ومسألة: من أمر لرجل أن يشترى له جارية من بلد من البلدان، فاشتراها له فأرسل إليه بجارية غير التي اشتراها له [فوطئها وهو عالم أنها ليست بجاريته التي اشتراها له فوطئها] (أنه يحد ويلحقه الولد) وعليه قيمتها أمة، فاعلمه انتهى.
والثلاث الأولى داخلة في الاثنتين من الخمس، والرابعة داخلة في الضابط. قوله: "ونفي تسويغ ببت" نفي بالخفض عطفا على علم وبالجر للظرفية، والتسويغ في المبتوتة بأن يتزوجها بعد زوج على الشروط المعلومة.
فصل
[ص]
٤٠٢ - سكوت سيد الوري محمد وقوله وفعاله الأبد
٤٠٣ - أو ما عليه قد أقر سنة والمحدثات بدعة لكنه
٤٠٤ - تجنب إن شملها أدلته كالكتب والضد بدت أمثلته
٤٠٥ - يندب ما دليله قد عمه كمركب ولبسه الأئمة
٤٠٦ - وكتراوح وما قد شمله دليل كره كهو كالمفضله
٤٠٧ - تخص بالنوع من التعبدات وكالزيادة على المحددات
٤٠٨ - مما استحب ويباح ما شمل دليله كمنخل مما نقل
٤٠٩ - حاصلها استنادها لما شهد الشرع باعتباره فلتعتمد
٤١٠ - عليه أو إلغائه عنه يصد أو لم يكونا فإباحة وقد
٤١١ - قال تقي الدين قول عمرا ذي بدعة نعمت وقول من يري
٤١٢ - تقسيمها أي لغة وقوله صلي عليه الله صح نقله
[ ٢ / ٦٧٨ ]
٤١٣ - وكل بدعة ضلالة نعم شرعا لما استناده قد انعدم/ ٢٠٠ أ
٤١٤ - وما دليل فرضه أو ندبه باد فليس بدعة فانتبه
٤١٥ - كجمع مصحف وكشكل ونقط نقش كدرهم ثريا وبسط
٤١٦ - مع مسمع وشبهها فقد أحدثها السلف نعم ما ورد
[ش]
السنة لغة: الطريقة والعادة وهى في الاصطلاح مشتركة بين نوع من العبادات، ونوع من الأدلة. فالسنة في العبادات النافلة التي واظب عليها النبي ﷺ أو فهم منه الدوام لو تكرر سببها كصلاة الكسوف وزاد بعضهم وأظهرها في جماعة وينبني عليه الخلاف في ركعتي الفجر.
والسنة من الأدلة، وهى المراد هنا: ما صدر عن النبي عن غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير بهذا عرفها بعض المحققين، وزاد المؤلف قيد الأبد، احترازا من المنسوخ، فإنه لا يستدل به. وقد أحال هذا الرسم في طرة على هذا المحل بخطه، على فروق القرافي، ولفظه: انظر القواعد والفروق انتهي.
ولم أقف عليه لكنى لم استوعبها مطالعة كما ينبغي. وزيد التقرير، لأنه ﷺ لا يقر أحدًا على باطل لوجوب العصمة.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
وبالتواتر استدل على طهارة فضلاته ﵇ لإقراره شاربة بوله ﷺ.
الإمام أبو عبد الله المقري: قاعدة: كل ما أمن تجدده مما لا يتوقف عليه حكم بتجدد فلا ينبغي التبعثر ولا التفريع عليه بل لا يجوز جعله مورد الظنون عندي، لأن الظن إنما يجوز اعتماده حيث يدل العلم عليه وتدعو الضرورة إليه وقد أكثر الشافعية من أحكام فضلات رسول الله عَ، وأنكحته وزواجه بما خرج من حيز الفضل إلى حيز الفضول، وفتنة اللسن أكبر من محنة الحصر، والمعلوم أنه كان يتوقى من نفسه ما أمر بتوقيه من غيره، ثم لم ينكر من شرب بوله بعد النزول لما غلبه من حسن قصده مع أمنه من اعتماد خلاف/ ٢٠٠ - ب الحكم، ألا تري قوله للآخر (زادك الله حرصا ولا تعد) قوله: "سنة" خبر سكوت. قوله: "والمحدثات بدعة" هو مأخوذ من قوله ﷺ: "إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" فكل ما كان
[ ٢ / ٦٨٠ ]
في كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد عه أو عليه عمل الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان فهو دين الله تعالى يدان به، وما خالفه فهو بدعة وضلالة، وأنشد بعضهم:
وخير أمور الدين ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع
قوله: "لكنه يجب إن شملها أدلة" [الأبيات الخمسة] هذا الكلام مأخوذ من كلام القرافي: في الفرق الثاني والخمسين والمائتين بين قاعدة ما يحرم من البدع وينهى عنه، وبين قاعدة ما لا ينهى عنه منها، قال ﵀:
اعلم أن الأصحاب فيما رأيت متفقون على إنكار البدع نص على ذلك ابن أبى زيد وغيره، والحق التفصيل، وأنها خمسة أقسام قسم واجب: وهو ما تناولته قواعد الوجوب وأدلته من الشرع، كتدوين القرآن والشرائع إذا خيف عليها الضياع فإن التبيلغ لمن بعدنا من القرون واجب إجماعا وإهمال ذلك حرام إجماعا، فمثل هذا النوع لا ينبغي أن يختلف في وجوبه.
والقسم الثاني: محرم وهو كل بدعة تناولتها قواعد التحريم وأدلته من الشريعة كالمكوس [والمحدثات من المظالم] والمحدثات المنافية لقواعد الشريعة كتقديم الجهال على العلماء وتولية المناصب الشرعية لمن لا يصلح لها بطريق التوارث، وجعل المستند في ذلك كون المنصب كان لأبيه وهو في نفسه ليس بأهل.
القسم الثالث: من البدع مندوب إليه وهو ما تناولته قواعد الندب وأدلته كصلاة التراويح وإقامة صور الأئمة والقضاة وولاة الأمور على خلاف ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم بسبب أن المقاصد والمصالح الشرعية لا تحصل إلا بعظمة الولاة/ ٢٠١ - أفي نفوس
[ ٢ / ٦٨١ ]
[الناس وكان] الناس في زمن الصحابة رضوان الله عليهم معظم تعظيمهم إنما هو بالدين وسابق الهجرة حتى اختل النظام وذهب ذلك القرن وحدث قرن آخر لا يعظمون إلا بالصور فتعين تفخيم الصور كي تحصل المصالح، وكان عمر ﵁ يأكل خبز الشعير والملح ويفرض لعامله نصف شاة كل يوم لعلمه بأن الحالة التي هو عليها لو عملها غيره لهان في نفوس الناس ولم يحترموه، وتجاسروا عليه بالمحالفة فاحتاج إلى أن يضع غيره في صورة أخرى تحفظ النظام. وكذلك لما قدم الشام وجد معاوية بن أبى سفيان قد اتخذ الحجاب، واتخذ المراكب النفيسة، والثياب الهائلة العلية، وسلك ما سلكه الملوك، سأله عن ذلك فقال له: إنا بأرض نحن فيها محتاجون لهذا. فقال له: لا أمرك، ولا أنهاك.
ومعناه أنت أعلم بحالك هل أنت محتاج إلى هذا فيكون حسنًا أو غير محتاج إليه فلا يكون حسنًا فدل ذلك من عمر وغيره أن أحوال الأئمة وولاة الأمور تختلف باختلاف الأمصار والأعصار، والقرون والأحوال فلذلك يحتاجون إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن قديما وإنما وجبت في بعض الأحوال.
القسم الرابع: بدع مكروهة، وهى ما تناولته، أدلة الكراهة من الشريعة وقواعدها كتخصيص الأيام الفاضلة أو غيرها بنوع من العبادة وكذلك في الصحيح خرجه مسلم وغيره أن رسول الله ﷺ: "نهى عن تخصيص يوم الجمعة بصيام أو ليلته بقيام". ومن
[ ٢ / ٦٨٢ ]
هذا الباب الزيادة في المندوبات المحددات كما ورد في التسبيح عقب الفريضة ثلاثة وثلاثين، فيفعل هو مائة، وورد صاع في زكاة الفطر، فيجعل عشرة آصع فإظهار الزيادة فيها، إظهار الاستظهار على الشراع وقلة أدب معه، بل شأن العظماء إذا حددوا شيئا وقف عنده وعدّ الخروج عنه قلة أدب، والزيادة في الواجب أو عليه أشد في المنع لأنه/ ٢٠١ - ب يؤدى إلى أن يعتقد أن الواجب هو الأصل والمزيد عليه، ولذلك نهى مالك ﵁ عن إيصال ستة أيام من شوال لئلا يعتقد أنها من رمضان.
وخرج أبو داود: أن رجلًا دخل إلى مسجد رسول الله ﷺ فصلى الفرض وقام ليصلي ركعتين، فقال له عمر بن الخطاب ﵁: "اجلس حتى تفصل بين فرضاك ونفلك، فبهذا هلك من كان قبلنا، فقال له رسول الله ﷺ: "أصاب الله بك يا ابن الخطاب".
يريد عمر أن من قبلنا وصلوا النوافل بالفرائض واعتقدوا الجميع واجبا، وذلك تغيير للشرائع، وهو حرام إجماعًا.
القسم الخامس: البدع المباحة وهى ما تناولته أدلة الإباحة وقواعدها من الشريعة كاتخاذ المناخل للدقيق، ففي الآثار أن أول شيء أحدثه الناس بعد رسول الله ﷺ اتخاذ المناخل لأن تليين العيش وإصلاحه من المباحات فوسائله مباحة فالبدعة إذا عرضت تعرض علي قواعد الشرع وأدلته في شيء تناولها من الأدلة والقواعد ألحقت به من إيجاب أو تحريم أو غيرهما وان نظر إليها من حيث الجملة بالنظر إلى كونها بدعة مع قطع النظر عما يتقاضاها كرهت فن الخير كله في الاتباع والشر كله في الابتداع.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
ولبعض السلف الصالح يسمى أبا العباس الأبياني من أهل الأندلس: ثلاث لو كتبن في ظفر لوسعهن، وفيهن خير الدنيا والآخرة، اتبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع من تورع لا يتسع انتهى.
وقال القاضي أبو عبد الله المقري: قاعدة: القرافي: الأصل في البدع الكراهة إلا أن تتناولها قاعدة غيرها من الأحكام من غير معارض يرد إلى الأصل فليلحق بالمتناول إن اتحد أو بأقوى المتناولين إن تعدد.
قوله: "لكنه" أي الأمر والشأن. قوله: "إن شملها أدلته" أي إن شمل المحدثات أدلة/ ٢٠٢ - أالوجوب. قوله: كالكتب، هو مصدر بفتح الكاف، أي كتب القرآن، والشرائع، وفي طرة بخط المؤلف: أي ككتب الكتب. قوله: "والضد بدت أمثلته" أي ضد الواجب وهو الحرام ظهرت أمثلته.
قوله: "يندب ما دليله قد عمه" أي يندب ما دليل الندب قد شمله.
قوله: "كمركب ولبسة الأئمة" أي كمركب الأئمة ولبستهم، كانت الإمامة كبري أو صغري، وكركب منون لوقوع التنوين موقع نون مفاعلي وهي من وتد فلا تزحف ولولا هذا المانع لجاز الحذف لوجود الشرط.
قوله: "وما قد شمله دليل كره كهو، أي والذي قد شمله دليل الكره من المحدثات كالمكروه فما مبتدأ والخبر كهو. قوله: "كمفضلة تختص بالنوع من التعبدات" أي كالأيام أو الليالي المفضلة تختص بنوع من العبادة، كتخصيص يوم الجمعة بصيام أو ليلته بقيام، أو يقدر كالأزمنة المفضلة، وفي بعض النسخ (أدلة الكره كهو كالفاضلة) والتي كتبناها هي اللائقة لاشتمال هذه على سناد التأسيس، وكهو، في هذه بضم الهاء وسكون الواو وفي التي كتبانها بسكون الهاء.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
قوله: "وكالزيادة على المحددات، أي مما استحب كما إذا علي التكبير والتحميد والتسبيح بأثر الصلاة واحترز بقوله مما استحب من الزيادة علي الواجب فإنه قد يحرم كزيادة ركعة أو أكثر في صلاة من الخمس، وقد يكره كصيام ستة من شوال.
قوله: "ويباح ما شمل دليلها كمنخل" أي رياح من المحدثات ما شمله دليل الإباحة كمنخل الدقيق، وأشار بقوله: "مما نقل" إلى الأثر المذكور أولا وهو:
أول شيء أحدثه الناس بعد رسول الله ﷺ اتخاذ المناخل، أي كمنخل كائن مما نقل من المحدثات.
قوله: "حاصله- إلى قوله- وقد" أصل هذا الكلام للشيخ ابن عرفة﵀ تعالي- أي حاصل المحدثات أو البدع، قال في جواب له علي حكم الدعاء عقب الصلاة علي الهيئة المعهودة في هذه الأعصار: وأما البدع فقد/ ٢٠٢ - ب تكلم الناس عليها متقدم ومتأخر، كالقرافي وعز الدين، وقسموها إلى أقسام، والحاصل استنادها إلى ما حكم الشرع بإلغائه واعتباره، وما ليس بواحد منهما ومجال النظر في جزيئات المسائل. هذا كلامه ومعناه ما قاله المؤلف أن المستند إلى ما شهد الشرع باعتباره يعتمد عليه لكونه واجبا أو مندوبا، والمستند إلى ما شهد الشرع بإلغائه يصد عنه لكونه حراما أو مكسروها وما ليس بواحد منهما يباح قوله: "وقال تقي الدين"- إلى آخره- هو تقي الدين ابن تيمية قال البرزلي أثناء كلامه علي حكم الدعاء عقب صلاة الفرض علي الهيئة الاجتماعية: قال تقي الدين بن التيمية في
[ ٢ / ٦٨٥ ]
قوله في الصحيح: قال ﵇ في خطبته: "خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة" قال: "البدعة ما لم يقم عليه دليل شرعي على أنه واجب أو مستحب سواء فعل على عهده أو لم يفعل، وبالعكس كإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وقتل الترك لما مفعولا بأمره لم يكن بدعة وإن لم يكن مفعولًا علي عهده. وكذا جمع القرآن في المصاحف والإجماع على قيام رمضان ومثل ذلك مما ثبت وجوبه أو استحبابه بدليل شرعي: وقال عمر في التراويح: "نعمت البدعة هذه" أي هذه بدعة في اللغة، لأن البدعة في اللغة ما فعل على غير مثال كما قال الله تعالى: ﴿ما كنت بدعا من الرسل﴾ وليست بدعة في الشريعة، فإن كل بدعة في الشريعة ضلالة كما أخبر به ﵇، ومن قال من العلماء البدعة تنقسم إلى حسن وغيره فتقسيمه في البدعة اللغوية، ومن قال كل بدعة ضلالة فمعنى كلامه البدعة الشرعية، ألا ترى أن علماء الصحابة والتابعين لهم أنكروا الأذان في غير الخمس صلوات كالعيدين وإن لم يكن فيه نهى خاص، وأنكروا استلام الركنين اليمانيين وإن لم يكن في ذلك نهي خاص وكذا الصلاة عقب السعي بين الصفا والمروة/ ٢٠٣ - أقياسًا علي الطواف.
وكذا ما تركه الرسول مع قيام المقتضي كان تركه سنة وفعله بدعة مذمومة، ومعني ذلك لذا كان المقتضي التام موجودا في حياته كوجوده بعد كإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وما تركه لوجود المانع كالاجتماع في صلاة التراويح يدخل في ذلك فإن المقتضى التام عدم المانع.
قال البرزلي: هذا من هذا المعنى، لأنه ﵇ ترك الجمع للتراويح، وقال:
[ ٢ / ٦٨٦ ]
(خفت أن يفترض عليكم) فلما توفي ﵇ ذهب هذا المانع فأحدثه عمر، فذهاب المانع هو المقتضي، كذا الدعاء على هذه الكيفية الخاصة لم يرد عنه صريحا فلما توفي ذهب المانع وهو خوف أن يعد من حدود الصلاة كما اختاره شيخنا الإمام﵀- وهو طرد العلة وعكسها، فمتى وجد المانع منع الحكم ومتى ما فقد ثبت الحكم، صح من نوازله.
وقال محيي الدين النووي حديث: "كل بدعة ضلالة" من العام الخصوص لأن البدعة خمس: واجبة: كترتيب الأدلة على طريقة المتكلمين للرد على الملحدة.
ومندوبة: كوضع التأليف وبناء المدارس والزوايا.
وحرام، ومكروهة وهما واضحتان.
ومباحة: كالتبسط في أنواع الأطعمة، ويشهد لذلك قول عمر﵁- في تراويح رمضان: "نعمت البدعة هذه".
وقال في حديث: "من سن سنة حسنة" هذا الحديث مخصص لعموم حديث "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" فالمراد بالمحدثات التي هي بدع المحدثات الباطلة.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
الأبي: ويدخل في حديث "من سن سنة حسنة، البدع المستحسنة كالتحضير والتأهب والتصبيح ووضع التآليف.
قوله: "عنه يصد" أي عما شهد الشرع بإلغائه يعرض. قوله: "قول عمر" أي ابن الخطاب ﵁. قوله: "ذي بدعة نعمت" أي التراويح بدعة نعمت بدعة، وهذا نقل بالمعنى، ولفظ عمر "نعمت البدعة هذه".
قوله: "وقول من يري تقسيمها" أي لغة، ضمير تقسيمها، يعود علي البدعة وهذا من كلام تقي الدين، وهو قوله: ومن قال من العلماء البدعة تنقسم إلى حسن وغيره فتقسيمه في البدعة/ ٢٠٣ - ب اللغوية، وقول عمر مبتدأ، وقول منيري تقسيمها معطوف عليه والخبر أي لغة على ما تقدره، وإلا فلغة منصوب، وشاع في كلام المصنفين إدخال أي على خبر المبتدأ ليتعين للخبرية، أي قولهما محمول على البدعة لغة، أو معناه في البدعة لغة أو يكون المذكور خبر الثاني وحذف خبر الأول، أو بالعكس.
قوله: "وقوله ﷺ صح نقله، وكل بدعة ضلالة، نعم شرعا لما استناده قد انعدم، هذا أيضا من كلام تقي الدين، وهو قوله: ومن قال كل بدعة ضلالة فمعني كلامه البدعة الشرعية.
ومعني كلام المؤلف، أن البدعة في قوله: "وكل بدعة ضلالة هي اسم لا انعدم إسناده في الشرع، أي لما ليس له في الشرع دليل على الجواز بل فيه ما يدل على التحريم أو الكراهة، وجملة صح نقله من كلام المؤلف معترضة بين المبتدأ والخبر والمبتدأ هو قوله والخبر لما، وجملة وكل بدعة ضلالة، محكية القول ونعم تصديق لهذه الجملة.
قوله: وما دليل فرضه أو ندبه باد فليس بدعة" هو من كلام تقي الدين أيضا.
وهو قوله: والبدعة ما لم يقم عليه دليل شرعي على أنه واجب أو مستحب- إلى قوله:- ومثل ذلك نما ثبت وجوبه أو استحبابه بدليل شرعي.
قوله: "فانتبه كجمع مصحف"- إلى آخره- هذه أمثلة لما دل على وجوبه أو ندبه دليل شرعي، إلا أن تقي الدين لم يمثل منها إلا بجمع المصحف، ولكن البواقي هي في معناه لشهادة الشرع لجنسها بالاعتبار، ويدخل في قوله: (كدرهم الدينار) وفي قوله:
[ ٢ / ٦٨٨ ]
وشبهها القناديل وكون المنبر أكثر من ثلاثة أدراج، وتحزيب القرآن والمحاريب ونحو ذلك، وكجمع يتعلق بانتبه.
وقد سئل البرزلى عن جعل الثريا والقناديل في المساجد، وكون المنبر أكثر من ثلاثة أدراج، هل هذا جائز، أو من السرف كما قال القائل، مع أنه درج على عدم إنكار ذلك سلف صالح مقتدى بهم علما وعملا. فأجاب بما حاصله: إن جعل الحصر والمنبر ومطلق الاستصباح حسن من باب ترفيع المساجد، وقد ورد ثواب جزيل في استصباحه، حكي الزمخشري في تفسير قوله ﷿: ﴿إنما يعمر مساجد الله﴾ - الآية- عن أنس ﵁/ ٢٠٤ - أ (من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوء) قال: والعمارة تتناول رم ما استهدم منها وقمها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح وتعظيمها واعتيادها للعبادة والذكر.
وورد الخبر أيضا في جعل منبر النبي ﷺ، ولذا ثبت في جنسه جاز ترفيعه، وأما كثرة المصابيح في رمضان، فقد طعن فيه بعض المغاربة بأنه بدعة، والصواب أيضا أنه من باب ترفيع المساجد والزمان كما قدمناه، وقد ذكر ذلك عز الدين، ولابن رشد في الشرح: أن من سرق ثرية من ثرياته المعلقة فيه المتشبثة به أو حصيرًا مسمرًا في حائط من حيطانه، أو
[ ٢ / ٦٨٩ ]
خيط إلى سواه من الحصر علي ما روي عن سحنون، فلا خلاف في وجوب القطع علي من سرق شيئا من ذلك تبلغ قيمته ما يجب فيه القطع.
وله أيضا في الشرح: قد قيل: إن معاوية بن أبى سفيان وهو أول من اتخذ المقاصر [في الجامع وأول من أقام على نفسه حريسًا وأول من اتخذ الخصيان في الإسلام] وأول من بلغ درجات المنبر خمسة عشر مرقاة.
قال البرزلي: وإنما ذكرت ذلك لأن بعض الجهلة كسر ما زاد على ثلاثة أدراج من منبر، فرددت عليه بأمور كثيرة، وأن المنبر ما هو إلا على قلة الناس وكثرتهم، مثل منبر القيروان وغيرها من سائر المنابر التي جرى عليها عمل المتقدمين والمتأخرين من سائر القرى والأمصار، ومعاوية من فضلاء الصحابة، وكاتب وحى رسول الله ﷺ، وصهره، وسابقته في الجاهلية والإسلام، ومنزلته مشهورة معروفة، وقد أحدث السلف أشياء لم تكن في الزمن الأول كالجمع على المصحف، والنقط والشكل، وتحزيب القرآن والقراءة في المصحف في المسجد، أول من أحدثها الحجاج وتحصير المساجد في موضع التحصيب، وتعليق الثريات فيها للاستصباح بها، ونقش الدراهم والدنانير أول من أحدثها عبد الملك والناس متوافرون.
وقال البرزلي أيضا: الإجماع على أن من البدع ما هو حسن مثل قول عمر:
"نعمت البدعة هذه" وإخراج اليهود من جزيرة العرب فعله عمر ولم يقع في زمنه ﵇، وجمع الناس على المصحف كما فعله عمر ونقط/ ٢٠٤ - ب المصحف وشكله
[ ٢ / ٦٩٠ ]
كما فعله أبو الأسود الدؤلي ونقش الدنانير ووالدراهم فعل في زمن ابن مروان، وتحزيب القرآن كما فعل في زمان الحجاج، ومحارب مساجد البلاد إلى غير ذلك، وتحصيله أن كل بدعة شهد الشرع باعتبار جنسها ولم تترتب عليها مخالفة لإصل الشريعة فهي [حسنة] وما لم يشهد به الشرع بإهدار ولا اعتبار فلينظر ما يترتب عليه من مصلحة فيعمل عليها، أو مفسدة فيلغيها، وقد نص على هذا التقسيم عز الدين وغيره.
وقال البرزلى أيضا بعد أشياء أنكرها عمر الرجراجي الوارد على تونس وحج ورجع إليها قال: واستقر بها الآن، فمن ذلك ما ذكر عنه من إنكار التسميع خلف الإمام. قال: وللعلماء في صحة الصلاة بالمسمع وصلاة المسمع ستة أقوال فمذهب الجمهور الجواز، بل أعراه ابن رشد من الخلاف في مسألة الرافع صوته بالذكر للإفهام لأنه من ضروريات الجامع.
وانكره حماس بن مروان، ورد عليه لقمان بن يونس بعدم إنكار علماء
[ ٢ / ٦٩١ ]
الأمصار على أهل مكة ذلك، يريد وجريانه بينهم من غير نكير، والرجلان من أصحاب سحنون. وحكي المازري عن بعض شيوخه، أنه صلي بجامع مصر وفيه المسمعون من غير نكير في الجامع لابن شعبان وغيره من علماء مصر في زمانهم.
ونقل المازري عن بعض المتأخرين: إن أذن له الإمام جاز وإلا لم يجز وحكي القاضي في الإكمال: إن لم يتكلف رفع صوته صح وإلا فلا.
والقول الخامس: إن اكثر الناس في غير صلوات الفرض كالعدين والجنائز صح وإلا فلا.
والسادس: يضاف إلى هذا صلاة الجمعة قال واستدلوا على ذلك بحديث صلاة آبي بكر بصلاة النبي كه في صلاة الناس بأبي بكر متبعين له في أقواله وفعاله وبما وقع في المدونة من قوله: ولا بأس بالصلاة في دور محجورة بصلاة الإمام في غير الجمعة إذا رأوا عمل الإمام، والناس والعمل يطلق على القول والفعل.
واحتج عليه ابن رشد بأن عمر ﵁ كان إذا قرأ بسورة فيها ذكر النبي ﷺ يعلي صوته (لكي) يسمع/ ٢٠٥ - أأصحاب حجر النبي ﷺ.
وبالجملة فما عليه السلف والخلف من جواز هذا الفعل حجة بالغة على من خالفهم فكيف بمن فسقهم، أو بدعهم وضللهم فهذا مخالف للجماعة جدير بهذه
[ ٢ / ٦٩٢ ]
الأوصاف أو بعضها أو مكابر للبيان أو جاهل بالعلم لا عقل له.
قوله: "نقش كدرهم" هو بإضافة نقش إلى الكاف. قوله: "نعم ما ورد عن" أي عن السلف الصالح، نكت بهذا المدح على المنكر لبعض الأمثلة السابقة كالرجراجى.
[ص]
٤١٧ - تنبيه اعلم في الدعا تردد أثر الصلاة باجتماع يوجد
٤١٨ - وقيل إن لها أضيف منعا وحسنه إن لم يضف قد سمعا
[ش]
البرزلي: ومما أنكره أيضا- يعنى الرجراجي- الدعاء عقب الصلاة إما مطلقا وإما على هذه الصفة الخاصة التي الناس عليها اليوم، ثم ذكر البرزلي من حلية النووي أحاديث الدعاء دبر الصلوات من حيث الجملة، وهى كثيرة كحديث الترمذي قيل لرسول الله ﷺ، أي الدعاء أسمع قال: "جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات" وفي الصحيحين قال: "كنت اعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير وفي مسلم] عن ثوبان كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاث مرات، وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام".
قال الأوزاعي: يقول: "أستغفر الله أستغفر الله".
وفي الصحيحين أيضا كان إذا فرغ من الصلاة قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت".
وفي حديث معاذ: "لا تداع في كل صلاة آن تقول اللهم أعني علي ذكرك وشكرك
[ ٢ / ٦٩٣ ]
وحسن عبادتك".
وفي كتاب ابن السني عن انس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ إذا قضي صلاته مسح جبهته بيده اليمنى ثم قال: "أشهد أن لا إله إلا الله الرحمن الرحيم اللهم أذهب عني الهام والحزن" وفيه من طريق أبي أمامة قال: / ٢٠٥ - ب ما دنوت من رسول الله ﷺ في دبر صلاة مكتوبة ولا في تطوع إلا سمعته يقول: "اللهم اغفر لي ذنوبي وخطاياي كلها، اللهم انعشني واجبرني واهدني لصالح الأعمال والأخلاق إنه لا بهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت" وفيه من طريق أنس: كان إذا انصرف من الصلاة يقول: اللهم اجعل خير عمري آخره وخير عملي خواتمه، واجعل خير أيامي يوم لقائك".
وفيه أنه كان يقول في دبر الصلاة: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر".
وفيه بإسناد ضعيف من طريق فضالة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله، والثناء عليه، ثم يصلى على النبي ﷺ، ثم ليدع بما شاء".
[ ٢ / ٦٩٤ ]
وفي سنن ابن ماجه من طريق أم سلمة قالت: كان إذا صلى الصبح قال: "اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، وعملًا متقبلًا ورزقًا طيبًا".
وفيه من طريق صهيب كان يحرك شفتيه بعد صلاة الفجر (يقول): "اللهم أحاول وبك أصاول، وبك أحول" وغير ذلك من الأذكار.
قال: والحاصل أن هذه أحاديث نص في تحصيل مطلق الدعاء عقب الصلوات وطريق التجميع والتأمين مأخوذ أصل شرعه من الحديث الآخر الذي ذكر أنه ضعيف، ومن التأمين بعد أم القرآن للمأموم فهو يقرب من النص في عين النازلة، لأنه إذا ثبت في الشرع في الصلاة التي هي محصورة الأركان والصفات فأحرى مع الإطلاق.
ثم قال: وأما إنكار الهيئة الخاصة فسئل عز الدين عن الدعاء عقب السلام هل يستحب للإمام في كل صلاة أم لا؟ فأجاب: كان ﵇ يأتي بعد السلام بالأذكار المشروعة، ثم يستغفر ثلاثًا، ثم ينصرف، وروي أنه كان يقول: "رب قني عذابك يوم تبعث عبادك" والخير كله في إتباع الرسول ﷺ وقد استحب الشافعي للإمام أن ينصرف عقب السلام.
البرزلي: وكلامه هو يحتمل آن يكون دليلا علي الجواز ويكون قول الشافعي ينصرف أي من موضع الإمامة لما قال أنه يأتي بالأذكار، أو أوقفه على ما ذكر خاصة قال: وسئل/ ٢٠٦ - أعنه بعض متأخري التونسيين، ونصه: ما تقول في الدعاء دبر الصلوات والناس يؤمنون كما هي عادة الناس في البلاد هل هو سنة أو بدعة [مستحسنة فإن قلتم مستحسنة فمن استحسنها؟ وإن قلتم إنه بدعة] وكذا بسط الكفوف في الدعاء؟ فأجاب: الدعاء بعد الصلاة على الوجه الذي ذكرت بدعة، وكذا قول المؤذن عند ظهور الفجر: أصبح ولله الحمد، بدعة.
[ ٢ / ٦٩٥ ]
البرزلي: لم يجب عن سؤاله كله، لأنه لم يبين هل هي بدعة مستحسنة أو لا؟
ومن قال ذلك. قبل قال: ويأتي الكلام على حكم قول المؤذن في كتاب الأوائل أول من أحدث الدعاء بعد الصلاة واستحسنه الإمام المهدي ويحتمل أن يستند إلى قوله تعالى: ﴿فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب﴾.
وحكى عنه أيضا أنه أول من أمر المؤذن أن يقول: أصبح ولله الحمد. وكان من تقدم قبله من أهل هذه البلاد يقولون: أصبح الصباح بالعافية، فما أقل رونقها قال: وسئل عن المسألة شيخنا الإمام المفتى ﵀، وذلك أن إماما ترك الدعاء إثر الصلاة بالهيئة الاجتماعية المعهودة في أكثر البلاد، يدعو الإمام ويؤمن الحاضرون، ويسمع المسمع إن كان وصار هذا الإمام إذا سلم من الصلاة قام إلى ناحية من نواحي المسجد، أو مضى لحاجته، وعد فعل الناس بدعة محدثة لا ينبغي أن تفعل بل من شاء أن يدعو حينئذ لنفسه بغير هيئة. الاجتماع، فأنكر عليه ذلك، فقال: هذا هو الصواب حسبما نص عليه العلماء فبلغت الشيخ الأستاذ أبا سعيد بن لب فأنكر ترك الدعاء إنكارا شديدا، ونسب ذلك الإمام إلى أنه من القائلين إن الدعاء لا ينفع ولا يفيد، ولم يبال إن قيد في ذلك تأليفا سماه (لسان الأذكار والدعوات مما شرع في أدبار الصلوات) ضمنه حججًا كثيرة على صحة ما الناس عليه، جملتها أن غاية ما يستند إليه المنكر أن التزام الدعاء على الوجه المعهود إن صح أنه إن لم
[ ٢ / ٦٩٦ ]
يكن من عمل السلف، فالترك ليس بموجب للحكم في المتروك إلا جواز الترك، وانتفاء الحرج فيه خاصة، وأما تحريم أو كراهة فلا، لا سيما فيما له أصل/ ٢٠٦ - ب جلى كالدعاء، فإن صح أن السلف لم يعملوا به فقد عمل السلف بما لم يعمل به من قبلهم مما هو جائز كجمع المصحف ثم نقطه، وشكله، ثم نقط الآي، ثم الفواتح والخواتم، وتحزيب القرآن، والقراءة في المصحف في المسجد، وتسميع المؤذن تكبير الإمام، وتحصير المسجد عوض الحصيب، وتعليق الثريا، ونقش الدرهم والدنانير بكتاب الله، وقال عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور وكذا يحدث لهم ترغيبا بقدر ما أحدثوا من الفتور، وجاء آفة العبادة الفترة، وفي القرآن: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾.
ثم ذكر أن في تلك الهيئة فوائد مثل أن أكثر الناس لا يعرف ما يدعو به ويدعو بما لا يجوز وقد يلحن في الدعاء وقد لا يستنبط له وحده فإذا اجتمع عليه ارتفع المحذور، وأتى بأحاديث الدعاء بأثر الصلاة وتأول كلام السلف والعلماء في قيام الإمام من مجلسه أثر السلام فأشكل على الأمر في المسألة جدا فلكم الثواب في بيان الصواب في المسألة وقد وقعت بفاس أيضا هذه المسألة واختلف شيوخهم، وفي هذا السؤال أيضا السؤال عما تتميز به البدعة الحسنة من القبيحة.
البرزلي: أجاب شيخنا الإمام: حاصل هذه المسألة ما حكم الدعاء على هذه الهيئة المعهودة في هذه الأعصار عقب صلاة الفرض، وقد سألني عنها بعض الواردين علينا من مدينة سلا منذ نحو من عشرة أعوام.
والجواب: أن إيقاعه إن كان على نية أنه من سنن الصلاة أو فضائلها فهو غير جائز وإن كان مع السلامة من ذلك فهو باق على حكم أصل الدعاء، والدعاء عبادة شرعية فضلها من الشريعة معلوم عظمه، ولا أعرف فيها في المذهب نصا، إلا أنه وقع في العتبية في كتاب
[ ٢ / ٦٩٧ ]
الصلاة كراهة مالك الدعاء بعد الصلاة قائما فمفهومه عدم كراهته جالسًا.
وفي العتبية أيضًا كراهة مالك الدعاء عقب ختم القرآن ولكن الأظهر عندي جوازه وقد ورد بذلك أحاديث في المصنفات كسنن النسائي وغيره لا يخلو بعضها عن كون سنده صحيحا/ ٢٠٧ - أوأما البدع فقد تكلم الناس عليها متقدم ومتأخر كالقرفي، وعز الدين، وقسموها إلى أقسام، والحاصل استنادها إلى ما شهد الشرع بإلغائه واعتباره وما ليس بواحد منهما، ومجال النظر في المسائل طويل، والله تعالى الموفق للصواب. انتهى.
وجواب ابن عرفة هذا هو مراد المؤلف بقوله: "قيل إن لها أضيف منعًا" البيت أي أضيف للصلاة على معنى أنه إن وقع على نية أنه من سنن الصلاة أو فضائلها وحاصل ما ذكر المؤلف ثلاثة أقوال: القول بإطلاق أنه بدعة مستحسنة، القول بإطلاق أنه بدعة قبيحة القول بالتفصيل وهو قول ابن عرفة رحمه الله تعالى.
وقال أبو عبد الله الأبي أثر كلامه على أحاديث الدعاء والذكر بعد الصلاة: وذكر عبد الحق إثر هذه الأحاديث أحاديث أماكن قبول الدعاء وأن منها الدعاء أثر الصلاة وذلك يدل على عدم كراهة الدعاء إثر الصلاة كفعل الأئمة والناس اليوم وكان الشيخ الصالح أبو الحسن المنتصر رحمه الله تعالى يدعو إثر الصلوات، وذكر لبعضهم أن في كراهته خلافا، وأنكره الشيخ وقال: لا أعرف فيه كراهة.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
قلت: ذكرها القرافي عن مالك في آخر ورقة من القواعد، وعللها بما يقع بذلك في نفس الإمام من التعاظم انتهي.
ونص السؤال السلوى سأل أهل سلا الإمام أبا عبد الله بن عرفة عن إمام الصلاة إذا فرغ منها هل يدعو ويؤمن المأمومون أم لا؟ فإنه قد استمر ببلاد المغرب وفي بعض نواحيه كراهة هذه الصفة، فقد يصلى الإمام في بعض المواضع ولا يدعو فتشمئز قلوب المأمومين، فالغرض من سيدنا بيان الحكم في ذلك وإزالة الإشكال بما أمكن فأجاب: مضى عمل من يقتدي به في العلم [والدين من الأئمة] على الدعاء بأثر الذكر الوارد بأثر تمام الفريضة، وما سمعت من ينكره إلا جاهل غير مقتدى به، ورحم الله بعض الأندلسيين لما أنهى إليه ذلك آلفا جزء في الرد علي منكره وخرج عبد الرزاق عن النبي ﷺ أنه سئلا أي الدعاء أسمع قال: "شطر الليل الآخر وأدبار المكتوبة" وصححه عبد الحق، وابن القطان.
وقد ذكر الإمام/ ٢٠٧ - ب الراوية المحدث أبو الربيع في كتاب مصباح الظلام عن النبي ﷺ أنه قال: "من كانت له إلى الله حاجة فليسألها دبر صلاة مكتوبة" والله حسيب أقوام ظهر بعضهم ولا يعلم لهم شيخ ولا لديهم مبادئ العلم الذي يفهم به كلام العرب والكتاب والسنة يفتون في دين الله بغير نصوص السنة.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
وأجاب كبير تلامذته وقاضي الجماعة بتونس أبو مهدي عيسي الغبريني: الصواب جواز الدعاء بعد الصلاة على الهيئة المعهودة إذا لم يعتقد كونه من سنن الصلاة أو فضائلها، أو واجباتها، وكذلك الأذكار بعدها على الهيئة المعهودة كقراءة أسماء الله الحسني ثم الصلاة علي النبي ﷺ مرارًا ثم الترضي عن الصحابة ﵃، وغير ذلك من الأذكار بلسان واحد انتهي.
الإمام أبو عبد الله بن مرزوق: تكلم بعض من أدركناه من أئمة المغرب في الدعاء المحدث عقب الصلوات في الجوامع والمساجد، وألحقوه بالبدع المحدثة، وألف بعضهم في ذلك، واحتج عليهم بعض من أجازه بما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي بكر الصديق ﵃، أنه قال لرسول الله ﷺ: علمني دعاء أدعو به في صلاتي. فقال: "قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم".
وبكلام عياض في هذا المحل، وإلى المنع منه مال الشيخان الإمامان الأوحدان أبو زيد وأبو موسي ابنا الإمام ﵄ وقطع الجامع بتلمسان مرة ثم غلب الإلف واستشنع الناس هذا القطع وعاد الأمر في ذلك إلى العادة.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
الشيخ أبو إسحاق الشاطبي: بدعة التزام الدعاء بأثر الصلوات دائما على الهيئة الاجتماعية بلغت ببعض أصحابها إلى أن كان الترك لها موجبا للقتل عنده، حكى أبو الخطاب ابن خليل حكاية عن أبى عبد الله بن مجاهد العابد أن رجلا من عظماء الدولة وأهل الوجاهة فيها- كان موصوفا بشدة السطوة وبسط اليد - كان نزل في جوار ابن مجاهد/ ٢٠٨ - أوصلي خلفه في مسجده الذي كان يوم فيه وكان لا يدعو في أخريات الصلوات تصميما في ذلك علي الذهب، يعني مذهب مالك لأنه مكروه في مذهبه، وكان ابن مجاهد محافظًا عليه فكره ذلك الرجل منه ترك الدعاء وأمره أن يدعو فأبى وبقي علي عادته في تركه في أعقاب الصلوات، فلما كان في بعض الليلي صلي ذلك الرجل العتمة في المسجد، فلما انقضت وخرج ذلك الرجل إلى داره قال لمن حضره من أهل المسجد: قد قلت لهذا الرجل يدعو بعد الصلوات فأبي فإذا كان غدوة غد أضرب رقبته بهذا السيف وأشار إلى سيف في يده، فخافوا على ابن مجاهد العابد من قوله لما علموا فرجعت الجماعة بجملتها إلى ابن مجاهد فخرج إليهم فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: والله لقد خفنا عليك من هذا الرجل، وقد اشتد الآن غضبه عليك في تركك الدعاء، فقال لهم: لا أخرج عن عادتي فأخبروه بالقصة فقال لهم- وهو مبتسم-: انصرفوا ولا تخافوا، فهو الذي تضرب عنقه غدوة بذلك السيف بحول الله ودخل إلى داره، وانصرفت الجماعة ذعرا من قول ذلك الرجل فلما كان مع الصبح من الغد وصل إلى دار الرجل قوم من [صنفه من عبيد المحزن وحملوه حمل المغضوب عليه وتبعه قوم من] أهل المسجد ومن علم حال البارحة حتى وصلوا به إلى
[ ٢ / ٧٠١ ]
دار الإمارة بباب جوهر، فن أشبيلية وهنالك أمر پضرب رقبته فضربت بسيفه ذلك، تحقيقًا للإجابة وإثباتًا للكرامة.
[ص]
٤١٩ - وهل دعى الأذين ليلًا والندا لها بغير لفظه وما بدا
٤٢٠ - من قوله أصبح والله حمد مستحسنات لا نعم ذا فاعتمد
٤٢١ - لشاهد الشرع بأن الجنسا معتبر فطب بذاك نفسا
[ش]
الأذين المؤذن، والمعنى أنه اختلف في دعاء المؤذن بالليل وفي النداء للصلاة بغير لفظ الأذان كالتأهيب والتحضير وفي التصبيح، وهو قول المؤذن عند طلوع الفجر أصبح ولله الحمد، هل هي بدعة مستحسنة، فقيل/ ٢٠٨ - ب لا، وقيل نعم، والثاني هو الصحيح وعليه الاعتماد.
والتأهيب: قول المؤذن تأهبوا للصلاة. والتحضير قوله: احضروا للصلاة أوحضرت الصلاة.
وقد ذكر الإمام البرزلي الخلاف في هذه الثلاثة، واختار أنها مستحسنة وإياه تبع المؤلف. والله أعلم.
البرزلي: ونما أنكره أيضا- عمر الرجراجي- الدعاء لصلوات الفرض بغير لفظ الأذان وقد جرى به عمل الناس في الحواضر والأقاليم.
وفي كتاب الجهاد من مسلم في حديث "ناد الصلاة جامعة" ما حفظ للنووي قال
[ ٢ / ٧٠٢ ]
يؤخذ منه الجواز بالإيذان بالصلاة وكذا قوله: "ألا صلوا في الرحال" في الليلة المطيرة.
وفي الأذكار له: من الصلوات غير الفرائض ما يستحب أن يقال فيه الصلاة جامعة مثل العيد والكسوف والاستسقاء، ومنها ما لا يستحب فيه كسنن الصلوات والنوافل المطلقة، ومنها ما اختلف فيه كصلاة التراويح والجنائز فظاهره مطلقا حيث كان وأحفظ لابن رشد إنما ذلك عند أبواب المساجد، لا داخلها.
البرزلي: والأمر محتمل، قال: ومن الدليل العام على جواز الدعاء للصلاة بغير الأذان غير ما تقدم، قوله ﷿: ﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله﴾ لأنها نزلت في المؤذنين ونحوهم، وقال ﵇: "ما من داع يدعو إلى هدى إلا كان له أجره وأجر من عمل به" والدعاء إلى الصلاة هدى فتجب راجحيته إلى غير ذلك مما يطول بنا جلبه، قال: ومما سمعت عنه أيضا: أنه أنكر التأهيب يوم الجمعة، وأمر بقطعه وجعله حرامًا
[ ٢ / ٧٠٣ ]
وبدع فاعله، وسمعت عنه أكثر من هذا، وهذا لم يقل به أحد من علماء الأمة، بل الناس فيه علي مذهبين فمنهم من كرهه، لأنه لم يكن في زمنه ﵇ ولا الخليفتين بعده.
ومنهم من استحبه وراعى فيه المعنى من الأذان قبل الفجر في صلاة الصبح للحرص على المبادرة بها أول الوقت.
ولما ورد من الرغبة في التبكير والتهجير بها ولم يكن في ذلك الزمن الأول لعدم المقتضى فلما كان زمن، عثمان ﵁ ثبت المقتضى وهو كثرة الناس فأحدث الأذان الثاني [في الوضع والأول في الزمان ليجتمع الناس فيكون/ ٢٠٩ - أالآذان الثاني] الذي كان في زمن النبي ﷺ وليس ذلك بخلاف للسنة، فأحدثه بالزوراء بالسوق- وهي دار له- أمر المؤذن أن يعلو علي سطحها وينادي ليتأهب الناس للصلاة ويجتمعوا.
واختلف في هذا الذي أحدثه عثمان ﵁ فمنهم من قال: إنه كان يقول قبل الزوال الصلاة حضرت رحمكم الله، لا الأذان المجموع المعهود ويكون قبل الزوال.
وروى عن ابن حبيب: أنه أجاز الأذان قبل الزوال يوم الجمعة، والذي قبله حكاه بعض شرح الرسالة عن عثمان ﵁، فهو نص في عين النازلة.
ثم قال البرزلى بعد كلام: والدليل على صحة ما ذهبنا إليه الثابت في الأمصار من الزمن الأول إلى هلم جرا ووضعه أصحاب علم الأوقات في آلاتهم ورسموه كما رسموا وقت الظهر والعصر، وكل ما يدل على الدعاء للصلاة مما قدمناه يدل على هذا، وقد رأيتهم بالقيروان يعملون ذلك على منارلها ثلاث مرات، الأول يقول فيه تأهبوا إلى الصلاة، والثاني أعزموا على الصلاة، والثالث: الصلاة حضرت وبعد يصعد الإمام على المنبر ويجعلون حينئذ من يطوف بالأسواق يحضر ويقيم الناس من حوانيتهم، والفقهاء فيها متوافرون وفهموا من الشريعة أن هذا خفيف إذ لم يرد ما يخالفه من السنة والأعمال بالنيات.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
قال: ومما أنكره أيضا، لفظ التصبيح في الفجر، وقد بينا في هذا التقييد أن أول من اتخذه الإمام المهدي مستدلًا عليه، وهذا لا يخلو إما أن ينكر الهيئة الاجتماعية من الأذكار قبل الصبح مع ذكر الأصباح، أو إنما أنكر أصبح ولله الحمد فإن كان الثاني فقد تقدم أن بعض متأخري التونسيين قال: هو بدعة، كما قال هذا، وعندي أنها جائزة إذ لم يرد فيها من الشرع ما يمنعها، بل ورد ما يدل عليها منها: قوله في حديث: "إن بلالًا ينادي بليل وقوله في ابن أم مكتوم: "وكان أعمي لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت". أي قاربت الصباح أو دخلت فيه.
ووجه الأخذ منه: أن ابن أم مكتوم فقد حاسة البصر فلا يرى الفجر فيخبر ويعين له أنه دخل في الصباح، والنائم فقد حاسة البصر، بل والتعيين الذي يدرك به الأشياء فينادى/ ٢٠٩ - ب من يوقظه، بذلك ومنه ما كان ﵇ يقول: "اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنًا والشمس والقمر حسبانًا اقض عني الدين واغنني من الفقر، ومتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك" وقوله تعالى: ﴿فالق الإصباح﴾ الآية [فاستنباط منه المؤذن عند الفجر اللهم فالق الإصباح] بقدرته، ومجرى ﴿الرياح بشرا بين يدي رحمته﴾، ﴿ويمسك السماء أن تقع علي الأرض إلا بإذنه﴾ وقدرته، ﴿إن الله بالناس لرءوف رحيم﴾ إلى آخر ما يذكر الأدعية والآي، وهذا أحسن في التذكير ينبه الغافل والنائم ويهدى للخروج للجماعة، وتقدم أن النبي ﷺ كان إذا مر بالرجل يقول: "قم يا نائم" أو يحركه برجله.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
وأما إن أنكر الهيئة المجموعة من الأذكار وغيرها، فقد حكى ابن سهل أنه حسن وإنما اختلف فقهاء الأندلس إذا كان يكثر من ذلك حتى يؤثر عند الجيران قله النوم هو من ضرر الأصوات التي تمنع إذا طلب ذلك الجران أم لا؟
والمعروف الذي أفتى به ابن عتاب والميلي وغيرهما جواز ذلك ولا ضرر فيه بل فيه التذكير.
قال الميلي: ما صنعه سليمان مأمور به من الدعاء وقراءة القرآن وتذكير الناس وتخويفهم قديم من فعل الصالحين والمسلمين الزهاد في أمصار المسلمين. وقد كان عروة ابن أذينة يقوم بالليل فيصيح في الطرق ويخوفهم ويحضهم بقول الله تعالى: ﴿أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون﴾ ثم يقبل علي صلاته فيصلي حتى يصبح إلى آخر ما ذكر.
وأجاب ابن عتاب ما احتسب على سليمان أنه يقوم في جوف الليل يؤذن على سقف المسجد ويبتهل في الدعاء ويتردد في ذلك فليس في هذا حسبة إلا في القيام على سطح المسجد لما يتوقع من فساد بالصعود عليه، وقد أذن الله أن ترفع والاحتساب على سليمان غير سائغ إذا ذاك ذكر الله وهو ينشرح إليه صدور أهل الإيمان وتطمئن إليه قلوبهم ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ ومتى عهد من أذن بالأسحار وابتهل/ ٢١٠ - أ
[ ٢ / ٧٠٦ ]
بالدعاء والاستغفار أن يوقف مواقف الإقرار والإنكار، أما سمع قول الله ﷿: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾.
وقد حكي مالك: أن الناس في الزمن الأول كانوا عند خروجهم لأسفارهم يتواعدون لقيام القراء لقيامهم بالأسحار فيسمعون أصواتهم من كل منزل.
وقال أيضا على ما يفعله الناس اليوم من التحضير: أي قول المؤذن قد حضرت الصلاة قد أخذ استنباط هذا الحكم من حديث أمر النبي ﷺ: "بأن ينادى الصلاة جامعة" مع غيره من سائر الأحاديث وعمومات الكتاب والسنة المقتضية لذلك مثل قوله تعالى: ﴿وتعاونوا علي البر والتقوى﴾ "والله في عاون العبد ما دام العبد في عون أخيه" "وخياركم أنفعكم لأمتي" وقوله: "ما من داع يدعو إلى هداي إلا كان له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة" واحفظ في سنن أبى داود أنه ﵇ كان إذا خرج إلى الصلاة فيمر برجل إلا قال له "قم، أو حركه برجله".
وقوله الصلاة حضرت يقصد به التثويب إلى الصلاة.
قال النووي: كما هو عندنا اليوم، وأخذه من حديث الصلاة جامعة، وقيل غير ذلك وقد بسطنا القول فيه في غير هذا، وإجماع هذا القطر مع قطر المشرق على جواز هذا دليل واضح على صحته، لأن الشرع شهد باعتبار جنسه لا إلغائه وقد قال الحاكم المحدث في مستدركه: ما جري عليه العمل من المتقدمين والمتأخرين من نقش الحجارة عند رءوس الموتى
[ ٢ / ٧٠٧ ]
دليل على أن ما ورد في ذلك، من النهى ليس عليه العمل. فكيف بهذا الذي لم يرد فيه وإنما فيه كراهة مالك له على أصله خشية أن يعتقد من أحكام الصلاة أو من سننها أو من فرائضها كالأذان كما كره صوم ست من شوال مع ورود الحديث الصحيح به، وكره التسمية في الوضوء على إحدى الروايات عنه، وقراءاته [يس] عند المريض لتسهيل الموت، وغير ذلك فإذا أسلم الإنسان من هذا الاعتقاد جاز مع ما دل عليه من الأحاديث والآثار وثبوته بالقياس على عكس العلة.
وأما قوله: إنه بدعة، وعموم القول في كونها ضلالة فهو خطأ بين/ ٢١٠ - ب إذ الإجماع علي أن من البدع ما هو حسن، وانظر تمام كلامه، وقد نقلنا بعضه فيما تقدم.
وقال الإمام أبو عبد الله الأبي عند كلامه على قوله ﷺ: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد، قال: ما ليس من أمره هو ما لم بسنة ولم يشهد الشرع [باعتباره فيتناول المنهيات، والبدع التي لم يشهد الشرع] باعتبارها وأما التي شهد الشرع باعتبار أصلها فهي جائزة وهى من أمره كالبدع المستحسنة كالاجتماع علي قيام رمضان، وكالتصبيح اليوم، والتحضير والتأهيب، فإن الشرع شهد باعتبار جنس مصلحتها، فإن الأذان شرع لمصلحة الإعلام بدخول الوقت، والإقامة شرعت للإعلام بالدخول في الصلاة، والتصبيح والتأهيب والتحضير من ذلك النوع لما ني الثلاثة من مصلحة الإعلام، بقرب حضور الصلاة ولا في التأهيب من الإعلام بقرب حضور الصلاة، ولما في التأهيب من الإعلام بأنه يوم الجمعة لمن ليس عنده شعور بذلك، ويشهد لذلك زيادة عثمان ﵁ أذانا بالزوراء يوم
[ ٢ / ٧٠٨ ]
الجمعة على ما كان في زمنه ﷺ وزمن الخليفتين من بعده وإنما زاده لمصلحة المبالغة في الإعلام حين اكثر الناس انتهى.
قوله: "لها" أي للصلاة. قوله: "بغير لفظه" أي الأذان، قوله: "وما بدا من قوله أصبح والله حمد" أي والذي ظهر من قول الأذين أصبح وقد حمد الله بقوله ولله الحمد. قوله: "مستحسنات" خبر دعا وما عطف عليه، أي هذه الثلاثة مستحسنات أولا؟ قوله: "لا نعم" هو جواب السؤال، أي قيل لا، وقيل نعم وهو المحتار وإليه أشار بقوله: "ذا فاعتمد لشاهد الشرع بأن الجنس معتبر" أي هذا القول القريب اعتمده لشاهد الشرع لجنسه بالاعتبار كما سبق من كلام البرزلي، ثم أكد الأمر باعتباره بقوله: "فطب بذلك نفسًا" ولما بعد ذلك القول لما وقع بعده من الكلام أشار إليه بذلك، أو تعظيمًا له لمصلحته.
قال الإمام أبو عبد الله المقري وأبو الحسن الصغير: حدثني العلامة أبو محمد إبراهيم الأبلي: أنه سأله عن رواية في المهدي فقال: عالم سلطان. قال: فقلت له: قد وافقت الغرض فلا تزد/ ٢١١ - أ.
[ص]
٤٢٢ - وفي تغير الصوم والبوق نقل تردد
[ش]
أي والبوق له أي للصوم، أو يقدر وبوقه على قول الكوفيين أن ال تقع بدلًا من الضمير.
البرزلى: ومنها ما وقع الإنكار فيه وهو النفير والبوق في شهر رمضان للإشفاع
[ ٢ / ٧٠٩ ]
والسحور، فقد سألت شيخنا الفقيه أبا القاسم الغبرينى﵀- وهو في سقيفة داره وقد جعل ذلك قريبا من داره وأظنه لولادة نفاس، فقال لي: يا فقيه ما رأيته في جامع الزيتونة. فقلت له: جامع الزيتونة لا يكون حجة إلا إذا أقره العلماء وأباحوه، فسكت عني.
وسألت عنه شيخنا الإمام﵀- فقال: وقع هذا في أيام قضاء ابن عبد السلام بعثت إليه قاضى القيروان بأنه قد أنكر النفير على المنار بعض من هنا وقال: هي معصية في أفضل الشهور وأفضل الأماكن وأدل قبلة اختطت بالمغرب وهو جامع القيروان، فكتب به القاضي لابن عبد السلام، فأجاب: إن عاد إلى مثل هذا فأدبه.
قلت له: الذي قال به هو الصواب إذ لم يجز البوقات في الأعراس إلا ابن كنانة وهذا ليس منهما، وأجابني بأن هذه البوقات لها لذة في النغمات وسماع الأصوات كما يقال إنها بالأندلس وأما هذه فهي أصوات مفزعة تفزع حتى الحمار قلت له: الحمار يفزع من كل ما لم يألف، فلم يكن من جوابه إلا هذه قوارع لا لذة فيها ولا يترتب عليها مفسدة إلا إيقاظ النائم للسحور على ما ورد فيه الفضل أو من قيام الليل أو نحو ذلك.
وتحصيله أنهم استعملوها وذلك دليل على جوازها، ونحو هذه المسائل التي فيها خلاف بالجواز والكراهة لا ينبغي أن ينتصب الرجل لخلاف الجماعة فيها لأن ذلك يقتضى كونه لأجل ظهوره.
وفي موضع آخر من نوازل البرزلي: وعلي ظني أني وقفت عليها- يعني البوقات في رمضان في الجوامع لابن الحاج المتأخر، وأنه أنكرها في جملة ما أنكر.
[ ٢ / ٧١٠ ]
وفي موضع آخر من النوازل المذكورة: وسألت عنها- يعنى عن البوقات- شيخنا المفتي الغبريني واحتج علي بما/ ٢١١ - ب وقع في جامع الزيتونة، فقلت له: ليست بحجة لأن الفقهاء لم يجيزوها إلا في الأعراس خاصة أجازها ابن كنانة. فسكت عنى وسألت عنها شيخنا الفقيه الإمام، فأجاب بالجواز وأن البوقات المذكورة في الأعراس غير هذه، فيها طرب يعلمها أهل الأندلس، وأما هذه فتنفر الحمر.
فقلت له: الحمار ينفر من كل ما لا يألف ولعل هذا منها.
وذكر ابن عبد السلام أمر بأدب المنكر لهذا إن عاد، ونزلت بالقيروان وفيها وقعت الفتيا انتهي.
فقلت: أصوب مما وقع بالقيروان وتونس ما عليه أهل فاس من كون البوقات على سطح قريب من لا على المنار نفسه لما فيه من تعظيم حرمات الله.
المنكر لنفير الصوم، وفي معناه البوق، بعض القرويين ممن عاصر ابن عبد السلام ونكرهما الفقيه الصالح سيدي عمر الرجراجي [والمجيز ابن عبد السلام، وابن عرفة، وأبو القاسم، واليه ميل البرزلي، والرجراجي] المذكور من كبار فقهاء فاس، ومن الصالحين عاصر البرزلي، وورد على تونس في سفره للحج وسكنها، وأنكر على أهلها أمورًا منها: ألفاظ في الخطبة، والصلاة حضرت أو جامعة والدعاء عقب الصلاة على الهيئة المعهودة، والتسميع خلف الإمام، والدعاء للصلوات الفرض بغير الأذان، والتأهيب يوم الجمعة، ولفظ التصبيح في الفجر والستر على جدران المسجد من داخل، وتأخير الصبح في الجامع الأعظم إلى وسط الوقت، وتخصيص صبح الجمعة بقراءة ﴿ألم﴾ السجدة، ودخول الصبيان فيه ولعبهم لا سيما في شهر رمضان، والنفير والبوق في شهر رمضان للإشفاع والسحور، وزيادة سيدنا في الصلاة على محمد ﷺ، والصلاة على السجادات.
[ ٢ / ٧١١ ]
وورد على تونس أيضا قبله رجل يقال له الدكالي عاصر ابن عرفة واجتمع به البرزلي أيضا في الإسكندرية وبها كان قاطنا أنكر على أهل تونس لبس العمامة الفقهاء على المعهود بتونس وغيرها والتختم مطلقًا، ولبس الأحمر وأخذ المرتب على الإمامة والتدريس حتى ترك/ ٢١٢ - أالجماعة والجمعة لأجل ذلك.
وأجاب البرزلي عن ذلك كله بما هو مذكور في نوازله، وذكرنا هنا منه ما يناسب كلام المؤلف وحكى البرزلي الدكالي بقوله: ورد علينا في عشر التسعين والسبعمائة رجل يقال له الدكالي وكان شيخًا صالحًا مظهرًا للزهد في الدنيا والأكل من كد يمينه العلقة من القوت، واعتقده الناس لصلاحه، وكان مذهبه يغلب عليه مذهب الحديث، فأنكر أشياء منها: لبس العمامة إلى آخره.
ثم قال الرجراجي: ثم ورد علينا رحل اسمه عمر وأصله من المغرب وحج ورجع إلى تونس، واستقر بها الآن وهو ينسب إلى الزهد في الدنيا والتخلي عنها لكنه يتغذى من أيدي الناس بالقليل على ما سمعت عنه، ويذكر أن معه بعض طلب ولا أدري مذهبه محدث أو مالكي أو ظاهري واستقر بتونس وأنكر أشياء- إلى آخره-.
وحين ورد الشيخ ابن عرفة مصر ووجد الدكالي علي الطريقة المذكورة عنه من التشدد في الدين وتركه الجماعات والجمع لأخذ المرتب على ذلك، ذكر فيه أبياتا وهي:
أهل مصر ومنفي الدين شارككم تنبهوا السؤال معظل نزلا
لزوم فسقكم أو فسق من زعمت أقواله إنه بالحق ما عدلا
في تركه الجمع والجماعات خلفكم وشرط إيجاب حكم الكل قد حصلا
إن كان حالكم التقوى فغيركم قد باء بالفسق حقا عنه ما عدلا
وإن يكن عكسه فالأمر منعكس فاحكم بحق وكن بالهدي معتدلا؟
[ ٢ / ٧١٢ ]
فأجابه الإمام المحقق سراج الدين أبو حفص البلقني، وذكر أنه على البديهة:
ما كان من شيم الأخيار إن يسموا بالفسق شيخا علي الخيرات قد جبلا
لا لا ولكن إذا ما أبصروا خللا كسوه من حسن تأويلاتهم حللا
أليس قد قال في المنهاج صاحبه يسوغ ذاك لمن قد يخشى زللا
وقال فيه أبو بكر إذا ثبتت عدالة المرء فليترك وما عملا/ ٢١٢ ب
وقد روينا عن ابن القاسم العتقي فيما اختصرنا كلاما أوضح السبلا
ما إن ترد شهادة لتاركها إن كان بالعلم والتقوى قد احتفلا
كذا الفقيه أبو عمران سوغه لمن تخيل خوفا واقتنا عملا
نعم وقد كان في الأعلين منزلة من جانب الجمع والجمعات واعتزلا
كمالك غير مبد فيه معذرة إلى الممات ولم يثلم وما عزلا
[هذا وإن الذى أبداه متضح أخذ الأئمة أجرا منعه نقلا
وهب أنك راء حله نظرا فما اجتهادك أولى بالصواب ولا]
تأمل الذي عمل
[ص]
٤٢٣ - له من العلام والفنار والشبه زن وقسمه بالمعيار
[ش]
أي تأمل ما عليه بقطر المغرب في هذه الأزمنة وما قاربها من جعل العلام في رأس صاري المنار عند دخول وقت الظهر والعصر والمغرب وجعل الفنار فيه عند دخول وقت العشاء
[ ٢ / ٧١٣ ]
والصبح، ولعل المؤلف تردد في العلام والفنار لكونه لم يجد لمن قبله فيهما والظاهر أنهما من جنس ما شهد الشرع له بالاعتبار كالدعاء بغير لفظ الأذان، وقد قيل أحدثهما الفقيه السلطان أبو عنان﵀-.
قلت: ويدل على الجواز في الفنار أن الصحابة رضوان الله عليهم تشاوروا بمحضر رسول الله ﷺ قبل شرع الأذان فيما يجعل علما على الوقت فذكر بعضهم أن ينوروا نارًا، وذكر بعضهم أن يضربوا ناقوسًا، وقال آخرون: النار شعار اليهود والناقوس شعار النصارى، فإن اتخذنا أحدهما التبست أوقاتنا بأوقاتهم، فنزل شرع الأذان وبيان الدليل من هذا، أنهم عللوا الامتناع بالالتباس فيلزم من مقتضى عكس العلة الجواز حيث لا التباس. والله تعالى أعلم.
قوله: "والشبه زن وقسه بالمعيار" وهذا الشطر من تمام قوله: "تأمل وقس" توكيد لزن، والمعيار والمحك والمثاق مترادفة، والمعني/ ٢١٣ - أزن هذين وشبههما حتى تعلم بأي الجنسين تلحق هل بالبدع الحسنة أو القبيحة والله تعالى أعلم.
وطرر المؤلف بخطه زن بميزان الشرع وقسه بمعيار الشرع. انتهى.
أي فإن اتزن بميزانه وتقرر بمعياره فذلك من البدع الحسنة وإلا فمن القبيحة.
[ص]
٤٢٤ - وكل ما يخلص للتعبد أو كان غالبا بنية بدي
٤٢٥ - إن كان ذا لبس وما تمحضا أعني لمعقولية نحو القضاء
٤٢٦ - أو غلبت كنجس فلا افتقار وفي سوي الشائبتين الاعتبار
٤٢٧ - ونفيه وكل ما مصلحته تحصل بالفعل فتنفي نيته
٤٢٨ - وكل قربة بلا لبس ترد كذكر افتقارها لها فقد
٤٢٩ - تمييز عادات بها أمر حتم وفي العبادات تقرب علم
[ ٢ / ٧١٤ ]
[ش]
قال القاضي أبو عبد الله المقري: قاعدة: كل ما تمحض للتعبد أو غلبت عليه شائبته فإنه يفتقر إلى النية كالصلاة والتيمم، وما تمحض للمعقولية أو غلبت عليه شائبته، فلا يفتقر كقضاء الدين، وغسل النجاسة عند الجمهور، فإن استوت الشائبتان فقيل: كالأول لحق العبادة، وقيل: كالثاني بحكم الأصل، وعليهما الطهارة، والزكاة، والكفارة وغيرهما.
قاعدة: كل ما كانت صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته، فإنه لا يفتقر إلى نية كغسل النجاسة.
قاعدة: القربات التي لا لبس فيها، كالذكر، والنية لا تفتقر إلى نية كغسل النجاسة.
قاعدة: النية في العبادات للتمييز والتقرب وفي غيرها للتمييز، كوصي أيتام لا ينصرف شراؤه لأحدهم إلا بالنية، ولا يترتب الثواب إلا على النية بخلاف براءة الذمة. أما ما يطلب الكف عنه فتر كه يخرج عن عهدته وان لم يقصده، ولا شعر به انتهي.
وعلى هذه القواعد الأربع اشتمل كلام المؤلف عدا قوله: أما ما يطلب الكف عنه- إلى آخره-.
وقال أيضا: قاعدة: الفعل إن اشتمل وجوده على مصلحة مع قطع النظر عن/ ٢١٣ - ب فاعله صحت فيه النيابة، ولم تشترط فيه النية، وإن لم يشتمل إلا مع النظر لم تصح واشترطت، فالنية وانتفاء الصحة على هذا متلازمان، وكذلك عدم وجوبها وصحة النيابة، فكل ما تصح فيه الاستنابة لا تشترط فيه النية، وكل ما تشترط فيه النية لا تصح فيه الاستنابة إلا أن يدل دليل على خلاف ذلك فمن ثم قال النعمان: لا نيابة في الحج، وقلنا إنها رخصة كالاستخلاف انتهى.
[ ٢ / ٧١٥ ]
وفي الفرق الثامن عشر: إن ما يمكن أن ينوي ينقسم إلى مطلوب وغير مطلوب فغير مطلوب لا ينوي من حديث هو غير مطلوب، بل قد يقصد بالمباح التقوى على المطلوب كما يقصد بالنوم التقوى على قيام الليل فمن هذا الوجه تشرع نيته لا من حيث إنه مباح والمطلوب قسمان: نواه وأوامر، فالنواهي لا يحتاج فيها إلى النية شرعا بل يخرج الإنسان من عهدة المنهي عنه بمجرد تركه، وإن لم يشعر به فضلا عن القصد له لكنه إن نوى بتركها وجه الله تعالي حصل الثواب وكان التراث قربة.
وأما الأوامر فقسمان، أيضا: منها: ما تكون صور أفعالها كافية في تحصيل مصالحها فلا يحتاج إلى النية كدفع الديون ورد المغصوب ونفقات الزوجات والأقارب وعلف الدواب ونحو ذلك فهذا القسم مستغن عن النية شرعا، فمن دفع دينه غافلا عن قصد التقرب به أجزأ عنه، ولا يفتقر إلى إعادته مرة أخرى نعم إن قصد في هذه الصور كلها امتثال أمر الله تعالى فيها حصل له الثواب، وإلا فلا.
القسم الثاني: ما لا تكون صورته كافية في تحصيل مصلحته فهذا القسم هو المحتاج إلى النية كالعبادات، فإن الصلاة شرعت لتعظيم الرب تعالى وإجلاله، والتعظيم إنما يحصل بالقصد ألا ترى أنك لو صنعت ضيافة لإنسان فأكلها غيره من غير قصدك لكنت معظما للأول دون الثاني، بسبب قصدك، فما لا قصد فيه لا تعظيم فيه، فيلزم أن العبادات كلها يشترط فيها القصد لأنها إنما شرعت لتعظيم الله تعالى فهذا هو ضابط ما تمكن فيه النية وما لا تمكن وضابط ما يحتاج إلى/ ٢١٤ - أالنية وما لا يحتاج شرعًا.
[ ٢ / ٧١٦ ]
ثم قال الشهاب بعد كلام: النية لا تحتاج إلى النية، قال جماعة من الفضلاء لئلا يلزم التسلسل، ولا حاجة إلى التعليل بالتسلسل بل النية من القاعدة المتقدمة لأن مصلحتها التمييز وهو حاصل بها سواء قصد ذلك أو لم يقصده، فاستغنت عن النية من الفروق. وسلم له الإمام أبو القاسم بن الشاط جميع ذلك، إلا ما ذكر من أن أداء (الدين) وشبهه لا يثاب عليه حتى ينوى التقرب إلى الله تعالى بأداء دينه. قال: فيه عندي نظر فإنه لا مانع أن يثاب في هذه الصورة، ويكفيه من النية كونه قصد أداء دينه والله تعالى أعلم.
قوله: "وكل ما يخلص للتعبد"- البيت- كل مبتدأ وخبره بدى، وبه يتعلق بنية أي كلما تخلص للتعبد وتمخض له فإنه يبتدأ بالنية. قوله: "إن كان ذا لبس" هو راجع إلى القسمين قبله، واحترز به مما ليس فيه كالذكر ونحوه وقد ذكره منطوقا بقوله: "وكل قربة"- البيت- وخبر كل جملة افتقارها لها فقد، وضمير لها عائد إلى نية.
قوله: "ومما تمحضا أعنى لمعقولية نحو القضاء أو غلبت كنجس فلا افتقار" ما موصول اسمي مبتدأ، وخبره فلا افتقار، ودخلت الفاء في خبر الموصول لشبهه الشرط بالشرط في العموم والإبهام، ويحتمل أن تكون شرطية، وأراد بالقضاء قضاء الدين.
قال القاضي أبو عبد الله المقري: قاعدة: إعمال الشائبتين أرجح من إلغاء أحدهما كالدليلين كإعمال مالك ومحمد شائبة المعقولية في الخبث في سقوط النية، والعبادة في تعيين الماء فهذا أولى من إلغاء النعمان شائبة العبادة وبعضهم شائبة المعقولية عندهم، وعندي أن إلغاء الراجح، لإعمال المرجوح، ولو في وجه تقديم للمرجوح المؤخر بإجماع،
[ ٢ / ٧١٧ ]
فإذا ثبتت الراجحية سقطت المرجوحية بالكلية.
قوله: "وفي استواء الشائبتين الاعتبار ونفيه" المشهور هو الاعتبار تغليبا لشائبة العبادة أبو عمرو بن الحاجب﵀- والإجماع علي وجوب النية في محض العبادات وعلي نفي الوجوب/ ٢١٤ - ب فيما تمحض لغيرها كالديون والودائع والغصوب واختلف فيما فيه شائبتان كالطهارة والزكاة، والمذهب افتقارها ويعنى بالطهارة الطهارة المائية دون التوابية فإنها محض تعبد.
[ص]
احب التوضيح، وحاصله أن الفعل أقسام قسم: تمحض للعبادة كالصلاة فالإجماع على وجوب النية.
الثاني: مقابله كإعطاء الدين ورد الودائع والغصوب، فالإجماع على أنه لا تجب فيه النية.
الثالث: ما اشتمل على الوجهين كالزكاة والطهارة، لأن الزكاة عقل معناها وهو رفق الفقراء وبقية الأصناف، لكن وكونهما إنما تجب في قدر مخصوصو [على وجه مخصوص] لا يعقل معناه، وكذلك الطهارة عقل معناها وهى النظافة لكن كونها في أعضاء مخصوصة علي وجه مخصوص لا يعقل معناه، واختلف في وجوب النية وانظر تمام كلامه.
قوله: "تمييز عادات"- البيت- هو معني قول المقري: النية في العبادات للتمييز والتقريب وفي غيرها للتمييز كوصي أيتام لا ينصرف شراؤه لأحدهم إلا بالنية ومراد المؤلف تمييز عبادات عن عادات وعبارته توهم العكس، فلو قال تمييز عن عادة بها حاتم لكان أبين.
[ص]
احب التوضيح: وحكمة إيجاب النية تمييز العبادات عن العادات لتمييز ما الله تعالى عما ليس له أو تمييز مراتب العبادات في أنفسها لتمييز مكافآت العابد على فعله
[ ٢ / ٧١٨ ]
وتعظيم العبد لربه، فمثال الأول: الغسل يكون عبادة وتبردا، وحضور المساجد يكون للصلاة ويكون للفرجة، ويكون السجود لله وللصنم.
ومثال الثاني: الصلاة لانقسامها إلى فرض، والفرض إلى فرض على الأعيان وفرض على الكفاية وفرض منذور وفرض غير منذور.
[ص]
٤٣٠ - وفرض عين الذي تكررا نفع به غير كفاية يري
٤٣١ - في زر وجاهد قم بشرع واشهد واقض وأم مر بعرف واردد
٤٣٢ - سلاما افت واحترف وادر أو صن ميتا ورابط وفد وثق مؤتمن
٤٣٣ - والظن كاف في السقوط والسنن عين كفاية علي ذلك السنن ٢١٥ أ
[ش]
القرافي: في الفرق الثالث عشر، بين قاعدتي فرضي الكفاية وفرض العين وضابط كل واحد منهما وتحقيقه بحيث لا يلتبس بغيره فنقول: الأفعال قسمان منها: ما تكرر مصلحته بتكرره [ومنها ما لا تتكرر مصلحته بتكرره].
فالقسم الأول: شرعه صاحب الشرع على الأعيان تكثيرا للمصلحة بتكرر ذلك الفعل كصلاة الظهر فإن مصلحتها الخضوع لله تعالى وتعظيمه ومناجاته والتذلل له والمثول بين يديه والتفهم لخطابه والتأدب بآدابه، وهذه المصالح تكثر كلما كررت الصلاة.
والقسم الثاني: كإنقاذ الغريق إذا شاله إنسان فالنازل بعد ذلك إلى البحر لا يحصل شيئا من المصلحة، فجعله صاحب الشرع على الكفاية نفيا للعبث في الأفعال، وكذلك كسوة العريان وإطعام الجيعان ونحوهما، فهذا هو ضابط القاعدتين وبه تعرفان ثم ذكر مسألتين:
الأولى: أن الكفاية والأعيان كما يتصوران في الواجبات يتصوران في المندوبات كالأذان والإقامة، والتسليم والتشميت، وما يفعل بالأموات من المندوبات، فهذه على الكفاية والذي
[ ٢ / ٧١٩ ]
على الأعيان كالوتر والفجر وصيام الأيام الفاضلة، وصلاة العيدين، والطواف في غير النسك والصدقات.
المسألة الثانية: يكفي في سقوط المأمور على الكفاية ظن الفعل لا وقوعه تحقيقا فإذا غلب على ظن هذه الطائفة أن تلك فعلت سقط عن هذه، وإذا غلب على ظن تلك أن هذه فعلت سقط عن تلك، وإن غلب على ظن كل واحدة منهما فعل الأخرى سقط الفعل عنهما انتهي.
قال القاضي أبو عبد الله المقري: قاعدة كل واجب أو مندوب لا تتكرر مصلحته بتكرره فهو على الكفاية، وإلا فعلى الأعيان إلا لمعارض أرجح كصلاة الجنازة لأن المطلوب بها صورة الشفاعة، وقد حصلت، والإلحاح فيها مذموم عرفًا فيذم شرعًا، كما يأتي وأما المغفرة فأمر خفي لا يجوز أن يعتبر بنفسه، بل بمظنته على وجهها، وأيضا فإن من يقول بتكررها وهو الشافعي يوافق على أنها لا تقع نفلا بل فرضا وقد/ ٢١٥ - ب حصلت مصلحة الواجب بالصلاة الأولى إجماعًا.
قاعدة: يكفي في سقوط المأمور على الكفاية ظن الفعل، وإن لم يفعل ألبتة بخلاف الأعيان على الصحيح، وليس سقوطه بالغير [نيابة حتى يتعذر في الفعل البدني بل لتعذر حكمة الوجوب.
قوله: "غير] كفاية" أي غير الذي تكرر والنفع به فرض كفاية، ويجوز أن يكون الخبر يرى فينتصب كفاية، وقد ضبطه المؤلف بهما، ويضبط أيضا فرض الكفاية بأنه الذي تندفع الحاجة فيه بالبعض، كالقضاء وتحمل الشهادة، وشبه ذلك بخلاف فرض العين فمقابله، وسيزاد هذا بيانا بعد قوله: (يري في زروجاهد قم بشرع واشهد) - البنيتين-
[ ٢ / ٧٢٠ ]
أي يعلم فرض الكفاية أو يبصر في هذه المواضع، وقصد بهذا الكلام حصر فرض الكفاية بالعدد كما حصرها بالضابط.
الأول: زيارة الكعبة كل سنة فهي فرض كفاية فلا يجوز أن يترك الناس كلهم زيارتها في عام من الأعوام إلا من عذر لا يستطيعون معه الوصول إليها نعوذ بالله من ذلك.
الثاني: الجهاد هو واجب على الكفاية لأن مصلحته تحصل بالبعض ففرض على الإمام إغراء العدو في كل سنة مرة يخرج بها هو أو من يثق به، وفرض على الناس في أموالهم وأنفسهم الخروج المذكور، لا خروجهم كافة، والنافلة منه إخراج طائفة بعد أخرى وبعث السرايا وقت الغرة والفرصة.
الثالث: القيام بالعلوم الشرعية قال الله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ..﴾ الآية، وعن الشافعي العلم قسمان فرض عين وفرض كفاية ففرض العين علمك بحالتك التي أنت فيها، وفرض الكفاية ما عدا ذلك ومثل هذا في الرسالة قال: وكذلك طلب العلم فريضة عامة يحملها من قام بها إلا ما يلزم الرجل في خاصة نفسه وانظر الفرق الثالث والتسعين.
القرافي﵀-: العلم وضبط الشريعة وإن كان فرض كفاية غير أنه يتعين له طائفة من الناس، وهي من جاد حفظهم وراق فهمهم وحسنت سيرتهم وطابت سريرتهم فهؤلاء هم الذين يتعين/ ٢١٦ - أعليهم الاشتغال بالعلم فإن عديم الحفظ أو قليله أو سيء الفهم لا يصح لضبط الشريعة المحمدية، وكذلك من ساءت سريرته لا يحصل به الوثوق للعامة فلا تصح به مصلحة التقليد فتضيع أحوال الناس.
الرابع: تحمل الشهادة وكان فرضا لأنه لو تركه الناس كلهم أدى إلى اتلاف الحقوق وكان على الكفاية لأن الفرض يحصل بالبعض، وإذا كان على الكفاية فيتعين في حق من انفراد كما في سائر فروض الكفاية.
[ ٢ / ٧٢١ ]
أبو عمرو بن الحاجب: والتحمل حيث يفتقر إليه فرض الكفاية، والأداء من نحو البر يدين إن كان اثنين فرض عين، ولا تحل إحالته على اليمين، فإن لم يجتز الحاكم باثنين فعلى الثالث ولا يلزم من أبعد.
الخامس: القضاء، وكان فرضا أنه لما كان الإنسان لا يستقل بأمور دنياه إذ لا يمكن أن يكون حراثًا طباخًا بزازًا إلى غير ذلك من الصنائع المفتقر إليها احتاج إلى غيره، ثم بالضرورة قد يحصل بينهما التشاجر والخصام لاختلاف الأغراض فاحتيج إلى من يفصل تلك الخصومات ويمنع بعضهم من غرضه وبهذا وجب إقامة الخلافة لكن نظر الخليفة، أعم إذا حد ما ينظر فيه القضاء، ولما كان هذا الفرض يحصل بواحد وجماعة كان فرض كفاية، لأن ذلك فرض الكفاية.
السادس: الإمامة الكبرى هي من فروض الكفاية إن قام بها البعض سقطت عن الباقين وإن لم يقم بها أحد خرج بتركها فريقان، أحدهما: أهل الحل والعقد.
والثاني: كل من يصلح للإمامة، وأما إمامة الصلاة فهي تابعة لصلاة الجماعة والمشهور أنها سنة مؤكدة وقيل فرض.
السابع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال الله تعالي: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ فالتغيير فرض كفاية إذا قام به في كل صقع من فيه غنا سقط الفرض عن الباقين، نعم إن نصب لذلك أحد تعين عليه كما يتعين الجهاد على من عينه الإمام.
الثامن: رد السلام فإنه فرض كفاية بمعنى أنه إن سلم على جماعة وقام بالرد
[ ٢ / ٧٢٢ ]
واحد منهم سقط عن الباقين وخالف أبو يوسف في قوله: لابد من رد/ ٢١٦ - ب جميعهم.
التاسع: الفتوى فهي فرض كفاية على المتأهلين لها إذا كان السؤال عن الأمر المهم المحتاج إلى بيانه فيجب الجواب كما يجب السؤال. قال تعالى: ﴿فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ وقال عز من قائل: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ الآية.
قال بعضهم تتعين على المفتى الفتيا بأربعة شروط كون السائل سأل عن واقعة دينية يخاف فواتها، وانفراد المستفتى، ومعرفته بالجواب الصحيح عن اجتهاد أو عن تقليد، ومتى انخرم أحدها فالجواب فرض كفاية.
العاشر: الحرف المهمة كالحراثة والتجارة ونحوهما. وقد نص غير واحد على أنها فرض كفاية.
الحادي عشر: الدرء بالدال المهملة ويعنى به والله أعلم دفع الضرر في النفس أو المال عمن لا يستحقه شرعا فهو فرض كفاية على من قدر عليه كدفع الصائل من إنسان أو بهيمة عن المصول عليه وكالتخليص من الغرق فهو فرض كفاية على من يحسن العوم، وكإعطاء الطعام للجوعان، والماء للعطشان، والخشب لتدعيم الجدار عند خوفني سقوطه ونحو ذلك.
الثاني عشر: القيام بمؤن الميت كالغسل والصلاة والدفن، ولا خلاف في وجوب الدفن، واختلف في الغسل والصلاة، والأصح عند ابن الحاجب الوجوب.
وفي الرسالة: والصلاة على موتى المسلمين فريضة يحملها من قام بها، وكذلك مواراتهم بالدفن، وغسلهم سنة واجبة.
الثالث عشر: [الرباط، قال في الرسالة: والبراط في ثغور المسلمين وسدها وحياطتها
[ ٢ / ٧٢٣ ]
واجب يحمله من قام به.
الرابع عشر: فداء أساري المسلمين، الشيخ ابن عرفة: وفداء أساري المسلمين فيه طرق الأكثر واجب.
الباجي: في وجوبه وكونه نفلا قول جمهور أصحاب مالك.
وقول أشهب في الفداء بخمر لا يدخل في نفل بمعصية ابن بشير سماه نفلا لوجوبه على الكفاية لا الأعيان إلا أن يتعين.
الخامس عشر: التوثيق وهو كتب الوثائق، وهو فرض كفاية لشدة الحاجة إليه وتندفع بالبعض كالحرف والصناعات المهمة، فإذا/ ٢١٧ - أأمكن كتاب فلا يجب الكتب: علي معين، ويتعين على الكاتب أن يكتب إذا لم يوجد كاتب سواه؟ قال الله تعالى ﴿وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب﴾.
وفي بعض النسخ بدل البيتين اللذين كتبناهما.
بالشرع قم جاهد وزر واقض اشهد بالعرف مرام سلاما اردد
ورابط افتى واحترف والميت من واحضن ووثق وافد وادرأ تؤتمن
وهذه النسخة أحسن لما فيها من زيادة الحضانة، ويعنى بها حضانة اللقيط:
أبو عمرو ابن الحاجب: والتقاطه فرض كفاية.
خليل: لأن حفظ النفوس واجب وكان على الكفاية، لأن المقصود يحصل بواحد وذلك شأن فرض الكفاية.
[ ٢ / ٧٢٤ ]
[ابن الحاجب: وليس له رده بعد أخذه].
التوضيح: لأنه فرض كفاية] يتعين بالشروع فيه كالنافلة. وزاد بعضهم في فرض الكفاية عيادة المرضى وتمريضهم وحضور محتضرهم ونصيحة المسلم، وقد تدخل هذه في الدرء، وإطعام الجياع، وستر العورات، وهذان داخلان في الدرء بلا شك. وزاد أيضا حفظ القرآن سوى الفاتحة، وضيافة الوارد وزيد الأذان أيضا وإنما يأتي على قول.
قوله: "تؤتمن" هو جواب زور وما بعده، أي افعل هذه الأشياء تؤتمن أي تجعل أمينا.
وفي المنهج الفائق: واختلف في الكاتب أيضا، فقيل: واجب عليه أن يكتب وهو قول عطاء وغيره.
وقال الشعبي وعطاء أيضا: إذا لم يوجد كاتب سواه فواجب عليه أن يكتب.
وقال السدي: هو واجب مع الفراغ.
تنبيه: حيث قلنا پوجوب الكتب علي الكاتب فمذهب مالك والشافعي﵄- إنه على الكفاية كالجهاد والصلاة على الجنازة ودفنها وطلب العلم، وحفظ القرآن سوى الفاتحة، وتحمل الشهادة [والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والخلافة والأذان والقضاء وأداء الشهادة] إن كانوا جماعة أضعاف النصاب والفتوى، ودفع الضر عن
[ ٢ / ٧٢٥ ]
المسلمين والحرف المهمة، وعيادة المريض وتمريضهم، وحضور محتضريهم ورد السلام وتشميت العاطس/ ٢١٧ - ب وفك الأسير وإطعام الجياع وستر العورات وحضانة اللقيط وضيافة الوارد، ونصيحة المسلم. انتهى.
قوله: "والظن كاف في السقوط" أي ظن أن البعض قد فعل في الواجب علي الكفاية كاف في السقوط عن الظان وبراءته من ذلك الواجب بخلاف فرض العين، فإنه لا يبرأ غلا بيقين أنه فعل.
قال الجلال المحلى بعد أن ذكر القولين في كون فرض الكفاية على البعض وهو قول الفخر، أو على الكل وسقط بفعل البعض وهو قول الجمهور، ثم مداره على الظن فعلي قول البعض من ظن أن غيره لم يفعله وجب عليه ومن لا فلا، وعلي قول الكل من ظن أن غيره فعله سقط عنه، ومن لا فلا انتهى.
ومن هذا تعلم أن ما قاله المؤلف تبعا للقرافي، والمقري جار على قول الكل لا البعض الذي هو مختار تاج الدين بن السبكي وعليه يدل قوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾.
قوله: "والسنن عين كفاية على ذلك السنن، السنن الأول بضم السين، جمع سنة، والسنن الثاني بفتح السين الطريق، والمعنى: أن السنة تنقسم إلى سنة عين وسنة كفاية على الطريق السابق في الفرض، وقد تقدم هذا من كلام القرافي﵀ -.
[ص]
٤٣٤ - درء المفاسد مقدم على جلب المصالح فخذ ما نقلا
[ش]
درء المفاسد، أي دفعها مقدم على جلب المصالح دار الأمر بينهما.
قال صاحب إيضاح المسالك: ومن ثم كرهت الغسلة الثالثة إذا شك فيها وصوم يوم
[ ٢ / ٧٢٦ ]
عرفة إن شك فيه هل هو العيد أم لا؟ ورجح المكروه على المندوب كإعطاء فقير من القرابة لا تلزمه نفقته وليس في عياله من الزكاة، وكره (مالك) قراءة السجدة في الفريضة، لأنها تشوش على المأموم فكرهها للإمام ثم للمنفرد حسما للباب، والحق الجواز للحديث كالشافعي وكره الانفراد قيام رمضان لذا أفضى إلى تعطيل إظهاره أو تشويش خاطره/ ٢١٨ - أونهى عن إفراد يوم الجمعة بالصوم لئلا يعظم تعظيم أهل الكتاب للسبت، وأجازه مالك، قال الداودى: لم يبلغه الحديث وكره ترك العمل فيه لذلك، وكره إتباع رمضان بست من شوال، وإن صح فيه الخبر لتوقع ما وقع بعد طول الزمان من إيصال العجم الصيام والقيام وكل ما يصنع في رمضان إلى آخرها، واعتقاد جهلتهم أنها منه كذا ذكره الشيخ شهاب الدين عن زكي الدين بن عبد العظيم المحدث.
تنبيه: قال شهاب الدين﵀- شاع عند عوام مصر أن الصبح ركعتان إلا في الجمعة فإنه ثلاث ركعات، لأجل أنهم يرون الإمام يواظب على قراءة السجدة يوم الجمعة ويسجد ويعتقدون أن تلك ركعة آخري واجبة، وسد هذه الذرائع متعين في الدين، وكان مالك﵀- شديد المبالغة فيها انتهى.
قال بعض الشيوخ: ومضى عمل الشيوخ بالجامع الأعظم من تونس على قراءتها في صبح الجمعة- ولا أكثر من جماعته- وذلك لأمن التخليط حتى صار ترك قراءتها موجبًا للتخليط انتهى. كلام الإيضاح وجله من كلام القاضي أبي عبد الله المقري.
[ ٢ / ٧٢٧ ]
ويعني ببعض الشيوخ الإمام أبا عبد الله الأبي.
قال المقري: قاعدة: عناية الشرع بدرء المفاسد أشد من عنايته بجلب المصالح فإن لم يظهر رجحان الجلب قدم الدرء، فيترجح المكروه علي المندوب كإعطاء فقير من القرابة تلزمه نفقته وليس في عياله من الزكاة، وثالثهما ألا يباح وهى للمالكية، والحرام على الواجب كالإلقاء باليد إلى التهلكة في الحج بخلاف الشبهة.
قال الغزالي: أكثر العلماء على وجوب طاعة الأبوين في الشبهة دون الحرام وقد كره مالك قراءة السجدة في الفريضة، لأنها تشوش على المأموم فكرهها للإمام، ثم للمنفرد حسما للباب، والحق الجواز للحديث كالشافعي، كره الانفراد بقيام رمضان إذا أفضى إلى تعطيل إظهاره أو تشويش خاطره، ونهى الشرع عن انفراد يوم الجمعة بالصوم، لئلا يعظم تعظيم أهل الكتاب للسبت وأجازه مالك/ ٢١٨ - ب قال الداودي: لم يبلغه الحديث وقد كره ترك العمل فيه لذلك، وكره إتباع رمضان بست من شوال وان صح فيها الخبر لتوقع ما وقع بعد طول الزمان من إيصال العجم الصيام والقيام وكل ما يصنع في رمضان إلى آخرها، واعتقاد جهلتهم أنها منه، والمؤمن ينظر بنور الله.
وقال أيضا: قاعدة: مراعاة درء المفاسد أهم من مراعاة جلب المصالح إلا بمنفصل، ومن ثم منع محمد شركة المفاوضة وعلي مالك والنعمان بيان ترجيح مصلحتها، النكتة في هذا الباب أن المقصود الأول من الشركة أن يكون عملهما أفضل من عمل واحد منهما، وهذا إنما يوجد بأن لا يكون في صورتها غبن على أحدهما، ومن ثم منع
[ ٢ / ٧٢٨ ]
مالك شركة الوجوه مطلقًا، والأبدان في صنعتين أو موضعين، خلافا للنعمان فيهما، وأن تكون بحيث يكون عمل كل واحد منهما في مال صاحبه كعمله في مال نفسه، وهذا نما يكون مع الخلط فان دواعي النفوس لا تتحرك إلى تمييز مال الغير كما تتحرك إلى تمييز مال النفس فالتمييز يحل بهذا المقصود ومن ثم منع محمد شركة الأبدان لأن المنافع لا تختلط في شركة المفاوضة.
وقال أيضا: قاعدة درء المفسدة مشروط بأن لا يؤدى إلى مثلها أو أعظم إما وجوبا فباتفاق، وإما جوازا فقال النعمان: يجوز أن يعرض بنفسه في تغيير المنكر إعلاء لكلمة الحق المبذول فيها النفوس بالجهاد وهو نظر إلى ترجيح المصلحة فالقاعدة باتفاق.
قوله: "فخذ ما نقلا" أي من أول الكتاب إلى آخره.
٤٣٥ - هذا تمام المنهج المنتخب جامعته من أمهات الكتب
٤٣٦ - لقطت منها دررا ثمينة مما انتهى العالم المدينة
٤٣٧ - فالحمد لله على الإنعام بالفضل والرحمة والختام
٤٣٨ - أحمده بأبلغ التحميد شكرا علي كلمة التوحيد
٤٣٩ - إذ خير ما فاهت به الأفواه إخلاص لا اله إلا الله/ ٢١٩ أ
٤٤٠ - سبحانه بالغ في الإنعام إذ عمنا بنعمة الإسلام
٤٤١ - وخصنا بالمصطفى محمد إذ لم نكن لولا هداه نهتدي
٤٤٢ - ثم أصلي دائما علي الهدي والآل والصحب ومن قد اهتدي
٤٤٣ - وأسأل الله به نيل المني ويرحم الرحمن عبدا أمنا
[ ٢ / ٧٢٩ ]
أمهات الكتب أي الكتب التي هي أمهات يرجع إليها ويعتمد في فن الفقه عليها.
والدرر جمع درة وهي الجوهرة العظيمة، والثمينة، ذات الثمن الكثير، وعالم المدينة وهو إمامنا مالك بن أنس بن أبى عامر الأصبحي، وعليه حمل كثير من العلماء قوله ﷺ: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة، وبالفضل يتعلق بالإنعام والختم ختم هذا الكتاب وإتمامه والتحميد المبالغة في الحمد مصدر حمد بالتشديد، ومنه سمى نبينا ﷺ، لأنه يكثر حمد الناس له لكثرة خصال الحمد فيه ﷺ، وفي جعل الإخلاص خير ما فاهت به الأفواه مبالغة فيه، كأنه قد نطق به وأدرك بحاسة السمع، وإلا فالإخلاص محله القلب، وفيه أيضا الإشارة إلى أن المعتبر الإخلاص وأن النطق بدونه لا عبرة به وعمنا بنعمة الإسلام: أي عمنا معشر المسلمين فيدخل من أسلم من الأم السابقة، أو عمنا معشر أمة محمد ﵇ وهذا أحسن، لقوله: "وخصنا" معشر هذه الأمة من بين سائر الأم أو سائر المسلمين بمحمد ﷺ إذا في هذا الوجه إيهام التضاد وهو إثبات العموم والخصوص للشيء الواحد، والهدي، وهو محمد ﷺ، جعله نفس الهدي على سبيل المبالغة لكماله فيه ﷺ، كما يقال: رجل عدل وفطن: "وأسأل الله به" أي متوسلا بالهدى الذي هو محمد ﷺ، ويحتمل أن يعود الضمير على الله فيكون سأل الله تعالى متوسلا إليه به ﷿. وعبدًا أمنًا: أي قال آمين فالألف لإطلاق القافية/ ٢١٩ ب.
وهنا انقضى الشرح والحمد لله رب العالمين، وكان الفراغ من كتابة هذا الكتاب عشية يوم الأربعاء السابع من شهر صفر الخير من عام ١٢٩١ هـ إحدى وتسعين ومائتين وألف.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة الدائمة والتسليم على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[ ٢ / ٧٣٠ ]