وفيه بابان:
الباب الأول: في حال الاختيار، وجميع المطعومات ضربان:
حيوان: ويحتاج بعضه إلى الذكاة على التفصيل المتقدم.
ونبات غيره من الجامدات والمائعات: ولا يحتاج شيء منه إلى ذكاة.
فما لا يحتاج إلى الذكاة من جميع الأطعمة المعتادة، فأكله جائز، ما لم يكن نجسًا بنفسه، أو بمخالطة نجس له، ثم ما تخالطه النجاسة قسمان:
مائع، فيطرح جميعه لوقوع النجاسة فيه.
وجامد، فتطرح النجاسة وما حولها منه، ولا يلزم طرح سائر. وما خرج عن المعتادة فكان نجسًا أو مضرًا، فلا يؤكل. وقد كره ابن المواز أكل الطين، وقال ابن الماجشون: أكله حرام، وما كان طاهرًا ولا ضرر في أكله، فلا بأس به.
(وأما الحيوان فنوعان: بحري وبري.
فأما البحري، فيؤكل جميعه، وفي كراهية خنزيره وكلبه خاصة خلاف.
ثم لا يحتاج شيء منه إلى الذكاة على المشهور كما تقدم، (تلف بنفسه) أو بسبب مسلم أو مجوسي، طفا أو رسب.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
وأما البري: فبهيمة الأنعام والوحش كله مباح، ما عدا الخنزير فإنه (محرم)، والسباع فإنها مكروهة على الإطلاق من غير تمييز ولا تفصيل، في رواية العراقيين، وظاهر الكتاب موافق لها. وأما الموطأ فظاهره أنها حرام.
وقال ابن حبيب: لم يختلف المدنيون في تحريم السباع العادية: الأسد والنمر والكلب. فأما غير العادية كالضب والثعلب والضبع والهر الوحشي والأنسي، فيكره أكلها دون تحريم.
وروى عبد الرحمن بن دينار عن ابن كنانة قال: كل ما يفترس ويأكل اللحم فلا يؤكل، وما كان سوى ذلك من دواب الأرض وما يعيش من نباتها، فلم يأت فيه نهي.
وأما الإنسي من ذوات الحافر، فالخيل مكروهة، دون كراهية السباع. وقيل: محرمة. وحكى الشيخ أبو الطاهر فيها قولًا بالإباحة.
والبغال والحمير مغلظة الكراهية جدًا، وقيل: محرمة بالسنة؛ إذ روي أنه ﷺ حرم لحوم الحمر الأهلية والبغال في معنى الحمر.
وام اختلف في أنه ممسوخ، كالفيل والدب والقنفذ والقرد والضب، فقد حكى أبو الحسن اللخمي أنه اختلف في جواز أكله وتحريمه لذلك.
وقد قال ابن المواز: «لا يحل ثمن القرد ولا كسبه، قال: وما سمعت من ناحية مالك ولا أصحابه شيئًا. قال: وقد روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن ثمنه. وجلب من (الشام) إلى
[ ٢ / ٤٠١ ]
المدينة قرد، فأمر به عمر أن يخرج إلى الموضع الذي جلب منه». وقال ابن شعبان: لا يباع القرد، وقد سئل عنه، فقال: ليس من بهيمة الأنعام، قال: وقد أجاز بعض أصحابنا ثمنه وأكله، إذا كان يرعى الكلأ. وفي الواضحة: أنه محرم. وقال القاضي أبو الوليد: «الأظهر عندي من مذهب مالك وأصحابه أنه ليس بحرام، واحتج بعموم الآية»،قال: «وإن كانت كراهة، فالاختلاف العلماء».
وأما غير ذلك من الحيوانات، فالمستقذرات منها يحكي المخالفون عن المذهب جواز أكلها، قال الشيخ أبو الطاهر: «والمذهب على خلاف ذلك».
واليطر كله مباح، ذو [المخلب] وغيره. وقال الشيخ أبو إسحاق: روى أبو بكر بن أبي أويس عن مالك أنه قال: لا يؤكل كل ذي مخلب، وهو المستعمل عندنا. . ووقع في المدونة كراهية الخطاف وما في معناه. قال الشيخ أبو الطاهر: «ولعل هذا لأنها لا كثير لحم فيها، فدخلت في باب تعذيب الحيوان لغير فائدة».
وقال الأستاذ أبو بكر: يؤكل جميع الحيوان من الفيل إلى النمل والدود، وما بين ذلك، إلا الآدمي والخنزير. قال: هذا عقد المذهب في إحدى الروايتين. وهي رواية العراقيين، قال: إلا أن منه مباحًا مطلقًا، ومنه مكروهًا).
[ ٢ / ٤٠٢ ]
الباب الثاني: في حال الاضطرار
ولا خفاء بأن الميتة تباح في حال الضرورة، ولكن النظر في حد الضرورة وحد المستباح وجنسه، وحد الضرورة: أن يخاف على نفسه الهلاك.
ولا شك أنه لا (يشترط أن) يصبر حتى يشرف على الموت، فإن الأكل بعد ذلك لا ينعش، والظن كالعلم ها هنا كما في المكره على الإتلاف.
أما قدر المستباح، فلا يتقدر بسد الرمق، بل يشبع ويتصلع. وإن خاف العدم فيما يستقبل، تزود منها. فإن وجد عنها غنى طرحها. وقال ابن حبيب وابن الماجشون: إن كانت المخمصة دائمة تزود وشبع، وإن كانت نادرة وقعت له اقتصر على سد الرمق.
وأما جنس المستباح، فكل ما يرد عنه جوعًا أو عطشًا فيدفع الضرورة أو يخففها، كالأطعمة النجسة والميتة من كل حيوان غير الآدني، وكالدم وشر بالمياه النجسة وغيرها من المائعات سوى الخمر، فإنها لا تحل إلا لإساغة الغصة، على خلاف فيها. فأما الجوع والعطش فلا؛ إذ لا يفيد ذلك، بل ربما زادت العطش، وقيل: تباح، فإنها تفيد تخفيف ذلك على الجملة ولو لحظة. وقال الشيخ أبو بكر: إن ردت الخمر عنه جوعًا أو عطشًا شربها، واختاره القاضي أبو بكر.
فأما التداوي بالخمر، فالمشهور من المذهب أنه لا يحل. قال القاضي أبو بكر: «ولا يأكل ابن آدم، (وإن مات). «قاله علماؤنا».
فروع: الأول: إذا ظفر بطعام من ليس مضطرًا، فيطلبه منه بثمن في ذمته ويظهر له حاجته إليه، فإن أبى استطعمه، فإن أبى أعلمه أنه يقاتله عليه، فإن امتنع غصبه منه، فإن دفعه
[ ٢ / ٤٠٣ ]
جاز له دفع المالك، ولو أدى إلى القتل، ويكون دمه حينئذ مهدرًا، ولو قتله المالك وجب القصاص، فإن بذله له بثمن المثل لزمه شراؤه.
وإن امتنع أن يبيع إلا بأكثر من ثمن المثل، فاشتراه للضرورة، فهو كالمجبر.
والمالك إذا أوجر المضطر طعامه قهرًا، استحق القيمة عليه، إن كان قصدها.
الثاني: إذا وجد ميتة وطعام الغير، أكل طعام الغير، إذا أمن أن يعد سارقًا.
ثم حيث قلنا: يأكل فإنه يضمن القيمة، وقيل: لا ضمان عليه.
الثالث: (لو وجد المحرم الصيد والميتة أكل الميتة. وقال محمد بن عبد الحكم: لو نابني ذلك لأكلت الصيد.
الرابع: لو وجد لحم الصيد، فهو أولى من الميتة، لأن تحريمه خاص.
الخامس: إذا كان العصيان سبب الاضطرار، كالمتلبس بسفر المعصية يضطر فيه، هل يترخص بأكل الميتة، أم لا؟ قال القاضي أبو الوليد: «المشهور من المذهب أنه يجوز له الأكل»، قال: «ففرق بينه وبين القصر والفطر». وقال بعض علمائنا: لا نص فيها عن مالك. قال: وأصحابنا يقولون: يجوز له الأكل. قال: وقال القاضي أبو الحسن: «والأمر عندي محتمل». وقال الشيخ ابن القاسم: «لا يؤكل منها حتى يفارق المعصية». وقال القاضي أبو بكر: «الصحيح أنه لا يباح له مع التمادي على المعصية بحال، فإن أراد الأكل فليتب، ثم يأكل». قال: «وعجبنا ممن يبيح ذلك له مع التمادي على المعصية، وما أظن أحدًا يقوله، فإن قاله أحد فهو مخطئ قطعًا».
السادس: إذا وجد ميتة وخنزيرًا، حكى القاضي أبو الوليد «أنه يأكل الميتة».
[ ٢ / ٤٠٤ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[صلى الله على سيدنا وآله وسلم تسليمًا]