[١٢٤٣] قال: ومن استعار دابَّةً ولم يتعدَّ عليها، فلا ضمان عليه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المستعير:
ليس متعدِّيًا بالقبض كالغاصب فيلزمه ما تلف في يديه من غير صنعه.
ولا هو مثل المستقرض الذي قبض ليرد مثله بدلًا مما قبضه.
وإنما قبض العارية لينتفع بها، ثمّ يرد عينها إن بقيت، وإن تلفت، فلا ضمان عليه إذا لم يكن تلفها بسببه.
فإن قيل: قد قال النبيُّ ﷺ: «العَارِيَّةُ مَضْمُونَةٌ وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ» (^٢) (^٣)؟
قيل له: معنى قوله صلى الله عليه «العَارِيَّةُ مَضْمُونَةٌ»: أي: ضمان الردِّ؛ لأنَّ صفوان الجمحي قال له: «أَغَصْبٌ أَمْ عَارِيَةٌ يَا مُحَمَّدُ؟، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ»، أي: مؤدّاةٌ؛ لأنَّ صفوان ظنَّ أنَّ النبيَّ ﷺ لا يردُّ عليه ما استعاره (^٤).
وقد رَوَى إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم الخولاني (^٥)، قال:
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٦٩)، المختصر الصغير، ص (٦٤٧).
(٢) أخرجه أبو داود [٤/ ٢٠٢]، وهو في التحفة [٤/ ١٨٩].
(٣) ينظر الاعتراض في: العدة شرح العمدة، ص (٢٩٥).
(٤) نقل التلمساني هذا الشرح عن الأبهري في شرح التفريع [٩/ ١١٢].
(٥) شرحبيل بن مسلم بن حامد الخولاني الشامي، صدوق فيه لِينٌ، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٤٣٤).
[ ٢ / ٣٨٤ ]
سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع: «العَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ» (^١).
ورَوَى عبدة (^٢)، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبيِّ ﷺ قال: «عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» (^٣).
ومعنى قوله: «مُؤَدَّاةٌ»، كقول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، فإذا تلفت الأمانة لم يكن على المؤتمن شيءٌ، فكذلك العارية إذا عُلِم أَنَّهَا قد تلفت؛ لأنّه لم يأخذها على الضمان، ولا هو متعدٍّ بالأخذ.
ورَوَى وكيع، عن علي بن صالح (^٤)، عن عبد الأعلى، عن محمد بن الحنفية، عن علي ﵇ قال: «العَارِيَةُ لَيْسَ بِبَيْعٍ وَلَا مَضْمُونَةً، إِنَّمَا هُوَ مَعْرُوفٌ، إِلَّا أَنْ يُخَالِفَ فَيُضَمَّنَ» (^٥).
_________________
(١) أخرجه أبو داود [٤/ ٢٠٣]، والترمذي [٢/ ٥٤٤]، وابن ماجه [٣/ ٤٧٧]، والنسائي في الكبرى [٥/ ٢٣٢]، وهو في التحفة [٤/ ١٦٩].
(٢) عبدة بن سليمان الكلابي الكوفي، ثقة ثبت، من صغار الثامنة. تقريب التهذيب، ص (٦٣٥).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة [١٠/ ٦٢٠]، وأبو داود [٤/ ٢٠٢]، والترمذي [٢/ ٥٤٤]، وابن ماجه [٣/ ٤٧٩] وهو في التحفة [٤/ ٦٦].
(٤) علي بن صالح بن صالح بن حي الهمداني، أبو محمد الكوفي أخو حسن، ثقة عابد، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (٦٩٨).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة [١٠/ ٦١٧]، وعبد الرزاق [٨/ ١٧٩].
[ ٢ / ٣٨٥ ]
وهذا قول جماعة من التابعين، منهم: شريح، وإبراهيم، والحسن.
•••
[١٢٤٤] قال: ويضمن العارية كلها، ما ضاع أو انكسر من الحلي أو الثياب، ولا يضمن الحيوان إلّا ما تعدَّى به، وكذلك الرهون.
ومن نزل به أمرٌ من الله جَلَّ وَعَزَّ ببيِّنةٍ تقوم بعذره، لم يفرِّط ولم يضيِّع، فلا ضمان عليه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المستعير ليس قبضه العارية على وجه الأمانة مفردةً، بل قبَضَهَا لمنفعة نفسه، فإذا عُلِم هلاكها من غير صنعه لم يكن عليه شيءٌ.
وإذا لم يعلم ذلك، ضمن قيمتها؛ لأنّه غير مُصَدَّقٍ على التلف، وإنما يُصَدَّقُ على تلف الشّيء مَنْ قَبَضَ الشيءَ لمنفعة ربِّه، كالمودع، دون غيره من المستعير والمرتهن (^٢).
فأمّا إذا تلفت بتعدِّيه عليها لزمه قيمتها؛ لجنايته عليها، بمنزلة ما لو تعدَّى عليها وهي في يد ربها، فعليه قيمتها.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٦٩)، المختصر الصغير، ص (٦٤٧)، المدونة [٤/ ٤٤٨]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١١١].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١١٣]، هذا الشرح عن الأبهري.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
[١٢٤٥] مسألة: قال: ومن أعار رجلًا دابَّةً إلى أجلٍ، فليس له أخذها إلى ذلك الأجل (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه قد ألزم نفسه فعل خيرٍ ومعروفٍ وأوجبه في ماله لغيره، فليس له أن يرجع فيه، كما لو أوجب شيئًا من ماله هديًا أو أضحيةً أو على وجه النذر، لم يكن له أن يرجع فيه، وقد قال الله ﷿: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١].
وقد رَوَى محمد بن المنكدر (^٢)، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ قال: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» (^٣)، فليس يجوز الرجوع في الصدقة (^٤).
•••
[١٢٤٦] مسألة: قال: ومن أعار رجلًا نحاسًا - طستًا (^٥) أو مهراسًا (^٦) أو
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٦٩)، موطأ ابن وهب، القضاء في البيوع، ص (٧٣)، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١١٦].
(٢) محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير التيمي المدني، ثقة فاضل، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٨٩٩).
(٣) أخرجه البخاري (٦٠٢١)، وهو في التحفة [٢/ ٣٧٥].
(٤) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١١٦]، شرح المسألة عن الأبهري.
(٥) قوله: «طستًا»، الطست: كلمة أعجمية، جمعها طسوت، إِنَاء كَبِير مستدير من نُحَاسٍ أَو نَحوه، يغسل فِيهِ. ينظر: المعجم الوسيط [٢/ ٥٥٧]، تاج العروس [٥/ ٥].
(٦) قوله: «مهراسًا»، المهراس حجر منقور، مستطيل، ثقيل، يُدَقُّ فيه الحب، ويُتوضأ منه، وقد استعير للخشبة التي يدق فيها الحب، فقيل لها مهراس. ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٥٠٢).
[ ٢ / ٣٨٧ ]
غير ذلك من المتاع - حياته، فذلك له، وليس له فيه رجعةٌ، وشراؤه منه جائزٌ إن شاء (^١).
• إنّما قال: «إنَّه لا يرجع فيه»؛ لِمَا ذكرناه: أنّه قد ألزم نفسه فعل خيرٍ في ماله لغيره، فليس له أن يرجع عنه؛ لأنَّ فعل المعروف صدقةٌ، كما قال رسول الله ﷺ.
وقوله: «يشتريه منه»، فإنما يريد أن يعطي المعير للمعار شيئًا على أن يخلي بينه وبين العارية، وذلك جائزٌ، كما يجوز ذلك في العَرِيَّةِ (^٢) أن يشتريها المُعْرِي يخرصها ثمرًا؛ لأنَّ فعله يحمل على غير وجه المتاجرة، فكذلك المعير، إنّما أراد رجوع الشّيء إليه، لا وجه المتاجرة في شراء منفعة العارية.
•••
[١٢٤٧] مسألة: قال: ومن استعار دابَّةً إلى مكانٍ فتعدَّى (^٣)، فصاحبها بالخيار:
(بين أن يُضَمِّنَه إياها يوم تعدَّى بقيمتها.
(وبين أن يكون له الكراء في التعدِّي (^٤).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٦٩).
(٢) قوله: «العَرِيَّة»، العرية هي أن يجعل الرّجل ثمر نخلته لرجلٍ محتاجٍ بأكل ثمرتها سنة أو سنتين أو أكثر من ذلك. ينظر: شرح غريب ألفاظ المدونة، ص (٩٦)، المغرب للمطرزي، ص (٣١٣).
(٣) في المدونة [٤/ ٤٤٨]: «فتعدَّى فتلفت الدّابّة».
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٦٩)، الموطأ [٤/ ١٠٦٠]، المدونة [٤/ ٤٤٨]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٢٢٨ و٩/ ١٢٠].
[ ٢ / ٣٨٨ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المتعدَّى عليه قد جُعِل مخيرًا، أعني: المجني عليه، أو ولي المقتول، بين القود والعفو، أو أخذ أرش الجناية إذا بُذلت له؛ لأنَّ المجني عليه مظلومٌ والجاني ظالمٌ، وقد قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى:٤٢]، فجعل المجني عليه مخيرًا على الجاني؛ لئلا يعود الجاني لمثل فعله، وليرتدع غيره بذلك، فكان ربُّ الدابة مخيرًا بين كراء الدّابة من حيث تعدَّى، وبين أخذ قيمتها منه (^١).
•••
[١٢٤٨] مسألة: قال: ومن استعار دابَّةً أو عبدًا، فضلت أو أبق، فهو مصدَّقٌ وعليه اليمين.
وإن ادَّعى أنَّه مات وله جيران لا يعلم بذلك أحدٌ منهم ولا غيرهم، فلا يصدَّق، إلّا أن يدَّعي إباقًا أو انفلاتًا فيعذر بذلك، إلّا أن يأتي ما يدل على كذبه.
وقد قيل: إنَّه لا شيء عليه، إلّا أن يأتي ما يدلُّ على كذبه (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ إِبَاقَ العبد وضلاله، وانفلات الدابَّة وضلالها، ليس هو مما يقدر المستعير على إظهار ذلك في الناس؛ لأنّه يحدث من غير علمه ولا
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٢٢٩ و٩/ ١٢١]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٦٩)، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٢٣].
[ ٢ / ٣٨٩ ]
معرفته بذلك، فكان القول قوله مع يمينه على ما يذكر من ذلك؛ لأنا لا نعرف كذبه فيما يقول.
فأمّا إذا ذكر موت ذلك، لم يقبل قوله إلّا أن يأتي بمن يعرف ذلك؛ لأنَّ موت العبد والدابَّة ليس يخفى ذلك على غيره من الجيران ومن يقرب منه، ليس هو ينفرد به، ويقدر أيضًا على إظهاره وإعلام جيرانه بذلك، فمتى لم يفعل ذلك، فقد فرَّط وقصَّر، فلم يُقبل قوله (^١).
•••
[١٢٤٩] مسألة: قال: ومن استعار دابَّةً إلى بلدٍ فاختلفا، فقال المعير: «غير ذلك البلد»، فالقول قول المستعير إذا كان يشبه ما قال (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المستعير قد وجب له ركوب الدابة بحصول العارية له وقبضِه لها، فكان أقوى سببًا، وكان القول قوله مع يمينه.
ولأنَّ المعير يريد إبطال ما قد وجب للمستعير من العارية، فلا يقبل ذلك منه، إلّا أن يأتي المستعير من ذلك بما لا يعرفه النّاس، ولم تجر عادتهم به في
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٢٥]، شرح المسألة عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٦٩)، المدونة [٤/ ٤٤٧ و٤٥٠]، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٦٢]، البيان والتحصيل [١٥/ ٣١٥].
[ ٢ / ٣٩٠ ]
العارية، فلا يقبل قوله لخروجه عن عرف الناس، كما لا يقبل قول من يدَّعي خلاف عرف النّاس في النقد والسير والحمولة وأشباه ذلك.
•••
[١٢٥٠] مسألة: قال: ومن استعار دابَّةً أربعة أميالٍ، فتعدى عليها إلى بريدين (^١)، فجاء بها على أحسن ما كانت عليه، فليس عليه شيءٌ إلّا كراء ما ركب (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا المقدار الذي تعدَّى إليه يسيرٌ، فليس عليه قيمتها إذا سلمت الدابة فيه ولم تتغيَّر، ولو وجب أن تكون عليه القيمة في هذا المقدار، لوجب ذلك في الميل ونحوه.
وله الكراء؛ لأنّه زاد في ركوبها على ما أذِنَ له صاحبها، فله كراء ذلك.
وقد قال مالك: «إنَّ له قيمة الدابة - إن شاء - من حين تعدَّى عليها، أو كراء ما تعدَّى عليها، وإن هي لم تتغيَّر في سَوْقٍ ولا بَدَنٍ» (^٣).
_________________
(١) قوله: «بريدين»، هي مثنى البريد، وهي المسافة التي بين السكتين، ومقدارها أربعة فراسخ، أو اثنا عشر ميلًا بأميال الطريق، والميل يعادل ١٨٤٨ مترًا، والبريد يعادل ٢٢١٧٦ مترًا. ينظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، ص (٧٨)، النظم المستعذب في تفسير غريب ألفاظ المهذب [١/ ١٠٥]، معجم لغة الفقهاء، ص (٤٥١).
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٦٩)، المدونة [٤/ ١٨١]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٢٠].
(٣) ينظر: المدونة [٤/ ١٨١].
[ ٢ / ٣٩١ ]
ووجهه ما قلناه: أنَّ التعدِّي لَمَّا حصل من المستعير، كان ربُّ الدابة المتعدَّى عليه مخيرًا بين كراء مثلها في التعدِّي، أو قيمتها من حين تعدَّى بلا كراءٍ؛ لئلا يتعدَّى النّاس بعضهم على بعضٍ، فجعل المتعدَّى عليه بالخيار على ما بيَّنَّاه فيما تقدَّم.
•••
[١٢٥١] مسألة: قال: ومن استعار ثوبًا أيامًا فلبسه أكثر من ذلك، فيلزمه ما نقص من قيمته بعد الأيام التي استعار إليها، وإن كان أخلقه، فيرده وما نقص بعد تلك الأيام (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ صاحب الثوب لم يأذن له أن يلبس أكثر مما أعاره من المدَّة، فإذا زاد عليها كان متعدِّيًا، وعليه بدل ما لبسه لصاحبه من نقصان قيمته، أو أجرة تلك الأيام، الخيار في ذلك إلى ربِّه.
•••
[١٢٥٢] مسألة: قال: ومن أتت إلى أهلها (^٢) بقلادةٍ وزعمت أَنَّهَا
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧٠)، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٥٩]، البيان والتحصيل [١٥/ ٣٢١].
(٢) في النوادر والزيادات [١٠/ ٤٦١]، والجامع لابن يونس [١٨/ ٤٤٣]: «جارتها».
[ ٢ / ٣٩٢ ]
استعارتها (^١)، فأنكروا ذلك عليها، فقبلوها (^٢) ليردُّوهَا، فاعتيلت (^٣) القلادة، قال: فإنّه يغرمها الذي قبلها، ويصفونها، ثمّ يحلفون على صفتها، ويلزمهم غرم ما قُوِّمَت به (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ القلادة أُخذت على وجه العارية، فإذا تلفت ولم يعلم تلفها، فعلى من تلفت عنده قيمتها من المستعير، أو من دَفَعَ المستعير إليه ذلك وهم أهل الأمة.
والقول قولهم في صفتها؛ لأنهم يغرمون قيمتها، والقول في الأصول قول الغارم مع يمينه؛ لأنَّ صاحبه يدَّعي أكثر مما يذكره الغارم، فلا يقبل ذلك منه إلّا ببيِّنةٍ.
•••
[١٢٥٣] مسألة: قال: ومن استعار دابَّةً ليحمل عليها حنطةً، فحمل جلجلان، فلا ضمان عليه إن كان الذي حمل منه مثل الذي ذكر.
_________________
(١) في الجامع لابن يونس [١٨/ ٤٤٣]: «بقلادةٍ استعارتها لها».
(٢) قوله: «فقبلوها»، كذا يمكن أن تقرأ ويستقيم السياق وتتمة المسألة، ونحوه في النوادر والزيادات [١٠/ ٤٦١]، وفي المطبوع: «فقبضوها».
(٣) قوله: «فاعتيلت»، كذا رسمها، ولعلها: فاغتيلت، أي: هلكت وتلفت، كما في لسان العرب [١١/ ٥٠٧]، وفي النوادر والزيادات [١٠/ ٤٦١]، والجامع لابن يونس [١٨/ ٤٤٣]: «فتلفت».
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٧٠)، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٦١]، الجامع لابن يونس [١٨/ ٤٤٣].
[ ٢ / ٣٩٣ ]
وكذلك لو قال: «أحمل مرويًا (^١)» فحمل قوهيًا (^٢)، فلا ضمان عليه (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا حمل على الدابة مثل ما استعارها له وأقل ضررًا بها، فقد فعل ما له أن يفعل؛ لأنَّ المعير قد أذن له في ذلك، فلا شيء عليه؛ لرضاه بذلك.
وإذا حمل ما هو أكثر ضررًا بالدابة، فقد تعدى وفعل ما لم يؤذن له فيه، فصاحبها مخيرٌ بين قيمتها أو كراء ما زاد، على ما ذكرنا.
•••
[١٢٥٤] مسألة: قال: ومن استعار دابَّةً على أنّه لها ضامنٌ، فلا ضمان عليه (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ العارية إذا ظهر هلاكها فلا ضمان على المستعير، هذا أصلها وحكمها، فإذا شرط خلاف ما عليه الأصول، كان الشرط باطلًا،
_________________
(١) قوله: «مرويًا»، المروي هو ثوب من رقيق ثياب القطن، منسوب إلى بلدة مرو، وقيل: منسوب إلى بلدٍ بالعراق على شط الفرات، ينظر: التهذيب في اختصار المدونة [٣/ ٢٥]، شرح غريب ألفاظ المدونة، ص (٦٤).
(٢) قوله: «قوهيًا»، القوهي هو ثوب من رقيق ثياب القطن، منسوب إلى قوهستان، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٣٩٧)، لسان العرب [١٣/ ٥٣٢].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٧٠)، المدونة [٤/ ٤٤٧].
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٧٠)، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٥٨]، البيان والتحصيل [١٥/ ٣٣٥].
[ ٢ / ٣٩٤ ]
وقد قال رسول الله ﷺ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ» (^١)، وأبطل اشتراط البائع الولاء على المشتري (^٢)؛ لأنَّ الأصل أنّه للمشتري.
•••
[١٢٥٥] مسألة: قال: ومن استعار غرائر (^٣) فسرقت، فهو لها ضامنٌ (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الغرائر مما يخفى هلاكها، فإذا لم يكن للمستعير بيِّنةٌ على هلاكها، ضمن قيمتها؛ لأنّه ليس مُصَدَّقًا على تلف العارية؛ لأنَّ قبضها لمنفعته دون منفعة ربها.
فإن قيل: أليس المضارب إذا ذكر أنَّ المال قد تلف في يده، فالقول قوله مع يمينه وإن كان قبضه الشّيء لمنفعة نفسه، وكذلك المستأجر قبضه الشّيء المستأجر لمنفعة نفسه، ثمّ تلفه من مال ربه، والقول قوله في تلف ذلك مع يمينه، فكذلك يجب أن يكون المستعير والمرتهن (^٥)؟
_________________
(١) أخرجه النسائي في السنن الكبرى [١٠/ ٣٧٠]، وابن ماجه [٣/ ٥٦٣]، بهذا اللفظ، وهي قطعة من الحديث الذي بعده، وهو في التحفة [١٢/ ٤٢٥].
(٢) متفق عليه: البخاري (٤٥٦)، مسلم [٣/ ١٢٠]، وهو في التحفة [١٢/ ٤٢٥].
(٣) قوله: «غرائر»، الغرائر جمع غِرارة، هي وعاءٌ من صوف أو شعر لنقل التبن وما أشبهه، ينظر: طلبة الطلبة، ص (١٠١)، التعريفات الفقهية، ص (١٥٧)، لسان العرب [٥/ ١٨].
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٧٠).
(٥) ينظر الاعتراض في: المبسوط للسرخسي [١١/ ١٣٥].
[ ٢ / ٣٩٥ ]
قيل: لا يلزم ما ذكرت؛ من قِبَلِ أنَّ أكثر المنفعة في الرهن للمرتهن، وكلها للمستعير، وأكثر المنفعة في الإجارة للمؤاجر، وكذلك في المضاربة أكثرها لرب المال، وإذا كان كذلك، نُظِر إلى من هو أكثر منفعةً في الأصل، فَجُعِل التلف منه، وكان الذي الشّيء في يده مصدَّقًا على التلف؛ بدلالة أنَّ المودَع مصدَّقٌ على تلف الشيء؛ إذ لا منفعة له في الوديعة، وليس الغاصب مصدَّقًا على تلف الشيء؛ لأنَّ قبضه الشّيء لنفسه لا لربِّه، وكذلك لو عُلِم تلفه كان ضامنًا.
وكذلك المستقرض إذا تلف الشّيء في يده كان عليه بدله؛ لأنَّ قبضه الغرض لمنفعة نفسه، ثمّ ينظر بعد ما ذكرنا إلى أكثر المنفعة أن تكون لقابض الشّيء أو لربِّه:
فيكون إن كثرت لربه مصدقًا على التلف، أعني: الذي في يده.
وإن كانت له دون ربِّه، لم يكن مصدَّقًا على التلف، إلّا أن يُعْلم تلفه ببيِّنةٍ، فلا يكون عليه ضمانٌ؛ لأنَّ تلفه قد ثبت بغير قوله، وليس هو متعدِّيًا بالقبض فيلزمه ضمان ما تلف من غير فعله ولا جنايته، كما يلزم ذلك الغاصب المتعدِّي (^١).
•••
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١١٤ - ١١٥]، شرح المسألة عن الأبهري.
[ ٢ / ٣٩٦ ]