[١٢٥٦] قال: ومن كانت عنده وديعةٌ، فاشترى بها جاريةً فحملت منه، فهي في ذمَّته وتكون أم ولدٍ، وإن كان إنّما أكلها، فصاحب الوديعة أسوة الغرماء (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المودَعَ لمّا تعَدَّى في المال الذي عنده باشترائه جاريةً، فقد تعلَّق المال في ذمَّته وصارت الجارية له، فإذا حملت منه صارت أم ولدٍ؛ لأنَّ المودِعَ، أعني: ربَّ المال، لا يملك عينها فيكون له أخذها، وله المال في ذمَّة المودَعِ.
وكذلك إذا تلف المال فهو في ذمَّته، ويكون المودِعُ أسوة الغرماء؛ لأنَّ ماله قد صار دَينًا في ذمَّة المودَعِ.
وليس المودَعُ في هذا كالمقارض أو المبضَعِ معه إذا اشترى بالمال جاريةً، ثمّ وطئها فحملت أَنَّهَا تباع دون ولدها:
لأنَّ المودِعَ لم يُرِدْ في الوديعة طلب الفضل وإنما أراد حفظها، فإذا ردَّ عليه مثلها فقد وصل إلى غرضه.
والمقارِضُ والمبْضِعُ طلبا الفضلَ لمَّا دفعا إلى المقارَضِ والمبْضَعِ معه، فيكون لهما الخيار إذا تعدَّى عليهما، بين:
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧١)، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٣٦].
[ ٢ / ٣٩٧ ]
تضمين المتعدِّي المال الذي طُلِبَ الفضلُ - وهو قيمة الجارية حين الوطء -.
أو تضمين المال الذي أخذاه.
وله بيع الجارية إن لم يكن للمتعدِّي مالٌ؛ لأنَّ شراء الجارية إنّما هو لربِّ المال، وليس كذلك شراء المودَعِ الجارية لربِّ المال، فيكون له أخذها، فافترقا من هذا الوجه (^١).
•••
[١٢٥٧] مسألة: قال: وإذا استودَعَ الرجُلُ وديعةً عنده لحجٍّ أراده عند من يثق به، فلا ضمان عليه.
وكذلك أموال اليتامى (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المودَعَ عليه أن يفعل في الوديعة من الحفظ والحياطة والحرز مثل ما يفعل بماله (^٣)، فإذا احتاج إلى سفرٍ لحجٍّ أو غيره مما يجوز، جاز أن يودعَهَا غيرَه ممن يثق به، كما يفعل ذلك بماله، ليس عليه أكثر من ذلك.
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٣٧]، شرح المسألة عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٧١)، المدونة [٤/ ٤٣٣]، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٢٩]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٢٨].
(٣) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٢٩]، هذا التعليل عن الأبهري.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
فإن تلفت لم يكن عليه شيءٌ؛ لأنّه فعل ما له أن يفعل، كما لو تلفت عنده لم يكن عليه شيءٌ.
•••
[١٢٥٨] مسألة: قال: وإذا كانت الوديعة لا يقدِرُ على صاحبها، أنّه إذا أيس منه تصدَّق بها عنه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّها مالٌ لا يُعرَف له مستَحقٌّ، فحكمه أن يفرق في الفقراء أو في مصالح المسلمين، كما يُفعل ذلك في الأموال التي لا أرباب لها، كالخمس والصدقات وأشباه ذلك (^٢).
•••
[١٢٥٩] مسألة: قال: ومن تجر بوديعةٍ، فالربح له، والضمان عليه (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه متعدٍّ بالتجارة بها، فعليه الضمان إن تلفت، والربح له بالضمان.
وليس كذلك المضارب والمبضَعِ معه إذا تجرا بالمال لأنفسهما؛ لأنَّ ربَّ المال دخل في هذا على طلب الفضل والتجارة، فليس لهما أن يجعلا ذلك لهما
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧١)، المدونة [٤/ ٤٤٥]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٣٩].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٣٩]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٧١)، الموطأ [٤/ ١٠٦٤]، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٣٨]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٣٥].
[ ٢ / ٣٩٩ ]
دون ربِّ المال، ولم يدخل المودِعُ على طلب الفضل، وإنما أراد حفظها له، وله أصل المال دون الربح (^١).
•••
[١٢٦٠] مسألة: قال: ولا يتسلف الرّجل من الوديعة تكون عنده إلّا بإذن صاحبها (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الوديعة هي مالٌ عند المودَعِ، وليس يجوز له أن يتصرَّف فيه بغير إذن ربه؛ وقد قال رسول الله ﷺ: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» (^٣)، فليس ينبغي لأحدٍ أن ينتفع بملك أحدٍ بغير إذنه إذا كان ذلك يضرُّ به.
فإن كان لا يضرُّ به جاز ذلك له؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (^٤)، فليس ينبغي لأحدٍ أن يمنع غيره أن ينتفع بشيءٍ من ماله إذا كان لا يضرُّ به (^٥).
•••
[١٢٦١] مسألة: قال: ومن أقر بوديعةٍ عند رجالٍ من غير أن يُشْهِدَ عليها صاحِبُهَا، ثمّ هلك، فقام صاحب الوديعة بطلب ذلك:
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٣٥]، شرح المسألة عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٧١).
(٣) أخرجه الدارقطني في سننه [٣/ ٤٢٤] بهذا اللفظ.
(٤) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١١٣٨.
(٥) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٣٤]، شرح المسألة عن الأبهري.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
(فإن كان ذلك قريبًا، فلعلَّ شهادتهم يؤخذ بها.
(وإن كان ذلك بعد حينٍ أو بعد زمانٍ قد طال، فلا شيء له (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ما قرب من المدَّة إذا أقر بها، فهو في الظاهر أَنَّهَا في يده، وأنه إنّما أراد التوثق لصاحبها بالإشهاد عليه.
فأمّا إذا طال ذلك، أعني: طال ما بين مدَّته وإشهاده على نفسه، لم يؤخذ بشهادتهم؛ لجواز ردِّ المودَعِ ذلك عليه، أو تلفها عنده فيما تقدَّم من طول المدَّة.
•••
[١٢٦٢] مسألة: قال: ومن استُودِعَ وديعةً، فاستودَعَهَا على غير عذرٍ، فعليه الضمان (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المودِعَ إنّما وثق بالمودَعِ دون غيره، فليس له أن يدفعها إلى غيره من غير ضرورةٍ تنزل به؛ لأنّه إذا فعل ذلك ضمنها؛ لأنّه متعدٍّ مخالفٌ لِمَا قد أمر به من غير ضرورةٍ.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧١)، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٤٣]، البيان والتحصيل [١٥/ ٢٨٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٧١)، المدونة [٤/ ٤٣٣]، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٢٩]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٢٨].
[ ٢ / ٤٠١ ]
[١٢٦٣] مسألة: قال: ومن دُفِعَت إليه وديعةٌ ببيِّنةٍ، فلا يخرجه منها إلّا بالبيِّنة (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذ شُهِدَ على المودَعِ عند قبضه للوديعة، فكأنه لم يوثق به؛ إذ قد توثق منه عند الدفع إليه، فيجب أن يتوثق هو أيضًا عند ردِّها، ومتى لم يفعل ذلك، فقد فرَّط ولا يقبل قوله في ردِّها إلّا ببيِّنةٍ.
•••
[١٢٦٤] مسألة: قال: ومن تسلَّف من وديعةٍ شيئًا، فلا ضمان عليه فيما بقي، ويضمن ما أخذ حتى يردَّه.
وترك السلف من الودائع أفضل (^٢)، فإن كان له مالٌ فيه وفاءٌ وأشهد على ذلك، فأرجو أن لا يكون به بأس (^٣).
• إنّما قال ذلك: «إنه لا ضمان عليه فيما بقي من الوديعة إذا تلفت»؛ فلأنه غير متعدٍّ فيما بقَّاه، وليس هو متعدِّيًا بالسلف منها؛ لأنَّ تسلفها أحرز لها؛ لأنّها تتعلَّق بذمَّته، وتركها كذلك يُخْشَى عليها التلف.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧١)، المدونة [٤/ ٤٣٦]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٢٦].
(٢) في البيان والتحصيل [١٥/ ٢٩٢]: «وسُئل: عمن بيده مال ليس له، أله أن يسلفه؟، قال: ترك ذلك أحبّ إليّ».
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٧١)، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٣٤]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٣٠]، البيان والتحصيل [١٥/ ٢٩٢].
[ ٢ / ٤٠٢ ]
فإذا كان المودَعُ موسرًا مأمونًا، كان تسلفها أنفع لربِّها، فلم يكن متعدِّيًا بالسلف منها ولا بترك ما بقي.
فليس يلزمه ضمان ما بقي، وإنما يلزمه ردُّ ما تسلَّف، وقد رُوِيَ عن عائشة (^١)، وابن عمر (^٢)، أنهما كانا يتسلَّفان أموال أيتامٍ في حجرهما (^٣).
•••
[١٢٦٥] مسألة: قال: ومن استودَعَ رجلًا صبرةً فيها حنطةٌ فأنفقها، فجاء صاحبها يطلبها، فقال: «قد أنفقتها»، قال: «فإني جعلت فيها دنانير»، فيحلف المستودَعُ: «ما أخذت منها شيئًا ولا علمت لك فيها شيئًا»، ويبرأ (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المودِعَ مدَّعٍ على المودَعِ دنانير، وهو منكِرٌ لذلك، فعليه البيّنة على ما يدعيه، وَإِلّا حلف المودَعُ؛ لأنّه منكِرٌ.
•••
[١٢٦٦] مسألة: قال: ومن دُفِعَ إليه مالٌ بغير بيِّنةٍ ليدفعه إلى رجلٍ، فلا يدفعه إلّا ببيِّنةٍ، فإن فعل ضمن، ولكن له أن يودّيها إلى من ائتمنه بغير بيِّنة إذا كان دفعها إليه بغير بيِّنةٍ (^٥).
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه عبد الرزاق [٤/ ٩٩]، والبيهقي في السنن الكبرى [٨/ ٢٣٧].
(٣) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٣١]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٧٢)، البيان والتحصيل [١٥/ ٢٩٤].
(٥) المختصر الكبير، ص (٢٧٢)، المختصر الصغير، ص (٦٤٩)، المدونة [٤/ ٤٣٦].
[ ٢ / ٤٠٣ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المدفوع إليه المال يجب عليه أن يتوثق للدافع إليه ذلك بأن يُشْهِدَ على الذي أمره بالدفع إليه؛ ليسقط المال الذي كان على الدافع؛ ولتزول المطالبة عنه، فمتى لم يفعل ذلك المأمور بالدفع، فقد فرط وضيع، ولزمه المال إذا جحد ذلك المدفوع إليه، وقد قال الله ﷿: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦]، أمَرَ الحكام والأوصياء بذلك والمال ليس في ذمَّتهم، إنّما هو في أيديهم أمانةٌ، فكذلك المدفوع إليه المال هو في يده أمانةٌ، وعليه أن يدفع ذلك ببيِّنةٍ إلى من لم يأمنه عليه.
فأمّا إذا ردَّه إلى ربه الذي دفعه إليه، قُبِلَ قوله وإن لم تكن له بيِّنةٌ؛ لأنّه قد ائتمنه على ذلك، وهذا إذا لم يدفعه إليه ربه ببيِّنةٍ على ما ذكرناه.
•••
[١٢٦٧] مسألة: قال: ومن استُودِعَ مالًا، فزعم أنّه قد ضاع، فالقول قوله ولا شيء عليه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه مؤتمنٌ على الوديعة، والقول قول المؤتمن مع يمينه في التلف؛ لأنّه لا يقدر على التحرز من ذلك؛ ولا صنع له في تلفها؛ ولأنَّ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧٢)، المختصر الصغير، ص (٦٤٩)، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٢٦]، البيان والتحصيل [١٥/ ٣٠٩].
[ ٢ / ٤٠٤ ]
قبضه الشّيء لمنفعة ربه لا لمنفعته، فلا فائدة له في الوديعة، فكان تلفها من ربها، والقول قول المودَعِ في ذلك (^١).
•••
[١٢٦٨] مسألة: قال: ومن هلك وعنده وديعةٌ وقراضٌ ومال بضاعةٍ دُفِعَ إليه، ولم يوصِ به ولم يذكر في حياته أنَّ ذلك قد هلك قبله، فإنّه يجب في ماله كهيئة الدَّين، يكون أسوة الغرماء (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ كلّ ذلك حقٌّ في يده، وديعةً كانت، أو قراضًا، أو بضاعةً، وعليه ردُّ ذلك إلى أربابه، كما عليه أداء الدَّين.
فإذا مات قَبْلَ ذلك كانوا أسوة الغرماء إذا لم تُعْرَف أموالهم بأعيانها.
فإذا عُرِفت كانوا أولى بها من أرباب الدَّين؛ لأنَّ حقوق هؤلاء في الأعيان لا الذمَّة، فصاروا أولى بأعيان حقوقهم.
ألا ترى: أَنَّهَا لو تلفت وعُلِم ذلك، لم يؤخذ من ماله شيءٌ.
فإذا لم تعرف أعيانها كانوا أسوة الغرماء؛ لاختلاط ذلك كله بماله؛ وأنها حقوقٌ في يده تؤخذ من ماله إذا لم تُعرَف أعيانها.
•••
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٢٧] شرح المسألة عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٧٢)، المدونة [٤/ ٤٣٧].
[ ٢ / ٤٠٥ ]
[١٢٦٩] مسألة: قال: ومن أمر رجلًا يتقاضى له مالًا، ففعل وخلطه بماله، فهو أسوة الغرماء (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ مال الذي أمره بقبضه قد صار في ماله واختلط به، فربه أسوة الغرماء على ما ذكرناه.
•••
[١٢٧٠] مسألة: قال: والمرأة في صداقها أسوة الغرماء (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الصداق دَينٌ من الديون، ويجب عن بدلٍ ومعاوضةٍ، كما وجب سائر الديون، فكانت المرأة أسوة الغرماء.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧٢).
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٧٢)، الكافي لابن عبد البر [٢/ ٨٣٢]، البيان والتحصيل [١٠/ ٤٦٦].
[ ٢ / ٤٠٦ ]