فيمن رهن ما لا يضمن على أنه ضامن له
(^١) بسم الله الرحمن الرحيم
_________________
(١) ينفق عليها أجرة سنتِها إن لم يكن نقد كراءها، أو يسترجع من المكري كراء سنته إن كان نقد كراءها فينفقه على بئرها ). قال في شرح التفريع [٨/ ٣٧٠]: «قال الأبهري: لأنّ عليه أن يوفّي المكتري ما اكتراه منه من منفعة أرضه، وليس يصل إليها إلّا بالماء، فإذا انقطع لم ينتفع بما اكتراه، فعليه أن ينفق كراء سنته. ولم يكن عليه أن ينفق أكثر من ذلك؛ لجواز أن تنهدم البئر في السّنة الثّانية والثّالثة، فيحتاج أن ينفق عليها كراء كلّ سنةٍ تنهدم فيها؛ لأنّ المكتري للأرض ليس عليه أن ينفق على الماء أكثر من كراء سنةٍ؛ لأنّه لو تلف زرعه، لم يكن له أكثر من ردّ كراء السّنة التي تلف فيها الزّرع؛ وكذلك ليس له أن ينفق أكثر من ذلك».
(٢) هذه هي أول القطعة الموجودة من الرهن، وقد نقل التلمساني في شرح التفريع عن الأبهري جملة من شرح مسائل الرهن، كالتالي: فيمن رهن ما لا يضمن على أنّه ضامنٌ له
(٣) - (ومن رهن ما لا يُضْمَن على أنّه ضامنٌ، لم يلزمه ضمانه بشرطه). قال في شرح التفريع [٩/ ٦٠]: «اختلف إذا شُرِط في الرّهن ضمان ما لا يضمن، أو عدم ضمان ما يضمن، فقال ابن القاسم: هو على ما كان عليه قبل ذلك، وشرطه باطل قال الأبهري ولأنّ أصلّ الرّهن ليس بأمانةٍ؛ لأنّ المرتهن يقبضه لمنفعة نفسه، والأمانة هو ما يقبضه المؤتمن لمنفعة ربّه كالوديعة، فإذا شرط في الرّهن أنّه وديعةٌ، كان شرطه باطلًا؛ لمخالفة شرط الله ورسوله في ذلك، كما لو شرط في الأمانة أنّه ضامنٌ لها، لكان شرطه باطلًا، وكما لو شرط في البيع ألّا دراك عليه، لكان شرطه باطلًا؛ لأنّ النّبيّ ﷺ أبطل شرط بائع الأمة على أنّ الولاء له؛ لأنّ ذلك خلاف شرط الله ورسوله، وقال: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ الله تَعَالَى، فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ، شَرْطُ الله أَحَقُّ، وَقَضَاؤُهُ أَوْثَقُ».
[ ٢ / ٣٤٤ ]
غلات الرهن
[١١٩٤] مسألة: قال: ومن كان عليه دَينٌ يحيط بماله، فقد اختلف في رهنه:
_________________
(١) غلات الرهن
(٢) - (ونسل الحيوان رهنٌ مع أمّهاتها، وفراخ النّخل والشّجر رهنٌ مع أصولها. وثمر النّخل والشّجر لا يدخل في الرّهن، إلّا أن يشترط ذلك مرتهنها. وألبان الإبل والبقر والغنم وأصوافها غير داخلةٍ في رهنها، إلّا أن يشترط ذلك مرتهنها). قال في شرح التفريع [٩/ ٦٥]: «قال الأبهري: ولأنّ ثمرة النّخل خراجٌ، فهي للراهن؛ لأنّ مِلكَ الرّاهن له، فالخراج له بالضّمان. وكما لا يكون لبن الحيوان رهنًا معها، فكذلك لا يكون ثمر النّخل والشّجر رهنًا معها. قال: وكلّ رهنٍ له غلّةٌ، فلا تكون الغلّة رهنًا معه إلّا أن يشترط، فيكون رهنًا إلى محل الحقّ». وقال أيضًا في [٩/ ٦٦]: «وإنّما قلنا: إنّ النّسل رهنٌ مع الأمّهات؛ لأنّ كلّ حكم استقرّ في رقبةٍ دون منافعها، فإنّه يسري إلى ولدها، أصله ولد أمّ الولد، وولد المدبَّرة. وقد بسط الأبهري الاحتجاج على هذه المسألة، فقال: وإنّما كان نسل الحيوان رهنٌ مع أمهاتها؛ لأنّ حكم ولد الرّهن إذا حدث بعد الرّهن كحكم الأمّهات، من قِبَلِ أنّ كلّ عقد ثبت في الأمّهات لا سبيل إلى حلّه، فهو للولد إذا حدث، إلّا الإجارة والنّكاح، وذلك كولد أمّ الولد إذا حدث بعد كونها أمّ ولدٍ، فحكمه حكم أمّه، وكذلك ولد المدبَّرة والمكاتبة، فكان ولد المرهونة كذلك. وكذلك ولد ما فيه الزّكاة من الماشية، [حكمه] حكم أمّهاته في وجوب الزّكاة فيه، واعتبار حوله بحول الأمّهات. وكذلك حكم الولد أيضًا في الحريّة والرّقّ حكم أمّه إذا كان حادثًا بعد عقد النّكاح، كالحرّ إذا تزوّج بأمةٍ، فولده عبدٌ لسيّد الأمة، والعبد إذا تزوّج حرّةً، فولده حرٌّ. فوجب بما ذكرنا، أن يكون ولد الحيوان رهنًا مع الأمّ، ولا يكون ثمن الشّجر رهنًا
[ ٢ / ٣٤٥ ]
الانتفاع بالرهن
ارتهان العبد الذي له مال
في مساقاة الحائط، ثم رهنه
فقيل: لا يجوز.
_________________
(١) مع الشّجر، كما لا يكون حكم خراج الأمّ حكم ولدها؛ لأنّ ذلك ملكٌ للسيّد، له أن يتصرف فيه، وليس يتصرّف في ولدها، كما لا يتصرّف فيها ببيعٍ ولا هبةٍ». الانتفاع بالرّهن
(٢) - (ومن ارتهن رهنًا على ثمن سلعةٍ واشترط الانتفاع بالرّهن في أجل الثّمن، فلا بأس به، ومن أقرض رجلًا مالًا وارتهن منه بذلك رهنًا واشترط الانتفاع بالرّهن في مدّة أجل القرض، لم يجز ذلك). قال في شرح التفريع [٩/ ٦٩]: «قال الأبهري: وكأن المرتهن اتباع سلعةً بثمنٍ معلومٍ، ومنفعة الرّهن مدّةٌ معلومةٌ؛ وذلك جائز؛ لأنّه بيع وإجارة معلومة». وقال أيضًا في [٩/ ٧٠]: «فأمّا إن أقرضه قرضًا على رهنٍ، وشرط منفعة الرّهن مدّةَ أجر القرض، لم يجز ذلك؛ لأنّه سلفٌ جرّ منفعةً. قال الأبهري: وكأنه أقرض الرّاهن لينتفع بالرّهن مدّة السّلف، وذلك قرضٌ جرّ منفعةً، وهو حرامٌ». ارتهان العبد الذي له مالٌ
(٣) - (ومن ارتهن عبدًا له مالٌ، لم يكن مال العبد رهنًا معه). قال في شرح التفريع [٩/ ٧١]: «قال الأبهري: لأنّ مال العبد بمنزلة ثمرة النّخل، فلمّا لم تكن الثّمرة رهنًا مع النّخل إذا لم يشترط المرتهن ذلك، فكذلك مال العبد؛ لأنّ ذلك كلّه يجري مجرى الخراج، والخراج للمالك دون المرتهن. وهو مخالفٌ لنسل الحيوان؛ لأنّ نسلها ليس بخراجٍ، فحكمه حكم الأمّهات، فإذا اشترطه كان ماله معلومًا أو مجهولًا». في مساقاة الحائط، ثمّ رهنِه
(٤) - (ومن ساقى حائطه من رجلٍ، ثمّ رهنه من غيره، فلا بأس به، وينبغي للمرتهن أن يستخلف مع العامل في الحائط غيره)
[ ٢ / ٣٤٦ ]
في الرهن يؤجره المرتهن من ربه
بيع المرتهن للرهن
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال في شرح التفريع [٩/ ٨٣]: «قال الأبهري: وإنّما قال ذلك؛ ليكون المرتهن قد قبض الرّهن. وليخرج عن حوز الرّاهن وقبضه، فيكون حوز المرتهن وقبضه». في الرّهن يؤجره المرتهن من ربّه
(٢) - (ومن ارتهن رهنًا، ثمّ ردّه إلى ربّه بعاريةٍ أو غيرها، بطل رهنه. ومن استأجر دارًا، ثمّ ارتهنها، ثمّ أجرها من ربّها، بطل رهنه). قال في شرح التفريع [٩/ ٨٨]: «قال الأبهري ﵀: لأنّ الرّهن إذا رجع إلى يد الرّاهن وقبضه بأيّ وجهٍ كان، فقد خرج من الرّهن؛ لأنّ حكم الرّهن وصفته أن يكون مقبوضًا في يد المرتهن أو من يقوم مقامه، وألّا يكون في يدي الراهن، فمتى رجع إليه بأي وجهٍ كان من إجارةٍ أو عاريةٍ وأشباه ذلك، فقد خرج من الرّهن. فمتى حدث ذلك وقام الغرماء قبل قبض المرتهن للرّهن، كان أسوة الغرماء. وكذلك إذا ردّ الرّهن فكأنه لم يقصد الرّهن بتركه في يد الرّاهن حتى يموت أو يفلس. قال مالكٌ ﵀: ومن حبس حبسًا فحيز عنه عشر سنين، ثمّ سكن ذلك المحبس بكراءٍ أو غيره، فلا يبطل ذلك حبسه، وكذلك الصدقة، ولو كان رهنًا فقبضه وحازه، ثمّ ردّ إلى صاحبه، لبطل بعوده إليه. والفرق بين الرّهن والصّدقة إذا رجعت بعد الحوز إلى الرّاهن أو المتصدّق: أنّ الرّهن بعد الحوز باقٍ على ملك الرّاهن؛ وإنّما فيه وثيقةٌ للمرتهن بحوزه، فمتى عاد إلى الرّاهن، بطل حوز المرتهن لبطلان حوزه، وثبت ذلك للرّاهن بحوزه، وأما الصّدقة فبالحوز انتقل ملك المتصدّق عنها فصحّت ملكًا للمتصدّق عليه، لا حقّ للمتصدّق فيها، كالاشتراء، فمتى رجعت إلى يد المتصدِّق بعد صحّة حوزه، وبعد طول مدّةٍ لا يتهمان على إظهار الحوز فيها، لم يضر ذلك الصّدقة؛ لصحة انتقال الملك، كما لو رجعت إليه من يد مشترٍ». بيع المرتهن للرهن
[ ٢ / ٣٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) - (ومن رهن عند رجل رهنًا ووكّله على بيعه في حقّه، جاز له بيعه إذا كان يسيرًا، كالقضب ونحوه ممّا لا يبقى مثله أو ينقص ببقائه. وإن كان ربعًا أو غيره ممّا تكثر قيمته ولا يضرّه بقاؤه، فقد كره له بيعه إلّا بإذن الحاكم إذا غاب ربه. وقال أشهب: لا بأس ببيع الرّبع وغيره). قال في شرح التفريع [٩/ ١٠٢]: «قال الأبهري ﵀: وإنّما قال ذلك في القضب وأشباهه أنّ له بيعه؛ لأنّ تأخير بيعه يضرّ به. ولأنّه يتكرّر بيعه على ما يحدث منه من البطون. فجاز له بيعه من غير إذن سلطانٍ؛ لأنّ إذن السّلطان له يتعّذر عليه على ممرِّ الأوقات، ويشقّ ويتعذّر عليه التّوصل إليه. قال الأبهري: فأمّا ما لم يكن بطونًا مثل الثمار وغيرها، ولم يخف فساده، فليس ينبغي له أن يبيعه بغير إذن السّلطان؛ ليقوّم بالعدل بينه وبين المرتهن، ولئلا يتّهم المرتهن في محاباةٍ ولا تقصيرٍ. وكذلك إذا وكّل الرّاهن المرتهن في البيع، فالأحبّ إلينا ألّا يبيعه إلّا بأمر السّلطان. قال الأبهري ﵀: لأنّ المرتهن قد لا يستقصي في البيع ولا يحتاط فيه للرّاهن، فالاحتياط ألّا يبيعه إلّا الحاكم. فإن لم يفعل وباعه دون الحاكم، جاز بيعه؛ لأنّ الرّاهن قد وكّله في ذلك وسلّطه على بيعه، فإذا باعه بثمن مثله جاز ذلك عليه، كما يجوز ذلك إذا وكّل غير المرتهن، ولا فضل إذا وكّله في بيع الحيوان والرّباع وغيرها. وإنّما كره مالكٌ ﵀ بيع الرّيع والحيوان؛ لكثرة ثمنهما. ولأنّ أمرهما يظهر، وتقع فيهما الخصومة متى جاء الرّاهن، وليس كذلك ما يخفّ من المرهون.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
حكم من رهن نصيبه من دار، ثم أراد أن يستأجر نصيب صاحبه
وقيل: إنه جائزٌ ما دام لم يُفْلِسْ، وذلك أحب إلينا (^١).
• وجه قوله: «إنه لا يجوز رهنه»؛ فلأنَّ حق الغرماء قد وجب في ذمَّته وتعلَّق بماله، فليس له أن يَخْرُجَ عنهم إلى غيرهم ولا إلى بعضهم دون بعضٍ إلّا بإذنهم له في ذلك.
ووجه قوله: «إنَّ له أن يرهن ما لم يفلس»؛ فلأنَّ بيع من عليه الدَّين وشراؤه
_________________
(١) وقد قال مالكٌ ﵀: إنّ بيع ذلك كلّه جائزٌ، وإن كان الأحبّ إليه أن يوكّل غير المرتهن، فإن فعل جاز البيع؛ لتسليط الرّاهن إيّاه في ذلك، وهذا هو القياس. وهذا إذا كان بموضعٍ فيه سلطانٌ، وأمّا في موضعٍ لا سلطان فيه، أو فيه سلطانٌ يصعب تناوله، فبيعه جائزٌ إذا أصاب وجه البيع؛ لتوكيله إيّاه على البيع. وقال أشهب: لا بأس ببيع الرّهن وغيره؛ لأنّه وكيلٌ على ذلك، كالأجنبيّ». حكم من رهن نصيبه من دارٍ، ثمّ أراد أن يستأجر نصيب صاحبه
(٢) - (وإذا كانت دارٌ بين اثنين، فرهن أحدهما نصيبه من رجلٍ، ثمّ أراد أن يستأجر نصيب صاحبه، لم يكن له ذلك؛ لأنّه يؤدّي إلى بطلان رهنه). قال في شرح التفريع [٩/ ١٠٩]: «قال الأبهري رحمة الله عليه: لأنّ نصيب الرّاهن وشريكه مشاعٌ في الدّار، ليس يتميّز بعضه من بعضٍ، فإذا اكترى الرّاهن حصّة شريكه، فقد عاد الرّهن إلى يده وصار غير مقبوضٍ، وذلك غير جائزٍ. فإن اكترى نصيب شريكه وسكن، بطل حوز الرّهن إن لم يقم المرتهن بقبض حصّة الرّاهن من الدّار ويقاسمه؛ لأنّه لمّا سكن نصف الدّار وهي غير مقسومةٍ، صار الرّاهن متصرّفًا في جميعها، فلزم منه تصرّفه فيما رهنه، فيصير المرتهن غير حائزٍ، فيقاسمه ليحوز المرتهن نصيب الرّاهن بقسمته وترتفع يد الرّاهن عنه».
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٦٢)، المدونة [٤/ ١٤٣]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٣٠].
[ ٢ / ٣٤٩ ]
لمّا كان جائزًا، فكذلك تصرفه في المال على وجه الصلاح والمعاوضة، فكذلك يجوز رهنه وارتهانه (^١).
•••
[١١٩٥] مسألة: قال: ومن رهن وليدةً فوطئها الراهن بإذن المرتهن، انفسخ رهنه.
وإن وطئها بغير إذنه، بيعت ودُرِئ عنه الحد وأُلحق به الولد (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الراهن إذا وطئ بإذن المرتهن، فقد رضي المرتهن بخروج الرهن عنه وردِّه إلى الراهن بإذنه له في التّصرف فيه بالوطء.
ولأنَّ بالوطء قد تَعْلَقُ منه، فلا يجوز بيعها بعد ذلك، فدل رضاه بالوطء على ترك الرهن.
فأمّا إذا وطئها الراهن بغير إذن المرتهن، فهي رهنٌ كحالها؛ لأنَّ المرتهن لم يرض بردِّ الرهن إلى الراهن.
ودُرِئ عنه الحد؛ لأنّه وطئ ملكه وإن كان فيه حقٌّ لغيره وهو المرتهن، والحدُّ مدروءٌ بالشبهة.
والولد يلحق به؛ لأنّه حدث عن وطءٍ تملكه يمينه.
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ٣١]، هذه المسألة عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٦٢)، المدونة [٤/ ١٥٨]، النوادر والزيادات [١٠/ ٢٠٥]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٧٤].
[ ٢ / ٣٥٠ ]
ولأنَّ كلّ وطءٍ يُدْرأ فيه الحد، فالولد يلحق بالواطئ إذا حدث (^١).
•••
[١١٩٦] مسألة: قال: ومن أرهن رجلًا رهنًا، وأرهن (^٢) فضله (^٣) آخر، فهو لهما دون الغرماء إذا أحيز ذلك (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المرتهن أولى بالرهن في الفلس والموت من سائر الغرماء؛ لقوة سببه؛ لقبض الرهن وحيازته، ولولا ذلك لم يستفد في الرهن شيئًا.
ولا فضل بين المرتهن الأول والثاني إذا قبضا ذلك، وكان الراهن أرهن المرتهن الثاني فضلة الرهن بأمر المرتهن الأول؛ لأنَّه لمّا رضي بذلك، كان كما لو أرهنهما جميعًا بعقدٍ واحدٍ.
وإذا كان بغير أمره، لم يجز، وكان الرهن كله للأول.
•••
[١١٩٧] قال: ومن أقر لورثة ميتٍ برهنٍ لأبيهم، فأنكر ذلك الورثة، فالقول
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ٧٤ - ٧٥]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٢) قوله: «وأرهن»، كذا في شب، وفي المطبوع: «أو أرهن».
(٣) قوله: «فضله»، فضلة الرهن: هي أن تكون قيمة الرهن أكثر من الدَّين، فما زاد من قيمة الرهن فهي فضلته، ينظر: مواهب الجليل [٥/ ٦].
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٦٢).
[ ٢ / ٣٥١ ]
قولهم، ويحلفون بالله: «ما نعلم الذي يقول»، ويكونون أحق بمتاعهم، إلّا أن يقيم بينةً على ما ذكر (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المرتهن قد أقر بأنَّ ملك الرهن لأبيهم، فقد ملك ذلك الورثة عن أبيهم وادَّعى هو أنَّه رهنٌ في يديه، فلا يقبل قوله في ملك غيره إلّا ببينةٍ، وَإِلّا حلفوا بالله ما يعلمون أنّه رهنٌ في يديه.
وذلك كما لو ادَّعى ذلك رجلان، أعني: زيدًا أنَّ عمرًا أرهنه شيئًا، وأنكر ذلك عمرٌو، فعلى زيدٍ البيّنة على دعواه، وعلى عمرٍو المنكِر اليمين؛ لقول رسول الله صلى الله عليه: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى المُنْكِرِ» (^٢).
•••
[١١٩٨] مسألة: قال: ومن باع من غلامه - وهو تاجرٌ - بيعًا وارتهن به رهنًا ثمّ فلَّس، فالسيد أولى برهنه (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ حكم السيد في هذا كحكم الأجنبي، فلمّا كان الأجنبي أولى بالرهن من سائر الغرماء بحوزِهِ الرَّهْنَ، فكذلك السيد أولى برهنه؛ لأنَّ العبد يملك عند مالكٍ ملكًا غير مستقرٍ، كما يملك المكاتب ملكًا غير
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٦٢)، البيان والتحصيل [١١/ ٨٧].
(٢) متفق عليه: البخاري (٢٥١٤)، مسلم [٥/ ١٢٨]، وهو في التحفة [٥/ ٤٢].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٦٢)، النوادر والزيادات [١٠/ ١٥١]، البيان والتحصيل [١١/ ١٢].
[ ٢ / ٣٥٢ ]
مستقرٍ، فلو ارتهن السيد من مكاتبه رهنًا على بيعٍ باعه أو تعجيل عتقه، كان أولى به من سائر الغرماء، فكذلك السيد في عبده.
•••
[١١٩٩] قال: ومن ارتهن وليدةً، فوطئها المرتهن، فحملت أو لم تحمل، فهو زانٍ، وولده لسيد الأمة (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المرتهن ليس يملك الأمة الرهن، ولا هي امرأته، والوطء لا يجوز إلّا بهذين الوجهين، فمتى وطئها، فهو زانٍ وعليه الحد، إلّا أن يطأها وهو غير عالمٍ بتحريم ذلك عليه، أو بإذن الراهن له، فلا يكون عليه الحد إذا جهل أنَّ ذلك غير جائزٍ له، أو أذِنَ له الراهن؛ لأنَّ الحد مدروءٌ بالشبهة، وذلك يكون بشبهة الملك، وشبهة الجهل بتحريم الموطوءة على الواطئ (^٢).
•••
[١٢٠٠] مسألة: قال ولا بأس بالرهن في السلف في الطعام، ولا بأس بالسلف يكون معه الرهن أو الحميل، والبيع مثل ذلك (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الرهن جائزٌ في الديون كلها، وكذلك الحقوق،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٦٢)، المدونة [٤/ ١٦٢]، النوادر والزيادات [١٠/ ٢١٥]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٧٦].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ٧٧]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٦٢)، المختصر الصغير، ص (٦٤٣)، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٥٥].
[ ٢ / ٣٥٣ ]
وسواءٌ كانت من سلفٍ أو غيره، طعامٍ أو غيره؛ لإباحة الله ﷿ الرهن في الديون بقوله: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣].
•••
[١٢٠١] مسألة: قال: ومن كانت له على رجل أذهابٌ (^١) بآجالٍ مختلفةٍ، وأراد أن يبيعه بيعًا ويرهنه رهنًا ويجعل آجالها واحدةً في الرهن، فلا خير فيه (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا يدخله قرضٌ جر منفعةً؛ لأنَّ المرتهن إنّما أخَّره بدَينٍ له إلى أبعد من أَجَلِهِ لِمَا رهنه به الراهن، فصار تأخيره له من أجل منفعته بالرهن الذي لم يكن له في أصل الحق، وذلك غير جائزٍ؛ من قِبَل أنَّ كلّ قرضٍ جرَّ منفعةً فهو حرامٌ.
•••
[١٢٠٢] مسألة: قال: ومن ارتهن دارًا ذات ثمنٍ بدون ما تسوى ووضعها على يدي رجلٍ، ثمّ أراد أن يرهن فضلها بعد الأول من آخر ويتسلّف منه، فليس ذلك له أن يُدْخِلَ عليه أحدًا في رهنه، وليس الذي رَهَنَ يَرْهَنُ فيما أرهنه للآخر (^٣).
_________________
(١) قوله: «أذهابٌ»، هو جمع ذهبة، قال الأزهري: الذهب مذكر ولا يجوز تأنيثه، إلّا أن يجعل جمعًا لِذَهَبَةٍ، والجمع أذهابٌ، مثل سبب وأسباب، ينظر: المصباح المنير، ص (٢١٠).
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٦٣)، النوادر والزيادات [١٠/ ١٣٠ و١٩٥]، البيان والتحصيل [١١/ ٢٤].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٦٣)، النوادر والزيادات [١٠/ ١٧٧ و١٧٩]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٨٢].
[ ٢ / ٣٥٤ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الرهن كله هو رهنٌ بالحق الأول، فليس يجوز للراهن أن يرهن ما فضل عن الحق بغير إذن المرتهن الأول، كما أنّه ليس له أن يبيع فضل ذلك ولا يهبه بغير إذن المرتهن الأول، فكذلك ليس له رهنه إلّا بإذن الأول (^١).
•••
[١٢٠٣] مسألة: قال: ومن كان عليه دَينٌ فَحَلَّ، فعسر به، فدعاه إلى أن يؤخِّره ويعطيه رهنًا، فلا بأس بذلك، وإن لم يحل فلا خير فيه، والحميل كذلك (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا أخَّره بعد محله فذلك معروفٌ يصنعه به، وذلك جائزٌ، وسواءٌ أخذ رهنًا أو لم يأخذ، ليس بذلك بأسٌ.
فإن لم يحل الحق لم يجز أن يؤخِّره عن الأجل الأول برهنٍ يأخذه؛ لأنّه لم
_________________
(١) ذكر التلمساني في شرح التفريع [٩/ ٨٤]، تتمة للمسألة، لا توجد في شرح الأبهري المخطوط، هي: «واختلف إذا رهن الفضلة من غير الأوّل، فقال مالكٌ مرّةً: إن رضي الأوّل جاز، وإن لم يرض لم يجز وقال في كتاب ابن المّواز: لا يجوز؛ لأنّ الأول إنّما حاز لنفسه. قال الأبهري: فذكر مالكٌ العلّة: أنّ الأوّل إنّما حاز لنفسه لا للثّاني، فمتى لم يحز الثاني لنفسه ما ارتهنه، كان ذلك باطلًا متى مات الرّاهن أو فلس قبل أن يحوز المرتهن الثّاني لنفسه؛ لأنّ الرهن إنّما يصحُّ بالقبض».
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٦٣)، النوادر والزيادات [١٠/ ١٩٣].
[ ٢ / ٣٥٥ ]
يحمله على التأخير معروفٌ صنعه؛ لأنَّ حقه لم يجب بعد، وإنما زاده في الأجل؛ لأنَّ الذي عليه الدَّين زاده الرهن، أو الحميل الذي لم يكن في الأصل.
•••
[١٢٠٤] مسألة: قال: ومن ارتهن فهلك وأقرّ بالحق وتداعيا في قيمة الرهن، فيصفه الذي هو في يديه ويحلف على صفته، ثمّ يُقَوَّم:
(فإن كان أكثر مما رهنه به، ردّ عليه الفضل.
(وإن كان أقل، أخذ المرتهن بقية حقِّه (^١).
(وإن كان كفافًا، فهو بما فيه (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المرتهن مؤتمنٌ على صفة الرهن، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنّه غارمٌ أيضًا، والقول في القيمة قول الغارم مع يمينه.
ثم يُقَوِّمُ الصفةَ أهلُ البصر:
فإن كانت كفافًا بالدَّين، كانت قصاصًا منه.
وإن زادت على الدَّين، أخذ الراهن ما زاد فيها من المرتهن.
وإن زاد الدَّين على قيمة الرهن، أخذ المرتهن زيادة الدَّين عن قيمة الرهن؛
_________________
(١) قوله: «حقه»، كذا في شب، وفي المطبوع: «حصته».
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٦٣)، الموطأ [٤/ ١٠٥٨]، المدونة [٤/ ١٤٥]، النوادر والزيادات [١٠/ ١٨٨ و٢٣٢]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٩٤].
[ ٢ / ٣٥٦ ]
من قِبَل أنَّ دَين المرتهن واجبٌ في ذمَّة الراهن، وهو حقٌّ من الحقوق، فليس يسقط ذلك بتلف الرهن.
وكذلك زيادة قيمة الرهن عن الدَّين حقٌّ للراهن عن المرتهن يأخذها منه؛ لأنّه ليس مؤتمنًا على الرهن فيكون القول قوله مع يمينه في تلفه، إلّا أن يُعْلَم تلفه بغير قوله، فلا يكون عليه شيءٌ.
والدليل على أن المرتهن ليس بمنزلة المؤتمن، أعني: المودع، أنَّ المرتهن إنّما قبض الشّيء لمنفعة نفسه وتعَلُّقِ حقِّه بالرهن، وأنه أولى به من الغرماء في الفلس والموت، فكان قبضه الرهن لمنفعته دون منفعة الراهن، فأشبه ذلك المستقرض أنَّ قبضه الشّيء لمنفعة نفسه.
ولم يشبه المودَعَ؛ لأنَّ قبض المودَعِ منفعته لربه دونه، فكان الرهن أصلًا في نفسه ليس يشبه الوديعة أَنَّهَا أمانة، ولا يشبه الغصب أنّه تعدٍّ مجرَّدٌ، فيضمن بكل وجه.
لكنه إذا عُلِم أنَّ تلفه بغير صنعه، أو أنَّ ذلك قد تلف، فلا قيمة على المرتهن، وإنما هو غير مصدَّقٍ على التلف لِمَا ذكرنا.
فإذا عُلِم تلفه، فهو من مال الراهن، لقول رسول الله ﷺ: «الرَّهْنُ مِمَّنْ رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» (^١)، أي: تلفه.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني [٣/ ٤٣٧]، بلفظ: «لا يغلق الرهن، لصاحبه غنمه، وعليه غرمه»، وهو عند ابن ماجه [٣/ ٥٠٨] وغيره مختصرًا، وفي التحفة [١٠/ ٨].
[ ٢ / ٣٥٧ ]
ولأنَّ ملكه لَمَّا كان للراهن ولم يكن المرتهن متعديًا بقبضه ولا يده عليه يدٌ غاصبةٌ، كان تلفه من مالكه.
فهذا حكم الرهن عند مالكٍ، وحكم العارية سواءٌ؛ لأنَّ المستعير أيضًا قبضه الشّيء لمنفعته لا لمنفعة ربه، فجرى في أنّه غير مصدَّقٍ على تلف الشّيء المستعار مجرى المرتهن:
(سواءٌ إذا عُلِمَ تلف ذلك بغير قوله، كان ذلك من المعير.
(وإن لم يُعْلَمْ ذلك، لم يكن المستعير مصدقًا على التلف (^١).
•••
[١٢٠٥] مسألة: قال: وإن كان الرهن ظاهرًا فاختلفا فيما رُهِنَ به، حلف المرتهن وكان القول قوله حتى يحيط بالرهن كله، فإن كان لا زيادة فيه ولا نقصان، أخذه المرتهن بحقه، إلّا أن يشاء الراهن أن يعطيه حقه ويأخذه (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الرهن وثيقٌ بالحق، كما كانت الشّهادة وثيقةً بالحق، فلمّا رُجِع إلى قول الشهود في مبلغ الحق إذا وقع التنازع فيه، وجب أن يُرجَع إلى قيمة الرهن في مبلغ الحق إذا وقع التنازع فيه؛ لأنَّ النّاس في الأغلب يرتهنون بحقوقهم ما قيمته أكثر من الحق أو مثله، هذا في الأغلب، لا ما هو دون حقهم، وإذا كان كذلك، رُجِعَ إلى قيمة الرهن في مبلغ الدَّين؛ لأنّه يشهد به لصاحب
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ٩٥]، طرفًا من شرح المسألة عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٦٣)، الموطأ [٤/ ١٠٥٨]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٩٧].
[ ٢ / ٣٥٨ ]
الدَّين، فإن أعطاه ذلك أخذه، وَإِلّا كان أولى به بالرهن؛ لتعلُّق الحق فيه، كما يكون المجني عنه أولى برقبة العبد الجاني، إلّا أن يعطيه سيد العبد الجاني أرش الجناية فيكون ذلك له، فكذلك المرتهن أولى بالرهن إلّا أن يعطيه الراهن حقَّه (^١).
•••
[١٢٠٦] قال: وإن كان الرهن أقل مما سمَّى، حلف المرتهن على ما سمَّى، والراهن بالخيار، إن شاء أن يعطيه الذي حلف عليه، وإن شاء حلف ونكل ذلك عنه (^٢).
• إنّما قال ذلك لأنَّ المرتهن مدَّعٍ لحمل ما يذكره من الحق، فعليه أن يحلف على حمله ذلك، ثمّ يكون له مما حلف عليه قدر ما يشهد الرهن به من قيمته، فيكون كالحكم بالشاهد واليمين، ثمّ يكون الراهن بالخيار عن ما فضل عن قيمة الرهن، فإن شاء أعطى المرتهن، وإن شاء حلف أنَّ ذلك ليس عليه؛ لأنَّ المرتهن لا شهادة له فيما يذكره من الدَّين مما زاد على قيمة الرهن، فصار مدَّعيًا لذلك، والراهن مدَّعَى عليه، فكان حكم ذلك حكم المدَّعِي والمدَّعَى عليه، إمّا بينة المدَّعِي، أو يمين المدَّعَى عليه.
•••
[١٢٠٧] مسألة: قال: وإن هلك الرهن وتناكروا الحق وقيمة الرهن
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ٩٧]، شرح المسألة عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٦٣)، المدونة [٤/ ١٤٥].
[ ٢ / ٣٥٩ ]
واختلفوا في ذلك كله، فإنّه يصفه الذي هو بيده، ثمّ يحلف على صفته، ثمّ يقام على ما وصف:
• فإن كان قدر ما يدَّعي، أُحْلِفَ على ما ادَّعى.
• وإن كان أكثر مما يدَّعي، أُحْلِفَ على الذي زعم أنّه له فيه، ثمّ قاصُّوه بما بلغ ثمنه، ثمّ أحلف الذي عليه الحق على الفضل، فإن حلف بطل عنه ما أنكر بعد قيمته، وإن نكل، لزمه ما بقي (^١) من الحق بعد قيمته (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ الرهن جُعِل في الرجوع إلى قيمته متى تنازعا في الحق؛ لأنّه وثيقةٌ بالحق وشاهدٌ به، كالشهادة أَنَّهَا وثيقةٌ للحق ومصدقةٌ لصاحبه، وإذا كان كذلك، ثمّ اختلفا في قيمة الرهن، رُجِعَ في ذلك إلى صفة المُرْتَهِنِ ويحلف عليها؛ لأنّه مؤتمنٌ عليها؛ ولأنه غارمٌ أيضًا، والقول قول الغارم (^٣) مع يمينه، ثمّ يُرجع بعد ثبوت قيمة الرهن في الدَّين إلى ما ذكرناه من الزيادة والنقصان، والحكم فيه كما ذكرناه فيما تقدَّم سواءٌ.
•••
[١٢٠٨] قال: وإن كان الرهن موضوعًا على يدي رجلٍ فهلك، ثمّ تداعيا فيما رُهِنَ به، فلا صفة فيه ولا تصديق، والقول قول الذي عليه الدَّين مع يمينه، بمنزلة ما لو لم يكن، ثَمَّ رهن (^٤).
_________________
(١) قوله: «بقي»، كذا في شب، وفي المطبوع: «نفى».
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٦٣)، الموطأ [٤/ ١٠٦٠].
(٣) هذه الصفحة مكررة في.
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٦٤)، النوادر والزيادات [١٠/ ٢٢٩].
[ ٢ / ٣٦٠ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الراهن لم يأتمن المرتهن على الرهن، ولم يجعله شاهدًا له إذا تلف في يده، ثمّ تنازعا في الحق أنّه يرجع إلى قيمته؛ لأنَّ تلفه ليس من جهة المرتهن ولا من سببه ولا في يده، وإذا كان كذلك، كان الرهن كأنه لم يكن في الرجوع إلى قيمته في مبلغ الدَّين.
ألا ترى: أنّه لا يرجع في إلزام المرتهن قيمته إذا تلف في يد المؤتمن، سواءٌ تلف بفعل المؤتمن أو بغير فعله، أو علم تلفه أو لم يعلم ذلك.
فلمَّا لم يكن حكمه في كلّ ذلك حكم الرهن إذا كان في يد المرتهن، وكان حكم ذلك كلّه كأنه لم يكن الرهن، فكذلك هو كأنه لم يكن في أنّه لا يرجع إلى قيمته في مبلغ الدَّين إذا اختلفا فيه، والله أعلم.
وإنما صار الحكم كذلك؛ لأنَّ الراهن والمرتهن دخلا جميعًا على أنَّ حكم الرهن إذا كان على يدي غير المرتهن ممن رضيا به، بخلاف حكمه إذا كان في يد المرتهن، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون ذلك في كلّ شيءٍ، وأن لا تكون قيمته شاهدةً بمبلغ حقِّ المرتهن، والله أعلم.
•••
[١٢٠٩] مسألة: قال: ومن ارتهن سوارين، ثمّ هلكا، فتداعيا في قيمتهما، فقال الذي هما في يديه: «قيمتهما دينارٌ» - ولا يكون مثلهما إلّا من ثلاثةٍ فصاعدًا -، وقال الراهن: «عشرون»، فإنّه يحلف الذي في يده الرهن: «ما قيمتهما أكثر من ثلاثةٍ» ثمّ يبرأ، فإن نكل، حلف الراهن على ما ادَّعى وأخذ حقَّه (^١).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٦٤).
[ ٢ / ٣٦١ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ كلّ من ادَّعى دعوى تخرج عن العرف (^١) الذي يعرفه الناس، لم يقبل قوله ذلك منه، ورُجِعَ إلى ما يعرف من ذلك.
فإذا قال المرتهن: «إنَّ قيمتهما دينارٌ»، وليس يكونان كذلك في الأغلب، لم يقبل قوله، وكان القول قوله مع يمينه في مقدار ما يكونان من مثله في الأغلب، ثمّ يغرم ذلك.
ولا يكون القول قول الراهن فيما زاد على ذلك؛ لأنّه مدَّعٍ وعليه البينة، وعلى المرتهن اليمين لأنّه منكِرٌ.
فإن نكل عن اليمين حلف الراهن على ما ادَّعاه وأخذه، كما يكون ذلك في سائر الدعاوى على ما بيَّنَّاه.
•••
[١٢١٠] مسألة: قال: ومن باع رهنًا بغير أمر صاحبه، فزعم أنّه باعه بخمسةٍ، وقال الراهن: «ثمنه عشرون»، وهما مقران بالحق الذي فيه، فإن لم تعرف للرهن صفةٌ صُدِّقَ المرتهن وعليه اليمين، وطلب بقية حقِّه (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المرتهن غارمٌ لقيمة الرهن، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنَّ كلّ غارمٍ لشيءٍ فالقول قوله مع يمينه؛ لأنّه معترفٌ بما يذكره، والآخر مدَّعٍ عليه زيادة القيمة، فعليه البيّنة على ذلك.
_________________
(١) هذه الصفحة مكررة في.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٦٤)، النوادر والزيادات [١٠/ ١٨٨]، البيان والتحصيل [١١/ ٨١].
[ ٢ / ٣٦٢ ]
وهذا إذا لم تُعرف صفة الرهن، فأمّا إذا عُرِفت ببينةٍ تقوم فإنّه يرجع إلى قول البينة، أو معرفة المرتهن بها، ويحلف على صفتها.
•••
[١٢١١] مسألة: قال: ويَضْمَنُ من الرهون كلّ ما كان من حلي أو متاعٍ أو ما أشبه ذلك مما يُغَابُ عليه، ولا يضمن حيوانًا ولا ربعًا (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المرتهن ليس بمؤتمنٍ على الرهن؛ لأنّه إنّما قبض الرهن لمنفعة نفسه، وصفة المؤتمن هو أن يقبض الشّيء لمنفعة ربه، كالمودَعِ، وإذا كان كذلك، لم يقبل قوله على تلف الرهن إذا لم يظهر تلفه، أو تقوم بينةٌ على تلفه إذا كان مما يخفى تلفه.
فأمّا إذا قامت البيّنة على تلفه أو ظهر ذلك، لم يكن عليه غرم قيمته؛ لأنّه ليس بمتعدٍّ في القبض كالغاصب فيلزمه غرم ما تلف في يده، ولا هو مالكٌ له فيكون تلفه منه.
فوجب لهذه العلة أن يكون تلفه من الراهن إذا عُلِم ذلك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه: «الرَّهْنُ مِمَّنْ رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» (^٢).
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٦٤)، المختصر الصغير، ص (٦٤٣)، الموطأ [٤/ ١٠٥٦]، المدونة [٤/ ١٣٣]، النوادر والزيادات [١٠/ ١٨٦].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١٢٠٤، وقد نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ٥٩]، عن الأبهري شرح المسألة.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
[١٢١٢] مسألة: قال: ولا ضمان على مُؤتمنٍ وضع الرهن على يديه إذا تلف (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المرتهن (^٢) هو مُودَعٌ للرهن ولا غرم عليه إذا لم يتلف الشّيء بفعله؛ لأنّه لم يقبض الشّيء لمنفعة نفسه، وإنما قبضه لغيره.
•••
[١٢١٣] مسألة: قال: ومن ارتهن رهنًا وتحملَّ رجلان بما فيه من نقصان، ثمّ تلف الرهن، غرم الرجلان ما تحملا به وهو أصل الحق (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الرهن إذا نقص عن أصل الحق لزم الحميل غُرْم ما نقص؛ لضمانه بالنقصان، فكذلك إذا تلف الرهن كله لزمه غُرْم أصل الحق لضمانه لذلك.
وكان معنى المسألة: أنَّ الضامن قال للمضمون له: «إنك إن لم تصل إلى حقك من الرهن، فأنا ضامنٌ لحقك».
•••
[١٢١٤] مسألة: قال: ومن كان لهما رهنٌ، فأنظر أحدهما بحقه وقام الآخر به:
(فإن كان يُقْدَر على قسمه ولا ينقص من حق الذي قام برهنه، بِيعَ له.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٦٤)، المختصر الصغير، ص (٦٤٥)، المدونة [٤/ ١٣٢].
(٢) قوله: «المرتهن»، كذا في شب، ولعلَّ صوابها: «المؤتمن».
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٦٤).
[ ٢ / ٣٦٤ ]
(وإن خيف أن ينقص حقه، بيع الرهن كله، فقُضِيَ الذي قام بحقه ودُفِع الثمن إلى الراهن إن طابت نفس المنظر، وَإِلّا حلف بالله: «ما أنظرته إلّا ليوقف»، ثمّ يعطى حقه (^١).
• إنّما قال: «إنه يقسم الرهن»؛ فلأنَّ حق كلّ واحدٍ من المرتهنين واجبٌ في الرهن، فليس أحدهما أولى من الآخر، فإذا اختلف حقاهما، ثمّ أنظر به أحدهما، بيع من الرهن بحصة من لم ينظر ودفع إليه، وترك منه مقدار حق الباقي إن انقسم الرهن، إذا كان كالحنطة والثياب وما أشبه ذلك، وإن كان لا ينقسم، بيع كله ثمّ وُفِّيَ الذي لم ينظر حقه، ودُفِعَ إلى الراهن ما بقي إلى أجله إن أذن في ذلك المرتهن الثاني.
وإن لم يأذن، دُفِعَ إلى المرتهن بعد أن يحلف؛ ليسقط الحق عن الراهن، ولم يوقف إلى أجله؛ من قِبَلِ أنّه لا فائدة للراهن في وقف ذلك إلى الأجل، بل قد يجوز أن يتلف فيلحقه في ذلك غررٌ.
•••
[١٢١٥] مسألة: قال: ومن رهن سيفًا فهلك المرتهن، ولم يعلم الورثة بكم هو رهن، فإنّه يحلف الراهن ما رهنه إلّا بدينارٍ، ثمّ يأخذه (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ملك الرهن قد ثبت للراهن، وليس يُدْرَى كم الحق
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٦٤)، الموطأ [٤/ ١٠٥٧]، المدونة [٤/ ١٦٤]، النوادر والزيادات [١٠/ ٢١٩]، البيان والتحصيل [١١/ ٦٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٦٥)، النوادر والزيادات [١٠/ ٢٣٤]، البيان والتحصيل [١١/ ١٩].
[ ٢ / ٣٦٥ ]
الذي الرهن عليه، ولا يدَّعِي مقداره أحدٌ فيُرجع إلى قيمة الرهن فيما يدَّعيه المرتهن، فكان القول قول الراهن مع يمينه في مقدار ما يذكره من الدَّين، إذ ليس هاهنا شيءٌ أولى به منه.
•••
[١٢١٦] مسألة: قال: ومن رهن حلي امرأته فبيع، اتبعته بقيمته (^١).
• يعني: إذا أذنت له في رهنه فبيع بالذي عليه، كان لها قيمته على الراهن وهو الزوج.
•••
[١٢١٧] مسألة: قال: ومن أُخْرِجَ إليه رهنٌ فأنكره، حلف المرتهن أنّه رَهْنُهُ (^٢)، إلّا أن يأتي أمرٌ يدل فيه على كذبه (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المرتهن مؤتمنٌ على عين الرهن، فالقول قوله مع يمينه إذا لم يأخذ الرهن ببينةٍ.
وليس كذلك أمره إذا تلف فيما يذكر؛ لأنّه ليس مصدقًا على التلف؛ لقبضه الرهن لمنفعة نفسه، وهو مؤتمنٌ على عينه، فكان القول قوله مع يمينه (^٤).
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٦٥)، النوادر والزيادات [١٠/ ٢٤١].
(٢) قوله: «رَهْنُهُ»، كذا في شب، وفي المطبوع: «هو بعينه».
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٦٥)، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٩٣].
(٤) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ٩٣]، هذه الفقرة عن الأبهري.
[ ٢ / ٣٦٦ ]
[١٢١٨] قال: وإن قال الراهن: «قد قضيته نصف حقه»، فلا يصدق، ولكن يغرم، ثمّ يأخذ رهنه، ويحلف من كان من الورثة يُتَّهم أنّه يعلم ذلك (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الراهن مدَّعٍ أنّه قد قضى بعض الحق الذي على الراهن، فلا يقبل قوله إلّا ببيِّنةٍ، وَإِلّا حلف المرتهن أنّه لم يقبض حقه، أو ورثته إن كان قد مات؛ لأنّه منكرٌ لِمَا يُدَّعَى عليه، و«البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى المُنْكِرِ»، كما قال رسول الله ﷺ (^٢).
•••
[١٢١٩] مسألة: قال: ومن رهن رهنًا، ثمّ سأله: «أن يدفع إليه خيرًا من رهنه»، فأبى، فليس ذلك له إلّا برضا المرتهن.
فإن باع الرَّهنَ، أعطى المرتهن الثمن في حقه، حلَّ أو لم يحلَّ، ويمضي البيع (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الرهن قد وجب فيه حقٌّ للمرتهن، فليس عليه رد ذلك على الراهن وأخذ غيره إلّا أن يحب ذلك، كما لو اكترى شيئًا، ثمّ طلب المكري منه أن يرده إليه ويدفع غيره، لم يكن ذلك على المكتري، فكذلك الرهن مثله.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٦٥)، المدونة [٤/ ١٤٠].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١١٩٧.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٦٥)، المدونة [٤/ ١٣٣]، النوادر والزيادات [١٠/ ٢٠٩]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٠٨]، البيان والتحصيل [١١/ ٢٩].
[ ٢ / ٣٦٧ ]
فأمّا إذا باع الراهن الرهن، فإنَّ المرتهن بالخيار، إن شاء فسخ البيع وأخذ الرهن، وإن شاء أمضاه وأخذ ثمنه في حقه، الخيار إليه في ذلك؛ لأنَّ الراهن متعدٍّ والمرتهن متعدَّى عليه، والخيار للمتعدَّى عليه في الأصول على ما بيَّنَّاه فيما تقدَّم.
•••
[١٢٢٠] مسألة: قال: وإذا باع الراهن الرهن بإذن المرتهن، ثمّ قال: «أَذِنْتُ له ليدفع إليَّ حقِّي» (^١)، فيَحْلِفُ على ما قال، ويوضع له رهنٌ يأخذ الثمن، فإن لم يضع له شيئًا وفَّاه الثمن (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ حق المرتهن قد وجب، فليس للراهن أن يبيع الرهن ولا يأخذه من يد المرتهن بغير رضاه.
فإذا قال: «إنّما أذنت له في البيع ليدفع إلي ثمنه»، كان القول قوله مع يمينه، لاحتمال أن يكون الأمر كما قال، إلّا أن يدفع إليه الراهن بدل رهنه ليكون حقّه فيه، ويكون الثمن للراهن، فإن لم يفعل ذلك الراهن كان الثمن للمرتهن؛ لأنّه بدلُ الرهن الذي قد تعلَّق حقُّه فيه.
•••
[١٢٢١] قال: ومن رهن رهنًا، ثمّ هلك وعليه بينةٌ تشهد على هلاكه وهو مما يضمن، فإنَّ ضمانه عليه.
_________________
(١) في المدونة [٤/ ١٣٣]، أن المرتهن قال: لم آذن للرّاهن في البيع ليأخذ الرّاهن الثمن.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٦٥)، المدونة [٤/ ١٣٣ و١٥١].
[ ٢ / ٣٦٨ ]
وقال ابن القاسم: إذا ثبت معرفة هلاكه من غير سببه، فلا شيء عليه، وكذلك الضياع (^١).
• إنّما قال: «إنه يضمن ما تلف من الرهن إذا كان مما يخفى، وإن قامت البيّنة على تلفه»؛ لأنَّ أصل ما يخفى هلاكه هو الضمان، فليس يزول ضمانه، وإن عُلِمَ تلفه ببيِّنةٍ؛ لأنَّ قيام البيِّنة على ذلك نادرٌ، ولا يزول الأصل الذي هو الغالب بالنادر.
فهذه رواية عبد الله بن عبد الحكم، وقد قال غيره عن مالك: «إنه لا ضمان عليه إذا عُلِمَ تلفه»، وهو قول ابن القاسم، وكذلك الضياع.
وهذا هو الصحيح؛ من قِبَل أنّه إذا عُلِمَ تلفه من غير قوله ببيِّنةٍ تقوم، فهو غير متعدٍّ بتلفه ولا في كون الرهن في يده، فلم يكن عليه غرم قيمته.
ولو وجب عليه ذلك، كان كالغاصب، وهذا غلطٌ؛ لأنَّ الغاصب متعدٍّ بقبض المغصوب، وليس كذلك المرتهن.
ولا أخذه على طريق المعاوضة كالقرض فيكون ضامنًا له إذا تلف بصنعه أو غير صنعه؛ لأنَّ المستقرض دخل على رد مثل العين متى تصرَّف فيها، وليس
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٦٥)، المدونة [٤/ ١٣٣]، النوادر والزيادات [١٠/ ١٩٠]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٦٢].
[ ٢ / ٣٦٩ ]
كذلك المرتهن؛ لأنّه لم يقبض الرهن ليتصرف فيه، فاختلفا لهذه العلة، فلم يكن على المرتهن ضمانٌ (^١).
•••
[١٢٢٢] مسألة: قال: وإذا بعث رجلٌ مع رجلٍ بثوبٍ يرهنه وأمره بشيءٍ، فزاد بغير علم صاحب الثوب، فطلب المرتهن عشرةً، وقال صاحب الثوب: «ما دفع إليّ إلّا خمسةً وما أمرته إلّا بذلك»، وأقر الرسول أو أنكر، فإنّه يؤخذ من صاحب الثوب العشرة إن كان ثمن الثوب ذلك، ويكون لصاحب الثوب قِبَلَ رسوله (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المرتهن القول قوله مع يمينه فيما ينكره من مبلغ الحق إلى قيمة الرهن، فوجب أن تكون له العشرة إذا كانت قيمة الرهن ذلك أو أكثر؛ لأنّ المرتهن يقول: «لا أخرج الرهن عن يدي إلّا بما أُخِذَ مني منَ الدَّين»، فيكون ذلك له.
وسواءٌ أقرَّ الرسول أو أنكر، فإن أقرَّ رجع المرسِلُ عليه بالخمسة التي أخذها من المرتهن بغير أمره، وإن أنكر، حلف بالله أنّه لم يأخذ غير ما أمره، وهي الخمسة التي دفعها إلى الآمر، ويغرم الآمر الخمسة.
•••
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ٦٣]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٦٥)، النوادر والزيادات [١٠/ ٢٣٦]، البيان والتحصيل [١١/ ٥].
[ ٢ / ٣٧٠ ]
[١٢٢٣] مسألة: قال: فإن زعم أنّه دفعها إليه، حلف وبرئ، وإن أنكر أن يكون أخذ من المرتهن إلّا خمسةً، حلف الرسول وبرئ، وكانت على صاحب الثوب (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الرسول مؤتمنٌ، فالقول قوله في دفع ذلك إلى المرسل.
فإن أنكر أن يكون أخذ غير خمسةٍ فالقول قوله أيضًا مع يمينه؛ لأنَّ المرتهن مدَّعٍ عليه وهو منكِرٌ.
•••
[١٢٢٤] مسألة: قال: ومن أرهن حليًا، فأرهنه المرتهن من آخر، فكسره المرتهن الآخر، وادَّعى صاحبه أنّ فيه مالًا كبيرًا، فالقول قول الكاسر ويحلف، إلّا أن تكون للراهن بيِّنةٌ (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الكاسر له غارمٌ لقيمته، والقول قول الغارم مع يمينه في مبلغ ما يغرم من القيمة؛ لأنَّ الذي يدَّعي عليه أكثر من ذلك مُدَّعٍ وعليه البيِّنة.
ومعنى هذه المسألة: إذا كان المرتهن الأول أرهنه بإذن الراهن، فإن كان بغير إذنه فهو متعدٍّ، وللراهن أن يأخذ قيمته منه يوم تعدَّى بالرهن من غيره،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٦٦).
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٦٦).
[ ٢ / ٣٧١ ]
والقول قوله مع يمينه في القيمة، أو يأخذ قيمته من الكاسر والقول قول الكاسر مع يمينه، وهو المرتهن الثاني.
•••
[١٢٢٥] مسألة: قال: ومن رهن ساجًا فأُكِلَ (^١)، فلا ضمان عليه، وعليه اليمين: «ما أَضَعْتُ ولا أردت فسادًا».
وإن كان أضاعه فلم يَنْظُرْ في شيءٍ من أمره حتى أصابه ذلك، فهو يشبه أن يكون فيه شيءٌ (^٢).
• إنّما قال: «إنه لا ضمان عليه إذ انفسد»؛ لأنّه لا يتهيّأ له منع فساده ولا الاحتراز منه إذا حفظه حفظ مثله، فلا شيء عليه؛ لأنّه ليس بمتعدٍّ ولا مفرِّطٍ.
فأمّا إذا فرَّطَ في حفظه فعليه ضمانه؛ لأنّه قد فرَّط في حفظه وتعدَّى في ذلك، فلزمه قيمته بالتعدِّي.
والسّاج: هو كساءٌ يشبه الطّيلسان.
•••
[١٢٢٦] مسألة: قال: وإذا اختلف الراهن والمرتهن، فالقول قول المرتهن فيما بينه وبين قيمة الرهن يوم يختلفان حين اختلفا (^٣).
• يعني: إذا اختلفا في مبلغ الدَّين كم هو.
_________________
(١) قوله: «فأُكِلَ»، يعني: أكله السّوس ونحوه، كما في النوادر والزيادات [١٠/ ١٨٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٦٦)، النوادر والزيادات [١٠/ ١٨٩].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٦٦)، المدونة [٤/ ١٤٥]، النوادر والزيادات [١٠/ ٢٢٩].
[ ٢ / ٣٧٢ ]
والقول قول المرتهن مع يمينه إلى مبلغ الرهن؛ لأنَّ الرهن هو كالشاهد أنّه يُرجَع إلى قوله في مبلغ الحق، وكذلك يرجع إلى قيمة الرهن في مبلغ الحق، ولولا ذلك لم تكن للرهن فائدةٌ.
فإن قيل: فائدته أنّه وثيقةٌ لحقه، متى فلَّس الراهن أو مات فالمرتهن أولى به.
قيل له: حفظ أصل الحق ومعرفة قدره، هي من أكبر الفوائد التي جُعِل الرهن من أجلها.
ألا ترى: إلى قوله ﷿: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣]، فجعل الرهن كالكتابة في الوثيقة في الحق، ثمّ وعظ الذي عليه الحق عند عدم الرهن والكتابة، فقال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾، فدلَّ أنَّ وجود الرهن والرجوع إلى مبلغه في الدَّين كوجود البيِّنة، أنّه يرجع إلى قولها في مبلغ الدَّين، وقد ذكرنا هذا فيما تقدَّم.
•••
[١٢٢٧] مسألة: قال: ومن ارتهن ثوبًا بعشرةٍ بشهودٍ علانيةً، ثمّ زاد فيه ثمن الخمسة، فلمَّا تقاضاه حقه ادّعى الخمسة عشر، فعلى المرتهن البينة، وَإِلّا حلف الراهن: «ما ازددت منه شيئًا» وكان القول قوله (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الرَّهن قد ثَبَتَ ما رُهِنَ به بشهادة الشهود على مقدار
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٦٦)، النوادر والزيادات [١٠/ ٢٢٩]، البيان والتحصيل [١١/ ٤٧].
[ ٢ / ٣٧٣ ]
الحق، فكانت شهادتهم أولى من الرجوع إلى قيمته؛ لأنَّ شهادة الشهود أقوى من شهادة الرهن، فكان قولهم أولى.
ولم يقبل قول المرتهن فيما يدّعي من الزيادة إلّا ببيِّنةٍ، وَإِلّا حلف الراهن وبرئ منها؛ لأنَّ المرتهن مدَّعٍ للزيادة على ما ثبت الرهن به من الحق، والراهن منكِرٌ، فعليه اليمين، والبيِّنة على المرتهن.
•••
[١٢٢٨] مسألة: قال: ومن طلب من رجلٍ حُليًا، فزعم أنّه عنده وديعةٌ، وقال الذي هو في يديه: «بل رهنٌ»، فالقول قول ربّ الحلي ويحلف (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الذي في يده الحلي قد أقر أنَّ ملكه للذي يدَّعيه وادَّعى أنّه رَهَنَهُ إياه، فالقول قول ربِّه أنّه لم يرهنه؛ لأنَّ الذي في يده مدَّعٍ عليه حقًا قد وجب في ملكه، وصاحب الملك منكِرٌ، فعلى المدَّعي البيِّنة وعلى المنكِر اليمين.
•••
[١٢٢٩] مسألة: قال: ومن ارتهن عبدًا فجَرَحَ، فأسلم الرّجل عبده وماله إلى المجروح، فقال الغريم: «أنا آخذه وأؤدِّي ثمن الجرح»، فليس له أن يأخذ ماله؛ لأنّه لم يكن رهنًا، ولكن:
(إن شاء أن يأخذ العبد الذي هو رهنه بثمن الجرح ويُرْجِعَ المال إلى سيده، فعل.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٦٦)، المدونة [٤/ ١٤٥].
[ ٢ / ٣٧٤ ]
(وإن شاء ترك (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ مال العبد لم يكن رهنًا فيدخل في الرهن متى افتك المرتَهِنُ العبد بجنايته؛ لأنّه إذ افتكه بجنايته بقَّاه على ما كان عليه في الأصل من الرهن، ولم يكن ماله رهنًا معه.
•••
[١٢٣٠] قال: وقد قيل: إذا أسلمه سيده، كان للمرتهن أن يفديه إن شاء، ويكون ما افتداه به في رقبة العبد وماله لا يدخل على السيد.
وإن كان في ثمن العبد فضلٌ عما افتداه به، كان للسيد، وإن كان ثمنه أقل، فلا شيء له.
وإنما كان له أن يفديه؛ لأنّه كان يرجو أن يكون له فضلٌ، والأول أعجب إلينا (^٢).
• وجه هذا القول: هو أنَّ المرتهن إذا افتَكَّ العبدَ بجنايته فقد وجب له العبد بماله؛ لأنّه لولاه لكان المجني عليه يأخذه بماله، فإن شاء سيد العبد أخذ العبد وماله بعد أن يدفع إلى المرتهن حقه من الدَّين وما زاد عليه مما افتكه به من أرش الجناية، وإن شاء تركه له إن زادت قيمته عن الدَّين، وإن نقصت قيمته عن الدَّين، كان للمرتهن أخذ ما نقص من دَينه من مال سيِّده.
وهذا إذا افتداه المرتهن بغير أمر الراهن، فأمّا إذا افتداه بأمره، فإنَّ ما زاد
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٦٧)، المدونة [٤/ ١٤٥]، النوادر والزيادات [١٠/ ٢٢٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٦٧)، المدونة [٤/ ١٤٥].
[ ٢ / ٣٧٥ ]
على حقه مما افتداه به فهو على السيد يدفعه إلى المرتهن مع حقه ويأخذ عبده، أو يباع في دينه ويتبعه المرتهن بما تبقى من الدَّين وما زاد عليه مما افتك به العبد من أرش الجناية.
•••
[١٢٣١] مسألة: قال: ومن ارتهن زرعًا فأصابته عاهةٌ، فأخذ مالًا من غيره فأصلحه به حتى انتعش، فالأول يبدأ، ثمّ الثاني (^١).
• يعني: أنّه يُبْدَأ بالذي جُنِيَ الزرع بماله؛ لأنّه أقوى سببًا من غيره، ثمّ بالآخر بعده؛ لأنّه لولا ما حيي به من مال الآخر، لم يُنتَفع بمال الأول، فوجب أن يبدأ الأول فالأول، يعني: الأول الذي حيي الزرع به، وهو الذي أنفق ماله آخرًا، يبدأ به؛ لأنَّ الزرع بماله حيي، ثمّ الذي يليه.
وهذا معنى قوله: يبدأ بالأول فالأول، أي: الأولى فالأولى.
•••
[١٢٣٢] مسألة: قال: ومن ارتهن رهنًا، فطلبه صاحبه ليبيعه ويدفع إليه ثمنه، فليس ذلك له حتى يرضى المرتهن (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٦٧)، النوادر والزيادات [١٠/ ١٨٤ و٢٢٩]، البيان والتحصيل [١١/ ١١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٦٧).
[ ٢ / ٣٧٦ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الرهن قد وجب رهنًا للمرتهن وتعلق حقه فيه، فليس للراهن أن يبيعه ولا يخرجه عن يد المرتهن إلّا برضاه.
•••
[١٢٣٣] مسألة: قال: ومن ارتهن دارًا ذات غلةٍ، ثمّ قال لصاحب الدار: «استأجِروني أتقاضى غلتكم وآخذ الخراج بإجارةٍ معلومةٍ»، فلا بأس بذلك (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الرهن لا يخرج عن يد المرتهن وإن استأجره الراهن لقيامه عليه وحفظه؛ لأنّه لا ينتقل عن يده إلى يد غيره، وإنما الذي يكره أن يخرج من يد المرتهن إلى غيره ممن لا يقوم مقامَه.
•••
[١٢٣٤] مسألة: قال: ولو قال رجلٌ لرجلٍ: «قد أحرزْتُ لك رهنك، فأسلف فلانًا» - لرهنٍ (^٢) كان يريد أن يضعه على يديه -، فدفع بقوله، فإنّه ضامنٌ للتفليس، ويحاصُّه الغرماء (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الذي قال للمرتهن: «قد أحرزت رهنك»، وهو لم يحرزه، قد غرَّه في دفعه ماله إلى الراهن، بل قد ضمن له توفية حقه من الرهن
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٦٧)، النوادر والزيادات [١٠/ ١٨٦]، البيان والتحصيل [١١/ ١٤].
(٢) قوله: «لرهنٍ»، كذا في شب، وفي المطبوع: «لمعين».
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٦٧)، النوادر والزيادات [١٠/ ١٩٨]، البيان والتحصيل [١١/ ١٥].
[ ٢ / ٣٧٧ ]
الذي ذكر أنّه قد قبضه، فعليه دفع الحق إلى المرتهن؛ لأنَّ المرتهن على ذلك دَفَعَ المال إلى الراهن، فمتى لم يدفع إليه حقه من الرهن الذي ضمنه له، وجب عليه أن يدفع إليه من ماله، وقد قال عثمان ﵁: «لَا تَوىً عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ» (^١).
•••
[١٢٣٥] مسألة: قال: وإذا رهن رجلان دارًا، ثمّ مات أحدهما قبل الأجل، فقد حل ما على الميت منهما في نصيبه (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الدَّين يحل بموت الذي عليه وفَلَسه؛ لزوال ملك الميت، وخراب ذمَّة المفلس، ووجوب تفرقة مال الميت على ورثته، وقسم مال المفلس على غرمائه، وكان الدَّين أولى من الميراث، فوجب تقدمتُه لهذه العلة، وبقي نصيب الحي حتى يحل الدَّين.
•••
[١٢٣٦] مسألة: قال: ونفقة الرهن على صاحبه (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ملك الرهن هو للراهن، لا ينتقل بكونه رهنًا عن
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة [١٠/ ٦٥٦]، والبيهقي في السنن الكبرى [١١/ ٥٤٧] من طريق معاوية بن قرة، عن عثمان، والشارح سيعلّ هذا الأثر حين يذكر اعتراضًا على مذهب مالك، كما في المسألة رقم ١٦٣٥، في حين أنّه يستدل به في هذا الموضع.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٦٧)، النوادر والزيادات [١٠/ ٢٢١].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٦٧)، المدونة [٤/ ١٣٤ و١٤٦]، النوادر والزيادات [١٠/ ١٨٣]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٦٨].
[ ٢ / ٣٧٨ ]
ملكه، فوجب نفقته عليه وكان له غلته، وقد قال رسول الله صلى الله عليه: «الرَّهْنُ مِمَّنْ رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» (^١)، يريد: له غلته، وعليه نفقته (^٢).
•••
[١٢٣٧] مسألة: قال: والرهن أولى من الكفن (^٣).
• إنّما قال ذلك، لأنَّ المرتهن قد وجب حقه في الرهن وتعلق به، فصار أولى من غيره كائنًا ما كان، من ربه وغير ربه.
ألا ترى: أنَّه ليس لأحدٍ أخذه من يده ولا إخراجه عن رهنه إلّا بإذنه أو دفع الحق إليه، فلمَّا لم يكن لربه أن يأخذه في حال الحياة بغير إذنه حتى يوفيه حقه، فكذلك إذا مات لم يكن ذلك لورثته؛ لأنَّ الورثة يقومون مقامه فيما كان يملكه، وليس لهم ما لم يكن له.
•••
[١٢٣٨] مسألة: قال: ومن رهن غلامًا له، ثمّ حلف بعتقه، فحنث وليس له مالٌ غيره، فلا يجوز عتقه، كانت يمينه قبل أن يرهنه أو بعدما رهنه (^٤).
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١٢٠٤.
(٢) نقل الباجي هذا التفسير عن الأبهري في المنتقى [٥/ ٢٤٠]، والتلمساني في شرح التفريع [٩/ ٦٨].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٦٧)، النوادر والزيادات [١٠/ ١٠ و٢٤٢]، البيان والتحصيل [١١/ ٣٦].
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٦٨).
[ ٢ / ٣٧٩ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ حق المرتهن قد تعلَّق بالرهن وهو العبد، فليس للراهن أن يعتقه؛ لأنَّ في ذلك إبطال حق المرتهن.
ألا ترى: أنَّه ليس له أن يبيعه بغير إذن مرتهنه.
وسواءٌ كانت يمينه قبل رهنه أو بعده، يعني: عقد يمينه بعتقه؛ لأنّه لا يجوز أن يعتقه بعد رهنه، سواءٌ كان عقد اليمين بعد الرهن أو قبله؛ لأنّ العتق بعد رهنه، ولا يجوز عتق الراهن الرهن من غير إذن المرتهن أو دفع الحق إليه.
وهذا إذا لم يملك الراهن مالًا غير العبد المرهون، فأمّا إذا كان له مالٌ غيره جاز عتقه وأُخِذ حق المرتهن منه، أو يدفع إليه رهنًا بدل رهنه.
•••
[١٢٣٩] مسألة: قال: ومن رهن حائطًا ليتيمٍ، ثمّ باعه من رجلٍ، فالبيع مردودٌ، وليس ذلك له إلّا برضا المرتهن (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ حق المرتهن قد وجب في الرهن، فليس يجوز لأحدٍ إخراج الرهن عن يده بغير إذنه، أو دفع الحق إليه، لا ببيعٍ ولا غيره.
وهذا إذا كان الذي رهنه ممن يجوز رهنه على اليتيم، فأمّا إذا كان ممن لا يجوز ذلك له، فرهنه باطلٌ وفعله باطلٌ.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٦٨).
[ ٢ / ٣٨٠ ]
[١٢٤٠] مسألة: قال: ومن وضع رهنه على يدي رجلٍ، ثمّ عدوا عليه فباعوه، فإنّه يأخذ رهنه حيث وجده، فإن فات أخذ حقه حالًّا إن رضي بذلك.
وإن تعدَّى الذي وُضِع الرهن على يديه فباعه ولم يكن له مالٌ، لم يحل الحق على الراهن، وكان إلى أجله (^١).
• إنّما قال ذلك: «إنَّ المرتهن يأخذ الرهن إذا بيع بغير أمره إن شاء أو أَخَذَ ثمنه»؛ فلأنَّ الرهن قد تعلَّق به حقٌّ للمرتهن، فليس لأحدٍ إخراجه إلّا بإذن المرتهن، أو دفع حقه إليه إذا رضي بذلك المرتهن، ومتى تعدَّى أحدٌ فباعه ممن وُضِعَ على يديه، فللمرتهن أخذه حيث وجده، أو أخذ دينه ممن باعه إن لم يجد الرهن أو كان قد فات.
فإن لم يكن له مالٌ، لم يكن له أخذ الحق من الراهن حتى يحل أجله؛ لأنَّ الراهن لم يتعدَّ في بيع الرهن، وليس عليه من تعدِّي غيره شيءٌ، وعليه دفع الحق الذي كان الرهن به إذا حلَّ أجله.
•••
[١٢٤١] مسألة: قال: ومن رهن أمةً بغير ولدها - ولها ولدٌ صغيرٌ -، فذلك جائزٌ، وإذا بيعت، بيع معها ولدها، فكان له (^٢) في رهنه ثمن الوليدة، ولم يكن له أولادها، فإن فضل له من حقه شيءٌ، كان أسوة الغرماء في ثمن الولد (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٦٨).
(٢) يعني: للمرتهن.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٦٨)، النوادر والزيادات [١٠/ ١٨٣]، البيان والتحصيل [١١/ ٤٢].
[ ٢ / ٣٨١ ]
• إنّما أجاز رهن الأمة دون ولدها؛ لأنَّ الرهن ليس هو إخراج ملك الأمة عن الراهن إلى المرتهن، وإنما هو وثيقةٌ للمرتهن، وإنما مُنِعَ من التفرقة بينهما في البيع؛ لأنّه إخراج ملكٍ، فأمّا إذا لم يكن إخراج ملكٍ جاز.
ألا ترى: أنَّ له أن يؤاجر الأم دون الولد، فكذلك يجوز ذلك في الرهن.
ثم تباع الأم مع ولدها إذا حل الأجل الحق؛ لأنّه لا يجوز التفرقة بينهما في البيع؛ لأنّه إخراج ملكٍ، ثمّ تكون للراهن حصة الولد من الثمن، وللمرتهن حصة الأم من الثمن.
فإن بقي من دَيْنِه شيءٌ شارك المرتهن سائر الغرماء في ثمن الولد؛ لأنّه مثلهم، ولا يشاركه الغرماء في ثمن الأم؛ لأنّه أولى بالرهن منهم، فكذلك هو أولى بثمنه منهم.
•••
[١٢٤٢] مسألة: قال: ومن رهن رجلًا رهنًا بدَينٍ إلى سنةٍ وحازه، ثمّ ابتاع من آخر شيئًا إلى شهرٍ ورهنه فضل الرهن الأول، فحل أجل المرتهن الآخر قبل الأول، ولم يكن علم الآخر أنَّ الأول إلى سنةٍ، فيباع الرهن ويعطى حقه من ثمنه، ويعطى الآخر ما فضل، ولا يؤخر الأول إلى أجله (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المرتهن الآخر إنّما دخل على أن يباع الرهن إذا حل
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٦٨)، النوادر والزيادات [١٠/ ١٧٧]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٠٧].
[ ٢ / ٣٨٢ ]
أجل الحق ويُعطى حقه من ثمنه إن لم يكن يعطيه الراهن ذلك من ماله، فوجب أن يباع له الرهن، ثمّ يدفع إليه ما فضل عن حق المرتهن الأول.
ويدفع إلى المرتهن الأول حقه أيضًا ولا يوقف إلى أجله؛ لأنّه ليس في ذلك منفعةٌ للراهن ولا المرتهن، بل قد يلحق الراهن ضررٌ بوقفه، وهو أن يتلف فيحتاج أن يغرم حق المرتهن ثانيةً، وهذا ضررٌ عليه وعلى المرتهن، وقد قال رسول الله ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (^١).
ولأنَّ المرتهن الثاني دخل أيضًا على تقدمة المرتهن الأول عليه، وأنه إنّما يأخذ ما فضل عن حق الأول.
وهذا إذا كان رهن الثاني بإذن الأول، فإن كان بغير إذنه لم يجز رهنه، وكان الرهن كله رهنًا للأول بحقه، ولا شيء للمرتهن الثاني؛ لأنَّ الراهن متعدٍّ بالرهن الثاني، فوجب ردُّ تعدِّيه، ولا يلزم ذلك المرتهن الأول.
•••
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١١٣٨.
[ ٢ / ٣٨٣ ]