وهو الحلف بيمين، يلزم بالحنث فيها حكم، على ترك وطء الزوجة، أو ما يتضمن ترك الوطء زيادة على أربعة أشهر بمدة مؤثرة. وفيه بابان:
الباب الأول: في أركانه، وهي أربعة:
الركن الأول: المولي، وهو كل زوج مسلم، مكلف، يتصور منه الوقاع، حرًا كان أو رقيقًا، كانت رجعية، أو في صلب النكاح، كان الزوج مريضًا أو صحيحًا، ولا يصح إيلاء الخصي والمجبوب. وقال أصبغ: يصح.
ولو آلى، ثم جب، انقطع الإيلاء. ولو قال لأجنبية: والله لا أجامعك سنة، ثم نكحها قبل مضي ثمانية أشهر صار موليًا.
فروع: في من يلتحق بالمولي.
الفرع الأول: من حلف على أمر ممكن ليفعلنه، كقوله: لأدخلن الدار، فإنه يكون موليًا، كالحالف على الوطء، ويفترقان في ابتداء الأجل، فإنه في حق هذا بعد الرفع حين
[ ٢ / ٥٤٤ ]
الحكم، وفي حق الأول من حين الحلف.
وقال غيره: ذلك إذا تبين ضرره، وأما إن لم يمكنه فعل ما حلف عليه لم أحل بينه وبينها، ولا أضرب له أجلًا حتى يمكنه ذلك.
الفرع الثاني: إنه يحكم أيضًا بالإيلاء على من ترك الوطء مضارًا، وعرف ذلك منه، وطالت به المدة، وأجله أيضًا من حين الحكم كالسابق. وقيل: يفرق بينهما من غير أجل.
وقيل: لا يكون بذلك موليًا، ولا يفرق به.
الثالث: إذا أطال المسافر الغيبة عامدًا للضرار أمر بالقدوم على امرأته، فإن أبى وأضر بها ذلك، فطلبت الفراق، فرق بينهما، لأن العلة عدم الوطء، كالحالف والعنين، وغيرهما.
الركن الثاني: المحلوف به، وهو الله تعالى، أو صفة من صفاته النفسية، أو المعنوية، أو ما فيه التزام من عتق (و) طلاق، أو لزوم صدقة أو صوم، أو نحوه علق بالوطء، كل ذلك إيلاء.
فإذا قال: والله إن وطئت فهو مول. وكذلك إن قال: إن وطئت، فلله علي صدقة أو صوم، فهو مول.
ولو قال: إن جامعتك فعبدي حر، (كان) موليًا، فإن مات العبد أو زال الملك عنه، انحل الإيلاء. ولو اشتراه بعد، أو هب له فقبله، عاد الإيلاء عليه إن كان بقي من المدة ما يزيد على أربعة أشهر، ولو ورثه لم يعد الإيلاء عليه.
ولو قال لغير المدخول بها: إن وطئتك فأنت طالق واحدة، فهو مول، وتقع بالوطء طلقة رجعية، لترتب الطلاق على المسيس. رواه ابن سحنون عن أبيه.
ولو قال: إن وطئتك فضرتك طالق، فهو مول، فإن ماتت الضرة، انحلت اليمين وإن أبانها (فكمثل). فإن جدد نكاحها عاد موليًا إن كان بقي من طلاق الملك المحلوف به شيء، وبقي من المدة ما يزيد على أربعة أشهر.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
ولو قال: إن وطئت إحداكما، فالأحرى طالق، وأبي الفيئة، فالقاضي يطلق عليه إحداهما.
(ولو قال لأربع نسوة: والله لا أجامعكن، فإن جامع واحدة، لم يكن موليًا على البواقي، والكفارة تجب بوطء واحدة).
ولو قال: والله لا أجامعك في السنة إلا مرة واحدة، فمضت منها أربعة أشهر ولم يطأ، فاختلف فيها قول ابن القاسم، فقال: «يوقف إذا مضى من السنة أربعة أشهر، وقال: لا إيلاء عليه حتى يطأ. وقد بقى من السنة أكثر من أربعة أشهر».
ولو قال: لا أجامعك في هذه السنة إلا مرتين، «فقال ابن القاسم: لا يكون موليًا، لأنه إذا شاء تركها أربعة أشهر ثم وطئها، ثم تركها أربعة أشهر، ثم وطئها، فلا يبقى من السنة إلا أربعة أشهر.
وقال أصبغ: هو مول. قال محمد: غلط أصبغ ﵀».
وإذا وطئ ما حلف عليه من مرة أو مرتين صار موليًا إن بقي من السنة زيادة على أربعة أشهر.
وكذلك إذا قال: (والله) لا أجامعك إلا عشر مرات أو مائة، فإذا استوفى العدد صار موليًا إن بقيت المدة.
ولو آلي عن امرأته، ثم قال لأخرى: أشركتك معها، ونوى الإيلاء، صار موليًا [منهما].
ولو قال: والله لا أجامعك إن شئت، فقالت: شئت، صار موليًا.
والإيلاء ينعقد في حال الغضب وغيره، ولا ينعقد بمثل قوله: إن وطئت فأنا زان أو يهودي، أو نصراني، أو أنت زانية، إذ لا يتعرض بسببه للزوم.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
الركن الثالث: المدة، وهي ما زاد على أربعة أشهر مدة مؤثرة، فلو قال: والله لا أجامعك ثلاثة أشهر، أو أربعة أشهر، لم يكن موليًا. فلو أعاد اليمين في آخر الأشهر مرة أخرى، لم يكن أيضًا موليًا. فإن آلى خمسة أشهر كان موليًا. وكذلك ما زاد على أربعة أشهر، فلو آلى ثمانية أشهر، فرفعته بعد أربعة أشهر فلم يف، فطلق عليه، ثم ارتجع، فإن انقضت بقية المدة قبل تمام العدة، كانت رجعية (ثابتة).
«ولو حلف أن لا يطأها خمسة أشهر، ثم حلف ألا يطأها بعد الخمسة خمسة، فبخلاف الحالف أن لا يطأها عشرة أشهر، هذا إيلاء واحد، ووقف واحد. والأول يوقف مرتين، فإن طلق عليه في الإيلاء الأول، ثم ارتجع، فلم تتم العدة حتى مضت أربعة أشهر من الخمسة (الباقية)، فعليه إيقاف ثان، وإن انقضت العدة قبل ذلك، فلا إيقاف عليه».
ولو قال: والله لا أطأك حتى ينزل عيسى، أو يخرج الدجال، أو يقدم فلان. وهو على مسافة يعلم تأخر قدومه عن أربعة أشهر، فهو مول.
ولو قال: حتى يدخل زيد الدار، فمضت أربعة أشهر، ولم يدخل، كان لها إيقافه عند انقضائها. ولو قال: إلى أن أموت، أو تموتي، فهو مول. ولو قال: إلى أن يموت زيد، فهو كالتعليق بدخول زيد الدار.
الركن الرابع: المحلوف عليه، وهو الجماع. فكل يمين منعت من الجماع فهو بها مول، كقوله: لا جامعتك، أو لا اغتسلت منك، أو لا دنوت منك، ونحو ذلك مما يتضمن ترك الجماع.
فإن أتى بلفظ يحتمل غيره، كقوله: لا وطئتك، ثم قال: أردت بقولي الوطء بالرجل، أو شبه ذلك. قيل له: إن كنت صادقًا فحقق صدقك بالوطء، فإن امتنع حمل على الوطء وكان موليًا به.
ولو قال: لا أجامعك في الحيض أو النفاس، أو في حالة (إرضاعك) لولدك، فليس بمول.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
الباب الثاني: في أحكامه، وهي أربعة:
الحكم الأول: ضرب المدة
فإذا قال: والله لا أجامعك، أمهلناه أربعة أشهر من يوم حلفه، فإن لم يطأ رفعته إلى القاضي إن شاءت ليأمره بالفيئة، فإن أبى وأصرت على المطالبة، طلق القاضي عليه. ولا تحتاج المدة إلى ضرب القاضي، بخلاف العنة، والإيلاء الحكمي كما تقدم فيهما. وتربص الأمة عن الحر أربعة أشهر كالحرة، والتربص عن العبد شهران.
وقيل: هو كالحر يتربص عنه أربعة أشهر.
الحكم الثاني: المطالبة
ولها ذلك إذا مضت المدة من غير قاطع، فإن رضيت لم يبطل حقها، وكان لها العود، بخلاف العنة، بل هذا كرضاها بالمعترض وبإعسار الزوج، فإنها ترجع إلى طلب.
ولا مطالبة لولي الصغيرة والمجنونة، ولا يسقط حقها منه إلا بإسقاطها، وهذا بخلاف سيد الأمة، فإن له الطلب وإن رضيت هي بتركه.
ولا مطالبة للمريضة التي تحتمل الوقاع، ولا للرتقاء، ولا للحائض حالة الحيض.
وإن كان للرجل مانع طبيعي كالمرض فلها مطالبته بالفيئة بالوعد واللسان وتكفير اليمين، وإن كان شرعيًا كالظهار والصوم والإحرام فلها المطالبة، وعليه أن يطلق، إلا أن يعضي بالوطء. وقيل: لا تحصل الفيئة بالوطء المحرم.
ولو كانت فيئته تقتضي وقوع الطلاق الثلاث عليه في التي (آلى عنها) كقوله: إن وطئتك فأنت طالق ثلاثًا، فروى أكثر الرواة أنه لا يمكن من الفيء بالوطء، إذ باقي وطئه لا يجوز. وروي أيضًا أن السلطان يطلق عليه حين ترافعه، ولا يضرب له أجل المولي، ولا يمكن من الفيئة. وقاله ابن القاسم. واستحسنه سحنون.
وقال ابن القاسم أيضًا: يمكن من الوطء. وله أن يتمادى حتى ينزل، وأحب إلي أن لا يفعل. وقال غيره: ينزع بعد التقاء الختانين، ولا يتعدى ذلك.
[ ٢ / ٥٤٨ ]
الحكم الثالث: في ما يجب على الزوج
وهو الوطء، أو الطلاق، فإن أبى، فالقاضي يطلق عليه: فإن (استمهل)، فإن كان لعذر ينتظر زواله، أمهل، وإن لم يكن له عذر لم يمهل، فإن قال: أنا أفيء، لم يعجل عليه بالطلاق، واختبر مرة وثانية، فإن تبين كذبه طلق عليه.
الحكم الرابع: في ما به الفيئة
وهو تغييب الحشفة في القبل إن كانت ثيبًا، والافتضاض إن كانت بكرًا. وفي كتاب الرجم: «إذا جامع في الدبر حنث، وزال عنه الإيلاء، إلا أن يكون نوى القبل، فلا كفارة وعليه وهو مول بحاله». قال الشيخ أبو محمد: «طرحه سحنون، ولم يقرأه».
ولا تحصل الفيئة بوطئه مكرهًا. ولو جن فوطئ، لم ينحل الإيلاء بوطئه.
وإذا جن الرجل، لم تنقطع المدة، ولكن لا يطالب قبل الإفاقة، لأنه ليس امتناعه لأجل اليمين.
ولو قال الرجل: وطئت قبل انقضاء المدة، فأنكرت، فالقول قوله، كما في العنة، على خلاف قياس الخصومات، بكرًا كانت أو ثيبًا. وحكى الشيخ أبو عمران: أن القول قولها إن كانت بكرًا.
[ ٢ / ٥٤٩ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ