍ آتٍ لا محالةٍ أنَّ أمرها إلى حريَّةٍ لا محالة إن كانت حيَّةً عند الأجل.
•••
[٣٠٥٦] مسألة: قال: ومن قال لعبده: «إذا مات فلانٌ فأنت حرٌّ»، فله أن يأخذ من ماله ما شاء (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حكمه حكم عبدٍ ما لم يأت الأجل، فله أن يأخذ ماله، كما له أخذ مالِ أمِّ ولده ما لم يَمْرَضْ، وكذلك ما لم يُقارِب أجل العتق، فيكون أخْذُهُ حينئذٍ إِنَّمَا هو على وجه الضَّرر، وذلك غير جائزٍ.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٠)، المدونة [٢/ ٤٣٠].
[ ٤ / ٣٧٢ ]
[٣٠٥٧] مسألة: قال: ومن قال لأَمَتِهِ: «اخدمي ابنتي، فإذا ماتت، فأَنْتِ حُرَّةٌ»، فهلك السيّد، ثمَّ ماتت الأَمَةُ وتركت مالًا، فهو لورثة السيِّد (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّها في حكم الإماء حَتَّى يأتِيَ أجل العتقِ، فمالُها لِمَنْ يملكها إذا ماتت قبل الأجل الَّذِي عِتْقُهَا مُتَعَلِّقٌ بمجيئه.
•••
[٣٠٥٨] مسألة: قال: ولو قال رجلٌ لعبده: «اخدم فلانًا سَنَةً وأنت حرٌّ»، ثمَّ مات العبد قبل السَّنةِ، فالميراث للسيِّد (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ مُلكه لسيّده، فيرث ماله إذا مات بالرقِّ؛ لأنَّ المُخْدَمَ لا يملك رقبته، وإنّما يملك منفعة رقبته مدَّةً ما، وذلك بمنزلة المستأجِرِ له مدَّةً ما، ثمَّ يموت العبد، أنَّ ماله لسيِّده دون المستأجر.
•••
[٣٠٥٩] مسألة: قال: والعَتَاقَةُ تُبَدَّأُ على ما سواها من الوصايا، إذا كانت عتاقَةَ عبدٍ بعينه أوصى بِعِتْقِهِ، أو أوصى أن يُشْتَرى فيُعْتَقَ عنه.
وأمَّا من أوصى أن تُشْتَري رقَبَةٌ ليست بعينها فتُعْتَقَ عنه، فإنَّ تلك وغيرها من الوصايا سواءٌ، يتحاصُّون في ثلث الميِّت جميعًا (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٠).
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٢٠).
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٢٠)، المختصر الصغير، ص (٤٧٤)، مختصر أبي مصعب، ص (٢٥٧).
[ ٤ / ٣٧٣ ]
• إنَّما قال: «إنَّ العتاقة تُبَدَّأُ على الوصايا إذا كانت في عبدٍ بعينه»؛ لأنَّها حُرْمَةٌ تَثَبَتَ في البدن، فلها مُطَالِبٌ بعينه، فلهذا المعنى وجب تقدِمَتُها.
فأمَّا إذا لم تكن في عبدٍ بعينه، لم تبدَّأْ؛ إذ ليس ثَمَّ مُطَالِبٌ بعينه، فكانت كسائر الوصايا، يُحَاصّ بها مع الوصايا.
•••
[٣٠٦٠] مسألة: قال: ومن أوصى: «بعتق ثُلُثُ رقيقه»، فهلك بعضهم قبل القِيمَةِ، كان ثُلُثُ الباقين حُرًّا، ولم يدخل فيهم من مات.
وما هلك من المال قبل أن تُنْفَذَ الوصايا، لم يُعْتَدَّ به، وكانت الوصايا في ثلث ما بقي، كانت الوصايا تُخْرَجُ يوم هلك الميّت وقبل يهلك المال أو لا تُخْرَج، ذلك كلّه سواءٌ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إِنَّمَا يجب أن يُرَاعى ثُلُثُهم حين القيمة؛ لأنَّ ذلك حين تنفذ الوصيَّة، فأمَّا ما تلف قبل ذلك من المال فلا يُرَاعَى أمرُهُ، كما لا يُرَاعى أمر المال الَّذِي قبل الوصيَّة.
ألا ترى: أنَّه لو أفاد مالًا بعد الوصيّة عَلِمَ به، لدخل فيه العتق إذا كان ذلك في ملكه حين تنفذ الوصيَّة، فكذلك ما تلف من ملكه، لا يُرَاعَى في تنفيذ وصيَّته، لكنه يُرَاعى ما يحصل في وقت تنفيذ الوصيَّة، لا ما قبل ذلك من وقت موته أو بعد ذلك.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٠)، النوادر والزيادات [١١/ ٤٨٣].
[ ٤ / ٣٧٤ ]
[٣٠٦١] مسألة: قال: وإذا أوصى بِعِتْقِ عبده، فكان في الثّلث ما يَخْرُجُ العبدُ منه، عَتَقَ ولم يؤَخَّر بعد اجتماع المال، ولا يُعَجَّلُ قَبْلَه.
وإن مرض العبد، قُوِّمَ مريضًا، ولا تُنْتَظَرُ به الصِّحة (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لجواز أن يكون العبد أكثر من ثلث المال، فيكون قد أعتق أكثر من الثّلث، وذلك غير جائزٍ.
ولا يؤخَّرُ عِتْقُه عن جمع المال؛ لأنَّ ذلك وقت عتقه.
وكذلك إن مرض العبد لم يُؤَخَّر عتقه؛ لأنَّ مرضه لا يمنع من عتقه.
•••
[٣٠٦٢] مسألة: قال: وإذا أوصى رجلٌ لعبده بثلثه - وقد مَلَكَ مِنْ نَفْسِهِ - وهو يَعْتَقُ في رقبته إن كان في المال فضلٌ:
• فإن فَضَلَ فضْلٌ عن رقبته، أُعْطِيه.
• وإن قَصُرَ عنه، عَتَقَ منه قَدْرَ مَا وَسِعَ الثُّلُثُ.
وإن لم يترك إلَّا العبد نَفْسه، وفي يد العبد ألف دينارٍ، فلا يعتق من العبد إلَّا ثلثه، ويكون بيده على هيئته (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٠).
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٢١)، المدوَّنة [٤/ ٣٤١]، النوادر والزيادات [١١/ ٤٩٣].
[ ٤ / ٣٧٥ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لَمَّا ملَّك العبد بعض نفسه، فقد عَتَقَ بعضه، فوجب أن يُكَمَّل عتقه في ثلثه؛ لأنَّ العتق مُقَدَّمٌ على سائر الوصايا.
ولَمَّا كان الإنسان إذا ملك أباه أو ابنه عَتَقَ عليه، فكذلك إذا ملك نفسه كلَّها أو شيئًا منها عَتَقَ.
وقوله: «إن فَضَلَ الثّلث عن رقبته أُعْطِيهِ»؛ فلأنَّ السَّيِّد قد أوصى له بذلك؛ لأنَّهُ قد أوصى للعبد بثلث كلّ ما يملكه من رقبته وسائر ماله، فوجب أن يُعْطَى من الثّلث ما فضل عن رقبته.
وقوله: «إنَّ العبد لا يَعْتَقُ من المال الَّذِي في يد العبد»؛ فلأنَّه إِنَّمَا يجب عتقه في ثلث مال السيّد لا مال العبد؛ لأنَّ السيّد لا يملك مال عبده، بل ملكه لعبده حَتَّى ينتزعه سيِّده منه.
وقوله: «يكون مال العبد بيده على هيئتة»؛ فلأنَّ المعْتَقَ بعضه يكون ماله موقوفًا معه، على ما بيَّنَّاه.
•••
[٣٠٦٣] مسألة: قال: وإذا أوصى لعبده بدنانير مسمَّاةٍ، أو دابَّةٍ، أُعْطِيَ ذلك ولم يُجْعَل في رقبته (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إِنَّمَا أوصى له بشيءٍ من ماله غير رقبته، فلا يجوز أن يُغَيَّر ذلك، ولا يُعطَى غير ما أُوصِيَ له به.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢١)، النوادر والزيادات [١١/ ٤٩٥].
[ ٤ / ٣٧٦ ]
ولأنه لم يوص بعتقه فيكون ذلك في رقبته، ولا ملَّكه من رَقَبَتِه شيئًا فيُكمل باقيه في الثُّلث.
•••
[٣٠٦٤] مسألة: قال: ومن مات وعليه رقبةٌ من قتلٍ، وأوصى بها، بُدِّئَتْ في ثُلُثِهِ، وإن لم يوص، فليس ذلك على ورثته (^١).
• إِنَّمَا قالَ: «إنَّه يُبْدَأُ بها إذا أوصى بها»؛ لأنَّها شيءٌ واجبٌ عليه، فوجب تبدئتُها على غيرها مِمَّا ليس بواجبٍ.
فأمَّا إذا لم يوص بها، فليس على ورثته إخراجها؛ لجواز أن يكون هو قد أخرجها.
ولأنَّه ليس على ورثته فعل ما فرَّط فيه من حقوق الله تعالى، ولو كان ذلك عليهم، لكان عليهم أن يصلُّوا عنه ويصوموا ممَّا كان فَرَّطَ فيه.
•••
[٣٠٦٥] مسألة: قال: ومن أوصى بعتق رقيقه، فورث رقيقًا في اليمن حين أوصى، لم يعلم بهم حَتَّى مات، فلا يَعْتَقُ إلَّا من عَلِمَهُ، ولا يَعْتَقُ عليه من غاب عنه علمه (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢١)، المدونة [٤/ ٣٥١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٢١).
[ ٤ / ٣٧٧ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يقصد عِتْقَ من لم يعلم أنَّه قد مَلَكَهُ ولم يُرِدْه، فليس على الورثة أن يُعْتِقُوا من لم يُرِدِ الموصي عتقه.
•••
[٣٠٦٦] مسألة: قال: ومن أوصى بدنانير في رقبةٍ، فاشْتُرِيَتْ وأُعْتِقَت، وفضل الدِّينار أو نحوه، فيُدْفَعُ ذلك إلى مُكَاتَبٍ في عِتْقِ رقَبَتِهِ.
وإن لم توجد بما أوصى به رَقَبَةٌ، فليُعَنْ به في رَقَبَةٍ.
وآخر الوصايا وأوَّلها سواءٌ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إِنَّمَا أوصى به في رقبةٍ، فيجب أن يكون ما فضل من ثمنها في الرَّقبة.
وكذلك إن لم تُوجد - بما أوصى أن يُشْتَرَى به - رقبةٌ، جُعِلَ ذلك في ثمن رقبةٍ؛ لأنَّ الموصِي إِنَّمَا أراد العتق به دون غيره.
وقوله: «وآخر الوصايا وأوَّلها سواءٌ»، يعني: في وجوب إخراجها؛ لأنَّ كلَّها وصيّة، والوصيّة لا يجوز تغييرها، ولا ترك تنفيذها كلّها.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢١)، المدونة [٤/ ٣٢٥].
[ ٤ / ٣٧٨ ]
[٣٠٦٧] مسألة: قال: ومن أوصى أن تُشْتَرَى رَقَبَةٌ منعوتةٌ أو مُعَيَّنَةٌ بعينها، فدخل المالُ العولَ، فليس تدخل الرَّقَبَةَ، وتُبَدَّأُ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لَمَّا وَصَفَهَا ونعتها، صارت بمنزلة ما لو كانت بعينها، فوجب تقدِمَتُها على الوصايا.
•••
[٣٠٦٨] مسألة: قال: ومن أوصى بعتق غلام بَتْلًَا، وآخر بعد عشر سنين، فيُبَدَّأُ المعتق بتلًا، ثمَّ الَّذِي بعد عشر سنين بعده (^٢).
• إنَّمَا قال: «يُبْدَأُ بالمُبَتَّلِ»؛ لقوّة سببه؛ لأنَّهُ متنجَّز العتق، فوجب تقدمتُه، ثمَّ الَّذِي إلى عشر سنين؛ لأنَّ سببه أضعف من المُبَتَّلِ.
وهذا أصل قول مالكٍ، أَنَّهُ يُبَدَّأُ الأوكد في الوصايا فالأوكد، والأوجب فالأوجب، إلَّا أن يقول الموصي: «بدُّوا شيئًا ما»، فيُبَدَّأُ وإن كان غيره أوجب منه؛ لأنَّهُ لا يجوز تغيير ما أوصى به، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة:١٨١].
وهذا إذا كان ما أوصى به ليس بمعصيةٍ لله ﷿، فَأَمَّا إذا كان معصيةً، رُدَّ ولم ينفذ؛ لأنَّهُ لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الله تعالى.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢١)، البيان والتحصيل [١٣/ ٦٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٢١).
[ ٤ / ٣٧٩ ]
[٣٠٦٩] مسألة: قال: ومن أوصى أن يُبَاعَ عبْدُهُ رَقَبَةً، بُدِّئَ على الوصايا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا عتق عبدٍ بعينه، فوجب تقدمتُه على ما بيَّناه.
ومعنى قوله: «رَقَبَةً»، أي: يباع للعتق، فوجب أن يُبَدَّأَ لقوَّة سببه.
•••
[٣٠٧٠] قال: وإذا أوصى رجلٌ بعتق عبده، فمات العبد، لم يُحْسَب من الثّلث (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا مات العبد، طُرِحَ من رأس المال، كأنَّه لم يكن، ثمَّ تُخرَجُ الوصايا من ثلث ما بقي من ماله.
•••
[٣٠٧١] مسألة: قال: وإذا هلك الرّجل وترك دُورًَا، وأوصى بِعِتْقٍ، والعبيد يسألون العَتَاقَةَ، فأرى أن يُعْتَقُوا ولا يُؤَخَّرُوا حَتَّى يَبِيعُوا الدُّور (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عتق هؤلاء العبيد واقعٌ في الأغلب إذا كانوا يخرجون من الثّلث وكان مال الميّت مأمونًا لا يُخَافُ تلفه، كالعقار والأرضين، فلا وجه لتأخير عتقهم.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٢)، النوادر والزيادات [١١/ ٥٠٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٢٢).
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٢٢)، النوادر والزيادات [١١/ ٤٠٥].
[ ٤ / ٣٨٠ ]
وقد قال مالكٌ: «إنَّهم لا يعتقون حَتَّى يُبَاع العقار ويحصَّل المال»؛ لجواز أن يتلف المال قبل بيعه، وهذا القول أولى.
•••
[٣٠٧٢] مسألة: قال: ومن قال في وصيِّته: «فُلانٌ حُرٌّ، وكاتِبُوا فلانًا»، فإنَّ العتاقة تُبَدَّأُ، فإن فضل شيءٌ، خُيِّرَ الورَثَةُ:
• بين إمضاء المكاتَبَةِ.
• وبين أن يُجْعَل ما حمل الثّلث فيه عتاقَةٌ بتلًا (^١).
• إنَّما قال: «يُبْدَأ بالعتاقة إذا كانت بتلًا»؛ لقوَّة سببها؛ لأنَّها واقعةٌ في الحال، ثمَّ الكتابة بعدها.
فإن كاتبوا العبد كما أوصى به الميِّت، وإلَّا جعلوا بقيَّة الثّلث في العبد الَّذِي أوصى بكتابته، يَعْتَقُ منه بقدر ما بقي من الثّلث بتلًا؛ لأنَّ سيِّده إِنَّمَا أراد عِتْقَهُ مِمَّا أوصى بكتابته.
•••
[٣٠٧٣] مسألة: قال: ومن أوصى بعتق مُكَاتَبٍ، وبعتق عبدٍ له لا كتابة فيه، فإنَّهم يتحاصّون (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٢)، الموطأ [٥/ ١١٨١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٢٢).
[ ٤ / ٣٨١ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قوَّة سببهم واحدٌ؛ لأنَّها حريَّةٌ متنجَّزةٌ، فوجب أن يتحاصّوا في الثّلث جميعًا.
•••
[٣٠٧٤] مسألة: قال: وإذا أوصى رجلٌ: «بعتق ثُلُثِ عَبْدِهِ»، وعليه عشرة دنانير دينٌ، فَإِنَّهُ يُبَاع العبدُ في الدَّينِ، ولا يكون له عِتْقٌ حَتَّى يُقْضَى الدَّينُ؛ لأنَّهُ ربَّما كانت القيمة خمسة عشر، فإذا دخله عتقٌ لم يبلغ الثُّلثان عشرةً، فيُبَاع في الدَّين، فإن بِيعَ كلّه، ثمَّ يُعْتَقُ ثُلُثُ الفَضْلِ (^١).
• قد ذكر مالكٌ العلَّة في ذلك، لأنَّ الدَّينَ أولى من العتق، فيجب أن يُبَاع من العبد بقدر الدَّينِ؛ لأنَّه مقدَّمٌ في الوصيّة على العتق وغيره، ثمَّ يُعْتَقُ منه ثلث ما بقي، ويكون ثُلُثَاه للورثة.
•••
[٣٠٧٥] مسألة: قال: ومن أوصى: «بعتق عبده»، وترك ما لا يُشَكُّ فيه من كثرة المال وأمنه، فَإِنَّهُ حُرٌّ حين مات الموصي، وإن مات قبل أن يُقَام، ورثه ورثته من الأحرار، وإن لم يكن مأمونًا فلا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المال إذا كان مأمونًا، فقد عُلِمَ أنَّ العبد يَعْتَقُ لا
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٢).
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٢٢).
[ ٤ / ٣٨٢ ]
محالة، فلا معنى لحبسه عن الحريَّة، وأحكامه أحكام الحرِّ، يرث ويورث؛ لأنَّهُ حرٌّ في الأغلب، إذ هو خارجٌ من الثُّلُثِ.
وقد قال مالكٌ: «إنَّه لا يَعْتَقُ حَتَّى يُقام في الثُّلث»؛ لجواز أن يتلف المال، وليس هو حرًّا لا محالة إذ كان تَلَفُ المال قد يجوز، ولا يجوز إيقاع الحريَّة في الثّلث حَتَّى يأخذ الورثة أيضًا الثّلثين، وكلا القولين له وجهٌ، وهذا أصحّ.
•••
[٣٠٧٦] مسألة: قال: وإذا أوصى الرّجل: «بعتق عبدٍ»، أو: «أوصى به لِرَجُلٍ»، قُوِّمَ قِيمَةً، ولم يُرفع في المُزَايَدَةِ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ ليس عليه أن يبيعه في المزايدة، فإن فعل ذلك جاز إذا رأى فيه حظًّا وصلاحًا.
•••
[٣٠٧٧] مسألة: قال: ومن أوصى: «بثُلُثِه في رَقَبَةٍ»، فتُشْتَرَى به كلّه، ولا يُبَقَّى منه شيءٌ لكسوة الرَّقبة (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إِنَّمَا أوصى به في عتقٍ، وليست الكسوة عتقًا، ولا يجوز تغيير ما أوصى به.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٢)، النوادر والزيادات [١١/ ٤٧٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٢٣).
[ ٤ / ٣٨٣ ]
[٣٠٧٨] مسألة: قال: ومن أعتق عبدًَا في وصيّته، ولعبده مالٌ، فَإِنَّهُ يَعْتَقُ ثلثه ويُتْرَكُ ماله وقفًا بيده، ولا يؤخذ من ذلك المال شيءٌ للورثة ليَتِمَّ عتقه، بمنزلة عبدٍ أُعْتِقَ وفي يده ألف دينارٍ، فيَعْتَقُ ثلثه وتُتْرَك الألف في يده، يأكل ويكتسى بالمعروف (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الموصي إِنَّمَا أوصى أن يُعْتَق عبدُهُ من ماله دون مال عبده، فلم يجز أن يُضَافَ مال العبد إلى ماله فيعتق العبد منه، بل وجب أن يعتق عبده في ثلث ماله.
ويترك مال العبد في يده، لا يجوز للورثة انتزاعه، بمنزلة العبد بين الشَّريكين، لا يجوز لأحدهما انتزاع ماله؛ لأنَّهُ لا يملكه مُفْرَدًَا حَتَّى يتَّقفا على شيءٍ ما.
وقد قال مالكٌ: «إنَّه يُضَاف مال العبد إلى مال سيِّده فيعتقه».
ووجه هذا: أنَّ للسَّيِّد في مال عبده حقًّا؛ لأنَّ له أن ينتزعه، فوجب أن يعتق العبد في كلّ مالٍ فيه حقٌّ للسيِّد، من ماله ومال عبده، حَتَّى تتمَّ حريَّته، وفي ذلك حظٌّ للعبد أيضًا.
وأحسب هذا رأي ابن القاسم أيضًا.
•••
[٣٠٧٩] مسألة: قال: ومن ابتاع رَقَبَةً فأعتقها عمَّن أوصى إليه، ثمَّ لَحِقَ الرَّقَبَةَ عولٌ، فيمضي العِتْقُ، ويكون على الَّذِي اشترى وأعتق العَوْلُ (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٣)، الموطأ [٤/ ١١١٧]، النوادر والزيادات [١١/ ٤٧٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٢٣)، البيان والتحصيل [١٣/ ٧٦].
[ ٤ / ٣٨٤ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ كان يجب عليه أن يَتَثَبَّتَ ويَنْظُرَ ولا يعتق أكثر مِمَّا يخصّ العتق، فإذا تعمَّد ذلك أو أخطأ، لزمه ما زاد على حصّة العتق؛ لأنَّ في ذلك إتلاف مال الموصَى لهم، فوجب عليه غرم ذلك لهم.
•••
[٣٠٨٠] مسألة: قال: ومن أوصى: «بِعِتْقِ عَبْدٍ بينه وبين رجلٍ»، فأراد العبد أن يُخْرِجَ تَمَامَ ما بقي وَيَعْتَقَ، فليس ذلك له، إلَّا أن يشاء (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ ليس يلزم ذلك سيّده الَّذِي بقي له فيه بعدُ الرِّقّ، إلَّا أن يحبّ ذلك؛ لأنَّهُ لم يُعتِق هو منه شيئًا، وإنّما أعتق غيره.
ولأن المعْتِقَ له أيضًا لم يُعْتِق أكثر مِمَّا أوصى بعتقه.
•••
[٣٠٨١] مسألة: قال: ومن أعتق في وصيَّتِهِ رقيقًا في أيَّامٍ مفتَرِقَةٍ، فكلُّهم سواءٌ، إلَّا أن يكون أعتق أحدًَا منهم في مرضه بَتْلًَا، وآخر بعد الموت، فإنَّه يُبَدَّأُ المبَتَّلُ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أعتقهم في وصيّته فلا فضيلة لأحدهم على
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٣).
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٢٣)، النوادر والزيادات [١١/ ٣٩٥].
[ ٤ / ٣٨٥ ]
الآخر ولا سَبَبَ قوَّةٍ، فكلُّهم سواءٌ، فوجب أن يَستووا في العتق، لا يُقَدَّم أحدهم على الآخر.
إذا بَتَّلَ (^١) عِتْقَ أحدهم وآخر بعده، بُدئَ بالأوّل؛ لأنَّهُ ليس يجوز أن يَرْفَعَ عتقًا قد أوقعه أو يَنْقُضه.
ولأنَّه قد قدَّم عتقه أيضًا على غيره.
•••
[٣٠٨٢] مسألة: قال: ومن أوصى: «أنَّ غلامًا له حرٌّ، وأنَّ نصف غلامٍ له آخر حُرٌّ ويُكَاتَبُ النِّصف الآخر، فإن عجز عن كتابته، أُعْتِقَتْ فُلَانَةٌ جاريته»، فيُمْضَى ذلك له، وتُؤخَّر الجارية، ويُضْرَبُ للمكاتَبِ أجَلٌ، ويُكَاتَبُ بقيمة عدلٍ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الموصي كذلك أوصى، فوجب أن ينفذ ذلك على ما أوصى به.
•••
[٣٠٨٣] مسألة: قال: ومن أوصى برقَبَةٍ، لم يُنْظَر إلى ثمنه عند أهله، ولكن يُقَوِّمُهُ أهل الرِّضا قيمة عَدْلٍ على نحو حاله، ولا ينبغي أن يَكْتُمَ مُحْتَرَفُهُ عند قيمته؛ خوفًا من ارتفاع ثمنه (^٣).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ أصحاب العبد قد يجوز أن يزيدوا في ثمنه؛ لميلهم
_________________
(١) قوله: «إذا بَتَّلَ»، كذا في شب، وفي جه: «وإذا بَتَّلَ».
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٢٣).
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٢٣).
[ ٤ / ٣٨٦ ]
إليه؛ ولأنَّه موافقٌ لهم، فلا يُنْظَرُ إلى ذلك منهم، ولكن يُقَوَّمُ قيمة عدلٍ في ثلثه، ثمَّ يعتق.
وكذلك إن أوصى بأن يُشترى فيُعْتَق، نُظِرَ إلى قيمته، فإن باعوه وإلا زيد على ذلك مثل ثُلُثِهَا، فإن لم يبيعوه، لم يكن على الورثة أكثر من ذلك.
•••
[٣٠٨٤] مسألة: قال: ومن قال في مرضه، وسُئِلَ عن غلامٍ له ليُعْتِقَهُ، فقال: «قد كنت أعتَقْتُهُ»:
(فلا يكون له عتقٌ في رأس ماله؛ لأنَّهُ لا بَيِّنَة له.
(ولا في ثلثه؛ لأنَّهُ لم يُرْدِ أن يجعله فيه، إلَّا أن يقول: «أنفِذُوهُ»، فيكون ذلك في ثلثه.
وقد قيل: إنَّه يَعْتَقُ في الثّلث، والأوَّل أحبّ إلينا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قوله في مرضه: «قد كنت أعتقته في الصّحة»، غير مقبولٍ منه؛ لأنَّهُ يريد إخراجه من كلّ ماله في حال مرضه، فبطل ما قاله.
ولم يكن أيضًا في الثّلث؛ لأنَّهُ لم يوص به، ولا يُخْرَج في الثّلث إلا ما أمر بإخراجه فيه.
ووجه القول الآخر: هو أنَّه قد ألزم نفسه حريّته بإقراره بها، فوجب إخراجه من ثُلُثه؛ لأنَّهُ لو كان صحيحًا لكان ذلك في ماله كلّه، وحكم المريض في ثلثه
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٣)، البيان والتحصيل [١٣/ ١١٣].
[ ٤ / ٣٨٧ ]
كحكم الصَّحيح في ماله، فلهذه العلَّة وجب عتقه عليه في ثلثه وإن لم يقل: «أنفذوه»، وهذا القول كأنَّه أصحُّ.
•••
[٣٠٨٥] مسألة: قال: ومن أوصى في جاريةٍ له أن تُخَيَّرَ: «فإن شاءت بِيعت، وإن شاءت أُعْتِقَتْ»، فيُعْتِقُهَا بعض من وَرِثَهَا، فليس عِتْقُهُ بشيءٍ، فإن اختارت البيع بِيعَتْ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المُوصِي قد جعل الخيار إلى الجارية في ذلك، وذلك جائزٌ له إذا كانت ثُلُثَ ماله، فلا يجوز لأحدٍ أن يُبْطِلَ لها الخيار؛ لأنَّ في إبطالِ ذلك إبطالُ الوصيَّة، وذلك غير جائزٍ.
فلذلك قال: «إنَّ عِتْقَ وارثها ليس بشيءٍ»؛ لأنَّهُ خلاف ما أوصى به الموصِي.
ولا يجوز أيضًا عتق الوارث لها عن نفسه؛ لأنَّهُ لا يملكها، فكان لها الخيار على ما أوصى سَيِّدُهَا.
•••
[٣٠٨٦] مسألة: قال: ومن أوصى: «في جَارِيَةٍ له أن تُبَاعَ رَقَبَةً»، فأحبَّت البيعَ على العِتْقِ:
• إن كانت رائعةً، بيعت بغير شرطٍ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٤)، البيان والتحصيل [١٢/ ٤٤٧].
[ ٤ / ٣٨٨ ]
• وإن كانت خادمًا بمرِّ السّنين، بيعت رقبةً (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لجواز أن يكون قال: «إن أحبَّت ذلك»، فيخيّرها فيه.
ويجوز أن يكون إذا كان عِتْقُهَا ضررًَا عليها، لم تُبَعْ بشرط العتق.
•••
[٣٠٨٧] مسألة: قال: ومن أوصى: «لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ في وَصِيَّتِهِ»، فَمَالُهُ لمن أوصى له به، وهو مخالفٌ للصَّدَقَةِ، والهبة، وهو بالعتق أشبه (^٢).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الوصيّة يراد بها في الأغلب القربة إلى الله ﷿، فوجب أن يَتْبَعَ العبدَ مالُهُ، كما يتبعه في العتق؛ لأنَّ العتق قربةٌ إلى الله تعالى.
وليس كذلك الهبة والصّدقة في حال حياة الإنسان؛ لأنَّه قد يجوز أن يكون ذلك لسببٍ غير القربة، كاتخاذ يَدٍ عنده، أو مكافأةٍ على يدٍ.
وقد قال مالكٌ فيمن أوصى لرجلٍ بعبدٍ أو وَهَبَهَ له أو تصدَّق به عليه: «فماله للموصِي والواهب والمتصدِّقِ»، بمنزلة البيع، وليس بمنزلة العتق.
وهذا أصحُّ؛ لأنَّ العتق خروجٌ من حال الرّقِّ إلى حال الحريَّة الَّتِي لا تُجَوِّزُ لأحدٍ ماله، فوجب أن يتبعه ماله.
فأمَّا إذا كان خروجه إلى رِقٍّ، فماله للَّذي كان له، وذلك بمنزلة البيع؛ لأنَّهُ خروجٌ من ملكٍ إلى ملكٍ، وقد قال النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ بَاعَ عَبْدًَا، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إِلَّا
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٤)، النوادر والزيادات [١١/ ٥١٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٢٤)، البيان والتحصيل [١٢/ ٤٦٢].
[ ٤ / ٣٨٩ ]
أَنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ» (^١)، رواه الزُّهريُّ، عن سالمٍ، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ، وقال: «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًَا، تَبِعَهُ مَالُهُ»، رواه اللّيث بن سعدٍ، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن بكير بن الأشجِّ، عن ابن عمر (^٢)، عن النَّبيِّ ﷺ (^٣).
•••
[٣٠٨٨] مسألة: قال: ومن أوصى في أَمَةٍ له: «أن تُعْتَقَ إِنْ وسعها ثُلُثِي»، فلم تخرُجْ:
• فإن كان الَّذِي بَقِيَ شيئًا له بالٌ، لم تُعْتَقْ.
• وإن كان يسيرًَا، لم أر أن تُمْنَعَ من العتقِ (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ اليسير، مثل: الدِّينار أو نحوه، لا يجِبُ منعُهَا من الحريَّة من أجله، فوجب عتقها، وتُتْبَعُ في ذمَّتِها بما بقي عليها من زيادة الثُّلث؛ لأنَّ في ذلك تنفيذ الوصيَّة، وحصول حريَّتها من غير ضررٍ على الورثة؛ لأنَّهم يتبعونها في ذمَّتِها بما زاد على الثُّلُثِ.
•••
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٠٣٩.
(٢) قوله: «عن بكير بن الأشجِّ، عن ابن عمر»، كذا في شب، وفي جه: «عن بكير بن الأشجِّ، عن نافع، عن ابن عمر»، وهو الصواب.
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٠٢٦.
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٢٤)، المدونة [٤/ ١٢٣]، البيان والتحصيل [١٢/ ٤٣٧].
[ ٤ / ٣٩٠ ]
[٣٠٨٩] مسألة: قال: ومن أوصى: «أن تُشْتَرى رقَبَةٌ (^١)»، فقيل له: «جاريةُ فلانٍ لها فضلٌ»، قال: «اشتروها»، فاشتُرِيت بعشرين، ثمَّ مات، قال: هي من الثُّلث (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كلام الموصِي إِنَّمَا خرج على عتقٍ يقع في الثّلث، فوجب أن يكون من الثُّلث.
•••
[٣٠٩٠] مسألة: قال: ومن أوصى: «بعِتْقِ رَقِيقِهِ»، أُعْتِقُوا ولم يُعْتَقْ رقِيقُهُم، وأُقِرُّوا مماليك في أيديهم (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ رقيق عبيده ليسوا بملكٍ للسيِّد فيجب عتقهم، وإنّما أوصى بعتق عبيده دون عبيد عبيده، فوجب عِتْقُ عبيده دون غيرهم.
•••
[٣٠٩١] مسألة: قال: ومن أوصى: «بدينٍ لوارثٍ أو غيره»، فأُبْطِلَ (^٤) بعض ذلك، عَتَقَ العبد وإن لم يتمَّ إلَّا به (^٥).
_________________
(١) في النوادر والزيادات [١١/ ٥١٢]: من كتاب ابن المواز: "قال مالك: ومن أوصي بعتق رقبةٍ بستّة عشر دينارًا، فقيل له:".
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٢٤)، النوادر والزيادات [١١/ ٥١٢].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٢٤)، البيان والتحصيل [١٢/ ٤٧٢].
(٤) قوله: «فأُبطِلَ»، كذا في شب، وفي جه: «وبعتق عبده له فأُبطِلَ».
(٥) المختصر الكبير، ص (٥٢٤)، البيان والتحصيل [١٢/ ٤٢٦].
[ ٤ / ٣٩١ ]
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ ذلك مالٌ له قد عَلِمَهُ، فوقع العتق فيه، - أعني: ما بطل من الوصيّة بالدَّين للوارث أو غيره مِمَّنْ لا تجوز الوصيّة له -.
وقد قال مالكٌ: إنَّ المدَبَّرَ يدخل فيما عَلِمَ من ماله وفيما لم يَعْلَمْ، فيجب أن يكون العتق مثله، لتأكيد حرمته وقوَّة سببه.
•••
[٣٠٩٢] (^١) مسألة: قال: وإذا أوصى بوصيَّةٍ لوارثٍ أو غير وارثٍ، عَتَقَ العَبْدُ ولم تضرّه الوصايا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لقوَّة حرمة الحريَّة ووجوب تقدِمَتِها على غيرها من الوصايا.
وهذا إذا كان عِتْقُ عبدٍ بعينه يملكه، أو أوصى بشراء عبدٍ بعينه، فَأَمَّا إذا لم يكن، فهو وسائر الوصايا سواءٌ.
•••
[٣٠٩٣] مسألة: قال: ومن أوصى لعبده: «بعشرة دنانير من ثمنه»، فليس ذلك عتقًا فيه (^٣).
_________________
(١) هذه المسألة تتمّة للمسألة السابقة، كما في البيان والتحصيل [١٢/ ٤٢٦]
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٢٤)، البيان والتحصيل [١٢/ ٤٢٦].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٢٥)، البيان والتحصيل [١٢/ ٤٥١].
[ ٤ / ٣٩٢ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يُمَلِّكِ العبدَ من نفسه شيئًا يجب عتقه به، وإنّما مَلَّكَهُ دنانير أوصى له بها، فوجب دفعها إليه.
•••
[٣٠٩٤] مسألة: قال: ومن أوصى من هؤلاء الملوك في جَوَارِ له: «أن يُعْتَقْنَ إلى سبعين سنَةً»، فذلك ضررٌ، ولا تَنْفُذُ وصيَّته، ويَنْظُرُ في ذلك الإمامُ: فإمَّا باعَ، وإمّا أعتق (^١).
• قد ذكر مالكٌ العلَّة في ذلك وقال: «لأنه ضررٌ»، وقد قال النَّبيُّ ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضِرَارَ».
رواه مالكٌ، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ (^٢).
وقد وصله عن أبي سعيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ، غير مالكٍ (^٣).
فوجب رفع الضَّرر عنهنَّ؛ لأنَّ الموصي إذا أوصى بمعصيةٍ لم تَنْفُذْ وصيَّته؛ إذ لا طاعة لأحدٍ في معصية الله تعالى.
•••
[٣٠٩٥] مسألة: قال: ومن أوصى: «بعتق رقبَةٍ»، بدنانير مُسَمَّاةٍ، فوُجِدَ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٥)، النوادر والزيادات [١١/ ٣٤٨].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٦٧٥.
(٣) أخرجه الدارقطني في السنن [٤/ ٥١]، من طريق الدراوردي، عن عمرو بن يحيى به مرفوعًا من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ٤ / ٣٩٣ ]
رقَبَةٌ، فأبى أهلها أن يبيعوها بذلك، فأعطتهم الجارية دنانير نَقَدَتهم إيَّاهم على أن يبيعوها، فلا بأس بذلك، وإنّما يكره أن تَكْتبها عليها (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهم إذا أعطتهم الدَّنانير نقدًا، فكأنهم انتزعوا مالها وباعوها، وذلك جائزٌ، وإذا كتبوا دينًا عليها، فلا يجوز؛ لأنَّ في ذلك ضررًا على المشتري، ولم يأذن في ذلك.
•••
[٣٠٩٦] مسألة: قال: ومن أوصى: «أنَّ كلَّ عبدٍ لي مسلم حرٌّ»، وله عبيدٌ مسلمون ونصارى يوم أوصى، فأسلم قبل أن يموت بعض رقيقه، فلا يَعْتَقُ منهم إلَّا من كان مسلمًا يوم أوصى.
وكذلك لو قال: «إن متُّ في سفري هذا، فكلّ مملوكٍ لي مسلم حرٌّ» (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يقصد إلَّا عتق من كان مسلمًا في وقت الوصيّة عند مرضه أو سفره، فلا يعتق غيره مِمَّنْ أسلم بعد ذلك؛ لأنَّهُ لم يُرِدْ عتقه.
•••
[٣٠٩٧] مسألة: قال: ومن أوصى: «بعِتْقِ رَقَبَةٍ»، ولم يُسَمِّ ثمنًا، وأوصى بوصايا، فَإِنَّهُ يُنْظَر إلى مال الميّت:
• فإن كان واسعًا، رُفِعَ في قيمة الرَّقبة.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٥)، المدونة [٢/ ٣٢٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٢٥)، المدونة [٤/ ٣٢٨].
[ ٤ / ٣٩٤ ]
• وإن لم يكن واسعًا، جُعِلَت من قدر المال، ثمَّ يحاصُّ بها أهلُ الوصايا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا إِنَّمَا هو قدر قلَّةِ المال وكثرته، يجتهد في ذلك الوصيُّ على حسب ما يرى، إذ لا يُقْدَرُ فيه على أكثر من ذلك.
•••
[٣٠٩٨] مسألة: قال: ومن أوصى: «أن يباع غلامه مِمَّنْ أحبّ»، ولم يترك مالًا يكون في ثُلُثِه، فإمَّا باعوا، وإِمّا أعتقوا ثلثه بَتْلًَا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ سيَّد العبد أراد بوصيَّته ببيعه مِمَّنْ أحبَّ إدخال المنفعة على العبد، فإمَّا باعه الورثة مِمَّنْ أحبّ، وإمّا أعتقوا ثلثه، لا بد لهم من أحد الأمرين؛ لأنَّهُ لا بدَّ من تنفيذ الوصيَّة، إمَّا على ما أوصى به المُوصِي، أو جَعْلِ ذلك في الثّلث إن كان فيها تعدٍّ أو حملٌ على الورثة، وقد بيَّنَّا هذا فيما تقدَّم (^٣).
•••
[٣٠٩٩] مسألة: قال: ومن قال: «اشتروا هذا الغلامَ بما قام فأعْتِقُوه في ثُلُثِي»، فامتنع القوم إلَّا بالثُّلث، فلا يُزَادُوا على: القيمة وثُلُثِ قيمة العبد، فإن باعوا، وإلَّا لم يكن عليهم غير ذلك.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٥)، الجامع لابن يونس [١٩/ ٦٧٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٢٥)، الجامع لابن يونس [١٩/ ٦٨٣].
(٣) ينظر: المسألة [١٩٠٨].
[ ٤ / ٣٩٥ ]
ولا يُعْجَلُ في ذلك، فعسى أن تطيب أنفُسُهم، أو يموت فيملك العبْدَ غيرُهُ.
وليُنْظَر على قدر ما يُرى في الاجتهاد، فإذا بلغ ذلك، فليس على الوارث أن يبتاع رقبةً بقضاءٍ من السّلطان، فإن طاب نفسًا بذلك فهو أفضل (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا إِنَّمَا أراد شراءه، والنَّاس لا يشترون الشَّيء إلَّا بمثل ثمنه أو أزيد منه قليلًا، وذلك بزيادة الثّلث من ثمنه، هذا هو الغالب من حال النَّاس.
فإن لم يبيعوا (^٢) به، فليس على الورثة غير ذلك؛ لأنَّهُ لم يُرِد عتقه إلَّا بأن يُشْتَرى بثمن مثله وزِيَادَةٍ تشبه الزِّيادة في مثله على المعروف، لا على الشَّطط والحمل على الورثة، فليس على الورثة أكثر من ذلك.
•••
[٣١٠٠] مسألة: قال: ولو قال: «بِيعُوا غلامي مِمَّنْ أحبَّ»، فَأَحَبَّ رجلًا، فقال: «لا آخذه إلَّا بعشرةٍ»، قيل للورثة: «بيعوه، وضعوا له ثلث الثَّمن»، فليس عليهم أكثر من ذلك (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إِنَّمَا أراد بيعه بما يباع مثله، وذلك بثمنه، أو أقل
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٥)، النوادر والزيادات [١١/ ٥١٢].
(٢) قوله: «يبيعوا»، يعني من يملك العبد.
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٢٦)، المدونة [٤/ ٣٢٥].
[ ٤ / ٣٩٦ ]
منه بمقدار ثلث ثَمَنِه (^١)، فإذا طلب بأقلَّ من ذلك، فليس ذلك على الوارث؛ لأنَّ الموصي لم يرد ذلك.
•••
[٣١٠١] مسألة: قال: وإذا أوصى: «أن يُشْتَرَى عبدٌ لبعض ورثته فيُعْتَقُ عنه»:
(فقد قيل: إنَّ الوارث والأجنبيَّ سواءٌ.
(وقيل: إذا أبى أن يبيعه بقيمته، لم يُزَدْ كما يُزَاد في الأجنبيّ (^٢)، وهذا أحبّ إلينا (^٣).
• إنَّما قال: «إنَّ الوارث والأجنبيَّ سواءٌ»؛ لأنَّهُ أراد إيصال المنفعة إلى العبد الموصي بعتقه، ولم يرد بذلك إيصال المنفعة إلى الوارث، فلا فرق في ذلك بين الوارث والأجنبيّ؛ لأنَّهُ لم يكن قصده في هذا الوصيّة للوارث.
ووجه القول الآخر - أنَّه لا يُزَادُ -: لأنَّ في ذلك وصيّةً لوارثٍ، ولا تجوز
_________________
(١) قوله: «ثلث ثمنه»، لأن الثّلث هو ضابط اليسير عند المالكية، كما ذكره الشارح في عدد من المواضع.
(٢) قوله: «الأجنبي»، هو المذكور في المسألة السابقة، وأنه يزاد في قيمة العبد بمقدار الثلث، فهذه المسألة في الوارث، وما قبلها في الأجنبي.
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٢٦)، النوادر والزيادات [١١/ ٥١٣].
[ ٤ / ٣٩٧ ]
الوصيّة للوارث، إلَّا أن يجيز الورثة، ولم يُرِدْ بهذا العبدَ، وإنّما أراد المنفعة لوارثه مع عتق العبد، وهذا القول كأنَّه أولى، والله أعلم.
•••
[٣١٠٢] مسألة: قال: ومن أوصى: «أن يُباع عَبْدُهُ مِمَّنْ يُعْتِقُهُ»، فَإِنَّهُ يوضَعُ ثُلُثُ ثمنه، فإن لم يوجد من يشتريه إلَّا بالنِّصف، فلا يُوضع إلَّا الثُّلُث.
وقد قيل: يباع بما أُعْطِيَ، ويُجْعَلُ في ثلث الميِّتِ، والأوَّل أعجب إلينا (^١).
• إنَّما قال: «إنَّه لا يباع بحطيطةٍ أكثر من ثُلُثِ ثمنه»؛ فلأنَّه إِنَّمَا أوصى ببيعه على ما يتعارفه النّاس من بيوعهم، وليس يَعْرِفُون في بيوعهم حطيطةً أكثر من هذا، ولم يُرِدْ إخراجه عن ملكه على غير وجه البيع.
ووجه القول الآخر: أنَّه إِنَّمَا أراد بالوصيّة أيضًا (^٢) المنفعة للعبد بعتقه، فإمَّا باعوه بما جاء من الثَّمَن، وإلا أَعْتَقُوه من ثلثه، بالغًا ما بلغ ثلثه، وكأنَّ وجه القول الأوّل أبيَنُ.
•••
[٣١٠٣] مسألة: قال: ومن قال: «بيعوا عبدي مِمَّنْ أحبَّ»، فقال: «أحِبُّ فلانًا»، فباعوه منه بثمنٍ هو قيمة العبد، ولم يُعْلِمُوه ما أوصى به الميَّت، فطلب ذلك، فلا شيء له (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٦)، المدونة [٤/ ٣٢٥]، النوادر والزيادات [١٢/ ٥١١].
(٢) قوله: «أيضًا»، كذا رسمها في شب، وفي جه: «إيصال».
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٢٦)، البيان والتحصيل [١٣/ ٦١].
[ ٤ / ٣٩٨ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يوصِ للمبتاع للعبد بشيءٍ، وإنّما قصد بالوصيّة العبدَ، فإذا اشتراه بثمنِ مثلِهِ، فقد وصل العبد إلى ما أُرِيدَ به من المنفعة، ولا شيء للمبتاع في الوصيَّة.
•••
[٣١٠٤] مسألة: قال: ومن أوصى في عبدٍ له: «أن يُبَاع مِمَّنْ يُعْتِقُهُ، ولا يُخْرَجُ من ثُلُثِهِ»، قال: فيُخَيَّرُ الورثةُ في ثلثه:
(بوضَعُ ثلث ثمن رقبته.
(وفي أن يَقْطَعُوا بثلث مال الميِّتِ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا بدَّ من تنفيذ وصيّة الميِّتِ، إمَّا بما أَوْصَى بِهِ، أو إخراجِ الثّلث فيما أوصى به إن كان ما أوصى به فيه حيفٌ على الو [رثة]، وقد بيَّنَّا هذا فيما تقدَّم (^٢).
•••
[٣١٠٥] مسألة: قال: ومن أخدم عبدًَا رَجُلًَا سنيـ[ـن] ثمَّ هو حرٌّ، ثمَّ مات المُخْدَمُ، فَإِنَّهُ يَخْدِمُ ورثته بقيَّتَها، ثمَّ يَعْتَقُ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٦)، المدونة [٤/ ٣٢٥].
(٢) ينظر: المسألة [١٩٠٨].
[ ٤ / ٣٩٩ ]
وإن مات الخادم وترك مالًا، رجع إلى ورثة الموصِي (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المُخْدَمَ قد ملك خدمة العبد السِّنين الَّتِي أخدمها، فإذا مات، ورث ذلك ورثته عنه؛ لأنَّهم قد ملكوا عنه ما كان يملكه من منافع المال والخدمة.
ومال العبد المخدَمِ إذا مات قبل تَقَضّي الخدمة لورثة الموصي؛ لأنَّهُ مات عبدًا، فيورَثُ بالرقِّ؛ لأنَّ أحكامه أحكام العبد حَتَّى تنقضي سنوات الخدمة، بمنزلة العبد المعتق إلى أجلٍ، إِنَّمَا يَعْتقُ بمجيء الأجل لا ما قبله.
•••
[٣١٠٦] مسألة: قال: وإذا أوصى رجلٌ لرجلٍ: «بخدمَةِ عبدٍ حياتَهُ، فإذا مات، رجع العبد إلى ورثته»، خُيّرَ الورثَةُ إذا لم يكن له مالٌ غيره، فإن أجازُوا، وإلا أعطَوهُ ثلث العبد بَتْلًَا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ كلَّ من أوصى بما ليس له، خُيِّرَ ورثته بين إجازة ذلك، أو قطع ثُلُثِهِ وجعل الوصيّة فيه (^٣)، وهذا الموصي لم يكن له أن يوصي بخدمة العبد حياته؛ لأنَّه أكثر من حصَّة الثّلث، فوجب ردُّ ذلك إلى الثّلث إن لم يُجِزْهُ الورثَةُ، فكان ثلث العبد مُلْكًَا للموصَى له بالخدمة.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٦)، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٢٦).
(٣) ينظر: المسألة [١٩٠٨].
[ ٤ / ٤٠٠ ]
[٣١٠٧] مسألة: قال: ومن أوصى في عبدٍ - ليس له عبدٌ غَيْره -: «أن يخدم وارثًا من ورثته سنين، ثمَّ هو حرٌّ»، فعليه أن يخدم إلى تلك السنين، ثمَّ يَعْتق، وإن أجاز الورثة للوارث الخدمة، فهو جائزٌ، وإن أبوا، فهي بينهم على كتاب الله ﷿ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ إِنَّمَا أعتقه بعد مدَّة الخدمة، فلا يَعْتقُ قبلها.
والخدمة فهي بين جميع الورثة إن لم يجيزوها للوارث الَّذِي أوصَى له الميِّتُ؛ لأنَّ الوصيّة للوارث لا تجوز إلَّا بإذن الورثة، ولم يَجُزْ رَدُّ عِتْقِه الَّذِي قد أوصى به الميِّت.
•••
[٣١٠٨] مسألة: قال: وإذا أوصى رجلٌ: «بثلُـ[ـثِ ما] لِهِ لرجلٍ، وبغلامٍ يخدم رجلًا ما عاش، ثمَّ هو حرٌّ»، فكان العبد هو الثُّلث، بُدِئَ بالعبد، ثمَّ نُظِرَ إلى الخدمة فتحاصّ فيها جميعًا، الَّذِي أوصى له بثلثه، والذي أوصى له بهذا، قُوِّمَ له من خدمته أو إجارته إن كانت له إجارة.
فإذا مات الَّذِي له خِدْمَةُ العبد ما عاش، عَتَقَ العبدُ (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٦).
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٢٧)، الموطأ [٤/ ١١٠٨].
[ ٤ / ٤٠١ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عقد الحريّة قد ثبت لهذا العبد، لا يجوز ردُّها، فيجب أن يعتق بعد تَقَضِّي خدمته للمُخْدَمِ.
فلمَّا أوصى مع عتقه بوصايا، لم تكن له غير هذه الخدمة؛ لأنَّهُ لا سبيل له إلى أخذ أكثر من ثلث ماله بغير إذن الورثة.
فاجتَمع الموصَى له بالخدمة والموصى له بالثُّلثِ في الخدمة، لكلِّ واحدٍ بقدر ما أوصى له، تُقَوَّمُ الخدمة، ثمَّ يُنْظَرُ كم مقدارها من ثُلثه، فيجتمعان في الخدمة بحسب ذلك.
فإذا مات الَّذِي أوصِيَ له بالخدمة، عتق العبد؛ لأنَّ الَّذِي كان يحبسه عن الحريَّة الخدمة.
ولم يكن للموصى له بالثُّلُثِ شيءٌ؛ لأنَّ العتق أولى من سائر الوصايا، - إذا كان عِتْقُ عبدٍ بعينه -، لقوَّة سببه ووكود حرمته.
•••
[٣١٠٩] مسألة: قال: ومن أوصى فقال: «جاريتي تَحْضِنُ فلانًا ابني إلى أجلٍ، ثمَّ هي حرَّةٌ»، فمات الصَّبِيُّ، فإنَّها حرَّةٌ حين مات (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الَّذِي كان يحبسها عن الحريَّة حضانة الصَّبيِّ فإذا مات، صارت حرَّةً.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٧)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥١].
[ ٤ / ٤٠٢ ]
وهذا إذا لم تكن الجارية من جواري الخدمة، وإنّما هي للحضانة، وقد قال مالكٌ هذا في غير هذا الموضع (^١).
فأمَّا إذا كانت من جواري الخدمة، خَدَمَتْ ورثة الميِّت إلى تَقَضِّي مدَّة الحضانة، ثمَّ تكون حُرَّةً؛ لأنَّها كذلك أُعْتِقَتْ.
•••
[٣١١٠] مسألة: قال: ومن أخدم رَجُلًا عبده حياته، ثمَّ هو حرٌّ، فأعتقه الَّذي له الخدمة، فإنَّ عتقه جائزٌ، وإن أعتقه السيِّد لم يَجُزْ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عِتْقَ مَنْ لَهُ الخدمة ليس فيه إبطال حقّ غيره، وإنّما هو ترك ما كان له من الخدمة الَّتِي كانت تحبسه عن الحريَّة.
وعتق سيّده فيه إبطال حقّ المُخْدَمِ، وذلك غير جائزٍ، إلَّا أن يُجيز ذلك الَّذِي له الخدمة فيجوز؛ لأنَّهُ قد ترك حقَّه من الخدمة.
•••
[٣١١١] مسألة: قال: ومن قال له: «اخدمني سَنَةً وأنت حرٌّ»، فأَبَقَ أو مَرِضَ حَتَّى مضى الأجل، فهو حرٌّ، ولا قضاء عليه في ذلك (^٣).
_________________
(١) ينظر: المسألة [٣١١٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٢٧)، النوادر والزيادات [١٣/ ٤٨].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٢٧)، المدونة [٢/ ٥٢٨].
[ ٤ / ٤٠٣ ]
• إنَّمَا قال: «إنه يَعْتقُ»؛ لأنَّهُ قد علَّق عتقه بمجيء السَّنة، فإذا جاءت السَّنة، عَتَقَ، وسواءٌ كان آبقًا أو مريضًا؛ لأنَّ صفة العتق قد أتت، فوقع العتق لها.
•••
[٣١١٢] مسألة: قال: ومن أوصى: «أنَّ جاريته تخدم ابنه، ثمَّ هي حرَّةٌ، فإن لم تخرج، فثلثي يُحَجُّ به»، فإنَّ الخدمة بين الورثة حَتَّى يبلغ وتَعْتَقَ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا قصد الإضرار بالورثة ولم يقصد القربة في وصيَّته بالحجِّ، فوجب أن تكون خدمة الجارية حَتَّى يَبْلُغَ بين جميع الورثة، ثمَّ تَعْتِقُ؛ لأنَّ الوصيّة بعتقها لا يجوز ردُّها، وخدمتها للوارث لا تجوز إلَّا بأمر الورثة، فكانت بينهم على كتاب الله ﷿.
•••
[٣١١٣] مسألة: قال: ومن قال لجاريته في حياته أو موته: «أَرْضِعِي هذا الصَّبي سنتين وأنت حُرَّةٌ»، فمات الصَّبي قبل السَّنتين، فذلك يختلف:
(أمَّا الجارية الَّتِي للخدمة والامتهان، فلا تَعْتَقُ حَتَّى تمضي السَّنتان.
(وأمَّا الَّتِي ليست للخدمة، فلا تُسْتَعمل ولا تُمْتَهَن، وتَعْتَقُ مكانها؛ لأنَّهُ لم يُرِدْ منها غير الحضانة.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٧)، النوادر والزيادات [١١/ ٣٥١]، الجامع لابن يونس [١٩/ ٨٧٩]، البيان والتحصيل [١٢/ ٤٧٤].
[ ٤ / ٤٠٤ ]
وكذلك الَّذِي يوصي في الجارية بحضانة ولده، ثمَّ هي حُرَّةٌ، ثمَّ يموت الولد عن إِثْرِهِ، فإن كانت من جواري المهنة، وَرِثَ ما بقي من خدمتها وَرَثَةُ الموصِي، ولا يرثه وَرَثَةُ الموصى له (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا قلنا: إنَّه إِنَّمَا قصد عتقها بعد الأجل، فلا تعتق قبل ذلك إذا كانت من الجواري الَّتِي فيها الخدمة.
وتكون خدمتها بين ورثته على كتاب الله تعالى على ما بيَّنَّاه، إلَّا أن يُجِيزوا ذلك لابنه.
فأمَّا إذا كانت لغير خدمةٍ، وإنّما هي للحضانة والرَّضاع، فإنَّهَا تعتق بعد موت ابنه؛ لأنَّهُ لم يُرِدْ منها خدمة ولده، فكذلك لا تَخْدِمُ وَرَثَتَهُ.
وقوله: «إنَّ خدمتها، يرثها ورثة الموصِي»؛ فلأنَّهم قد مَلَكُوا ذلك عن الموصِي.
ولا يملكها ورثة الموصى له؛ لأنَّ الموصي إِنَّمَا جعل ذلك له، ولو مات في حال حياة الأب، لرجع ذلك إلى أبيه، فكذلك يرجع إلى ورثته لا إلى ورثة الابن.
•••
[٣١١٤] مسألة: قال: ومن أوصى: «أن تُشتَرى له رقبَةٌ بثلاثين دينارًَا»، فسام الوصِيُّ بغلامٍ، وأبى سيِّده إلَّا أربعين، فقال أخٌ له: «بِعْهُ، ولك عَلَيَّ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٧)، النوادر والزيادات [١٣/ ٥٢].
[ ٤ / ٤٠٥ ]
عشرة دنانير»، ولم يعلم بذلك الوصِيُّ، فباعه وأعتقه، ثمَّ عَلِمَ بذلك، فله في ذلك مُتَكَلَّمٌ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ قد شاركه في العتق وفي ثوابه، ولم يدخل المشتري على ذلك، فله في ذلك كلامٌ بأن يقول: «أنا إِنَّمَا أردت أن أنفرد بالثَّواب في العتق للَّذِي أوصاني به».
•••
[٣١١٥] مسألة: قال: وإذا [أَعْطَى] (^٢) المملوكُ رجلًا مالًا على أن يشتريه من سيِّده ويُعتِقُهُ، فاشتراه بذلك المال وأعتقه، فالعتق ماضٍ، والمال الَّذِي اشتراه به لسيِّد العبد؛ لأنَّهُ مال عبده، ويتْبَعُهُ بثمنه يأخذه منه إن كان عنده شيءٌ.
وإن لم يكن عنده شيءٌ، لم يكن له عِتْقٌ، ورجع العبد إلى سيِّده.
وإن لم يكن أعتقه، رجع العبد إلى سيِّده إذا كان معسرًَا، إلَّا أن يكون عنده ثمنه (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في مال العبد لسيّده حقًّا، فما دفعه إلى من اشتراه به فهو لسيّده؛ لأنَّهُ ماله، ويكون على المشتري ثمنه ثانيةً بدل عبده الَّذِي اشتراه، وينفذ عتقه -؛ لأنَّهُ أعتق ما قد ملكه بالشراء -، إن كان موسرًَا.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٧)، البيان والتحصيل [١٢/ ٤٦٧].
(٢) ما بين [..]، مشار إليها بعلامة إلحاق في شب، ولكن الحاشية مطموسة، وهي مثبتة في جه.
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٢٨)، النوادر والزيادات [١٢/ ٤٦٠].
[ ٤ / ٤٠٦ ]
فإن لم يكن موسرًَا لم يجز عتقه؛ لأنَّ عِتْقَ مَنْ عليه دينٌ غير جائزٍ إلَّا بإذن من له الدَّينُ.
ولأنَّ البائع له إِنَّمَا باعه بالنَّقد، فإذا لم ينقده المشتري الثمن، لم يجز عتقه؛ لأنَّ البائع إِنَّمَا أخرج ما له من العبد على أن يأخذ بدله في الحال - وهو الثَّمن -، فإذا لم يكن ذلك عند المشتري لعُسرِهِ، لم يجز عتقه، ورجع عبدًا للبائع، إلَّا أن يرضى البائع بعتقه إيَّاه ويتْبَعُهُ بثمنه في ذمَّته، فيجوز ذلك؛ لأنَّ البائع ترك حقه.
•••
[٣١١٦] مسألة: قال: ومن أَعْطَى بعبدٍ أربعين ليُعتِقه، فأبى سيِّدُه إلَّا خمسين، فقال العبد: «لا تحرمني، وخذ منه أربعين، واكتب عليَّ عشرة دنانير في كلّ شهر»، - يعني: دينارًَا -، وذلك بِعِلْمِ المشتري، فذلك جائزٌ، والعتق ماضٍ، والولاء للمشتري (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا عَلِمَ ذلك المشتري، فقد رضِيَ أن يكون على عبده دينٌ، فيلزمه ذلك، كما يأذن له في التِّجارة فيلزَمُهُ الَّذي يستدينه.
وإن كان بغير علم المشتري، لم يلزم العبد ذلك، كما لو استدان العبد بغير إذن سيّده، أنَّ ذلك لا يلزمه، وللسيِّد أن يُبْطِل ذلك عنه.
•••
[٣١١٧] مسألة: قال: وإِن أَعْطَى بالعبد أربعين، فأبى السيِّد إلَّا خمسين،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٨)، البيان والتحصيل [١٤/ ٤٣٠].
[ ٤ / ٤٠٧ ]
فقال العبد للسيِّد: «أنا أُشْهِدُ لك عليَّ بعشرةٍ»، ولم يعلم المشتري، ففعل فأَشْهَدَ عليه، ثمَّ باعه، فأُعْتِقَ، فليس ذلك بجائزٍ، ولا شيء له على العبد (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز للبائع أن يُلْزِمَ ذِمَّةَ العبد الَّذِي باعه دينًا بغير إذن المشتري، فإذا فعل ذلك، لم يَلْزَمْ ذِمَّةَ العبد ذلك، ولم يكن له أن يتبعه في دينه وإن أُعْتِقَ، كالعبد إذا استدان بغير إذن سيِّده، لم يلزمه ذلك في ذمَّته إذا أُعْتِقَ إذا أبطل السَّيِّد عنه.
وكذلك المحجور عليه إذا استدان بغير إذن وليِّه، لم يلزمه الدَّين إذا صَلُحَتْ حاله وزال الحجر عنه (^٢).
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٢٨)، وقد تقدمت هذه المسألة في [٣٠٢٦].
(٢) جاء بعد هذا الموضع في جه، وفي منتصف الصفحة: «كتاب الفرائض»، وما بعده من مسائل الفرائض، بينما في شب، وفي منتصف الصفحة: كتاب الجامع، وما بعده من المسائل، مما يبين الاختلاف بين النسخ في ترتيب الكتاب، وقد تقدَّم الكلام على هذا في المقدمة.
[ ٤ / ٤٠٨ ]
﷽