اعلم أن جماع الخير كله في تقوى الله ﷿ واعتزال شرور النس. ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
وقد قيل: إن العاقل لا ينبغي أن يرى إلا ساعيًا في تحصيل حسنه لمعاده، أو درهم لمعاشه، فكيف به مع ذلك إن كان مؤمنًا عالمًا بما أعد الهل ﷿ له من (الثواب والعقاب) على الطاعة والمعصية.
ويحق على العالم أن يتواضع لله ﷿ في علمه، ويحترس من نفسه، ويقف على ما أشكل عليه، ويقل الرواية جهده، وبنصف جلساءه، ويلين لهم جانبه، ويثبت سائله، ويلزم نفسه الصبر، ويتوقى الضجر، ويصفح عن زلة جليسه، ولا يؤاخذه بعثرته.
ومن جالس عالمًا فلينظر إليه بعين الإجلال، ولينصت له عند المقال، فإن راجعة راجعه تفهمًا لا تعنتًا، ولا يعارضه في جواب سائل يسأله، فإنه يلبس بذلك على السائل ويزري بالمسؤول.
وتنتظر بالعالم فيئته، ولا تؤخذ عليه عثرته، وبقدر إجلال الطالب للعالم ينتفع الطالب
[ ٣ / ١٣١٢ ]
بما يستفيد من علمه، ومن ناظره في علم فبالسكينة والوقار وترك الاستعلاء، فحسن التأني وجميل الأدب معينان على العلم، ونعم وزير العلم الحلم، وما أولى بالعالم صيانة نفسه عن كل دناءة وعيب، وإن لم يكن مأثمًا.
وإن أولى الناس بالمروءة والأدب وصيانة الدين ونزاهة الأنفس لذوو العلم؛ وحقيق على العالم أن لا يخطو خطوة لا يبتغي بها ثواب الله، ولا يجلس مجلسًا يخاف عاقبة وزره، فإن ابتلى بالجلوس فيه، فليقم لله ﷿ بواجب حقه في إرشاد من استحضره ووعظه، ولا يجالسه بموافقته فيما يخالف الله ﷿ في مرضاته، ولا يتعرض منه حاجة لنفسه، ولا أحسبه، وإن قام بذلك، ينجو ولا يسلم فيما بينه وبين الله ﷿. ومن إجلال الله، ﷿، إجلال العالم العامل، وإجلال الإمام المقسط. ومن شيم العالم أن يكون عارفًا بزمانه، مقبلًا على شأنه، حافظًا للسانه، متحرزً من إخوانه، فلم يؤذ الناس قديمًا إلى معارفهم، والمغرور من اغتر بمدهم له، والجاهل من صدقهم على خلاف ما يعرف من نفسه.
والله ﷾ المسؤول في أن يوفقنا للإقبال على امتثال مأموراته، والإحجام عن ارتكاب محظوراته، ويلهمنا ما يقر من أجره وثوابه، ويباعد من سخطه وعقابه بمحمد وآله.
ولنختم الكتاب بالصلاة عليه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
آخر السفر الثاني من كتاب عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة وهذا آخر الديوان والحمد لله على تيسيره كثيرًا والصلاة التامة على محمد رسوله وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا موصولًا.
وفرغ منه ناسخة الفقير لرحمة مولاه: علي بن محمد بن علي بن فرج القيسي نفعه الله تعالى به في أواخر ذي قعدة من سنة ست وأربعين وستمائة هـ والحمد لله الذي بعمته تتم الصالحات.
تم بعون الله الجزء الثالث
من كتاب عقد الجواهر الثمينة
وبه ينتهي الكتاب
[ ٣ / ١٣١٣ ]