[١٢٩٤] قال: ومن وجد آبِقًَا، فليس له عليه إلّا ما أنفق وحَمْلُهُ.
(فإن خاف عِظَمَ النفقة فأرسله، فهو ضامنٌ له.
(وإن أَبِقَ منه، فلا ضمان عليه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه في أخذه له فَعَلَ ما يجوز له أن يفعل، وكذلك نفقته عليه وحمْلُهُ، فعلى صاحب العبد أن يعطيه ذلك؛ لأنّه لا يجوز له تضييع ماله وإتلافه، فإذا حفَظِهُ عليه غيره فعليه بدل ما حفظ عليه به.
وهذا إذا كان الذي أخذه ليس ممن يطلب الجعل في أَخْذِه، فإن كان ممن يطلب الجُعْلَ على أخذه كان له ذلك؛ لِمَا قلناه: إنَّ كلّ من فعل شيئًا حفظ به مال غيره، مما لو كان صاحب المال حاضرًا كان عليه فعله، فعلى صاحب المال دفع ذلك إليه؛ لأنّه لو امتنع من حفظ ماله وأراد تضييعه لمُنِع من ذلك وحُجِر عليه، وكان بهذا الفعل سفيهًا، وقد قال الله ﷿: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:٥]، أي: أموالهم، وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧٦)، المدونة [٤/ ٤٦١]، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٨٥].
(٢) كما في حديث كاتب المغيرة بن شعبة ﵁ قال: «كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: أن اكتب إليَّ بشيءٍ سمعته من النبيِّ ﷺ، فكتب إليه: سمعت النبيَّ ﷺ يقول: إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال». متفق عليه: البخاري (١٤٧٧)، مسلم [٢/ ٩٥]، وهو في التحفة [٨/ ٤٩٦].
[ ٢ / ٤٢٩ ]
ألا ترى: أنَّ رجلًا لو أَقَادَ مِنْ قاتل وليه دون الإمام، لَمَا كان عليه قَوَدٌ ولا حَدٌّ؛ لأنّه فعل ما على الإمام فعله إذا طالبه بذلك، فكذلك الذي يأخذ العبد الآبق له أجرته إن كان ممن يطلب مثله الأجرة، وَإِلّا نفقته وحمله.
فإن أرسله خوف النفقة ضمن قيمته؛ لأنّه قد تعدى بإرساله بعد أن أَخَذَه؛ لأنَّ حفظه على صاحبه قد لزمه، كما لو أخذ لقطةً ليحفظها، ثمّ ردَّها إلى موضعها، لزمته قيمتها لصاحبها؛ لأنّه قد ضيَّع على صاحبها ما قد لزمه من حفظها له.
فإن أَبِقَ منه فلا شيء عليه إذا لم يفرط في حفظه؛ لأنّه غير متعدٍّ ولا مضيعٍ، فهو بمنزلة ما لو مات في يده.
•••
[١٢٩٥] مسألة: قال: ومن جعل في آبِقٍ دينارًا لمن جاء به، ثمّ بدا له فرجع عن ذلك، فليس ذلك له (^١).
• إنّما قال ذلك، إذا كان قد خرج المجعول له في طلب العبد وسافر لذلك، فليس له أن يرجع عنه ويُبْطِل عمل المجعول له.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧٦).
[ ٢ / ٤٣٠ ]
وإن كان قبل أن يخرج في طلبه، كان ذلك له؛ لأنَّ الجُعْلَ ليس بعقدٍ لازمٍ كالإجارة، وإنما يجري مجرى الوكالة والمضاربة.
•••
[١٢٩٦] مسألة: قال: ويُحْبَس الآبق، فإن لم يأت له طالبٌ بيع إذا خيف أن يموت ضياعًا (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ في بيعه صلاحًا للسيد؛ إذ في ذلك حفظ ماله إذا خيف تلفه، وصلاحًا للعبد أيضًا؛ ليزول عنه الضرر الذي يلحقه من عدم النفقة وغير ذلك.
•••
[١٢٩٧] قال: وقد قيل: إنَّ الإمام يُخَلِّي سَبِيلَهُ ولا يتركه يموت (^٢).
• يعني: يتركه حتى يرجع إلى سيده؛ لأنَّ رجوعه إلى سيده أو أخذ سيده له إن لم يرجع إليه أصلح لسيده من تركه حتى يموت جوعًا وضرًا.
ووجه القول الأول أوضح، أن لا يتركه حتى يأتي سيده، أو يبيعه ويحفظ ثمنه على سيده.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧٦)، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٨٤].
(٢) هذه المسألة ساقطة من المطبوع، وينظر: النوادر والزيادات [١٠/ ٤٨٤].
[ ٢ / ٤٣١ ]
[١٢٩٨] مسألة: قال: ومن جعل في آبِقٍ جُعْلًَا إن وجده، فإن لم يجده فله طعامه وكسوته، فلا يجوز ذلك (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الجعل هاهنا يصير مجهولًا وغررًا؛ لأنَّ المجعول له لا يدري أيُّ الجعلين يحصل له، الذي جُعِل له لمجيء العبد، أو الطعام أو الكسوة إن لم يجده، وذلك غير جائزٍ.
ولأنَّ أخذه الطعام ولا الكسوة (^٢) إن لم يأت به غير جائزٍ؛ لأنَّ ذلك إنّما يستحق بمجيء العبد، كما يستحق الجعل بمجيئه، أعني: غير الطعام والكسوة.
•••
[١٢٩٩] مسألة: قال: ومن جاء بآبقٍ وكان ممن يخرج بطلب الإباق، فله الجعل في ذلك على وجه الاجتهاد، وإن لم يكن يطلب الإباق، فله نفقته (^٣).
• قد ذكرنا وجه قولهِ: «إنَّ الجُعل (^٤) إذا كان ممن يُعرف بطلب الإباق»؛ من قِبَل أنَّه فعل ما على سيِّد العبد فعله، وما يجب على الإمام فعله إذا لم يحضر
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧٦)، البيان والتحصيل [٨/ ٤٢٧].
(٢) قوله: «ولا الكسوة»، كذا في شب، ولعلها: «والكسوة»، كما هي عبارة المختصر، والله أعلم.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٧٦).
(٤) قوله: «إنَّ الجُعل»، كذا في شب، ولعلها: «إنَّ له الجُعل»، أو «إنَّ الجُعل له».
[ ٢ / ٤٣٢ ]
صاحبه، أعني: حفظ أموال النّاس عليهم بأجرةٍ وغير أجرةٍ؛ لأنهم لا يجوز لهم تضييعها، ومتى فعلوا ذلك، خرجوا إلى حدِّ السفه ووجب الحجر عليهم.
وإن لم يكن يُعرف بطلب الإباق، كانت له نفقته دون الأجرة على ما ذكرناه.
•••
[١٣٠٠] مسألة: قال: ووجه ما يحبس فيه الآبق سنة (^١).
• إنّما قال ذلك، قياسًا على حفظ اللقطة على صاحبها؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه جعل حدَّ حفظها على صاحبها سنةً، ثمّ قال بعد السنة: «شَأْنُكَ بِهَا» (^٢)، أي: في جواز التصرف، من بيعها عليه، أو نفقتها وغرم ذلك له إذا جاء، أو التصدُّق بها وتخييره إذا جاء من الأجر والغرم، فكذلك الآبق يحبسه سنةً يحفظه على صاحبه، ثمّ يجوز له بيعه وحفظ ثمنه على صاحبه.
•••
[١٣٠١] قال: ومن وجد آبقًا فكان لمن يعرفه، فليأخذه.
وإن كان لمن لا يعرفه، فلا يأخذه ولا يقربه (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا كان لمن يعرفه، حَفِظَه على صاحبه وأداه إليه
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧٦)، المدونة [٤/ ٤٦٤]، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٨٤]، البيان والتحصيل [١٥/ ٣٦٨].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١٢٩٣.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٧٦)، المدونة [٤/ ٤٦٤].
[ ٢ / ٤٣٣ ]
من غير ضررٍ يلحق سيِّده في ذلك ولا العبد أيضًا، فوجب أخذه وحفظه على صاحبه.
فإذا كان لمن لا يعرفه كُرِه له أخذه؛ لأنّه لا يعرف مَنْ صاحبه فيحفظه عليه.
ولأنَّ العبد يلحقه ضررٌ بحبسه، وكذلك سيِّده يلحقه ضررٌ بتأخُّر عبده عنه، وقد يجوز أن يأخذه من يعرف سيِّده.
وليس كذلك اللقطة؛ لأنّها لا تزول من موضعٍ إلى موضعٍ، ويُخاف عليها الهلاك.
وقد قال مالكٌ: «إنه لا بأس بأخذه الآبق»» (^١)، وهذا هو القياس، سواءٌ كان لمن يعرفه أو لا يعرفه، كما يأخذ اللقطة، عَرَفَ صاحبها أو لم يعرفه؛ لأنَّ في أخذه حفظ مال غيره، وذلك من فعل الخير الذي قد أُمِر به الناس.
•••
[١٣٠٢] مسألة: قال: ومن جعل جُعلًا (^٢) في آبقٍ، ثمّ طلب نفقته مع الجعلِ، فليس له إلّا الجعل.
(ولو خلَّى سبيله بعد أن أخذه لعذرٍ: خاف أنْ يضربه أو يقتله، فلا شيء عليه.
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) في البيان والتحصيل [٨/ ٤١٧]: «جعل لرجلٍ جعلًا».
[ ٢ / ٤٣٤ ]
(وإن كان إنّما أرسله لشدة النفقة، فهو ضامنٌ (^١).
• إنّما قال: «إنه لا نفقة له مع الجعل»؛ لأنَّ الجعل إنّما يأخذه لِمَا يلزمه من المؤنة والتعب بمجيء العبد، فليس له النفقة مع الجعل.
وله النفقة دون الجعل إذا كان ليس ممن يطلب مثله الجعل على ما ذكرناه.
فأمّا إذا أرسله بعذرٍ، مثل خوفه من قتل الآبق له، أو ضربه أو إضراره به، فلا شيء عليه؛ لأنّه غير متعدٍّ بإرساله.
وإن كان أرسله لغير عذرٍ من خوفٍ على نفسه، مثل خوف النفقة عليه، فهو ضامنٌ؛ من قِبَلِ أنّه كان ينبغي له أن يرفعه إلى الإمام لينفق عليه، وليس يمكنه رفعه إليه مع خوفه على نفسه، فكان معذورًا بإرساله.
•••
[١٣٠٣] مسألة: قال: ومن أتى به أصحاب الإباق وقد سرق، فقطعه السّلطان:
(فإن كان جَعَلَ فيه جُعلًا، فهو لازمٌ له.
(وإن كان لم يجعل فيه جُعلًا وكان له بالعبد حاجةٌ، أعطاهم جعلهم وأخذه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧٦)، وقد حكى ابن أبي زيد هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في النوادر [١٠/ ٤٨٥]، وينظر: البيان والتحصيل [٨/ ٤١٧].
[ ٢ / ٤٣٥ ]
(وإن لم تكن له به حاجةٌ، فليس عليه (^١).
• إنّما قال: «إنَّ الجعل يلزمه إذا كان قد جَعَل له»؛ لأنّه قد ألزم نفسه ذلك، وليس له صنعٌ في سرقة العبد.
فأمّا إذا لم يجعل جُعلًا، فالخيار إلى سيده، فإن شاء أعطاه جُعلَ مثله وكان له العبد، وإن شاء أسلمه له؛ لأنَّه يقول: «لم آمرك بالمجيء به، وإنما اخترتَ ذلك، فليس عليَّ جُعْلَك».
وذلك بمنزلة العبد إذا جنى، أنَّ جنايته في رقبته، فإن شاء سيده أسلمه، وإن شاء افتكه بأرش الجناية.
وكذلك جُعْلُ العبد في رقبته إذا لم يأمره السيِّد بالمجيء به، فإن شاء أخذه ودفع إليه الجعل، وإن شاء تركه.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧٦).
[ ٢ / ٤٣٦ ]