يحكم الشرع بواحد منهما حتى ينضاف إليه قرءان آخران.
العشرون: من غاب عن امرأته سنين ثم طلقها أو مات عنها الغالب براءة الرحم والنادر شغله، وقد ألغاهما صاحب الشرع وأوجب عليها استئناف العدة بعد الوفاة، والطلاق، لأن وقوع الحكم بغير سببه غير معتد به.
والمقصود من ذكر هذه الأمثلة من أجناس مختلفة أن يظهر لك أن إطلاق القول بترجيح الغالب على النادر مما لا ينبغى، بل ما يكون ذلك إلا بحث شديد ومعرفة الباحث بالمسائل الفقهية والدلائل الشرعية، واستقرائه لذلك كله فبعده يصح له أن يحكم بترجيح الغالب.
وأيضا فلا ينبغى أن يقال إذا تعارض الأصول والغالب فأيهما يرجح قولان؟ فقد ظهر أجناس كثيرة اتفق الناس فيها على تقديم الغالب على الأصل، كما فى أمر البينة فإن الغالب صدقها والأصل براءة الذمة والتنبيه على هذا اللفظ فى الإطلاق هو المراد المقصود من بيان هذا الفرق، وأكثر هذا لفظ القرافى وبعضه بالمعنى على سبيل الاختصار أيضا.
[ص]
فصل
[ش]
أى في القضاء والشهادة.
[ص]
٣٥٧ - المدعى عليه من يوافقه عرف أو أصل بعضهم يحققه/ ١٦٧ - أ
٣٥٨ - بأنه أقرب خصمين سبب والضد مدع كناظر طلب
[ش]
بدأ بقاعدة المدعى والمدعى عليه، لأن من ميز بينهما لم يلتبس عليه الحكم، كما قال بن المسيب.
قال أبو عمرو بن الحاجب: والمدعى من تجرد قوله عن مصدق، والمدّعى عليه من ترجح قوله بعهود، أو أصل، فلذلك كان مدعى رد الوديعة مقبولا
[ ٢ / ٥٩٨ ]
لائتمانه ومدعى حرية الأصل صغيرا كان أو كبيرا، ما لم يثبت عليه حوز الملك بخلاف مدعى العتق.
قال شهاب الدين القرافى: فى الفرق بين قاعدة المدعى والمدعى عليه: إذ هما يلتبسان لأنه ليس كل طالب مدعيا، ولا كل مطلوب مدعى عليه.
للأصحاب فيه عبارتان:
إحداهما: أن المدعى هو أبعد المتداعيين سببا، والمدعى عليه هو أقرب المتداعيين سببا.
والعبارة الثانية: وهى توضح الأولى المدعى من كان قوله على خلاف أصل أو عرف، والمدّعى عليه من كان قوله على وفق الأصل أو عرف.
وبيان ذلك بالمثال:
أن اليتيم إذا بلغ وطللب الوصى بماله فإنه مدعى عليه، والوصى المطلوب مدع، عليه البينة، لأن الله تعالى أمر الأوصياء بالإشهاد على اليتامى إذا دفعوا إليهم أموالهم، فلم يأتمنهم على الدفع بل على التصرف والإنفاق خاصة، وإذا لم يكونوا أمناء كان الأصل عدم الدفع، فهذا طالب واليمين عليه، لأنه مدعى عليه، والوصى مطلوب وهو مدع [وإنما قلنا اليمين عليه لقوله ﵇: "البينة على المدعى واليمين على من أنكر"] ونظائر هذا كثيرة فيكون الطالب فيها مدعى عليه ويعتمد أبدا الترجيح بالعوائد وظاهر الأحوال والقرائن، وعلى هذا إذا ادعى قزاز، ودباغ جلدا كان الدباغ مدعى عليه.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
أو قاض وجندي رمحا [كان الجندي مدعى عليه] وهلة خذا مسألة الزوجين إذا اختلفا فى متاع البيت أن القول فول الرجل فيما يشبه قماش الرجل والقول قول المرأة فينا يشبه قماش النساء وقد تقدم هذا وخالفنا الشافعي.
وأما الأصل وحده/ ١٦٧ - ب من غير ظاهر الحال ولا عرف، كمن ادعى علي شخص دينًا أو غصبًا أو خيانة أو نحوهما فالأصل عدم هذه الأمور ويكون القول فى ذلك قول المطلوب مع يمينه، لن الأصل يعضده ويخالف الطالب وهذا مجمع عليه، وإنما الخلاف فيما قبله وظهر لك بهذا قول الأصحاب أن المدعى هو أضعف المتداعيين سببًا والمدعى عليه هو أقوى المتداعيين سببًا.
تنبيه: ما ذكرنا من ظاهر الحال ينتقض بما اجتمعنا عليه من أن الصالح البر التقي العظيم الشأن فى العلم والدين، مثل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب لو ادعى على أفسق الناس أو أرذلهم لا يصدق فيه، وعليه البينة وهو مدع، المطلوب مدعى عليه، وعكسه لو ادعى الطالح على الصالح كان الحكم كذلك، وبهذا يحتج الشافعي علينا وينقض علينا الحدود انتهى باختصار البقوري.
ونص الأصل: وكما أن هذه الصورة فهي نقض لقولنا المدعى من خالف قوله أصلًا أو عرفا، والمدعى عليه من وافق قوله أصلًا أو عرفا فإن العرف في هذه الصورة
[ ٢ / ٦٠٠ ]
[ش]
اهد، وكذلك الظاهر، وقد ألغيا جميعًا فكان ذلك أبطالًا للحدود المتقدمة ونقضا على المذهب فتأمل ذلك.
وأجاب الإمام أبو عبد الله البقوري عن أشكاله، بأن قال: الظواهر التي ذكرناها جلية بينة غير خاف قبولها، وما نقضت به من دعوى البر التقي على الفاسق لطروق الشك فى هذه الظواهر فإن القلوب بيد الله تعالى يقلبها كيف شاء، فيكون تقيا الزمن الطويل ثم ينعكس، وبالعكس ومعرفة هذا الأمر الخفى فألغى هذا الظاهر هنا ولم يعتبر بخلاف الظواهر التي ذكرناها لا يطرقها ما طرق هذا فاعتبرت وترتب الحكم عليهما. انتهى.
وقال القاضي أبو عبد الله المقري: قاعدة: المدعى أبعد المتداعيين سببا، وهو من كان على خلاف أصل أو عرف أو ظهار، والمدعى عليه أقربهما سببًا وهو من وافقت دعواه أحدهما وقد يتساويان كالمتبايعين/ ١٦٨ - أفالأصل كدعوى بقاء الملك، والعرف كدعوى الأشبه وهي مسموعة بعد الفوات اتفاقًا، ومع القيام قولان.
ابن بشير: وهما خلاف فى حال، فإن ادعى شبها وأبعد صاحبه فينبغي أن لا يختلف أن القول قول من ادعى الشبه، وإن ادعى الآخر ما يمكن ويتغابن الناس به لم يلتفت إلى الشبه، والظاهر.
أما ظاهر حال أو قرينة فقال: وبالجملة ما أفاد ظن الصدق، وليس كل طالب مدعيا ولا كل مطلوب مدعى عليه، فعلى هذه القاعدة تتخرج فروع الدعاوى قال ابن المسيب: من عرف المدعى من المدعى عليه لم يلتبس عليه الحكم انتهى وقال العلامة شهاب الدين بن حجر: واختلف الفقهاء فى تعريف المدعى والمدعى عليه [والمشهور فيه تعريفان:
الأول: المدعى من يخالف قوله الظاهر، والمدعى عليه] بخلافه.
الثانى: من إذا سكت تركه وسكوته، والمدعى عليه إذا سكت لم يترك، والأول
[ ٢ / ٦٠١ ]
وأشهر والثاني أسلم.
وقد أورد على الأول أن المودع إذا ادعى الرد أو التلف، فإن دعواه يخالف الظاهر، ومع ذلك فالقول قوله، وقيل فى تعريفهما غير ذلك انتهى.
والثانى قد ذكره المازرى فى شرح التلقين عن بعضهم.
قوله: «بعضهم يحققه بأنه أقرب خصمين سبب» أى بعضهم يحقق المدعى عليه بما ذكر، وفسر المؤلف هذا البعض فى طرة بخطه بقوله: هو القرافى وغيره.
وفسره تلميذ له زعم أنه أخرج نسخته من مبيضه المؤلف وأنه سأله عن كل ما أشكل فيها وأنه لم يسبقه إلى كتبها أحد.
بقوله: نقله القرافى عن بعضهم. انتهى.
وقد رأىت أن القرافى نقله عن الأصحاب وقرره وسلمه فهو أحد القائلين به والبعض يصدق على الواحد والجماعة فصح كل من التفسرين.
ابن عبد السلام بعد أن ذكر أنه اختلفت عبارات الفقهاء فى تحديد كل واحد منهما قال: وتحويمهم على شيء واحد، وهو أن من أراد التمسك بالأصل فهو المدعى عليه، ومن أراد النقل/ ١٦٨ - ب عنه فهو المدعى، إلى غير ذلك من العبارات المؤدية إلى هذا المعنى، غير أنه يتعارض النظر فى كثير من المسائل من هو المتمسك بالأصل من الخصمين.
وأيضا فهنالك أمور [اختلف الفقهاء فى ترجيح أحد الخصمين على الآخر بسببها وأمور] اتفقوا على الترجيح بها، ويختلف النظر فى حصول ذلك المرجح فى صورة النزاع فهذه الوجوه وما أشبهها صعب علم القضاء ودق.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
وقوله: «والضد مدع» أى المدعى هو الضد على كلا التعريفين.
ابن عبد السلام: فإن قلت: لا إشكال أن كل خصمين فلا بد أن يكون أحدهما مدعيا [والآخر مدعى عليه، أو يكون أحدهما مدعيًا] من وجه مدعى عليه من وجه وبالجملة إن معرفة المدعى تغني عن معرفة المدعى عليه، فلم عرف المؤلف كل واحد منهما وهلا اكتفى المدعى بتعريف أحدهما عن تعريف الآخر؟
قلت: قد قلنا الآن إنه ربما أشكل تمييز المدعى عليه فى صورة بعض الصور وقد تكون معرفة كل واحد منهما ظاهرة، وقد تكون معرفة أحدهما دون الآخر فإذا كان رسم كل واحد منهما معلومًا الفقيه، وعرضت عليه مسألة نظر فيما ينوب كل واحد من الخصمين، فإن انطبق رسم المدعى على كلام أحدهما [ورسم المدعى عليه على الآخر فذلك غاية البيان، وان انطبق رسم المدعى على كلام أحدهما] ولم ينطبق رسم المدعى على كلام الآخر، لم يضره ذلك، لن معرفة المدعى توجب معرفة المدعى عليه، وكذلك العكس، فلهذا احتاج إلى تعريف كل واحد منهما والله أعلم.
قوله: «كناظر طلب» أي ناظر على يتيم طلبه اليتيم بعد الرشد بالمال، فزعم الدفع فهو مدع، لأن الأصل الاستصحاب، لأن اليتيم لم يأتمنه، وقد مر ما فيه من الخلاف.
[ص]
٣٥٩ - طلب ما بذمة المعين أو المعين كثوب بين
٣٦٠ - أو مترتب عليه ما ذكر كمرأة ووارث اعتبر/ ١٦٩ أ
٣٦١ - شرعا وإلا لا كعشر سمسمه دعوى صحيحة وجهلا عدمه
٣٦٢ - ولم تكذب عادة وحققا وفرض صح به تعلقا
[ش]
القرافى: فى الفرق الحادى والثلاثين والمائتين بين قاعدة الدعوى الصحيحة والدعوى الباطلة: فضابط الدعوى الصحيحة أنه طلب معين، أو ما فى ذمة معين، أو ما يترتب عليه أحدهما معتبر لا تكذيبا العادة شرعا:
[ ٢ / ٦٠٣ ]
فالأول: كدعوى أن السلعة اشتراها وغصبت منه.
والثانى: كالديون والسلم، ثم المعين الذي يدعى فى ذمته، قد يكون معينًا بالشخص كزيد أو بالصفة كدعوى الدية على العاقلة، والقتل على جماعة وأنهم اتلفوه له متمولا.
الثالث: كدعوى المرأة الطلاق، أو الردة على زوجها، فيترتب لها حوز نفسها وهى معينة، أو الوارث أنه مات مسلما أو كافرا فيترتب له الميراث المعين فهن مقاصد صحيحة.
وقولنا معتبر شرعا احترازا من دعوى عشر سمسمة فإن الحاكم [لا يسمع مثل هذه الدعوى] فإنه لا يترتب عليها نفع شرعى، ولهذه الدعوى أربعة شروط:
أن تكون معلومة، محققة، لا تكذبها العادة، يتعلق بها غرض صحيح.
وفى الجواهر: لو قال: لي عليه شئ لم تسمع دعواه، لأنها مجهولة، وكذلك أظن أن لى عليك ألفا أو لك علىّ ألف، وأظن أنى قبضتها لم يسمع لتعذر الحكم بالمجهول إذ ليس بعض أولى من بعض، ولا ينبغى للحاكم أن يدخل فى الخطر بمجرد الوهم من المدعى.
ثم قال بعد كلام: وقول أصحابنا: إن من شرطها أن تكون معلومة نظر فإن الإنسان لو وجد وثيقة فى تركة مورثه، أو أخبره عدل بحق له فالمنقول جواز الدعوى بمثل هذه والحلف بمجرده عندنا، وعندهم- يعنى الشافعية مع أن هذه الأسباب لا تفيد
[ ٢ / ٦٠٤ ]
إلا الظن [فإن العلم فى نفس الطلب وليس كذلك] وإن أرادوا التصريح بالظن يمنع الصحة والسكوت عنه لا يقدح، فهذا مانع إلا أن عدمه شرط.
وأيضا فما جاز الإقدام معه/ ١٦٩ - ب لا يكون التصريح به مانعا، كما لو شهدوا بالاستفاضة وبالسماع وبالظن فى الفلس (وحصر الورثة) وصرح بمستنده فى الشهادة.
وقال بعض الشافعية: يقدح تصريح الشاهد بمستنده فى ذلك، وليس له وجه فإنما جوزه الشرع لا يكون النطق به منكرا وهذا مقتضى القواعد.
ثم قال بعد كلام: المسألة الثانية فى بيان قولي: لا تكذبها العادة والدعاوى ثلاثة أقسام:
قسم: تصدقه العادة كدعوى القريب الوديعة.
وقسم: تكذبه العادة، كدعوى الحاضر الأجنبي ملك الدار فى يد زيد، وهو حاضر يراه يهدم ويبنى ويؤجر مع طول الزمان من غير وازع يزعه عن الطلب من رغبة أو رهبة فلا تسمع دعواه، لظهور كذبها، والسماع انما هو لرفع الصدق، فإذا تعين الكذب عادة امتنع رفع الصدق.
والقسم الثالث: لم تقض العادة بصدقها ولا كذبها كدعوى المعاملة ويشترط فيها الخلطة.
قوله: «طلب ما بذمة المعين».
القرافى: الذمة معنى شرعى مقدر في المكلف قابل للالتزام والإلزام وشرط ثبوته
[ ٢ / ٦٠٥ ]
انتفاء الحجر انتهى.
وقد مر تحقيق ذلك.
وطلب مبتدأ، والخبر دعوى صحيحة، والمعين من قوله: «أو المعين» معطوف على ما بين نعت لثوب ومعناه كثوب ظاهر، وأشار بظهوره إلى تعيينه ومترتب هو ما ذكر، وما واقعه على المعين، أو غير المعين أى أو مترتب عليه أحدهما، ومعتبر من كلام القرافى مخفوض نعت لأحد الثلاثة السابقة وعبارة القرافى الآتية أبين.
قوله: «كمرأة ووارث» هما مثالان للمترتب عليه المعين، قوله: «إن اعتبر شرعا» ضمير اعتبر عائد على ما، أى إن اعتبر المطلوب المدعى فيه شرعا وهذا الكلام مؤخر في التقدير عن قوله دعوى صحيح أى طلب ما تقدم دعوى صحيحة إن اعتبر شرعا، وعدم جهلا- إلى آخره-.
قوله: «وإلا لا» أى وان لا يعتبر شرعا فلا تصح الدعوى، فحذف الفاء من جواب الشرط للضرورة، كقول الشاعر:/ ١٧٠ - أ
من يفعل الحسنات الله يشكرها
وقوله: «وجهلا عدمه» جهلا منصوب على شريطه التفسير والمفسر معطوفا على اعتبار أى وان اعتبر المدعى فيه شرعا وعدم جهلا عدمه، وطرر عليه المؤلف بخطه جملة حالية. انتهى.
وعليه فتقدر قد، أى وقد عدم جهلا، [ولم تكذب عادة، وهو معطوف على اعتبر وكذا قوله: «وحققا» أى مطلوب]، قوله: «وفرض صح به تعلقا» يحتمل أن يكون رفع غرض بفعل محذوف يفسره ما بعده، وتكون الواو عاطفة على اعتبر ويحتمل أن يرتفع على الابتداء فتكون الواو للحال، والظاهر أن هذا الشرط يغني عن قوله إن اعتبر شرعا، لكونه أشمل، ويتبين بكلام القاضى أبى عبد الله المقرى قال:
قاعدة: لا يعتبر الشرع من المقاصد إلا ما تعلق به غرض صحيح من جلب مصلحة
[ ٢ / ٦٠٦ ]
أو درء مفسدة، ولذلك لا يسمع الحاكم الدعوى في الأشياء التافهة الحقيرة ولا يمكن المستأجر ونحوه من قلع ما لا قيمة له بعد القلع، ومقتضى هذه القاعدة أنه إذا عين صاعا من صبرة وباعه أنه لا تعين وإن قالت المالكية بتعينه ولا العين لذتها وان اختلفوا فيه.
وقال أيضا بعد: قاعدة: الدعوى الصحيحة طلب معين أو ما في ذمة معين أو ما يترتب نفع معتبر شرعا بحيث لا تكذبه العادة كدعوى المرأة الطلاق فيترتب لها حوز نفسها والوارث أنه مات مسلما أو كافرا فيترتب له الميراث.
[ص]
٣٦٣ - وكل ما ثبوته مقيد بشاهدى عدل فإن تجرد
٣٦٤ - فلا يمين مطلقا
[ش]
هذا كقول أبى عمرو بن الحاجب: وكل دعوى لا تثبت إلا بشاهدين فلا يمين بمجردها، ولا ترد كقتل العمد، والنكاح والعتق، والنسب والولاء والرجعة.
ابن عبد السلام: هذا ظاهر لأنه بتقدير أن ينكل المدعى عليه لا يتم الحكم عندنا بمجرد النكول بل لابد مع ذلك من يمين المدعى، وقد تقدم أن نكول المدعى عليه مع يمين المدعى/ ١٧٠ - ب إنما يجري فيه الشاهد واليمين.
قوله: «فإن تجرد فلا يمين مطلقًا» أى فإن تتجرد الدعوى التي لا تثبت إلا بشاهدين عن الشهادة فلا يمين، فتجرد على حذف إحدى التائين، ويحتمل أن يكون بضم التاء مبنيًا للمفعول فلا حذف، وضبطه المؤلف بهما، واحترز بشرط التجرد مما إذا اقترنت بشاهد واحد فإن اليمين تتوجه.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
ابن الحاجب: ويطالب المشهود عليه بالشاهد في النكاح والطلاق والعتاق بأن يقر أو يحلف فإن امتنع فالأخيرة أن يحبس لهما لا أن يحكم بالشهادة.
وقال ابن القاسم: يحبس سنة. قال سحنون أبدا.
خليل: ومساواته الناكح لهذين خلاف المعروف، نعم حكى ابن الهندى في وثائقه: قولان بوجوب اليمين في النكاح كما يجب فى غيره، لأن النكاح أشبه بالبيوع، واستقرى أيضا مما لابن القاسم فى الموازية، ومما في الواضحة من التوضيح وأصله لابن عبد السلام، وشمل إطلاق المؤلف دعوى جرح العمد على القول بأنه لا يثبت إلا بشاهدين.
ابن عبد السلام: واختلف المذهب فى توجه دعوى الجرح من غير بيان سببه فقيل: يحلف المدعى عليه [وقيل: لا يحلف وإن بين المدعى لذلك سببا فقيل: يحلف المدعى عليه] وقيل: يضرب، فإن أبى أن يحلف على القول بذلك فقيل: يسجن، وقيل: إن طال سجنه أدب إلا أن يكون مبرزا. صح من شرحه.
ابن فرحون: وقاعدة المذهب في هذا- أي في تعلق اليمين بالدعوى- أن كل دعوى لو أقر بها المدعى عليه، لا تنفع المدعى بإقراره، فإنه إذا لم يقر وأنكر تعلقت على اليمين على الجملة، ما لم يخرج ذلك أصلا من قواعد الشرع، مثل أن يطلب المحكوم عليه القاضي باليمين أنه ما جار عليه، أو يطلب المشهود عليه يمين الشهود أنهم لم يكذبوا في شهادتهم فإن هذا لا يختلف في سقوط الدعوى، وكونها لا يلتفت إليها، لأنها تفسد قواعد الشرع في الأحكام ولا يشاء أحد أن يحط منزلة القاضي والشهود إلا/ ١٧١ - أادعى مثل ذلك حتى يؤدى ذلك إلى الوقوف عن القضاء والشهادة، وأما تحليف القاضي للشهود فليس من هذا الباب وسيأتي ذكره في قسم السياسة.
مسألة: ويستثنى من هذه القاعدة أيضا دعوى المرأة على زوجها أنه طلقها
[ ٢ / ٦٠٨ ]
ودعوى العبد على سيده أنه أعتقه فإن عندنا لا تتعلق اليمين بهذه الدعوى مجردة لأجل أن ذلك لو فتح فيه الباب لم تشأ امرأة أن تستحلف زوجها كل يوم مرارا إلا وفعلت وكذا العبد مع سيده، إذ ادعى عليه العتق فسقطت هذه الدعوى مع كونها مفيدة لو أقر بها المدعى عليه، لأجل ما يتخوف من تكريرها مضارة حصول الأذى للأزواج والسادات انتهى.
وقاعدة المذهب التي ذكر أصلها للإمام المازرى ونقلها عنه صاحب التوضيح على قول ابن الحاجب: وكل دعوى لا تثبت إلا بشاهدين فلا يمين بمجردها.
[ص]
نعم تجب إن نفى وما كان طلب
٣٦٥ - مستوفيا شروط ما تقدما ومشبها كمن بسوق علما
[ش]
فاعل تجب عائد إلى اليمين، والقيد المنفى كون الدعوى لا تثبت إلا بشاهدين ويعنى بالشروط المتقدمة شروط الدعوى الصحيحة.
القرافى: في الفرق السابع والثلاثين والمائتين بين قاعدة من شرع إلزامه بالحلف وقاعدة من لا يلزمه الحلف: فالذى يلزمه الحلف كل من توجهت عليه دعوى صحيحة مشبهة، فقولنا صحيحة احترازا من المجهولة أو غيره المحررة، وما فات فيه شرط من الشروط المتقدمة فى هذه القاعدة، قولنا مشبهة احترازا من التي يكذبها العرف، وقد تقدم أن الدعوى ثلاثة أقسام، ما يكذبها العرف، وما يشهد لها وما لم يتعرض لتكذيبها ولا تصديقها.
فما شهد لها كدعوى سلعة معينة بيد رجل، أو دعوى غريب وديعة عند جاره، أو مسافر أنه أودع أحد رفقائه، وكالدعوى على الصباغ المنتصب أنه دفع إليه متاعا ليصبغه، أو على أهل السوق المنتصبين للبيع أنه اشترى من أحدهم، أو يوصى/ ١٧١ - ب في مرض موته أن
[ ٢ / ٦٠٩ ]
له دينا عند رجل، فيشرع التحليف ها هنا بغير شرط وتتفق الأئمة فيها والتي شهد بأنها غير مشبهة وهى كدعوى دين ليس على من تقدم فلا يستحلف إلا بإثبات خلطة انتهى.
قوله: «علما» صلة من أي كمن علم بسوق.
[ص]
٣٦٦ - والحكم والثبوت شيء اتحد وقيل غير ان نعم هذا أسد
٣٦٧ - وخصص الكل كما قد عمما نهوض حجة ثبوت رسما
٣٦٨ - والحكم إنشاء كلام قررا؟؟؟ في النفس إلزاما
[ش]
القرافى: في الفرق الخامس والعشرين والمائتين بين قاعدة الحكم وقاعدة الثبوت: اختلف فيهما، هل هما بمعنى واحد أو الثبوت غير الحكم والعجب أن الثبوت يوجد في العبادات والمواطن التي لا حكم فيها بالضرورة إجماعا فيثبت هلال شوال وهلال رمضان وتثبت طهارة المياه ونجاستها، ويثبت عند الحاكم التحريم بين الزوجين بسبب الرضاع، والتحليل بسبب العقد، ومع ذلك لا يكون شيء من ذلك حكما، وإذا وجد الثبوت بدون الحكم كان أعم من الحكم والأعم من الشئ غيره بالضرورة، ثم الذى يفهم من الثبوت نهوض الحجة كالبينة وغيرها، السالمة عن المطاعن فمتى وجد شيء من ذلك يقال في عرف الاستعمال ثبت عند القضى ذلك، وعلى هذا التقدير يوجد الحكم بدون الثبوت أيضا كالحكم بالاجتهاد فيكون كل واحد منهما أعم من الآخر وأخص من وجه، ثم ثبوت الحجة مغاير للكلام النفسانى الإنشائى الذي هو الحكم، فيكونان غيرين بالضرورة ويكون الثبوت نهوض الحجة، والحكم إنشاء كلام في النفس هو إلزام والحكم ويترتب على هذا الثبوت، وهذا فرق آخر من جهة أن الثبوت يجب تقديمه على الحكم، ومن قال بأن
[ ٢ / ٦١٠ ]
الثبوت هو الحكم لم يتحقق له ما معنى ما هو.
قوله: «نعم هذا أسد» أي القول بأنهما غير ان أسد من لقول الاتحاد.
قوله: «وخصص/ ١٧٢ - أالكل كما قد عمما» أي جعل كل واحد من الحكم والثبوت أخص من الآخر وأعم بمعنى أن بينهما عموما وخصوصا من وجه.
قوله: «نهوض حجة ثبوت رسما» أي الثبوت رسم، أي عرف بنهوض الحجة فانتصب نهوض بعد إسقاط الخافض.
قوله: «والحكم إنشاء كلام قروا في النفس إلزاما» نصب إلزاما على الحال من ضمير قرر، وهذا كقول القرافى: والحكم إنشاء كلام في النفس هو إلزام.
قال القاضي أبو عبد الله المقرى: قاعدة: الفتيا إخبار عن حكم الله تعالى فهو كالمترجم، والحكم إنشاء له، فهو كالنائب، فمن ثم لا تلزم الفتيا من لا يعتقدها كالإمام الشافعى يثبت الهلال بواحد ويبرح به، فلا يلزم المالكي الصوم بذلك ويلزمه الحكم مطلقا، ومن ثم قيل: الحكم هو الثبوت، فهما غيران مطلقا انتهى.
وقال ابن عبد السلام: ولا يكون قول القاضى ثبت عندى حكما منه، بمقتضى ما ثبت عنده فإن أعم منه، وإنما أوجب هذا البيان أن بعض من ينتهى إلى علم الأصول من أهل القيروان غلط فى ذلك، فألف الإمام المازرى جزءًا فى الرد عليه وجلب عليه نصوص المذهب والمسألة جلية لا تحتاج إلى بيان.
الشيخ ابن عرفة: وأنا أذكر لبابه مختصرا- أي لباب الجزء- فإنه تفريق بخطابات أدبية لا يحتاج لذكرها هنا.
[ ٢ / ٦١١ ]
قال: حدث سؤال أفتيت فيه وجميع من يستفتى بالمهدية بجواب واحد، وعلى أن ما خالفه باطل فاسد، فظن بعض من نشأ ممن ينسب للفقه أنه خفى شأنه وأخمله زمانه مكنونه وكشفه.
وهو: أن بعض القضاة أنفذ كتابا لقاض، ذكر فيه: وثبت لدى أن فلانا وفلانا اشتريا من فلان في عقد واحد كذا وكذا سهما بثمن سماه، ثم ذكر بعد ذكر هذا وما يتعلق به فسألنى الحامل لهذا الكتاب إنهاء جميع ذلك للقاضى ليفعل فيه موجبه، فاتفق رأى الجماعة الذين استرشدوا فيه/ ١٧٢ - ب على أنه لا يوجب نقل ملك البائع فتتعلق به الأحكام التابعة لنقل الملك من الشفعة وغيرها، وعن تعلق الشفعة وقع الكلام، والدليل أن هذا الكتاب لا يوجب على الشريك أخذا للشفعة أو تركها أنها لا تجب إلا بعد انتقال الملك، لأن بيع الخيار لا تجب فيه الشفعة ما لم يبت، والملك قد انتقل فيه على أحد القولين عندنا، والملك لا يثبت انتقاله إلا إذا اعترف بع المتعاقدان، أو حكم به عليهما عند الإنكار، وهذا الكتاب لم يذكر فيه اعتراف البائع بالبيع، ولا صرح من بعثه بأنه حكم بالبيع وقضى به، بل أورد لفظا محتملا للحكم ولما سواه، ولا تلزم القضايا والأحكام بلفظ فيه إشكال وإيهام، وهذا مما لا يختلف فيه أحد من ذوى الأفهام، واللفظ الذي أشرنا إليه بالاحتمال هو قول القاضى: وثبت عندى أن فلانا اشترى من فلان، وقوله: ثبت عندى لفظ يتردد بين ثبوت حكم وقضية، وبين استماع لما أثبته من بينة زكية دون إيقاع حكم، وأبرام قضية فإن تعسف متعسف ورأى أن الثبوت نص في القضايا والأحكام، قيل له: انما يتحاكم في هذا لأهل اللسان، وأرباب البيان، ووجدنا أهل اللسان يقولون ثبت عندنا موت الخليفة وخصب أرض كذا، وثبت عدنا ظلم فلان وعداوته إلى غير ذلك مما علموه بالخبر عنه وتلقوه بالقبول من أفواه العدول مما لا يصح أن ينتصب له الحكام وتطلب فيه القضايا والأحكام، وجملة الأمر أن المعنى بالثبوت لغة حصول الأمر وتحققه ولهذا حد بعض المتكلمين العلم بأنه إثبات المعلوم على ما هو به، وإن كان هذا الحد مرغوبا عندنا والروايات مسطورة بصحة ما قلناه.
[ ٢ / ٦١٢ ]
قال أشهب: إذا كتب قاض إلى قاض بأمر مختلف فيه والمكتوب إليه لا يرى ذلك الرأى فإن كتب إليه أنه حكم بما في كتابه وأنفذه جاز ذلك، وأنفذه، هذا وإن لم يكن قطع فيه الحكم، وإنما كتب بما ثبت عنده للخصم فلا ينبغي له أن يعمل برأى الكاتب، ومثله لابن حبيب عن الأخوين.
وفي الموازية/ ١٧٣ - أيجب إنفاذ ما فى كتاب القاضى إن كان فيه إنى قضيت لفلان على فلان، وإن لم يكن في الكتاب الفراغ من الحكم فعلى المكتوب إليه أن يتم الحكم ولا يستأنفه.
ابن عرفة مسألة النزاع بين المازرى ومنازعه مبنية على تحقيق أمرين:
أحدهما: أن فاعل ثبت في كتاب القاضى لقاض آخر بلفظ ثبت كذا هل هى بمنزلة المقضى به عنده أم لا؟ والحق أنه مختلف فيه على قولين:
أحدهما: أنه ليس كالمقضى به وظاهر قول ابن رشد حيث قال فيما قدمناه عنه فى مسألة تسمية القاضى فى كتابه من شهد عنده ما نصه: لأن كتاب القاضى بما ثبت عنده على رجل في بلد المكتوب إليه ليس بحكم على غائب.
والثانى: أنه كالمقضى به وهو فهم ابن رشد المذهب. حيث قال: إن كتب بثبوت شهادة البينة فقط لم يأمر بإعادة شهادتهم، وإن كتب بتعديلهم أو بقبوله إياهم إلى آخر كلامه المتقدم.
ولفظ لمازرى الذي نقلناه عنه من شرح التلقين نص فى أنه مختلف فيه بين العلماء.
ولم يصرح فيه عن المذهب بشئ، ونقل الشيخ عن أشهب: يقتضى أنه ليس كالمقضى به.
الأمر الثانى: هو أن مسمى اشترى هل يقتضى ثبوت ملك المشترى، مفعول اشترى وهو المشترى أم لا فالمازرى ومن ذكر أنه وافقه على فتواه من فقهاء (المهدية) يقول:
[ ٢ / ٦١٣ ]
إنه لا يقتضي ملكه، وخصمه يقول: يقتضى ملكه ابن عرفة: وهذا هو مقتضى ألفاظ المدونة عندى، منها قولها- إلى آخره- وبفهم كلامه في المسألة تتحرر وينجلى تحقيقها.
[ص]
وقد تأثرا
٣٦٩ - به الذى تقاربت مداركه وباجتهاد تنجلى مسالكه
٣٧٠ - لاجل ما يصلح من دنيا وقد اختص بالفتيا جميع ما ورد
٣٧١ - من العبادات وما قد منعا منها وأسباب شروط جمعا
٣٧٢ - وما للآخرة فيه اختلفا ورسمها أخبار من قد عرفا
٣٧٣ - بأنه أهل بحكم شرعا والحكم وهى في سواها اجتمعا
٣٧٤ - وربما شاركها فيما ذكر من الزكاة أيضا إن له افتقر/١٧٣ ب
[ش]
القرافى: في الفرق الرابع والعشرين والمائتين بين قاعدة الفتوى وقاعدة الحكم: وينبنى على الفرق تمكين غيره من الحكم بغير ما قال فى الفتيا فى مواقع الخلاف بخلاف الحكم.
واعلم أن العبادات كلها على الإطلاق لا يدخلها الحكم البتة، بل الفتيا فقط فكل ما وجد فيها من الأخبار فهى فتيا فقط فليس للحاكم أن يحكم بأن هذه الصلاة صحيحة ولا باطلة، ولا أن هذا الماء دون القلتين فيكون نجسا فيحرم على المالكى بعد ذلك استعماله بل يقال فى ذلك إنما هو فتيا إن كانت مذهب السامع عمل بها، وإلا فله تركها والعمل بمذهبه، ويلحق بالعبادات أسبابها فإذا شهد بهلال رمضان شاهد واحد فأثبته حاكم شافعى، ونادى فى المدينة بالصوم، ولا يلزم ذلك المالكى، لأن ذلك فتوى وليس بحكم وكذلك إذا قال حاكم: قد ثبت عندى أن الدين يسقط الزكاة أو لا يسقطها، أو ملك النصاب من الحلى المتخذ لاستعمال مباح سبب وجود الزكاة [فيه، أو أنه لا يوجب
[ ٢ / ٦١٤ ]
الزكاة] أو غير ذلك من أسباب الأضاحى والعقيقة، والكفارات، والنذور، ونحوها من العبادات المختلف فيها، أو فى أسبابها لا يلزم شئ من ذلم من لا يعتقده، بل يتبع مذهبه فى نفسه ولا يلزمه قول ذلك القائل لا فى عبادة ولا فى سببها، ولا شرطها لا مانعها.
وبهذا يظهر أن الإمام لو قال: لا تقيموا الجمعة إلا بإذنى لم يكن ذلك حكما وان كانت مسألة مختلف فيها، هل تفتقر الجمعة إلى إذن السلطان أم لا؟ وللناس أن يقيموها بغير إذن الإمام، إلا أن يكون ذلك صورة المشاقة، وخرق الولاية، وإظهار الفساد والمخالفة فممتنعة إقامتها بغير أمره، لأجل [ذلك لا ل] انه خلاف اتصل به حكم حاكم، وقد قاله بعض الفقهاء، وليس بصحيح، بل حكم الحاكم إنما يؤثر إذا أنشأ في مسألة اجتهاد تتقارب فيها المدارك، لأجل مصلحة دنيوية، فاشتراط قيد الإنشاء احتراز من/ ١٧٤ - أحكمه فى مواقع الإجماع فإن ذلك إخبار وتنفيذ محض، وفى مواقع الخلاف ينشئ حكما وهو إلزاما أحد القولين اللذين قيل بهما في المسألة ويكون إنشاؤه اخبارا خاصا عن الله تعالى فى تلك الصورة فى ذلك الباب، وجعل لله تعالى إنشاءه في مواطن الخلاف قضاء ورد من قبله في خصوص تلك الصورة، كما لو قضى فى امرأة علق طلاقها قبل الملك بوقوع الطلاق فتناول هذه الصورة الدليل الدال على عدم لزوم الطلاق عند الشافعى وحكم الحاكم بالنقض، ولزوم الطلاق نص خاص يختص بهذه المرأة المعينة، وهو نص من قبل الله تعالى، فإن الله تعالى جعل ذلك للحاكم رفعا للخصومات والمشاجرات، وهذا النص الوارد من هذا الحاكم أخص من ذلك الدليل [فتقدم عليه، لأن القاعدة الأصولية أنه إذا تعارض الخاص والعام] قدم الخاص على العام، فلذلك لا يرجع الشافعى يفتى بمقتضى دليله العام الشامل لجملة هذه القاعدة في هذه الصورة، منها لتناولها نص خاص مخرج لها عن مقتضى ذلك الدليل
[ ٢ / ٦١٥ ]
العام، ويفتي الشافعي بالعام فيما عدا هذه الصورة من هذه القاعدة.
وكذلك لو حكم الشافعى باستمرار الزوجية بينهما خرجت هذه الصورة عن دليل المالكى وأفتى فيها بلزوم النكاح ودوامه، وفى غيرها بلزوم الطلاق، لأجل ما أنشأه الشافعى من الحكم تقديما للخاص على العام، فهذا هو معنى الإنشاء وقولى: فى مسألة اجتهادية احترازا من مواقع الإجماع، فإن الحكم هنالك ثابت بالإجماع فتعذر فيه الإنشاء لتعيينه وثبوته إجماعا.
وقولى: تتقارب مداركها احترازا من الخلاف الشاذ على المدرك الضعيف.
وقولنا: لأجل مصالح الدنيا احترازا من العبادات، والفتوى بتحريم السباع وطهارة الأوانى وغير ذلك مما يكون اختلاف المجتهدين فيه لا للدنيا بل للآخرة بخلاف المنازعة في العقود والرهون والأوقاف ونحوها إنما ذلك لمصالح الدنيا.
وبهذا/ ١٧٤ - ب يظهر أن الأحكام الشرعية قسمان:
منها: ما يقبل حكم الحاكم مع الفتيا فيجتمع الحكمان.
ومنها: ما لا يقبل إلا الفتيا، ويظهر لك بهذا أيضا تصرف رسول الله ﷺ، إذا وقع هل هو من باب الفتوى، أو من باب القضاء، والإنشاء.
وأيضا يظهر أن أخبار الحاكم عن نصاب اختلف فيه أنه يوجب الزكاة فتوى.
وأما أخذه للزكاة فى مواطن الخلاف فحكم وفتوى من حيث إنه تنازع بين الفقراء والأغنياء فى المال الذى هو مصلحة دنيوية.
وكذلك إن تصرف السعاة والجباة فى الزكاة أحكام لا ينقضها وان كانت الفتيا عندنا على خلافها، ويصير حينئذ مذهبنا.
[ ٢ / ٦١٦ ]
ويظهر بهذا التقرير سر قول الفقهاء: إن حكم الحاكم فى مسائل الاجتهاد لا ينقض وأنه يرجع على القاعدة الأصولية، وتصير هذه الصورة مستثناة من تلك الأدلة العامة كما المصراة والعرايا والمساقاة وغيرها من المستثنيات.
ويظهر بهذا ان التعزيزات من الحكام ليست أحكاما فتبقى الصورة قابلة لحكم جميع تلك الأقوال المنقولة فيها.
ثم قال بعد كلام: فظهر أيضا من هذه الفتاوى والمباحثات أن الفتوى والحكم كلاهما إخبار عن حكم الله تعالى، ويجب على السامع اعتقادهما، وكلاهما يلزم المكلف من حيث الجملة، لكن الفتوى إخبار عن الله تعالى في إلزام أو إباحة والحكم إجبار ومعناه الإنشاء والإلزام من قبل الله تعالى.
وبيان ذلك بالتمثيل:
إن المفتى مع الله تعالى كالمترجم مع القاضى ينقل ما وجده عن القاضى واستفادة عنه بإشارة أو عبارة أو فعل أو تقرير أو ترك.
والحاكم مع الله تعالى كنائب الحاكم ينشئ الأحكام والإلزام بين الخصوم، وليس بناقل ذلك عن مستنيبه، قال له: أى شئ حكمت به على القواعد فقد جعلته حكمى فكلاهما موافق للقاضى ومطيع له وساع في تنفيذ مراده، غير أن أحدهما ينشئ والآخر ينقل نقلا محضا من غير اجتهاد له فى الإنشاء، كذلك المفتى والحاكم كلاهما مطيع لله تعالى/ ١٧٥ - أناقل لحكمه غير أن الحاكم منشئ والمفتى مخبر محض انتهى.
وقد اعترض الإمام أبو القاسم ابن النشاط كثيرا من كلامه في هذا الفرق، وقال لا أشد فسادا من كلامه فى هذا الفصل، فقال فى كلامه: لا يلزم ذلك المالكى لأن ذلك ليس بحكم، فيما قاله فى ذلك نظر، إذ لقائل أن يقول: وهو حكم يلزم جميع أهل ذلك البلد.
[ ٢ / ٦١٧ ]
وقال في قوله: وكذلك إذا قال حاكم ثبت عندى أن الدين يسقط الزكاة- إلى قوله-: لا فى عبادة ولا فى سببها، ولا شرطها ولا ما معها، لقائل أن يقول: إنه يلزم غير ذلك الحاكم ممن يخالف مذهبه ما ينبنى هلى ذلك الثبوت، كما إذا ثبت عنده أن الدين لا يسقط الزكاة، وأراد أخذها ممن يخالف مذهبه مذهبه أنه لا يسوغ له الامتناعمن دفعها له وكذلك ما أشبه ذلك.
وكذلك على قوله: وقد قاله بعض الفقهاء، وليس هو صحيح كما قال ذلك الفقيه، لأنه حكم حاكم اتصل بأمر مختلف فيه فتعين الوقوف عند حكمه.
وقال على قوله: فاشتراط قيد الإنشاء احترازا من حكمه فى مواقع الإجماع فإن ذلك إخبار وتنفيذ محض ليس ما قاله من أنه اخبار، بصحيح، بل هو تنفيذ محض وهو الحكم بعينه إذ لا معنى للحكم إلا التنفيذ، وما يوضح ذلك أنه لو أن حاكما ثبت عنده بوجه الثبت أن لزيد عند عمرو مائة دينار فأمره أن يعطيه إياها أن ذلك الأمر لا يصح بوجه أن يكون إخبارا وهذا الموضع وما أشبهه من مواقع الإجماع فلا يصح، قوله إن مواقع الإجماع لا يدخلها الحكم بل الإخبار بوجه أصلا وقال على قوله أثر الكلام السابق: وفى مواقع الخلاف ينشئ حكما وهو إلزاما أحد القولين اللذين قيل بهما فى المسألة، إلزامه أحد القولين هو تنفيذ الحكم وإمضاؤه بعينه.
وقال على قوله: ويكون إنشاؤه إخبارا خاصا عن الله تعالى فى تلك الصورة فى ذلك الباب وكيف يكون إنشاء ويكون مع ذلك خبرا وقد تقدم له الفرق بين الإنشاء والخبر، هذا ما لا يصح بوجه.
وقال على قوله: وجعل الله إنشاؤه فى مواطن/ ١٧٥ - ب الخلاف نصا ورد من قبله فى خصوص تلك الصورة- إلى قوله- فهذا هو معنى الإنشاء، ولا كلام أشد فسادا من كلامه فى هذا الفصل وكيف يكون إنشاء الحاكم الحكم فى مواقع الخلاف نصا خاصا من قبل الله
[ ٢ / ٦١٨ ]
تعالى، وقد قال النبى ﷺ: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد فاخطأ فله أجر» وكيف يصح الخطأ فيما فيه النص من قبل الله تعالى، هذا كلام بين الخطأ لا شك فيه، وما تخيل هو أو غيره لا يصح، ولا حاجة إليه وإنما تعين في القضية المعينة أحد القولين، أو الأقوال إذا اتصل به حكم الحاكم، لما فى ذلك من المصلحة فى نفوذ الحكم وثباته، ولما فيه من المفسدة لو لم ينفذ، لا لما قاله من أنه إنشاء من الحاكم موضوع كنص خاص من قبل الله تعالى وهو أعلم.
وقال على قوله: فإن (الحكم) هنالك ثابت بالإجماع فتعذر فيه الإنشاء لتعينه وثبوته إجماعا: هذا كلام ساقط أيضا، كما أن الحكم فى مواقع الإجماع ثابت بالإجماع فالحكم فى مواقع الخلاف ثابت بالخلاف فعلى القول بالتصويب كلاهما حق وحكم الله تعالى. وعلى القول بعدم التصويب أحدهما حق وحكم الله تعالى، ولكن ثبت العذر للمكلف فى ذلك، وما أوقعه فيما وقع فيه إلا الاشتراك الذى فى لفظ الحكم فإنه يقال الحكم [فى الطلاق المعلق على النكاح اللزوم للمقلد المالكى، ويقال الحكم] الذى حكم به الحاكم الفلانى على فلان معلق للطلاق لزوم الطلاق [والمراد بالحكم الأول لزوم الطلاق] لكل معلق للطلاق مالكى أو مقيد المالكى والمراد بالحكم الثانى لزوم الطلاق بإلزام الحاكم المحكوم عليه من مالكى أو غير مالكى والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ٦١٩ ]
[وقال على قوله: ويصبر حينئذ مذهبنا، لا يصير مذهبنا ولكنا لا ننقضها لمصلحة الأحكام].
وقال على قوله: وإنه يرجع إلى القاعدة الأصولية: لا رجوع للقاعدة الأصولية إن كان يعنى قاعدة الخاص والعام، ولكن يرجع إلى قاعدة فقهية وهى: أن الحكم إذا أنفد على مذهب ما لا ينقض لا يرد، وذلك لمصلحة الأحكام ورفع التشاجر والخصام.
وقال أيضا/ ١٧٦ - أعلى قوله: فظهر أيضا من هذه الفتاوى والمباحث أن الفتوى والحكم كلاهما إخبار عن حكم الله تعالى- إلى قوله- من قبل الله تعالى، قال:
كيف يكون الإخبار إنشاء، وقد فرق هو أول كتابه بينهما، وكيف يكون الحكم إلزاما من قبل الله تعالى وهو ممكن الخطأ على ما نص عليه النبى ﷺ فى الحديث الذى تقدم ذكره، هذا ما لا يصح.
وقال على قوله: وبيان ذلك بالتمثيل- إلى قوله- كنائب الحاكم ينشئ الأحكام والإلزام بين الخصوم، ما قاله صحيح وما مثل به كذلك، ان كان يريد بالإنشاء التنفيذ، والإمضاء لما كان قبل الحكم فتوى وإلا فلا. صح من إدرار الشروق على أنواء الفروق.
أبو عمرو بن الحاجب: ونقل الأملاك وفسخ العقود وشبهه واضح أنه حكم، وفتواه فى واقعة واضح أنه ليس بحكم [وتأثر مطاوع أثر] وفى مثل تقرير النكاح بلا ولى رفع إليه فأقره، قال ابن القاسم: حكم، وقال ابن الماجشون: ليس بحكم فلو قال: لا أجيزه ولم أفسخه ففتيا.
وقوله: «وقد تأثرا به الذى تقاربت مداركه* وباجتهاد تنجلى مسالكه لأجل ما يصلح من دنيا».
[ ٢ / ٦٢٠ ]
هذا كقول القرافي: حكم الحاكم إنما يؤثر إذا أنشأه فى مسألة اجتهاد تتقارب فيها المدارك لأجل مصلحة دنيوية.
[قوله: «جمعا» هو توكيد للعبادات وما عطف عليه].
قوله: «وما للآخرة فيه اختلفا» ومما اختلف فيه للآخرة لا للدنيا، وما هذه عطف على ورد أو على العبادات، ثم هو عطف عام على خاص، لأنه يشمل العبادات وغيرها، كتحريم السباع.
قوله: «ورسمها أخبار من قد عرفا بأنه أهل بحكم شرعا» أى ورسم الفتيا، وبأنه يتعلق بعرف أى عرف بأنه أهل الفتيا، وبحكم يتعلق بإخبار.
وفى المدونة: لا ينبغى لطالب العلم أن يفتى حتى يراه الناس أهلا للفتيا.
قال سحنون: الناس هنا العلماء.
وقال ابن هرمز: ويرى هو نفسه أهلا لذلك.
ابن عرفة: وقع هذا فى رسم الشجرة تطعم بطنين من جامع العتبية لابن هرمز فيما ذكه مالك وليس فيه ويرى هو نفسه أهلا لذلك.
قال/ ١٧٦ - ب ابن رشد: زاد فى هذه الحكاية فى كتاب الأقضية من المدونة ورأيت نفسك أهلا لذلك، وهى زيادة حسنة، لأنه أعرف بنفسه، وذلك أن يعلم من نفسه أنه كملت له آلات الاجتهاد، وذلك علمه بالقرآن وناسخه ومنسوخه ومفصله من مجمله وعامه من خاصه، وبالسنة مميزا بين صحيحها وسقيمها، عالما بأقوال العلماء وما اتفقوا عليه وما
[ ٢ / ٦٢١ ]
اختلفوا فيه عالما بوجوه القياس ووضع الأدلة مواضعهما وعنده من علم اللسان ما يفهم به معانى الكلام.
وفى نوازل ابن رشد سئل عمن قرأ الكتب المستعملة مثل المدونة والعتبية دون رواية أو الكتب المتأخرة التى لا توجد فيها رواية هل يستفتى وإن أفتى، وقد قرأها دون رواية هل تجوز شهادته أم لا؟ فأجاب: من قرأ هذه الكتب وتفقه فيها على الشيوخ وفهم معناها وأصول مسائلها من الكتاب والسنة والإجماع- وذكرنا ما نقلناه عنه فى البيان- قال: هذا يجوز له أن يفتى فيما ينزل ولا نص فيه باجتهاده، قال: ومن لم يلحق هذه الدرجة لم يصح أن يستفتى فى المجتهدات التى لا نص فيها، ولا يجوز له أن يفتى برأيه فى شئ منها إلا أن يعلم برواية عن عالم فيقلد فيما يخبر به، وإن كان فيها اختلاف أخبر بالذى ترجح عنده إن كان ممن له، فهم ومعرفة بالترجيح.
ابن عرفة: هذا حال كثير ممن أدركنا وأخبرنا عنه أنهم كانوا يفتون ولا قراءة لهم فى العربية فضلا عما سواها من أصول الفقه.
وقال القرافى: ما حاصله، لمن حفظ روايات المذهب وعلم مطلقها ومقيدها وعامها وخاصها أن يفتى بمحفوظه منها، وما ليس محفوظا له منها لا يجوز له تخريجه على محفوظه منها إلا إن حصل علم أصول الفقه وكتاب القياس وأقسامه وترجيحاته وشرائطه وموانعه، وإلا حرم عليه التخريج.
قال: وكثير من الناس يقدمون على التخريج دون هذه الشرائط بل صار يفتى من (لم) يحط بالتقيدات ولا التخصيصات من منقول إمامه، وذلك لعب/ ١٧٧ - أوفسق، وشرط التخريج على قول إمامه أن يكون القول المخرج عليه ليس مخالفا لإجماع ولا نص ولا قياس جلى، لأن القياس ع
ليه حينئذ معصية، وقول إمامه ذلك غير معصية، لأنه باجتهاد وأخطأ فيه مجملا فلا يأثم وتحصيل حفظ القواعد الشرعية إنما هو بالمبالغة في
[ ٢ / ٦٢٢ ]
تحصيل مسائل الفقه بأصولها وأصول الفقه لا يفيد ذلك، ولذا هذا الكتاب المسمى بالقواعد.
ابن عرفة قوله: ليس مخالفا لنص ولا أجماع، أما الإجماع فمسلم، وأما النص فليس كذلك، لنص مالك في كتاب الجامع من العتبية وغيره على مخالفته نص الحديث الصحيح، إذا كان العمل يخالفه.
المازرى: ومن يفتى في هذا الزمان أقل حاله أن يكون مطلعا على روايات المذهب، وتأويل الأشياخ وتوجيههم ما اختلفت ظواهر بعضها مع بعض وتشبيههم مسائل بمسائل قد يسبق الفهم تباعدها إلى غير ذلك مما بسطه الأشياخ فهذا لعدم المجتهد يقتصر على نقله.
واختلف أصحاب الشافعى فى جواز إفتاء المفتى إذا كان مجتهدا فى مذهب إمام وبجوازه أخذ القفال وهو مبنى على جواز تقليد الميت، وفيه خلاف بين الأصوليين.
ابن عرفة: فى هذا الإجراء نظر والأقرب فهمه على أن جواز تقليد الميت يمنع إفتاء المجتهد الخاص ومنعه يجيزه خوف التعطيل. انتهى.
وقد ذكر ابن الحاجب فى إفتاء من ليس بمجتهد أربعة أقوال المختار منها عنده أنه إن كان متطلعا على مآخذ الأحكام أهلا للنظر كان جائزا وإلا فلا.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
وقيل: إنما يجوز بمذهب المجتهد عند عدم المجتهد وأما مع وجوده فلا.
وقيل: يجوز مطلقا. واستغربهما معا الشارح العلامة الشيرازى.
وقال: ما ظفرت به فى شئ من الكتب قال: وكذا القول بالجواز مطلقا إنما جوز من جوز بشرط الاطلاع كما اختاره المصنف أو بشرط أن يثبت عنده مذهب ذلك المجتهد بنقل من يثق بقوله، وقيل: لا يجوز مطلقا، وهو مذهب أى الحسين بن الحاجب.
لنا وقوع ذلك وما ينكر وأنكر من غيره أى أنكر الإفتاء/ ١٧٧ - ب من غير من له الاطلاع على المآخذ وأهلية النظر، وليس الكلام فى نقل غير المجتهد إذا كان عدلا أنه قال مالك كذا، وقال الشافعى كذا، فإن هذا لا نزاع فى جوازه إنما النزاع فيما هو المتعارف من الإفتاء فى المذهب لا بطريق نقل كلام الإمام، بل بأن يقول مثلا مذهب مالك والشافعى فى هذه المسألة كذا.
قوله: «والحكم وهى فى سواها اجتمعا» أى والحكم والفتيا اجتمعا فى سوى العبادات وأسبابها وشروطها وموانعها، وما اختلف فيه للآخرة.
قوله: «وربما شاركها فيما ذكر من الزكاة أيضا أن له افتقر» منصوب شاركها يعود على الفتيا وضمير له يعود على الحكم، وجعل الزكاة مذكورة لدخولها فى العبادات أى وربما شارك الحكم الفتيا فى الزكاة إذا افتقر له، ويقع فى بعض النسخ عوض هذا البيت:
وفى الزكاة إذا بدا من الغنى أو من الغير اعتدا
وهاذ أوضح، ثم هو إشارة إلى قول القرافي.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
وأما أخذه للزكاة فى مواطن الخلاف- إلى قوله- ويظهر بهذا التقرير.
والغير أى غير الغنى أى إذا بدا من الغنى اعتداء على الفقير أو بالعكس يتنازعهما فى المال، وهذا بناء على قول المخطئة فالحاكم يأخذ الزكاة من الغنى إن صادف حكم الله فالغنى هو الذى اعتدى على الفقير فى منازعاته وامتناعه من ذفع الزكاة له، وان أخطأ ولم يصبه فالفقير هو الذى اعتدى على الغنى فى أخذه ماله من غير موجب، إلا أن هذا اعتداء بحسب ما فى الأمر وإلا فكل منهما معذور ولا إثم عليه فى التقديرين.
[ص]
٣٧٥ - وكل ما تعين الحق به ولا يؤدى أخذه لعيبه
٣٧٦ - لفتنة أو لفساد سمعا مما على ثبوته قد أجمعا
٣٧٧ - فليس يحتاج لحاكم بلا أضداد ما ذكر كالذ نقلا
٣٧٨ - مما للاجتهاد والتحرير .. يحتاج كالإنفاق للتقدير/ ١٧٨ - أ
٣٧٩ - أو ما يؤدى لخيانة وما إلى فساد العرض أو خوف الدما
[ش]
القرافى: فى الفرق الثالث والثلاثين (والمائتين) بين قاعدة ما يحتاج للدعوى، وبين قاعدة ما لا يحتاج إليها وتلخيص الفرق أن كل أمر مجمع على ثبوته وتعين الحق فيه ولا يؤدى أخذه لفتنة ولا تشاجر ولا فساد عضو أو عرض فيجوز أخذه من غير رفع للحاكم فمتى وجد المغصوب أو عين سلعته التى اشتراها أو ورثها، ولا يخاف من أخذها ضررا فله أخذها، وما يحتاج للحاكم خمسة أنواع:
النوع الأول: المختلف فيه هل هو ثابت أم لا، فلابد من الرفع فيه للحاكم فى بعض مسائله دون بعض كاستحقاق الغرماء لرد عتق المديان، وتبرعاته قبل الحجر عليه، فإن الشافعى لا يثبت لهم حقائق ذلك ومالك يثبته فيحتاج إلى قضاء الحاكم.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
وقد لا يفتقر هذا النوع للحاكم كمن وهب له متاع في عقار أو غيره أو اشترى مبيعا على الصفة أو أسلم في حيوان أو نحو ذلك، فإن المستحق المعتقد لصحة هذه الأسباب يتناول هذه الأمور من غير حاكم وهو كثير، والمفتقر منه للحاكم قليل.
وفى الفرق بين ما يفتقر من هذا النوع وبين ما لا يفتقر عموم.
النوع الثانى: ما يحتاج للاجتهاد والتحرير، فإنه يفتقر للحاكم كتقويم الرقاق في إعتاق البعض على المعتق، وتقدير النفقات للزوجات والأرقاب، والطلاق على المولى بعدم الفيئة، فإن فيه تحرير عدم فيئه، والمعسر بالنفقة لأنه مختلف فيه فمنعه الحنفية. ولأنه يفتقر لتحرير إعساره وتقريره وما مقدار الإعسار الذى يطلق به فإنه مختلف فيه، فعند مالك- يرحمه الله- لا يطلق بالعجز عن أصل النفقة والكسوة اللتين يفرضان بل بالعجز عن الضرورى المقيم [للبنية] وإن كنا لا نفرضه ابتداء.
النوع الثالث: ما يؤدى أخذه للفتنة كالقصاص في النفس، والأعضاء يرفع ذلك للأئمة لئلا يقع بسبب تناوله تمانع وقتل فتنة أعظم من الأولى، وكذلك التعزيز، وفيه أيضا الحاجة للاجتهاد في مقداره بخلاف/ ١٧٨ - ب الحدود في الحدود.
النوع الرابع: ما يؤدى إلى فساد العرض وسوء العاقبة، كمن ظفر بالعين المغصوبة المشتراة، أو الموروثة، لكن يخاف من أخذها أن ينسب إلى السرقة فلا يأخذه بنفسه ويرفعه للحاكم دفعا لهذه المفسدة.
النوع الخامس: ما يؤدى إلى خيانة الأمانة إذا أودع عندك من لك عنده حق عجزت عن أخذه لعدم اعترافه وعدم البينة عليه، فهل لك جحده، وديعته إذا كانت قدر
[ ٢ / ٦٢٦ ]
حقك من جنسه أو من غير جنسه، منعه مالك لقوله ﵇: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك».
وأجازه الشافعى لقول رسول الله ﷺ لهند عتبة امراة أبى سفيان لما شكت إليه أنه بخيل لا يغطيها وولدها ما يكفيهم فقال لها ﵇: «خذى لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف».
ومنشأ الخلاف هل هذا القول منه ﵇ فتيا، فيصح ما قاله الشافعى أو قضاء فيصح ما قاله مالك.
ومنهم من فصل بين ظفرك بجنس حقك فلك أخذه [وغير جنسه فليس لك أخذه] فهذا تلخيص الفرق بين هاتين القاعدتين انتهى.
قال القاضى أبو عبد الله المقرى: قاعدة: كل ما يفتقر إلى فحص وتلخيص وتختلف فيه الأحوال فلا يقع إلا بحكم حاكم ولا يكفى فيه وجود سببه وإلا كفى فطلاق المعسر يحتاج [إلى تحقق الإعسار، وتقدم الدين، ومن حلف ليضربن عبده ضربا مبرحا يحتاج] في العتق عليه إلا أن ذلك مما يباح أو يحرم، وهل جناية العبد مبيحة له أم لا؟ أما ان استغنى عن التخليص فإنه يكتفى بالسبب ليكون ذلك أقطع للخصومات.
قاعدة: كل ما فيه خلاف قوى فلا يقع إلا بالحكم كالإعتاق على الشريك
[ ٢ / ٦٢٧ ]
واختلفت الرواية عن مالك في كونه أو بالسراية، فإن ضعف الخلاف اكتفى بالسبب.
قوله: «وكل ما تعين الحق به» أي فيه. قوله: «ولا يؤدى أخذه لعيبه» أضاف العيب للمأخوذ لأن أخذه سبب عيب الأخذ/ ١٧٩ - أوالإضافة تسوغ بأدنى ملابسة ويحتمل- على بعد- أن يكون ضمير أخذه عائدًا إلى الأخذ، فإليه يرجع ضمير عيبه، ولا إشكال حينئذ.
قوله: «الفتنة» هون بدل من عيبه، أي ولا يؤدى أخذه لفتنة أو لفساد مسموع أي معتبر مقبول كفساد العرض أو العضو.
قوله: «مما على ثبوته قد أجمعا» أي حال كون هذا الذى تعين الحق به مما قد أجمع على ثبوت حكمه احترازا من المختلف فيه، قوله: فليس يحتاج لحاكم» هو خبر (كل) وقرنه بإلغاء لشبهه بالشرط في العموم والإبهام كقولهم الذى يأتينى فله درهم.
قوله: «بلى أضداد ما ذكر» أي بل يحتاج له أضداد ما ذكر والأضداد خمسة مثل منها بما عدا الأول وهو مختلف فيه، لأنه لا يتحتم الرفع فيه للحاكم بل قد يستغنى عن الرفع في بعض مسائله كما مر.
قوله: «مما للاجتهاد والتحرير [يحتاج» أي كالذى نقل مما يحتاج للاجتهاد والتحرير] وهذا النوع الثانى من كلام القرافى.
قوله: «أو يؤدى لخيانة» هذا النوع الخامس. وما معطوف على ما من قوله: «مما للاجتهاد».
قوله: «وما إلى فساد العرض» أي وما يؤدى إلى فساد العرض وهذا النوع الرابع: قوله: «أو خوف الدماء» أتى ما يؤدى إلى خوف الدماء، وهذا النوع الثالث.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
ابن الحاجب: ومن قدر على استرجاع عين حقه بيده آمنا من فتنة أنسبة إلى رذيلة جاز له، فأما في العقوبة فلابد من الحاكم، وأما من قدر على غيره فثالثهما: إن كان من جنسه جاز، وعليه الخلاف في إنكار من عليه شيء لمن أنكره غيره.
وقال في الوديعة: وإذا استودعه من ظلمه بمثلها، فثالثهما الكراهة، ورابعهما الاستحباب.
قال الباجى: والأظهر الإباحة لحديث هند.
[ص]
٣٨٠ - مستند الشهادة العلم نعم مدركه عقل ونقل وتضم
٣٨١ - ذوات حس لهما ومستدل قد يكتفى بالظن والسمع نقل
٣٨٢ - عزل وجرح سفه وكفر ثم نكاح ضدها وضر/ ١٧٩ ب
٣٨٣ - كهبة وصية وإنفاق ولادة حرابة وإعتاق
٣٨٤ - خلع رضاع نسب وأسر قسم قسامة ولوث يسر
٣٨٥ - اباق أو حمل وتفليس ولا جرح نيابة وإقرار جلا
٣٨٦ - وقف وتنفيذ وموت وابتياع تصرف إرث تصح بالسماع
[ش]
القرافى في الفرق السادس والعشرين والمائتين بين قاعدة ما يصح أن يكون مستندا في التحمل وبين قاعدة ما لا يصح أن يكون.
قال صاحب المقدمات: كل من علم شيئا بوجه من الوجوه الموجبة للعلم شهد به فلذلك صحت شهادة هذه الأمة لنوح ﵇ ولغيره على أممهم بأخبار رسول الله ﷺ عن ذلك، وصحت شهادة خزيمة ولم يحضر شراء الفرس، ومدرك العلم أربعة العقل وإحدى الحواس الخمس والنقل المتواتر، والاستدلال فتجوز الشهادة بما علم بأحد هذه
[ ٢ / ٦٢٩ ]
الوجوه وشهادة خزيمة كانت بالنظر والاستدلال، ومثله شهادة أبي هريرة أن رجلا قاء خمرا فقال له عمر: تشهد أنه شربها قال: أشهد أنه قاءها، فقال عمر ﵁: ما هذا التعمق فلا وربك ما قاءها حتى شربها.
ومنها شهادة الطبيب يقدم العيب، والشهادة بالتواتر كالنسب وولاية القاضي وعزله، وضرر الزوجين، والأصل في الشهادة العلم واليقين لقوله تعالى: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾.
وقوله: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾.
وقوله ﵇: «على مثل هذا فاشهد» أي على مثل الشمس، فهذا ضابط ما يجوز التحمل في الشهادة به، وقد يجوز بالظن والسماع، صح من الفروق.
أبو إسحاق بن فرحون في التبصرة: ولا تصح لشاهد شهادة بشئ حتى يحصل له به العلم إذا لا تحصل الشهادة إلا بما علم وقطع بمعرفته، ولا بما يشك فيه، ولا بما يغلب على الظن معرفته. قال تعالى: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ وقد يلحق الظن الغالب باليقين للضرورة في مواضع يأتي ذكرها، كالشهادة في/ ١٨٠ - أالتفليس، وحصر الورثة، وما أشبه ذلك.
والعلم يدرك بأحد أربعة أشياء.
الأول: العقل بانفراده فإنه يدرك به بعض العلوم الضرورية مثل أن الاثنين أكثر
[ ٢ / ٦٣٠ ]
من الواحد به حالة نفسه من صحته وسقمه، وإيمانه وكفره، ويصح بذلك شهادته على نفسه وما أشبه ذلك.
الثانى: العقل مع الحواس الخمس، حاسة السمع وحاسة البصر، وحاسة الشم وحاسة الذوق، وحاسة اللمس، فيدرك بالعقل مع حاسة السمع الكلام وجميع الأصوات، ولذلك نجيز شهادة الأعمى على الأقوال، إذا كان المشهود عليه قد لازمه كثيرا حتى يتحقق الأعمى كلامه، ويقطع عليه وكذلك الاستعمال ويدرك بالعقل مع حاسة البصر جميع الأجسام والأعراض والمبصرات، ولذلك نجيز شهادة الأصم على الأفعال، ونجيز الشهادة على الخط.
ويدرك بالعقل مع حاسة الشم جميع الروائح المشمومات فيدرك بها حال المسكر فتراق الخمر ويحد شاربها بالشهادة على الرائحة.
ويدرك بالعقل مع حاسة الذوق جميع الطعوم المذوقات، ولذلك تجوز الشهادة فى اختلاف المتبايعين فى صفة المبيع كالزيت الحلو وعكسه، والعسل الشتوى والربيعى والسمن المتغير وغير ذلك مما يكثر ذكره.
ويدرك بالعقل مع حاسة اللمس جميع المملوسات على اختلاف أنواعها، ولذلك نجيز شهادة أهل المعرفة في المتبايعين فى صفة المبيع فى اللين والخشونة وما أشبه ذلك.
الثالث: حصول العلم العلم بالأخبار المتواترة فإنه يحصل به العلم بالبلدان النائية والقرون الماضية وظهور النبي ﷺ ودعائه إلى الإسلام، وقواعد الشرع ومعالم الدين، ولذلك تجوز الشهادة بما علم من جهة الأخبار الصحيحة فى باب الولاء والنسب والموت وولاية القاضى وعزله، وضرر الزوجين، وما أشبه ذلك.
قال ابن رشد: فالعلم المدرك من هذه الوجوه الثلاثة علم ضرورى يلزم النفس لزوما لا يمكنها/ ١٨٠ - ب الانفصال عنه ولا الشك فيه.
الرابع: العلم المدرك بالنظر والاستدلال فالشهادة بما علم من جهة النظر والاستدلال (جائزة) كما تجوز بما علم من جهة الضرورة، وذلك مثل ما روى أن أبا هريرة شهد أن
[ ٢ / ٦٣١ ]
رجلا قاء خمرا فقال له عمر: أتشهد أنه شربها؟ فقال له: أشد أنه قاءها، فقال عمر: ما هذا التعمق فلا وربك ما قاءها حتى شربها.
ومن ذلك شهادة الحكماء فى قدم العيوب وحدوثها، وشهادة أهل المعرفة فى قدم الضرر وحدوثه، والشهادة فى معاقد القمط فى الحيطان وما أشه ذلك.
ومن هذا المعنى شهادة أمة محمد ﷺ يوم القيامة لنبيين على أممهم بالبلاغ، وشهادة المؤمن بأن الله وحده لا شريك له، وأنه حى عالم قادر إلى غير ذلك، من الصفات التى هو عليها لعلمه بذلك من جهة النظر والاستدلال وهذا باب واسع وانتهى.
القرافى أثر الكلام السابق: قال صاحب القبس: ما اتسع أحد فى شهادة السماع اتساع المالكية فى مواطن كثيرة، الحاضر منها على الخاطر خمسة وعشرون موضعا.
الأحباس، الملك المتقادم، الولاء، النسب، الموت، الولاية، العزل، العدالة، الجرحة، منع سحنون ذلك فيها قال علماؤنا: وذلك إذا لم يدرك زمان المجروح والمعدل فإن أدرك فلابد من العلم. الإسلام، الكفر، الحمل، الولاية، الرشد، السفه، الصدقة، الهبة، البيع فى حالة التقادم، الرضاع، النكاح، الطلاق، الضرر، الوصاية، إباق العبد، الحرابة وزاد بعضهم البنوة، الإخوة.
وزاد العبدى الحرية، القسامة، فهذه مواطن رأى الأصحاب فيجوز تحمل الشهادة بالظن الغالب، هذا ما يتعلق بكلام المؤلف من كلام القرافي.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
وزاد المؤلف على ما ذكره القرافى عن ابن العربى: الأسر، والملاء، والعدم، وهو مراد المؤلف بالتفليس، واللوث، والجرح، والإقرار، وتنفيذ الإيصاء والعتق، والتصرف، والنيابة والإرث، والخلع يتضمنه كلام ابن العربى لأنه داخل فى الطلاق/ ١٨١ - أأما الثلاثة الأولى فزادها ابن هارون وأما اللوث فظاهر كلام المؤلف أنه مغاير للقسامة وليس كذلك بل من عبر بالقاسمة فمراده اللوث وعبر عنه بالقسامة، لأنها مسببة عنه، ولهذا يعبر بعضهم بالقسامة وبعضهم باللوث ولا يجمعون بينهما.
اللخمى: ومما تثبت به القسامة السماع المستفيض مثل لو أن رجلا عدا على رجل فى سوق علانية مثل سوق الأحد وشبهه من كثرة الناق فقطع كل من حضر عليه الشهادة قال: فرأى من أرضى من أهل العلم أن هذا إذا كثر هكذا وتظاهر أنه بمنزلة اللوث انتهى.
وأما العتق فقال الشيخ ابن عرفة الأكثر لم ينص عليه بعينه فيها وهو عندى لاكتفائهم بذكر الولاء عنه ثبت ثبت العتق ومهما ثبت العتق الولاء ومهما انتفى أحدهما انتفى الآخر، ومهما ثبت أحد المتساويين ثبت الآخر.
وقال المازرى: ضبط عبد الوهاب ما تجوز فيه شهادة السماع بما لا ينقل ولا ينتقل وقبله هو والباجى منه ثم قال المازرى: اختلف الناس فى العتق منهم من لم يثبته بها ومنهم من أثبته بها وهو الحق.
ونحوه قول ابن عبد السلام: منهم من ألحق العتق بما يثبت بالسماع، وأما التصرف فظاهر كلام المؤلف أنه مغاير للإنفاق والنيابة وأن كلا منهما مقصود الشهادة بالذات.
وفى الكافى: جائز أن يشهد أنه لم يزل يسمع أن فلانا كان فى ولاية فلان، يتولى النظر له والإنفاق عليه بإيصاء أبيه إليه وتقديم قاض عليه وإن لم يشهده أبوه ولا القاضى بالتقديم، ولكنه علم ذلك بالاستفاضة من العدول وغيرهم، ويصح بذلك تسفيهه إذا شهد معه غيره بمثل شهادته، وفيها بين أصحابنا اختلاف انتهى.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
ونظمه الشيخ ابن عرفة فقال:
وقد زادنا الكافى سماع تصرف وإنفاق ذى إيصاء أو ذى نيابة
[ش]
هادة ظن بالسماع مقالتى لما عد متيطهم فى النهاية/ ١٨١ ب
فوقف قديم مثله البيع والولا وموت وارث والقضاء كالعدالة
وجرح وإنكاح وكفر وضده ورشد وتسفيه وعزل ولاية
وإضرر زوج والرضاع وفى النسب نفاس حكى اللخمى لوث قسامة
وإذا تأملت نص الكافى المتقدم ظهر لك أن مقصود الشهادة بالذات إنما هو تصحيح تقديم الحاكم، وإيصاء الأب وأن التصرف والإنفاق دليلان عليهما خلاف ظاهر كلام المؤلف، ونظم ابن عرفة، وأما الإرث فقد ذكره المتيطى.
ابن عرفة: المتيطى: قال ابن الهندى فى نسخته الكبرى: غمز بعض أهل عصرنا شهادة السماع على الضرر، واختار الشهادة على معرفة الضرر وقد غمز ابن القاسم هذا الذي اختاره، وكرهه وعلله من جهة القطع على أمر لا يعرف إلا بالاستفاضة والسماع، لأن الشهود لا يسكنون مع الزوجين وإنما هو عندهم بلاغ فترك الغامز العقل بما استحسن ابن القاسم وأجاز ما كرهه، ويجب إذا ثبتت المسألة رواية أن لا ترفع إلا برواية أثبت منها، وهذه المسألة من الثمانى عشرة التى تجوز شهادة السماع فيها. منها: الأحباس المتقادمة، والأشربة المتقادمة، والناكح والأنساب، والولاء، والميراث، والموت، وولاية القاضى، وعزلته، والعدالة والتجريح، والإسلام، والكفر بالله، والولادة، والرضاع، والترشيد، والتسفيه، وفى بعض هذا نزاع صح منه، وأما الجرح والإقرار فقد ذكرها الشيخ أبو عبد الله بن مرزوق.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
وأما تنفيذ [الإيصاء ففى مفيد الحكام لابن هشام أفتى ابن زرب فى وصى قامت له بينة على تنفيذ] وصية أسندت إليه بالسماع من أهل العدل وغيرهم من الثقات أنها جائزة.
والمفهوم من الوصية المذكورة فى كلام المؤلف أنها الوصية بالمال.
قال شيخ شيوخنا أبو عبد الله محمد بن غازى: ولم أر من صرح بالوصايا بالمال وإنما ذكر ابن العربى والقرافى والغرناطى لفظ الوصية غير مفسر، فالظاهر أنهم قصدوا ما فى/ ١٨٢ - أالكافى من الإيصاء بالنظر، وبذلك فسر صاحب التوضيح الوصية فى لفظ ابن العربى بعنى فى تذييل النظم الذى أوله:
أيا سائلى عما ينفذ حكمه ويثبت سمعا علم بأصله
وبعضهم ينسب الأصل لابن رشد والتذييل لولده.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
وظاهر كلام صاحب القبس أنه لا يشترط التقادم إلا فى الملك والعدالة والجرحة والبيع وليس الأمر كذلك.
وظاهر مختصر ابن الحاجب وخليل اشتراطه فى مطلق السماع فحمل ابن عبد السلام كلام ابن الحاجب على ظاهر إطلاقه.
وقال ابن هارون: ليس هذا على إطلاقه انما هو فى الملك والوقف، والصدقة والأشربة القديمة، والنكاح، والولاء، والنسب، لحيازة حميع ذلك يشترط فيه طول الزمان، وأما فى الموت فيشترط فيه تنائى البلدان تقادم الزمان.
ابن عرفة: مقتضى الروايات والأقوال أن شهادة السماع القاصرة عن شهادة البت فى القطع بالمشهود به، يشترط فيها كون المشهود بحيث لا يدرك بالقطع والبت به عادة وإن أمكن عادة البت به لم تجز فيه شهادة السماع، وهو مقتضى قول الباجى أما الموت فيشهد فيه على السماع فيما بعد من البلاد، وأما ما قرب أو ببلد الموت فإنما هى شهادة بالبت، وقد شاهدت شيخنا القاضى ابن عبد السلام، وقد طلب منه بتونس بعض أهلنا إثبات وفاة صهر له مات ببرقة قابلا من الحج فأذن له فأتاه بوثيقة بشهادة شهود على سماع لوفاته على ما يجب كتبه فى شهادة السماع وكان ذلك بعد مدة يتصور فيها بت العلم بوفاته والقطه بها وأظن أن ذلك كان منذ نحو من ثمانية أعوام، فرد ذلك ولم يقبله، لحوق الريبة فيها يبطلها. انتهى.
القاضى أبو عبد الله بن الحاج: صفة جواز شهادة السماع فى النكاح أن
[ ٢ / ٦٣٦ ]
تكون المرأة تحت حجاب الزوج فيحتاج إلى إثبات الزوجية بالسماع المستفيض، فيحكم له/ ١٨٢ - ب بالميراث فلو لم تكن المرأة فى عصمة لأحد بزوجية فأثبت رجل أنها زوجته تزوجها بالسماع لم يستوجب البناء عليها، بشهادة السماع لأن شهادة السماع إنما تنفع مع الحيازة للمرأة وهذا لم يجزها إليه. انتهى.
قلت: وهذا بناء على أنه لا يستخرج بشهادة السماع من يد حائز وهو المشهور ولم يحك المازرى غيره.
ابن زرقون وغيره عن محمد: لا تجوز شهادة السماع إلا لمن كان الشئ بيده ولا يستخرج بها من يد حائز.
ولابن حبيب عن الأخوين وابن القاسم ما يقتضى أنه يستخرج بها من اليد.
المازرى: لو كان المتنازع فيه عفوا من الأرض ليس بيد أحد لكان المذهب على قولين في تمكينها، امن قام فيها بشهادة سماع.
ومدرك بفتح الميم والراء مكان دركه أى العلم، ومراده بالعقل قوته، من ضرورته وبمستدل نظره، وهو اسم مصدر بمعنى الاستدلال ففتح داله وهو ما عدا العلوم الحسية، وبالنقل التواتر، فإنه يفيد العلم.
ابن الحاجب: وأما السماع المفيد للعلم فقال ابن القاسم: هو مرتفع عن شهادة السماع مثل أن نافعا مولى ابن عمر وأن عبد الرحمن بن القاسم [وإن لم يعلم لذلك أصلا قيل له: أيشهد أنك ابن القاسم] من لا يعرف أباك، ولا يعرف أنك ابنه إلا بالسماع؟ قال: نعم، يقطع بها ويثبت النسب.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
ولم يجعل ابن الرشد القفصى هذين من التواتير بل جعلهما من الاستفاضة وبعدها التواتر فقسم شهادة السماع إلى ثلاثة أقسام تواتر ةاستفاضة وظن، فانظر لفظه فى تبصرة ابن فرحون وقد نص غير واحد أن المثالين المذكورين من التواتر المفيد للقطع واليقين.
قوله: «قد يكتفى بالظن» أى كالشهادة بالإعسار وحصر الورثة أو التعديل أو أنه لم يقدن فلى أثناء غيبته فى المشترط لها أنه غاب عنها أكثر من ستة أشهر مثلا فأمرها بيدها أو أنه غاب ولم يترك لزوجه نفقة، وكالشهادة فى الاستحقاق أنه ما باع ولا وهب ولا فوت بوجه، ونحو ذلك مما يتعذر فيه القطع أو/ ١٨٣ - أيتعسر ولهذا يستظهر فى هذا النوع باليمين وإن كانت للطالب بينة إلا فى استحقاق الأصول على المشهور فى ذلك.
ابن الحاجب: فإن شهد بإعساره حلف وأنظر.
خليل: هذه من المسائل التى يحلف فيها المدعى مع بينته كدعوى المرأة على زوجها الغائب النفقة، والقضاء على الغائب وضبطه كل بينة شهدت بظاهر فيستظهر بيمين الطالب على باطن الأمر صح من التوضيح.
وقول ابن الحاجب: لا يحلف مع كمال البينة إلا أن يدعى عليه طرو ما يبريه من إبراء أو بيع.
يعنى فى البينة تشهد بالقطع يؤخذ من لفظ الكمال فيكون كمالها باعتبار النصاب والقطع، ومن الشهادة شهادة السماع.
ابن عرفة: وشهادة السماع لقب لما يصرح الشاهد فيه بإسناد شهادته لسماع من
[ ٢ / ٦٣٨ ]
غير معين فتخرج شهادات البت، والنقل من مختصره.
أبو إسحاق ابن فرحون: الباب الأربعون فى القضاء بغلبة الظن:
واعلم أن الشرع لم يعتبر مطلق الظن فى غالب المسائل، وإنما يعتبر ظنونا مقيدة مستفادة من إمارات مخصوصة، وذلم فيما لا سبيل فيه إلى القطع كالشهادة ان المديان معسر فإنهم يشهدون على علمهم، وقد يكون الباطن بخلافه فاستظهر باليمين فى ذلك على المشهود له، فبقيام البينة على ذلك مع يمينه أستحق حكم العدم ويقطع عنه الطلب ما دام على تلك الحالة.
مسألة: وكانت الشهادة لامرأة غاب زوجها وتركها بغير نفقة، لأن الشهادة فيه على العلم دون البت فإذا قامت بذلك عند الحاكم وشهد لها الشهود استظهر عليها باليمين على صحة ما شهدت به الشهود لها، فبقلرفة اليمين للشهادة وجب لها الحكم بذلك.
مسألة: وكذلك الشهادة على الشئ المستحق، وفى هذا النوع خلاف وتفرقة بين أنواع المستحقات، وقد تقدم بيان ذلك فى القضاء بشاهدين ويمين القضاء.
مسألة: من ذلك الشهادة على عدة/ ١٨٣ - ب الورثة لابد أن يقولوا: لا نعلم له وارثا غيرهم فى سائر البلاد.
وكذلك شهادتهم فى الشئ المستحق، لابد أن يقولوا: لا نعلم أنه باع ولا وهب ولا تصدق ولا خرج من يده بوجه من وجوه انتقالات الأملاك، ولا يشهدون فى الاستحقاق ولا فى عدة الورثة على البت، فلو قالوا: لا وارث له غيرهم أصلا على البت، وقالوا: نشهد أن شيئه لم يبعه، ولا فوته كانت الشهادة زورا، كذا هو في المدونة.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
وقال بعض أصحاب مالك إن الشهادة فى ذلك لا تكون إلا على البت وهو ابن الماجشون، وهذا مبسوط فى الفصل الثامن فيما يجب على القاضى التنبيه له فى أداء الشهادة.
مسألة: ومن ذلك لو شهد شاهدان أنهما رأيا رجلا خرج مستترا من دار فى حال رثة فاستنكرا ذلك، فدخل العدول من ساعتهم الدار فوجدوا قتيلا يسيل دمه وليس فى الدار أحد فهذه شهادة جائزة يقطع الحكم بها، وإن لم تكن على المعاينة.
قال ابن القاسم: وكذلك لو رأى العدول المتهم يجرد المقتول، وإن لم يروه حين أصابه فإن شهادتهم لوث تجب معها القسامة.
مسألة: ومن ذلك الشهادة على التعريف فإنها مستندة إلى غلبة الظن.
مسألة: قال ابن الحاجب: ويعتمد على القرائن المغلبة للظن فى التعديل والإعسار بالخبرة الباطنة وضرر الزوجين.
قال ابن عبد السلام: أجازوا للشاهد هنا أن يعتمد فيما يشهد به على الظن القوى القريب لليقين لأنه هو المقدور على تحصيله، فلو لم يحكم بمقتضاه لزم تعطيل الحكم فى التعديل والإعسار وأما ضرر الزوجين وإن كان يمكن حصول القطع به للشاهد، ولكنه فى غاية الندور والعسر، فيلزم تعطيل الحكم فيه أيضا ولعسر ذلك قال فى الرواية: ومن أين للشهود العلك بذلك. صح من التبصرة.
خليل: يعنى أنه يجوز للشاهد فى هذه الصورة أن يعتمد فيما يشهد به على الظن القوى، لأنه المقدور على تحصيله غالبا ولو اشترط العلم تعطلت الأحكام غالبا، وقد/ ١٨٤ - أتقدم الكلام على ما يعتمد عليه بالعدل فى التعديل، ويعتمد فى الإعسار على صبره على الجوع ونحوه مما لا يمكن إلا مع الفقر، وضرر الزوجين وان كان يمكن فيه القطع لكونه من
[ ٢ / ٦٤٠ ]
الجيران أو القرائب لكنه نادر.
ابن الحاجب: ولا يقبل إلا العارف بوجه التعديل، وهو أن يعرف عدالته بطول المحنة والمعاشرة، لا بالتسامع.
وقال سحنون: فى السفر والحضر، قال مالك: وإذا صحبه شهرا فلم يعلم إلا خيرا فلا يزكيه بهذا.
الإمام أبو عبد الله المقرى: قاعدة: تقدم المصلحة العامة على المفسدة النادرة ولا يترك لها فمن ثم أقيم مقام العلم بهن فمقتضى الدليل انتفاؤه ﴿ولا تقف﴾ ﴿إن يتبعون﴾ فالظن منتف ما لم يثبته العلم، فيكون هو المقفو المتبع، وإنما يثبته العلم بشرطين:
أحدهما: تعذره، أو تعسره.
والآخر: دعوى الضرورة، أو الحاجة إلى الظن إلا فى الفقيهات بخلاف مسائل التفصيل وكثير من مباحث الكلام، وقد رسمت لبعض ذلك قاعدة فقلت: لا تقدمن إلا بإذن ودليل، ولا عذر ما لم ينفع ما استطعت، فقد يضر، ثم انظر فلن يضرك جهل ما لم تكلف علمه، وأخاف عليك سوء عاقبة النجوم ﴿وما أشهدتهم﴾ ﴿أشهدوا خلقهم﴾ ﴿قل الروح من أمر ربى﴾ وما ذكر ابن فرحون من أن الشهادة على التعريف مستندة إلى غلبة الظن فهو قول ابن نافع وروايته.
والمشهور أنه لا يشترط فيمن عرف من الجميع بلوغ عدده ما يحصل العلم به، بل
[ ٢ / ٦٤١ ]
ظاهره إن عرف منه اثنان أو واحد أنه لا يكتفى بالتعريف إلا إن يفيد اليقين واستظهر ابن عرفة الأول. فقال: وظاهر قول ابن رشد ولفظ السماع كفى فى ذلك، والأظهر تقييده بما يفيد العلم بكثرة أو قرائن أو الظن القوى.
وما ذكر أيضا من أنهم لا يشهدون على البت فى الاستحقاق ولا فى عدة الورثة على المشهور، خلافا لابن الماجشون، ففى شهادة المدونة ما ظاهرة ان شهادتهم على البت باطلة ففيها من تمام شهادتهم أن يقولوا/ ١٨٤ - ب وما عسلنا باع ولا وهب ولا خرج عن ملكه بوجه من وجوه الملك، وليس عليه أن يأتى ببينة تشهد على البت أنه ما باع ولا وهب، ولو شهدت البينة بذلك كانت زورا.
وبهذا الظاهر قال ابن القاسم. لأنه قال: وإن أبوا أن يقولوا: ما علموه باع ولا وهب ولا تصدق فشادتهم باطلة.
وظاهر ما فى كتاب العارية من المدونة أنه ليس بشرط.
قال: وإن شهدوا أن الدابة له ولم يقولوا لا أنه باع ولا وهب ولا تصدق حلف على البت كما ذكرنا، ويقضى له.
ابن عبد السلام: وقد أكثر الشيوخ هل الكلام فى المدونة متناقض أو لا؟ وهل تقبل شهادة هؤلاء الذين يقطعون بالملك مع إطلاقه عليها الزور، أو يفصل فيهم بين أن يكونوا من العلماء فلا تقبل أو يكونوا من عوام الناس فتقبل، وإلى هذا ذهب الشيخ أبو محمد وأبو عمران، والذى قاله الشيخ أبو إبراهيم وأبو الحسن: إن ما فى الشهادات شرط كمال.
أبو الحسن: إلا أن تكون الشهادة على ميت فذلك شرط صحة.
القرافى: فى الفرق السادس والعشرين والمائتين: اعلم أن قول العلماء إن الشهادة لا تجوز إلا بالعلم ليس على ظاهره، فإن ظاهره يقتضى أنه لا يجوز أن يؤدى الشهادة إلا ما هو
[ ٢ / ٦٤٢ ]
قاطع به وليس كذلك [بل حالة الأداء دائما عند الشاهد] الظن الضعيف فى كثير من الصور بل المراد بذلك أن يكون أصل المدرك علمًا فقط فإن شهد بقبض الدين جاز أن يكون الذى عليه قد دفعه فتجوز عليه بالاستصحاب الذى لا يفيد إلا الظن الضعيف، وكذلك الثمن فى المبيع مع احتمال دفعه ويشهد فى الملك الموروث لوارثه مع جواز بيعه بعد إن ورثه، ويشهد بالإجازة ولزوم الأجرة مع جواز الإقالة بعد ذلك بناء على الاستصحاب، والحاصل فى هذه الصورة وشبهها إنما هو الظن الضعيف، ولا يكاد يوجد ما بقى فيه العلم على حاله من ذلك الشهادة بالإقرار فإنه إخبار عن وقوع النطق فى الزمن الماضى/ ١٨٥ - أوذلك لا يرتفع.
ومن ذلك الوقف إذا حكم به حاكم، أما إذا لم يحكم به حاكم فإن الشهادة إنما فيها الظن فقط. فإذا شهد بأن هذه الدار وقف احتمل أن يكون حاكم حنفى حكم بنقيضه انتهى.
الإمام أبو القاسم بن الشاط: ما قاله أن الشاهد فى أكثر الشهادات لا يشهد إلا بالظن الضعيف غير صحيح وإنما يشهد بأن زيدا ورث الموضع الفلانى مثلا أو اشتراه جازما لا ظانا بذلك، واحتمال كونه باع الموضع لا تتعرض له شهادة الشاهد بالجزم لا فى نفيه ولا فى إثباته، ولكن تتعرض له بنفى العلم ببيعه أو خروجه عن ملكه على الجملة، فما توهم أنه مضمن الشهادة ليس كما توهم فهذا التنبيه غير صحيح والله تعالى أعلم انتهى.
ابن عرفة: فى شرط شهادة غير السماع بقطع الشاهد بالعلم بالمشهود فيه مطلقا وصحتها بالظن فيما يعسر العلم به عادة طريقان:
الأولى: للمقدمات: لا تصح شهادة بشئ إلا بعلمه والقطع بمعرفته لا بما يغلب على
[ ٢ / ٦٤٣ ]
الظن معرفته قال: والعلم يحصل بمجرد العقل فقط منه ضرورى كعلم الإنسان حال نفسه من صحته وسقمه، وإيمانه، وكفره، ويصح بذلك شهادته على نفسه، وبالعقل مع إحدى الحواس الخمس السمع والبصر والشم والذوق واللمس.
والثالث: الخبر المتواتر ومنه نظرى كشهادة خزيمة بن ثابت له ﵁ أنه اشترى الفرس من الأعرابى ولم يحضر شراءه مستندا فى ذلك للدليل الظاهر والبرهان القاطع.
فإن قلت: جملة شهادة خزيمة على هذا الاعتبار وجعلها مثولا لأصل عام خلاف قول الأصوليين أنها خاصة لا يقاس عليها حسبما ذكرى الآمدى وابن الحاجب فى شروط الأصل فى القياس.
قلت: جعل الأصوليين كونها خاصة هو من حيث الحكم لها بشهادة شاهدين لا من حيث الحكم لها بأنها شهادة شرعية.
قال: وكذا الشهادة بما علم من الأخبار المتواترة جائزة الولاء والنسب والموت وولاية القاضى وعزله/ ١٨٥ - ب وضرر الزوجين وشبهه إذا حصل العلم بهذه الأمور والقطع بها.
الثانية: للمازرى قال فى قبول الشاهد بزوجية رجل امرأة برؤيته حوزه إياها حوز الأزواج زوجاتهم وإن لم يولد حين التزويج هذا نوع خارج عن شهادة السماع وإنما يطلب فيه الظن القوى المزاحم للعلم اليقينى بقرائن الأحوال كالشهادة بالنفقير فإن الشاهد يشهد له ولا يقطع على صحة ما شهد به بجواز أن يكون له مال أخفاه، لكن إذا بدت قرائن الفقر من الفقر والإعسار والصبر على مضض الجوع، وإدراك ذلك بالمخالطة صح التعويل عليه فى الشهادة بقرائن الأحوال وعلى هذه الطريقة قال ابن الحاجب تبعا لابن شاس: ويعتمد على القرائن
[ ٢ / ٦٤٤ ]
المغلبة للظن فى التعديل والإعسار وضرر الزوجين.
قلت: وهذا الظن الناشئ عن القرائن إنما هو كاف فى جزم الشاهد بما به يشهد على وجه البت، ولو صرح فى أداء شهادته بالظن لم تقبل إلا بما تقدم فى التعديل من قوله أراه عدلا، ولعله مراد ابن رشد فتتفق الطريقان.
قوله: «والسمع» يحتمل أن يخفض بالعطف على الظن عطف خاص على عام توطئة لذكر مواطن شهادة السماع، وهذا هو الموافق لقول ابن العربى السابق وقد يجوز بالظن والسماع، ونقل على هذه جملة حالية أى حال كونه منقولا عن أهل المذهب فى مواطن بينا بقوله: عزل- إلى آخره- فعزل مبتدأ، والخبر تصح بالسماع ويحتمل أن يكون عزل نائب عن فاعل والجملة مستأنفة أى نقل فى شهادة السماع عزل- إلى آخره- وتصح بالسماع على هذا تأكيد لما قبله ويحتمل أن يرفع مبتدأ ونقل خبره، وضبطه المؤلف بالوجهين، وجرح الأول بفتح الجيم وهو التجريح ضد العدالة، والأخير بالضم جرح الدم، وضمير ضدها عائد إلى الخمسة التى هى العزل والجرح والسفه والكقر والنكاح، وأضدادها هى: الولاية والعدالة والرشد والإيمان والطلاق بلا عوض لأنه ذكر/ ١٨٦ - أالخلع بعد ويدخل تحت قوله: «كهبة» الصدقة أى وكهبة والقسم بفتح القاف قسمة المال بين الشريكين وجلا: نعت لإقرار وهو بمعنى ظهر.
[ص]
٣٨٧ - واللفظ فى الأداء إنشاء بما ضارع فى العقود ماض علما
٣٨٨ - كالعتق والطلاق واسم من فعل زيد لدين وعلى العرف العمل
[ش]
القرافى: فى الفرق السابع والعشرين والمائتين بين قاعدة اللفظ الذى يصح أداء الشهادة به وبين قاعدة ما لا يصح أداؤها بع: اعلم أن أداء الشهادة لا يصح بالخبر ألبتة فلة قال الشاهد للحاكم: أنا أخبرك أيها القاضى بأن لزيد عند عمرو دينارا عن يقين منى وعلم بذلك لم تكن هذه شهادة بل هذا وعد من الشاهد للقاضى أنه سيخبره بذلك عن يقين، فلا يجوز اعتماد القاضى على هذا الوعد، ولو قال له: قد أخبرتك أيها القاضى بكذا، كان كذبا،
[ ٢ / ٦٤٥ ]
لأن مقتضاه تقدم الإخبار منه ولم يقع، والاعتماد على الكذب لا يجوز فالمستقبل وعد، والماضى كذب، وكذلك اسم الفاعل المقتضى للحال كقولك أنما مخبرك أيها القاضى بكذا فإنه إخبار عن اتصافه بالخبر للقاضى، وذلك لم يقع فى الحال وإنما وقع الإخبار عن هذا الخبر فظهر أن الخبر كيف تصرف لا يجوز للحاكم الاعتماد عليه، وكذلك إذا قال الحاكم للشاهد: بأى شئ تشهد؟ قال: حضرت عند فلان فسمعته يقر بكذا وأشهدنى على نفسه بكذا وشهدت بينهما بصدور البيع أو غير ذلك من العقود، ولا يكون هذا أداء شهادة، ولا يجوز للحاكم الاعتماد عليه بسبب أن هذا مخبر عن أمر تقدم فيحتمل أن يكون قد اطلع بعد ذلك على ما منع من الشهادة به من فسخ أو إقالة أو حدوث ريبة للشهادة تمنع الاداء فلا يجوز لأجل هذه الاحتمالات الاعتماد على شئ من ذلك إذا صدر من هذا الشاهد، فالخبر كيف تقلب لا يجوز الاعتماد عليه بل لابد من إنشاء الإخبار عن الواقعة المشهود/ ١٨٦ - ب بها، والإنشاء ليس بخبر ولذلك لا يحتمل التصديق والتكذيب وقد تقدم الفرق بين البابين، فإذا قال الشاهد: أشهد عندك أيها القاضى بكذا كان إنشاء، ولو قال: شهدت لم يكن إنشاء عكسه فى البيع، فلو قال: أبيعك لم يكن إنشاء للبيع بل إخبار لا ينعقد به البيع بل وعد بالبيع فى المستقبل، ولو قال: بعتك كان إنشاء للبيع، فالإنشاء فى الشهادة بالمضارع وفى العقود بالماضى وفى الطلاق والعتاق بالماضى، ولم الفاعل نحو أنت طالق، وأنت حر. ولم يقع الإنشاء فى البيع والشهادة باسم الفاعل فلو قال: أنا شاهد عندك بكذا، أو أنا بائعك بكذا لم يكن إنشاء وسبب الفرق بين هذه المواطن الوضع العرفى فما وضعه أهل العرف للإنشاء كان إنشاء وما لا فلا، فاتفق أنهم وضعوا للإنشاء الماضى فى العقود والمضارع فى الشهادة والماضى واسم الفاعل فى الطلاق والعتاق فلما كانت هذه الألفاظ موضوعة للإنشاء فى هذه الأبواب صح من الحاكم اعتماده على المضارع فى الشهادة لأنه موضوع له
[ ٢ / ٦٤٦ ]
[ص]
ريح فيه الاعتماد على الصريح هو الأصل ولا يجوز الاعتماد على غير الصريح لعدم تعين المراد منه فإن اتفق أن العوائد تغيرت وصار الماضى موضوعا لإنشاء الشهادة والمضارع لإنشاء العقوج جز للحاكم الاعتماد على ما صار موضوعا للإنشاء، ولا يجوز له الاعتماد على العرف فتلخص لك أن الفرق بين هذه الإلفاظ ناشئ من العوائد وتابع لها، وإنه ينقلب وينفسخ بتغيرها وانتقالها، فلا يبقى بعد ذلك خفاء فى الفرق بين قاعدة ما تؤدى به الشهادة وقاعدة ما لا يصح به أداء الشهادة انتهى.
وقد تعقب عليه الإمام أبو القاسم بن الشاط كثيرا من هذا الكلام فقال على الترجمة:
هذا الفرق ليس بجار على مذهب مالك ﵁- فإنه لا يشترط معينات الالفاظ فى العقوج ولا فى غيرها/ ١٨٧ - أوإنما ذلك مذهب الشافعى.
وقال على قوله: اعلم أن الشهادة لا تصح بالخبر ألبتة. قد تقدم له فى أول فرق من الكتاب حكاية عن الإمام المازرى أن الرواية والشهادة خبران ولم ينكر ذلك ولا رده بل جرى فى مساق كلامه على قبول ذلك وصحته.
وقال على قوله: فلو قال الشاهد للقاضى أنا أخبرك أيها القاضى- إلى قوله-: ولم تكن هذه شهادة، ذلك لقرينه قوله أخبرك وبم يقل أشهد عندك.
وقال على قوله: بل هذا وعد من الشاهد للقاضى بأنه سيخبره بذلك عن يقين فلا يجوز اعتماد القاضى على هذا الوعد، ومن أين يتعين أنه وعد وأنه إنشاء إخبار فيكون شهادة إذ الشهادة خبر لا سيما إن كان هنالك قرينة تقتضى ذلك من حضور مطالب وشبه ذلك، فما قاله فى ذلك غير صحيح.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
وقال على قوله: ولو قال: أخبرتك أيها القاضى بكذا كان كاذبا- إلى قوله: فالمستقبل وعد ولاماضى كذب، إن كان لم يكن تقدم منه إخبار فذلك كذب كما قال.
وقال على قوله: وكذلك اسم الفاعل المقتضى للحال كقولك: أنا مخبرك أيها القاضى بذلك فلأنه إخبار عن اتصافه بالخبر للقاضى وذلك لم يقع فى الحال إنما وقع الإخبار عن هذا الخبر، هذا كلام من لم يفهم مقتضى الكلام، ةكيف لا يكون من يقول للقاضى أنا مخبرك بأن لزيد عند عمرو دينارا [مخبرا للقاضى بأن لزيد عند عمرو دينارا] بل مخبره بأنه مخبره، وهل العبارة عن إخباره عن الخبر إلا تلك وأنا مخبرك بأنى مخبرك، لا أنا مخبرك بكذا، هذا كله تخليط لا يفوه به من يفهم شيئا من مضمنات الألفاظ، وقال على قوله فظهر أن الخبر كيف تصرف لا يجوز للحاكم الاعتماد عليه، لم يظهر ما قاله [إذا قال الحاكم] بوجه ولا حال.
وقال على قوله: وكذلك [إذا قال الحاكم] للشاهد بأى شئ تشهد؟ قال حضرت عند فلان- إلى قوله-: فالخبر كيف تقلب لا يجوز الاعتماد عليه إذا م يكن قول الشاهد حضرت عند فلان فسمعته يقر بكذا أو يشهدنى على نفسه بكذا بعد قول القاضى له: بأى شئ تشهد شهادة، فلا أدرى بأى لفظ يؤدى الشهادة، وما هذا إلا تخليط وسواس/ ١٨٧ - ب لا يصح منه شئ ألبتة.
وقال على قوله: بل لابد من إنشاء الإخبار عن الواقعة المشهود بها، يا للعجب وهل إنشاء الأخبار إلا الإخبار بعينه.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
وقال على قوله: والإنشاء ليس بخبر إلى قوله- وقد تقدم الفرق بين البابين من هنا دخل الوهم عليه، وهو أنه أطلق لفظ الإنشاء على جميع الكلام، ومن جملته الخبر، وأطلق لفظ الإنشاء على قسيم الخبر، ثم تخيل أنه أطلقها بمعنى واحد فحكم بأن الإنشاء لا يدخله التصديق والتكذيب، وما قاله من أنه لا يدخله ذلك صحيح فى الإنشاء الذى هو قسيم الخبر.
وقال على قوله: فإذا قال الشاهد: أشهد عندك أيها القاضى بكذا كان إنشاء وما المانع من أن يكون وعد بأنه يشهد عنه، لا اعلم لذلك مانعا إلا التحكم بالفرق بين لفظ الخبر ولفظ الشهادة وهذا كله تخليط فاحش.
وقال على قوله: ولو قال: شهدت لم يكن إنشاء- إلى قوله- عكسه فى البيع لو قال أبيعك لم يكن إنشاء [- إلى قوله- ولو قال: أنا شاهج عندك بكذا أو أنا أبيعك بكذا لم يكن إنشاء] لقد كلف هذا الرجل نفسه شططا وألزمها مالا يلزمها كيف وهو مالكى والمالكية يجيزون العقوج بغير لفظ أصلا فضلا عن لفظ معين وإنما يحتاج إلى ذلك الشافعية حيث يشترطون معيِّنات الألفاظ.
وقال على قوله: وسبب الفرق بين هذه المواطن الوضع العرفى، ما قاله فى ذلك كله مبنى على مذهب الشافعى وهو مسلم وصحيح إلا قوله: إن أداء الشهادة بالإنشاء لا بالخبر، فإنه قد تقدم أن الشهادة خبر وهو الصحيح وقد تقدم التنبيه على الموضع الذى أدخل عليه الوهم والغلط انتهى.
وقد اعترض كلام القرافى أيضا الشيخ أبو إسحاق بن فرحون فى التبصرة محتجا بكلام شمس الدين بن قيم الجوزية وغيره فقال:
[ ٢ / ٦٤٩ ]
وهذا الذي ذكر القرافي هو مذهب الشافعية ولم أره لواحد من المالكية ونقل شمس الدين بن قيم الجوزية الحنبلي الدمشقي: أن مذهب مالك وأبى حنيفة وظاهر كلام أحمد بن حنبل: أنه لا/ ١٨٨ - أيشترط في صحة الشهادة لفظ شهد بل متى قال الشاهد: رأيت كذا وكذا أو سمعت ونحو ذلك كانت شهادة منه وليس في كتاب الله تعالى في سنة رسول الله ﷺ موضع واحد يدل علي اشتراط لفظ الشهادة، ولا ورد ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في القياس والاستنباط ما يقتضى ذلك، بل الأدلة المتضافرة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وأقوال العرب تنفى ذلك. قال الله تعالى: ﴿قل هلم شهداءكم﴾ الآية. ومعلوم أنه ليس المراد التلفظ بلفظ أشهد في هذا المحل، بل مجرد الإخبار بتحريمه وقال تعالي: ﴿لكن الله يشهد﴾ ولا يتوقف ذلك على أن يقول سبحانه أشهد وكذلك قوله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم﴾ وقال الله تعالى: والله يشهد إنهم لكاذبون؟ وقال تعالى: ﴿ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق﴾ أي أخبر به وتكلم به عن علم. وقال تعالى: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ والمقر على نفسه لا يقر أشهد، وسمي ذلك شهادة ولا تفتقر صحة الإسلام إلى أن يقول الداخل في الإسلام أشهد أن لا إله إلا الله، بل لو قال
[ ٢ / ٦٥٠ ]
لا إله إلا الله محمد رسول الله كفي وقال تعالى: ﴿واجتنبوا قول الزور﴾.
[وقال ﵇: "عدلت شهادة الزور الإشراك بالله"] وقال ﵇: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله وقول الزور وشهادة الزور" فسمي قول الزور شهادة.
قال ابن عباس: شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندى عمر أن رسول الله ﷺ: "نهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس".
ومعلوم أن عمر بن الخطاب لم يقل لابن عباس: أشهد عندك. ولكن أخبره فسمى ذلك شهادة فاشتراط لفظ الشهادة لا أصل له في الكتاب ولا في السنة ولا في عمل سلف الصالحين، انتهي ما ذكره ابن قيم الجوزية ونسبه إلى مذهب/ ١٨٨ - ب مالك.
تنبيه: ويؤيد ما نقله ابن قيم الجوزية عن مذهبنا ما ذكره ابن بطال في المقنع عن أصبغ قال: لقد حضرت ابن وهب ومن معه من الفقهاء عند القاضي العمري فكان كاتب القاضي يقرأ على القاضي شهادة الشاهد بمحضر الشاهد ثم يقول للشاهد أهذه شهادتك؟ فإذا قال: نعم قبل ذلك منه.
فقوله نعم ليس هو إنشاء للشهادة، وقد اكتفي به الشاهد.
[ ٢ / ٦٥١ ]
وفي رسالة القضاء والأحكام فيما يتردد بين المتخاصمين عند الحكام قال: فإذا فرغ الكاتب من قراءة الحاضر الذي تقيد فيه الدعوي، والجواب، قال القاضي للمدعي: هذه دعواك؟ فإذا قال نعم. قال لكل واحد من الشهود: هكذا شهدت؟ فإذا قال: نعم. وقع القاضي بخطه في آخره شهد هؤلاء الشهود عندي وإن شاء كتب كذلك كانت الشهادة عندي، فجعل أداء الشهادة بلفظ نعم فقط.
وفي الوثائق المجموعة: إن شريحا كان يقول للشاهدين إنما يقضى على هذا المسلم أنتما وأنا متق بكما فاتقيا الله، أتشهدان أن الحق لهذا؟ فإذا قالا: نعم أجاز شهادتهما. وظاهر نصوص المذهب أن ما ذكره القرافي لا يشترط في أداء الشهادة وقبولها وهو منسوب إلى الشافعية فلعله نقله من كلامهم فكثيرا ما ينقل من عباراتهم إذا ظهر له أنها غير مخالفة لقواعد المذهب، وقد فعل ذلك في تصحيح الدعاوي، وله مثل ذلك كثير في باب السياسة من كتاب الذخيرة له نقله من الأحكام السلطانية للماوردي الشافعي ونصوص المذهب مخالفة لما ذكره وقد ذكرت ذلك في قسم السياسة الشرعية.
فصل: وللشافعية تفريق في الشهادة بالمصدر واسم المفعول، والشهادة بالصدور، فإذا قال الشهود: نشهد أن هذا وقف أو أن هذا مبيع من فلان أو أن هذه منكوحة فلان، فإن الحاكم يحكم بموجب شهادتهم ويكون ذلك متضمنًا / ١٨٩ - أللحكم بصحة الوقف ونحوه.
ول شهدوا بالصدور فقالوا مثلا: نشهد بصدور الوقف أو بصدور البيع لم يحكم بموجب شهادتهم لاحتمال تغير تلك العقود كما لو استحق الوقف أو صدرت الإقالة في البيع أو نحو ذلك.
قال الشيخ سراج الدين البلقيني في بعض تعاليقه، وهو الذي أشار إليه الشيخ
[ ٢ / ٦٥٢ ]
تقي الدين كما قدمناه عنه قبل هذا فينبغي تأمل ذلك انتهي.
وقد تبين من كلام هؤلاء الأئمة عدم جريان ما قاله القرافي على المذهب بل وعدم صحته في نفسه فكان اللائق بالمؤلف أن لا يعتمده في هذا ولا يغتر بكلامه فيه.
قوله: "واللفظ في الأداء إنشاء بمضارع، أي بما ضارع الاسم من الأفعال وهو المضارع، فاحترز بالإنشاء مران الخبر وبالمضارع مراني الماضي واسم الفاعل، وقد سبق بيان ذلك.
قوله: "في العقود ماض علما" أي اللفظ في العقود إنشاء بلفظ الماضي كبعت وطلقت، وأنكحت وأعتقت، ورضيت. قوله: "كالعتق والطلاق واسم من فعل زيد لزيد" التشبيه إشارة إلى أن اللفظ في العتق والطلاق يكون بالماضي، ويزاد لهما اسم الفاعل فيقعان به كما يقعان بالماضي.
قوله:"وعلى العرف العمل، يعنى أي ما تقدم من الفرق مبنى على العرف ولو تغير العرف لانقلب الحكم، وقد مر هذا من كلام القرافي.
واعلم أن ما ذكره القرافي وأشار إليه من أن صيغ العقود إنشاء هو الصحيح وقالت الحنفية: هو إخبار على أصل الوضع.
قال القرافي بعد أن ذكر ما اتفق على أنه إنشاء، وأما المختلف فيه هل هو إنشاء أو خبر فهي صيغ العقود نحو بعت واشتريت، وأنت حر، وامرأتي طالق ونحو ذلك.
قالت الحنفية: إنها إخبارات عن أصلها اللغوي. وقال غيرهم: إنها إنشاءات منقولة عن الخبر إليها احتج هؤلاء بأمور:
أحدها: أنها لو كانت أخبارًا لكانت كاذبة، لأنه لم يبع قبل ذلك الوقت ولم يطلق، والكذب لا عبرة به لكنها معتبرة فدل ذلك على أنها ليست أخبار بل/ ١٨٩ - ب إنشاء لحصول لوازم الإنشاء فيها من استتباعها لمدلولاتها وغير ذلك من اللوازم.
وثانيها: أنها لو كانت أخبار لكانت إما كاذبة ولا عبرة بها، أو صادقة فتكون متوقفة
[ ٢ / ٦٥٣ ]
على تقدم أحكامها وحينئذ إما أن تتوقف عليها أيضا فيلزم الدور أو يطلق امرأته ويعتق عبده، وهو ساكت وذلك خلاف الإجماع ثم استمر في الكلام إلى أن قال:
وسادسها: أن الإنشاء هو المتبادر في العرف إلى الفهم فوجب أن يكون منقولا إليه كسائر المنقولات.
والجواب: قالت الحنفية: أما الأول: فإنما يلزم أن يكون كذبا إن لو لم يقدر فيها صاحب الشرع تقدم مدلولاتها قبل النطق بها بالزمن الفرد لضرورة تصديق المتكلم لكن الإضمار أولى من النقل لما تقرر في علم الأصول، ولأن جواز الأصل في الكلام مجمع عليه والنقل مختلف فيه والمجمع عليه أولى، ومنه كان المدلول مقدرا قبل الخبر كان الخبر صادقا فلا يلزم الكذب ولا النقل للإنشاء وبقيت إخبارات عن موضوعاتها اللغوية وعملنا بالأصل في عدم النقل وأنتم خالفتموه ثم قال بعد أن ذكر الجواب عن الأمور الخمسة:
وأما الوجه السادس: فلا يتأتى الجواب عنه إلا بالمكابرة فإن المبادرة للإنشاء والعدول عن الخبر مدرك لنا بالعقول بالضرورة ولا نجد في أنفسنا أن القائل لامرأته أنت طالق أنه يحسن تصديقه بما ذكروه من التقدير والبحث في هذا المقام يعتمد التناصف في الوجدان فمن لم ينصف يقل ما شاء.
وأما الأجوبة المتقدمة عن بقية الوجوه فمتجهة صحيحة، والسادس هو العمدة المحققة والله أعلم.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
قال القاضي أبو عبد الله المقري: قاعدة: الأصل في صيغ العقود ونحوها الإخبار ثم غلب الإنشاء.
وقالت الحنفية: هي على أصلها، وقدر الشرع ثبوت متعلقها بعد النطق بها قبله بالزمن الفرد فيصدق المتكلم ويثبت الحكم، فقيل: الصرف بالقرينة أولى من التحكم، ولأن التقدير لا يفهم من العرف بخلاف القرينة والقاعدة أن مخالفة الأصل بالمعلوم أولى/ ١٩٠ - أمن مخالفته بالمجهول، ومقتضى ذلك الأصل أنه لو شهد شاهد أنه طلق بمكة في رمضان وآخر بمصر في صفر أن تحمل الثانية على الإخبار ما احتملته وهو مذهب المدونة إلا أنه عارضته قاعدة وهي أنه يجب حمل اللفظ على المعاني المتجددة والتأسيس حتى يدل دليل علي التأكيد، لان مقصود الوضع ومقتضاها عدم الضم في الأقوال كما في الأفعال لعدم وجود النصاب فإن قال: أنت طالق، وقلنا: بغلبة الإنشاء فما نوى، وإلا فواحدة، وإن قلنا بالبقاء علي الخير فهو نعت فرد للمرأة فواحدة أبدا، لأنه لا يحتمل العدد انتهي.
ولا شك أنها في اللغة إخبار وفي الشرع تستعمل إخبارا، وإنما النزاع فيها إذا قصد بها حدوث الحكم، والصحيح أنها إنشاء.
واحتج ابن الحاجب بصدق حد الإنشاء عليها وهو أنها لا تدل علي الحكم بنسبة خارجية فإن بعت لا يدل على بيع آخر غير الذي يقع به، وأيضا فلا يوجد فيه خاصية الإخبار وهو احتمال الصدق والكذب إذ لو حكم عليه بأحدهما كان خطأ قطعًا. وأيضا لو كان خبرا لكان ماضيا للاتفاق على أنه لم يرد عليه ما يغيره إلى غير الإنشاء، وعلى أنه ليس خبرا في معنى الحال. ولأنه لو كان مستقبلا لم يقع كما صرح به.
وأما انتفاء اللازم فلأنه لو كان ماضيا لم يقبل التعليق، لأنه توقيف أمر على أمر وإنما يتصور فيما لم يقع بعد لكنه يقبله إجماعًا.
وأيضا فإنا نقطع بالفرق بينه خبرا وإنشاء، ولذلك لو قال للرجعية طلقتك، سئل فإن أراد الإخبار لم يقع طلاق آخر، وإن أراد الإنشاء وقع بخلاف البائن فإنه لا يقع وإن أراد الإنشاء
[ ٢ / ٦٥٥ ]
لعدم قبول المحل له فلا يكون للسؤال فائدة.
وقد أجاب العضد عن هذه بما يدق ويفتقر إلى فضل تأمل.
وما أشار إليه المقري من تلفيق الشهادة في الأقوال كما في الصورة التي ذكر دون الأفعال يتبين بقوله بعد بالقرب.
قاعدة: مشهور مذهب مالك تلفيق الشهادة في الأقوال ونفيه في الأفعال، وفي القول والفعل قولان مشهوران/ ١٩٠ - ب فمن نظر إلى محصولها لفق، ومن نظر إلى اختلاف الأسباب ومر المواطن لم يلفق، ومن فرق رأى القول إقرارا فهي إخبارات ترجع إلى مقصود واحد والأفعال متباينة لا يتحد مقصودها ولا يجتمع منها فعل واحد فإن كان الأصل قولا وموجب الحكم بالطلاق فعلا كمن حلف أن لا يدخل دار عمرو بن العاص فشهد شاهد أنه دخلها في رمضان وآخر في ذي الحجة فالشهور التلفيق اعتبارا للطلاق انتهي.
ويزداد بيانا بكلام القرافي: في الفرق التاسع والستين والمائة بين قاعدة ضم الشهادة في الأقوال وقاعدة عدم الشهادة في الأفعال.
البقرى في اختصاره للفروق: القاعدة التاسعة عشرة في ضم الشهادات قال اللخمي: تضم الشهادتان في الأقوال والأفعال أو إحداهما قول والآخر فعل.
وقيل: لا تضمان مطلقًا. وقيل: تضمان في الأقوال فقط. وقيل: تضمان إذ كانتا على فعل فإن كانت إحداهما على قول والأخرى على فعل فلا، وهذه كلها لمالك ﵁. واعتمد الأصحاب في الفرق بين الأقوال والأفعال أن الأقوال يمكن تكررها ويكون الثاني خبرًا عن الأول والأفعال لا يمكن تكررها إلا مع التعدد، وهذا الفرق فيه بحث، وذلك أن الأصل في الاستعمال الإنشاء وتعديد المعاني، بتعدد الاستعمال حتى يدل دليل على التأكيد
[ ٢ / ٦٥٦ ]
ومقتضى هذه القاعدة ضم الأقوال والأفعال لكن عارض هذه القاعدة قاعدة أخرى، وهي:
أن أصل قولنا أنت طالق وأنت حر الخبر عن وقوع الطلاق والعتاق قبل زمن النطق وكذلك بعت واشتريت وسائر صيغ العقود وإنما ينصرف لاستجداد هذه المعاني بالقرائن، أو النقل العرفي فيحمل القول الثاني على الإخبار في المرة الثانية مجملا بقاعدة ترجيح الأصل الذي هو الخبر والحمل على الأصل أولى، ولذلك شبه الأصل بما لو أقر بمال في مجالس فإنه لا يتعدد عليه ما أقر به أما لو فرضنا كل واحد من الشاهدين صمم على الإنشاء/ ١٩١ - أفيما سمعه كانت الأقوال كالأفعال وبالجملة من غلب عليه ملاحظة الإنشاء لم يضم في الأقوال ومتى لاحظ الإنشاء ولاحظ الخبر وأنه الأصل ضم في الأقوال، وأما الأفعال فيبين أنه لا يكون الثاني عن الأول ولا يمكن لأنه لا يصح أن يكون خبرا عنه فإن الخبر من خصائص الأقوال فصار مشهودا به آخر، وأما عدم الضم إذا كانت إحداهما قولًا والأخرى فعلًا، فإن الضم إنما يكون في جنس واحد وضم الشيء إلى جنسه أقرب من ضمه للي غير جنسه.
تفريغ: قال اللخمي: لو شهد أحد الشهود بالثلاث قبل أمس والثاني باثنتين أمس، والثالث بواحدة اليوم لزم الثلاث لأن ضم الثاني للأول يوجب اثنتين قبل سماع الثالث فلما سمع الثالث ضم لهما فلزمت الثلاث، وكذلك لو شهد الثاني بواحدة والآخر باثنتين، لأن الثاني مع الأول طلقتان فيضم لهما طلقة الآخر.
وكذلك لو شهد الأول باثنتين والثاني بثلاث والآخر بواحدة، هذا كله إذا علمت التاريخ، فإن جهلت فيحلف في لزوم الثلاث أو اثنتين، لأن الزائد عليهما من باب الطلاق بالشك.
وقال أبو حنيفة: إذا شهد أحدهما بطلقة والآخر بأكثر لم يحكم بشيء لعدم كمال الشهادة فلو شهد أحدهما ببائنة والآخر برجعية صحت الشهادتان، لأن الاختلاف ها هنا إنما هو في الصفة.
قال مالك في المدونة: إذا شهد أحدهما أنه قال في رمضان: إن فعلت كذا فامرأتي
[ ٢ / ٦٥٧ ]
طالق، وشهد الآخر أنه قال ذلك في صفر، وشهد عليه أو غيرهما بالفعل بعد صفر طلقت لاتفاقهما علي التعليق والمعلق عليه، كما لو اتفاقا علي المقر به وله، واختلفا في زمن الإقرار.
وإن شهدا في مجلس التعليق وشهد أحدهما أنه فعل يوم الجمعة الشرط، والآخر أنه فعله يوم السبت طلقت، لاتفاقهما على التعليق ووقوع الشرط، وكذلك لو نسبا قوله لمكانين، وهذا بناء على أن القول الثاني خبر لا إنشاء فلو صمم كل واحد من/ ١٩١ - ب الشاهدين على الإنشاء لم يكن ضم.
قال الإمام أبو القاسم بن الشاط على قوله: واعتماد الأصحاب- إلى قوله- والحمل على الأصل أولى، ما قاله صحيح بناء على ما أصل إلا ما قاله من أن أصل قوله أنت طالق، وأنت حر، الخبر عن وقوع الطلاق والعتاق قبل زمان النطق، فإنه ليس بصحيح فإن الخبر باسم الفاعل المطلق لا يكون إلا للحال.
وقال على قوله: ولذلك شبه الأصحاب- إلى قوله- لا يتعدد عليه ما أقر به، إنما لم يتعدد عليه ما أقر به لاحتمال تكرار الإقرار بمال واحد مع أن الأصل براءة الذمة من الزائد، وكذلك ما نحن فيه من قوله عبدي فلان حر ثم كرر ذلك القول فإنه يحمل على أن الثاني خبر عن الأول بناء على ما أصله من أن الأصل الخبر فيكون حينئذ الشاهدان شهدا على شيء واحد، وهو إنشاء العتق في العبد الذي سمي.
ثم قال ابن الشاط معترضًا: لا اُدري ما الحامل علي تكلف تقدير كون القول الثاني خبرا عن الأول مع أنه لو تبين بقرينة مقاله أو بقرينة حاله أنه يريد بقوله الثاني تأكيد الإنشاء لعتق ذلك العبد لكملت شهادة الشاهدين بذلك العتق وكذلك لو بين بالقرائن أن القول الأول خبرًا على أنه كان عند عقد عتقه والقول الثاني أيضا كذلك لحصلت شهادة
[ ٢ / ٦٥٨ ]
الشاهدين على إقراره بعتقه (فلا) فرق إذا بين ما إذا كان القولان إنشاء أو كانا خبرًا أو كان أحدهما خبرًا والآخر إنشاء من حيث أن المقصود وهو وقوع عتقه إياه قد حصل على كل تقدير من تلك التقادير، نعم إذا تبين بالقرائن أو احتمل أن القول الثاني تأسيس إنشاء كالأول فها هنا لا يصح ضم الشهادتين المختلفتى التاريخ، لأنه لا يكون على عقد العتق إلا شاهد واحد وهو الأول، وأما الثاني فإنما شهد بما لا يصح عقد العتق به، لأن العتق لا ينعقد فيمن تقدم عتقه.
وقال على قوله: أما لو فرضنا كل واحد من الشاهدين صمم على الإنشاء فيما سمعه- إلى قوله- حرفًا حرفًا، لا أحسب/ ١٩٢ - أما بني عليه الفرق من كون القول الثاني خبرًا عن الأول صحيحا بل الذي ينبغي أن يكون أصلًا في هذه المسائل سواء كانت قولًا أو فعلًا أم كيف ما كانت أن ينظر إليها فإن قبلت الضم ضمت وإلا فلا ففي القول بمسألة الإقرار بمال كمن يقول في رمضان لفلان عندي دينار فسمعه شاهد، ثم يقول في شوال لفلان عندي دينار فسمعه آخر فلا شك أن هذا الموضع يقبل الضم، فتكمل الشهادة ويقضي عليه بالدينار، وفي الفعل كمن يشرب الخمر في شوال فيشاهده شاهد، ثم يشربها في ذي القعدة، فيشاهده آخر، فلا شك أن هذا الموضوع يقبل الضم، فإن الشاهدين هنا قد اجتمعا على مشاهدتهما إياه يشرب الخمر فتكمل الشهادة فيلزم الحد، أما القول الذي لا يقبل الضم فكما إذا قال: في رمضان عبدي فلان حر على قصد تأسيس الإنشاء لعتقه فشهد عليه بذلك شاهد ثم كرره ثانيًا على قصد تأسيس الإنشاء فشهد عليه بذلك شاهد وتعذر قبول الضم هنا من قبل أن العتق لا يتعدد. وأما الفعل الذي لا يقبل الضم فكما إذا شهد شاهد أنه شاهد زيدًا قتل عمرًا في شوال وشهد آخر أنه شاهد أنه قتله في ذي القعدة، وتعذر قبول الضم هنا من قبل أن القتل لا يتعدد وعلى ما تقرر تشكل المسألة التي نقل عن مالك﵀- من أنه إذا شهد أحد الشاهدين أنه طلقها بمكة في رمضان وشهد الآخر
[ ٢ / ٦٥٩ ]
أنه طلقها بمصر في صفر طلقت من حيث إن المدة التي بين رمضان وصفر أكثر من مدة العدة فعلى تقدير قصد تأسيس الإنشاء فالقول الثاني لا يتقيد به طلاق، لأنها قد انحلت عصمته عنها قبل هذا التاريخ بمقتضى شهادة الأول، وعلى تقدير قصد الخبر فالقول الثاني يبعد اطلاع الشاهد على هذا القصد لاحتمال القول الثاني قصد تأسيس الإنشاء وقصد تأكيده، وقصد الخبر وترجيح قصد الخبر بأنه الأصل لا يخفي ضعفه والله تعالى أعلم.
وما قاله بعد حكاية أقوال لا كلام فيها، وما قاله من الحمل على الخبر فهو بناء على/ ١٩٢ - ب أصله. وما قاله فيما إذا شهد بالإنشاء صحيح، والله تعالى أعلم.
[ص]
٣٨٩ - والحد لا يلزم لكن إن شهد غير به تمت وإلا فاعتمد
٣٩٠ - على اليمين وكذا جهل العدد بينة أو نسب وقد ورد
٣٩١ - الرد فيهما
[ش]
القرافي: قال ابن يونس لو شهدوا بالأرض ولم يحدوها، وشهد آخرون بالحد دون الملك.
قال مالك: تمت الشهادة وقضى بهم لحصول المقصود من المجموع.
قال ابن حبيب: إن شهدت بغصب الأرض ولم يحدوها قيل للمدعى حدد ما غصب منك واحلف عليه.
قال مالك: وإن شهدت بالحق وقالت لا تعرف عدده قيل: للمطلوب قر بالحق، واحلف عليه، فيعطيه ولا شيء عليه غيره، فإن جحد قيل للطالب، إن عرفته أحلف عليه وخذه.
فإن قال: لا أعرفه أو أعرفه ولا أحلف عليه سجن المطلوب حتى يقر بشيء ويحلف عليه، فإن لم يحلف أخذ المقر به وحبس حتى يحلف، وإن كان الحق في دار حيل بينه وبينها حتى يحلف ولا يحبس لأن الحق في شيء بعينه.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
قال الباجي في المنتقى: وعن مالك ترد الشهادة بنسيان العدد وجهله لأنه نقص في الشهادة.
قال الباجي: نقصان بعض الشهادة يمنع من أداء ذلك البعض إلا في عقد البيع والنكاح، والهبة، والحبس والإقرار ونحوه مما لا يلزم الشاهد حفظه بل مراعاة الشهادة في آخره وكذلك جميع تسجيلات الحاكم لا يلزم حفظها عند الأداء لأنه يشهد بما علم من تقييد الشهادة انتهي.
وقال في النهج الفائق: الباب الرابع عشر في ذكر العقود التي ليس علي الشاهد قراءتها ولا حفظ ما فيها: اعلم أن الشاهد ليس عليه من قراءة العقود التي فيها المقالات إلا عقود الاسترعاءات، وأما ما اشهد عليه من عقود الإقرار، والمبايعات فليس عليه قراءتها ولا حفظ ما فيها وحسبه أن يتصفح منها عقود الإشهاد فيجوز له أن يؤدى شهادته على ما أشهد/ ١٩٣ - أفيه ولم يعرف ما في الكتاب ولا عدد المال.
وفي البيان قال ابن القاسم: يجوز أن تشهد بما في الكتاب وإن لم تحفظ ما فيه إذا قرئ عليك لأن حفظه متعذر إذا كنت من أهل اليقظة بما في الكتاب إذا قرى عليك، وهذا في الاسترعاء وأما ما أشهد به المتعاملان على أنفسهما فليس عليك أن تقرأه ولا يقرأ عليك وتكفيك أن تذكر أنهما أشهداك على ما في هذا الكتاب، ويستحسن للعالم القراءة لئلا يكون فيه فساد فيزيله.
وفي طرر الشيخ أبى إبراهيم: ومن أتى بوثيقة يشهد فيها فلينظر في آخرها فإن
[ ٢ / ٦٦١ ]
كان فيه شهد عليهما بذلك من عرفها فهي وثيقة استرعاء فلا يشهد حتى ينظر جميعها ويعرف ما فيها، وإلا فلا يشهد، وإن وجد فيها شهد عليهما بذلك من أشهداء به على أنفسهما فليشهد وإن لم يعرف ما فيها لأنه إنما يشهد على ما قالاه.
وعن أبى زرب: إذا انعقدت الوثيقة على إشهاد المشهودين لهم بالابتباع والصدقات ونحو ذلك فلا ينبغي أن يؤخذ الشهود بحفظ ما في الوثيقة وحسبهم أن يقولوا: إن شهادتهم الواقعة فيها حق وأنهم يعرفون المشهدين لهم وإذا بنيت الوثيقة على معرفة الشهود كعقود الاسترعاء يشهد المسمون في هذا الكتاب من أشهد أنهم يعرفون كذا وكذا ورأى الحاكم ريبة توجب الاستنابة فينبغي له أن يقول لهم ما تشهدون به فإذا نصوا شهادتهم بألسنتهم على ما في الوثيقة نفذت وإلا ردها وليس في كل موضع ينبغي له أن يفعل هذا بكل الشهود وإنما ينبغي له أن يفعله بمن يخشى عليه الخديعة من الشهود، قال: وربما فعلته.
وفي الجزيرية: يجوز للشاهد أن يضع اسمه في وصية مطبوعة وإن لم يعرف ما فيها إذا كان المشهد عدلًا، وكشف له عن قوله شهد إلى التاريخ، وبه قال من التابعين سالم والحسن. وقاله إسماعيل القاضي، وأباه أبو قلابة مخافة أن يكون فيها جور.
الرعيني: هل للشاهد آن يضع شهادته في كتاب طبع الشهد عليه، فقيل: بجوازه
[ ٢ / ٦٦٢ ]
مطلقًا، وقيل: بقصره علي الوصية لذا كان الموصي/ ١٩٣ - ب عدلًا ويكون انتهاء الختم إلى موضع الإشهاد ليكون الشاهد على يقين من اتصال شهادته بالمشهود فيه ومن تقوية هذه الشهادة أن تستقر بنسخة منها مختومة عند الشاهد، فقد قال مالك: على أي شيء يشهدون لذا لم يكن عند كل واحد نسخة منها. انتهى ما في المنهج.
وفي مختصر ابن عرفة عن الباجي: أن ما أشهد فيه من العقود لا يلزمه تصفحه ولا قراءته ولا يتصفح منه إلا موضع التقييد قال: ولذا يشهد الحكام بالسجلات المطولة ولا تقرأ وإذا لم تلزمه قراءاته حين تقيد الشهادة فإن لا يلزمه ذلك حين الأداء أولى.
وعن ابن رشد قريبا من هذا قال بعد أن ذكر عنه خلافا في لزوم حفظ الشاهد لشهادة الاسترعاء وتيقنها حرفًا حرفًا: وأما ما أشهد عليه الشاهد من عقود البياعات والإقرارات فليس على الشاهد أن يقرأها ولا يحفظ ما فيها وحسبه أن يتصفح منها عقد الإشهاد، فيجوز له أن يؤدي شهادته على ما أشهد عليه وإن لم يعرف ما في الكتاب ولا عدد المال إذا عرف المشهدين له على أنفسهم.
ابن عرفة قوله مع الباجي وغيره: أنه يلزم الشاهد قراءة كل الوثيقة خلاف عمل محققي شيوخنا على لزوم قراءتها خوفا أن يكون في الوثيقة عقد فاسد أو مشروط فيه ما يفسده أو ما ظنه المشهد صحيحًا وهو غير تام كه بته لابنه الصغير دار سكناه ونحو ذلك، أو ما فيه تلبيس على حكام المسلمين.
قال بعض من لقيناه: إلا أن يعلم الشاهد بقرائن الأحوال أن ما يشهد به قد أبرمه والتزمه
[ ٢ / ٦٦٣ ]
فلا تلزم قراءتها، لأنه أمر قد وقع فيشهد به لينفذ فيه حكم الله بفسخه وأدب ملبسه. انتهى.
وإنما نقلت هذا ليتبين به ما نقله القرافي عن الباجي في المذهب مع ما فيه من زيادة الفائدة. قوله: "والحد لا يلزم لكن إن شهد غير به تمت، أي وتحديد المشهود عليه لا يلزم الشاهد ولا يكون شرطًا في صحة شهادته لكن إن شهد غير بالحد تمت الشهاد/ ١٩٤ - أ.
قوله: "وإلا فاعتمد على اليمين" أي وان لم يشهد الغير بالحد حدد المطلوب وحلف فإن نكل حدد الطالب وحلف، وكل هذا يشمله قول المؤلف فاعتمد على اليمين.
قوله: "وكذا جهل العدد بينة أو نسيت" ارتفع بينة على أنه فاعل المصدر وهو جهل أضيف بالمفعول وكمل بالفاعل ونسيت معطوف على جهل، والمعنى أن البينة إذا شهدت بحق وجهلت عدده، أو نسيت فكما إذا شهدت بالأرض ولم تحد فإن شهد الغير بالعدد تمت الشهادة وإلا فاليمين على ما سبق. قوله: "وقد ورد الرد فيهما" يعني رد الشهادة في الجهل والنسيان بمعنى أنه ورد عن مالك، وهذا إشارة إلى ما نقل الباجي عن مالك في نسيان العدد أو جهله، ويلزم مثله في نسيان الحد، أو جهله. والله تعالى أعلم.
[ص]
ورد مثبتًا أو جامعًا نفيا له كما أتى
٣٩٢ - في حصر وارث وملك ولتزد ألفاظ أخبار على الإنشاء اعتمد
[ش]
القرافي: في الفرق السابع والعشرين والمائتين: الشهادة قسمان تارة يكون مقصودها مجرد الإثبات فيقتصر عليه نحو أشهد أنه باع ونحوه، وتارة يكون المقصود الجمع بين النفي والإثبات وهو، الحصر فلا بد فيه من التصريح بهما في العبارة. وقال مالك في التهذيب: ولا يكفي أنه ابن للميت حتى يقولوا في حصر الورثة: لا نعلم له وارثًا غيره. وكذلك هذه الدار لأبيه أو جده حتى يقولوا: ولا نعلم خروجها عن ملكه إلى الموت حتى يحكم بالملك في الحال. فإن قالوا هذا وارث من ورثة آخرين أعطى هذا نصيبه وترك الباقي.
[ ٢ / ٦٦٤ ]