وفيه ثلاثة أبواب:
الباب الأول: في ملك الأرض بالإحياء، وفيه فصلان:
الفصل الأول: فيما يملك من الأراضي بالإحياء.
وهي الموات، قال ﷺ: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ والموات: هي الأرض المنفكة عن الاختصاص والاختصاص أنواع:
النوع الأول: العمارة.
فلا يمتلك بالإحياء معمور، وإن اندرست العمارة إلا أن تكون عمارة إحياء ثم اندرست، حتى عادت إلى ما كانت عليه قبل الإحياء، فإنها تملك بالإحياء ثانيًا. وقال سحنون: لا تتملك بالإحياء، بل هي كغيرها من المعمور.
النوع الثاني: أن يكون حريم عمارة.
فيختص به صاحب العمارة، ولا يملك بالإحياء.
فإن قيل: وما حد الحريم؟، قلنا: أما البلدة، فكل ما كان قريبًا منها، تلحقه مواشيها بالرعي في غدوها ورواحها، وهو لهم مسرح ومحتطب، فهو حريمها، وليس لأحد إحياؤه.
وأما الدار، فحريمها إذا كانت محفوفة بالموات مرافقها الجاري بها العادة، كمطرح التراث ومصب الميزاب، وموضع الاستطراق منها وإليها ..
[ ٣ / ٩٤٨ ]
وإن كانت محفوفة بالاملاك، فما بينها وبين سائر الأملاك لا يختص به واحد من الملاك، بل لكل واحد الانتفاع به على ما جرت به العادة، ولكل منهم أن ينتفع في ملكه بما شاء مما لا يتضرر به جاره.
(وقال ابن القاسم: فأما ما يحدثه الرجل في عرصته مما يضر بجيرانه من بناء حمام، أو فرن للخبز، أو لتسييل الذهب والفضة، أو كير لعلم الحديد أو رحى تضر بالجدار، فلهم منعه. قاله مالك في غير شيء ممن ذلك، وفي الدخان، وأرى التنور خفيفًا).
وقال أشهب: ما احتفره الرجل في ملكه مما يضر بجاره، فليس له ذلك إن كان يجد من ذلك بدًا ولم يضطر إليه، فأما إن كان به إلى ذلك ضرورة ولم يجد عنه مندوحة، فله أن يحفره في حقه وإن أضر بجاره، لأنه يضر به منعه، كما أضر بجاره حفره، فهو أولى أن يمنع جاره أن يضر به في (منعه) له من الحفر في حقه لأنه ماله، وكذلك قال لي فيه مالك.
وأما البئر فليس لها حريم محدود، لاختلاف الأرض بالرخاوة والصلابة، ولكن حريمها ما لا ضرر معه عليها وهو مقدار ما لا يضر بمائها ولا يضيق مناخ إبلها ولا مرابض مواشيها عند الورد. ولأهل البئر منع من أراد أن يحفر أن يبني بئرًا في ذلك الحريم.
النوع الثالث: التحجير وفيه خلاف:
قال ابن الماجشون ومطرف: إذا تحجر أرضًا، بحيث يجوز الإحياء من موات الأرض، فلا يحجر ما يضعف عنه، (قالا): فإن رأى (الإمام) بمن حجر قوة على عمارة ما حجر إلى عامين أو ثلاثة خلاه، وإلا أقطعه بغيره. (وقال أشهب: قد روي عن عمر ﵁ أن ينتظر به ثلاث سنين قال: وأنا أراه حسنًا.
وقال أيضًا: لا يكون أولى لأجل التحجير إلا أن يعلم أنه حجره ليعلمه إلى أيام يسيره، وليس يقطعه على الناس ويعمله يومًا (ما)، إلا أن يكون قصده العمارة بعد زوال مانع من
[ ٣ / ٩٤٩ ]
يبس الأرض، أو غلاء الأجراء، أو غيره من الأعذار، وهو أحق به).
وإن حجر ما لا يقوى على عمله، كان له ما عمل، وشرع الناس فيما لم يعمل إذا لم يقو على الباقي.
قال ابن القاسم: "ولا يعرف مالك التحجير إحياء، ولا ما قيل: من حجر أرضًا ترك ثلاث سنين، فإن أحياها، وإلا فهي لمن أحياها".
النوع الرابع: الإقطاع
وإذا أقطع الإمام رجلًا أرضًا كانت ملكًا له، وإن لم يعمرها، ولا عمل فيها شيء ا، يبيع ويهب ويتصرف، وتورث عنه، وليس هو من الإحياء بسبيل، وإنما هو تمليك مجرد.
قال الأستاذ أبو بكر: هكذا روي يحيي بن يحيي عن ابن القاسم، سواء كانت في المهامة والفيافي، أو قريبة من العمران، ولا يطالبه الإمام بعمارتها، بخلاف الإحياء.
النوع الخامس: الحمى
وقد روى ابن وهب "أن رسول الله ﷺ حمى النقيع لخيل المهاجرين، وهو قدر ميل في ثمانية أميال، ثم زاد الولاة فيه بعد ذلك. وحمى أبو بكر ﵁ (الربذة) لما يحمل عليه في سبيل الله، وهي خمسة أميال في مثلها، وحمى ذلك عمر ﵁ لإبل الصدقة، يحمل عليها في سبيل الله. وحمى أيضًا (الشرف) وهو نحو حمى الربذة.
وللإمام أن يحمي إذا احتاج إلى الحمى. قال سحنون: والأحمية (أيضًا) إنما تكون في بلاد الأعراب العفاء التي لا عمارة فيها بغرس ولا بناء، وإنما تكون الأحمية منها في
[ ٣ / ٩٥٠ ]
الأطراف، حيث لا يضيق على ساكن، وكذلك الأودية العفاء التي لا ساكن بها إلا ما فضل عن منافع أهلها من المسارح والمراعي. وفي ذلك تكون القطائع أيضًا لمن رأى الإمام أن يقطعه. وكذلك ما كان من الموات في أرض الصلح، أو أرض العنوة لم يعتمل ولا حيز بعمارة، ولا جرى فيه ملك لأحد ولا ميراث.
ثم الموات قسمان: قريب، وبعيد.
فأما القريب: فيفتقر ي إحيائه إلى إذن الإمام لوقوع التشاح فيه ولخشية الخصومة. وقال أصبغ وسحنون: لا يفتقر إلى إذن الإمام في إحياء ما قرب ولا ما وبعد، ورواه ابن عبدوس (عن) أشهب.
وغذا فرعنا على المشهور، فإن أحيي بغير إذن الإمام نظر فيه، فإن رأى إبقاءه على من أحياه، وإلا أزاله أو جعله للمسلمين، أو أقطعه غيره. ويكون للأول إذا نزع من يده قيمة بنيانه مقلوعًا. وقال أشهب: من أحيى مواتًا فهو له على ما جاء في الحديث، قرب من العمران أو بعد، واستحب له فيما قرب أن يستأذنه، فيأذن له ما لم يكن فيه على أحد ضرر. وقال أصبغ إن أحيى بغير إذن الإمام أمضيته ولم أتعقبه.
وأما البعيد: فلا يفتقر إلى إذن الإمام فيه، وهو ما كان خارجًا عما يحتاجه أهل ذلك العمران من محتطب ومرعى، مما العادة أن الرعاء يصلون إليه، ثم يعودون إلى منزلهم يبيتون بها، ويحتطب (المحتطب)، ثم يعود إلى منزله. وقال ابن نافع: يفتقر إلى الإذن فيه كالقريب. (وقال سحنون في كتاب ابنه: ما كان من العمارة على يوم، وما لا تدركه المواشي في غدوها ورواحها، فأراه من البعيد. وأما ما تدركه في غدوها ورواحها، أو أبعد من ذلك قليلًا، مما فيه المرفق لأهل العمارة فهو القريب، يدخله نظر السلطان، فلا يحيي إلا بإذنه)
[ ٣ / ٩٥١ ]
الفصل الثاني: في كيفية الإحياء
والمرجوع في حده إلى العرف بأن يفعل في الأرض ما تقضي العادة بكونه إحياء لمثلها. (قال مالك في المجموعة وكتاب ابن سحنون: إحياء الأرض أن يحفر فيها بئرًا، أو يجري فيها عينًا، ومن الإحياء غرس الشجر والبنيان والحرث. وقاله ابن القاسم وأشهب.
وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: إن إحياء حفر الآبار، وشق العيون وغرس الشجر، وبناء البنيان، وتسييل ماء الزراعة من الأرض، وقطع الغياض والفحص على الأرض بما تعظم مؤونته، وتبقى منفعته حتى يصير ما لا يعتد به).
ولا شك في مسلك المسلم لما أحيى على الشرائط المتقدمة. فإن أحيى الذمي فقال ابن القاسم: يملك كالمسلم لعموم الخبر. إلا أن يحيي في جزيرة العرب، فإنه يعطي قيمة ما عمر ويخرج عنه لقوله صلى اللهعليه وسلم: "لا يبقين دينان في جزيرة العرب". وقال القاضي أبو الحسن: "ليس للذمي إحياء الموات في دار المسلمين".
(وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: إن عمر فيما بعد (من) العمران (فذلك له، وأما ما قرب من العمران)، ولو أنه بإذن الإمام، فإنه يعطي قيمة ما عمر وينزع منه، لأن ما قرب من العمران بمنزلة الفيئ، ولا حق للذمي فيه)
[ ٣ / ٩٥٢ ]
الباب الثاني: في المنافع المشتركة في البقاع، كالشوارع والمساجد
فأما الشوارع فللاستطراق وهو مستحق لكافة الخلق، وينتفع بها أيضًا للمجلس والمرابض والمصاطب، وجلوس الباعة فيها للبياعات الخفيفة في الأفنية. وليس بأن تحاز بالبنيان والتحظير.
قال ابن حبيب: وقد مر عمر ﵁ بكير حداد في السوق، فأمر به فهدم، وقال: تضيقون على الناس، ثم حيث قلنا بجواز الانتفاع بالجلوس في الطرق، فمن سبق إلى مكان مباح له الجلوس فيه، فهو أحق به، ولا يزعج منه لغيره.
وأما المساجد فينتفع بها للصلاة والجلوس بها، لها ومن سبق إلى مكان منها لم يزعج منه، بل هو أحق به من غيره، ويجلس فيها للذكر وقراءة القرآن والاشتغال بالعلوم الشرعية والاعتكاف وما أشبه ذلك من الطاعات المشروعة فيها. وخفف في القايلة والنوم فيها نهارًا للمقيم والمسافر، وفي المبيت فيها للمار والمنتاب إلى أن يرتاد.
ولا ينبغي أن يتخذ المسجد مسكنًا، إلا رجل قد تجرد للعبادة فيه لقيام الليل وإحيائه، فلا بأس أن يكون ذلك منه فيه دائمًا دهره إن قوي على ذلك.
قال ابن حبيب: وأرخص مالك أن يطعم الضيق في مساجد البادية، وقال: ذلك شأن تلك المساجد. وكره أن يقوده فيها نارًا.
وأجاز للرجل يكون له سفل وعلو، أن يجعل العلو مسجدًا، ويسكن السفل. ولم يجز له أن يجعل السفل مسجدًا ويسكن العلوم، قال: لأنه إذا جعل السفل مسجدًا، قد صار لما فوقه حرمة المسجد.
وروى مالك أنعمر بن عبد العزيز، كان إذ كان بالمدنية أميرًا، ربما بات على ظهر المسجد، فلا تقربه فيه امرأة.
وكان أبو هريرة وغيره من الصحابة والتابعين يصلون على ظهر المسجد بصلاة الإمام في سفله. قال ابن حبيب: وإنما أرخص في مرور الرجل بالمسجد مجتازًا للمرة بعد المرة وما أشبه ذلك، وفي الخاص من الأمر ينوب، وليس على أن يتخذ طريقًا. وكره مالك أن يدخل المسجد بالخيل والبغال والحمير لما ينقل عليها إليه. وكان لا يرى بأسًا بالإبل لكون أبوالها
[ ٣ / ٩٥٣ ]
طاهرة. قال: وكره أن يبصق في المسجد على الحصر، أو على التراب، ثم يحكه. وكره أن يتخذ الرجل فراشًا ي المسجد يجلس عليه، أو وسادًا يتكئ عليه، قال: ليس ذلاك من متاع المسجد.
وكان يرخص في الخمر والنخاخ والمصليات. قال: ولا يعلم فيه الصبيان، ولا يمكنون من دخوله، إلا أن يدخل صبي للصلاة، ثم يخرج. قال: ويكره البيع فيه والشراء، وسل السيف، ورفع الصوت، وإنشاد الضالة، والهتف بالجنائز، وكل ما يرفع فيه الصوت حتى بالعمل. فقد كنت أرى بالمدينة رسول أميرها يقف بابن الماجشون في مجلسه، إذا استعلى كلامه وكلام أهل المسجد في العلم، فيقول: يا أبا مروان، اخفض من صوتك، وأمر جلساءك يخفضون أصواتهم.
قال ابن حبيب: وحدثني الخزامي عن يحي بن سليم عن مكحول عن وائلة بن الأسقع: أن رسول الله ﷺ قال: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وخصوماتكم، وبيعكم وشراءكم، وسل سيوفكم، ورفع أصواتكم وإقامة حقوقكم، وجمروها أيام جمعتكم، واجعلوا مطاهركم على أبوا مساجدكم".
قال: وحدثني معاذ بن الحكم عن مقاتل عن نافع بن جبير بن مطعم: أن رسول الله ﷺ قال في المساجد: "لا يمر فيها بلحم، ولا [ينقر] فيها النبل، ولا تتخذ طريقًا ولا تمنع فيها القائلة، ولا تبني بالتصاوير، ولا تزين بالقوارير". قال ابن حبب: يعني (بتنقير) النبل إدارتها على الظفر ليعلم مستقيمها من معوجها" ويعني بالقوارير الزجاج.
قال ابن حبيب: إنا لنكره الفوارة التي اتخذت في مسجدنا بقرطبة كراهية شديدة، وإنما كان الصواب فيها أن تتخذ خارجًا في رحاب المسجد وعلى أبوابه.
قال: وكذلك أمر رسول الله ﷺ حين قال: "واجعلوا مطاهركم على أبواب مساجدكم".
قال: وأقبح من ذلك ما فعله الناس عندنا بقرطبة من فتح أبواب المياضي في المساجد،
[ ٣ / ٩٥٤ ]
قال: وإنما الصواب أن تفتح أبوابها خارجًا على حدة.
الباب الثالث: في الأعيان المستفادة من الأرض كالمعادن والمياه
أما المعادن فقسمان: القسم الأول: ما فيه الزكاة، كمعادن الذهب والفضة. فما ظهر منها في ملك إنسن معين، فقال مالك: هو له. وقال ابن القاسم: الأمر فيه إلى الإمام، يقطعه لمن يراه. وما ظهر فيما هو لجماعة المسلمين، كالبراري والموات والفيافي من أرض العرب وأرض العنوة، فالإمام يقطعه لمن يشاء. ومعنى إقطاعه إياها أن يجعل لمن يقطعه إياها الانتفاع بها مدة محدودة أو غير محدودة لا يملكه رقبتها، كما لا يقطع أرض العنوة تمليكًا، لكن قطيعة إمتاع، والأصل للمسلمين. وأما ما ظهر منها في أرض الصلح فقال ابن حبيب: يقطعها الإمام لمن يرى، وذكر ذلك عمن لقي من أصحاب مالك. وقال ابن القاسم وابن نافع: لا حق للغمام فيها، وهي لأهل الصلح.
القسم الثاني: ما لا زكاة فيه، كمعادن النحاس والرصاص والقصدير والكحل والزرنيخ والجوهر، ونحو ذلك، فقال ابن القاسم: هي مثل معادن الذهب والفضة، والسلطان يقطعها لمن يعمل فيها.
وقال سحنون وابن نافع: إنما كان السلطان يلي معادن الذهب والفضة لينظر في زكاتها ويحوطها، فأما هذه فليس فيها زكاة، ولو كان يلي هذه لكان له أن ينظر فيما يخرج من البحر من العنبر واللؤلؤ.
وأما المياه فثلاثة أقسام:
القسم الأول: خاص، وهو ما كان محرزًا في الأواني، أو في بئره التي احتفرها في ملكه، فهو كسائر الأملاك، يصح بيعه ومنعه.
والقسم الثاني: عام منفك عن الاختصاص، لا يملك أصله، وهو ضربنان:
الأول: أن يكون طريقه في أرض مباحة، مثل ما يسيل من شعاب الجبال وبطون الأودية [ونحوهما]، فهذا حكمه أن يسقي به الأعلى فالأعلى.
(واختلف في كيفية ذلك، فروى ابن حبيب عن ابن وهب ومطرف وابن الماجشون: أن صاحب الحائط الأعلى يرسل جميع الماء في حائطه ويسقي به، حتى إذا بلغ الماء في الحائط
[ ٣ / ٩٥٥ ]
إلى كعب من يقوم فيه [أغلق) مدخل الماء.
وقال (ابن كنانة): بلغنا أنه إذا أسقى بالسيل الزرع أمسك حتى (يبلغ النعل)، وإذا سقي النخل والشجر وما له أصل أمسك حتى يبلغ الكعبين، وأحب إلينا أن (يمسك) في الزرع والنخل وما له أصل حتى يبلغ الكعبين لأنه أبلغ في الري.
وفي المدينة من رواية عيسى عن ابن وهب: أن الأول يسقي حتى يروي حائطه ثم يمسك بعد ري حائطه ما كان من الكعبين إلى أسفل، ثم يرسل).
«وروى زياد بن عبد الرحمن عن مالك»: يجري الأول الماء في ساقيته إلى حائطه قدر ما يكون الماء في الساقية إلى الكعبين حتى يروي حائطه أو بفني الماء، فإذا روي حائطه أرسله كله.
قال سحنون: فإن كان الحائط مختلفًا بالارتفاع والانخفاض أمر صاحبه بتسويته، فإن تعذرت عليه التسوية سقى كل (مكان) (مستو) على (حدة).
فرعان:
الفرع الأول: أن هذا هو الحكم إذا لم يكن إحياء الأسفل قبل الأعلى، فلو أحييى (الأسفل) ثم أراد غيره إحياء ما فوقه، وأن ينفرد بالماء ويسقي به قبل الأسفل السابق بالإحياء، وذلك يبطل عمله ويتلف غرسه، لمنع.
قال سحنون: إذا كان بعض الأجنة أقدم من بعض، فالقديم أحق بالماء، وهذا لأن فعل المتأخر يمنع المتقدم مما سبق إلى استحقاقه قبله، وليس له ذلك
[ ٣ / ٩٥٦ ]
الفرع الثاني: إذا كان الحائطان متقابلين فقال سحنون في كتاب ابنه: يقسم الماء بينهما، وذلك لتساويهما في الاستحقاق. فإن كان الأسفل مقابلًا لبعض الأعلى، حكم لما كان أعلى بحكم الأعلى، ولما كان مقابلًا بحكم المقابل).
الضرب الثاني: (أن يكون جري الماء في أرض مملوكة، فهذا لمن صار في أرضه أن يمنعه ويحبسه [في أرضه] قل أو كثر، ولا يرسل منه شيء اإلى من تحته إلا أن يشاء، وهذا لأنه بدخوله في أره صار به أحق من غيره).
(فإن كان المالكون جماعة مثل النهر يجتمع القوم على إخراج ماء منه، فيحملونه في أرضهم أو في أرض بور (ملكوها) بشق ساقيتهم فيها إذ ذلك نوع من الإحياء، فهم فيه سواء لا يقوم الأعلى على الأسفل، بل هو بينهم، كالماء الذي يملك أصله يقتسمون على قدر أملاكهم بالقلد، ولا يقدم أحد على أحد، بل يأخذ كل واحد ماءه يصنع به ما شاء).
(فإن قيل: وما صفة القلد الذي يقسم به" قلنا: من صفته أن تؤخذ قدر فتخرق ي أسفلها وتملأ بالماء، ويكون قدر أقلهم نصيبًا مقدار ما يجري ماؤه على ذلك الخرق فتملأ، ولا يزال صاحب الحصة من الماء يأخذ ماء العين كله ويصرفه فيما شاء إلى أن يفني ماء القدر، ثم تملأ للذي يليه مرة أو مرتين أو أكثر بقدر حصته.
ومن صفة القلد أيضًا: أن تؤخذ قدر فخار أو غيره، فيثقب في أسفلها بمثقب ثم يرفع المثقب، ثم تعلق القدر التي خرقت من أسفلها، وتجعل تحتها قصرية، ويعد ماء فلي جرار، فإذا انصدع الفجر صب الماء في القدر فيسيل الماء من الثقب، فكلما هم الماء أن ينضب صب حتى يكون جري الماء من الثقب معتدلًا النهار كله والليل كله، إلى أن يتصدع الفجر، ثم تنحى القدر ويقسم ما اجتمع من الماء على أقلهم سهمًا بينهم كيلًا أو وزنًا، ثم يجعل لكل واحد منهم قد تحمل سهمه من الماء، وتثقب كل قدر منها بالمثقب الذي ثقب به القدر الأول، فإذا أراد
[ ٣ / ٩٥٧ ]
أحد منهم السقي علق قدره بمائه، وصرف (النهر) كله إلى أرضه. فن تشاحوا في التبدية استهموا عليها).
ومن صفته أيضًا: أن تنصب خشبة وتجعل فيها خروق متساوية يجري منها الماء، ثم يأخذ كل واحد منهما بقسطه هذا ونحوه مما يتوصل به إلى استيفاء كل واحد حقه.
والعوائد في ذلك مختلفة، وكلها تفيد مقصودًا واحدًا، فيعتمد الإشراك على ما اتفقوا عليه منها.
القسم الثالث: متردد بين الاختصاص والعموم:
(وهو ماء البئر التي احتفرت في الفيافي والبوادي للماشية، فلا تباع ولا تورث، ولكن حافرها أحق بقدر كفايته من مائها هو أو ورثته من بعده).
(قال ابن الماجشون: ولاحظ فيها لزوجة ولا زوج من بطن على بطن ثم ما فضل عن ذلك فليس لهم منعه، لأن العادة إنما جرت بأن تحفر لشرب ماشيته ويتصدق بما فضل من مائها ويبيحه للناس، إلا أن يختص المسافرون بضرورة، فيكونوا أحق بالشرق من المقيمين بالماء).
وقد روي أن عمر ﵁ جراحات أهل الماء وأغرمهم جراحات أبناء السبيل حين اقتتلوا عليه، وقال: أبناء السبيل أولى بالماء من الباقي عليه حتى يرووا.
وروى ابن وهب أن النبي ﷺ قال: "لا يقطع طريق، ولا يمنع فضل الماء. ولابن السبيل عارية الدلو والرشاء والحوض، وإن لم تكن له أداة تعينه، ويخلى بينه وبين الركية فيستقي".
[ ٣ / ٩٥٨ ]
قال القاضي أبو الوليد: "واتفق مالك وأصحابه على أنه لا يمنع من ف ضل عن من مائها، حملًا لفعله على الغالب. قال: فإن بين وأشهد أنه يريد التملك فلم أر فيه نصًا. قال: والظاهر عندي أنه يكون على شرطه، ويكون بمنزلة من أحييى في القرب أو البعد".
فرع في حكم توابع الأرض والماء:
وهي الكلأ النابت في الأرض، والصيد الحاصل في الماء. ويختلف حكمها باختلاف محالهما.
فحيث كان الأصل غير [مملوك]، فلا يمنع من يصيد، ولا من يحتش، وهذا كالأودية والأنهار والأراضي التي ليست بمملوكة.
(فأما ما كان من ذلك في مملوك لمعين، فقال ابن القاسم: "سألت مالكًا عن بحيرات تكون عندنا بمصر لأهل قرى أرادوا بيع سمكنها ممن يصيد فيها سنة؟ فقال مالك: لا يعجبني أن تباع، لأنها تقل وتكثر، ولا يدري كيف تكون، ولا أحب لأحد من أهل تلك البحيرات والبرك أن يمنع أحدًا يصيد فيها ممن ليس له فيها حق". (وقال سحنون: له منعها.
وقال أشهب: إن طرحوها فتوالدت فلهم منعها، وإن كان الغيث أجراها لم تمنع.
وكذلك الخصب يكوني ملك لمعين تختلف فيه أيضًا، فقال أشهب: "لا يجوز بيع الكلأ بحال وإن كان في أرضه ومروجه وحماه، وإنما هو كالماء الذي يجريه الله (﷿) على وجه الأرض، فلا يملك ولا يباع، وهو لمن أنتبه الله في أرضه ينتفع به، ويحميه في رعيه خاصة، فإذا استغنى عنه لم يجز له بيعه ولا يمنعه ممن يحتاج إليه، إلا أن يكون يجزه، ويحمله كما يفعل الناس فيبيعونه. وأما ما كان قائمًا فلا".
(وفي العتبية قال عيسى بن دينار: "سألت ابن القاسم عن قول مالك، وكذلك قال ابن حبيب: سألت مطرفًا عن قول مالك في هاتين المسألتين فقلت له: أي خصب يبيع، وأي خصب يبيحه للناس إذا استغنى عنه؟ فقال: أما الخصب الذي يبيعه ويمنع الناس منه وإن لم
[ ٣ / ٩٥٩ ]
يحتد إليه فما في مروجه وحماه ما يملك من الأرضين، وأما الذي لا يجوز بيعه ولا سمع الناس منه إلا أن يحتاج إليه فما سوى المروج والحمى من خصب فدادينه وفحوص أرضه البور والعفا، فإنه لا يجوز بيعه، ولا يمنعه إذا لم يحتج إلى رعية، قالا: وهذا يجبر على إباحته للناس إن استغنى عنه، إلا أن يكون عليه في توصل الناس إليه بمواشيهم ودوابهم ضرر، مثل فدان فيه خصب وحواليه زرع، فلا يصل إليه إلا بضرر زرعه، فله منعهم بالضرر، وإن لم يحتج إلى ذلك الخصب".
(قال ابن حبيب: وسألت ابن الماجشون عن ذلك، فساوى بين الوجهين قال: هو أحق بخصب أرضه البيضاء كلها التي يزرعها، وإن لم تكن حمى ولا مروجًا، وإن شاء باع أو منع أو رعى، وإنما الذي لا يحل [له] بيعه ولا منعه إن لم يحتج إلى رعايته خصب العفاء من منزله).
[ ٣ / ٩٦٠ ]