[١٤٧٩] (^١) مسألة: قال: ومن أعمر أرضًا مواتًا لا يطلبها أحدٌ، ثمّ يأتي من يستحقها، فيقال له: «أعطه ما عَمَّر وخذها وعِمَارتها»، فلا يقدر، فيقال للذي أحيا الأرض: «أعطه قيمة أرضه»، فلا يجد، فإنهما شريكان على قدر قيمة الأرض بغير عمارتها، وقيمة العمارة بلا أرضٍ (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهما له حقٌّ، فلا يجوز أن يبطل حق كلّ واحدٍ منهما؛ لأنَّ صاحب الأرض له حقٌّ في الأرض، والثاني بشبهةٍ له حقٌّ، فوجب أن يوصل كلّ واحدٍ منهما إلى حقه.
فبدأ صاحب الحق: بأن يعطي الباني بالشبهة قيمة بنائه يوم يستحقها؛ لأنَّه أقوى سببًا؛ من قِبَل أنَّ حقه متقدِّمٌ لحق الباني، والباني داخلٌ عليه.
فإن لم يعطه قيمة بنائه، قيل لصاحب البناء: «أعط صاحب الأرض قيمة أرضه بلا بناءٍ».
فإن أبى، كانا شريكين في الأرض والبناء، بقدر قيمة ما لكل واحدٍ منهما من قيمة الأرض وقيمة البناء، فيكون لصاحب الأرض من ذلك كله بقدر قيمة الأرض بلا بناءٍ، ولصاحب البناء بقدر قيمة البناء بلا أرضٍ، يشتركان في الأرض والبناء على حسب ذلك.
وهذا الذي قاله مالك، قد رُوِيَ عن عمر بن الخطاب أنَّه حكم بذلك (^٣).
•••
_________________
(١) أدرج في المطبوع في هذا الموضع: «باب إحياء الموات»، وهذا العنوان غير مثبت في المخطوط.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٠٣)، المختصر الصغير، ص (٦٥٨)، مختصر أبي مصعب، ص (٤٦١)، النوادر والزيادات [١٠/ ٥٠٧].
(٣) أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال [١/ ٤٠٧]: «أن رجلًا أحيا أرضًا مواتًا، فغرس فيها وعمر، فأقام رجل البيّنة أَنَّهَا له، فاختصما إلى عمر بن الخطاب، فقال لصاحب الأرض: إن شئت قوَّمنا عليك ما أحدث هذا، فأعطيته إياه، وإن شئت أن يعطيك قيمة أرضك أعطاك».
[ ٢ / ٥٨٦ ]
[١٤٨٠] (^١) مسألة: قال: ومن اشترى دارًا فاستغلها حينًا، ثمّ استُحِقَّت، فالكراء له ولا شيء فيه للمستحق، وكذلك العبد (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الخراج للمشتري بالضمان؛ لأنّها لو تلفت كان تلفها من المشتري بالقيمة إن كان البيع فاسدًا، وإن كان فيه عيبٌ، فتلفها منه بالثمن، فوجب أن يكون خراجها له لهذه العلة (^٣).
وقد رَوَى ابن أبي ذئب، عن مخلد بن خفاف (^٤)، عن عروة، عن عائشة، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه قال: «الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» (^٥).
وقد رَوَى مسلم بن خالد (^٦)، عن هشام، عن عروة، بإسناده مثله (^٧).
•••
_________________
(١) أدرج في المطبوع في هذا الموضع: «باب الكراء»، وهذا العنوان غير مثبت في المخطوط.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٠٣)، المختصر الصغير، ص (٦٥٩)، مختصر أبي مصعب، ص (٤٦١)، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٩٩].
(٣) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٩٩]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٤) مخلد بن خفاف الغفاري، مقبول، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٩٢٧).
(٥) أخرجه أبو داود [٤/ ١٨٣]، والترمذي [٢/ ٥٦١]، وابن ماجه [٣/ ٣٥٢]، والنسائي في الكبرى [٦/ ١٨]، وهو في التحفة [١٢/ ١١٩].
(٦) مسلم بن خالد المخزومي مولاهم المكي المعروف بالزنجي، فقيه، صدوق كثير الأوهام، من الثامنة. تقريب التهذيب، ص (٩٣٨).
(٧) أخرجه أبو داود [٤/ ١٨٤].
[ ٢ / ٥٨٧ ]
[١٤٨١] مسألة: قال: ومن بنى في أرض قومٍ بغير إذنهم، ثمّ استحقوها، فإن شاؤوا أعطوه قيمة عمارته منقوضَةً وأخذوها، وإن شاؤوا نقله عنهم (^١).
ولا يكون له نقض ما لا ينفعه، من تغوير ماءٍ أحدثه (^٢)، أو هدمِ شيءٍ أصلحه، وهو لصاحب الربع (^٣).
• إنَّمَا قال: «إنَّ له قيمته منقوضةً؛» لأنَّه لم يبن بإذن صاحب الأرض، فكان إمّا متعدِّيًا بالبناء إن كان غاصبًا، أو مقصِّرًا إن كان غير غاصبٍ بتركه استئذان صاحب الأرض، فكان لصاحب الأرض أن يأخذه بنقل بنائه عنه إن شاء، أو يعطيه قيمته مقلوعًا؛ لأنَّ قلعه يضر بصاحب الأرض، فله إزالة الضرر عنه بدفع قيمته مقلوعًا إلى الباني.
وإنما تكون قيمة البناء غير مقلوعٍ إذَا كان بإذن صاحب الأرض، ويكون الباني قد دخل على أن يكون مؤبَّدًا، فأمّا إن كان دخل على أن يقلعه بعد مدةٍ، وذلك أن يكتري أرضًا سنين ليبني فيها، أو يبني بغير إذن صاحب الأرض، فإنَّ على صاحب الأرض دفع قيمته مقلوعًا إن شاء.
وقوله: «ليس له ردمُ بئرٍ أو هدم شيءٍ أصلحه إذَا كان لا ينتفع به وفي تركه كذلك منفعةٌ لصاحب الأرض»؛ فلأن فعله هذا هو ضررٌ أيضًا بصاحب الأرض، من غير أن ينتفع هو بشيءٍ من ذلك، فليس له أن يضر به إذَا كان لا ينتفع.
_________________
(١) قوله: «نقله عنهم»، كذا في شب، وفي المطبوع: «خلوا بينه وبين نقضه يأخذه عنهم».
(٢) قوله: «تغوير ماءٍ أحدثه»، كذا في شب، وفي المطبوع: «تقويض ما أحدثه».
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٠٣)، المختصر الصغير، ص (٦٥٨)، مختصر أبي مصعب، ص (٤٦١)، النوادر والزيادات [١٠/ ٣٣٨] … .
[ ٢ / ٥٨٨ ]
وقد رَوَى مالكٌ، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، ومنهم من يقول: عن أبي سعيدٍ من غير حديث مالكٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه أنَّه قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (^١).
•••
[١٤٨٢] مسألة: قال: وكذلك من اكترى فَعَمر، فليس له أن يردم البئر، وله أن يأخذ طيَّها (^٢) إن أحب صاحب المنزل، وإن نقل منه ترابًا فأراد أن يرده فليس ذلك له، وإن كان نزع خشبةً ردَّ مكانها، وإن هدم جدارًا بناه، وإن أحبَّ صاحب الدّار أن يرد خشبةً مثل خشبته أو طوبًا مثل طوبه فعل، وإن أحب فقيمته، والقيمة في ذلك أعدل، وليس له أن ينزع جيرًا (^٣)، ولا يردم عينًا (^٤).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ فعله ما لا ينتفع به ويضر بصاحب الأرض هو إضرارٌ منه بغيره، وقد قال رسول الله ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ».
فأمّا أخذُهُ ما ينتفع به فله ذلك؛ لأنَّه يأخذ حقه وماله.
وقوله: «إنَّ له طوبًا كطوبه وخشبًا كخشبه»؛ فلقرب شبه ذلك بعضه من
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١١٣٨.
(٢) قوله: «طيها»، طي البئر، ما تغطَّى به البئر من الحجارة أو غيرها، قال في اللسان: [١٥/ ١٩] والطَّوِيُّ: البئرُ المَطْوِيَّة بِالحِجَارَةِ.
(٣) قوله: «جيرًا، الجير: هو الجص فإذا خلط بالنورة فهو الجيار، وقيل: الجيار النورة وحدها، ينظر: لسان العرب [٤/ ١٥٧].
(٤) المختصر الكبير، ص (٣٠٣).
[ ٢ / ٥٨٩ ]
بعضٍ وتقارب منافعه ما جاز أن يعطى بدله، والقيمة في ذلك أعدل كما قال مالك، وهو القياس.
•••
[١٤٨٣] مسألة: قال: ومن تكارى أرضًا فبنى وعَمر، ثمّ جاء فيها أمر سلطانٍ؛ لأنّها كانت قطيعةً، فينبغي أن تقر في يده على حالها، فإن أبى ذلك السلطان فقد ظلمه، وليس له فيما أنفق شيءٌ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الذي أخذ من يده القطيعة فقد ظلمه إن كان قد عَمَّر فيها وبنى، أو كان مستحقًّا لها، فليس له أن يرجع على غيره ممن اكترى منه أو أقطعه بشيءٍ؛ لأنَّ الظلم لم يقع عليه من أجله، وإنما وقع من أجل غيره.
•••
[١٤٨٤] مسألة: قال: ومن ابتاع دارًا فهدمها، ثمّ استُحِقَّتْ، أو شجرًا فقطعها وغرس غيرها، فليس عليه في ذلك شيءٌ إذَا كان مما يعمل به (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّه فَعَل ما له أن يفعله في ملكه في الظاهر، وليس هو متعدِّيًا بالفعل، فلا قيمة عليه لمستحقه، إلّا أن يكون أتلفها بغير الوجه الذي يجوز له، فأمّا أن يتصرَّف في الهدم والعمارة فليس عليه شيءٌ؛ لأنَّه على
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٠٣)، المدونة [٣/ ٥١٦]، النوادر والزيادات [٧/ ١٤٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٠٣)، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٠٨].
[ ٢ / ٥٩٠ ]