كما لو اكترى غلامًا ليخدمه سنةً فمات قبل السنة، رجع من الأجرة ببقية السنة، وكذلك يرجع عليها بما دفع من النفقة للصبي تمام السنة؛ لأنّه قد بقي في يدها، فعليها أن ترد ذلك إلى أبيه.
•••
[١٥٤٧] مسألة: قال: ويفرض للمرأة إذا خاصمت زوجها في نفقتها ولها عيالٌ ورقيقٌ: مُدٌّ من (^١) حنطةٍ بمد مروان، وما يصلحها من الزيت والحطب والكسوة.
وإن كان موسرًا، زِيدَ في الحنطة على مدِّ مروان في كلّ يومٍ ويجعل لها شيءٌ من اللحم، ومن وسط الكسوة مما يكسو الناس.
فأمّا الخز (^٢) والعَصْب (^٣) والسمن والعسل، فلا يفرض ذلك على أحدٍ.
وليس ذلك عليه أن ينفق على رقيقها، إلّا على خادمٍ؛ فإنّه لا بد لها من خادمٍ يخدمها (^٤) (^٥).
_________________
(١) قوله: «مدٌّ من»، كذا في شب، وفي المطبوع: «مدان».
(٢) قوله: «الخز»، هو جنس من الثياب، كان يصنع من وبر الدواب، ثمّ أصبح يصنع من الحرير، ينظر: المصباح المنير، ص (١٦٨) النظم المستعذب [٢/ ٢٢٦]، المطلع على أبواب المقنع، ص (٤٢٨).
(٣) قوله: «والعَصْب»، هي ثيابٌ موشاةٌ تعمل باليمن، ينظر: المحلى لابن حزم [١٠/ ٢٧٦]، المغرب للمطرزي، ص (٣١٧).
(٤) من قوله: «على مدِّ مروان»، إلى هذا الموضع، ساقطٌ من المطبوع.
(٥) المختصر الكبير، ص (٢٠٨)، المختصر الصغير، ص (٥١٦)، مختصر أبي مصعب، ص (٣٥٨)، النوادر والزيادات [٤/ ٥٩٦]، التفريع مع شرح التلمساني [٧/ ٣٤١].
[ ٢ / ٦٥٦ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣]، فألزم الله ﷿ الأزواج أن ينفقوا على أزواجهم ما بهنَّ إليه حاجةٌ في القوت وما يتبعه من الأدم والكسوة، على حسب حاجتهن وكفايتهن وحالهن من حال الزوج، على ما قد جرى من عرف النّاس في البلد الذي هم فيه في مثلهم بقدر كفايتهم، وعلى قدر اجتهاد الحاكم في ذلك.
فيفرض لها من القوت والأدم والكسوة بقدر حاجتها، وقد قال الله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة:٢٣٦]، وقال: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق:٧]، وقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النسا:١٩]، وقال: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود:٨٨].
فعلى الحاكم أن يفعل ما هو صلاحٌ للزوج والزوجة، ولا يفعل ما هو ضررٌ على واحدٍ منهما من تكليفه ما لا يقدر عليه، أو ينقص الزوجة عما تحتاج إليه.
فهذا هو الأصل في اعتبار مقدار نفقة الزوجة وفرضها على الزوج، يُرجع في ذلك في كلّ بلدٍ إلى ما يعرفونه (^١) في الحنطة والزيت واللحم والحطب وغير ذلك من الأدم، ما لا يستغنون عنه.
وقوله: «مد مروان»، فلا أعرف كم مقداره، وهو شيءٌ يعرفه أهل المدينة، ولكن هو على حسب كفاية النّاس بالمدينة.
_________________
(١) إلى هذا الموضع من شرح المسألة، نقله التلمساني في شرح التفريع [٦/ ٤٤٥].
[ ٢ / ٦٥٧ ]
وكذلك قال مالك في كفّارة اليمين: «إنَّ المد عندنا بالمدينة كافٍ» (^١)، يعني: مد النبيِّ صلى الله عليه، فأمّا في سائر المواضع فيشبعهم غداءً وعشاءً.
فكذلك نفقة الزوجات، على كلّ إنسانٍ أن يقيم بكفايتها على حسب حالهم وعرفهم في بلدهم، في قوتها وأدمها، وسائر مصالحها وكسوتها، ليس لذلك حدٌّ محدودٌ، وهو على اجتهاد الناظر فيه على حسب الوقت.
وقوله: «إنه لا يفرض لها العصب والخز والسمن والعسل»، فإنما يعني بذلك: أهل مدينة الرسول ﷺ؛ لأنَّ أحوال أكثرهم تقصر عن ذلك.
فإن كان فيها من يحتمل حاله ذلك وحال زوجته، وتحتاج إلى ذلك وعليه دَخَل، فعليه أن ينفق عليها ذلك ويكسوها، وَإِلّا فارق إن امتنع منه وطالبته بالفراق.
وكذلك سائر الأمصار إذا كان عرفهم قد جرى بنفقةٍ أو سعةٍ من قوتٍ وعسلٍ وسمنٍ وخزٍّ ووشيٍ (^٢)، فإنَّ عليه أن ينفق عليها ما تحتاج إليه في قوتها ومصالحها وكسوتها حسب كفايتها، وَإِلّا فارقها؛ لأنّه على ذلك دخل.
وقد ذكرنا أنَّ أصل ذلك هو على حسب كفايتها وحالها من حاله، على ما قد جرى العرف في بلدهم ووقتهم.
وقد رَوَى حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂.
ورواه الزهري، عن عروة، عن عائشة: «أَنَّ هِنْدًَا بِنْتَ عُتْبَةَ، جَاءَتْ إِلَى
_________________
(١) ينظر: المدونة [١/ ٥٩١].
(٢) قوله: «ووشي»، الوشي: نوع من الثياب الموشية، والثوب الموشي: المرقوم والمنقوش، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٤٨٦).
[ ٢ / ٦٥٨ ]
نفقة المرأة التي تطلق وبها حمل
النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَإِنَّهُ لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» (^١)، فهذا هو الأصل في مقدار وجوب نفقة الزوج على الزوجة، أنَّ ذلك على حسب كفايتها وكفاية ولدها بالمعروف.
وقوله: «إنَّه ليس عليه أن ينفق على خدمها، إلّا واحدًا»، فلأنَّ الخادم الواحد لا بد للمرأة منها (^٢) إذا كانت لا تخدم نفسها، وأقل ذلك هو واحدٌ، فليس عليه أن ينفق على أكثر منه؛ لأنّها تستغني عنه، إلّا أن تكون تحتاج إلى أكثر من خادمٍ لمرضٍ أو عذرٍ، أو تكون المرأة ممن لا يكفيها خادمٌ (^٣).
•••
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١٣١٤.
(٢) قوله: «منها»، كذا في شب، ولعلها: «منه»، كما في تتمة السياق.
(٣) يوجد سقط في القطعة الموجودة من النفقة بعد هذا الموضع، وقد نقل التلمساني في شرح التفريع [٧/ ٣٤٤]، عن الأبهري شرح المسألة التالية: نفقة المرأة التي تطلّق وبها حملٌ
(٤) - (وإذا أبأنها فادّعت الحمل، لم تعط نفقة حملها حتى يظهر، وظهوره بحركته، فإذا ظهر حملها أعطيت نفقة الحمل كلّه من أوّله إلى آخره. وإذا أعطيت نفقة الحمل، ثمّ انفشّ الحمل ففيها روايتان: إحداهما: أنه لا يرجع عليها بشيءٍ، والرواية الأخرى: أنّه يرجع عليها بالنّفقة) قال في شرح التفريع [٧/ ٣٤٤]: «قال الأبهري: لأنّ إيجاب النّفقة على الزوج حكمٌ، وليس يجوز أن يحكم في مالٍ أو غيره حتى يتيقّن وجه الحكم والنّفقة لها حتى يظهر حملها، وظهوره بحركته، ولكن تنفق على نفسها من عندها، فإذا ظهر حملها أعطيت نفقة الحمل من أوّله إلى آخره».
[ ٢ / ٦٥٩ ]
[١٥٤٨] مسألة: قال: ويلزم الرّجل النفقة على ابنه حتى يحتلم، وعلى ابنته حتى يدخل بها زوجها.
فإذا رجعت إليه بموتٍ أو فراقٍ، فلا نفقة لها عليه (^١).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، فأوجب الله تعالى على الأب أن يرتضع لولده وأن يقوم بكفايته؛ لأنَّه غير مستغنٍ بنفسه، فكان ذلك واجبًا عليه حتى يستغني بنفسه، وذلك بأن يحتلم الغلام؛ لأنَّه حينئذٍ يلزمه الخطاب ويقوى على التّصرُّف والكسب، أو تتزوجَ الجارية ويَدْخُلَ بها زوجها؛ لأنّها تستغني بنفقة زوجها عليها عن نفقة أبيها؛ أو تتصرَّف لنفسها ببروز وجهها ومعرفة مصالحها.
_________________
(١) وقال أيضًا: «واختلف إذا أنفق عليها فانفشّ الحمل عنها، هل يرجع عليها بشيءٍ أم لا؟ فذكر ابن الجلاب في ذلك روايتين؛ وكذلك قال الأبهري في مختصر ابن عبد الحكم». وقال أيضًا: «ووجه القول الثّاني: أَنَّهَا أخذت ما لها أن تأخذه في الظاهر، ولا يتيقّن في الحال أَنَّهَا غير مستحقة، فإذا انفقت لم يكن عليها ردُّ ذلك. قال الأبهري: ولكلّ قولٍ وجهٌ، والأقيس أنّ عليها ردّ النّفقة إذا لم تكن حاملًا، كما أنّ على الإنسان ردّ ما قد حكم به الحاكم وإن لم يعلم في حال حكمه أنّ ذلك ليس له، غير أنّه انكشف له ذلك في ثاني حال».
(٢) المختصر الكبير، ص (٣١٢)، المختصر الصغير، ص (٦٦٣)، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (١٠٨)، المدونة [٢/ ٢٦٢ و٢٦٥]، التفريع مع شرح التلمساني [٧/ ٣٤٨].
[ ٢ / ٦٦٠ ]
فأمّا قبل ذلك، فعلى الأب أن ينفق عليهما جميعًا، إلَّا أن يحدث لهما مالٌ يستغنيان به عن نفقة الأب، فينفقان من مالهما دون مال الأب.
وقوله: «إِذَا رجعت إليه بموتٍ أو فراقٍ فلا نفقة لها»؛ فلأنَّ فرض النفقة قد زال عن الأب بدخول الزوج بها، فلا يعود ذلك إليه، وكذلك إِذَا بلغ الغلام وهو صحيح، ثمّ زَمِن فلا نفقة على أبيه؛ لأنَّ فرض النفقة قد زال عن الأب، ولا يعود إليه إلَّا بدلالةٍ.
•••
[١٥٤٩] مسألة: قال: ولا يحاسِبُ الرجلُ ولده (^١) إِذَا لم يكن له مالٌ، وإنما يحاسبه من يوم يحدث له المال فيما يستقبل، عرضًا كان أو عينًا (^٢).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ نفقته قبل أن يحدث لولده مالٌ عليه، فليس يجوز له أن يحاسبه في ماله بنفقةٍ تلزمه.
وإنما يحاسبه من حين يحدث لولده مالٌ؛ لأنَّ فرض النفقة حينئذٍ يزول عن الأب ويصير في مال الابن، سواءٌ كان ماله عينًا أو عرضًا، إلَّا أن يعلم أنَّ الأب تبرع بالنفقة عليه، أو لم يرد الرجوع بها في مال الابن، فلا يكون له أن يحاسبه حينئذٍ؛ لأنَّ نفقته كذلك هو على وجه الحسبة والصلة.
•••
_________________
(١) في موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (١٠٩): «ولا يحاسِبُ الرجلُ ولده بما أنفق عليه في صغره».
(٢) المختصر الكبير، ص (٣١٢)، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (١٠٩).
[ ٢ / ٦٦١ ]
[١٥٥٠] مسألة: قال: ولا يلزم الأم النفقة على ولدها (^١).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الله تعالى جعل نفقة الولد على الوالد دون الأم، بقوله ﷿: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، وقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، ولم يُلْزِم الأم النفقة على ولدها.
وكذلك ليس في السُّنَّة إلزام الأم النفقة على ولدها، وإنما ذلك على الأب، وقد قال النبيُّ ﷺ لهند: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» (^٢)، حيث قالت له: إنَّ أبا سفيان لا يعطيها ما يكفيها وولدها بالمعروف.
فثبت بدليل الكتاب والسُّنَّة، أنَّ النفقة على الأب دون الأم.
فأمّا من جهة النظر؛ فلأنَّ النساء لمّا كُنَّ ممَّن يُنفَقُ عليهم ويُرْفق بهنَّ، لم يجب عليهنَّ أنْ يُنْفِقْنَ على أولادهنَّ، وقد قال الله سبحانه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤].
فأمّا نفقتها على أبويها فذلك عليها إذا كانا محتاجين؛ لأنّها قد أمِرَت بالبر بهما، وفُرِضَ عليها أن لا تعقَّهما، وليس من البر إجاعتهما، فالنفقة عليهما واجبةٌ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣١٢)، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (١٠٩)، المدونة [٢/ ٢٦٢]، التفريع مع شرح التلمساني [٧/ ٣٥٠]، النوادر والزيادات [٥/ ٥٥].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١٣١٤.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
عليها بإجماع العلماء، فأمّا على ولدها فغير واجبةٍ؛ لعدم قيام الدليل على ذلك، ولأنَّ حرمة الولد ليس كحرمة الأبوين.
•••
[١٥٥١] مسألة: قال: ولا يلزم الرّجل النفقة على أخيه ولا أخته، ولا على ابن ابنه.
ويلزم المرأة النفقة على أبيها وإن كره ذلك زوجها (^١)، وإن أحاط ذلك بمالها (^٢).
• إنّما قال: «إنَّه لا يلزمه النفقة على أخيه ولا على ابن ابنه»؛ فلعدم قيام الدلالة على وجوب النفقة عليه لهما؛ لأنَّ وجوب نفقتهما هو على غيره، فلا ينقل إليه إلَّا بدلالةٍ.
ألا ترى: أنّه لا نفقة على الجد لابن ابنه إِذَا كان أبوه باقيًا، وكذلك لا نفقة على أخيه إِذَا كان أبوه باقيًا موسرًا.
وإذا كان كذلك، عُلِم بهذا أنَّ فرض النفقة في الأصل ليس على الجد، ولا على الأخ، وأنَّ ذلك على غيرهما.
_________________
(١) جملة «وإن كره ذلك زوجها»، مكانها [] في المطبوع من موطأ ابن وهب، ص (١٠٩)، فتستدرك من هذا الموضع.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣١٢)، المختصر الصغير، ص (٦٦٤)، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (١٠٩)، المدونة [٢/ ٢٦٣]، التفريع مع شرح التلمساني [٧/ ٣٥١].
[ ٢ / ٦٦٣ ]
فإن قيل: قد قال الله ﷿: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة:٢٣٣]، وهذا يوجب أن تكون النفقة على كلّ وارثٍ (^١).
قيل له: معنى قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، راجعٌ على أن لا يُضَارَّه على النفقة؛ لأنَّ النفقة للولد لم يَتَقَدَّم لها ذِكْرٌ هاهنا فيرجع النسق عليها، وإنما تقدَّم ذكر نفقة الزوجات بقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ويستحيل أن يقوم الوارث في النفقة على الزوجة مقام الموروث؛ لأنَّ الزوج إنّما أنفق لوجود الاستمتاع الذي له في الزوجة، ولا يقوم وارثه مقامه فيها (^٢).
وقد رَوَى أشعث، عن الحسن، عن مجاهد، عن ابن عباس: «﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، قَالَ: لَا يُضَارَّ» (^٣).
وكذلك قال الشعبي، والضحاك، وغيرهما، قالوا: لَا يُضَارَّ.
وقد قال مخالفنا في هذا: «إنَّ رجلًا لو خَلَّفَ جده أبا أمه، وابن عمه، كان الميراث لابن عمه، والنفقة على جده أبي أمه» (^٤)، فقد جعل النفقة على غير وارثٍ، وكذلك يقول في الخال والعم، أنَّ النفقة على الخال، والميراث للعم، وهذا خلاف أصله الذي بناه، فعُلِم بهذا فساد قوله.
وقوله: إنَّ المرأة تُلْزَم النفقة على أبيها وإن كره زوجها؛ فلأنَّ نفقتها على أبويها حقٌّ من الحقوق التي تلزمها في مالها، كالزكاة وأرش جناية وشبه ذلك،
_________________
(١) تقدَّم ذكر الاعتراض في المسألة رقم ١٥٤٤.
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٧/ ٣٥٣]، شرح المسألة عن الأبهري.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة [١٠/ ١٨٠]، والبيهقي في السنن الكبرى [١٦/ ٧٨].
(٤) ينظر: المسألة رقم ١٥٤٤.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
فليس لزوجها منعها من ذلك كله؛ لأنَّه حقٌّ عليها في مالها، كما أنَّه ليس له منعها من حقوق الله ﷿ عليها في بدنها، مثل الصلاة والصيام، وغير ذلك من العبادات.
•••
[١٥٥٢] مسألة: قال: ولا يأخذ الرّجل من مال ولده شيئًا إلَّا بإذنه، إلَّا أن يحتاج فينفق عليه ابنه (^١)، فضلًا عن نفسه وأهله (^٢).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الرّجل لا يملك مال ابنه كما لا يملك رقبته، فلا يجوز له أن يأخذ من ماله بغير إذنه إِذَا كان مستغنيًا عنه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» (^٣).
فأمّا إِذَا كان محتاجًا فإنّه يأخذ منه بقدر حاجته؛ لأنَّ على الابن أن ينفق على أبيه إِذَا أمكنه ذلك، فإن لم يمكنه لم يكن عليه أن ينفق على أبيه؛ لأنَّه أحق بذلك من أبيه.
وقد رَوَى حماد بن زيد، عن عاصم، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَعِي دِينَارٌ، قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ، قَالَ: مَعِي آخَرُ، قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى زَوْجَتِكَ، قَالَ: مَعِي آخَرُ، قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ، قَالَ: مَعِي آخَرُ، قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ، قَالَ: مَعِي آخَرُ، قَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ، ثُمَّ قَالَ
_________________
(١) جملة: «فينفق عليه ابنه»، مكانها [] في موطأ ابن وهب، ص (١٠٩)، فتستدرك من هذا الموضع.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣١٢)، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (١٠٩).
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١٢٦٠.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
رَسُولُ اللهِ ﷺ: تَقُولُ زَوْجَتُكَ: أَنْفِقْ عَلَيَّ وَإِلّا طَلِّقْنِي، ويَقُولُ وَلَدُكَ: أَنْفِقْ عَلَيَّ، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي، ويَقُولُ خَادِمُكَ: أَنْفِقْ عَلَيَّ أَوْ بِعْنِي» (^١) فكان الإنسان أولى النّاس بماله حتى يستغني، ثمّ زوجته؛ لأنَّ نفقتها تجري مجرى المعاوضة، ثمّ ولده الذي لا يستغني عنه بنفسه، وكذلك أبواه، عليه أن ينفق عليهما إِذَا كانا محتاجين، وكلُّ ذلك فيما يَفْضُلُ من قوته وما يحتاج إليه، لا فيما هو محتاجٌ إليه.
•••
[١٥٥٣] مسألة: قال: ولا يأخذ الرّجل من مال والديه إلَّا بإذنهما (^٢).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّه لا يملك مال والديه، ولا يجوز للإنسان أن يأخذ مال غيره بغير إذنه، إلَّا أن يكون له حقٌّ في ماله فمنعه منه، فيجوز له أن يأخذه.
•••
[١٥٥٤] مسألة: قال: وللرجل أن يُخْرِج ولده إِذَا بلغ (^٣).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ فرض نفقته عليه يسقط ببلوغه إِذَا كان صحيحًا غير
_________________
(١) أخرجه ابن خزيمة [٤/ ١٦١]، من طريق حماد بن زيد، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ولم أقف عليه من طريق عاصم عن ابن سيرين عن أبي هريرة.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣١٢)، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (١٠٩).
(٣) المختصر الكبير، ص (٣١٢).
[ ٢ / ٦٦٦ ]
زَمِنٍ، فله أن يُخْرِجه؛ لأنَّه قد استغنى عن أبيه وَكَوْنِهِ عنده، قال مالك: «وقد فعل عمر بن الخطاب» (^١).
•••
[١٥٥٥] مسألة: قال: وإذا أنفق الرّجل على ولده ولهم مالٌ قد ورثوه، وكتب ما أنفق عليهم، فلمّا هلك، أراد الورثة أن يحاسبوهم:
(فإن كان لهم مالٌ موضوعٌ، فليس عليهم غُرْم ما أنفق عليهم إِذَا لم يقل ذلك عند موته.
(وإن كان لهم مالٌ قد استنفقه فلم يوجد، فإنهم يحاسبون بما أنفق عليهم.
(وإن كانت أموالهم حيوانًا أو عروضًا، حُوسِبوا (^٢).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ نفقته عليهم من ماله وتَرْكَهُ أن ينفق عليهم من أموالهم إِذَا كان غنيًا، دلالةٌ في الأغلب أنّه لم يُرد النفقة عليهم من أموالهم، وأنه أرادها من ماله، فليس للورثة أن يرجعوا عليهم بذلك؛ لأنَّ أباهم تبرَّع بالنفقة عليهم وَتَرَكَ مالهم لهم، إلَّا أن يأمر بذلك الأب عند موته، فيُعْلَم أنّه لم يرد التبرع بالنفقة عليهم.
فأمّا إِذَا كان مالُهُم عروضًا أو حيوانًا أو عقارًا فأنفق عليهم من ماله، فإنَّ
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣١٢)، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (١٠٩)، النوادر والزيادات [٥/ ٦٨].
[ ٢ / ٦٦٧ ]
للورثة أن يحاسبوهم؛ مِنْ قِبَل أنَّ نفقة الأب عليهم من ماله تجوز أن تكون إنّما هي حتى يبيع العروض والعقار، ثمّ يأخذ ما أنفق من ثمن ذلك، وليس تركُه النفقة هاهنا من مالهم التي يحتاج إلى بيعها كتركه من المال الذي يمكن التّصرُّف فيه والنفقة منه من غير بيعٍ.
•••
[١٥٥٦] مسألة: قال: وليس على الابن الموسر أن يُحِجَّ أباه من ماله (^١).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الابن عليه أن يقيم بمؤونته لِقُوتِهِ وكِسوته، ويعفَّ فرجه إن احتاج إلى ذلك، فأمّا الحج به فليس يلزمه؛ لأنَّه لا فرض على أبيه إِذَا لم يقدر على المشي، أو لم يكن له مالٌ يحج به إِذَا كان لا يقدر على المشي.
•••
[١٥٥٧] مسألة: قال: وعلى الرّجل أن يُنفق على أُمِّهِ إِذَا كانت تحت زوجٍ، إِذَا كان زوجها محتاجًا (^٢).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ على الابن أن ينفق على أمه إِذَا كانت محتاجةً إلى نفقته، سواءٌ كان لها زوج أو لم يكن.
ألا ترى: أَنَّهَا لو لم يكن لها زوجٌ وكانت تصلح للزوج، لم يكن له أنْ يُجْبِرَها على التزويج ولا يطالبها بذلك لتزول عنه النفقة، وإن كانت قادرةً على
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣١٣)، البيان والتحصيل [٥/ ٣٢٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣١٣)، المدونة [٢/ ٢٦٣]، النوادر والزيادات [٥/ ٦٦]، التفريع مع شرح التلمساني [٧/ ٣٥٢].
[ ٢ / ٦٦٨ ]
الاستغناء بنفقة الزوج عن ابنها، فكذلك إِذَا كانت تحت زوجٍ، ولم تكن مستغنيةً بنفقة زوجها عن نفقة ابنها، فعليه أن ينفق عليها؛ لأنَّه لا يجوز له أن يجيعها ويعريها وهو قادرٌ على أن يكفيَها مؤونة ذلك.
•••
[١٥٥٨] مسألة: قال وليس على الرّجل أن ينفق على جده ولا على جدته (^١).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّه قد حال بينه وبين فرض النفقة عليه غيره، إِذ ليس أصْلُ فرضهما عليه؛ لأنَّ نفقة الابن على أبيه الأدنى دون جده، وكذلك على الابن الأدنى أن ينفق على أبيه دون ابن الابن.
ألا ترى: أنَّ كلّ واحدٍ منهما إِذَا كان موجودًا موسرًا، كانت النفقة على الأقرب منهما دون الأبعد ولم يشتركا فيه، فكذلك إِذَا عدِمَ الأقرب، لم يلزم الأبعد؛ لأنَّ أصل وجوبها ليست عليه.
ولا فصل بين نفقة الجد والجدة في ذلك؛ لأنَّ أصل الجد والجدة ووجوب نفقتهما وميراثهما هما الأبوان.
ألا ترى: أنهما لا يرثان مع وجود الأبوين، فكذلك لا يلزم ولد ولدهما النفقة عليهما، ولا يلزمهما أيضًا النفقة على ولد ولدهما؛ لِمَا ذكرناه.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣١٣)، المدونة [٤/ ٣٣٣]، التفريع مع شرح التلمساني [٧/ ٣٥٣]، الجامع لابن يونس [٢١/ ٤٨١].
[ ٢ / ٦٦٩ ]