[٩٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: أَرَأَيْتَ الشَّهَادَةَ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ، أَيُقْبَلُ فِيهَا غَيْرُ العُدُولِ؟
قَالَ: لَا يُصَامُ رَمَضَانُ وَلَا يُفْطَرُ مِنْهُ إِلَّا بِشَهَادَةِ عُدُولٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا.
وَلَا يُصَامُ بِشَهَادَةِ الوَاحِدِ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا، وَلَا يُفْطَرُ بِشَهَادَةِ الوَاحِدِ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا (^١).
• أما اشتراطه العدالة في الشهادة على صوم رمضان وفطره؛ فلأنهما حكمٌ من أحكام الدِّين الذي يلزم النَّاس العمل به، ولا يجوز أن يُلزموا شيئًا لم يثبت وجوبه، وثبوت وجوبه هو شهادة العدول كسائر الشهادات، لا يقبل فيها إلَّا العدول، فكذلك الصّوم والفطر.
وأما اشتراطه شهادة رجلين مسلمين عدلين؛ فلأنَّ الشهادة في غير الأموال لا يجوز فيها على شيء مَغِيبٍ أقل من رجلين عدلين، وذلك كالعدالة والطلاق (^٢)
_________________
(١) المختصر الصغير، ص (٣٢٩)، المختصر الكبير، ص (١١٧)، المدونة [١/ ٢٦٧]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٢٣)، النوادر والزيادات [٢/ ٧]، التفريع [١/ ٣٠١].
(٢) قوله: «كالعدالة والطلاق»، كذا في المخطوط، ولعلها: «كالعدالة في الطلاق».
[ ١ / ٢٠٣ ]
والنكاح، والزنا فجُعِل فيه أربعة، خُصَّ بذلك، فكذلك الصّوم والفطر، لا يجوز فيهما أقل من شهادة عدلين؛ لأنَّهُ حكمٌ ثبت على البدن، وليس هو مالًا فتجوز فيه شهادة رجلٍ وامرأتين، أو شاهدٍ ويمينٍ.
ومما يدل على أنَّهُ ليس يجوز شهادة رجلٍ واحدٍ في شهر رمضان على رؤية الهلال، أنَّ شهادة الواحد على انفراده في الأصول غير جائزةٍ دون أن يقارنها شيءٌ آخر، وإذا كان كذلك، لم تجز أيضًا على رؤية هلال شهر رمضان.
فإن قيل: إنَّ مجرى الشهادة هاهنا مجرى الأخبار، فيجوز فيها رجلٌ واحدٌ، كما يجوز في الأخبار التي تنقل عن رسول الله ﷺ؛ لأنَّ كل ذلك إلزام شرعٍ؟ (^١)
قيل له: لو كان مجراها مجرى الأخبار، لجاز فيها شهادة العبد والمرأة، كما يجوز قبول خبرهما إذا نقلًا عن رسول الله صلى الله عليه، ولاستوى ذلك في الصّوم والفطر؛ لأنَّ كلاهما إثبات شرعٍ، ولو جاز أن يصام بشهادة واحدٍ، لجاز أن يفطر بشهادة واحد.
فإن قيل: إنَّ الإنسان يُتَّهم على الفطر بأنَّه يُسقط فرضًا عنه، ولا يتهم على الصّوم، فافترقا لهذه العلَّة (^٢).
قيل له: قد يُتَّهم أيضًا في ادِّعائه رؤية الهلال لشهر رمضان؛؛ لأنَّهُ
_________________
(١) ينظر الاعتراض في: شرح الجصاص لمختصر الطحاوي، [٢/ ٤٥٣]، المبسوط للسرخسي [٣/ ٦٤]، المغني لابن قدامة [٤/ ٤١٨]، شرح العمدة لشيخ الإسلام [٣/ ١١٠].
(٢) ينظر الاعتراض في: المبسوط [١٠/ ١٦٨]، بدائع الصنائع [٢/ ٨٠]، الفروع لابن مفلح [٣/ ١٤].
[ ١ / ٢٠٤ ]
يجوز أن يوجب لنفسه حقوقًا تجب بدخول شهر رمضان، من ديونٍ تحل له، ويُسقِطُ عن نفسه حقوقًا تسقط بدخول شهر رمضان، فالتهمة قائمةٌ في الأمرين جميعًا.
فإن قيل: قد روى سماك بن حربٍ (^١)، عن عكرمة (^٢)، عن ابن عباس قال: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الهِلَالَ، يَعْنِي: رَمَضَانَ، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: يَا بِلَالُ، أَذِّنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا» (^٣) (^٤).
قيل: قد روى هذا الحديث جماعةٌ من الأثبات فأرسلوه عن النبي صلى الله
_________________
(١) سماك بن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري الكوفي، صدوقٌ وروايته عن عكرمة خاصة مضطربةٌ، وقد تغيَّر بأخرة، فكان ربما يلقن، من الرابعة. تقريب التهذيب، ص (٤١٥).
(٢) عكرمة مولى ابن عباس، ثقةٌ ثبتٌ عالمٌ بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر ولا تثبت عنه بدعة، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٦٨٧).
(٣) أخرجه أبو داود [٣/ ١٤٠]، وهو في التحفة [٥/ ١٣٧].
(٤) ينظر الاعتراض في: شرح الجصاص لمختصر الطحاوي، [٢/ ٤٥٣]، الحاوي للماوردي [٣/ ٢٦٢].
[ ١ / ٢٠٥ ]
عليه، فقالوا: عكرمة عن النبي صلى الله عليه، منهم: الثوري (^١)، وشعبة (^٢)، وحماد بن سلمة (^٣) وغيرهم (^٤)، وصحيحه مرسلٌ.
على أنَّهُ قد يجوز أن يكون رآه مع الأعرابي غيره، ثم ذكر للنبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قبل ذكر الأعرابي، فأمرهم لذلك أن يصوموا، لا لقول الأعرابي وحده.
ومما يدل على ما قلنا: أنَّ شهادة من لا يُدرَى هل هو عدلٌ أم لا غير مقبولةٍ، فكيف بمن لا يُعلم هل هو مسلمٌ أو لا دون أن يُمتحن.
فإن قيل: قد روى ابن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم (^٥)، عن أبي
_________________
(١) أخرجه النسائي في الكبرى [٣/ ٩٩] وغيره.
(٢) لم أقف عليه من طريق شعبة عن سماك، لكنه رواه الطحاوي في مشكل الآثار [١/ ٤٢٥]، من طريق شعبة، عن الثوري، عن سماك، عن عكرمة مرسلًا.
(٣) حماد بن سلمة بن دينار البصري، ثقةٌ عابدٌ، وتغيَّر حفظه بآخره، من كبار الثامنة. تقريب التهذيب، ص (٢٦٨)، وروايته أخرجها أبو داود [٣/ ١٤١].
(٤) كما أخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٢٥٤]، من طريق إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة مرسلًا.
(٥) يحيى بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر المدني، صدوقٌ، من كبار الثامنة. تقريب التهذيب، ص (١٠٥٩).
[ ١ / ٢٠٦ ]
بكر بن نافع (^١)، عن أبيه، عن ابن عمر قال: «تَرَاءَى النَّاسُ الهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ» (^٢) (^٣).
قيل: وهذا أيضًا على ما ذكرناه، يجوز أن يكون رآه غير ابن عمر، فأخبر النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ بذلك، ثمَّ أخبره ابن عمر، فقبل شهادتهما، على أنَّ يحيى بن عبد الله بن سالم، في حديثه لِين (^٤).
ومما يدل على ما قلنا، أنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ إنَّما قبل شهادتهما مع
_________________
(١) أبو بكر بن نافع العدوي المدني، مولى ابن عمر، صدوقٌ، من كبار السابعة. تقريب التهذيب، ص (١١١٩).
(٢) أخرجه أبو داود [٣/ ١٤١]، وهو في التحفة [٦/ ٢٥٤].
(٣) ينظر الاعتراض في: التجريد للقدوري [٣/ ١٤٦٣]، الحاوي للماوردي [٣/ ٢٦١].
(٤) يحيى بن عبد الله بن سالم، أورده البخاري في «التاريخ الكبير» [٨/ ٢٨٦]، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» [٩/ ١٦٢]، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وأورده ابن حبان في الثقات [٩/ ٢٤٩]، فقال: «ربما أغرب»، وفي الإكمال لمغلطاي [١٢/ ٣٣٨]، عن الساجي أنَّهُ قال: «غير صدوق»، وفيه وفي تهذيب التهذيب [٤/ ٣٦٩]، عن ابن معين أنَّهُ قال: «ضعيف الحديث، صدوق»، وفي شيوخ ابن وهب المنسوب لابن بشكوال، ص (٢٥١)، أن ابن وضاح قال: «يمسه ضعف»، والغالب أن ابن وضاح أخذ كلامه في الجرح والتعديل عن أحمد بن سعد بن أبي مريم المصري، ووثقه الدارقطني، كما في سؤالات البرقاني للدارقطني، ص (١٤١)، وقال: «ثقة حدث بمصر».
[ ١ / ٢٠٧ ]
انضمام غيرهما إليهما: ما رواه أبو عوانة (^١)، عن منصور (^٢)، عن ربعي، بن حراش (^٣)، عن رجلٍ من أصحاب النّبيّ ﷺ قال: «اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَقَدِمَ أَعْرَابِيَّانِ فَشَهِدَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ بِاللهِ لَأَهَلَّا الهِلَالَ أَمْس عَشِيَّةً، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ النَّاسَ أَنْ يُفْطِرُوا» (^٤)، فعُلِم بهذا أنَّ شهادة الأعرابي مذكورةٌ مرةً في الفطر ومرةً في الصّوم، ودلَّ هذا على اضطراب الحديث.
وقد روى سعيد بن سليمان (^٥)، قال: حدثنا عباد بن العوام (^٦)، عن أبي مالك الأشجعي (^٧)، قال: حدثنا حسين بن الحارث الجدلي (^٨)، أنَّ أمير مكة، قال: «عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ أَنْ نُمْسِكَ لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ لَمْ نَرَهُ وَشَهِدَ
_________________
(١) وضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي البزاز، ثقةٌ ثبتٌ، من السابعة. تقريب التهذيب، ض (١٠٣٦).
(٢) منصور بن المعتمر بن عبد الله السلمي الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ، من طبقة الأعمش. تقريب التهذيب، ص (٩٧٣).
(٣) ربعي بن حراش العبسي الكوفي، ثقةٌ عابدٌ مخضرمٌ، من الثانية. تقريب التهذيب، ص (٣١٨).
(٤) أخرجه أبو داود [٣/ ١٤٠]، وهو في التحفة [١١/ ١٥٠].
(٥) سعيد بن سليمان الضبي الواسطي، نزيل بغداد، البزاز، ثقةٌ حافظٌ، من كبار العاشرة. تقريب التهذيب، ص (٣٨٠).
(٦) عباد بن العوام بن عمر الكلابي، مولاهم الواسطي، ثقةٌ، من الثامنة. تقريب التهذيب، ص (٤٨٢).
(٧) سعد بن طارق الأشجعي الكوفي، ثقةٌ، من الرابعة. تقريب التهذيب، ص (٣٦٩).
(٨) الحسين بن الحارث الجدلي، صدوقٌ، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٢٤٦).
[ ١ / ٢٠٨ ]
شَاهِدَا عَدْلٍ أمْسَكْنَا بِشَهَادَتِهِمَا»، فَسَأَلْتُ الحُسَيْنَ بْنَ الحَارِثِ: مَنْ أَمِيرُ مَكَّةَ؟، فَقَالَ: الحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ، ثُمَّ قَالَ الأَمِيرُ: إِنَّ فِيكُمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ مِنِّي، وَشَهِدَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى رَجُلٍ، وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَكَانَ أَعْلَمَ بِاللهِ مِنْهُ، فَقَالَ: بِذَلِكَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ» (^١).
وقد روى محمد بن كثير (^٢)، قال: أخبرنا إسرائيل (^٣)، قال: أخبرنا عبد الأعلى (^٤)، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (^٥)، قال: «كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ، فَأَتَاهُ رَاكِبٌ زَعَمَ أنَّهُ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْطِرُوا» (^٦).
وهذا الحديث خلاف الأصول، وإذا لم يجز قبوله لمخالفته للأصول، فكذلك حديث الأعرابي الواحد، ليس يجوز قبوله لمخالفته للأصول.
_________________
(١) أخرجه أبو داود [٣/ ١٣٩]، والنسائي في الكبرى [٣/ ٩٩]، وهو في التحفة [٣/ ٤].
(٢) محمد بن كثير العبدي البصري، ثقةٌ، لم يصب من ضعفه، من كبار العاشرة. تقريب التهذيب، ص (٨٩١).
(٣) إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، ثقةٌ تُكلم فيه بلا حجة، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (١٣٤).
(٤) عبد الأعلى بن عامر الثعلبي الكوفي، صدوقٌ يهم، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٥٦١).
(٥) عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري المدني، ثم الكوفي، ثقةٌ، من الثانية. تقريب التهذيب، ص (٥٩٧).
(٦) أخرجه أحمد [١/ ٣٢٤]، والدارقطني [٣/ ١٢٢].
[ ١ / ٢٠٩ ]
وقد روى وكيع، عن الأعمش (^١)، عن أبي وائلٍ (^٢)، قال: «كُنَّا بِخَانِقِينَ فَأَهَلَّنَا هِلَالُ رَمَضَانَ، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فَأَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ: أَنَّ الأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الهِلَالَ نَهَارًا، فَلَا تُفْطِرُوا، إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ رَجُلَانِ مُسْلِمَانِ أَنَّهُمَا أَهَلَّاهُ بِالأَمْسِ» (^٣).
وروى عاصم (^٤)، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار (^٥) قالَ: «أَبَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ أَنْ يُجِيزَ شَهَادَةَ هَاشِمٍ الأَعْوَر عَلَى رُؤْيَةِ الهِلَالِ» (^٦).
ومما يدل على أنَّهُ لا يجوز قبول شهادة واحدٍ في الصّوم، ما قال مالكٌ: «إنه إذا صاموا بشهادة واحدٍ احتياطًا للصوم، أدَّى ذلك إلى أن يفطروا يومًا من شهر رمضان، والاحتياط واجبٌ في آخره كهو في أوله» (^٧)، وإذا كان كذلك، لم يجز أن يصام ولا يفطر بأقل من شهادة مسلمين عدلين.
•••
_________________
(١) سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي الكوفي الأعمش، ثقةٌ حافظٌ، لكنه يدلس، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٤١٤).
(٢) شقيق بن سلمة الأسدي، ثقةٌ، من الثانية. تقريب التهذيب، ص (٤٩٣).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٢٥٧]، والدارقطني [٣/ ١٢١].
(٤) قوله: «عاصم»، كذا في شب، وأظنه أبو عاصم النبيل، فإنه هو المشهور بالرواية عن ابن جريج.
(٥) عمرو بن دينار المكي الأثرم الجمحي مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من الرابعة. تقريب التهذيب، ص (٧٣٤).
(٦) أخرجه عبد الرزاق [٤/ ١٦٧]، وابن أبي شيبة [٦/ ٢٥٧].
(٧) ينظر: المدونة [١/ ١٩٤].
[ ١ / ٢١٠ ]
[٩٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِنْ ثَبَتَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ نَهَارًا، كَفَّ النَّاسُ عَنِ الطَّعَامِ، وَقَضَوْا يَوْمًا سِوَاهُ، وَإِنْ ثَبَتَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى هِلَالِ شَوَّالٍ نَهَارًا، فَإِنَّ النَّاسَ يُفْطِرُونَ سَاعَةَ ثَبَتَتِ الشَّهَادَةُ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَاءَهُمُ الثَّبْتُ أَنَّ الصِّيَامَ كَانَ قَبْلَ صِيَامِهِمْ بِيَوْمٍ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ صَلَاةَ العِيدِ إِذَا ثَبَتَتِ الشَّهَادَةُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَلَا يُصَلُّونَ مِنَ الغَدِ، وَلَا تُصَلَّى صَلَاةُ العِيدِ فِي غَيْرِ يَوْمِ العِيدِ (^١).
• قوله: «يكف النَّاس عن الطعام إذا ثبت أنَّ يومهم من رمضان»، فلأنَّ الأكل في شهر رمضان من غير عذرٍ غير جائزٍ، والعذر هو أن يكون الإنسان مريضًا أو مسافرًا، أو تكون المرأة حائضًا، ومن لم يكن كذلك فليس يجوز له أن يأكل وإن كان غير صائمٍ، فعليه أن يكف عن الأكل لهذه العلَّة.
ويقضي يومًا سواه؛ لأنَّهُ قد أفطر في شهر رمضان، فعليه القضاء.
وكذلك لو لم يكن أكل في هذا اليوم فعليه القضاء؛ لأنَّ الصّوم لا يصح بغير نيةٍ مُقدَّمةٍ له أو مقارنةٍ للدخول فيه.
وكذلك إذا ثبتت الشهادة أنَّ يومهم من شوال أفطروا؛ لأنَّ صوم يوم الفطر غير جائزٍ، بل لا يصح فيه الصّوم؛ لنهي رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ عن صيامه (^٢)، كما لا يصح الصّوم بالليل.
_________________
(١) المختصر الصغير، ص (٣٣٠)، المختصر الكبير، ص (١١٧)، الموطأ [٣/ ٤٠٩]، التفريع [١/ ٣٠٢].
(٢) كما في حديث أبي سعيد ﵁، قال: «نهى النّبيّ ﷺ عن صوم يوم الفطر والنحر»، متفق عليه: البخاري (١٩٩١)، مسلم [٢/ ٨٠٠]، وهو في التحفة [٣/ ٤٨٢].
[ ١ / ٢١١ ]
وقوله: «لا يصلون صلاة العيد بعد الزوال»؛ فلأنَّ سنة صلاة العيد هي في أول النهار لا في آخره، لا خلاف في ذلك؛ ولأنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ صلَّاها كذلك.
وقوله: «لا تصلى من الغد»؛ فلأنه لَمَّا لم تُصَلَّ في يوم العيد بعد الزوال وهو أقرب إلى الوقت الذي تُصلى فيه، لم تصل من الغد؛ لأنَّهُ أبعد من الوقت الذي يجوز أن تصلى فيه.
فإن قيل: قد روي أن النّبيّ ﷺ قال لهم: «اغْدُوا إِلَى المُصَلَّى» (^١) حِينَ شُهِدَ عنده أنَّ يَوْمهم يَوْمَ الفِطْرِ، وَكَانَ ذَلِكَ عَشِيًّا (^٢).
قيل له: هذا الحديث رواه جماعة عن أبي بشر (^٣)، عن أبي عمير بن أنس (^٤)، قال: «أَخْبَرَنِي عُمُومَةٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ»، لم يروه غير أبي بشر فيما يقال، وأبو عميرٍ أيضًا فليس بمعروفٍ، وعمومته فغير مسمَّين، وإذا كان كذلك، لم يحتمل مثل هذا الحكم الكبير المشهور"، ولو كان
_________________
(١) أخرجه أبو داود [٢/ ١٢٧]، وابن ماجه [٢/ ٥٦٦]، والنسائي في السنن الكبرى [٢/ ٢٩٥]، وهو في التحفة [١١/ ١٦٨].
(٢) ينظر الاعتراض في: المغني [٣/ ٢٨٦]، المهذب مع شرحه المجموع [٥/ ٢٤].
(٣) جعفر بن إياس ابن أبي وحشية، اليشكري، ثقةٌ، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (١٩٨).
(٤) أبو عمير بن أنس بن مالك الأنصاري، ثقةٌ، من الرابعة. تقريب التهذيب، ص (١١٨٤).
[ ١ / ٢١٢ ]
كذلك، لنقله أصحاب رسول الله ﷺ؛ لأنَّ صلاة العيد أَمْرٌ ينتشر، فلو صُلِّيت في غير يوم العيد لنقل ذلك أصحاب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ ولنُقِل عنهم.
•••
[١٠٠] مَسْأَلَةٌ: قال: وَمَنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ نَهَارًا فَلَا يُفْطِرْ، وَإنَّمَا هُوَ لِلَّيْلَةِ الَّتِي تَأْتِي (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ».
حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن إسحاق حرمي (^٢)، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد (^٣) البغوي (^٤)، قال: حدثنا أبي (^٥)، قال: حدثنا ورقاء بن
_________________
(١) المختصر الصغير، ص (٣٣٠)، المختصر الكبير، ص (١١٧)، الموطأ [٣/ ٤٠٩]، المدونة [١/ ٢٦٧]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٢٣)، النوادر والزيادات [٢/ ١٢].
(٢) أحمد بن محمد بن إسحاق بن أبي خميصة، أبو عبد الله المكي، المعروف بحرمي، تنظر ترجمته في تاريخ بغداد [٦/ ٥٧].
(٣) محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، ثقةٌ، من العاشرة. تقريب التهذيب، ص (٨٦٦).
(٤) نسبةً إلى بلدة من بلاد خراسان بين مرو وهراة يقال لها بغ وبغشور، كما في الأنساب للسمعاني [٢/ ٢٧٣]، ولم أقف على من نسبه إلى هذه البلدة سوى المصنف، وكل من ترجم له فيما وقفت عليه ينسبه إلى مكة، وقد قال الحافظ ابن حجر في التقريب، ص (٥٥٨)، في ترجمة أبيه: «أصله من البصرة أو الأهواز».
(٥) عبد الله بن يزيد المكي المقرئ، ثقةٌ فاضلٌ، من التاسعة. تقريب التهذيب، ص (٥٥٨).
[ ١ / ٢١٣ ]
عمر اليشكري (^١)، عن شعبة، عن محمد بن زياد (^٢)، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «صُومُوا لِرُؤْيَةِ الهِلَالِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا ثَلَاثِينَ» (^٣)، معناه: صوموا لرؤيته من الغد، وأفطروا لرؤيته من الغد.
وهذا إذا كان العدد لم يَكْمُل، أعني: ثلاثين يومًا، فإن كان قد كَمُلَ فإنهم لا يزيدون عليه وإن لم يروا الهلال؛ لأنهم قد صاموا أكثر عدة الشهر؛ لأنَّ الشّهر مرةً ثلاثون يومًا، ومرةً تسعة وعشرون يومًا، كما قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وحَبَسَ فِي الثَّالِثَةِ أُصْبُعَهُ» (^٤)، يعني: تسعًا وعشرين.
•••
[١٠١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ رَأَى هِلَالَ
_________________
(١) ورقاء بن عمر اليشكري الكوفي، نزيل المدائن، صدوقٌ في حديثه عن منصور لين، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (١٠٦٣).
(٢) محمد بن زياد الجمحي، مولاهم، المدني نزيل البصرة، ثقةٌ ثبت ربما أرسل من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٨٤٥).
(٣) أخرجه النسائي في الكبرى [٣/ ١٠٠]، وابن حبان [٨/ ٢٢٦]، والطبراني في المعجم الأوسط [٢/ ٣٨٢]، من طريق محمد بن عبد الله بن يزيد به، ولفظ النسائي وابن حبان: «فإن غمَّ عليكم فاقدروا ثلاثين»، ولفظ الطبراني: «فأكملوا العدة ثلاثين»، وهو في الصحيحين من طرق أخرى: البخاري (١٩٠٩)، ومسلم [٣/ ١٢٤]، وهو في التحفة [١٠/ ٣٢٤].
(٤) متفق عليه: البخاري (١٩٠٨)، ومسلم [٣/ ١٢٣]، وهو في التحفة [٥/ ٣٢٦].
[ ١ / ٢١٤ ]
شَوَّالٍ وَحْدَهُ فَلَا يُفْطِرْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ لِأَهْلِ التُّهَمِ أَنْ يُفْطِرُوا آخِرَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ يَدَّعُوا رُؤْيَةَ الهِلَالِ (^١).
• قد ذكر مالكٌ الفرق بين رؤية الهلال للصوم ورؤيته للفطر، أنَّهُ يصوم ولا يفطر؛ لأنَّهُ لا يُتَّهَم أحدٌ على الصّوم ويتهم على الفطر (^٢).
ويشبه أن يكون مراد مالكٍ: أن لا يُظْهِر الفطر وإن كان صادقًا فيما ذكره من الرؤية؛ لئلا يقتدي به من ليس بمأمونٍ فيدَّعي ذلك، فأمَّا أن يصوم مع رؤية الهلال فلا؛ لأنَّ يوم الفطر لا يحل صومه.
وقد سمعت بعض مشايخنا يحملون قول مالكٍ على الذي ذكرته (^٣).
•••
[١٠٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ نَهَارًا، فَلَا يَكُفَّ عَنِ الطَّعَامِ، وَإنَّمَا هُو لِلَّيْلَةِ التِي تَأْتِي (^٤).
• هذا على ما قلناه، إذا لم يكن كمل عدة شعبان ثلاثين، فإنه لا يكف عن الأكل بعد أن رأى الهلال؛ لأنَّ يومه من شعبان.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١١٧)، الموطأ [٣/ ٤٠٩]، المدونة [١/ ٢٦٦]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٢٣)، النوادر والزيادات [٢/ ٦]، التفريع [١/ ٣٠١].٩٩٩٩٩٩
(٢) تقدم في المسألة رقم ٩٨، أن الشارح قد رد هذا التعليل.
(٣) حكاه القرافي في الذخيرة [٢/ ٣١٣]، عن ابن القاسم، وينظر: المنتقى للباجي [٢/ ٣٩]، البيان والتحصيل [٢/ ٣٥٢].
(٤) المختصر الكبير، ص (١١٧)، وقد ذكر ابن أبي زيد في النوادر [٢/ ١٢]، هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر: المدونة [١/ ٢٦٧]، التفريع [١/ ٣٠٢].
[ ١ / ٢١٥ ]
فإن كان كمل عدَّة شعبان كفَّ عن الأكل؛ لأنَّ يومه من رمضان، وعليه القضاء على ما ذكرناه (^١).
•••
[١٠٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَصْبَحَ يَوْمًا مُتَطَوِّعًا وَلَمْ يَأْكُلْ، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ، فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ وَلَا يَأْكُلُ، وَلَا يُجْزِيهِ ذَلِكَ مِنْ صِيَامِ رَمَضَانَ (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ صوم رمضان لا يصح بغير نيةٍ لرمضان، وليس تجزئ نية التّطوع عن نية الفرض - أعني: في الصّوم، كما لا تجزئ نية التّطوع عن نية الصلاة الفرض، فلهذا قال مالكٌ: «إنَّ عليه أن يقضي وإن كان قد صامه تطوعًا».
•••
[١٠٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ جَاءَهُ الخَبَرُ وَقَدْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا أَنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَكُنْ أَكَلَ شَيْئًا، فَلْيَكُفَّ عَنِ الطَّعَامِ، وَلَا يُجْزِيهِ ذَلِكَ مِنْ صِيَامِ رَمَضَانَ (^٣).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ لم ينوِ الصّوم من اللّيل، وليس يصحُّ صوم شهر رمضان بغير نيةٍ متقدِّمةٍ للصوم.
•••
_________________
(١) ينظر المسألة: [٩٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (١١٧).
(٣) المختصر الكبير، ص (١١٧)، المدونة [١/ ٢٧٣].
[ ١ / ٢١٦ ]
[١٠٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ.
وَلَيْسَ عَلَى النَّاسِ تَبْيِيتٌ فِي رَمَضَانَ - يَعْنِي: تَجْدِيدَ النِّيَّةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ - وَلَا عَلَى مَنْ شَأْنُهُ سَرْدُ الصِّيَامِ، وَلَا عَلَى مَنْ شَأْنُهُ صَوْمُ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ قَدْ عَوَّدَهُ نَفْسَهُ لَا يَدَعُهُ.
وَالتَّبْيِيتُ أَنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى الصِّيَامِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ بِالخِيَارِ، يَعْزِمُ وَيَتَرُكُ مَا لَمْ يَطْلُعِ الفَجْرُ، فَإِذَا طَلَعَ الفَجْرُ فَهُوَ عَلَى مَا عَزَمَ عَلَيْهِ (^١).
• قوله: «ولا صيام إلَّا لمن يبيِّت الصّيام»، يعني: من الليل؛ فلأنَّ الصّيام عملٌ من أعمال الأبدان المتقرب بها إلى الله ﷿، ولا يجوز بغير نيةٍ متقدمةٍ أو مقارنه، كما لا تجوز الصلاة بغير نيةٍ، والوضوء والتيمم بغير نيةٍ تَقَدَّمَتهُ أو تقارنه، وقد قال النّبيّ ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (^٢)، وقال: «مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» (^٣).
رواه عبد الله بن وهبٍ، قال: أخبرني ابن لهيعة ويحيى بن أيوب، عن
_________________
(١) المختصر الصغير، ص (٣٣١)، المختصر الكبير، ص (١١٨)، وقد ذكر ابن أبي زيد في النوادر والزيادات [٢/ ١٤ و١٦] هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر: التفريع [١/ ٣٠٣]، الجامع لابن يونس [٣/ ١٠٨٠].
(٢) متفق عليه: البخاري (١)، ومسلم [٦/ ٤٨]، وهو في التحفة [٨/ ٩١].
(٣) أخرجه ابن خزيمة [٣/ ٢١٢].
[ ١ / ٢١٧ ]
عبد الله بن أبي بكر بن حزم (^١)، عن ابن شهاب، عن أبيه (^٢)، عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» (^٣).
فلهذا قال مالكٌ: «إنَّ عليه أن يُبَيِّت الصّيام من الليل».
وقوله: «وليس على النَّاس ذلك في رمضان»، يعني: أنَّهُ ليس عليهم تجديد النيّة في كل ليلةٍ من رمضان، ويجزيهم أن ينووا من أول ليلةٍ من رمضان صيام الشّهر كله.
والدليل على صحة ما قاله: أنَّ صوم رمضان لَمَّا كان وقته وقتًا لا يصلح أن يصوم فيه غير الصّوم الحاضر، أعني: لا يجوز أن يقضي فيه رمضان آخر، ولا يصومه عن كفارةِ ظهارٍ ولا قتلٍ ولا تطوعٍ، كانت عينه عينًا مستحقةً للصوم الحاضر، ولم يتخلَّله أيضًا وقتٌ يصلح للصوم، أعني: الليل ليس يصلح للصوم، فلم يحتج لهذه العلَّة أيضًا إلى استئناف النيّة لكل ليلةٍ ما دام صومه متصلًا، لم يقطعه عذرٌ من حيضٍ أو مرضٍ.
_________________
(١) عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، ثقةٌ، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٤٩٥).
(٢) كذا في المخطوط: «ابن شهاب عن أبيه»، وهو خطأ، صوابه: «ابن شهاب عن سالم عن أبيه»، كما في مصادر التخريج.
(٣) أخرجه ابن خزيمة [٣/ ٢١٢] بنحو الإسناد المذكور، وهو عند أبي داود [٣/ ١٩٠]، وأحمد [٤٤/ ٥٣]، وغيرهم، وهو في التحفة [١١/ ٢٨٤].
[ ١ / ٢١٨ ]
فمتى أفطره بعذرٍ أو غيره فابتدأ (^١) النيّة للصوم؛ لانقطاع حكم الصّوم واتصاله.
وأشبه شهر رمضان فيما ذكرناه الصلاة الواحدة، أنها تجوز بنيَّةٍ واحدةٍ، وإن كانت أعداد ركعاتٍ، وليس عليه تجديد النيَّة لكل ركعةٍ، وإن كانت عملًا غير الأخرى؛ فكذلك ليس عليه تجديد النيَّة لكل يومٍ وإن كان اليوم الثاني غير الأول.
فإن قيل (^٢): إنّ الصلاة الواحدة إنَّما جازت بنيَّةٍ واحدةٍ، ولم يكن عليه تجديد النية؛ لأنَّهُ عملٌ متعلِّقٌ بعضه ببعضٍ، يفسد أوله بفساد آخره، وليس كذلك صوم رمضان؛ لأنَّ أوله لا يفسد بفساد آخره، وإذا كان كذلك، فقد افترق حكم الصلاة والصيام في النيَّة.
قيل له: لو كانت العلَّة ما ذكرت في جواز النيَّة الواحدة: تعلُّقُ بعضه ببعضٍ وفساد أوله بفساد آخره، لجازت نيةٌ واحدةٌ في شهري الصّوم في الظهار والقتل؛ لأنَّ صومه متعلّقٌ بعضه ببعضٍ ويفسد أوله بفساد آخره؛ لأنَّهُ لو أفطر يومًا من آخره متعمدًا لبطل صومه كله، فعلم فساد علَّته في جواز النيَّة في تعلُّق بعضه ببعض، وسلم اعتلالنا الذي اعتللنا به، وهو أنَّهُ عملٌ لا يتخلَّله وقتٌ يصلح لصوم فرضٍ ولا نافلةٍ، وهذه علَّةٌ صحيحةٌ لا يعترض عليها أصلٌ.
فإن قيل: فأجز صلاتين بنيةٍ واحدةٍ، كما أجزت صوم يومين بنيةٍ
_________________
(١) قوله: «فابتدأ»، كذا في شب، ولعلها: ابتدأ.
(٢) ينظر الاعتراض في: الحاوي [٣/ ٢٤٧].
[ ١ / ٢١٩ ]
واحدةٍ أو بنيَّةٍ متقدِّمةٍ، وإذا لم يجز ذلك في الصلاتين، فكذلك يلزمك في الصّوم (^١).
قيل له: ما ذكرته غير لازمٍ لنا ولا قادحٍ فيما اعتللنا به، من قِبَل أنَّ ما بين الصلاتين وقتٌ يجوز أن يُصَلَّى فيه فرضٌ ونفلٌ، فاحتاج للصلاة الثانية إلى استئناف النيّة لهذه العلَّة، وما بين اليومين، فليس وقتًا يصلح لصوم فرضٍ ولا نفلٍ، فلم يحتج إلى استئناف نيةٍ.
ومما يدل على جواز تقدم نيَّة الشّهر كلِّه من أوله، أنَّا وجدنا الصّوم مُخصصًا بجواز تقدمة النيّة قبل الدخول فيه بزمانٍ، وهو أن ينوي من أول الليل أن يصوم من الغد، وليس يجوز ذلك في سائر الأعمال دون أن تكون النيّة مقارنةً للدخول فيها، فلمَّا جاز ذلك في الصّوم، وكان مباينًا لسائر الأعمال، لم يكن فصلٌ في جواز تقدمة النيّة بين أول اليوم وآخره.
ومما يدل أيضًا على ذلك، أنَّهُ إذا نوى من أول الليل، ثم أكل بعد ذلك لم يحتج إلى تجديد النية، وإن كان قد تخلل بين النيّة والصّوم أكلٌ، وكذلك في اليوم الثاني والثالث والأيام كلها، وإن كانت أعمالًا متغايرةً، والله أعلم.
وقوله: «فيمن عوَّد نفسه صيام يومٍ بعينه أو شهرٍ بعينه، أنَّهُ ليس عليه تجديد النيّة عند كل ليلةٍ ولا عند الدخول في الصّوم»، فلهذا المعنى الذي ذكرنا من جواز تقدمة النيّة للصوم.
وهذا القول من مالكٍ في صيام النفل، يشبه أن يكون استحبابًا لا إيجابًا،
_________________
(١) لم أقف على من اعترض بمثل هذا الاعتراض.
[ ١ / ٢٢٠ ]
فأمَّا القياس فإنَّ عليه أن ينوي كل ليلةٍ (^١)؛ لجواز أن يفطر بدل الصّوم ويصوم عن فرضٍ أو صومٍ غير الذي عوده نفسه، وهو مخالفٌ لصوم رمضان، وإذا كان كذلك، فعليه أن يجدد النيّة للذي يريد كل ليلةٍ، والله أعلم.
وقوله: «فإذا طلع الفجر، فهو على ما عزم عليه من فطرٍ أو صيامٍ»، فإنَّ حكم الصّوم أو الفطر قد تقرََّر بطلوع الفجر، فإذا طلع وهو مفطرٌ، فليس يجوز له أن يصوم يومه بعد ذلك، وإن كان صائمًا لم يجز له أن يفطر لغير عذرٍ، من قِبَلِ أنَّهُ قد دخل في عملٍ هو قربةٌ إلى الله تعالى له انتهاءٌ، فليس يجوز له أن يخرج قبله لغير عذرٍ، كما لا يجوز له أن يخرج من الحجّ التّطوع إذا دخل فيه قبل أن يتمَّه، وكذلك العمرة التّطوع، وقد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، وقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦].
فوجب بهذا أن يتم فعل كل خيرٍ دخل فيه ولا يقطعه دون كماله، إلَّا أن يقطعه عن ذلك عذرٌ، فيكون كمن صدَّه العدو عن البيت في الحجّ التّطوع، أنَّهُ يحل ولا قضاء عليه، ولو قطعه مختارًا، لكان عليه القضاء، وكذلك الصّوم والصلاة، وكل عملٍ قربةٍ لله تعالى دخل فيها فعليه تمامها، وقد قال الله سبحانه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١].
_________________
(١) حكى هذا القول عن الأبهري: ابن أبي زيد في النوادر [٢/ ١٤]، والباجي في المنتقى [٢/ ٤١]، وابن يونس في الجامع [٣/ ١٠٨٠].
[ ١ / ٢٢١ ]
وروى القعنبي (^١)، قال: حدثنا عبد الله بن عمر (^٢)، عن الزهري، عن عروة (^٣)، عن عائشة وحفصة أنهما قالتا: «أَصْبَحْنَا صَائِمَتَيْنِ فَأُهْدِيَ لَنَا طَعَامٌ فَأَكَلْنَا، فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ» (^٤).
ورواه ابن وهب، عن حيوة بن شريح (^٥) وعمر بن مالك (^٦)، عن ابن الهاد (^٧)، قال: حدثني زميل مولى عروة (^٨)، عن عروة، عن عائشة وحفصة قالتا: «أُهْدِيَ لَنَا طَعَامٌ» (^٩)، الحديث.
_________________
(١) عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي الحارثي البصري، ثقةٌ عابدٌ، من صغار التاسعة. تقريب التهذيب، ص (٥٤٧).
(٢) عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، المدني، ضعيفٌ عابدٌ، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (٥٢٨).
(٣) عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٦٧٤).
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار [٢/ ١٠٨]، بالإسناد المذكور.
(٥) حيوة بن شريح بن صفوان التجيبي المصري، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ زاهدٌ، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (٢٨٢).
(٦) عمر بن مالك الشرعبي المصري، لا بأس به فقيهٌ، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (٧٢٦).
(٧) يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني، ثقةٌ مكثرٌ، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (١٠٧٧).
(٨) زُمَيل ابن عباس الأسدي، مولاهم المدني، مجهولٌ، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٣٤٠).
(٩) أخرجه أبو داود [٣/ ١٩٢]، والنسائي في الكبرى [٣/ ٣٦١]، وهو في التحفة [١٢/ ٥].
[ ١ / ٢٢٢ ]
ورواه مالك وابن عيينة (^١) ومعمر (^٢)، عن الزهري: «أَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ أُهْدِيَ لَهُمَا طَعَامٌ» (^٣)، الحديث.
وروى جرير بن حازم (^٤)، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة (^٥)، عن عائشة، عن النّبيّ ﷺ (^٦).
فإن قيل: قد روي «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ قَعْبًا فِيهِ حَيْسٌ، فَأَكَلَ مِنْهُ، وَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ صَائِمًا» (^٧) (^٨).
_________________
(١) سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي الكوفي، ثم المكي، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ، من رؤوس الطبقة الثامنة. تقريب التهذيب، ص (٣٩٥).
(٢) معمر بن راشد الأزدي مولاهم البصري نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، إلَّا أن في روايته عن ثابت والأعمش وعاصم بن أبي النجود، وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، من كبار السابعة. تقريب التهذيب، ص (٩٦١).
(٣) رواية مالك في الموطأ [٣/ ٤٣٩]، ورواية سفيان أخرجها النسائي في الكبرى [٣/ ٣٦٣]، ورواية معمر أخرجها عبد الرزاق [٤/ ٢٧٦]، والحديث في التحفة [١١/ ٢٨٩].
(٤) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزدي البصري، ثقةٌ لكن في حديثه عن قتادة ضعفٌ، وله أوهام إذا حدث من حفظه، وهو من السادسة. تقريب التهذيب، ص (١٩٦).
(٥) عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، أكثرت عن عائشة، ثقةٌ، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (١٣٦٥).
(٦) أخرجه النسائي في الكبرى [٣/ ٣٦٣]، وهو في التحفة [١٢/ ٤٢٧].
(٧) أخرجه مسلم [٢/ ٨٠٨]، وأبو داود [٣/ ١٩١]، والنسائي في الكبرى [٣/ ١٦٦]، والترمذي [٢/ ١٠٣]، وابن ماجه [٢/ ٦٠٠]، وغيرهم، وهو في التحفة [١٢/ ٤٠٢].
(٨) ينظر الاعتراض في: الأم [٢/ ٦٥١]، الحاوي للماوردي [٣/ ٣٣٧].
[ ١ / ٢٢٣ ]
قيل له: هذا حديثٌ رواه طلحة بن يحيى، عن عمرة (^١)، عن عائشة، وطلحة منكر الحديث عند أحمد بن حنبل وغيره من أهل الحديث (^٢).
فإن كان صحيحًا احتمل أن يكون النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ أفطر لحاجته إلى الإفطار لعذرٍ أو سببٍ، لا أنَّهُ اختار الفطر، وهذا التأويل أولى؛ لِمَا ذكرناه من عموم قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وما قد اتُّفِقَ عليه من لزوم الحجّ والعمرة لمن قد دخل فيهما ووجوب إتمامهما عليه.
وقد روى سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد (^٣)، عن موسى بن أبي عثمان (^٤)،
_________________
(١) كذا في المخطوط: «طلحة بن يحيى، عن عمرة، عن عائشة»، وهو خطأ، صوابه: «طلحة بن يحيى، عن عائشة بنت طلحة، عن أم المؤمنين عائشة»، كما في مصادر التخريج، وعائشة: هي عائشة بنت طلحة بن عبيد الله التيمية، ثقةٌ، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (١٣٦٤).
(٢) لم أقف على هذا النقل عن الإمام أحمد، والذي في العلل لعبد الله بن أحمد [٢/ ٤٩٨]، أنَّهُ قال: «صالح الحديث»، وفيه [٢/ ١١]: «وطلحة حدَّث بحديث عصفور من عصافير الجنة»، وفي المنتخب من علل الخلال، ص (٥٣): أن الإمام أحمد ضعفه.
(٣) عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، ثقةٌ فقيهٌ، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٥٠٤).
(٤) موسى بن أبي عثمان التبان مولى المغيرة المدني، مقبولٌ، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٩٨٣).
[ ١ / ٢٢٤ ]
عن أبيه (^١)، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه (^٢).
وكذلك رواه أبو الزناد، عن الأعرج (^٣)، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «لَا تَصُومُ المَرْأَةُ يَوْمًا مِنْ غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ» (^٤)، معنى ذلك: أنها إذا صامت بغير إذن زوجها، مَنَعَت زوجها من الوطء إن أراد ذلك، فلو كان لها أن تفطر باختيارها، لكان للزوج أن يُفَطِّرَها؛ للحق الذي له في الوطء، فلما منعها النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ من الصوم؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى منع الزّوج من حقِّه من الوطء، دلَّ على أنَّهُ لا يجوز لها أن تفطر اختيارًا.
ومما يدل على ذلك، أنَّ المتطوع بالهدي إذا قلَّده وأشعره، وجب ذلك عليه، ولم يجز له أن يرجع فيه، كما لو أوجبه بالقول، فكذلك ما يدخل فيه من الصّوم والصلاة والحج في وجوب إتمامه، كما يوجبه بالقول، ثم يدخل فيه، لا فرق في ذلك.
•••
_________________
(١) أبو عثمان التبان، مولى المغيرة بن شعبة، مقبولٌ، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (١١٧٦).
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه [٨/ ٣٣٩]، بهذا الإسناد.
(٣) عبد الرحمن بن هرمز الأعرج المدني، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبتٌ عالمٌ، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٦٠٣).
(٤) متفق عليه: البخاري (٥١٩٥)، مسلم [٣/ ٩١]، وهو في التحفة [١٠/ ١٧٤].
[ ١ / ٢٢٥ ]
[١٠٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ نَوَى فَقَالَ: إِنْ تَسَحَّرْتُ صُمْتُ وَإِلَّا فَلَا، فَذَلِكَ لَهُ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ أوجب الصّوم على نفسه بشريطةٍ، فإن حصل لزمه الصّوم، وإن لم يحصل لم يلزمه.
مثال ذلك: ما ينذره الإنسان فيقول: إن شفى الله عليلي فعليَّ صومٌ أو صلاةٌ أو صدقةٌ، فإن وقع الشرط لزمه ذلك، وإلا لم يلزمه، وكذلك هذا إذا تسحَّر لزمه الصّوم بالنيّة المتقدِّمة وحصول الشرط، وإن لم يتسحَّر لم يلزمه.
•••
[١٠٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا وَلَمْ يَأْكُلْ، ثُمَّ عَزَمَ عَلَى الصِّيَامِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك، لما قلناه: إنَّ الصّوم عملٌ من أعمال الأبدان المتقرب بها إلى الله ﷿، فلا يجوز بغير نيةٍ، والنية فيجب أن تكون متقدِّمةً للصوم، وليس يجوز أن تكون بعد الدخول فيه وتَقَضِّي بعضه؛ لأنَّهُ ليس أحد البعضين بالنيّة أولى من الآخر في وجوب النيّة له، ولو جاز ذلك في الصّوم، لجاز ذلك في الصلاة والتيمم والحج وسائر الأعمال التي لا تصحُّ بغير نيَّةٍ.
فإن قيل: «إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ دخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَقَالَ:
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١١٨)، وقد نقل ابن أبي زيد في النوادر والزيادات [٢/ ١٦] هذه المسألة عن ابن عبد الحكم.
(٢) المختصر الكبير، ص (١١٨).
[ ١ / ٢٢٦ ]
هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ طَعَامٍ؟، قَالُوا: لَا، قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ» (^١)، قالوا: ففي هذا الخبر دلالةٌ على أنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ صام حينئذٍ، لا أنَّهُ كان نواه من الليل، فيجوز لهذا أن ينوي في صوم النافلة بعد دخول النهار (^٢).
قيل له: هذا خبرٌ رواه طلحة بن يحيى، عن عمته، عن عائشة: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ دخَلَ عَلَيْهَا»، وطلحة فقد ذكرنا أنَّهُ منكر الحديث، ترك أحمد بن حنبل حديثه، وقال: حدث بحديث العصيفير، وذلك أنَّهُ رواه بهذا الإسناد: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ دُعِيَ إِلَى جِنَازَةِ طِفْلٍ مِنْ أَطْفَالِ الأَنْصَارِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: طُوبَى، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الجَنَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ: وَمَا يُدْرِيكِ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ لِلْجَنَّةِ خَلْقًا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ للنَّارِ خَلْقًا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ» (^٣).
فأدخل الشك في أطفال المسلمين، هل هم في الجنة أم في النار، ولا يَخْتَلِف أهل العلم أنَّ أطفال المسلمين في الجنة، وإنَّما الخلاف في أطفال المشركين، وقد روِّينا بإسنادٍ صحيحٍ قد تقدَّم ذكره، أنَّ النبي صلى الله عليه (^٤): «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» (^٥).
فإن قيل: إنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قال في يوم عاشوراء: «مَنْ لَمْ
_________________
(١) تقدَّم تخريجه في المسألة رقم ١٠٥.
(٢) ينظر الاعتراض في: الحاوي للماوردي [٣/ ٢٥١]، المهذب [٦/ ١٩٨].
(٣) أخرجه مسلم [٨/ ٥٤]، من طريق طلحة به، وهو في التحفة [١٢/ ٤٠٣].
(٤) قوله: «عليه»، كذا في شب، ولعلها: «عليه قال».
(٥) تقدَّم تخريجه في المسألة رقم ١٠٥.
[ ١ / ٢٢٧ ]
يَطْعَمْ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ طَعِمَ فَلْيُمْسِكْ» (^١)، فأمرهم النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ أن يصوموا وإن لم ينووه من الليل (^٢).
قيل له: إنَّما أمرهم النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ بذلك؛ ليحصل لهم ثواب الكف عن الأكل؛ لأنهم يتركونه قربةً إلى الله تعالى؛ لأنَّ يوم عاشوراء يومٌ يستحبُّ فيه الصّوم بعينه، فإن أمكنه الصّوم وإلا كفَّ عن الأكل، كما يكفُّ الإنسان في شهر رمضان عن الأكل بالصوم ينويه من أول الليل، فلو أكل بعد طلوع الفجر ولا يعلم بذلك، لكان عليه أن يكفَّ عن الأكل، وليس هو صائمًا؛ لأنَّ عليه إعادة يومٍ عندنا، وعند من يجوّز أن ينوي في صوم التطوع (^٣)، أو في أول يومٍ من شهر رمضان بعد طلوع الفجر (^٤).
فثبت بما قلنا أنَّ الكفَّ عن الأكل ليس بصومٍ يحتسب به، والله أعلم.
•••
[١٠٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِصِيَامِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ مُتَطَوِّعًا، وَلَا يَجُوزُ
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (١٩٦٠)، ومسلم [٣/ ١٥٢]، وهو في التحفة [١١/ ٣٠٢].
(٢) ينظر الاعتراض في: الحاوي للماوردي [٣/ ٢٥١]، شرح العمدة لابن تيمية [٣/ ١٤٦].
(٣) وهم الشافعية، كما في: الحاوي [٣/ ٢٥١]، المهذب مع شرحه المجموع [٦/ ١٩٨].
(٤) وهم الحنفية، كما في: شرح مختصر الطحاوي للجصاص [٢/ ٤٠٤]، المبسوط للسرخسي [٣/ ٦٢].
[ ١ / ٢٢٨ ]
لِأَحَدٍ أَنْ يَصُومَهُ خَوْفًا أَنْ يَكُونَ مِنْ رَمَضَانَ، فَإِنْ صَامَهُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ عَلِمَ أنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ، فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، وَلَا يُجْزِيهِ ذَلِكَ الصِّيَامُ (^١) (^٢).
• قوله: «لا بأس بصيام آخر يوم من شعبان تطوعًا»؛ فلأنَّ الصّوم فعل خيرٍ، فلا بأس أن يصوم هذا اليوم وشعبان كلّه أو بعضه إذا لم يقصد بذلك استقبال شهر رمضان.
وقد روى مسلم بن ابراهيم (^٣)، قال: حدثنا هشام (^٤)، عن يحيى بن أبي كثير (^٥)، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ النّبيّ ﷺ قال: «لَا تَقَدَّمُوا صَوْمَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَوْمٌ يَصُومُهُ رَجُلٌ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ» (^٦).
_________________
(١) من قوله: «ولا يجوز لأحد أن يصومه» إلى هذا الموضع ساقط من المطبوع.
(٢) المختصر الصغير، ص (٣٣٢)، المختصر الكبير، ص (١١٨)، وقد أشار ابن أبي زيد في النوادر [٢/ ٦]، إلى هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر: الموطأ [٣/ ٤٤٤]، المدونة [١/ ٢٧٣]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٢٣).
(٣) مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي البصري، ثقةٌ مأمونٌ مكثرٌ، عَمِيَ بآخره، من صغار التاسعة. تقريب التهذيب، ص (٩٣٧).
(٤) هشام بن أبي عبد الله سنبر البصري الدستوائي، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار السابعة. تقريب التهذيب، ص (١٠٢٢).
(٥) يحيى بن أبي كثير الطائي مولاهم اليمامي، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه يدلس ويرسل، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (١٠٦٥).
(٦) متفق عليه: البخاري (١٩١٤)، ومسلم [٣/ ١٢٥]، وهو في التحفة [١١/ ٧٩].
[ ١ / ٢٢٩ ]
وروى شعبة، عن توبة (^١)، عن محمد بن إبراهيم (^٢)، عن أبي سلمة، عن أم سلمة، عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ: «أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصُومُ مِنَ السَّنَةِ شَهْرًا تَامًّا إِلَّا شَعْبَانَ، يَصِلُهُ برَمَضَانَ» (^٣).
وقوله: «إنَّهُ إن صامه على أنَّهُ من رمضان، ثم كان منه، أنَّهُ لا يجزيه»؛ فذلك لأنَّ صوم رمضان لا يصح إلَّا بعد أن يُعلَم دخول رمضان، وذلك بأن يُرى الهلال أو تُكمل عدة شعبان ثلاثين، كما قال النبي صلى الله عليه.
فروى حماد بن زيد، قال: حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» (^٤).
ورواه مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ مثله (^٥).
_________________
(١) توبة العنبري البصري، ثقةٌ، أخطأ الأزدي إذ ضعفه، من الرابعة. تقريب التهذيب، ص (١٨٣).
(٢) محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي المدني، ثقةٌ له أفراد، من الرابعة. تقريب التهذيب، ص (٨١٩).
(٣) أخرجه أبو داود [٣/ ١٣٨]، والنسائي في السنن الكبرى [٣/ ١٧٥]، وهو في التحفة [١٣/ ٤١].
(٤) أخرجه بهذا الإسناد: الدارمي [٢/ ١٠٥٢]، وهو في مسلم [٣/ ١٢٢]، من طريق ابن علية عن أيوب، وفي التحفة [٦/ ٧١].
(٥) أخرجه مالك [٣/ ٤٠٧]، ومن طريقه البخاري (١٩٠٦)، ومسلم [٣/ ١٢٢]، وهو في التحفة [٦/ ٢١٦].
[ ١ / ٢٣٠ ]
ورواه مالكٌ، عن عبد الله بن دينار (^١)، عن عبد الله بن عمر، عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ مثله (^٢).
وروى جرير بن عبد الحميد، عن منصورٍ، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «لَا تَصُومُوا الشّهر حَتَّى تَرَوُا الهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا العِدَّةَ، ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا العِدَّةَ» (^٣).
فثبت بما روينا أنَّ الصّوم لا يجوز قبل رؤية الهلال أو إكمال عدة شعبان.
ومعنى آخر، وهو أنَّ الصّوم لا يجوز بغير نيةٍ، وهذا الذي يصوم آخر يومٍ من شعبان على أنَّهُ من رمضان فليس يقدر على أن يجرد النيّة فيه لرمضان؛ لأنَّهُ لا يمكنه أن يقطع النيّة أنَّ يومه من رمضان، أعني: الذي يصومه.
ولهذا المعنى كَرِهَ من كَرِهَ من العلماء من الصحابة والتابعين صوم يوم الشك.
_________________
(١) عبد الله بن دينار العدوي مولاهم المدني، مولى ابن عمر، ثقةٌ، من الرابعة. تقريب التهذيب، ص (٥٠٤).
(٢) أخرجه مالك [٣/ ٤٠٨]، وهو متفق عليه: البخاري (١٩٠٧)، ومسلم [٣/ ١٢٢]، وهو في التحفة [٥/ ٤٦٣].
(٣) أخرجه أبو داود [٣/ ١٣٥]، والنسائي في الكبرى [٣/ ١٠٢]، وهو في التحفة [٣/ ٢٨].
[ ١ / ٢٣١ ]
وقد روى أبو خالد الأحمر (^١)، عن عمرو بن قيس (^٢)، عن أبي إسحاق، عن صلة (^٣)، قال: «كُنَّا عِنْدَ عَمَّارٍ فِي اليَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَأُتِيَ بِشَاةٍ مَصْلِيَّةٍ، فَتَنَحَّى بَعْضُ القَوْمِ، فَقَالَ عَمَّارٌ: مَنْ صَامَ هَذَا اليَوْمَ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ» (^٤).
معنى الحديث: إذا صامه على أنَّهُ من رمضان؛ لأنَّ صوم رمضان لا يجوز قبل دخول رمضان، ودخوله يُعلم برؤية الهلال أو تكميل عدة شعبان.
وقد روى أحمد بن حنبل (^٥)، قال: حدثنا عبد الرزاق (^٦) ومحمد بن بكر (^٧)، قالا: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: أخبرني عمرو بن دينار، أنَّهُ سمع محمد بن جبير (^٨)،
_________________
(١) سليمان بن حيان الأزدي الكوفي، صدوقٌ يخطئ، من الثامنة. تقريب التهذيب، ص (٤٠٦).
(٢) عمرو بن قيس الملائي الكوفي، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٧٤٣).
(٣) صلة بن زفر العبسي الكوفي، تابعي كبيرٌ، من الثانية. تقريب التهذيب، ص (٤٥٥).
(٤) أخرجه أبو داود [٣/ ١٣٨]، والترمذي [٢/ ٦٥]، وابن ماجه [٢/ ٥٦١]، والنسائي في الكبرى [٣/ ١٢٣]، وهو في التحفة [٧/ ٤٧٥].
(٥) أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني المروزي، نزيل بغداد، أحد الأئمة، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ حجةٌ، وهو رأس الطبقة العاشرة. تقريب التهذيب، ص (٩٨).
(٦) عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم الصنعاني، ثقةٌ حافظٌ مصنفٌ شهيرٌ، عَمِيَ في آخر عمره فتغيَّر، وكان يتشيَّع، من التاسعة. تقريب التهذيب، ص (٦٠٧).
(٧) محمد بن بكر بن عثمان البرساني البصري، صدوقٌ قد يخطئ، من التاسعة. تقريب التهذيب، ص (٨٢٩).
(٨) قوله: «جبير»، كذا في شب، وهو المثبت في المسند، لكن أشار محققو المسند أنَّهُ محمد بن حنين، وليس بن جبير، ومحمد بن حنين، هو محمد بن حنين المكي، مقبولٌ، من الرابعة. تقريب التهذيب، ص (٨٣٩).
[ ١ / ٢٣٢ ]
يقول: «كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُنْكِرُ أَنْ يُتَقَدَّمَ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ إِذَا لَمْ يُرَ هِلَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَيَقُولُ: (^١) قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ: إِذَا لَمْ تَرَوُا الهِلَالَ فَاسْتَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ لَيْلَةً» (^٢)، يعني: شعبان.
•••
[١٠٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالصِّيَامُ فِي السَّفَرِ وَالفِطْرُ فِيهِ وَاسِعٌ لِمَنْ صَامَ أَوْ أَفْطَرَ (^٣).
• إنَّمَا قال ذلك (^٤)؛ لأنَّ الله ﷿ أباح المسافر أن يفطر فقال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، وقد صام النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ في السفر وأفطر.
فروى مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (^٥)، عن ابن
_________________
(١) تكررت هذه الصفحة في.
(٢) أخرجه أحمد [٥/ ٤٣١].
(٣) المختصر الصغير، ص (٣٣٢)، المختصر الكبير، ص (١١٨)، وقد نقل ابن أبي زيد في النودر [٢/ ١٩]، هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر: المدونة [١/ ٢٧٢]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٢٢)، التفريع [١/ ٣٠٤].
(٤) قوله: «إنما قال ذلك»، كذا استظهرتها وفيها طمس، وهو المعهود من أسلوب الشارح وما يقتضيه السياق.
(٥) عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني، ثقةٌ فقيهٌ ثبتٌ، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٦٤٠).
[ ١ / ٢٣٣ ]
عباس: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الفَتْحِ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ، ثُمَّ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ مَعَهُ، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالأَحْدَثِ، فَالأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ» (^١).
وروى مالك، عن حميد الطويل (^٢)، عن أنس بن مالك، أنَّهُ قال: «سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ فِي رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا المُفْطِرُ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ» (^٣).
ورواه مالك، عن هشام بن عروة (^٤)، عن أبيه، عن عائشة: «أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ، قَالَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ: أَصُومُ فِي السَّفَرِ؟، وَكَانَ كَثِيرَ الصّوم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ: إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ» (^٥)، فلهذا قال مالك: «إنَّ الفطر والصوم واسعٌ في السفر».
قال مالكٌ: «والصوم أحب إليَّ لمن قوي عليه»؛ لأنَّ الصّوم في رمضان هو
_________________
(١) أخرجه مالك [٣/ ٤١٩]، ومن طريقه البخاري (١٩٤٤)، وهو في مسلم [٣/ ١٤٠]، وفي التحفة [٥/ ٦٥].
(٢) حميد بن أبي حميد الطويل البصري، ثقةٌ مدلسٌ، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٢٧٤).
(٣) متفق عليه: البخاري (١٩٤٧)، مسلم [٣/ ١٤٣]، وهو في التحفة [١/ ٢٠١].
(٤) هشام بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، ثقةٌ فقيهٌ ربما دلس، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (١٠٢٢).
(٥) أخرجه مالك [٣/ ٤٢١]، ومن طريقه البخاري (١٩٤٣)، وهو في مسلم [٣/ ١٤٤]، من طريق الليث عن هشام، وهو في التحفة [١٢/ ١٩٦].
[ ١ / ٢٣٤ ]
فرضٌ، والفطر رخصةٌ من أجل مشقة الصّوم في السفر، فإذا قَوِيَ الإنسان عليه، كان الصّوم أفضل؛ لأنَّ الرخصة إنَّما هي للمشقة.
وليس كذلك قصر الصلاة في السفر، الاختيار عند مالكٍ القصر (^١)؛ لأنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قصر، ولم يتم (^٢)، وقد صام النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ في السفر وأفطر.
•••
[١١٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَ فِي سَفَرٍ، فَعَلِمَ أنَّهُ يَأْتِي أَهْلَهُ أَوَّلَ يَوْمٍ (^٣) - وَإِنْ طَلَعَ لَهُ الفَجْرُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ - فَلْيَدْخُلْ صَائِمًا (^٤).
• إنَّمَا قال ذلك؛ (^٥) لأنه بدخوله في أول النهار الحَضَرَ تزول مشقة السفر عنه، والرخصة في الفطر لمشقة الصّوم في السفر، فإذا زالت، وجب أن يصوم، هذا هو الاختيار.
فإن أفطر لم يكن عليه غير القضاء؛ لأنَّهُ أفطر في السفر قبل أن يحضر.
•••
_________________
(١) ينظر: المدونة [١/ ٢٠٧]، المنتقى للباجي [١/ ٢٦٠].
(٢) كما في البخاري (١٠٨١) من حديث أنس: «خرجنا مع النّبيّ ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة»، وهو في التحفة [١/ ٤٢٥].
(٣) قوله: «يَوْمٍ»، كذا في شب، ولعلها: «يومه»، كما يقتضيه السياق.
(٤) المختصر الكبير، ص (١١٨)، الموطأ [٣/ ٤٢٣]، المدونة [١/ ٢٧٣]، النوادر والزيادات [٢/ ٢٢]، المنتقى للباجي [٢/ ٥١].
(٥) تكررت هذه الصفحة في.
[ ١ / ٢٣٥ ]
[١١١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ طَلَعَ لَهُ الفَجْرُ وَهُوَ فِي أَرْضِهِ، فَلْيَخْرُجْ صَائِمًا (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ إذا كان حاضرًا في بعض هذا اليوم صام فيه، فإذا خرج، اختير له تمامه؛ لغلبة حكم الحضر على السفر.
فإن أفطر لم يكن عليه شيء؛ لأنَّهُ أفطر وله أن يفطر، كرسول الله صلى الله عليه، وإن كان الاختيار له غيره، كالقوي على الصّوم في السفر إذا أفطر فلا شيء عليه غير القضاء، وإن كان الاختيار له غيره.
•••
[١١٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ دَخَلَ مِنْ سَفَرٍ وَهُوَ مُفْطِرٌ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُفَّ بَقِيَّةَ نَهَارِهِ عَنِ الطَّعَامِ، وَإِنْ وَافَى امْرَأَتَهُ حِينَ طَهُرَتْ، فَلَا بَأْسَ بِإِصَابَتِهَا.
وَلَا تَكُفّ الطَّاهِرُ مِنَ الحَيْضَةِ فِي بَقِيَّةِ نَهَارِهَا عَنِ الطَّعَامِ فِي رَمَضَانَ (^٢) (^٣).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ غير صائمٍ، فليس عليه أن يكفَّ عن الأكل؛ لأنَّهُ لا يستفيد بكفِّه عنه شيئًا؛ من قِبَل أنَّهُ أفطر وله أن يفطر، وكل من أفطر وله أن يفطر
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١١٨)، وقد حكى ابن أبي زيد هذا القول عن ابن عبد الحكم في النوادر [٢/ ٢٢]، وينظر: الموطأ [٣/ ٤٢٣]، المدونة [١/ ٢٧٣]، التفريع [١/ ٣٠٤].
(٢) من قوله: «ولا تكف الطاهر»، إلى هذا الموضع، ساقط من المطبوع.
(٣) المختصر الصغير، ص (٣٣٢)، المختصر الكبير، ص (١١٨)، وقد نقل ابن أبي زيد في النوادر والزيادات [٢/ ٢٢] هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر: الموطأ [٣/ ٤٢٣]، المدونة [١/ ٢٧٣ و٢٧٦]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٢١ و٢٢٣)، التفريع [١/ ٣٠٥].
[ ١ / ٢٣٦ ]
لعذرٍ ما من مرضٍ أو سفرٍ أو حيضٍ، ثم زال ذلك العذر بعد أن أفطر، فليس عليه أن يكفَّ عن الأكل؛ لأنَّهُ أفطر وله أن يفطر.
والدليل على صحَّة هذا: أنَّ الإنسان له أن يتزوَّج الأمة إذا لم يجد طولًا لحرةٍ وخَشِيَ العنت، فإذا تزوج أمَةً وهو بهذا الوصف، ثم وجد الطول لتزويج حرةٍ، لم يفسخ نكاح الأمة، وجاز له الثبوت عليها بعد زوال العذر كهو قبل زواله، فكذلك ما ذكرناه من المفطر بالعذر إذا زال، فليس عليه أن يكفَّ.
فأمَّا من أفطر وليس له أن يفطر، فإنَّ عليه أن يكفَّ عن الأكل، وذلك مثل من أكل ناسيًا، أو أكل وعنده أنَّ الشمس قد غربت ولم تغرب، أو أنَّ الفجر لم يطلع وقد طلع، فعليهم أن يكفوا عن الأكل؛ مِنْ قِبَلِ أنهم أكلوا ولم يجز لهم أن يأكلوا.
مثال ذلك: أن يأكل الإنسان من شيءٍ يظن أنَّ له أن يأكل منه، ثم ينكشف له منع ذلك، فعليه أن يكفَّ، ولا خلاف في هذا، وإنَّما الخلاف في الأول، أعني: إذا زال العذر أنَّ عليه أن يكفَّ، وهو قول الثوري (^١)، والأوزاعي (^٢)، وأبي حنيفة (^٣).
•••
[١١٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَصْبَحَ فِي سَفَرِهِ صَائِمًا فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ، وَعَلَيْهِ القَضَاءُ لِذَلِكَ اليَوْمِ.
_________________
(١) ينظر: المجموع للنووي [٦/ ١٦٨]، المغني لابن قدامة [٤/ ٣٨٨].
(٢) ينظر: المجموع للنووي [٦/ ١٦٨]، المغني لابن قدامة [٤/ ٣٨٨].
(٣) ينظر: المبسوط للسرخسي [٣/ ٥٧]، بدائع الصنائع [٢/ ١٠٢].
[ ١ / ٢٣٧ ]
وَقَدْ قِيلَ: يَقْضِي وَيُكَفِّرُ كَفَّارَةَ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، وَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ غَيْرِ أَنْ نَرَى ذَلِكَ وَاجِبًا (^١).
• قد اختلف قول مالك في هذه المسألة، في وجوب الكفارة عليه:
(فقال: «إنَّهُ عليه الكفارة مع القضاء» (^٢).
(وقد قال: «عليه القضاء بلا كفارة» (^٣).
فوجه قوله: «إنَّ عليه الكفارة»: هو أنَّ الصّوم في شهر رمضان فرضٌ على الحاضر والمسافر؛ لأنَّ الله سبحانه فرضه على المسلمين جميعًا، ثم أرخص لهم أن يفطروا مع العذر من سفرٍ أو مرضٍ وغيرهما، وإذا كان كذلك، ثم صام المسافر الصّوم الذي فرضه الله عليه وترك الفطر الذي هو رخصةٌ، لزمه تكميل هذا الصّوم مع القدرة عليه، فمتى أفطر من غير عذرٍ، لزمته الكفارة مع القضاء؛ لأنَّهُ قد أفطر يومًا من شهر رمضان عليه أن يصومه، ولا فرق بينه وبين الحاضر في ذلك.
ووجه قوله: «أنْ لا كفارة عليه»: فلأنَّ المسافر لَمَّا جاز له ترك الصّوم الذي أفطر فيه مع القدرة على صيامه، ثم لا تكون عليه الكفارة كما تكون على الحاضر إذا ترك صومه رأسًا أو أفطر فيه، كذلك المسافر إذا أفطره بعد الدخول
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١١٩)، وقد نقل ابن أبي زيد في النوادر والزيادات [٢/ ٢٢] هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر: المدونة [١/ ٢٧٢]، التفريع [١/ ٣٠٦].
(٢) ينظر: المدونة [١/ ٢٧٢]، المنتقى [٢/ ٥٠]، البيان والتحصيل [٢/ ٣٤٥].
(٣) ينظر: المنتقى للباجي [٢/ ٥٠]، البيان والتحصيل [٢/ ٣٤٥].
[ ١ / ٢٣٨ ]
فيه، لا كفارة عليه كهي على الحاضر إذا أفطر من غير عذرٍ؛ لاختلافهما في هذا الوجه.
وهذا القول كأنه أقوى والآخر أحوط، والله أعلم.
•••
[١١٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ قَدِمَ مِصْرًا وَهُوَ مُسَافِرٌ، فَهُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ يُفْطِرَ مَا لَمْ يُجْمِعْ إِقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ المسافر يصير مقيمًا متى نوى إقامة أربعة أيامٍ بلياليها، فأمَّا دون ذلك فهو مسافرٌ.
والدليل على صحة ذلك؛ أنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «مُكْثُ المُهَاجِرِ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثٌ».
رواه أبو عاصم (^٢)، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن محمد (^٣)، عن حميد بن
_________________
(١) المختصر الصغير، ص (٣٣٣)، المختصر الكبير، ص (١١٩)، وقد ذكر ابن أبي زيد في النوادر والزيادات [٢/ ٢٠] هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر: التفريع [١/ ٣٠٥].
(٢) الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني البصري، ثقةٌ ثبتٌ، من التاسعة. تقريب التهذيب، ص (٤٥٩).
(٣) إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص الزهري المدني، ثقةٌ حجةٌ، من الرابعة. تقريب التهذيب، ص (١٤٣).
[ ١ / ٢٣٩ ]
عبد الرحمن (^١)، عن السائب بن يزيد (^٢)، عن العلاء بن الحضرمي، عن النبي صلى الله عليه (^٣).
فجعل النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ له المقام ثلاثًا، وجعله غير قاطنٍ بالثلاث، فإذا زاد على ذلك زمانًا كاملًا وهو يومٌ وليلةٌ، صار مقيمًا؛ لأنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ لَمَّا منعه من إقامة أكثر من ثلاثٍ عُلِمَ أنَّ الأربع إقامة استقرارٍ.
ومما يدل على ذلك، أنَّ النّبيّ ﷺ دخل مكة صبح أربعة من ذي الحجة، ثم خرج إلى منى، فكان يقصر، وكانت إقامته بمكة إلى خروجه إلى منى أقل من أربعة أيامٍ، فوجب أن يكون حكم المسافر متى أقام أقل من أربعة أيامٍ حكم سفرٍ، وإذا أقام أربعًا حكم حضرٍ، وقد ذكرت حدَّ الإقامة للمسافر في كتاب الصلاة، فأغنى عن إعادته.
•••
[١١٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فِي رَمَضَانَ وَعَزَمَ عَلَى السَّفَرِ، ثُمَّ دَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَعَلَيْهِ القَضَاءُ وَالكَفَّارَةُ، وَقَدْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ (^٤).
_________________
(١) حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقةٌ، من الثانية. تقريب التهذيب، ص (٢٧٥).
(٢) السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي، صحابي. تقريب التهذيب، ص (٣٤٦).
(٣) متفق عليه: البخاري (٣٩٣٣)، مسلم [٤/ ١٠٩]، وهو في التحفة [٨/ ٢٤٧].
(٤) المختصر الكبير، ص (١١٩)، وقد نقل ابن أبي زيد في النوادر والزيادات [٢/ ٢٣] هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر: التفريع [١/ ٣٠٤]، الجامع لابن يونس [٣/ ١١٢٤].
[ ١ / ٢٤٠ ]
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ قد أفطر يومًا من رمضان من غير عذرٍ وهو حاضرٌ، فوجبت عليه الكفارة ولم تسقط عنه للسفر الذي أحدثه بعد حصوله مفطرًا؛ لأنَّ الكفارة قد لزمته لفطره في الحضر قبل أن يسافر.
وكذلك قال مالكٌ في المرأة إذا أفطرت في شهر رمضان متعمدةً من غير عذرٍ، ثم حاضت بعد ذلك، فعليها الكفارة مع القضاء؛ لأنها قد أفطرت لغير عذرٍ، فلزمتها الكفارة، ولم يُسقط عنها الحيض ما لزمها من الكفارة.
وكذلك قال مالكٌ في الرجل إذا أفطر متعمدًا في رمضان، ثم مرض في ذلك اليوم، إنَّ عليه الكفارة؛ مِنْ قِبَلِ أنهم أفطروا وليس لهم أن يفطروا؛ لأنَّ أمرهم لا يخلو من أحد أمرين:
(إما أن يكون الفطر محرمًا عليهم قبل الحيض والمرض، فهم على أصل الصّوم، فمتى تركوه لغير عذرٍ، لزمتهم الكفارة ولا تسقط مما حدث بعد ذلك.
(أو ليس عليهم أن يصوموا قبل الحيض والمرض إذا كان يومًا يُتوقع فيه الحيض أو المرض، فيجوز لهم أن يأكلوا قبل ذلك، وهذا لا يقوله أحدٌ من أهل العلم.
فثبت بما قلنا وجوب الكفارة عليهم، ومنزلة ذلك، منزلة من وطئ أمةً يعلم أنها لغيره، ثم ملكها بعد الوطء، فعليه الحدُّ، وليس يَسْقُطُ الحد عنه وإن كان جاز له أن يطأها بعد ذلك.
[ ١ / ٢٤١ ]
وكذلك من أفطر من غير عذرٍ عامدًا فعليه الكفارة، وليس تسقط عنه لما حدث من العذر.
•••
[١١٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يُفْطِرُ المُسَافِرُ إِلَّا فِي سَفَرٍ يَكُونُ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ مِيلًا (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ سفر هذا المقدار هو سفر يومٍ وليلةٍ الذي منع النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ المرأة أن تسافر بغير محرمٍ.
فروى مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري (^٢)، عن أبي هريرة، أنَّ النّبيّ ﷺ قال: «لَا تُسَافِرُ المَرْأَةُ يَوْمًا وَلَيْلَةً إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» (^٣)، ولم يمنع في أقل من ذلك، فكان هذا المقدار من السفر، أعني: يومًا وليلةً مخالفًا لأقله، فكذلك في القصر والفطر.
ولأنه هو الزمان الذي تجمع فيه الخمس الصلوات ويصح الصّوم فيه؛ لأنَّ الصّوم يجمع الليل والنهار، يعم النهار ويدخل فيه مع بقيَّةٍ من الليل ويخرج منه في دخول الليل.
_________________
(١) المختصر الصغير، ص (٣٣٣)، المختصر الكبير، ص (١١٩)، مختصر أبي مصعب، ص (٢٢٢)، النوادر والزيادات [٢/ ٢٠]، الجامع لابن يونس [٣/ ١١٢٣].
(٢) سعيد بن أبي سعيد كيسان المقبري، أبو سعد المدني، ثقةٌ، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٣٧٩).
(٣) أخرجه مالك [٥/ ١٤٢٥]، وهو متفق عليه: البخاري (١٠٨٨)، ومسلم [٤/ ١٠٣]، وهو في التحفة [١٠/ ٣٠٩].
[ ١ / ٢٤٢ ]
وقد رُوِّينَا عَنْ ابن عمر (^١) وابن عباس (^٢)، أنهما كانا يفطران ويقصران في هذا المقدار دون أقل منه، وقد ذكرنا ذلك في كتاب الصلاة.
•••
[١١٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ تَطَوَّعَ فِي سَفَرٍ، ثُمَّ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ بِالوَاجِبِ كَمَا هُوَ فِي الحَضَرِ.
وَلَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا مُتَطَوِّعًا، ثُمَّ سَافَرَ فَأَفْطَرَ، لَمْ أَرَ عَلَيْهِ قَضَاءَهُ وَاجِبًا (^٣).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ لا قضاء عليه إذا أفطر في التّطوع في السفر وإن كان فطره لغير عذرٍ؛ مِنْ قِبَلِ أنَّ صوم رمضان لَمَّا كان حكمه في السفر أخفَّ منه في الحضر، أعني: أنَّهُ يفطر في السفر متعمدًا، ثم لا تكون عليه الكفارة وتكون عليه الكفارة في الحضر، كان صوم التّطوع الذي هو أخفُّ من صوم الفرض في السفر أخفَّ من صوم التّطوع في الحضر، فوجب أن لا يكون عليه القضاء وإن أفطر لغير عذرٍ.
_________________
(١) أخرج ابن أبي شيبة [٥/ ٣٥٧]، من طريق نافع، عن ابن عمر: «أنه كان لا يقصر الصلاة إلَّا في اليوم التام».
(٢) أخرج عبد الرزاق [٢/ ٥٢٤]، عن ابن جريج، عن عطاء قال: «سألت ابن عباس فقلت: أقصر الصلاة إلى عرفة أو إلى منى؟ قال: لا، ولكن إلى الطائف وإلى جدة، ولا تقصروا الصلاة إلَّا في اليوم التام، ولا تقصر فيما دون اليوم».
(٣) المختصر الكبير، ص (١١٩)، وقد نقل ابن أبي زيد في النوادر والزيادات [٢/ ٢١ و٧٢]، هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر: المدونة [١/ ٢٧٢]، التفريع [١/ ٣٠٤].
[ ١ / ٢٤٣ ]
هذه رواية ابن عبد الحكم عن مالك، وقال ابن القاسم في هذه المسألة عن مالك: «عليه القضاء» (^١).
ووجه قوله هذا: أنَّ هذا الصّوم قد لزمه إتمامه بدخوله فيه وإن لم يكن واجبًا عليه الدخول، فمتى أفسده بعد الدخول، وجب عليه بدله، كالحج التّطوع إذا دخل فيه، ثم أفسده وجب عليه بدله.
فكذلك إذا صام تطوعًا في حضرٍ، ثم سافر فأفطر، لم يكن عليه القضاء على رواية ابن عبد الحكم؛ للمعنى الذي قلناه: إنَّ له أن يفطر فيه في شهر رمضان، ثم لا كفارة عليه، لم (^٢) يكن عليه القضاء في التّطوع، وعلى رواية ابن القاسم عن مالك: يجب أن يكون عليه القضاء.
•••
[١١٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ تَطَوَّعَ فِي حَضَرٍ، ثُمَّ أَفْطَرَ عَامِدًا فَعَلَيهِ القَضَاءُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَرَضٍ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ (^٣).
• قد ذكرنا الحجَّة في هذه المسألة ووجوب القضاء عليه إذا أفطر في صوم التّطوع بعد دخوله فيه من غير عذر (^٤).
_________________
(١) ينظر: المدونة [١/ ٢٧٣].
(٢) قوله: «لم»، كذا في شب، ولعلها: «فلم».
(٣) المختصر الصغير، ص (٣٣٤)، المختصر الكبير، ص (١١٩)، المدونة [١/ ٢٧٤]، التفريع [١/ ٣٠٣].
(٤) ينظر: المسألة رقم ١٠٣.
[ ١ / ٢٤٤ ]
فأمَّا إذا أفطره من عذرٍ فلا قضاء عليه؛ مِنْ قِبَلِ أنَّهُ إنَّما ألزم نفسه الصّوم بشريطة قدرته على الإتيان به، فإذا منعه عذرٌ، لم يكن عليه بدله، وإذا خرج منه بغير عذرٍ، وجب عليه بدله.
والدليل على صحَّة هذا: أنَّ الحجّ التّطوع إذا دخل فيه الإنسان لم يجز له أن يخرج منه، ثم إذا صده العدو حلَّ ولم يكن عليه القضاء، فلو جاز له أن يخرج من الصّوم والصلاة اللذين دخل فيهما؛ لأنَّهُ كان مخيرًا في الأصل، لجاز له في الحجّ أن يخرج منه؛ لأنَّهُ مخيرٌ في الأصل بين أن يدخل أو لا يدخل، وجاز له في الهدي التّطوع أن يرجع فيه بعد أن قلَّده وأشعره؛ لأنَّهُ كان مخيرًا قبل ذلك في أن يقلِّده أو لا.
وقد ذكرنا من الأحاديث في وجوب القضاء على من أفطر في التّطوع من غير عذر فيما تقدَّم.
•••
[١١٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالفِطْرُ فِي السَّفَرِ لِأَهْلِ البَحْرِ وَالبَرِّ سَوَاءٌ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ مِن قِبَلِ أنَّ السفر حكمه واحدٌ في البر والبحر؛ لمشقة السفر في كل ذلك وخروجه عن وطنه، فاستويا في القصر والفطر.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١٢٠)، النوادر والزيادات [٢/ ٢١].
[ ١ / ٢٤٥ ]
[١٢٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ قَدِمَ أَهْلَهُ بَعْدَ الفَجْرِ حِينَ حَرُمَ السُّحُورُ فَأَفْطَرَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا قَضَاءُ ذَلِكَ اليَوْمِ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ كان من أهل السفر قبل طلوع الفجر، فلو لم ينو الصّوم في ذلك الوقت لم يكن عليه شيءٌ، وإن كان قد ترك الاختيار، فكذلك إذا أفطر بعد طلوع الفجر وقد وفد على أهله.
•••
[١٢١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ قَدِمَ مِنَ اللَّيْلِ فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ لَهُ فِيهِ رُخْصَةٌ فَأَفْطَرَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا قَضَاءُ ذَلِكَ اليَوْمِ (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ من قِبَلِ أنَّهُ أفطر بعذرٍ، وهو ظنُّهُ أنَّ ذلك اليوم مما يجوز له أن يفطر فيه، فلا كفارة عليه، وهو بمنزلة من يأكل بعد طلوع الفجر أو قبل غروب الشمس في غيمٍ، ويظن أنَّ له أن يأكل، فعليه القضاء ولا كفارة عليه؛ لأنَّهُ معذورٌ بالأكل ولم يتعمَّد الفطر بغير عذرٍ، والكفارة إنَّما تجب على من أفطر متعمدًا في رمضان بغير عذرٍ.
•••
[١٢٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يُوَاصِلُ الصَّائِمُ مِنْ لَيْلٍ إِلَى لَيْلٍ، وَلَا مِنْ سَحَرٍ إِلَى سَحَرٍ (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١٢٠).
(٢) المختصر الكبير، ص (١٢٠).
(٣) المختصر الكبير، ص (١٢٠)، وقد حكى ابن أبي زيد طرفًا من هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في النوادر [٢/ ٧٨]، وينظر: مختصر أبي مصعب، ص (٢١٦).
[ ١ / ٢٤٦ ]
• إنَّمَا قال ذلك؛ مِنْ قِبَلِ أنَّ الصّائم يفطر بدخول الليل، كما روي عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ أنَّهُ قال: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» (^١).
ولأنَّ الصّوم لا يصح بالليل، فلا معنى لترك الأكل فيه.
وقد روى مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبد الله بن عمر: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ نَهَى عَنِ الوِصَالِ، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى» (^٢).
وروى مالكٌ، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ وَالوِصَالَ»، الحديث …، «قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» (^٣).
•••
[١٢٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ لِلصَّائِمِ فِي أَيِّ سَاعَاتِ النَّهَارِ شَاءَ، مَا لَمْ يَكُنْ أَخْضَرَ (^٤).
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (١٩٥٤)، ومسلم [٣/ ١٣٢]، وهو في التحفة [٨/ ٣٤].
(٢) أخرجه مالك [٣/ ٤٣٠]، ومن طريقه البخاري (١٩٦٢)، ومسلم [٣/ ١٣٣]، وهو في التحفة [٦/ ٢١٤].
(٣) أخرجه مالك [٣/ ٤٣٠]، وهو متفق عليه: البخاري (١٩٦٥)، مسلم [٣/ ١٣٣]، وهو في التحفة [١١/ ٢٦].
(٤) المختصر الصغير، ص (٣٣٤)، المختصر الكبير، ص (١٢٠)، الموطأ [٣/ ٤٤٦]، المدونة [١/ ٢٧٢]، مختصر أبي مصعب، ص (٢١٦)، التفريع [١/ ٣٠٨].
[ ١ / ٢٤٧ ]
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ السواك مندوبٌ إليه في كل وقتٍ، مستحبٌ فعله، فلا بأس أن يستاك الصّائم أي وقتٍ أراد من النهار، وقد قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» (^١).
وقد روى أبو إسماعيل المؤدب (^٢)، عن المجالد (^٣)، عن الشعبي (^٤)، عن مسروقٍ، عن عائشة، ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «خَيْرُ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ» (^٥).
وقوله: «ما لم يكن أخضر»، يعني بذلك: العود الأخضر، وهو الرّطب؛ لأنَّ له طعمًا يؤدِّي إلى جوفه، وذلك مكروهٌ.
•••
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٨٨٧)، مسلم [١/ ١٥١]، وهو في التحفة [١٠/ ١٩٦].
(٢) إبراهيم بن سليمان بن رزين الأردني، نزيل بغداد، صدوقٌ يغرب، من التاسعة. تقريب التهذيب، ص (١٠٨).
(٣) مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني الكوفي، ليس بالقوي، وقد تغيَّر في آخر عمره، من صغار السادسة. تقريب التهذيب، ص (٩٢٠).
(٤) عامر بن شراحيل الشعبي، ثقةٌ مشهورٌ فقيهٌ فاضلٌ، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٤٧٥).
(٥) أخرجه ابن ماجه [٢/ ٥٨٢]، وهو في التحفة [١٢/ ٣١٦].
[ ١ / ٢٤٨ ]
[١٢٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا نُحِبُّ لِمُتَطَوِّعٍ وَلَا فِي فَرِيضَةٍ أَنْ يُبَاشِرَ وَلَا يُقَبِّلَ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَمْ يُمْذِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَمْذَى فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا مَكَانَهُ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ القبلة داعيةٌ إلى غيرها، لا يؤمن معها الوطء أو ما يفسد صومه بفعله؛ فكرهت له لهذه العلَّة القبلة.
وقد روى الأعمش، عن إبراهيم (^٢)، عن الأسود (^٣) وعلقمة (^٤)، عن عائشة قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَ لِإِرْبِهِ» (^٥).
وقال مالك: «إنَّهُ بلغه أنَّ عائشة زوج النبي صلى الله عليه، كانت إذا ذكرت أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ كان يقبل وهو صائم، تقول: «وَأَيُّكُمْ أَمْلَكُ لِإِرْبِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ» (^٦).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١٢٠)، النوادر والزيادات [٢/ ٤٧]، وقد نقل ابن أبي زيد في النوادر [٢/ ٤٧] هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر: المدونة [١/ ٢٦٨]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٢٠).
(٢) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي الكوفي الفقيه، ثقةٌ إلَّا أنَّهُ يرسل كثيرًا، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (١١٨).
(٣) الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، مخضرمٌ ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ، من الثانية. تقريب التهذيب، ص (١٤٦).
(٤) علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ، من الثانية. تقريب التهذيب، ص (٦٨٩).
(٥) متفق عليه: البخاري (١٩٢٧)، مسلم [٣/ ١٣٥]، وهو في التحفة [١١/ ٣٥٣].
(٦) ينظر: الموطأ [٣/ ٤١٨].
[ ١ / ٢٤٩ ]
قال مالك: قال هشام: قال عروة: «لَمْ أَرَ القُبْلَةَ تَدْعُو إِلَى خَيْرٍ» (^١).
وروى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها كانت تقول: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ يُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ تَضْحَكُ» (^٢).
وروى مالك، عن زيد بن أسلمٍ، عن عطاء بن يسارٍ (^٣): «أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنِ القُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، فَرَخَّصَ فِيهَا لِلشَّيْخِ وَكَرِهَهَا لِلشَّابِّ» (^٤).
ومالك، عن نافعٍ، عن ابن عمر: «أَنَّه كَانَ يَنْهَى عَنِ القُبْلَةِ وَالمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ» (^٥)، فلهذا كره مالكٌ القبلة للصائم.
فإن قبَّل فأمذى فعليه القضاء احتياطًا، وكذلك حكى ابن القاسم عن مالك، قال: «أحب إلي أن يقضي، لجواز أن تكون قد حركت القبلة المني عن موضعه؛ لحصول الشهوة منه، ثم يظهر بعد ذلك» (^٦)، فاستحب القضاء لهذه العلَّة.
_________________
(١) ينظر: المصدر السابق.
(٢) أخرجه مالك [٢/ ٤١٧]، وهو في الصحيحين: البخاري (١٩٢٨)، مسلم [٣/ ١٣٤]، وهو في التحفة [١٢/ ١٩٧].
(٣) عطاء بن يسار الهلالي المدني، مولى ميمونة، ثقةٌ فاضلٌ صاحب مواعظ وعبادة، من صغار الثانية. تقريب التهذيب، ص (٦٧٩).
(٤) أخرجه مالك [٣/ ٤١٩].
(٥) أخرجه مالك [٣/ ٤١٩].
(٦) ينظر: المدونة [١/ ٢٦٩] … .
[ ١ / ٢٥٠ ]
فأمَّا الواجب فلا قضاء عليه؛ لأنَّ القضاء يجب على من أفطر بأكلٍ أو شربٍ أو جماعٍ، والمقبِّلُ ليس واحدًا من ذلك.
•••
[١٢٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فِي رَمَضَانَ أَوْ فِي صِيَامٍ هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، فَعَلَيْهِ القَضَاءُ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، فَلْيُتِمَّ عَلَى صَوْمِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ مِنْ قِبَلِ أنَّهُ قد أفطر بأكله أو شربه أو جماعه، ناسيًا كان أو عامدًا؛ مِنْ قِبَلِ أنَّ الصّوم ينافي هذه الأشياء، فإذا فعلها في صومه، فهو غير صائمٍ، سواءٌ كان عامدًا أو ناسيًا.
والدليل على صحة ذلك: أنَّ الله تعالى قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، والصائم قد يكون صائمًا وإن كان ناسيًا لصيامه، فلما كان كذلك، وجب عليه القضاء إذا أكل في حالِ لا يعلم أنَّهُ صائم؛ لأنَّ تلك الحال حال صيامٍ، ولو لم يكن مفطرًا بأكله ناسيًا حتى يذكر الوقت، لما كان صائمًا بنسيانه الصّوم حتى يذكره من أوله إلى آخره، وهذا لا يقوله عالمٌ، وإذا كان الأمر على ما قلنا، فعلى أي وجهٍ أكل في حال ذكره للصوم وغير ذكره فهو مفطرٌ وعليه القضاء، وإن كان معذورًا بالأكل لم تكن عليه الكفارة مع القضاء، وإن كان غير معذورٍ وجبت عليه الكفارة مع القضاء.
والدليل على صحة ما قلنا، قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١٢٠)، الموطأ [٣/ ٤٣٧ و٤٣٩].
[ ١ / ٢٥١ ]
عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، فألزم الله المفطر بعذر السفر والمرض القضاء، فكذلك الناسي؛ لأنَّهُ لا يخلو:
(أن يكون معذورًا في الأكل، فهو كالمريض والمسافر وعليه القضاء.
(أو غير معذورٍ، فعليه القضاء والكفارة.
ومما يدل على أنَّ عليه القضاء، أنَّ الآكل بعد طلوع الفجر إذا لم يعلم، والآكل قبل غروب الشمس إذا لم يعلم، عليهما القضاء وإن كانا مخطئَين في الوقت، فكذلك الناسي عليه القضاء؛ لأنَّهُ مخطئٌ لوقت الصّوم متعمدًا (^١) بالأكل، كالمخطئ في طلوع الفجر وغروب الشمس هو عامدٌ للأكل مخطئٌ للوقت، بل هما أعذر من الناسي؛ لأنَّ الناسي ترك التحرُّز بالتذكُّر حتى نسي، وهما فقد اجتهدا في الوقت.
ومما يدل على أنَّ عليه القضاء إذا أكل ناسيًا، أنَّ الصّوم فرضٌ والفرض لا يسقط بالنسيان.
ألا ترى: أنَّهُ لو نسي يومًا فلم يصمه أنَّ عليه القضاء، وكذلك إذا نسي صلاةً كاملةً فعليه القضاء، ولو ترك ركنًا من أركانها كالركوع والسجود والقراءة ناسيًا، لكان عليه القضاء، ولا فرق بين الترك على وجه النسيان للصلاة كلها أو بعضها في وجوب إعادتها، فكذلك واجبٌ بحق القياس أن يعيد إذا ترك الإمساك في بعض اليوم صومَ اليوم كلَّه، لا فصل في ذلك.
فإن قيل: فإنك تقول: إنَّهُ إذا تكلم في الصلاة عامدًا كان عليه قضاء الصلاة؛
_________________
(١) كذا في المخطوط.
[ ١ / ٢٥٢ ]
لأنَّهُ قد أفسدها، وإن تكلم ناسيًا لم يكن عليه، فيجب أن تقول في الصّوم إذا أكل ناسيًا أنَّ ذلك لا يفسده (^١).
قيل له: الكلام ليس منافيًا للصلاة؛ لأنَّهُ قد كان يجوز الكلام فيها في الابتداء، ثم تُرِكَ ذلك (^٢)، ويجوز اليومَ عندنا لضرورةٍ تنزل (^٣)، ولم يكن الأكل قط مُجَوَّزًا في يوم الصّوم، بل هو منافٍ له، لا يصح اجتماعه والصوم، ويصح اجتماع الكلام والصلاة، فافترقا لهذه العلَّة.
على أنَّ الصمت عن الكلام في الصلاة ليس بفرضٍ عندنا في الصلاة، وإنَّما هو مسنونٌ (^٤)، ومن قولنا: إنَّ من نسي سنةً من سنن الصلاة، فليس يُفسد صلاته ذلك، فإن تعمد تركها أفسد صلاته؛ لقصده لخلاف ما أمر به النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وسنَّه، لا من طريق أنَّهُ ترك فرضًا.
فإن قيل: قد روي عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ: «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَكَلَ وَشَرِبَ نَاسِيًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَقَالَ: اللهُ أَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ» (^٥) (^٦).
_________________
(١) ينظر الاعتراض في: الأم للشافعي [٣/ ٢٤٣]، شرح معاني الآثار [١/ ٤٥٢].
(٢) كما في الصحيحين، البخاري (٤٥٣٤)، ومسلم [٢/ ٧١]، من حديث عن زيد بن أرقم قال: «كنا نتكلَّم في الصلاة، يكلِّم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام»، وهو في التحفة [٣/ ١٩٢].
(٣) ينظر: المنتقى للباجي [١/ ١٧٢]، البيان والتحصيل [١/ ٣٨٧].
(٤) المسنون عند المؤلف، هو مرادف للواجب عند الجمهور، ينظر، ص (٣٩٢).
(٥) متفق عليه: البخاري (١٩٣٣)، مسلم [٣/ ١٦٠]، وهو في التحفة [١٠/ ٣٥٦].
(٦) ينظر الاعتراض في: الحاوي [٣/ ٢٨٥]، المغني [٤/ ٣٦٧].
[ ١ / ٢٥٣ ]
قيل له: معنى ذلك أنَّهُ لا كفارة عليه؛ لأنَّهُ معذورٌ في الأكل؛ إذ لا قصد له بهتك حرمة الصّوم، ولولا هذا الخبر لكان يجوز أن يقال: إنَّ عليه الكفارة؛ لتركه التحفظ حتى نسي.
ألا ترى: أنَّ الكفارة تجب على قاتل المؤمن خطأً كهي على العامد عند من يخالفنا (^١)، وكذلك يجب الجزاء على قاتل الصّيد خطأً كما يجب على قاتله عمدًا، فلولا الخبر لجاز وجوب الكفارة عليه مع القضاء، فسقطت الكفارة بدلالة الخبر، ووجب القضاء عليه، وإن كان معذورًا بالأكل، كما وجب على سائر المعذورين في الأكل، والله أعلم.
وكذلك إذا أكل في صومٍ واجبٍ عليه ناسيًا من نذرٍ وغيره، فأمَّا إذا كان صومًا تطوعًا فلا قضاء عليه، لكنه يمضي فيه ولا يقطعه؛ لأنَّهُ معذورٌ بالأكل ولم يتعمَّد الخروج منه، كما لم يتعمَّد المصدود بِعدوٍّ عن البيت في حج التّطوع الخروج من الإحرام، فإذا خرج منه، لم يكن عليه القضاء، ولو خرج اختيارًا، لكان عليه القضاء، والله أعلم.
•••
[١٢٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ تَسَحَّرَ فِي الغَيْمِ، ثُمَّ اتَّفَقَ أَنَّهُ فِي الفَجْرِ:
• فَإِنْ كَانَ فِي رَمَضَانَ، مَضَى وَقَضَى يَوْمًا.
_________________
(١) نص الكفارة على القتل الخطأ جاء صريحًا في كتاب الله ﷿، والشارح يريد إلزام المذاهب المخالفة، وهم الجمهور بذكر القتل الخطأ؛ لأنَّهُ مما لا يختلف فيه، لا أنَّ ثَمَّ خلاف في المسألة. والله أعلم.
[ ١ / ٢٥٤ ]
• وَإِنْ كَانَ فِي قَضَاءِ رَمَضَان، أَتَمَّ صِيَامَهُ ذَلِكَ اليَوْمَ أَحَبُّ إِلَيْنَا وَقَضَى، وَإِنْ أَفْطَرَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَهُوَ مِنْ ذَلِكَ فِي سَعَةٍ.
• وَإِنْ كَانَ مُتَطَوِّعًا، مَضَى عَلَى صِيَامِهِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ (^١).
• وإذا (^٢) كان في رمضان، مضى ولم يأكل؛ لأنَّهُ لا يجوز له أن يأكل في يومٍ من شهر رمضان من غير مرضٍ ولا سفرٍ ولا حيضٍ.
وقضى يومًا مكانه بدلًا منه؛ لأنَّ صومه قد أفسده بالأكل بعد الفجر.
فإن كان قضاء رمضان استحب له المضي فيه؛ لأنَّهُ يومٌ كان قد أوجب صومه عليه، فلا نحب له الخروج منه وإن كان قد أفسده بعذرٍ.
فإن أكل فيه لم يكن عليه شيءٌ، لأنَّهُ ليس صومه مستحقًا بعينه كرمضان، لكنه بدلٌ من غيره.
فإن كان متطوعًا مضى أيضًا لهذه العلَّة ولا قضاء عليه؛ لأنَّهُ لم يختر الفطر فيه، وإنَّما لحقه ذلك لغلَبَةٍ وعذرٍ، كما يلحق مَنْ صُدَّ عن البيت في الحجّ التّطوع بعدوٍّ، فليس عليه القضاء بعد ذلك.
•••
_________________
(١) المختصر الصغير، ص (٣٣٥)، المختصر الكبير، ص (١٢٠)، وقد حكى ابن أبي زيد طرفًا من هذه المسألة، عن ابن عبد الحكم في النوادر [٢/ ٥٧]، وينظر: المدونة [١/ ٢٦٥ - ٢٦٦]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٢٠).
(٢) قوله: «وإذا»، كذا في شب.
[ ١ / ٢٥٥ ]
[١٢٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ بَقِيَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ مِنْ سُحُورِهِ الحَبَّةُ الجُذَيْذَةُ (^١)، فَازْدَرَدَهَا جَاهِلًا، فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ (^٢) (^٣).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ هذا لا يَقدر أن يَتَحَرَّزَ منه، وهو يجري مجرى الريق الذي يبلعه الصّائم ومجرى الغبار الذي يدخل في حلقه، فليس عليه شيءٌ.
•••
[١٢٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُصَامُ قَضَاءُ رَمَضَانَ مُتَتَابِعًا، وَإِنْ فَرَّقَ مِنْ عُذْرٍ وَأَحْصَى العِدَّةَ، فَذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ (^٤).
• إنَّمَا قال: «إنَّهُ يتابع القضاء»؛ ليكون صومه متواليًا كصوم شهر رمضان أنه متوالٍ، فإن لم يفعل لم يكن عليه شيءٌ؛ لأنَّ صوم رمضان مُستحَقٌّ بعينه، وليس كذلك القضاء، فجاز أن يفرَّق قضاءَه.
•••
[١٢٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَسْلَمَ فِي رَمَضَانَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى مِنَ
_________________
(١) قوله: «الجَذَيْذَةُ»، هي القطعة، والجذاذ هو التقطيع، ينظر: لسان العرب [٣/ ٤٧٩].
(٢) الذي في النوادر والزيادات [٢/ ٤١] نقلًا عن ابن عبد الحكم: «فقد أساء، ولا شيء عليه».
(٣) المختصر الكبير، ص (١٢٠)، وقد نقل ابن أبي زيد في النوادر [٢/ ٤١] هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر: المدونة [١/ ٢٧١]، مختصر أبي مصعب، ص (٢١٨)، التفريع [١/ ٣٠٨].
(٤) المختصر الكبير، ص (١٢١)، الموطأ [٣/ ٤٣٦]، المدونة [١/ ٢٨٠]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٢٠).
[ ١ / ٢٥٦ ]
الشَّهْرِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ قَضَاءُ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ بِعَيْنِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الله ﷿ إنَّما فرض صيام رمضان على المؤمنين دون الكافرين بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣]، وقال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، فإذا كان غير مؤمنٍ، لم يلزمه صوم ما مضى من الشّهر وإن أسلم في بعضه؛ لأنَّ كل يومٍ منفردٌ بحكمه وحرمته، كما لو أسلم في وقت صلاةٍ لم يكن عليه أن يصلي ما تقدم وقته من الصلوات، لكنه يصلي ما أدرك.
فأمَّا اليوم الذي أسلم فيه فيستحبُّ له قضاؤه؛ لأنَّهُ قد صار من أهل الصّوم في بعض يومه، وليس يتبعَّض الصّوم، فوجب أن يكمله بالقضاء، كما لو طلَّقَ بعض تطليقةٍ وجب تكميلها؛ لأنها لا تتبعَّض، والله أعلم.
•••
[١٣٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا تُكْرَهُ الحِجَامَةُ للصَّائِمِ إِلَّا خَشْيَةَ الضَّعْفِ وَالتَّغْرِيرِ بِالصِّيَامِ، فَإِنِ احْتَجَمَ وسَلِمَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١٢١)، الموطأ [٣/ ٤٣٨]، المدونة [١/ ٢٨١]، مختصر أبي مصعب، ص (٢١٦)، النوادر والزيادات [٢/ ٣٠]، التفريع [١/ ٣٠٩].
(٢) المختصر الصغير، ص (٣٣٥)، المختصر الكبير، ص (١٢١)، الموطأ [٣/ ٤٢٧]، المدونة [١/ ٢٧٠]، مختصر أبي مصعب، ص (٢١٦)، التفريع [١/ ٣٠٧].
[ ١ / ٢٥٧ ]
• إنما كره الحجامة للصائم؛ مخافة التغرير بالصّوم، أن يضعف فيؤدي ذلك إلى أن يفطر، لا أنها تفطر الصّائم.
وقد احتجم النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وهو صائمٌ محرمٌ، روى ذلك أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس (^١).
فإن قيل: إنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»، روى ذلك شيبان (^٢)، عن يحيى، عن أبي قلابة (^٣)، أنَّهُ قال: أخبرنا عن شداد بن أوس، عن النبي صلى الله عليه (^٤) (^٥).
قيل له: معنى هذا الحديث، أنَّ المحجوم سيؤدي حاله إلى الفطر، لما شاهده النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ من الضعف، والحاجم فلمَّا أعانه على الفطر، كان كأنه أفطر، هذا على وجه التغليظ، كما قيل: إنَّ من أعان على قتل رجلٍ فكأنما قتله.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٩٣٨)، وهو في التحفة [٥/ ١٠٩].
(٢) شيبان بن عبد الرحمن التميمي مولاهم النحوي البصري نزيل الكوفة، ثقةٌ، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (٤٤١).
(٣) عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي البصري، ثقةٌ فاضلٌ كثير الإرسال، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٥٠٨).
(٤) أخرجه أبو داود [٣/ ١٥٢]، بهذ الإسناد، ورُوي بأسانيد عدَّة فيها اختلاف، تنظر في السنن الكبرى للنسائي [٣/ ٣١٧]، والحديث في التحفة [٢/ ١٣٧].
(٥) ينظر الاعتراض في: المغني [٤/ ٣٥١]، شرح عمدة الفقه لابن تيمية [٣/ ٣٣٠].
[ ١ / ٢٥٨ ]
وقد قيل: إنهما كانا يغتابان مسلمًا، فقال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ ذلك القول (^١).
ومما يدل على ما قلناه من جواز الحجامة للصائم إن كان حديث شداد على وجه النهي عن الحجامة، ما رواه خالد بن مخلد (^٢)، عن عبد الله بن المثنى (^٣)، عن ثابت (^٤)، عن أنس: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ يَحْتَجِمُ بِالبَقِيعِ لِثَمَانِي عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ رَسُول اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ: أَفْطَرَ هَذَانِ. ثُمَّ أَرْخَصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الحِجَامَةِ للصَّائِمِ» (^٥).
فهذا الحديث يدل على أنَّهُ متأخِّر عن حديث شداد؛ لأنَّهُ قيل فيه: «ثُمَّ أَرْخَصَ بَعْدَ ذَلِكَ»، وفي حديث شداد أيضًا: «أَنَّه مَرَّ بِهِمَا يَحْتَجِمَانْ لِثَمَانِي عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ»، فاستوى الوقتان في حديث أنس وحديث شداد، ثم رخص بعد ذلك.
ومما يدل على جواز الحجامة للصائم، أنا لا نعلم خلافًا بين فقهاء الأمصار، أنَّهُ لو قَطَع عرقه أو بَطَّ جرحه، أنَّهُ لا يفطر، ولا فرق بين ذلك وبين
_________________
(١) ينظر: شرح معاني الآثار [٢/ ٩٩]، معرفة السنن والآثار [٦/ ٣٢٢].
(٢) خالد بن مخلد القطواني البجلي مولاهم الكوفي، صدوقٌ يتشيع وله أفراد، من كبار العاشرة. تقريب التهذيب، ص (٢٩١).
(٣) عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري، صدوقٌ كثير الغلط، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٥٤٠).
(٤) ثابت بن أسلم البناني البصري، ثقةٌ عابدٌ، من الرابعة. تقريب التهذيب، ص (١٨٤).
(٥) أخرجه الدارقطني في سننه [٣/ ١٤٩]، والبيهقي في السنن الكبرى [٩/ ٢٨].
[ ١ / ٢٥٩ ]
الحجامة في خروج الدم من بدنه، إلَّا أن يفرِّق مُفرِّقٌ بين الموضعين بأثرٍ، وهذا ما لا أثر فيه ولا قياس.
وقد روى عبد الرحمن وزيد بن أسلم (^١)، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، وقد رفعوه كلهم لنا (^٢): أنَّ النّبيّ ﷺ قال: «ثَلَاثٌ لَا يُفَطِّرْنَ الصَّائِمَ: الحِجَامَةُ، وَالقَيْءُ، والاحْتِلَامُ» (^٣).
•••
_________________
(١) قوله: «عبد الرحمن وزيد بن أسلم»، كذا في شب، وهو خطأ بيِّن، صوابه: «عبد الرحمن بن زيد بن أسلم»، كما في مصادر التخريج.
(٢) كذا في شب، وفيه إشارة إلى الاختلاف في رفع الحديث ووقفه، كما سيأتي في تخريجه.
(٣) هذا الحديث مداره على زيد بن أسلم، حيث رواه عنه كل من: سفيان الثوري، ومعمر بن راشد، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأبو بكر بن أبي سبرة، وهشام بن سعد، وعبد الله بن زيد بن أسلم، ويحيى بن سعيد الأنصاري. فرواه سفيان الثوري كما عند أبي داود [٣/ ١٥٥]، ومعمر بن راشد كما عند عبد الرزاق [٤/ ٢١٣]، عن زيد بن أسلم، عن رجل من أصحابه، عن رجل من أصحاب النّبيّ ﷺ مرفوعًا. ورواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم كما عند الترمذي [٢/ ٨٩]، عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري. ورواه أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، كما عند عبد الرزاق [٤/ ٢١٢]، عن زيد بن أسلم، عن عطاء عن رجل من أصحاب النّبيّ ﷺ. ورواه هشام بن سعد كما عند ابن خزيمة [٣/ ٢٣٤]، ويحيى بن سعيد الأنصاري كما عند ابن أبي شيبة [٦/ ٢١٥]، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلًا. ورواه عبد الله بن زيد بن أسلم كما في العلل ومعرفة الرّجال لعبد الله بن أحمد [١/ ٣٧٧]، عن أبيه عن رجل من أهل الشام.
[ ١ / ٢٦٠ ]
[١٣١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيَبْنِ عَلَى صِيَامِهِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَامِدًا فَعَلَيْهِ القَضَاءُ (^١).
• إنَّمَا قال: «إنَّهُ إذا ذرعه القيء فلا قضاء عليه»؛ لأنَّ القضاء يجب على الإنسان فيما يدخل جوفه من مدخل الطعام، ليس مما يخرج منه من هذا الموضع؛ لأنَّ الله سبحانه إنَّما منع من الأكل والشرب والجماع في الصّيام، والذي يذرعه القيء فليس بآكلٍ ولا شاربٍ ولا مجامِعٍ.
فأمَّا إذا استقاء عامدًا فعليه القضاء؛ لجواز أن يكون قد رجع إلى جوفه شيءٌ مما استدعاه تقيؤه بعدما يجري على لسانه أو يظهر في فمه إذا خرج من حلقه.
وقد روي عن أبي الزِّناد (^٢) وثوبان: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ قَاءَ فَأَفْطَرَ» (^٣).
_________________
(١) المختصر الصغير، ص (٣٣٦)، المختصر الكبير، ص (١٢١)، المدونة [١/ ٢٧١]، مختصر أبي مصعب، ص (٢١٦)، النوادر والزيادات [٢/ ٤٥]، التفريع [١/ ٣٠٧].
(٢) قوله: «أبي الزناد»، كذا في شب، وهو خطأ صوابه: «أبي الدرداء»، كما في مصادر التخريج.
(٣) حديث أبي الدرداء: النسائي في الكبرى [٣/ ٣١٤]، والترمذي [١/ ١٣٠]، وأحمد [٤٥/ ٤٩٢]، والدارمي [٢/ ١٠٧٨]، والدارقطني [١/ ٢٨٩ - ٢٩٠]، وابن خزيمة [٣/ ٢٢٥]، والطحاوي في شرح معاني الآثار [٢/ ٩٦]، وغيرهم، وفيه اختلاف. وحديث ثوبان: أخرجه أحمد [٣٧/ ٥٥]، وابن أبي شيبة في المصنف [٦/ ١٨٣]، وغيرهما.
[ ١ / ٢٦١ ]
وروى الحكم بن موسى (^١)، قال: حدثنا عيسى بن يونس (^٢)، عن هشام (^٣)، عن ابن سيرين (^٤)، عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ، وَمَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ» (^٥).
وقد يجوز أن يقال: القضاء في المستقيء عامدًا استحبابًا لا إيجابًا؛ لأنَّ الفطر إنَّما هو بالأكل والشرب والجماع والحيض، والمستقيء فليس بآكلٍ ولا شاربٍ ولا مجامِعٍ ولا حائضٍ.
وكذلك يقول مالكٌ في المحتقن يقضي استحبابًا.
وهذا اذا استقاء لعذرٍ أو علّةٍ يجدها، فأمَّا إن استقاء عامدًا لغير علةٍ يجدها، لكنه فعل ذلك على وجه اللعب والعبث فعليه القضاء، وقد قال عبد الملك: «إنَّ
_________________
(١) الحكم بن موسى بن أبي زهير البغدادي القنطري، صدوقٌ، من العاشرة. تقريب التهذيب، ص (٢٦٤).
(٢) عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقةٌ مأمونٌ، من الثامنة. تقريب التهذيب، ص (٧٧٣).
(٣) هشام بن حسان الأزدي القردوسي البصري، ثقةٌ من أثبت النَّاس في ابن سيرين، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (١٠٢٠).
(٤) محمد بن سيرين الأنصاري البصري، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ كبير القدر، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٨٥٣).
(٥) أخرجه أبو داود [٣/ ١٥٦]، والترمذي [٢/ ٩٠]، وابن ماجه [٢/ ٥٨١]، والنسائي في الكبرى [٣/ ٣١٧]، وهو في التحفة [١٠/ ٣٥٤].
[ ١ / ٢٦٢ ]
عليه الكفارة مع القضاء» (^١)؛ لأنَّهُ باستقائه هاتكٌ لحرمة الصّوم لغير عذرٍ، وهو كالآكل عامدًا لغير عذرٍ، فعليه الكفارة عنده مع القضاء.
•••
[١٣٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ قَلَسَ قَلْسًا (^٢) فَازْدَرَدَهُ، فَإِنْ كَانَ ظَهَرَ عَلَى لِسَانِهِ فَلْيَقْضِ يَوْمًا مَكَانَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظَهَرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (^٣).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ إذا ازدرده بعد خروجه إلى فيه فهو بمنزلة الآكل؛ لأنَّهُ قد بلع شيئًا في فيه، فعليه القضاء.
وإن لم يظهر على فيه وازدرده قبل ذلك فلا شيء عليه؛ لأنَّ الحلق حُكْمُهُ حكم الباطن لا الظاهر، فإذا لم يخرج منه، فلا شيء عليه اذا رجع.
ألا ترى: أنَّ الصّائم يجوز له أن يتمضمض، ولا يجوز له أن يزدرد ماءً ولا غيره، فعُلِمَ بهذا أنَّ حكم الفم حكم ظاهر البدن، وحكم الحلق حكم الباطن، والله أعلم.
•••
_________________
(١) حكى هذا النقل عن الأبهري: ابن أبي زيد عن الأبهري في النوادر [٢/ ٤٥]، وابن يونس في الجامع [٣/ ١١١٨].
(٢) قوله: «قَلْسًا»، القلس: هو ماءٌ أو طعامٌ يسير يخرج إلى الفم، ينظر: المنتقى للباجي [١/ ٦٤].
(٣) المختصر الكبير، ص (١٢١)، مختصر أبي مصعب، (٢١٦)، النوادر والزيادات [٢/ ٤٢ و٤٦]، التفريع [١/ ٣٠٨].
[ ١ / ٢٦٣ ]
[١٣٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُ رَمَضَانَ فَلَمْ يَقْضِهِ حَتَى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ، فَلْيَصُمْ، ثُمَّ لِيَقْضِ مَا عَلَيْهِ وَلْيُطْعِمْ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ فَرَّطَ فِيهِ مِسْكِينًا مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَانَ مَرِيضًا مِنْ رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ، فَعَلَيْهِ القَضَاءُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِطْعَامٌ (^١).
• وإنَّمَا قال: «إنَّ عليه الإطعام متى لم يصم قضاء رمضان حتى يدخل رمضان آخر»؛ فلأنه قد أخَّرَ الصّوم، أعني: قضاء رمضان، عن وقته الذي قد جُعِلَ له، فوجبت عليه الكفارة إذا كان تَرْكُه الصّوم لغير عذرٍ، كما كان الإنسان إذا ترك صوم شهر رمضان من غير عذرٍ فعليه الكفارة؛ لأنَّهُ قد أخَّره عن الوقت الذي جُعِلَ فيه، فوجبت عليه الكفارة العليا، كذلك إذا أخَّر القضاء عن الوقت الذي جعل له وجبت عليه الكفارة الأدنى.
وروى مالك، عن يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة، أنَّهُ سمع عائشة تقول: «إِنْ كَانَ لَيَكُونُ عَلَيَّ صيَامٌ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ حَتَّى يَأْتِيَ شَعْبَانُ» (^٢).
وروى حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: «يَصُومُ الآخَرَ وَيُطْعِمُ عَنِ الأَوَّلِ» (^٣).
_________________
(١) المختصر الصغير، ص (٣٣٦)، المختصر الكبير، ص (١٢١)، المدونة [١/ ٢٨٥]، مختصر أبي مصعب، ص (٢١٩)، النوادر والزيادات [٢/ ٥٣]، التفريع [١/ ٣١٠].
(٢) أخرجه مالك [٣/ ٤٤٣]، وهو متفق عليه: البخاري (١٩٥٠)، ومسلم [٢/ ٨٠٢]، وهو في التحفة [١٢/ ٣٧٠].
(٣) أخرجه الطحاوي في أحكام القرآن [١/ ٤١٤]، بنحو الإسناد الذي ذكره الشارح، لكن جعله من فعل ابن عمر، حيث رواه عن نافع «أنَّ ابن عمر مرض في رمضان، فلم يصح حتى أدركه رمضان، فصام الآخر وأطعم عن الأول». وأما ما ورد من قول ابن عمر، فأخرجه عبد الرزاق [٤/ ٢٣٥]، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: «من تتابعه رمضان آخر وهو مريضٌ لم يصح بينهما، قضى الآخر منهما بصيام، وقضى الأول منهما بإطعام مدٍّ من حنطة، ولم يصم». وأخرج الدارقطني في سننه [٣/ ١٧٨]، من طريق أحمد بن صالح، حدثنا عنبسة، حدثنا يونس قال: سأل سعيد بن يزيد - قال عنبسة: وهو أخو يونس بن يزيد - نافعًا مولى ابن عمر، عن رجل مرض فطال به مرضه حتى مر عليه رمضانان أو ثلاثة، فقال نافع: «كان ابن عمر يقول: من أدركه رمضان ولم يكن صام رمضان الخالي فليطعم مكان كل يوم مسكينًا مدًا من حنطة، ثم ليس عليه قضاء». وهذا الخبر نقله الحافظ في الإتحاف [٩/ ٣٨٠]، وزاد على المطبوع من السنن: «قال الدارقطني: كلهم ثقات».
[ ١ / ٢٦٤ ]
وروى وكيع، عن جعفر بن برقان، قال (^١): «كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فأَتَاهُ رَجُلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَصُومَ شَهْرَيْنِ وَيُطْعِمُ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا».
وروى حفص، عن ليث، عن مجاهد (^٢)، عن أبي هريرة وابن عباسٍ قالا: «يَصُومُ هَذَا وَيَقْضِي ذَاكَ، وَيُطْعِمُ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا» (^٣).
_________________
(١) قوله: «جعفر بن برقان، قال»، كذا في شب، وهو خطأ صوابه: «عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران»، كما هو في مصنف عبد الرزاق [٤/ ٢٣٦]، وجعفر بن برقان لم يدرك ابن عباس.
(٢) مجاهد بن جبر المخزومي، مولاهم المكي، ثقةٌ إمامٌ في التفسير وفي العلم، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٩٢١).
(٣) لم أقف عليه من هذا الوجه، وقد أخرج الطحاوي في أحكام القرآن [١/ ٤١٣]، من طريق الثوري، عن أبي إسحاق، عن مجاهدٍ، عن أبي هريرة، في رجل مرض في شهر رمضان فلم يقضه حتى أدركه رمضان آخر، قال: «يصوم الأول ويطعم مع كل يوم مسكينًا مدَّين»، ورواه عبد الرزاق [٤/ ٢٣٤]، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن أبي هريرة، قال: «من أدركه رمضان وهو مريض، ثم صحَّ، فلم يقضه حتى أدركه رمضان آخر صام الذي أدرك، ثم صام الأول، وأطعم عن كل يوم نصف صاعٍ من قمحٍ»، ورواه الدارقطني [٣/ ١٧٩]، من طريق مطرف، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن أبي هريرة، فيمن فرط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر، قال: «يصوم هذا مع النَّاس ويصوم الذي فرط فيه، ويطعم لكل يوم مسكينًا». قال الدارقطني: «إسناد صحيح موقوف».
[ ١ / ٢٦٥ ]
وهو قول القاسم، وسعيد بن جبير، والحسن، وعطاء، ومجاهد، والزهري، والأوزاعي.
فأمَّا إذا كان مرضه متصلًا أو سفره متصلًا حتى يدخل رمضان آخر، فإنه يصوم رمضان، ثم يقضي ما كان عليه الذي قبله ولا إطعام عليه؛ لأنَّهُ لم يفرط في القضاء بتركه الصّوم في وقته مع القدرة عليه، فهو بمنزلة من يفطر في شهر رمضان لعذر مرضٍ أو سفرٍ، فلا كفارة عليه، وعليه القضاء.
•••
[١٣٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ أَيَّامٌ مِنْ رَمَضَانَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهَا:
• فَلْيُطْعِمْ عَنْهُ أَهْلُهُ مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ لِكُلِّ يَوْمٍ إِنْ كَانَ أَوْصَى بِذَلِكَ أَوْ تَطَوَّعُوا بِهِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ قَدْ أَمْكَنَهُ القَضَاءُ، ثُمَّ فَرَّطَ، وَنُحِبُّ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِ.
• فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُفَرِّطْ وَلَمْ يَزَلْ مَرِيضًا فَلَا إِطْعَامَ عَلَيْهِ (^١).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١٢١)، المدونة [١/ ٢٧٩]، مختصر أبي مصعب، ص (٢١٦).
[ ١ / ٢٦٦ ]
• إنَّمَا قال: إنَّهُ يوصي بأن يطعم عنه؛ لأنَّ ذلك قد لزمه بتفريطه لترك القضاء للصوم في وقته، فوجب عليه أن يوصي بكفارة ذلك عنه، كما يجب عليه أن يوصي بالحقوق التي قِبَلَهُ لله ﷿ وللناس.
فإن لم يوص بذلك لم يلزم أهله أن يخرجوا؛ لأنَّهُ ليس عليهم أن يؤدُّوا عنه حقوق الله ﷿ التي تركها وفرط فيها، سواءٌ كانت من عمل بدنٍ أو مالٍ كالزَّكاة والكفارة، فإن تبرعوا هم بذلك كان فعلهم مستحبًا.
فأمَّا حقوق الآدميين فإنَّ عليهم أن يؤدُّوها عنه، سواءٌ أوصى بذلك أم لا؛ لا يرثون دون استيفاء الآدميين حقوقهم.
•••
[١٣٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ، وَيُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا مُدًّا بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَمَنْ أَفْطَرَ سَاهِيًا فَلَا كَفَارَةَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ القَضَاءُ.
قَالَ: وَمَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ القَضَاءُ (^١).
وَالَّذِي تَجِبُ بِهِ الكَفَّارَةُ عَلَى الصَّائِمِ فِي رَمَضَانَ: الأَكْلُ، وَالشُّرْبُ،
_________________
(١) من بداية السّطر إلى هذا الموضع مثبتٌ في الحاشية، وهو ساقطٌ من المطبوع.
[ ١ / ٢٦٧ ]
وَمُجَاوَزَةُ الخِتَانِ الخِتَانَ، وَإِنْزَالُ المَاءِ الدَّافِقِ مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ، بِالجَسَّةِ (^١) يَجُسُّهَا، وَالنَّظْرَةِ يُتَابِعُهَا، وَالمُبَاشَرَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ إذا أفطر يومًا من رمضان متعمدًا لغير عذرٍ بجماعٍ فعليه القضاء مع الكفارة؛ من قِبَلِ أنَّهُ قد هتك حرمة الصّوم في الفطر من غير عذرٍ، فوجبت عليه الكفارة لهذه العلَّة، وبذلك ورد الخبر عن النّبيّ ﷺ.
فروى مالكٌ، وابن عيينة، ومعمرٌ، وابن جريج وجماعةٌ، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن (^٣)، عن أبي هريرة: «أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ، أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ، أَوْ إِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قَالَ: لَا أَجِدُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ بِعَرَقِ تَمْرٍ، فَقَالَ: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: مَا أَجِدُ أَحْوَجَ إِلَيْهِ مِنِّي، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: كُلْهُ» (^٤)، واللفظ لحديث مالك.
_________________
(١) قوله: «بِالجَسَّةِ» هي اللمس باليد، ينظر: المغرب في ترتيب المعرب، ص (٨٣).
(٢) المختصر الصغير، ص (٣٣٧)، المختصر الكبير، ص (١٢٢)، وقد نقل ابن أبي زيد في النوادر [٢/ ٥٢] هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر: المدونة [١/ ٢٦٩ و٢٧٧ و٢٨٤]، مختصر أبي مصعب، ص (٢١٧ و٢١٩ و٢٢١)، التفريع [١/ ٣٠٥].
(٣) حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقةٌ، من الثانية. تقريب التهذيب، ص (٢٧٥).
(٤) رواية مالك في الموطأ [٣/ ٤٢٣]، ورواية ابن عيينة في البخاري (٦٧٠٩)، ورواية معمر في البخاري (٦٧١٠)، ورواية ابن جريج عند مسلم [٢/ ٧٨٢]، وهو في التحفة [٩/ ٣٢٦].
[ ١ / ٢٦٨ ]
ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أنَّهُ إذا أفطر بجماعٍ متعمِّدًا أنَّ عليه الكفارة، وإنَّما الخلاف إذا أفطر متعمدًا بأكلٍ أو شربٍ أنَّ عليه الكفارة أم لا:
فقال مالكٌ وجماعةٌ من أهل المدينة (^١)، والثوري (^٢)، وأبو حنيفة (^٣)، وغيرهم: «إنَّ عليه الكفارة مع القضاء».
وقال الشافعي: «لا كفارة عليه» (^٤).
والصحيح ما قاله مالك، والدليل على صحة ذلك، ما رواه مالك وابن جريج، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: «أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقٍ أَوْ صِيَامٍ أَوْ إِطْعَامٍ»، الحديث (^٥)، فوجب بعموم لفظ هذا الحديث على كل من أفطر في شهر رمضان متعمِّدًا لغير عذرٍ الكفارةُ، سواءٌ أفطر بجماعٍ أو أكلٍ أو شربٍ أو غيره.
فإن قيل: إنَّ لفظ حديث مالك وابن جريج مجملٌ، قد فسره معمر وابن عيينة وغيرهما، وهو أنَّهُ قيل في الحديث: «إِنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله
_________________
(١) ينظر: مختصر اختلاف العلماء [٢/ ٢٩]، عيون المسائل، ص (٢١٢)، التمهيد [٧/ ١٦٩].
(٢) ينظر: اختلاف الفقهاء للمروزي، ص (٢٠٧).
(٣) ينظر: مختصر الطحاوي مع شرح الجصاص [٢/ ٤١٤]، المبسوط [٣/ ٧٣]
(٤) ينظر: الحاوي للماوردي [٣/ ٢٨٩]، المهذب للشيرازي [٦/ ٢٣٢].
(٥) هي رواية للحديث المتقدِّم.
[ ١ / ٢٦٩ ]
عَلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ» (^١)، الحديث، فقد فسر في هذا الحديث بأي وجهٍ كان فطره (^٢).
قيل: قد يحتمل أن تكون قصتين في رجلين، أحدهما أفطر بأكلٍ والآخر بجماعٍ، ليس ينافي أحدهما الآخر، وحملهما على هذا الوجه أولى؛ من قبل وجوب حمل الأخبار على استئناف الفوائد إذا أمكن ذلك، ولم يمنع منه أصلٌ (^٣)، فهذا على طريق الخبر.
فأمَّا من جهة القياس: فلما كان الآكل عامدًا مفسدًا للصوم هاتكًا لحرمته لغير عذرٍ، وجب أن تكون عليه الكفارة؛ لحصول هتك حرمة الصّوم وإفساده من غير عذرٍ، فوجب أن تكون عليه الكفارة لهذه العلَّة، ولم يمنع ورود الخبر في الجماع أن يلحق الآكل به؛ لاجتماعهما في المعنى الذي ذكرناه، كما لم يمنع ورود الخبر في البُرِّ من منع التفاضل فيه أن يلحق الأرز به في منع التفاضل وغير الأرز، أعني: في الجنس الواحد.
ولو جاز أن يقتصر على الجماع؛ لأنَّ الخبر ورد به، لجاز أن يقتصر على المجامع أهله؛ لأنَّ الخبر ورد به، دون المجامع جاريته والمجامع زنًا أو المتلوِّط أو واطئ بهيمةٍ، فلما ألحق مخالفنا هذا كلّه بالواطئ أهله في وجوب الكفارة عليه وإن كان الخبر لم يرد بذلك، فكذلك ألحقنا نحن الأكل والشرب
_________________
(١) ينظر سنن الدارقطني [٣/ ٢٠٢]، فقد ذكر من رواه باللفظ الأول، ومن رواه باللفظ الثاني.
(٢) ينظر الاعتراض في: الحاوي للماوردي [٣/ ٢٩٠].
(٣) قوله: «أصلٌ»، كذا قرأتها، ومن إطلاقات الأصل عند الأصوليين: الدليل.
[ ١ / ٢٧٠ ]
وكل ما أفطر الإنسان به عامدًا من غير عذرٍ بالمجامع في ايجاب الكفارة عليه قياسًا لا نصًا وحكما ثابتًا؛ لأنَّ القول بما أوجبه القياس واجبٌ كالقول بما أوجبه النص، لا فرق في ذلك عندنا وعند من يخالفنا في هذه المسألة.
فإن قيل: إنَّ الوطءَ أعظم حرمةً ومزيةً من الأكل وغيره، فلم يجز أن يلحق الأكل وغيره به في وجوب الكفارة (^١).
قيل له: فلا يلحق الأكل بالجماع في إفساد الصّوم به؛ لأنَّ الجماع أعلى مزيةً، وإذا كان الفساد بهما واحدًا، وجب أن يستويا في وجوب الكفارة.
على أنَّ ما قاله فاسدٌ بشهادة الأصول التي قد اتفق عليها الفقهاء؛ لأنهم قد جعلوا غير الوطء بمنزلة الوطء في أحكامٍ كثيرةٍ، وإن كان للوطء مزيةٌ على غيره.
ألا ترى: أنَّ المعتكف إذا وطئ أفسد اعتكافه، وكذلك إذا قبل أو باشر.
وكذلك تحرم الربيبة بالدخول بأمها، أعني: وطئها، وتحرم أيضًا بقبلة الأم.
وكذلك الأمة إذا وطئها الرجل حرمت على أبيه وابنه، وكذلك إن قبلها ولم يطأها حرمت على أبيه وابنه.
وهذا قول فقهاء الأمصار، وهو قول مخالفنا في هذه المسألة.
فإذا جعل القبلة بمنزلة الوطء في هذه الأشياء (^٢)، وإن كان للوطء مزيةٌ،
_________________
(١) ينظر الاعتراض في: المبسوط [٣/ ٧٣]، المهذب للشيرازي [٦/ ٢٣٢]، شرح العمدة لابن تيمية [٣/ ٢١٥].
(٢) للشافعي، وهو المخالف في هذه المسألة قولان في حكم القبلة والمباشرة للمعتكف، أحدهما: لا يبطل اعتكافه، والآخر: يبطل، ينظر: الأم [٣/ ٢٦٦]، مختصر المزني، ص (١٥٧)، الحاوي [٣/ ٣٧٤]. كما أنَّ له قولين في تحريم الربيبة بقبلة الأم، ينظر: الحاوي للماوردي [١١/ ٢٨٦]، البيان للعمراني [٩/ ٢٥٠].
[ ١ / ٢٧١ ]
فكذلك يجب أن يجعل الأكل عامدًا من غير عذرٍ في وجوب الكفارة كالجماع عامدًا من غير عذرٍ في وجوب الكفارة؛ لأنهما قد استويا في إفساد الصّوم وهتك حرمته من غير عذرٍ.
فإن قيل: لَمَّا كان المحرم إذا وطئ أفسد حجه، وإن قبل لم يفسد، ولم تكن القبلة كالوطء في هذا الموضع، ثبت بهذا أنَّ حكم الوطء أغلظ وأعظم من هذه الأشياء (^١).
قيل له: إنَّما لم تكن القبلة في الحجّ كالوطء فيه؛ لاختلاف فعلها وفعل الوطء في الحج؛ لأنَّ الوطء يفسد الحجّ وليس تفسد القبلة الحجّ إلَّا أن ينزل الماء الدافق مع القبلة، فلهذه العلَّة لم تستو هي والجماع، فأمَّا والأكل عامدًا فقد أفسد الصّوم كما أفسده بالجماع، فوجب أن يستويا في وجوب الكفارة.
ولو لزِمَنَا ما ذكره، للزمه هو أن لا يجعل القبلة كالجماع في إفساد الاعتكاف، وتحريم الربيبة، وتحريم الأمة على أبي المقبِّل وابنه، كما لا يفسدها الحج.
فإن قيل: فأنت تقول: إنَّ المرتد إذا ارتد في يومٍ من شهر رمضان أنَّه لا
_________________
(١) ينظر الاعتراض في: الحاوي للماوردي [٣/ ٢٨٩]، المبسوط [٣/ ٧٣].
[ ١ / ٢٧٢ ]
أقل الاعتكاف
كفارة عليه، فقد نقضت علتك وهو قولك: إنَّ علة وجوب الكفارة؛ إفساد الصّوم وهتك حرمته من غير عذرٍ (^١).
قيل له: ما توهَّمته غلطٌ علينا؛ مِنْ قِبَلِ أنَّ المرتد لم يقصد لهتك حرمة الصّوم، وإنَّما قَصَدَ لهتك حرمة شيءٍ غير الصّوم جَرَّ ذلك إلى إفساد صومه، وبين قصد الإنسان إلى إفساد الصّوم وقصده إلى إفساد شيءٍ يجر إلى إفساد الصّوم فرقٌ.
ألا ترى: أنَّ شهادة النّساء لا تجوز على طلاقٍ ولا فسخ نكاحٍ، ثم يشهدن مع الرّجال في ملك الزّوج للزوجة، أعني: أنْ يشهدوا للزوج باشترائه زوجته أو على الزّوجة باشترائها زوجها، فينفسخ النّكاح متى ثبت الملك، وهم لم يشهدوا على فسخ النّكاح، ولكنهم شهدوا على شيءٍ أدى ذلك إلى فسخ النّكاح.
ومعنى آخر: وهو أنَّ الكفارة تجب فيمن (^٢).
_________________
(١) لم أقف على من قال بهذا الاعتراض، وفي التجريد للقدوري [٣/ ١٤٩٩] كلامًا يشبهه.
(٢) هنا آخر القطعة الموجودة من كتاب الصّيام، وقد نقل التلمساني في شرح التفريع من شرح الأبهري ما يلي: أقلّ الاعتكاف
(٣) - (وأقلّ ما يصحّ من الاعتكاف يومٌ وليلةٌ، والاختيار أن لا يعتكف المرء أقلّ من عشرة أيامٍ) قال في شرح التفريع [٤/ ٣٥٣]: «قال الأبهري: ولا بأس أن يعتكف الإنسان عشرًا أو أقلّ أو أكثر، وإن كان النّبي ﷺ اعتكف أقلّ من عشرة أيّام، ولو وجب أن لا يتجاوز أقلّ ممّا اعتكف رسول الله ﷺ، لوجب أن لا يعتكف إلّا في رمضان أو شوّال؛ لأنّ
[ ١ / ٢٧٣ ]
اشتراط المسجد للاعتكاف
اشتغال المعتكف بمجالس العلم والبيع والشراء
دخول المعتكف المعتكف
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) النّبيّ ﷺ لم يعتكف في غيرهما، وإذا جاز ذلك بإجماعٍ، جاز أن يعتكف أقلّ من عشرة أيام». اشتراط المسجد للاعتكاف
(٢) - (ولا يعتكف أحدٌ إلّا في المسجد ورحابه، ولا يعتكف فوق سطحه، ولا في بيت قناديله، ولا سقائفه) قال في شرح التفريع [٤/ ٣٥٧]: «قال الأبهري: وقد اعتكف النّبيّ ﷺ في المسجد، فيجب أن يفعل على حسب ما فعله النّبيّ ﷺ». وقال أيضًا: «وأما قوله: ولا يعتكف فوق؛ فلأنّ سطحه ليس في حكمه وإن كان في حرمته، ويدلّ على ذلك: أنّه لا تصلّى فيه الجمعة، قال الأبهري؛ ولأنّ النّبيّ ﷺ اعتكف في المسجد دون ظهره». اشتغال المعتكف بمجالس العلم والبيع والشراء
(٣) - (ولا يبيع في المسجد ولا يشتري، ولا يشتغل بحاجةٍ ولا تجارةٍ) قال في شرح التفريع [٤/ ٣٦٩]: «قال الأبهري: ولأنّه لا بدّ له من الأكل في الاعتكاف وغيره، كما لا بدّ له من حاجة الإنسان في الاعتكاف، وغيره، فجاز أن يخرج لهذه الضّرورة إذا لم يجد من يكفيه ذلك». دخول المعتَكِفِ المعتَكَفَ
(٤) - (ويستحب للمعتكِفِ أن يدخل المعتَكَفَ قبل غروب الشّمس من اللّيلة التي يريد الاعتكاف من صبيحتها، فإن دخل بعد غروب الشّمس وقبل طلوع الفجر، أجزأه). قال في شرح التفريع [٤/ ٣٧٤]: «قال الأبهري: ولأنّ أقل الاعتكاف يومٌ وليلةٌ، فاستحبّ له أن يأتي بليلةٍ كاملةٍ مع يومها؛ لأنّ ذلك أقلّ زمانٍ كاملٍ، فإن لم يفعل، فالواجب أن يدخل في وقتٍ يصحّ فيه الصّوم، وهو قبل طلوع الفجر الثّاني؛ لأنّه يصحّ أن ينوي الصّيام في ذلك الوقت، وإن كان قد ترك الاختيار».
[ ١ / ٢٧٤ ]