وقاعدة ما لا يجوز أن يشهد به منه انتهى.
قوله: "الذ علما، من قولهم: فيمن على نفى شهد يسقط إجمال" ألذ مبتدأ /١٤٣ - ب وخبره إجمال أي المعلوم في قولهم من شهد على نفى يسقط ذو إجمال، أو التقدير فيه إجمال.
قوله: "نعم وقد فقد، علم ضروري وظن غالب، كنفى بيع وفاء طالب" أي نعم تسقط شهادة النفى في حال فقد العلم الضروري والظن الغالب كقوله: ما باع سلعته، أو ما وفي الدين الذي عليه.
قوله: "وإن يكن ذاك فلا اتفاقا" البيت - أي وإن يكن العلم الضروري أو الظن الغالب فلا تسقط اتفاقا، كالشهادة بحصر الوارث وبالعدم، ونحوه من الظن الغالب، وكما يشهد أنه ليس في هذه البقعة التي بين يديه فرس ونحوه من العلم الضروري.
قال القاضي أبو عبد الله المقرى: قاعدة: تقبل الشهادة على النفى المحصور والمعلوم إجماعا دون غيرهما فلا يصح إطلاق أنها لا تقبل.
فصل
أي في بيان الذين يضمنون والذين لا يضمنون.
[ص]
٣٢٢ - يضمن ذو إرث ورهن وخيار وصانع عرس وحاضن معار
٣٢٣ - وحامل الطعام كالذى حبس لثمن ذا غيبة إن التبس
٣٢٤ - تلفه لا غيره فمع يمين كحارس وذى قراض وأمين
٣٢٥ - ووالد وصيه وسمار راع وخاتن طبيب بيطار
٣٢٦ - نوت وكيل مبضع وخادم معلم ومكتر وحاجم
٣٢٧ - ومتعلم رسول مشترك عن بعضهم ضمان بعضهم حكى
[ش]
ذكر الضامنين في هذا التأليف، لأنه بنبنى على ذكرهم بعض قواعدهم وكذلك الذين لا يضمنون.
قال القاضي أبو عبد الله المقرى: قاعدة: أسباب الضمان ثلاثة الإتلاف كالحرق
[ ٢ / ٥٣٤ ]
ووضع سببه كالحفر غير المأذون فيه، أو اليد غير المؤتمنة كالغاصب والمختبر للسلعة، ولهذا اختير غير المؤتمنة على العادية، والمباشرة مقدمة على السبب كالملقى على الحافر، ما لم يقو السبب جدا فيقدم كجاعل السم على مقدم الطعام، أو يستويان فيعتبران كالإكراه والفعل ومن ثم فرق القول الثالث للمالكية بين الغرور بالفعل فأوجب فيه /١٤٤ - أالضمان، والغرور بالقول فلم يوجب.
وقال أيضا: قاعدة: تقدم أن أسباب الضمان ثلاثة الإتلاف والتسبب ووضع اليد غير المؤتمنة كالبيع الفاسد يضمنه المبتاع بالقبض بخلاف الخيار إذا أصيب بسماوي وعلى هذه القاعدة تتخرج فروع الضمان، وهي متفق عليها، وإنما يختلف عند اجتماع شائبة الأمانة معها فيختلف أيهما يغلب.
وقال أيضا: قاعدة: القابض بإذن من له الإذن شرعا لحق نفسه ضامن إلا في عارية ما لا يغاب عليه، وما عرف هلاكه على مشهور مذهب مالك، ولحق غيره أمين ولحق نفسه وغيره إن قويت شائبة الأمانة كاللقطة والقراض والإجارة، فأمين إلا حامل الطعام عند المالكية [للتهمة كما مر، وإن قويت الشائبة الأخرى فضامن كالرهن فإنه عند المالكية] كالعارية، وإلا فقولان انتهى.
وقال القرافى: في الفرق السابع عشر والمائتين: أسباب الضمان [ثلاثة فمتى وجد واحد منهما وجد الضمان] ومتى لم يوجد واحد منهما لم يجب الضمان.
أحدها: التفويت مباشرة كإحراق الثوب، وقتل الحيوان، وأكل الطعام ونحو ذلك.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
وثانيها: التسبب للإتلاف كحفر الآبار في موضع لم يؤذن فيه ووضع السموم في الأطعمة ووقود النار بقرب الزرع، والأندر ونحو ذلك مما شأنه أن يفضى غالبا للإتلاف.
وثالثها: وضع اليد غير المؤتمنة، فيندرج في غير المؤتمنة، يد الغاصب والبائع يضمن المبيع الذي يتعلق به حق توفية قبل القبض، فإن ضمان المبيع الذي هذا شأنه منه، لأن يده غير يد أمانة، ويد المتعدى بالدابة في الإجارة، ونحوها.
ويخرج بهذا القيد المودع وعامل القراض ويد المساقى، ونحوهم فإنهم أمناء، فلا يضمنون. وقولنا: اليد غير المؤتمنة، خير من قول من قال: اليد العادية لأنها لا تعم هذه الصورة المتقدمة. وإنما يندرج فيها الغاصب ونحوه، وحد المباشر ما يقال عادة حصل الهلاك به من غير توسط. والسبب ما يحصل الهلاك عنده بعلة أخرى، إذا كان السبب هو المقتضى /١٤٤ - ب لوقوع الفعل بتلك العلة كحفر البئر في محل عدوان فتردى فيه بهيمة أو غيرها، فإن رداها غير الحافر فالضمان عليه دون الحافر تقديما للمباشرة على السبب.
ويضمن المكره على اتلاف المال، لأن الإكراه سبب، وفاتح القفص بغير إذن فيطير ما فيه حتى لا يقدر عليه، والذي يحل دابة من رباطها أو عبدا مقيدا خوف الهرب فيهرب لأنه متسبب كان الطيران عقب الفتح والحل أم لا؟.
وكذلك السارق يترك الباب مفتوحا، وما في الدار أحد.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
وقال الشافعي: إن طار الحيوان عقب الفتح ضمن، وإلا فلا، لأن الحيوان إن طار حينئذ بإرادته لا بالفتح.
وقال أبو حنيفة: لا يضمن إلا في الزق إذا حله فيتبدد ما فيه.
وانظر تمام القرافى.
المقرى: قاعدة: المباشرة مقدمة على السبب ما لم تكن معهودة له كقتل المكره فيعتبر على أصح قولى مالك أو تكون المباشرة ليست بعدوانٍ طرحه مع سبع في مكان ضيق فيعتبر السبب فقط.
والمباشرة: ما يعد في العادة علة الفعل من غير واسطة وإن لم يكن كذلك كالجراح والسبب ما تشهد أنه لا يكفي في ذلك مما له فيه مدخل ظاهر كالحفر وتقديم الطعام المسموم انتهى.
وفي النظائر لأبي عمران: مسائل ما يضمن إذا ادعى تلفه، من ذلك عارية ما يغاب عليه، والبيع بالخيار إذا كان مما يغاب عليه [ونفقة الولد عند الحاضنة إذا ادعت تلفها، والمرأة إذا أصدقها ما يغاب عليه] [وكذلك إذا أعطاها نقدا بالجهاز وهو مما يغاب عليه] فادعت تلفه فعليها أن تخلفه من مالها والورثة إذا اقتسموا ثم انتقضت القسمة بلحوق الدين، أو الغلط وقد أتلف بعضهم ما يغاب عليه [فهم ضامنون لما يغاب عليه] وكذلك
[ ٢ / ٥٣٧ ]
الصناع هم ضامنون [إلا أن تقوم لهم البينة، وكذلك رهن] ما يغاب عليه هم ضامنون في هذه الوجوه كلها، إلا أن تقوم لهم بينة على تلفها فيبرءون من الضمان عند ابن القاسم. وأشهب يقول: هم ضامنون وإن قامت لهم بينة على تلفه، وأما عارية ما لا يغاب عليه / ١٤٥ - أورهن ما لا يغاب عليه فلا ضمان.
قال عبد الحق: يحلف متهما كان أو غير متهم.
وقول مالك: لا يحلف إن كان غير متهم.
وفي ذلك قول آخر أنه يضمن ذلك كله.
وأما ما يغاب عليه ولا يضمن فالودائع، والقراض، وما طريقته الأمانة فلا ضمان في ذلك. وأما كراء ما يغاب عليه [فلا ضمان إذا ادعى تلف ذلك، وقيل إن أكرى ما يغاب عليه] مثل الجفنة فهو ضامن، وقيل إنما الرواية في دعواه الكسر لأنه يقدر على تصديق نفسه بإحضار الفلقتين، وأما دعواه الضياع في الجفنة فهو مصدق.
قوله: "يضمن ذو إرث - إلى قوله - لا غيره ضمان الوارث" هو فيما إذا ظهر دين أو طرأ وارث أو نحوه بعد القسمة وادعى أحد الورثة تلف ما أخذه من العين والطعام وإلا دام ولم تقم بينه فإنهم لا يصدقون.
واختلف إذا قامت لهم بينة على الضياع، فقال ابن القاسم: لا شيء عليهم وقال أشهب: يضمنون وهو أصهل في العوارى.
وحكى في البيان: ثالثا ببراءته في العين دون غيرها.
قال: ولا خلاف في العروض التي يغاب عليها أنه ضامن، إلا أن تقوم البينة على تلفها
[ ٢ / ٥٣٨ ]
ولا في الحيوان الذي لا يغاب عليه أنه يصدق في تلفه.
وفي طرة بخط المؤلف إثر قوله في مختصر المنهج: ووارث إن قبض ما ينوبه من المختلف فانتقضت القسمة لدين أو غلط فادعى تلف ما غاب عليه. وعلى قوله وحاضن إن قبض نفقة المحضون ثم ادعى تلف ما يغاب عليه.
وأما الرهن والمبيع بخيار والصداق والعارية فيضمن فيهما ما يغاب عليه دون ما لا يغاب عليه.
إلا أن يكون الرهن عند أمين فلا ضمان مطلقا.
واختلف إذا قامت بينة على تلف ما يغاب عليه، فقال ابن القاسم: لا ضمان، بناء على أن الضمان للتهمة وقال أشهب: بالضمان، بناء على أنه بالأصالة قوله: "ورهن وخيار" أي وذو رهن وذو خيار، والعرس الزوجة [إشارة إلى ضمانها للصداق وفي طرة بخط المؤلف أثر قوله: عرس الزوجة] ومسألتها إن قبضت ما يغاب عليه من مهر ثم طلقها زوجها قبل /١٤٥ - ب البناء فادعت التلف.
وأما الصانع فيضمن إن انتصب للصنعة ولم يكن في بيت رب السلعة ولم يكن ملازمه فإن كان أحدهما فأمين وكذا الحاضن يضمن ما قبض لمحضونة من النفقة والكسوة ونحوهما من مؤن المحضون إلا أن تقوم بينة على التلف.
وحامل الطعام يضمن من سائر أنواع الحبوب والإدام سواء حمله على رأسه أو على الدابة أو في سفينة إلا ببينة أو بصحبة ربه.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
وكذلك المحبوسة في الثمن تضمن ضمان الرهان على المشهور فيفرق بين ما يغاب عليه وبين ما لا يغاب عليه. وقيل: من البائع مطلقا.
وقيل: من المشترى مطلقا. فقول المؤلف "ذا غيبة" يحتمل أن يكون مفعول حبس والأولى أن يرجع إلى جميع ما قبله فيكون متنازعا فيه.
وبخط المؤلف في طرة قوله: "كالذي حبس لثمن ذا غيبة" على إسقاط العاطف أي وكالذي، ودخل تحت الكاف المحبوسة للإشهاد،
قوله: "ذا غيبة" مفعول يضمن ونازعه حبس انتهى.
وقوله: "وإن التبس تلفه" أي تلف ذي الغيبة احترازًا عما قامت البينة على تلفه.
قوله: "لا غيره فمع يمين" أي لا يضمن من ذكر غير ذي غيبة فالقول قوله فيه مع يمينة يعني ما لم يظهر كذبه كدعواه موت الدابة ببلد ولم يعلم بذلك أحد، ولا يرجع ضمير غيره إلى الملتبس تلفه، لأنه لا يمين مع قيام البينة، وطرر عليه بعض تلامذة المؤلف بقوله: أي لا غير ما التبس تلفه بل ظهر ولا غير ذي الغيبة انتهى.
وفيه نظر لما ذكرته.
وهذا الكلام في الذين لا يضمنون، وذكرهم، لأنه يبنى على ذكرهم بعض قواعدهم كما مر شيء من ذلك. قوله: "كحارس" - إلى آخره - أي كما يصدق الحارس، ومن عطف عليه بيمين، وأراد بالحارس الأجير على الحراسة، فلا ضمان عليه وكذا عامل القراض إذا ادعى التلف أو الخسارة وكذا المودع يدعى التلف. وكذا ولى المحجور كالوالد والموصى، ووصيه لا ضمان عليهم إذا ادعوا التلف بخلاف دعوى الدفع بعد الرشد فلا يصدق على المشهور.
وطرر المؤلف على قوله: وأمين المودع وأمين الحاكم. قوله: "وصيه" أي
[ ٢ / ٥٤٠ ]
وصي الوالد، وأما/١٤٦ - أالسماسرة فقد اختلف قول مالك في تضمينهم ابن رشد: والذي أفتى به على طريق الاستحسان مراعاة للخلاف تضمينهم، إلا أن يكونوا مشهورين بالخير.
ابن رشد: ورأيت بعض قضاة الإسكندرية ضمن السمسار وكأنه ذهب إلى ذلك من مصالح الناس العامة لفساد الزمان. وقيد السمسار في مختصر المنهج فقال وسمسار ذو الخير. وطرر عليه بقوله: ابن رشد: لا ضمان عليه إن ظهر خيره وعليه اعتمدنا.
وأما الراعى فلا ضمان عليه فيما تلف من الغنم وغيرها إذا لم يتعد، ولا فرط وأقصى ما عليه فيما ضل أو هلك اليمين أنه ما فرط ولا تعدى.
وروى عن سعيد بن المسيب في الراعى الذي يلقى الناس أغنامهم إليه، وهو الراعى المشترك أنه ضامن لما تلف منها، ورآه كالصانع، قيل: وليس على ذلك العمل.
وأما الخائن والطبيب والحاجم والمعلم فقال ابن أبي زيد: قال ابن القاسم: لا ضمان على حجام وبيطار وخاتن، وطبيب إن مات أحد مما صنعوا إن لم يخالفوا، ومعلم الكتاب والصناعة في الأدب، ولو آل إلى الموت إن لم يتجاوز، فيضمن لتعديه، وجاهل.
أبو عمرو بن الحاجب: ومن فعل فعلا يجوز له من طبيب وشبهه على وجه الصواب فتولد منه هلاك أو تلف مال فلا ضمان عليه، فإن كان جاهلا أو لم يؤذن له أو أخطأ فيه أو في مجاوزة أو تقصير فالضمان كالخطأ، وإذن العبد له أن يحجمه أو يختنه غير مقيد انتهى.
وما ذكره من نفى الضمان بما إذا لم يكن السلطان قد تقدم إلى الأطباء والحجامين
[ ٢ / ٥٤١ ]
أن لا يقدموا على شيء مما فيه غرر إلا بإذنه، ففعلوا ذلك بغير إذنه، فعليهم الضمان فيما تلف من أموالهم. رواه أشهب.
ابن رشد: وقال ابن دحون: هو على العاقلة إلا فيما دون الثلث وهو خلاف الرواية انتهى.
وكذا لا ضمان على النوتى وهو صاحب السفينة وهو مصدق في تلف المتاع المحمول إذا غرقت السفينة بفعل سائغ إلا أن يكون الذي حمله طعامًا أو إداما وهلك بغير بينة ولم يحضره ربه كما تقدم.
والوكيل أمين بأجرة أو غيرها مفوضا أو مخصوصا سواء ادعى /١٤٦ - ب تلف السلعة التي وكل على بيعها أو ثمنها إن باع، وكذا في الوكالة على الشراء أو الاقتضاء أو غير ذلك.
وكذا المبضع أمين في البضاعة إن كانت مما يغاب عليه. وطرر عليه المؤلف بخطه، أو مبضع معه مال يشترى به.
قوله: "طبيب بيطار نوت وكيل مبضع" سقط العاطف في خمستها، والخادم يحتمل أنه أراد به من استؤجر على نقل زجاج أو حمل غير الطعام، أو حراسة متاع، أو خدمة على أشجار أو تنقيتها ونحو ذلك، وهو الأظهر، ويؤيده تطرير المؤلف عليه بقوله: هو الأجير فيما استؤجر عليه.
ويحتمل أنه أراد به الأجير الخاص للرجل أو الجماعة دون غيرهم، والصانع الخاص الذي لم ينصب نفسه فلا ضمان على هؤلاء، لأن الضمان إنما كان للمصلحة العامة وقيده بعضهم بما إذا عمله بغير أجر، وإلا فيضمن.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
ابن يونس: وحكى هذا القائل أنه منصوص للمتقدمين، وقد نقل عبد الحق وغيره عن القرويين القولين، أعنى هل لا ضمان على من لم ينصب نفسه للصنعة مطلقا أو بشرط أن لا يأخذ أجرة، ونقل بعضهم الاتفاق على الثاني.
والمعلم يشمل المعلم لكتاب أو صناعة فلو ضرب الولد ضربا يجوز له فمات من ذلك فلا ضمان.
القرافي: في الفرق السابع والمائتين بين قاعدة ما يضمنه الأجراء إذا هلك وبين قاعدة ما لا يضمنونه: اعلم أن الهالك خمسة أقسام:
ما هلك بسبب حامله من عثار أو ضعف حبل، لم، يغربه أو ذهاب دابة أو سفينة فلا ضمان، ولا أجرة، ولا عليه أن يأتي بمثله قاله مالك وقال غيره: ما هلك بعثار كالهالك بأمر سماوى، وقال ابن نافع: لرب السفينة بحساب ما بلغت.
الثاني: ما غرر فيه بضعف حبل يضمن القيمة بموضع الهلاك، لأنه موضع أثر التفريط وله من الكراء بحسابه، وقيل: بموضوع الحمل منه ابتداء التعدى.
الثالث: ما هلك بأمر سماوى بالبينة فله الكراء كله، وعليه حمل مثله، من موضع الهلاك، لأن أجره المنفعة مضمونة عليه.
الرابع: ما هلك بقولهم من /١٤٧ - أالطعام لا يصدقون فيه لقيام التهمة، ولهم الكراء كله، لأن شأن الطعام امتداد الأيدي إليه، لأنهم استحقوه بالعقد.
الخامس: ما هلك بأيديهم من العروض يصدقون فيه، لبعد التهمة، ولهم الكراء كله وعليهم حمل مثله من موضع الهلاك، لأنهم لما صدقوا أشبه ما هلك بأمر سماوي.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
وقال ابن حبيب: لهم من الكراء بحسب ما بلغوا ويفسخ الكراء، لأنه لما كان لا يعلم إلا من قولهم أشبه ما هلك بعثار انتهى.
الأبى: لم يذكر إجارة الصناع على عمل في السلعة كالصبغ وأمثاله فإنه عند مالك يضمن فيه الأجير، وهو بمنزلة الطعام الذي تمتد الأيدي إليه انتهى.
وأما المكترى فهو أمين على الأصح، كان الشيء المستأجر مما يغاب عليه كالقصعة أو لا؟ كالدابة، مقابل الأصح في كتاب ابن سحنون.
وقال أشهب: في الجفنة يدعى ضياعها إنه ضامن، وأنكر ابن المواز أن تكون الرواية هكذا، وقال إنما الرواية في دعواه الكسر، لأنه يقدر على تصديق نفسه بإحضار الفلقتين وأما الضياع فيصدق، ولهذا قال مالك في رواية أخرى وأين فلقتاها.
ابن المواز: إلا أن يقول: سرقت منى الفلقتا أو تلفتا.
وحكى صاحب البيان إلا اتفاق على نفى الضمان قال: فلا أعلم فيها خلافا، إلا ما لابن القاسم في الدمياطية في مكترى الدابة يشترط عليه الضمان. قال: لا ضمان عليه والمناجل وآلة الحديد يضمنها، قال: وهو شذوذ.
وأما المتعلم فاشار إلى أن الأجراء والصناع تحت يد الصانع أمناء له فإذا تلف بأيديهم شيء بغير تعد فلا ضمان عليهم، لأنهم صناع له خاصة، وأما لو غابوا على السلع فإنهم يضمنون، فقد نص أشهب في العتيبية والموازية إنه لو كثر الثياب على العمال فواجر آخر يبعثه بها إلى البحر فادعى تلفها أنه ضامن.
ابن يونس: وذلك إذا عامله على أثواب مقاطعة. أي كل ثوب بكذا، وأما إن كان في
[ ٢ / ٥٤٤ ]
أجرته يومًا أو شهرا فدفع إليه شيئا يعمله في داره وغاب فلا ضمان عليه.
وطرر عليه بعض تلامذة المؤلف: أي يضيع لمعلمه انتهى /١٤٧ ب.
وفيه نظر، والمضيع ضامن وإنما طرر عليه المؤلف أي متعلم صانع.
وكذا لا ضمان على الرسول بهدية أو غيرها كان مما يغاب عليه أم لا؟.
وطرر عليه المؤلف رسول بمال يوصله.
ولا ضمان أيضا على الشريك فيما هلك بيده من مال الشركة أو خسر فيه وهو مصدق في ذلك مفاوضا كان أو غيره.
قوله: "عن بعضهم ضمان بعضهم. حكى" أي ضمان بعض المذكورين حكى عن بعض العلماء، وقد سبقت الإشارة إلى شيء من ذلك، وبالله تعالى التوفيق.
[ص]
٣٢٨ - وكل من خالف أو تعدى أو غر بالفعل كمن قد شدا
٣٢٩ - أو صب أو قطع أو قد أنكحا لا غر بالقول على ما صححا
٣٣٠ - ضمنه لا منازعا فيما قلع والصبغ كالنحر وللخوف نزع
[ش]
أي كل من خالف ما أمر به أو نهى عنه أو تعدى، على مال غيره، أو غر بالفعل فإنه يضمن، بخلاف الغرر بالقول فلا ضمان فيه على الصحيح.
فالأول كالمودع يقول له رب الوديعة: لا تقفل الصندوق فقفله فإنه يضمن وكعامل القراض يخالف ما أمر به رب المال من التجارة في نوع من السلع فيتجر في غيره أو من عدم المعاملة مع فلان فيعامله ونحو ذلك.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
والثاني كقطع ذنب البغلة وأذنيها، وقطع طيلسان ذي الهيئة وجبته وعمامته وشبه ذلك وكالمكترى والمستعير يتعديان المسافة المدخول عليها أو يزيدان في الحمل فتهلك الدابة بذلك وقد يريد المؤلف بالتعدى ما هو أعم مما ذكرنا بحيث يشمل الغصب والسرقة وغير ذلك.
قال القاضي أبو عبد الله المقرى: قاعدة: التعدى على الأموال سبعة أقسام:
الغصب، قال ابن الحاجب: وهو أخذ المال قهرا عدوانا من غير حرابة وفيه تعريف ماهية بسلب أخرى.
والحرابة وهو كل فعل يقصد به أخذ المال على وجه تتعذر الاستغاثة عادة والاختلاس، والسرقة، وهو أخذ المال المحترم، أو الحر الصغير خفية من حرز من غير شبهة ملك.
والخيانة، والإدلال والجحد، قال ابن رشد: وهي مجمع /١٤٨ - أعلى تحريمها قلت: وأما قوله تعالى:﴾ أو صديقكم ﴿فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يأكل من بيت صديقه في وليمة أو غيرها إذا كان (الطعام) حاضرا غير محرز، وقيل: غير ذلك انتهى.
ويضمن أيضا الغار بالفعل دون القول على الصحيح.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
قال القاضي أبو عبد الله المقرى: قاعدة: اختلف المالكية في تعلق الغرامة بالغرور.
فثالثها: المشهور يتعلق بالغرور بالفعل كمتولى العقد، والمرأة، لا بالقول كالمخبر انتهى.
ومثله في التوضيح قال: وحكى ابن بشير في تعلق الغرامة وعدمه ثلاثة أقوال يفرق في الثالث وهو المشهور فيغرم في الغرور بالفعل دون القول انتهى.
اللخمى: فإن عرف الحمال بضعف الأحبل وربط فهو غرور بفعل، وإن أسلم الحبال للمكترى وكان المكترى هو الذي يسيرها فهو غرور بالقول انتهى.
وفي الضمان بالغرور طريقان: أحدهما: لزومه بالفعل بلا خلاف، وبالقول قولان قائمان منها.
والثانية، ثالثها، الفرق بين القول والفعل، ومن الغرور بالقول مسألة من أراد معاملة شخص فقال له رجل: هو ثقة، فقد حكى ابن رشد في قوله ثقة قولين: الضمان وعدمه منشأهما الخلاف في الغرور بالقول.
قوله: "كمن قد شدا. أو صب أو قطع، أو قد أنكحا" يعنى شد بحبل ضعيف كما مر، وصب شخص زيتا في إناء مثقوب قد علم به أو قطع شقة برسم قميص علم أنه لا يخرج منها، أو أنكح امرأة على أنها حرة، وهو يعلم عبوديتها والمعنى أن من غر بالفعل في هذه الأربعة مثلا فإنه يضمن، لا إن غر بالقول، أما الشد فقد مر من كلام اللخمي.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
وأما البواقي فقال أبو عمران في النظائر عند كلامه على الغرور بالقول والفعل:
والغرور بالقول مثل أن يقول تزوج هذه المرأة فإنها حرة، وقد علم أنها أمة فإن زوجها له غيره فإنه غرور بالقول لا شيء عليه على أحد الأقوال، وإن زوجها له هو فهو غرور بالقول والفعل فهو ضامن.
ومنه: أن يقول له: انظر إلى هذه الخابية فإن كانت صحيحة أصب فيها الزيت فقال له: هي صحيحة، ولم يصب له فيها غرور بالقول [وإن صب له هو فيها فهو غرور بالقول] والفعل فهو ضامن.
ومنه: أن يقول /١٤٨ - ب له: انظر إلى هذه الشقة فإن كان يقطع منها قميصا اشتريتها، فقال: يقطع منها قميصا، فإن لم يقطعه له فهو غرور بالقول لا شيء عليه، وإن قطعها له فهو غرور بالقول والفعل فهو ضامن. صح منه وفي طرة بخط المؤلف على قوله: "لا غر بالقول" أي كأن يقول: الإناء صحيح فقط، أو الشقة تقطع قميصا، أو فلانة حرة فقط، أو هذه الدراهم جياد لمن قال له: قلبها فوجدها ردية.
ويدخل في قوله: "قد أنكحا" الولى يغر بالعيب ويظهر على ذلك بعد البناء فإن الزوج يرجع عليه بجميع الصداق، ومن غر من وليته فزوجها في عدة ودخلت فسخ النكاح وضمن الولى الصداق، وإن كانت هي الغارة ترك لها ربع دينار.
فإن في كتاب تضمين الصناع من المدونة:
وإن سألت خياطا قياس ثوب فزعم أنه يقطع قميصا فابتعته بقوله فلم يقطع قميصا فقد لزمك ولا شيء لك عليه ولا على البائع.
وكذلك الصيرفي في درهم تريد إياه جيدا فيلقى رديا، فإن غرا من أنفسهما
[ ٢ / ٥٤٨ ]
عوقبا ولم يغرما انتهى.
قوله: "على ما صححا" هو راجع إلى التفصيل في الضمان في الغرور بالفعل دون القول على ما صححه غير واحد من الشيوخ، قوله: "ضمنه" هو خبر كل، أو مفسر لعامله.
قوله: "لا منازعا فيما قلع" - البيت - أي لا تضمن هؤلاء:
الأول: الطبيب يقلع (سنا) فيدعى صاحبها أنه إنما أذن في غيرها، والطبيب يدعى الأذن في المقلوعة فالقول قوله مع يمينه، فإن اعترف الطبيب بالخطأ في المأذون في قلعها ضمن.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا قلع الحجام ضرس رجل بأجر فقال له: لم آمرك إلا بقلع الذي يليه فلا شيء عليه، لأنه علم به حين قلعه فتركه، وله أجر إلا أن يصدقه الحجام فلا يكون له أجر.
يريد ويكون عليه العقل في الخطأ والقصاص في العمد، وقلع بفتح القاف مبنيًا للمفعول، منازعا بفتح الزاى مبنيًا للمجهول، أي لا تضمن حجاما منازعا في الضرس الذي قلعه، نازعه ذو الضرس المقلوع.
الثاني: الصباغ يضمن الثوب فيقول ربه إنما /١٤٩ - أأمرتك بلون آخر فالقول قول الصباعغ مع يمينه.
قال المدونة: وإذا صبغ الصباغ الثوب أحمر أو أسود وقال لربه: بذلك أمرتني، وقال ربه: أمرتك بأخضر فالصباغ مصدق، إلا أن يصبغه صبغا لا يشبه مثله.
الثالث: إذا نحر الراعى ناقة من الإبل أو ذبح شاة من الغنم وادعى أنه خاف عليها
[ ٢ / ٥٤٩ ]
الموت فإنه مصدق، وقيل: لا، وهما روايتان عن مالك.
قال فى المدونة: قال ابن القاسم: والراعى مصدق فيما هلك أو سرق، ولو قال: ذبحتها، ثم سرقت، صدق، ولو خاف موت الشاة فأتى بها، مذبوحة صدق، ولم يضمن ونزع فى كلام المؤلف بمعنى ذهب، وبه يتعلق للخوف أى ذهب إلى احتجاجه إلى الخوف وبالله التوفيق.
[ص]
٣٣١ - وكل من صدق فى دعوى التلف تقبل دعوى رده مع الحلف
٣٣٢ - إن لم تكن بينة حين دفع فى بعضها معها خلاف قد سمع
[ش]
أى كل من يصدق فى دعوى التلف فالقول قوله فى الرد مع يمينه إلا أن يقبض ببينة، مقصودة للتوثق فإنه يصدق فى التلف ولا يصدق فى الرد وهذا كالمودع والمستأجر والوكيل، وعامل القراض، ونحوهم.
قوله: "فى بعضها معها خلاف قد سمع" أى فى بعض الجزئيات الداخلة تحت الكلية المذكورة خلاف فى تصديق مدعى الرد مع البينة، أى فى قبضه ببينة، وهذا كالوديعة والقراض.
فالمشهور عدم التصديق والشاذ التصديق كما لو لم تكن بينة.
قال أبو عمرو بن الحاجب باب الوديعة: وإذا ادعى الرد قبل مطلقا، قيل: ما لم تكن بينة، مقصودة للتوثيق فتلزمه بخلاف التلف.
وقال فى القراض: والقول قوله فى رده إن كان بغير بينة، وقيل: مطلقا. واعترض
[ ٢ / ٥٥٠ ]
عليه في الوديعة تقديمه غير المشهور.
ابن رشد: ويتحصل فى المسألة أربعة أقوال:
أحدها: وهو المشهور أنه لا يصدق فى دعوى الرد إذا دفع إليه ببينة، لا فى الوديعة ولا فى القراض، ولا فى الشئ المستأجر.
والثانى: يصدق فى جميع ذلك وإن دفع إليه ببينة، وهو الذى يأتى على ما رواه أصبغ عن ابن قاسم من تصديقه/ ١٤٩ - أفى رد المستأجر، لأنه إذا صدقه على الرد مع قيام البينة فى الشئ المستأجر الذى قبضه لمنفعتهما جميعا فأحرى أن يصدق فى الوديعة التى قبضها لمنفعة صاحبها خاصة.
والثالث: تفرقة أصبغ: يصدق فى المستأجر لا فى الوديعة والقراض على ما تأول ابن القاسم.
الرابع: الفرق، فلا يصدق فى الوديعة إذا دفعت إليه ببينة ويصدق فى رد المستأجر والقراض وإن دفع إليه ببينة انتهى.
الامام أبو عبد الله المقرى: قاعدة الأصل فيمن دفع مختارا لا على قصد التمليك الائتمان، وقول مالك فى الرهن والصناع استحسان أو قياس على العارية، لأنه إنما قبض لحق نفسه وقد جاء أنها مؤداة، وقد أشكل على تكذيبهم فى دعوى الرد، مع أنهم إنما يقبضون بغير بينة عادة عامة مطردة، وإذا صدقوا فى دعوى الرد فهم فى دعوى الضياع أصدق.
وما يقال من أنهم لو لم يضمنوا أسرعوا إلى أكل أموال الناس أو أحوجوهم
[ ٢ / ٥٥١ ]