الأرضون، هي مأمونةٌ بعيدةٌ من التلف، فوجب انتظاره حتى يَقْدُم؛ لجواز أنْ تكون له حُجَّةٌ لخروجه مما شُهِد عليه به، وليس في تأخر بيع ذلك ضررٌ على صاحب الحق في خوفه أنْ يتلف أو يتلف مال خصمه، فأمّا إذا كان عينًا أو عروضًا فإنّه يُخْشَى تلفها إذا لم تُبَع عليه، فكان في بيعها صلاحٌ للذي له الحق والذي عليه الحق جميعًا.
وقد قال مالك: «إنَّ الرباع تباع على الغائب ويقُضْى دَينه منها، كما يُقْضى من غيره من أمواله» (^١).
وهذا هو الصحيح؛ لأنَّ في ترك بيعها ضررًا بصاحب الحق، وسواءٌ كانت مما يسوغ تلفها أم لا؛ لأنَّه لا منفعة له في بقائها على ملك الذي عليه الحق، وإنما ينتفع إذا بِيعَت ودفع حقه إليه من ثمنها (^٢).
•••
[١٥٦٠] (^٣) مسألة: قال: ومن فَلَّسَ (^٤)، فقد حلَّت حقوق النّاس عليه.
وكذلك من مات (^٥).
_________________
(١) ينظر: المدونة [٤/ ١١٥].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٤٩٨]، هذه المسألة عن الأبهري بتصرف.
(٣) هذه المسألة متصلة بما قبلها في شب، وقد جعلتها منفصلة، ووضعت لها بابًا مستقلًّا في الفهرس، كما في التفريغ لابن الجلاب [٢/ ٢٤٩].
(٤) قوله: «فَلَّسَ»، الفلس والتفليس: حكم الحاكم بخلع كلّ مال المدين لغرمائه؛ لعجزه عن قضاء ما لزمه، ينظر: شرح مختصر خليل للخرشي [٥/ ٢٦٢].
(٥) المختصر الكبير، ص (٣١٤)، المختصر الصغير، ص (٦٦٨)، المدونة [٤/ ٨٣]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٥].
[ ٢ / ٦٧٣ ]
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الميت قد بطلت ذمَّته التي كان الدَّين بها متعلِّقًا ووجب قسم ماله بالموت، والدَّين مقدَّمٌ على الميراث، ولا خلاف في ذلك.
وكذلك إن فَلَّسَ؛ لأنَّ صاحب الدَّين إنّما رضي بذمَّةٍ سليمةٍ من العيب، فإذَا فَلَّسَ فقد طرأ عيبٌ لم يرض به عند المداينة، فحلَّ حقُّه لهذه العلَّة.
وأيضًا فلمّا وجب تَفْرِقة ماله على الغرماء، كان هو أحدهم، وقد رُوِيَ عن النبيِّ صلى الله عليه: «أَنَّهُ خَلَعَ مُعَاذًَا مِنْ مَالِهِ، وَقَسمَهُ عَلَى غُرَمَائِهِ» (^١).
•••
[١٥٦١] مسألة: قال: ولا يباع حرٌّ، ولا يؤاجر في دَينٍ (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ بيع الحر غير جائزٍ بوجهٍ من الوجوه؛ لأنَّ ثمنه حرامٌ كتحريم ثمن الخمر والخنزير، بل هو أوكد؛ لحرمة الحر.
ولا يؤاجر أيضًا في دَينٍ؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، فأوجب الله تعالى إنظار المعسر حتى يجد ما يقضي دَينه.
فلا يجوز بيع رقبته في دينه، حرًا كان أو عبدًا، ولا تجوز إجارته أيضًا فيه؛
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه [٣/ ٤٤٣]، وهو في التحفة [٢/ ١٨٥]، وقد نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ٥]، شرح المسألة عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣١٤)، النوادر والزيادات [١٠/ ٧ و٨].
[ ٢ / ٦٧٤ ]
لوجوب إنظار الله تعالى إياه حتى يجد ما يقضي، فمتى بيع أو حُبِسَ أو أُوجِرَ، فهو خلاف ما أمر الله به من إنظاره حتى يجد.
وهو أيضًا إضرارٌ به، وقد قال رسول الله ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (^١).
ولأنَّ الذي داينه إنّما دخل على أن يأخذ دَيْنَهُ من ماله ورضي بذلك، لا من إجارته أو ثمنه إن كان حرًا، أو قيمته إن كان عبدًا، أو أجرة منافعهما، والله أعلم.
•••
[١٥٦٢] مسألة: قال: وإذا أَفْلَسَ الرجل، فوجد رجلٌ سلعته - ارتفعت الأسواق أو انخفضت -، فهو أحق بسلعته، إن شاء أخذها، وإن شاء تركها وحاصَّ (^٢) الغرماء، إلّا أن يشاء الغرماء أن يعطوه ثمنها فيكون ذلك لهم.
وإن كان المشتري قد باع بعض متاعه، فرب المتاع أولى بما وجد منه، إن وجد نصفه أخذه بنصف الثمن وحاصَّ الغرماء بالنصف.
ولو وجد المتاع كله وقد اقتضى بعض ثمنه، فإن أحبَّ أن يردَّ ما اقتضى ويأخذ سلعته، فذلك له.
فإن وُجِدَتْ سلعته قد عَمِيَتْ (^٣)، فإن شاء أخذها بالجميع، وإن شاء أسلمها.
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١١٣٨.
(٢) قوله: «وحاصَّ»، تحاص الغرماء: أي: اقتسموا المال بينهم حصصًا، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (١١٨).
(٣) قوله: «عَمِيَتْ»، كذا في شب، يعني: إذا كانت السلعة من الماشية، فأصابها العمى، وقد جاء في حاشية المطبوع: «كذا في المخطوط، ولعلَّ الصواب: عيبت»، وكلام الشارح يدل على ما ذكرته.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
فإن وجدها قد ولدت فباعها وحبس ولدها، كان له أن يأخذ ولدها بحصتهم من الثمن (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ بائع السلعة إذا وجدها عند المشتري وقد أفلس، أقوى سببًا من غيره من الغرماء الذين ليس سلعهم موجودةً بأعيانها، فكان أولى بها؛ لوجود عين (^٢)، كما كان المُرْتَهِنُ أولى بالرهن الذي في يده من سائر الغرماء الذين ليس لهم في أيديهم رهنٌ؛ لقوة سبب المُرْتَهِنِ على غيره ممن ليس معه رهنٌ.
وقد رَوَى مالك، عن (^٣) يزيد بن هارون وغيره، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمر بن عبد العزيز (^٤)، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: «مَنْ وَجَدَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ مُفْلِسٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (^٥).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣١٤)، المختصر الصغير، ص (٦٦٥)، النوادر والزيادات [١٠/ ٥٣ و٦٥]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٦].
(٢) قوله: «عين»، كذا في شب.
(٣) قوله: «عن»، كذا في شب، وصوابه: (و)، كما في الموطأ [٤/ ٩٧٨].
(٤) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي، أمير المؤمنين، من الرابعة. تقريب التهذيب، ص (٧٢٤).
(٥) رواية مالك في الموطأ [٤/ ٩٧٨]، ورواية يزيد بن هارون في شرح مشكل الآثار [١٢/ ١٤]، والحديث في الصحيحين: البخاري (٢٤٠٢)، مسلم [٥/ ٣١]، وهو في التحفة [١٠/ ٤٢٧].
[ ٢ / ٦٧٦ ]
ورواه فليح بن سليمان، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ مثله (^١).
ورَوَى سليمان بن بلال، عن خُثَيْمِ بْنِ عِرَاك بن مالك (^٢)، عن أبيه (^٣)، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا» (^٤).
فلهذا قال مالك: «إنَّ البائع أحق بسلعته إذا وجدها عند المفلس، إنْ شاء أخذها، وإن شاء تركها وَحَاصَّ الغرماء».
وقوله: «إلّا أن يشاء الغرماء أن يعطوه ثمنها فيكون ذلك لهم»، فإنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ بائع السلعة إنّما كان أحق بها؛ لأنَّ المشتري لمّا لم يعطه ثمنها كان له أخذها، فإذَا أعطاه المشتري أو الغرماء ثمنها لم يكن له أخذها؛ لأنَّ علة الأخذ إنّما هي من أجل تعذُّرِ الثمن، فإذَا دُفِعَ إليه ثمنها لم يكن له أخذها.
وقوله: «إِنْ كان المشتري قد باع بعض متاعه، فرَبُّ المتاع أولى بما وَجَدَ منه، وحاصَّ مما بقي من الثمن»؛ فلأن البائع لمَّا كان له أن يأخذ كلّ السلعة إذا
_________________
(١) أخرجه ابن حبان [١١/ ٤١٥]، والبزار [١٢/ ٢٠٤].
(٢) خثيم بن عراك بن مالك الغفاري المدني، لا بأس به، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٢٩٥).
(٣) عراك بن مالك الغفاري الكناني المدني، ثقة فاضل، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٦٧٣).
(٤) أخرجه مسلم [٥/ ٣١]، بنحو الإسناد الذي ذكره الشارح، وهو في التحفة [١٠/ ٢٥٥].
[ ٢ / ٦٧٧ ]
وجدها إذا لم يُدْفَع إليه الثمن، كان له أن يأخذ بعضها إذا وجده ويحاص الغرماء بما لم يجد في ذمَّة المشتري، ويأخذ ذلك من ماله.
وقوله: «إن كان قد اقتضى بعض ثمن سلعته فله أن يَرُدَّه ويأخذ سلعته»؛ فلأنه لا يجوز له أن يأخذ الثمن والسلعة جميعًا، فكذلك لا يجوز أن يأخذ بعض السلعة وكلّ الثمن؛ لأنّه إنّما يجوز له أخذ السلعة أو الثمن، أو ما يجد منها بحصته من الثمن ويحاص الغرماء بما لم يجد.
وقد رَوَى مالك ويونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن عن (^١) الحارث بن هشام، أنَّ رسول الله صلى الله عليه قال: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًَا، فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ، وَلَمْ يَقْضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا، فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (^٢)، زاد يونس: «وَإِنْ كَانَ قَدْ قَضَى مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا، فَهُوَ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ».
ورواه الزبيدي، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبيِّ صلى الله عليه، وقال: «فَإِنْ كَانَ قَضَاهُ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ» (^٣).
وقوله: «فإن وجد سلعته قد عميت فإن شاء أخذها بالجميع، وإن شاء أسلمها»؛ فلأنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا جعل لبائع السلعة أَخْذَهَا، كان له أن يأخذها إذا
_________________
(١) قوله: «عن»، كذا في شب، وصوابه: «بن»، كما في الموطأ.
(٢) رواية مالك في الموطأ [٤/ ٩٧٨]، ورواية يونس أخرجها أبو داود [٤/ ١٨٧]، والحديث في التحفة [١٠/ ٤٢٧].
(٣) أخرجه أبو داود [٤/ ١٨٨].
[ ٢ / ٦٧٨ ]
وجدها بعينها أو أنْقَصَ منها، إذا كان النقصان بمثل العور والعمى لا يتلف بقطعها.
وليس له أكثر منها؛ من قِبَلِ أنّه مُخَيَّرٌ بينَ أَخْذِهَا على ما يجدها وإن كانت ناقصةً، أو محاصَّة الغرماء بالثمن.
ألا ترى: أنَّ المغصوب منه إذا وجد سلعته عند الغاصب وقد نقصت، فله أخْذُهَا وإنْ نقصت، أو تضمين الغاصب قيمتها يوم غصبَ، فكذلك هذا.
وقوله: «فإن وجدها قد ولدت فباعها وحبس ولدها، كان له أن يأخذها (^١) وولدها بحصتهم من الثمن»؛ فلأنه لَّما باع الأم فقد أخَذَ عوضًا من الثمن، فهو بمنزلة ما لو باع بعض السلعة وبقي بعضها عنده، فللبائع أن يأخذ ما وجده بحصته من الثمن، ويحاص الغرماء بما لم يجد بقدره من الثمن.
فأمّا إذا ماتت الأم وبقي ولدها الذي وُلِدَ في يد المشتري، فله أخذ الولد بكل الثمن إن شاء أو تركه، وذلك بمنزلة ما لو نقصت الأم في بدنها، لكان له أخذها بكل الثمن، أو تركها ومحاصة الغرماء؛ لأنَّ المشتري لم يأخذ عوضًا إذا ماتت الأم، وقد أخذ عوضها إذا باعها.
فإن مات الولد أو باعه وبقيت الأم، فإنَّ البائع له الخيار بين أخذها بكل الثمن، أو تركها ومحاصة الغرماء؛ من قِبَلِ أنَّ الأم هي التي يقع عليها عقد البيع، وهي بدل الثمن الذي وجب له على المشتري، فإذَا وجدها، كان له أخذها على
_________________
(١) قوله: «يأخذها»، غير مثبت في كلام ابن عبد الحكم.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
ما يجدها وإن كانت ناقصةً، أو تركها ومحاصة الغرماء، وسواءٌ وجد ولدها الذي وُلِدَ عند المشتري، أو كان قد مات أو باعه المشتري.
فأمّا إذا مات المشتري للسلعة، فليس لبائعها أن يأخذها وإن وجدها بعينها؛ من قِبَل أنَّ ذمة المشتري قد تلفت، فلو جعلنا البائع أولى بالسلعة، كان سائر الغرماء لا يرجعون إلى حقهم من مال الميت، ولا إلى ذمَّةٍ تتعلق حقوقهم فيها، والمفلس فيرجع الغرماء الذين لا سلع لهم إلى ذمَّته، فكان ردُّ السلعة أولى؛ لقوة سببه؛ ولأنَّ سائر الغرماء لا تتلف أموالهم ولا تبطل حقوقهم.
فإن قيل: لم لا قلت: إنَّ أخذ البائع سلعته في موت المشتري أولى إذا وجدها بعينها؛ لأنّه لمَّا كان له أخذها مع وجود ذمَّته، كان أن يأخذها مع عدمها أولى، كما كان المرتهن أولى بالرهن في موت الراهن وفَلَسِهِ (^١).
قيل له: ما قلته غير لازمٍ، من قِبَلِ أنَّ النبيَّ ﷺ إنّما جعل بائع السلعة أولى بها إذا وجدها بعينها في موضعٍ يرجع سائر الغرماء إلى شيءٍ يتوثقون به لحقوقهم، وهي ذمة المفلس، فلا تتلف حقوقهم، وفي ذلك نَظَرٌ لجميع الغرماء، وأمّا إذا تلف ماله وذمته، فليس يجوز أن يُنْظَر لبعضهم دون بعضٍ؛ لأنَّ صاحب السلعة إذا أخذها لم يكن للباقين شيءٌ يرجعون إليه من مالٍ أو ذمةٍ، فكان في ذلك حملٌ عليهم، وقد قال الله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء:١٣٥].
فأمّا المرتهن فقد صار أولى بالرهن؛ لقبضه الرهن وحيازتِهِ، لا أنَّ الموت والفلس أحْدَثَا له حقًّا في الرهن لم يكن قبل ذلك.
_________________
(١) ينظر الاعتراض في: الحاوي للماوردي [٧/ ٣٩٦].
[ ٢ / ٦٨٠ ]
ألا ترى: أنَّ الراهن لو أراد أخذ الرهن من يد المرتهن، لم يكن له ذلك بغير إذنه؛ لأنَّ حقه قد ثبت له بالرهن وقبضه، ولم يثبت حق البائع في السلعة التي باعها قبل فَلَسِ المشتري أو موته على ما ذكرت.
على أنَّ السنة قد فَرَّقَتْ بين الموت والحياة، فرَوَى مالك، ويونس، وجماعة، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًَا، فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًَا، فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَإِنْ مَاتَ فَصَاحِبُ المَتَاعِ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ» (^١)، وقد وصله عبد الرزاق عن مالك، فقال: عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ (^٢).
ورَوَى إسماعيل بن عياش (^٣)، عن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه أنَّه قال مثله، وقال: «أَيُّمَا امْرِئٍ هَلَكَ وَعِنْدَهُ مَتَاعُ امْرِئٍ بِعَيْنِهِ اقْتَضَى مِنْهُ شَيْئًَا أَوْ لَمْ يَقْتَضِ، فَهُوَ أُسْوَةُ الغُرَمَاء» (^٤).
_________________
(١) تقدَّم قريبًا.
(٢) أخرجه عبد الرزاق [٨/ ٢٦٤].
(٣) إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم، من الثامنة. تقريب التهذيب، ص (١٤٢).
(٤) تقدَّم قريبًا.
[ ٢ / ٦٨١ ]
فإن قيل: قد رَوَى ابن أبي ذئب، عن أبي المعتمر (^١)، عن عمرو بن خليدة (^٢)، قال: «أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فِي صَاحِبٍ لَنَا أَفْلَسَ، فَقَالَ: لَأَقْضِيَنَّ؟بَيْنَكُمْ بِقَضَاءِ؟رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، مَنْ أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ فَوَجَدَ رَجُلٌ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (^٣) (^٤).
قيل له: أبو المعتمر هذا رجل مجهولٌ (^٥)، وقد ضعفه يحيى بن معين (^٦)، وقال أبو داود السجستاني: «أبو المعتمر من هو؟، لا نعرفه، ومن يأخذ بهذا؟» (^٧).
فأمَّا من قال (^٨): إنَّ البائع لا يكون أحق بسلعته إذا وجدها عند المشتري؛ لأنَّ ملك المشتري قد استقر عليها، فيجب أن يُفَرق بين غرمائه إذا أفلس أو مات، فالحجة عليه ما ذكرناه من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه أنّه قال: «أَيُّمَا
_________________
(١) أبو المعتمر بن عمرو بن رافع المدني، مجهول الحال، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (١٢٠٧).
(٢) قوله: «عمرو بن خليدة»، كذا في شب، وفي مصادر التخريج: عمر بن خلدة، وهو عمر بن خلدة الأنصاري المدني، قاضيها، ثقة، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٧١٧).
(٣) أخرجه أبو داود [٤/ ١٨٨]، وهو في الصحيحين: البخاري (٢٤٠٢)، ومسلم [٥/ ٣١]، من حديث أبي هريرة، بدون ذكر الموت أو الهلاك، التحفة [١٠/ ٢٨٨].
(٤) ينظر الاعتراض في: الحاوي للماوردي [٧/ ٣٩٦].
(٥) قد حكم عليه بالجهالة، ابن المنذر في الأوسط [١١/ ٣٤]، والطحاوي كما في مشكل الآثار [١٢/ ٢١].
(٦) لم أقف عليه.
(٧) لم أقف عليه.
(٨) القائل بهذا من المذاهب، هم الأحناف، ينظر: التجريد للقدوري [٦/ ٢٨٦٩]، الهداية مع شرحه العناية [١١/ ١٢٧].
[ ٢ / ٦٨٢ ]
رَجَلٍ بَاعَ سِلْعَتَهُ فَأَفْلَسَ الذِي ابْتَاعَهَا وَلَمْ يَقْبِضِ الذِي بَاعَهَا مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًَا، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا» (^١).
فإن قيل: إنَّ معنى هذا الحديث: هو أن يُفْلس الرجل، فيجد رجلٌ سلعته عند مفلسٍ قد أودعها إياه، أنَّه أحق بها من غرمائه، لا ما قد اشتراها المفلس (^٢).
قيل: هذا لا فائدة فيه؛ لأنَّ أحدًا من أهل العلم لم يختلف في هذا، وحَمْلُ الحديث على فائدةٍ مؤتنفةٍ أولى.
على أنَّ هذا الحديث مُفَسَّرٌ، وهو على ما ذكرناه من قوله صلى الله عليه: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعَهُ مِنْ رَجُلٍ، ثُمَّ أفْلَسَ المُشْتَرِي، فَوَجَدَ البَائِعُ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ».
وقد قال مخالفنا: «إنَّ المتبايعين إذا اختلفا في الثمن، أنهما يتحالفان ويتفاسخان، ويكون البائع أولى بالسلعة وإن كان المشتري قد قبضها وصارت ملكه؛ لقوة سبب البائع» (^٣).
فكذلك يجب أن يكون بائع السلعة إذا وجدها عند المفلس؛ لقوة سببه، والله أعلم (^٤).
•••
_________________
(١) تقدَّم قريبًا.
(٢) ينظر الاعتراض في: التجريد للقدوري [٦/ ٢٨٧٦].
(٣) ينظر: المبسوط [١٣/ ٢٩]، بدائع الصنائع [٦/ ٢٥٩].
(٤) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ٧ و١٩]، بعضًا من شرح المسألة عن الأبهري.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
[١٥٦٣] مسألة: قال: وإن وجد ثوبه قد خَلُقَ (^١)، فإنْ شاء أخذه، وإن شاء أسلمه (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: أنّه له أَخْذ سلعته إذا كانت بحالها أو كانت قد نقصت بكل الثمن؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ جعل له أخذها إن شاء، أو تَرَكَهَا وحاصَّ الغرماء.
•••
[١٥٦٤] مسألة: قال: ومن اشترى غزلًا فنسجه، أو بُقعهً فبناها، ثمّ فَلَّسَ، فإنَّ صاحب الغزل والبقعة يكونان شريكين بقدر الكّتَّان من النسج، وبقدر البقعة من قدر العمارة (^٣).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنهما قد صارا شريكين، البائع بقدر سلعته، والمشتري بقدر عمله، فوجب أن يشتركا في البقعة مع البنيان أو الثوب على قدر ما لكل واحدٍ منهما؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهما له حقٌّ لا يجوز إبطاله ولا يمكن تمييزه، فوجب أن يشتركا فيه بقدر قيمة ما لكل واحدٍ منهما.
•••
_________________
(١) قوله: «وإن وجد ثوبه قد خَلُقَ»، يعني: بلي، ينظر: المصباح المنير، ص (١٨٠).
(٢) المختصر الكبير، ص (٣١٤)، النوادر والزيادات [١٠/ ٦٠].
(٣) المختصر الكبير، ص (٣١٤)، النوادر والزيادات [١٠/ ٦٠]، البيان والتحصيل [١٠/ ٥٤٨].
[ ٢ / ٦٨٤ ]
[١٥٦٥] مسألة: قال: ومن اشترى جاريةً فولدت من غير سيدها، فسيدها أولى بها وبولدها، إلّا أن يُعْطَى ثمنها (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ حُكْمَ الولد حُكْمُ الأم؛ إذ هو بمنزلة عضوٍ منها، فله أن يأخذها مع الولد، كما لو زادت الأم في بدنها، لكان للبائع أخذها.
ومما يدل أنَّ حكم الولد حكم الأم وأنه ليس بخراجٍ فيكون للمشتري بالضمان، أنَّ ولد أم الولد حكمه كحكم أمه، وليس لسيده أن يبيعه كما ليس له أن يبيع الأم، ويُعتقون بعتق الأم، وليس كذلك خراجها؛ لأنَّ للسيد أخذ خراجها والتصرُّف فيها.
وكذلك ولد المكاتبة والمدبرة، حكمهم حكم أمهم (^٢)، وقد ذكرنا هذه المسألة في غير هذا الموضع.
فأمّا ما كان خراجًا فهو للمشتري دون البائع، وذلك كاللبن والصوف وكسب العبد وأشباه ذلك؛ لأنَّ الخراج له بالضمان، وليس الولد خراجًا.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣١٤).
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٥]، هذا الشرح عن الأبهري.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
[١٥٦٦] مسألة: قال: ومن اشترى زيتًا فصبه في جِرَاره بشهودٍ معه، أو دنانير فصبها في كيسه، أو بَزًَّا فرقَّمَه (^١) وخلطه بغيره، فهو أولى به إذا فَلَّس (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ عين الزيت والدنانير والبز قائمةٌ متى خُلِط الزيت بمثله، وكذلك الدنانير إذا خلطها بمثلها؛ لأنَّ منفعة ذلك كله واحدةٌ، ولا فصل بين ذلك كله، فللبائع أن يأخذ بمقدار ما باعه من سلعته مما خلطه به.
وكذلك البَزُّ مثله؛ لأنَّ غرضه بالخلط لم يتغيَّر، وهو باقٍ كغرضه قبل الخلط، وكذلك غرض النّاس فيه مثله (^٣).
•••
[١٥٦٧] مسألة: قال: ومن فَلَّسَ وعليه طعامٌ وعروضٌ، فإنما يحاصُّ له بقيمة ذلك يوم يُشترى لهم، ويبيعوه بالفضل (^٤).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ كلّ واحدٍ من الغرماء إنّما يحاص له في مال المفلس بقدر ما له من الحق من عينٍ أو عرضٍ، ثمّ يُشْترى له العرض الذي يضرب بقيمته؛ لأنّه هو الذي يجب له على الغريم.
•••
_________________
(١) قوله: «أو بَزًّا فرقَّمَه»، البز: هي الثياب، ورقم التاجر البز، يعني: وشَّاها رقمًا، والتاجر يرقم الثياب، أي: يجعل عليها علامةً بأن ثمنها كذا، ومنه لا يجوز بيع الشّيء برقمه، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (١٩٦).
(٢) المختصر الكبير، ص (٣١٤)، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٧].
(٣) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٨]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٤) المختصر الكبير، ص (٣١٥).
[ ٢ / ٦٨٦ ]
[١٥٦٨] مسألة: قال: والأجير أولى بما في يديه من الزرع والحائط إذا فَلَّسَ صاحبه، فإن مات فالأجير أسوة الغرماء (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الاجير في الحائط والزروع بمنزلة بائع السلعة إذا وجدها عند المفلس أنّه أحق بها، فكذلك هذا الأجير؛ لأنَّ الزرع والنخل إنّما زاد أو وُجِد بعمله، فكان أولى به لوجود عين ماله.
ولا يكون أولى به في الموت، كما لا يكون بائع السلعة أولى بها إذا مات المشتري، بل يكون أسوة الغرماء على ما بيَّنَّاه.
•••
[١٥٦٩] مسألة: قال: والأجير الذي يبيع في الحوانيت أو يخدم، أسوة الغرماء (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ هذا الأجير ليس لعمله تأثيرٌ يحصل فيكون أحق به، كتأثير الذي يزرع أو يسقي الحائط أو يؤبِّر وما أشبه ذلك؛ لأنَّ من له تأثير عملٍ هو بمنزلة من وجد سلعته عند مفلسٍ، ومن لا تأثير لعمله فهو بمنزلة من لم يجد سلعته عند مفلسٍ، فهو أسوة الغرماء (^٣).
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣١٥)، المدونة [٤/ ٨٦]، النوادر والزيادات [١٠/ ٧٣]، البيان والتحصيل [١٠/ ٥٥٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣١٥).
(٣) نقل التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٢٧]، هذه المسألة عن الأبهري، تحت شرح المسألة رقم ١٦٠٢.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
[١٥٧٠] مسألة: قال: وصاحب الأرض أولى بالزرع، حتى يستوفي كراء أرضه (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنّه بمنزلة من وجد عين ماله عند مُفلسٍ فهو أحق به؛ لأنَّ الزرع إنّما نبت عن أرضه، فهو كأنه سبب حدوثه، فأشبه ذلك من وجد عين ماله عند مفلسٍ فهو أحق به (^٢).
•••
[١٥٧١] مسألة: قال: ومن فَلَّسَ، ثمّ ثاب (^٣) له مالٌ، فغرماؤه أسوةٌ.
فإن لم يثب له مالٌ حتى داين آخرين فَفَلَّسَ، فقام به الأولون والآخرون، فإنَّ الآخرين أولى به (^٤).
• إنَّمَا قال: «إنَّ غرماءَه أولى بماله إذا ثاب له»؛ فلأنه ليس أحدهم أولى بأخذ ماله من الآخر، إذ حقوقهم كلهم واحدةٌ، لا فضيلة لأحدهم على الآخر في ذلك (^٥).
فإن داينه قومٌ آخرون بعد الأولين، ثمّ فَلَّسَ، كان الآخرون أولى بماله من
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣١٥)، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٢٥].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ٢٥]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٣) قوله: «ثاب»، يعني: رجع، ينظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، ص (١٦٧).
(٤) المختصر الكبير، ص (٣١٥)، المدونة [٤/ ٨١]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٢٨ و٣٣].
(٥) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ٢٩]، هذه المسألة عن الأبهري.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
الأولين؛ مِنْ قِبَل أنَّ هذا المال الذي هو في يده لغرمائه الآخرين دون الأولين، فكانوا أولى به؛ لقوة سببهم في أنَّ ذلك مالهم، أو حدث ذلك عن مالهم.
وأشبه ذلك، من وجد سلعته بعينها عند مفلسٍ فهو أحق بها من سائر الغرماء؛ لقوة سببه.
•••
[١٥٧٢] مسألة: قال: ومن دخلت عليه فائدةٌ من ميراثٍ أو عقلِ جرحٍ، تحاصَّ فيه الأولون والآخرون، وتبع الغرماء المفلس بما بقي من حقوقهم، إلّا أن يكونوا يوم حاصوه رضوا بماله فابتاعوه بيعًا فنقص عن حقوقهم، فلا يتبعونه (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ ما حدث له من فائدة ميراثٍ أو عقل جرحٍ، فغرماؤه فيه سواءٌ؛ لأنَّ أحدهم ليس أولى من الآخر.
وليس هذا بمنزلة ما يداينه قومٌ بعد قومٍ، أنَّ الآخرين أولى؛ لأنَّ هؤلاء أحق بالمال الذي في يديه؛ إذ هو عين مالهم أو بدله، وليس كذلك ما كان من فائدة ميراثٍ أو عقل جرحٍ (^٢).
وقوله: «إنَّ الغرماء يتبعون المفلس بما بقي من حقوقهم»؛ فلأن حقهم باقٍ في ذمته، فلهم أن يتبعوه ويأخذوا ذلك من ماله إذا وجدوه، إلّا أن يكون رضوا منه بما أخذوه من المال، وكان أخذهم له على وجه بيع ما لهم عليه من الدَّين
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣١٥)، المدونة [٤/ ٧٨]، النوادر والزيادات [١٠/ ٩]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٣٦].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ٣٤]، هذا الشرح عن الأبهري.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
بالعرض الذي قد أخذوه، أو يكون على وجه الإبراء له، فليس لهم أن يتبعوه بعد ذلك بشيءٍ.
•••
[١٥٧٣] مسألة: قال: ويُحبس المُوسِرُ في القضاء إذا لم يَقضِ، حتى يَقضي (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنّه متعدٍّ بترك قضاء الحق وأدائه إلى صاحبه إذا أمكنه ذلك؛ فليس يُتْرَك وذلك، بل يُؤخذ بدفعه إلى صاحبه، ويحبس حتى يقضيه.
وقد حبس النبيُّ صلى الله عليه، فرَوَى معمر، عن بهز بن حكيم (^٢)، عن أبيه (^٣)، عن جده (^٤): «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ» (^٥).
ورَوَى عبد الله بن المبارك، عن وَبْرِة بن أبي مليكة (^٦)، عن محمد بن
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣١٥)، المختصر الصغير، ص (٦٦٩)، المدونة [٤/ ٧٨]، النوادر والزيادات [١٠/ ١٥].
(٢) بهز بن حكيم بن معاوية القشيري، أبو عبد الملك، صدوق، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (١٦٨).
(٣) حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، والد بهز، صدوق، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٢٦٦).
(٤) هو معاوية بن حيدة القشيري ﵁.
(٥) أخرجه أبو داود [٤/ ٢٣٢]، والترمذي [٣/ ٨٥]، والنسائي في الكبرى [٧/ ٨]، وهو في التحفة [٨/ ٤٢٨]، وقد نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٤٨٨]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٦) وَبْر ابن أبي دُليلة الطائفي، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (١٠٣٥).
[ ٢ / ٦٩٠ ]
ميمون (^١)، عن عمرو بن الشريد (^٢)، عن أبيه (^٣)، عن رسول الله ﷺ قال: «لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وعُقُوبَتَهُ»، قَالَ ابْنُ المُبَارَكِ: «يُحِلُّ عِرْضَهُ: يُغَلَّظُ لَهُ، وَعُقُوبَتَهُ: يُحْبَسُ لَهُ» (^٤).
ورَوَى النضر بن شميل (^٥)، حدثنا هرماس بن حبيب (^٦)، رجلٌ من أهل البادية، عن أبيه (^٧)، عن جده، قال: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِغَرِيمٍ لِي، فَقَالَ لِي: الزَمْهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَخَا بَنِي تَمِيمٍ، مَا تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ بِأَسِيرِكَ؟» (^٨).
•••
[١٥٧٤] مسألة: قال: ولا يُحْبَس المعسر إذا ثبت عُسْرَتُه (^٩).
_________________
(١) محمد بن عبد الله بن ميمون بن مُسيكة الطائفي، مقبول، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٨٦٦).
(٢) عمرو بن الشَّرِيد الثقفي الطائفي، ثقة، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٧٣٨).
(٣) هو الشَّريد بن سويد الثقفي ﵁.
(٤) أخرجه أبو داود [٤/ ٢٣١]، وابن ماجه [٣/ ٤٩٧]، والنسائي في الكبرى [٦/ ٨٩]، وهو في التحفة [٤/ ١٥١].
(٥) النضر بن شميل المازني البصري نزيل مرو، ثقة ثبت، من كبار التاسعة. تقريب التهذيب، ص (١٠٠١).
(٦) الهرماس بن حبيب التميمي العنبري، قال أبو حاتم: شيخ أعرابي، لم يرو عنه إلّا النضر، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (١٠١٩).
(٧) حبيب التميمي العنبري، والد الهرماس، مجهول، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٢٢٢).
(٨) أخرجه أبو داود [٤/ ٢٣١]، وابن ماجه [٣/ ٤٩٨]، وهو في التحفة [١١/ ١٣٤].
(٩) المختصر الكبير، ص (٣١٥)، المختصر الصغير، ص (٦٧٠)، النوادر والزيادات [١٠/ ١٥]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٤٨٧].
[ ٢ / ٦٩١ ]
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، ولا يجوز حبس من قد أنظره الله تعالى.
ولأنَّ صاحب الحق لا يستفيد بحبسه شيئًا، ويضرُّ به هو بانقطاعه عن معاشه وتصرُّفه (^١).
•••
[١٥٧٥] مسألة: قال: ومن اكترى ظهرًا، فحمل عليها حمولةً وبرز بها، فهو أولى بها من الغرماء، إلّا أن يضمنوا له كراءَه في ثقةٍ وملاءٍ.
وكذلك من تكارى دابةً أو استأجر أجيرًا، فهو أولى بالدابة والعبد الذي بيده حتى يستوفي.
وكذلك لو لم يقبضه حتى فَلَّسَ، كان أحقَّ به، وكذلك إذا كانت إبلًا بأعيانها (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك كله؛ لأنَّ المكتري أقوى سببًا من غيره من الغرماء؛ لقبضه ما اكتراه من الدابة أو العبد، فصار أحق به، كالمرتهن أنّه أحق بالرهن؛ لقبضه له وحيازته من غيره من الغرماء.
وكذلك الصُّنَّاع أولى بما في أيديهم مما قد عملوه في الموت والفَلَس؛
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٤٨٧]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣١٥)، النوادر والزيادات [٧/ ٥٥ و١٢٢ و١٠/ ٧٧]، البيان والتحصيل [١٠/ ٣٩١].
[ ٢ / ٦٩٢ ]
لقوة سببهم بقبض الشّيء الذي عملوه، فجرى مجرى المرتهن لا مجرى من وجد عين ماله؛ لأنَّ هذا أحق في الفلس دون الموت على ما بيَّنَّاه.
وقوله: «وكذلك لو لم يقبضه حتى فَلَّسَ كان أحقَّ به، وكذلك إذا كانت إبلًا بأعيانها»، يعني: أنَّ المكتري وإن لم يقبض حتى فَلَّسَ صاحب الظهر، وكذلك المشتري وإن لم يقبض السلعة، لهما حقٌّ بالعقد، فكانا أولى بما عقدا فيه بالشراء والكراء من سائر الغرماء، بمنزلة من وجب له ذلك بالقبض.
•••
[١٥٧٦] مسألة: قال: ومن تكارى حانوتًا يبيع فيه، ثمّ فَلَّسَ، فصاحب الحانوت أسوة الغرماء، وكذلك المنزل يسكنه (^١) (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ المال [] (^٣)، لأنهما وسائر الغرماء بمنزلةٍ لا فضيلة لهما عليهم؛ إذ لم يجدا عين أموالهما، ولا تأثير لِمَا اكترى منهم المفلس.
•••
_________________
(١) قوله: «يسكنه»، ساقط من المطبوع.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣١٦)، المدونة [٤/ ٨٦]، النوادر والزيادات [١٠/ ٧٨]، البيان والتحصيل [١٠/ ٥٤٧].
(٣) ما بين []، بياض في المخطوط بمقدار كلمة.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
[١٥٧٧] مسألة: قال: ومن قام عليه غرماؤه ففلَّسوه بغير سلطا [ن] (^١)، ثمّ داينه آخرون، فهم أولى بما في يديه (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ المال الذي في يده للغرماء الآخرين؛ لأنّه عين مالِهِم أو بدل مالهم، فهم أولى بذلك من الغرماء الذين لا مال لهم في يده، ولا بدل مالهم.
•••
[١٥٧٨] مسألة: قال: ومن اشترى أدمًا (^٣) وقَطَّعَها خِفافًا أو نِعالًا، فلا سبيل لصاحبه؛ للفوت الذي دخله (^٤).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ قَطْعَها وإزالتها عن حالها هو تغيير لها، وذلك فوتٌ، فليس له أخذها.
ولا يشبه هذا بناء البقعة ونسج الغزل؛ لأنَّ عين الغزل باقٍ، وإنما ألَّفَ بعضه إلى بعضٍ، وكذلك عين البقعة باقيةٌ، وإنما جُعِل فيها غيرها، وقطع الأديم بمنزلة قطع الثوب، وذلك فوتٌ.
•••
_________________
(١) ما بين []، غير ظاهر في التصوير، ويقتضيه السياق، وفي المطبوع: «فيما بينهم».
(٢) المختصر الكبير، ص (٣١٦)، المدونة [٤/ ٧٨]، النوادر والزيادات [١٠/ ١٣]، البيان والتحصيل [١٠/ ٣٧٦ و٥١٣].
(٣) قوله: «أَدَمًا»، الأدم: جمع أديم، وهي الجلود التي بلغت غايتها في الدباغ، ينظر: شرح غريب ألفاظ المدونة، ص (٢٤).
(٤) المختصر الكبير، ص (٣١٦)، النوادر والزيادات [١٠/ ٦٠].
[ ٢ / ٦٩٤ ]
[١٥٧٩] مسألة: قال: وإذا وقف السلطان مال المفلس، لم يجز إقرارُه (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنّه يُتَّهم على إخراج المال عن الذين قد فلَّسوه إلى غيرهم؛ من أجل ما فلَّسوه وقاموا عليه، ولا يقبل إقراره في المال الذي في يده، وتلزم ذمّته إقراره، فإذَا حدث له مالٌ أخذه المُقَرُّ له.
ولأنَّ المال الذي حُجِر عليه قد وجب فيه حقٌّ لمن حَجَر عليه، فليس له أن يخرجه عنهم بما يحدث من الإقرار (^٢).
•••
[١٥٨٠] مسألة: قال: وصاحب الرهن أحق به من أهل الدَّين (^٣).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ المرتهن هو أقوى سببًا؛ لقبضه الرهن وحيازته له وتعلَّق حقه فيه، فصار أولى من سائر الغرماء؛ لأنّه وثيقةٌ من حقه، ولا خلاف في هذا نعلمه.
•••
[١٥٨١] مسألة: قال: ومن فَلَّسَه السلطان فباع ماله، فوضعه على يدي رجلٍ فضاع، فمصيبته من الغرماء، وقد برئ الغريم (^٤).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣١٦)، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٤]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٢٨].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ٢٩]، هذه المسألة عن الأبهري.
(٣) المختصر الكبير، ص (٣١٦).
(٤) المختصر الكبير، ص (٣١٦)، النوادر والزيادات [١٠/ ٢٥]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٢٢].
[ ٢ / ٦٩٥ ]
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ قبض الحاكم ثمن ما باعه من مال الذي عليه الدَّين، هو قبضٌ للغرماء؛ لأنَّ يده كأيديهم؛ لأنّه إنّما يبيع لهم، فكأنه باع ذلك بأمرهم وتوكليهم له، فإذَا تلف ثمن ذلك فهو منهم؛ لأنّه باع لهم وقبض الثمن لهم.
•••
[١٥٨٢] قال: وقد قيل: إنَّ المفلس إذا جُمِعَ ماله فوُضِعَ على يدي عدلٍ فتلف، أنَّ الدَّين عليه كما هو، وأنَّ مصيبته عليه ونماؤه له، وهذا أحب إلينا (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ مال الغريم إذا تلف بعد جمعه وقبل بيعه فهو على مُلك الغريم، فتلفه منه؛ لأنَّ زيادته إن زاد فله، وإن نقص فعليه، فكذلك تلفه منه؛ لأنَّ ملكه لم يزل بقبض الحاكم له كما يزول ملكه ببيع الحاكم عليه ويصير الثمن للغرماء.
فلهذا فرَّق مالكٌ بين تلفه قبل أن يباع أنَّه من مال الغريم الذي عليه الحق، ومن تلف ثمنه إذا بِيعَ أنَّ الثمن للغرماء وأنَّه تلف منهم؛ لأنَّ الثمن قد زال ملكه عن الذي عليه الدَّين وصار للغرماء، وليس كذلك ماله إذا جُمِعَ ولم يبع (^٢).
وقد فسر هذا الذي قلته ابن القاسم عن مالك (^٣)، وكذلك غيره من أصحاب مالك، وجعل ابن عبد الحكم هذا خلافًا من قول مالك، وأظنه قد غلط في
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣١٦)، النوادر والزيادات [١٠/ ٢٥]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٢٢].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ٢٣]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٣) لم أقف عليه، وتنظر أقوال أصحاب مالك في النوادر والزيادات [١٠/ ٢٥].
[ ٢ / ٦٩٦ ]
النقل (^١)، إلّا أن تكون هناك روايةٌ لا أعلمها؛ لأنّه أعلم بقول مالكٍ منا، فجعل الاختلاف في القولين، بين تلف الثمن بعد البيع، وبين تلف المبتاع قبل البيع، وهاتان المسألتان مختلفتا الحكم؛ لِمَا ذكرناه من اختلاف المعنى، والله أعلم.
•••
[١٥٨٣] مسألة: قال: وإذا وجد الرّجل سلعته، فمنعه الغرماء منها، وقالوا: «نبيع ونعطيك»، فليس ذلك لهم، إلّا أن يعطوه أو يضمنوا له (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ صاحب السلعة، أعني: البائع، هو أحق بسلعته إذا وجدها عند مفلسٍ، إن شاء أَخْذَهَا، إلّا أن يُعطى ثمنها أو يُضمن له ذلك، وأمّا أن تُباع عليه بغير اختياره فلا.
ألا ترى: أنَّ المفلس ليس له بيعها بعد فَلَسِه، ودفع ثمن ذلك إلى صاحبها، فكذلك الغرماء ليس لهم ذلك.
•••
[١٥٨٤] مسألة: قال: ومن كان يبيع في السـ[ـوق] (^٣) ويشتري، ثمّ تفالس وزعم أنْ لا شيء عنده وأنه أصيب، وشهد قومٌ أنَّ ما عنده شيءٌ، فأرى أنْ يُسجن ولا يُعَجَّل سراحه (^٤).
_________________
(١) حكى ابن عبد البر في الكافي [٢/ ٨٢٨]، هذا القول عن ابن عبد الحكم، ثمّ قال: «ورواه أشهب عن مالك».
(٢) المختصر الكبير، ص (٣١٦)، البيان والتحصيل [١٠/ ٤٧٢].
(٣) ما بين []، مطموس، والسياق يقتضيه.
(٤) المختصر الكبير، ص (٣١٦)، النوادر والزيادات [١٠/ ١٦]، البيان والتحصيل [١٠/ ٣٨٢].
[ ٢ / ٦٩٧ ]
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ هذا متعدٍّ بما فعله ومُضِرٌّ بأرباب الدَّين، فلا يترك.
وذلك إذا لم يُعرف سبب ما يذكره من ذهاب ماله؛ لأنَّ المصائب في الأموال لا تخفى على النّاس في الأغلب، وبخاصةٍ على الجيران ومن يقرب منه، ولو سوغ من يدَّعِي ذلك، لأضرَّ بأهل الحقوق، ولأدَّى ذلك إلى ذهابها.
•••
[١٥٨٥] مسألة: قال: ومن تفالس من غير أمرٍ يأتي به، أُخْرِج من سوق المسلمين (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ تركه يضر بالناس في أموالهم وتلفها عليهم، ويغرهم كونه في السوق وقعوده فيها، فيؤدِّي ذلك إلى إتلاف أموال الناس، وفي ذلك ضررٌ عامٌّ عليهم، فوجب على الإمام إقامته من السوق؛ حتى لا يغتر النّاس بقعوده؛ فيؤدي ذلك إلى ذهاب أموالهم، إلّا أن يأتي ببيانٍ على ذهاب ماله فيكون له عذر، إذ لا صنع له في ذلك ولا اختيار؛ من قِبَل أنّه لا يمكن الاحتراز من المصائب في البدن والمال، وقد قال رسول الله ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًَا يُصِبْ مِنْهُ» (^٢).
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣١٧)، النوادر والزيادات [١٠/ ١٦].
(٢) أخرجه البخاري (٥٦٤٥)، وهو في التحفة [١٠/ ٧٧].
[ ٢ / ٦٩٨ ]
[١٥٨٦] مسألة: قال: وإذا كان الجمَّالُ (^١) يدير الإبل تحت قومٍ، ثمّ فَلَّسَ، وتحت أحدهم منها بعيرٌ، فهو أحقُّ به (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنّه قد صار أولى بقبضه إياه وحَوزِهِ له، فصار بمنزلة المرتهن أنّه أولى بالرهن من سائر الغرماء بقبضه له وحيازته.
•••
[١٥٨٧] مسألة: قال: ومن حمل طعامًا ففَلَسَ صاحبه، فهو أولى به ما دام في يديه، وكذلك الصبَّاغ يموت من دَفَعَ إليه أو يُفْلس (^٣).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الحمَّال بقبضه الطعام وحمله بمنزلة المرتهن إذا قبض الرهن، فصار أولى به؛ لقوَّة سببه.
وكذلك الصُّنَّاع هم أولى بما صنعوه حتى تُدفع إليهم الأجرة في الموت والفَلَسِ؛ بقبضهم الشّيء وكونه في أيديهم، وأشبهوا في هذا المرتهن، أنّه أولى بالرهن في الموت والفلس؛ لقوة سببه من غيره من الغرماء الذين لا رهن معه.
•••
_________________
(١) قوله: «الجمال»، هو مفرد الجَمَّالة، وهم أَصحاب الجِمال مِثْلَ الخَيّالة والحَمّارة، ينظر: لسان العرب [١١/ ١٢٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣١٧)، المدونة [٤/ ٨٦]، النوادر والزيادات [١٠/ ٧٦]، البيان والتحصيل [١٠/ ٥٥٨].
(٣) المختصر الكبير، ص (٣١٧)، المدونة [٤/ ٨٦]، النوادر والزيادات [١٠/ ٧٠ و٧٥]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٢٤].
[ ٢ / ٦٩٩ ]
[١٥٨٨] مسألة: قال: ومن باع دابةً فنتجت، فباع نتاجها وحبسها، فإن شاء صاحبها أَخَذَهَا ولا شيء له في ولدها، وإن شاء أسلمها وحاصَّ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الأصل الذي وقع البيع عليه قائمٌ، وهو الذي وجب له على المشتري الثمن، وهي الدابة لا الولد الذي باعه، وإذا كان كذلك، كان البائع مخيرًا بين أخذها بكل الثمن ولا شيء له فيما باعه المشتري من الولد، ولا يحاصه بثمن ذلك من ثمن الأم، وإن شاء أسلم الأمَّ وحاصَّ الغرماء بثمنها، وذلك كما لو نقصت الأم في بدنها بعورٍ أو عمى أو عجفٍ، كان حكمها ما وصفنا، إمّا أخَذَهَا، وإمَّا أسْلَمَهَا وحاصَّ الغرماء، لا شيء له غير ذلك.
•••
[١٥٨٩] مسألة: قال: وإذا خُلِعَ الرّجل من ماله، تُرِكَ له ما يعيش به هو وأهله وكسوته، وفي زوجته شكٌّ، وإن أجَّر نفسه فكذلك (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ به ضرورةً إلى ما يعيش به من قوتٍ وكسوةٍ، فليس يجوز منعه من ذلك ولا أخذه منه؛ لأنَّ في ذلك إضرارًا به.
ألا ترى: أنَّه لا يجوز أنْ يُعَرَّى ويؤخذ ما عليه من الثوب الذي يستتر به، وكذلك لا يجوز أن يؤخذ قوته الذي يستغني به مدةً، وذلك على قدر اجتهاد الحاكم.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣١٧).
(٢) المختصر الكبير، ص (٣١٧)، وقد نقل ابن أبي زيد في النوادر والزيادات [١٠/ ٨]، هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر: البيان والتحصيل [١٠/ ٣٥٢].
[ ٢ / ٧٠٠ ]
ويمكن أن تكون زوجته مثله؛ إذ لا غنى به عنها، فحكمها حكمه.
ويمكن أنْ تَكُونَ مخالفهً له؛ لأنَّ الإنسان يستغني عن زوجه ولا يستغني عن الكسوة والأكل.
وسواءٌ كان ذلك في المال يؤخذ من يده، أو مما يؤاجر به، هذا حكمه؛ لحاجته إلى ما لا بد له منه.
•••
[١٥٩٠] مسألة: قال: وإذا وُهِب المفلس للثواب، أخذ الغرماء ذلك، والواهب على هبته إذا أفلس صاحبه، بمنزلة البيع (^١).
• إنَّمَا قال: «إنَّ لغرماء المفلس أخذَ ماله الذي يحدث له، سواءٌ كان ذلك ثواب هبةٍ أو غيره من المال الذي يحدث له، والهبة إذا كانت لثوابٍ، ثمّ فَلَّسَ الموهوب فللواهب أخذها»؛ لأنَّ ذلك بمنزلة البيع؛ لأنَّ الهبة إذا كانت على ثواب دنيا جرت مجرى البيع سواءٌ، فإن أعطى الواهب ثوابها، وَإِلّا كان له أخذُهَا.
•••
[١٥٩١] مسألة: قال: ومن ابتاع رأسين (^٢)
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣١٧)، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٧].
(٢) كذا وقعت المسألة في مختصر ابن عبد الحكم، وفي التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٢]: «عبدين»، وفي النوادر والزيادات [١٠/ ٥٥]، والبيان والتحصيل [١٠/ ٣٥٨]، والجامع لابن يونس [١٧/ ٦٩٦]، نقلًا عن العتبية، وكتاب ابن المواز وابن حبيب: «راويتي زيت».
[ ٢ / ٧٠١ ]
بعشرين دينارًا، (^١) واقتضى عشرةً وباع رأسًا وبقي رأسٌ، فليرد خمسةً، ثمّ يكون أولى بما وجد من الغرماء (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ العشرة التي قبضها هي بعض ثمن الرأسين، فعليه أن يرد ما أصاب الرأس الذي بقي وهي خمسة؛ لأنّه لا يجوز أن يأخذ الثمن والسلعة (^٣).
•••
[١٥٩٢] مسألة: قال: وكذلك لو كانت أكثر من ذلك، فعلى هذا الحساب (^٤).
• وهذا فهو على ما ذكرناه في الرأسين إذا بيعا جميعًا؛ لأنّه لا يجوز أن يأخذ السلعة وثمنها، فكذلك بعض كلّ سلعةٍ وبعض الثمن.
•••
_________________
(١) في المصادر المتقدِّمة: «بعشرين دينارًا فيقبض عشرةً وبقي عشرة، ففلس المشتري وقد باع راوية وبقيت في يده راوية، فأراد البائع أخذها بعينها».
(٢) المختصر الكبير، ص (٣١٧)، النوادر والزيادات [١٠/ ٥٥]، البيان والتحصيل [١٠/ ٣٥٨]، الجامع لابن يونس [١٧/ ٦٩٦].
(٣) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٣]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٤) المختصر الكبير، ص (٣١٧).
[ ٢ / ٧٠٢ ]
[١٥٩٣] مسألة: قال: ويُستَأنى بعروض الغريم ودُورِهِ الشهر والشهرين يُطلَب بها الأثمان، ويُستَأنى بالحيوان اليسير (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الحيوان يُخاف تلفه إذا تركه كثيرًا، فيجب بيعه؛ لأنْ يصل الغرماء إلى حقوقهم ويسقط ذلك عن الغريم الذي عليه الحق.
فأمّا الدور والعروض فإنّه يُسْتأنى بها أكثر من الحيوان؛ لأنّها مأمونةٌ؛ ليتوفَّر بذلك على الغرماء والذي عليه الدَّين بما يزاد في ثمنها؛ إذ في ذلك نظرٌ لهم جميعًا، ولا مضرة عليهم.
•••
[١٥٩٤] مسألة: قال: ومن تكارى كراءً مضمونًا أو أسلف في سلعةٍ مضمونةٍ، ثمّ فَلَّسَ الكَرِيُّ قبل أن يقبض، فهو أسوة الغرماء (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ حق المشتري للسلعة قد وجب في ذمة البائع، وكذلك حق المُكتري قد وجب في ذمة المُكْرِي، فوجب أن يُضرب بذلك لهم في ماله، ثُمَّ يُشْتَرى له أو يُكْترى له ما كان له في الذمة.
وليس هذا بمنزلة ما يقبض الدابة من المُكْرِي، ثمّ يفلس أنَّ المُكْتَرِي أولى بها؛ لأنّه قد قبضها وحازها فصار أولى بها، كالمرتهن إذا قبض الرهن وحازه أنّه أولى من سائر الغرماء.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣١٨)، النوادر والزيادات [١٠/ ٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣١٨).
[ ٢ / ٧٠٣ ]
[١٥٩٥] مسألة: قال: ومن فَلَّسَ فوُقِفَ ماله، فوجد رجلٌ سلعته، فتوانى عن قبض سلعته حتى مات المفلس، فهو أحق بمتاعه من الغرماء وإن مات المفلس، إذا وقف السلطان مال المفلس (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ بائع السلعة له أخذها إذا وجدها عند المفلس إن شاء، فإن مات المفلس قبل أخذها فله أن يأخذها بعد موته؛ لأنّه لمّا كان له أن يأخذها قبل موته إذا لم يدفع إليه الثمن، فكذلك له أخذها بعد موته إذا لم يدفع اليه الثمن.
وذلك بمنزلة الشفيع إذا وجبت له الشُّفْعة في مالٍ، ثمّ مات المشتري قبل أخذها له، فله أن يأخذها بعد موته، كما كان له أن يأخذها قبل موته.
ويحتمل أن يكون وجه هذه المسألة: هو أن يكون بائع السلعة قد اختار أخذها بعد فَلَسِ المشتري، ثمّ يموت المشتري قبل قبض البائع لها، فيكون له قبضها باختياره لها قبل موته، والله أعلم (^٢).
وليس هذا بمنزلة اختياره أخْذَهَا من مال الميت المفلس قبل تقدُّم فَلَسِه للموت، وقد بيَّنَّا هذا فيما تقدَّم، أنّه لا يجوز له أن يأخذ سلعته دون سائر الغرماء؛ إذ لا يرجعون إلى مالٍ ولا ذمةٍ.
•••
[١٥٩٦] مسألة: قال: ومن باع أصل حائطٍ لا ثمر فيه، ثمّ فَلَّسَ وفيه ثمرٌ،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣١٨)، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٢١].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ٢٢]، هذه الفقرة عن الأبهري.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
فيأخذه صاحبه بثمره، إلّا أن يحب الغرماء أن يدفعوا إليه حقه، فهو أولى به ما كان في الأصل.
فإذَا جُدَّ (^١) فلا سبيل له إليه، ولا إلى ما أُخِذ منه قبل ذلك (^٢).
• إنَّمَا قال: «إنَّ له أخذ أصل الحائط بثمره إذا كان لم يُجَدَّ»؛ فلأنَّ ذلك عين ماله، وزيادة الثمر كزيادة السلعة في بدنها، كالأمة إذا سمنت، وكذلك الدابة؛ لأنَّ الثمرة غير منفصلةٍ من النخل، كالسُّمْنِ غير منفصلٍ من الأمة.
فإذَا انفصلت الثمرة من النخلة فليس له أخذها، وذلك كانفصال اللبن والصوف من الغنم إذا بيعت، أنّه ليس للبائع أخذ ذلك؛ لأنّه خراجٌ، وكذلك إذا جُدَّت الثمرة أو بلغت الجداد وتناهت فهي للمشتري دون البائع، فهذا وجه قول مالك.
والذي يوجبه القياس، أنْ تكون الثمرة للمشتري إذا كانت قد أُبِّرَت (^٣)، وكذلك يجب أن تكون في الشفيع، تكون الثمرة للمشتري إذا أخذ بالشفعة بعد الإبار؛ لأنَّ التمرة خراجٌ، فإذَا ثبت لها حكمٌ في ملك المشتري في الفلس والشفعة، فهي له دون البائع للنخل إذا وجدها في يد المفلس، ودون الشفيع إذا أخذ النخل من يد المشتري.
_________________
(١) قوله: «جُدَّ»، الجد: هو القطع، وجد الحائط، يعني قطع ثمره، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٧٧).
(٢) المختصر الكبير، ص (٣١٨)، النوادر والزيادات [١٠/ ٦٨].
(٣) قوله: «أُبِّرَت»، التأبير: هو التلقيح، وهو أن يؤخذ طلع الذكر فيعلَّق بين طلع الإناث، ينظر: المنتقى للباجي [٤/ ٢١٥].
[ ٢ / ٧٠٥ ]
والدليل على صحة ما قلنا: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه فَرَّقَ بين حكم الثمرة قبل الإبار وبعده، فجعلها بعد الإبار للبائع إلّا أن يشترطها المشتري مع النخل، وقبل الإبار للمشتري (^١)، وكذلك حكمها في الرهن أَنَّهَا خراجٌ وأنها ليسن برهنٍ مع النخل، وإذا كان كذلك، وجب متى ما أُبِّرت أن تكون للمشتري في الفَلَسِ والشفعة، وقبل ذلك للبائع في الفلس وللشفيع في الشفعة، والذي قاله مالك استحسانٌ، وهذا القياس، والله أعلم.
•••
[١٥٩٧] مسألة: قال: ومن أتى سفينةً واشترى قمحًا من هذا فصبه فيها، ومن آخر فصبه فيها، ثمّ أفلس، فهم أولى به، يتحاصون على قدر أموالهم (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ القمح هو عين أموالهم، فلهم أن يأخذوه بالكيل على مقدار ما لهم من الكيل.
وهذا إذا كان شيئًا واحدًا، فأمّا إذا كان مختلفًا بِيعَ وكانوا أسوةً فيه دون الغرماء، بمقدار ما لكل واحدٍ منهم في ثمن الطعام.
_________________
(١) متفق عليه من حديث ابن عمر: البخاري (٢٧١٦)، مسلم [٥/ ١٦]، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من باع نخلًا قد أبرت، فثمرتها للبائع إلّا أن يشترط المبتاع»، وهو في التحفة [٦/ ٢٠٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣١٨)، النوادر والزيادات [١٠/ ٥٦]، البيان والتحصيل [١٠/ ٣٩٨].
[ ٢ / ٧٠٦ ]
وليس يجوز أن يتقاسموا الطعام؛ لأنَّ ذلك يدخله بيع الطعام بالطعام متفاضلًا على القيمة.
•••
[١٥٩٨] مسألة: قال: ومن عيَّن رجلًا في عطائه، فحُبِس العطاء وله مالٌ فيه وفاءٌ، فلا يأخذ ذلك من ماله (^١).
• يعني: أنّه يعطيه مالًا ليَدْفَع إليه أكثر مما أعطاه من عطائه، فهذا لا يجوز؛ لأنّه ربا، وتسقط عنه الزيادة، ويحاص بأصل المال مع الغرماء.
•••
[١٥٩٩] مسألة: قال: ومن شارك رجلًا في مالٍ بعينه، فلا يلحقه ما ادَّان شريكه (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الشركة إنّما تكون في المال الذي اشتركا فيه دون غيره مما لم يشتركا فيه، فليس يلزم كلّ واحدٍ منهما ما استدان شريكه، ولا تكون بينهما شركةٌ في غير ما اشتركا.
والشركة على وجهين عند مالكٍ:
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣١٨)، النوادر والزيادات [١٠/ ٨٥]، البيان والتحصيل [١٠/ ٤١٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣١٨)، النوادر والزيادات [١٠/ ٧٩]، البيان والتحصيل [١٢/ ٢٣].
[ ٢ / ٧٠٧ ]
شركة مفاوضة: وهي أن يتفاوضا فيما يشتركان فيه من المال، يُفوض كلّ واحدٍ منهما إلى صاحبه البيع والشراء على الانفراد.
وشركة عنان: وهي أن لا يبيع أحدهما دون صاحبه ولا يشتري.
فأمّا ما يقول أهل العراق في المفاوضة: «إنَّ ما حدث لأحدهما من فائدةٍ، أو أرْشُ جنايةٍ، أو ميراثٍ على قول بعضهم، فهو بينهما على الشركة»، فهذا غررٌ ولا يجوز ولا يحل، وقد «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ» (^١).
ولأنَّ ذلك أكل المال بالباطل؛ لأنّه ليس هبةً عن طيب نفسٍ، ولا إخراجه على معاوضةٍ تحصل له.
•••
[١٦٠٠] مسألة: قال: ومن ارتهن سلعةً لرجلٍ فاشتراها منه، ثمّ فَلَّسَ (^٢)، فالمرتَهِنُ أولى بها، فإن أحب البائع أن يفتكها من المرتهن فيكون أولى بها بالثمن الذي له، ويحاص الغرماء بما افتكها به، فذلك له (^٣).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ المرتهن قد قبض الرهن فصار أولى به من بائع السلعة، إلّا أن يعطيه بائعها فكاك الرهن، فله أخذها؛ لأنّها عين ماله.
_________________
(١) أخرجه مسلم [٥/ ٣]، وهو في التحفة [١٠/ ١٨٦].
(٢) قوله: «فاشتراها منه ثمّ فَلَّسَ»، كذا في شب، وصورة المسألة كما في البيان والتحصيل [١٠/ ٤١٥]: أن يشتري الرّجل السلعة بدين إلى أجل، ثمّ يرهنها، ثمّ يفلس، والسلعة عند المرتهن.
(٣) المختصر الكبير، ص (٣١٩)، البيان والتحصيل [١٠/ ٤١٥].
[ ٢ / ٧٠٨ ]
ولا فرق بين أن يجدها عند مرتهنٍ أو عند المشتري إذا فَلَّسَ في أنَّ له أخْذَهَا؛ لأنَّ ملك الرهن للراهن دون المرتهن، ثمّ يحاص البائع الغرماء بفكاك الذي افتكها به؛ لأنَّ ذلك دَينٌ له عليه.
•••
[١٦٠١] مسألة قال: ومن فَلَّسَ فوقعت له شفعةٌ، فقال له الغرماء: «خذها ونحن نزيدك مئه دينارٍ في ثمنها ونحطها من دينك»، فأبى، فليس ذلك لهم عليه أن يأخذها (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ من قِبَل أنّه ليس لهم على الغريم أن يُمَلِّكُوه شيئًا لا يختار ملكه، وإنما لهم أخذ دَينهم من ماله إن وجدوا، وَإِلّا تبعوه في ذمَّته.
•••
[١٦٠٢] مسألة: قال: ومن استأجر أجيرًا على أن يحفظ رحله وعلوفة ظهره أو بيع متاعه، فأفلس، فالأجير أسوة الغرماء (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الاجير ليس له هاهنا عين مالٍ ولا شيء حدث له تأثيرٌ بعمله، فكان أسوة الغرماء في الموت والفلس.
•••
[١٦٠٣] مسألة: قال: ومن اكترى دارًا سنةً، فسكن ستة أشهر، ثمّ فَلَّسَ،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣١٩)، النوادر والزيادات [١٠/ ١٠].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣١٩)، النوادر والزيادات [١٠/ ٧٣]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٢٧].
[ ٢ / ٧٠٩ ]
فصاحب الدّار أولى بما بقي من السنة، ويحاص بما مضى من السنة الغرماء، وإن أحبَّ أن يُسَلِمَ الدّار كلها ويحاص بالكراء كله، فذلك له (^١).
• إنَّمَا قال: «إنَّ صاحب الدّار أولى بما بقي من السنة»؛ لأنَّ ذلك عين ماله، فله أخذ ذلك، كما أنَّ له أخذ سلعته في الفلس، وما مضى فهو أسوة الغرماء في أجرته.
فإن أحبَّ حاصَّ الغرماء بكل الكراء وسكن المفلس باقي السنة، كما يكون له ذلك في الفلس إذا وجد بعض سلعته (^٢).
•••
[١٦٠٤] مسألة: قال: ومن باع سلعةً ففات بعضها وبقي بعضها، فإن أحب أن يأخذها بقيمتها مما باع، فذلك له، ويحاص بالباقي.
فإن أحب الغرماء أن يحبسوها ويدفعوا إليه قيمتها على حساب ما باع، فذلك لهم، وإن أحب أن يسلمها ويحاص، فذلك له (^٣).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ بائع السلعة لمَّا كان له أخذُهَا كلها إذا وجدها عند
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣١٩)، النوادر والزيادات [٦/ ١٥٢ و١٠/ ٧٧]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٢٦].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ٢٦] شرح المسألة عن الأبهري، وفيها زيادة، هي: «إلّا أن يدفع إليه الغرماء حصّة ما بقي من مدّة الإجارة بالتّقويم، فذلك لهم، ويحاصص هو بما مضى من مدّة الإجارة؛ لأنّ تلك الأجرة عادت دينًا في ذمّة المكتري».
(٣) المختصر الكبير، ص (٣١٩).
[ ٢ / ٧١٠ ]
مفلسٍ أو تركها ومحاصة الغرماء بثمنها، فكذلك له ذلك في بعضها إذا وجدها؛ لأنَّ حكم بعضها في هذا كحكم كلها، إلّا أن يريد الغرماء حبسها ودفع ثمنها إليه، فذلك لهم على ما بيَّنَّاه؛ لأنّه لا مقال له إذا دُفِعَ إليه الثمن.
وحكم بعض السلعة في هذا كحكم كلها؛ لأنّه لمّا كان للغريم أن يدفع ثمنها كله أو بعضه ويأخذ البعض، ثمّ كان للغرماء حقٌّ في مال الغريم، فلهم فعل ذلك فيما بينهم وبين صاحب السلعة، كما كان ذلك للذي عليه الحق؛ لأنهم قد قاموا مقامه.
ألا ترى: أنَّ الوارث يقوم مقام الموروث في أمواله وحقوق المال المتعلِّقة به، ثمّ كان الغرماء أحق بمال الميت من الوارث، كانوا أيضًا لهم من الخيار في أخذ سلعة الغريم المفلس ودفع ثمنها إلى البائع مثل ما كان للمفلس، والله أعلم.
•••
[١٦٠٥] مسألة: قال: وإذا أفلس الصُّنَّاعُ، فأخرج الصائغ سبيكةً فقال: «هذه لفلانٌ»، وأخرج النساج غزلًا فقال: «هذا لفلانٍ»، فلا يقبل ذلك منه إلّا ببينةٍ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنّه يُتَّهَم أنْ يكون يريد المحاباة لأحدٍ ممن يذكر أنّه له، فلا يقبل قوله بغير بينةٍ، كما لا يقبل إقراره إذا فَلَّسَ في المال الذي في يده.
وقد قال مالكٌ: «إنه يقبل إذا لم يُتَّهم» (^٢)، أعني في الصائغ؛ لأنَّ هذه الأشياء
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣١٩)، النوادر والزيادات [٧/ ٧٢ و١٠/ ٤٨]، البيان والتحصيل [١٠/ ٤٠٢ و٤٣١].
(٢) ينظر: النوادر والزيادات [١٠/ ٤٨].
[ ٢ / ٧١١ ]
أمانةٌ في يده وليس تتعلَّق بذمَّته كالدَّين الذي هو متعلِّقٌ في ذمّته يؤخذ من ماله فلا يجوز أن يَقْضِي بعض غرمائه دون بعضٍ.
وكذلك لا يجوز أن يُقِرَّ فيه بدَينٍ؛ لأنَّ في ذلك إخراج المال عنهم، وذلك غير جائزٍ، ويلزمه الإقرار في ذمّته لمن أقر له.
•••
[١٦٠٦] مسألة: قال: ومن باع جاريةً بمئة واقتضى من ثمنها خمسين، فولدت عند المشتري - يعني: من غير سيدها - ثمّ ماتت وفَلَسَ، فأراد أن يأخذ ذلك، فليرد الخمسين كلها.
وليس هذا مثل الرّجل يبيع الرأسين فيقبض نصف الثمن، ثمّ يفلس ويجد أحدهما (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ بقاء ولد الجارية الذي ولد بعد ملك المشتري لها هو كبقاء الجارية؛ لأنَّ حكم الولد حكم الأم على ما بيَّنَّاه فيما تقدَّم.
وليس للبائع أن يأخذ من الثمن شيئًا إذا أخذ الولد، كما أنّه ليس له أخذ شيءٍ منه إذا أخَذَ الأم؛ من قِبَلِ أنّه لا يجوز له أن يأخذ سلعته وثمنها.
وليس هذا بمنزلة سلعتين إذا بيعتا فاقتضى بعض ثمنها، ثمّ تلفت
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣١٩)، وقد نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٤]، هذه المسألة.
[ ٢ / ٧١٢ ]
واحدةٌ؛ لأنَّ إحداهما لا تقوم مقام الأخرى، وليس حكم إحداهما حكم الأخرى، فوجب أن يرد من الثمن بقدر ما يخص الباقية دون التي تلفت (^١).
•••
[١٦٠٧] مسألة: قال: ومن باع جاريةً فاقتضى بعض ثمنها، ثمّ فَلَّسَ فرده وأخذها، ثمّ وجد بها عيبًا، فإن شاء ردها وحاصَّهم، وإن شاء حبسها ولا شيء له (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ البائع إذا وجد سلعته عند المشتري إذا فَلَّسَ، ثمّ أخذها بالثمن الذي له، فهو بمنزلة المشتري من المفلس؛ لأنّه كأنه اشتراها بالثمن الذي له.
ألا ترى: أنّه ليس يُجبر على الأخذ إذا لم يُرِدْ أخذها.
فإذَا اختار أخذها، ثمّ وجد بها عيبًا حدث عند المشتري المفلس، كان له ردُّها بالعيب، ورجع إلى الثمن فحاص الغرماء به، كما يكون ذلك له لو اشتراها من غيره.
•••
[١٦٠٨] مسألة: قال: ومن استدان فزَرَعَ فاستأجر أجيرًا، ثمّ عجز عنه واستدان، فإنّه يُبْدَأُ بالآخر فالآخر؛ لأنّه أحياه للذي كان قبله، فإن فضل شيءٌ كان
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٤]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣١٩)، النوادر والزيادات [١٠/ ٦٣].
[ ٢ / ٧١٣ ]
للأول، وإن لم يفضل شيءٌ، لم يكن له شيءٌ، والأجير يُبَدَّأُ على كلّ ذلك، كان أولًا أو آخرًا (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ صاحب الدَّين الأخير أقوى سببًا؛ لأنَّ حياة الزرع بماله كانت، ولولا دَينه الذي أنفق على الزرع لتلف الزرع.
وكان بمنزلة من وجد سلعته عند مفلسٍ، أنّه أحق بها من غيره الذي لم يجد عين سلعته، ثمّ يكون بعده الذي يليه في النفقة، ثمّ الذي يليه على هذا الترتيب؛ لأنَّ كلّ من أخَّر دَينه الذي جني به الزرع، أقوى سببًا ممن تقدَّمه.
وكذلك الأجراء، هم بهذه المنزلة، يقدَّم الأجير على الذي تقدَّمه؛ لأنَّ بعمله نبت الزرع وحَيَى، فهو بمنزلة من وجد [عين ماله أنّه أولى به من] (^٢) غيره، ثمّ الذي يليه على هذا [الترتيب المتقدِّم] (^٣).
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٢٠)، النوادر والزيادات [١٠/ ٧٣]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٣٢]، البيان والتحصيل [١٠/ ٥٤٤].
(٢) ما بين []، في موضع موضع طمس في المخطوط، والمثبت من شرح التلمساني [٩/ ٣٣]، حيث نقل شرح المسألة عن الأبهري.
(٣) ما بين [] في موضع موضع طمس في المخطوط، والمثبت من شرح التلمساني [٩/ ٣٣]، حيث نقل شرح المسألة عن الأبهري.
[ ٢ / ٧١٤ ]
[١٦٠٩] [مسألة: قال:] (^١) [] (^٢) بعض غرمائه دون بعض، كبيعه وابتياعه (^٣).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ من عليه الدَّين يجوز له التّصرُّف في ماله بالبيع والشراء، فكذلك يجوز له أن يقضي ويقتضي؛ لأنّه على أصل الإطلاق حتى يحجر عليه، وقبل ذلك فله أن يتصرَّف فيما لا يتلف ماله (^٤).
•••
[١٦١٠] مسألة: قال: ومن تكارى أرضًا فزرع واستأجر، ثمّ رهن الزرع وقبضه المرتهن، ثمّ فَلَّسَ، فَبَدَأَ (^٥) صاحب الأرض والأجير، يتحاصان، يُحَاص صاحب الأرض بكراء أرضه، ويحاص الأجير بإجارته (^٦).
_________________
(١) ما بين [] مطموس، والسياق يقتضيه.
(٢) ما بين []، قرابة نصف سطر أو أكثر مطموس، والسياق في مسألة: من أفلس ولم يوقف لتفليس، جاز له أن يقضي بعض غرمائه دون بعض، وفي التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٣٠]: «وليس له بعد التّفليس أن يقضي بعض غرمائه دون بعضٍ، وله ذلك قبل فلسه».
(٣) هذه المسألة غير مثبتة في المطبوع، ويشبه أن تكون هذه المسألة، ما في الكافي لابن عبد البر [٢/ ٨٢٨]: «ومن كان عليه دين يحيط بماله ولم يوقف لتفليس، فجائز أن يقضي بعض غرمائه دون بعض وجائز تصرفه في بيعه وشرائه»، وينظر: النوادر والزيادات [١٠/ ٤٣].
(٤) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ٣]، هذه المسألة عن الأبهري.
(٥) قوله: «فَبَدَأ»، كذا رسمها، ولعلها: «فيبدّأ».
(٦) المختصر الكبير، ص (٣٢٠)، النوادر والزيادات [١٠/ ٧٤]، البيان والتحصيل [١٠/ ٥٤١].
[ ٢ / ٧١٥ ]
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ صاحب الأرض والأجير هما بمنزلة من وجد عين ماله؛ لأنَّ الزرع بسببهما وُجِد، بأرض صاحب الأرض، وبعمل الأجير، فكان (^١) أولى به؛ لأنَّ عينه وُجِدت بسببهما، فكانا أولى من المرتهن الذي لم يوجد الزرع بفعله.
ثم إن فضل منهما شيءٌ، كان المرتهن أولى به من سائر الغرماء الذين لا رهن في أيديهم.
•••
[١٦١١] مسألة: قال: ومن كان عليه دَينٌ ببينةٍ، فأقر بدَينٍ للناس وليست لهم عليه بينةٌ، فذلك ثابتٌ عليه ما لم يتبين فَلَسُه، فإذَا بان فلا يجوز ذلك له.
وكذلك لو أقر بدَينٍ لامرأته وأقام سنين، ثمّ فَلَّسَ، فإنها تحاص مع الغرماء (^٢).
• إنَّمَا قال: «إنَّ إقرار الذي عليه الدَّين ببينةٍ جائزٌ بالدَّين وإن لم يكن على إقراره بينةٌ»؛ لأنّه لم يُفَلسه الحاكم، ولا تبيَّن فلسُه، فهو على الأصل في جواز تصرُّفه في ماله بالبيع والشراء والقضاء والاقتضاء، فكذلك هو في إقراره بالدَّين إذا كان عليه.
فإذَا فَلَّسه الحاكم أو تبيَّن فَلَسُه، لم يجز إقراره بالدَّين في المال الذي في
_________________
(١) قوله: «فكان»، كذا في شب.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٢٠)، المدونة [٤/ ٧٦ و٧٧].
[ ٢ / ٧١٦ ]
يديه؛ لأنّه يريد إخراجه من الذين فلَّسوه، فاتُّهِم في ذلك، وكان في ذمَّته يؤخذ من ماله الذي يحدث له.
وكذلك إقراره لامرأته جائزٌ إذا كان ذلك في صحته، إ [ذا] (^١) كان [] (^٢) في إقراره لها، وتحاص مع الغرماء.
•••
[١٦١٢] مسألة: قال: ومن كان له عند رجلٍ قِرَاضٌ، فأفلس وفي يده أمتعةٌ للناس، فإنّه يحاص الغرماء، إلّا أن يقيم البيّنة على شيءٍ أنّه من ماله (^٣).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ القِراض حقٌّ من الحقوق في يد المُقَارَضِ، فإذَا أفلس حاصَّ ربّ المال الغرماء بماله الذي في يده، كما يحاصه الغرماء بحقوقهم، إلّا أن يُعرَفَ عين ماله ويثبت ذلك ببينةٍ تقوم، فيكون أولى به من سائر الغرماء، كما يكون بائع السلعة أحق بها إذا وجدها عند المشتري إذا فلَّس.
•••
[١٦١٣] مسألة: قال: ومن صالح امرأته بعشرة دنانير إلى شهرٍ (^٤)، ثمّ فلَّست، فهو والغرماء أسوةٌ، كما تحاص غرماء زوجها (^٥) إذا أفلس بصداقها (^٦).
_________________
(١) ما بين []، مطموس، والسياق يقتضيه.
(٢) ما بين []، طمس بمقدار كلمتين أو ثلاث كلمات، ولعلها: «غير متهمٍ».
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٢٠).
(٤) قوله: «إلى شهرٍ»، ساقط من المطبوع.
(٥) قوله: «كما تحاص غرماء زوجها»، كذا في شب، وفي المطبوع: «كما يحاص وغرماء زوجها».
(٦) المختصر الكبير، ص (٣٢٠).
[ ٢ / ٧١٧ ]
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ العشرة دنانير قد وجبت للزوج على امرأته بالخلع الذي خالعها وصارت دَينًا في ذمة المرأة بدلًا مما ملَّكَها من الطلاق، فوجب أن يحاص بها الغرماء كما تحاص المرأة بصداقها غرماء زوجها؛ لأنَّ ذلك بدلٌ من بُضْعِها الذي قد استمتع به الزوج، فكذلك الزوج يحاص ببدل ما أخرج من يده من الاستمتاع غرماءَ الزوجة.
•••
[١٦١٤] مسألة: قال: ومن حمل طعامًا على ظهرٍ أو سفينةٍ، ثمّ فَلَّسَ، فهو أولى بما في يديه حتى يستوفي كراءَه (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنّه بقبضه الطعام وحوزه له صار أولى به؛ لقوة سببه، كما يكون المرتهن أولى بالرهن الذي في يده؛ لقوة سببه بقبضه الرهن وحوزِهِ من سائر الغرماء.
وكذلك الصُّنَّاع هم أولى بما في أيديهم مما عملوه؛ لقبضهم ذلك، حتى يُعْطَوا أجرة ما عملوه.
•••
[١٦١٥] مسألة: قال: ومن تزوَّج امرأةً بعبدٍ بعينه، وعليه دَينٌ يحيط بماله، فيقوم عليه الغرماء، فهي أحق به حين لم يُوقف على فَلَسٍ حتى أصدقها (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٢٠)، النوادر والزيادات [١٠/ ٧٥]، البيان والتحصيل [١٠/ ٥٤٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٢٠).
[ ٢ / ٧١٨ ]
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ العبد قد وجب للمرأة وصار لها بإصداق الزوج ذلك لها، وذلك بمنزلة ما لو باعه منها؛ لأنَّ تصرفه في ماله جائزٌ - وإن كان عليه دَينٌ - في البيع والشراء حتى يفلِّسه الحاكم، فكذلك فيما أصدق امرأته.
•••
[١٦١٦] مسألة: قال: ومن تكارى كراءً فزاغ عنه الكَرِيُّ، فلا أرى للسلطان أن يتكارى عليه، إلّا أن يكون له مالٌ فيتكارى له عليه، ويحاصُّ الغرمَاءَ بالكراء الذي له عليه، ولا يحاصهم بقيمة سلعته التي أعطاه (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ السلطان لا يجوز له أن يَغُر من يكتري له منه عليه إذا لم يكن للكرِيِّ الذي هرب مالٌ؛ لأنَّ المكري الثاني لا يرجع إلى ثقةٍ في كرائه.
فإذَا كان له مالٌ جاز أن يكتري عليه؛ لأنَّ ذلك حقٌّ لزمه، فليس يزول عنه بالهرب.
فإن لم يكن له مالٌ، حاص المكتري غرماء الكرِيِّ الذي هرب في ماله إن كان له أو حدث له.
وقوله: «لا يحاصهم بقيمة السلعة»؛ لأنَّ السلعة التي دفعت إليه على أن يحملها فأخذها وهرب في يده على وجه الأمانة، وليست في ذمّته كالكراء الذي قبض، فلذلك لم تجب له محاصتهم بقيمة السلعة.
•••
_________________
(١) هذه المسألة غير مثبتة في المطبوع.
[ ٢ / ٧١٩ ]