وفيه ثلاثة أبواب:
الباب الأول: في نفس اليمين
قال القاضي أبو بكر: «اليمين عبارة عن ربط العقد بالامتناع والترك، أو بالإقدام على فعل بمعنى معظم حقيقة أو اعتقادًا، لكن يختص إيجاب الكفارة من ذلك بما ربط باسم الله سبحانه، أو بصفة من صفاته النفسية أو المعنوية، دون الصفات الفعلية».
ولا تجب الكفارة في يمين الغموس، إذ الفعل ماض، ولا في اللغو، وهو الحلف على شيء يظنه على ما حلف عليه، ثم [يتبين] له خلافه، وقيل: هو القول: ولا والله، بلى والله والجاري على اللسان من غير قصد. ولا تجب بالمناشدة: وهي أن يقسم غيره عليه، ولا تجب إذا قال عقيبه: إن شاء الله، قاصدًا بذلك حل اليمين.
ثم الألفاظ التي يحلف بها قسمان:
أحدهما: تجريد الاسم المحلوف به، كقولك: الله لا فعلت، والآخر: زيادة عليه، وهي ضربان:
متصلة وهي الحروف نحو: والله وبالله وتالله وأيم الله ولعمر الله.
منفصلة وهي الكلمات، نحو: (أحلف) وأشهد وأقسم، فهذه إن قرنها بالله أو بصفاته نطقًا أو نية كانت أيمانًا، وإن أراد بها غير ذلك، أو أعراها من نية، لم تكن أيمانًا يلزم بها حكم، ولفظ ماضيها كمستقبلها.
ولو حلف بمخلوق كالنبي والكعبة، أو قال: إن فعل فهو يهودي، أو برئ من الله، فليس بيمين.
ولو قال: بالله أو بالرحمن أو بالخالق أو الرازق، وما لا ينطلق على غير الله، ثم حنث فعليه الكفارة.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
(فلو قال): أردت بالله، وثقت بالله، ثم ابتدأت لأفعلن، دين. ولو قال: بالجبار أو الرحمن أو الرحيم أو الحق أو العليم أو الحكيم، كانت أيمانًا، وكذا قوله: وحق الله، وحرمة الله، وقدرة الله، وعلمه، وكلامه.
وكذلك قوله: وجلال الله، (وعظمته)، وكبريائه، كلها أيمان.
ولو قال: بالشيء أو الموجود، وأراد به الإله ﷾، كان يمينًا.
(وكذلك) كل ما كان من صفات النفس أو المعنى، ولا تجوز اليمين بصفات الفعل، ولا تجب فيها كفارة، كقوله: وخلق الله، ورزق الله، وشبه ذلك.
فرعان: الأول: إذا حلف بعدة من أسماء الله سبحانه؛ كقوله: والله والسميع والخبير ونحوه، لم تتكرر عليه الكفارة.
وإن جمع في حلفه جملة من الصفات؛ كقوله: وقدرة الله وعزته وجلاله، فذكر عبد الحق أن مقتضى الروايات يقتضي أن ذلك على قولين في تكرر الكفارة عليه بذلك.
وحكى القول بتعدد الكفارات عن الشيخ أبي عمران، وأنه فرق بأن عطف بعض الصفات على بعض لا يصلح إلا بالواو، ويصح أن يقال: والله السميع العليم اللطيف.
الفرع الثاني:
إذا قال: الأيمان تلزمني إن فعلت كذا، ثم فعل، فقال الأستاذ أبو بكر: ليس لمالك ولا لأصحابه فيها قول يؤثر، وإنما تكلم فيها المتأخرون من أهل مذهبه، فأجمع هؤلاء المتأخرون على أنه يحنث فيها بالطلاق في جميع نسائه، والعتاق في جميع عبيده، فإن لم يكن له رقيق، فعليه عتق رقبة واحدة، والمشي إلى مكة في الحج، والتصدق بثلث جميع أمواله، وصيام شهرين متتابعين، قال: ثم اختلفوا في فرع، وهو الطلاق الواقع بها هل هو ثلاث أو واحدة؟
والأول: رأى أبي بكر بن عبد الرحمن رجل الأندلسيين.
والثاني: رأي الشيخ أبي عمران، وسائر القرويين. ثم اختار هو أنه لا يلزمه أكثر من ثلاث كفارات على سنة اليمين بالله، وأن هذا اللفظ لا يدخل تحته إلا اليمين بالله تعالى دون جميع ما ذكروا من الطلاق والعتاق وغيره، إلا أن ينوي ذلك، أو يكون العرف جاريًا في بلد يحلفون بهذه اليمين، وقد استمر العرف على أن المراد بها الطلاق والعتاق والصدقة والحج، فيلزمه حينئذ جميعها، قال: ولا فرق بين أن يقول: الأيمان تلزمني، أو لازمة لي، أو جميع
[ ٢ / ٣٤٤ ]
الأيمان، أو الأيمان كلها تلزمه.
وحكى الشيخ أبو الطاهر أن المذهب لم يختلف في أن جميع الأيمان تلزمه، إن لم تكن له نية في القصر على أحدها، وكان ممن ينوي لأن (النية) لم تحضره، قال: «لكن اختلف الأشياخ: هل يلزمه الطلاق ثلاثًا بهذا اللفظ أو إنما تلزمه واحدة؟». ثم حكي عنهم في ذلك ثلاثة أقوال: يفرق في الثالث بين أن يكون له مقصد في التعميم، (فتلزمه) الثلاث، وبين أن لا يكون له مقصد في ذلك، فلا يلزمه إلا واحدة، قال: «ولا فرق بين أن يقول: كل الأيمان أو جميع الأيمان أو لا يقول ذلك».
هذا حكم الطلاق، فأما غير ذلك فيلزمه عتق من يملك قبل حنثه والمشي إلى بيت الله تعالى، والصدقة بثلث المال، وكفارة اليمين بالله، وصوم شهرين متتابعين.
ومن اعتاد اليمين بصوم سنة، فإنه يلزمه ذلك. وهكذا يجري في حكم أيمان البيعة.
واختلف فيمن حلف بأشد ما أخذ أحد على أحد، فقال ابن وهب فيما روى عبد الملك بن الحسن عنه في العتبية: «تكون عليه كفارة اليمين بالله»، وروي عن ابن القاسم أنه إن لم تكن له نية، فإنه تتعلق به جميع الأيمان، كما تتعلق بيمين البيعة.
الباب الثاني: في الاستثناء والكفارة، وفيه فصلان
[الفصل] الأول: في الاستثناء
وقد اختلف الأصحاب: هل هو حل اليمن، أو بدل عن الكفارة؟ وهذا قول ابن القاسم، والأول قول ابن الماجشون: قال القاضي أبو بكر: «وهو مذهب فقهاء الأمصار»، قال: «وهو صحيح، لأنه تبين أنه غير عازم على الفعل».
وشرطه: أن يكون متصلًا، ولا يشترط أن يكون قصده مقارنًا لبعض حروف اللفظ.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
واشترط ابن المواز أن يكون قصد الاستثناء مقارنًا ولو لآخر حرف، قال: فلو انقضى آخر يمينه وهو غير قاصد للاستثناء ثم أتبعها الاستصناء من غير صمات ولا نفس، لم ينفه، حتى يبدو له في الاستثناء قبل آخر حرف من يمينه، فيكون له ذلك، إذا لم يكن بين ذلك صمات إلا النفس.
وقال القاضي أبو إسحاق: لا يكون الاستثناء أبدًا سبقًا باليمين، إلا وقد أراده صاحبه قبل أن يتم اليمين. فأما إن لم يعزم عليه إلا بعد فراغه، فإنه لابد لذلك العزم من وقت يتخلل بين اليمين والاستثناء، فلا يصح معه [حكم] النسق، ويبرد حكم اليمين في ذلك الوقت.
وإذا عزم على الاستثناء قبل آخر جزء من أجزاء يمينه، وإن قل، صح، لأنه لو قطع يمينه في هذا الموضع، وسكت عن تمامها، لم تلزمه.
ثم الاستثناء قسمان:
أحدهما: إخراج بعض ما تناوله اللفظ بصيغة إلا، ولا يجزئ فيه القصد عن غير نطق إن قيدت الحالف البينة، وكانت اليمين مما يقضي به، فإن كانت اليمين مما لا يقضي به، أو لم تقيده بينة، ففي الإجراء من غير نطق خلاف منشؤه النظر إلى أنه من باب تخصيص العموم فيجزي بالنية، أو النظر إلى أن له حقيق الاستثناء، فلا يجزي إلا نطقًا. وهذا كما إذا حلف على أشياء: لأفعلها، مثلا واستثنى بعضها، أو حلف بالأيمان تلزمه وحاشى الزوجة، وما أشبه ذلك.
القسم الثاني: بمعنى حل اليمين، مثل الاستثناء بصيغة إن أو بصيغة إلا، أن كما إذا استثنى رأي نفسه أو غيره، واستثنى صفة من صفات الفعل، ولا يجزي ذلك إلا نطقًا؛ كقوله: إلا أن أرى غير ذلك، أو يبدو لي، فيكون الاستثناء في هذا القسم رافعًا لحكم اليمين عن كل ما تناولته وموقفًا لجملتها. وفي القسم الأول إنما رفع الحكم عن بعض ما تناولته اليمين دون سائره.
وقال أبو القاسم بن محرز؛ لا فرق بين الصيغ، وإنما فرق الفقهاء بين الاستثناء والمحاشاة، لاختلاف معانيهما، ثم اختار إن ما كان بابه إيقاف حكم اليمين (كلها) ورفع حكمها، فلا يصح فيه الاستثناء إلا بالنطق، وما كان بابه رفع الحكم ن بعض ما تتناول اليمين، نظر فإن كان من أصل ما حلف عزله في نفسه، وعلق اليمين بما سواه، فذلك له، وهذا الذي يسميه الفقهاء: محاشاة.
وإن كان لم [يعزله] في أصل عقد يمين، بل علقه يمينه بجميع الأشياء المحلوف عليها، ثم استدرك باستثناء بعضها، فلا ينعقد الاستثناء ها هنا حتى يحرك به لسانه، لأنه إنما
[ ٢ / ٣٤٦ ]
يريد حل ما قد انعقد بيمينه وإيقاف حكمه، وذلك ما لا يصح إلا بالنطق. قال: وسواء كان استثناؤه بإلا أو بغيرها من الألفاظ التي تتناول البعض.
فرع: حيث قلنا: لابد من النطق بالاستثناء، فتحريك شفتيه يجزيه، وإن لم يجهر به.
قال ابن حبيب عن أصبغ وغيره: هذا في غير المستحلف، فإن استحلف فلابد من الجهر.
وقال ابن المواز فيما كان من الأيمان وثيقة في حق، أو شرطًا في نكاح، أو عقد بيع، أو ما يستحلفه أحد عليه، لا تجزيه حركة اللسان، حتى يظهره ويسمع منه.
ولابد في الاستثناء من قصد حل اليمين، ولو قصد التفويض إلى مشيئة الله وامتثال أمره تعالى في قوله: ﴿ولا تقولن لشئء إني فاعل ذلك غدًا * إلا أن يشاء الله﴾، لم ينفعه استثناؤه.
الفصل الثاني: في الكفارة
والنظر في السبب والكيفية والملتزم
أما السبب فهو يمين معقودة، فلا كفارة في الغموس، ولا في اللغو. وإنما توجب اليمين عند الحنث، وهل هو ركن أو شرط؟ فيه خلاف. فائدته جواز تقديمها بعد اليمين على الحنث.
ولا يحرم الحنث باليمين، لكن الأولى أن لا يحنث، إلا أن يكون الخير في الحنث. .
النظر الثاني: في الكيفية، وهي ثلاثة أنواع:
الأول: عتق رقبة، يشترط فيها ما قدمناه في الصيام.
النوع الثاني: إطعام عشرة أمداد لعشرة مساكين، إن كان بمدينة الرسول ﷺ، واختلف إذا كان ذلك في غيرها. فقال ابن القاسم: «يجزيه المد بكل مكان»، وقال غيره: يخرج الوسط من الشبع.
ثم قال بعضهم: هو رطلان بالبغدادي من الخبز، وشيء من الأدم، وعد ذلك الوسط من الشبع في سائر الأمصار. (وقال ابن المواز: أفتى ابن وهب بمصر بمد ونصف. وأشهب: بمد وثلث، قال: وإن مدًا وثلثًا لوسط من عيش الأمصار في الغداء والعشاء).
النوع الثالث: كسوة عشرة مساكين، ويكفي في الكسوة في حق الرجال الثوب الواحد الساتر لجميع الجسد.
[ ٢ / ٣٤٧ ]
وأما في حق النساء فأقل ما (تجزئهن) فيه الصلاة، وهو الدرع والخمار، وهكذا حكم الصغار منهن، وقيل: يكسى صغارهن ما يكسى كبارهن قياسًا على الطعام، فإن عجز عن جميع ذلك فصوم ثلاثة أيام، ولا يجب التابع فيه، وإن استحب.
فرع: لو لفق الكفارة من النوعين (الأخيرين)، فأطعم خمسة مساكين وكسا خمسة، فقال ابن القاسم في الكتاب: «لا يجزيه»، وهو قول أشهب. قال محمد: وروي عن ابن القاسم أيضًا أنه يجزيه.
النظر الثالث: في الملتزم، وهو كل مسلم مكلف حنث، حرًا كان أو عبدًا، لكن العبد ليس عليه إلا الصوم، فيجزيه بلا خلاف، ولا يجزيه العتق لأن الولاء لغيره. وأما الكسوة والإطعام، فقال في الكتاب: «إذا كسا أو أطعم بإذن سيده رجوت أن يجزيه، وليس بالبين، والصوم أحب إلي». وحكى المتأخرون في الإجزاء قولين، وعللوا المنع بأن السيد لم يملكه ما كفر به، وإنما أذن له في صرفه في الكفارة خاصة، فحصل العبد مكفرًا بما لم يستقر ملكه عليه، وإنما أمر بالكفارة بما يملكه.
الباب الثالث: فيما يقتضي البر والحنث،
ويتهذب الغرض من هذا الباب بمقدمة وركنين:
المقدمة:
اعلم أن المقتضيات للبر والحنث أمور:
الأول: النية، إذا كانت مما يصلح أن يراد اللفظ بها، كانت مطابقة له أو زائدة فيه، أو ناقصة عنه بتقييد مطلقه، وتخصيص عامه.
الثاني: السبب المثير لليمين [ليتعرف] منه، ويعبر عنه بالبساط أيضًا، وذلك أن القاصد إلى اليمين لابد أن تكون له نية، وإنما يذكرها في بعض الأوقات، وينساها في بعضها، فيكون المحرك على اليمين وهو البساط دليلًا عليها لكن قد يظهر مقتضى المحرك ظهورًا لا إشكال فيه، وقد يخفى في بعض الحالات، وقد يكون ظهوره وخفاؤه بالإضافة.
الثالث: العرف: أعني ما عرف من مقاصد الناس في أيمانهم.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
الرابع: مقتضى اللفظ لغة ووضعًا. والمشهور أن هذه الأمور على ما ذكرناه من الترتيب.
وقيل: ينتقل عند عدم السبب والبساط إلى وضع اللغة، ولا يعتبر العرف. وقال الشيخ أبو الطاهر: «إذا فقدت النية والبساط، فهل يحمل اللفظ على مقتضاه لغة، أو مقتضاه عرفًا، أو متقضاه شرعًا إن كان له مقتضى في الشرع يخالف الأمرين؟ في ذلك ثلاثة أقوال». قال الشيخ أبو الوليد: «هذا كله فيما كان من ذلك مظنونًا»، قال: «فأما ما كان معلومًا كقوله: والله لأقودن فلانًا كما يقاد البعير، ولأعرضن على فلان النجوم في القايلة، وشبه هذا، فهذا يعلم أن القصد به خلاف اللفظ». قال: «فلا خلاف في أنه يحمل على ما علم من مقصده به». هذا تمام المقدمة، ولنشرع بعدها في الركنين.
الركن الأول: في تنزيل مسائل أهل المذهب على ما قدمناه ذكره من الأمور، ويشتمل على أنواع:
النوع الأول: النظر إلى المقاصد، أو إلى السبب المحرك لليمين، كمن حلف: لا ساكن إنسانًا، فإنه ينتقل عن مساكنته حتى ينتقل حاله عن الحالة الأولى التي كانا عليها، فإن كان معه أولًا في دار واحدة انتقل عنها، فإنه ضرب بينهما حائطًا حتى تصير دارين ببابين إلى سكتين، فقال ابن القاسم في الكتاب: «قال مالك: ما يعجبني، وكرهه». قال ابن القاسم: «ولا أرى أنا به بأسًا، ولا أرى عليه حنثًا». ولو صار أحدهما في علو الدار، والآخر في السفل، فلا حنث. وقال ابن القاسم: «إن أراد التنحي عنه جملة، فهو أشد، وإن اراد لما يدخل بين العيال، فهو أخف»، يريد: في القرب والبعد. ولو كانا في بيت واحد، فانتقلا إلى بيتين في دار، لم يحنث، وإن كانا في حارة واحدة انتقل عنها.
ولو لم يكن بينهما تجاور في دار ولا حارة، بل كانا في بلد واحد، وظهر أنه قصد الانتقال عنه انتقل عنه، وهل يكفيه الانتقال عنه إلى مكان لا يلزمه إتيان الجمعة منه أو لابد من مسافة قصر الصلاة؟ قال محمد: القياس الأول، والثاني استحسان.
ولو حلف ليسافرن، فالنص أنه يسافر مقدارًا تقصر فيه الصلاة. وقال الشيخ أبو الطاهر: «وهذا مقتضى اللفظ شرعًا، ولو نظر إلى مقتضى اللفظ وضعًا لكفاه أقرب سفر. أو إلى المقاصد العرفية لاعتبر ما يسميه الناس في ذلك القطر سفرًا عرفًا».
[ ٢ / ٣٤٩ ]
فروع ثلاثة: الأول: لو انتقل أو سافر، فلابد من إقامته بالمكان الذي انتقل إليه مدة لها تأثير، لكن اختلف في تحديدها، والتعويل فيها على ما يظهر من القصد.
وقد قال ابن القاسم: لو رجع بعد خمسة عشر يومًا لم يحنث، والشهر أحب إلي إلا أن ينوي الدوام.
ورأى ابن المواز أن القياس إجزاء أدنى زمن، وهو على مراعاة الألفاظ، والأول على مراعاة المقاصد.
الفرع الثاني: إذا حلف على الانتقال من مسكن، فتأخر مدة يضطر إليها في انتقاله، لم يحنث. فإذا تراخى زيادة على ذلك، فقال ابن المواز: أخاف عليه الحنث، وفي الواضحة: لا حنث عليه.
الفرع الثالث: أن يحلف على ترك سكنى موضع، فتجب المبادرة بالانتقال، فإن تأخر حنث. وقال أشهب: لا يحنث بما دون اليوم والليلة.
وكذلك لو انتقل بنفسه، وأبقى رحله بالموضع لحنث، إلا أن يبقى ما لا مقدار له كالمسمار وشبهه على أن لا يأخذه بعد ذلك. ورأى اشهب أنه لا يحنث، وإن أبقى رحله.
النوع الثاني: النظر إلى المقاصد أو إلى مقتضى الألفاظ، كمن حلف: لا كلم إنسانًا، فكتب إليه أو أرسل رسولًا، ففي تحنيثه بذلك خلاف: التحنيث بهما، وهو مذهب الكتاب، ونفيه فيهما، قاله أشهب في كتاب محمد.
وروى ابن القاسم وأشهب التفرقة بين الكتاب والرسول، فحنثه بالكتاب دون الرسول، هذا كله مع عدم النية.
فإن ادعى أنه أراد أن لا يشافهه ففي قبول ذلك منه وعدم قبوله ثلاث روايات، يفصل في الثالثة: فيقبل منه في الرسول دون الكتاب.
وإن كتب إليه، فأخذ الكتاب قبل أن يصل إلى المحلوف عليه، فقال ابن القاسم في الكتاب: «قال مالك: لا أرى عليه حنثًا، وهو آخر قوله».
فرع: إذا قلنا: إنه يحنث بالكتاب، فوصل، فلم يقرأه المكتوب إليه، فحكى الشيخ أبو الطاهر في وقوع الحنث قولين، قال: «وذلك كما لو حلف لا كلم إنسانًا، فكلمه بحيث يسمعه، فلم يسمع المحلوف عليه. فأما لو كتب المحلوف عليه إلى الحالف: فإن لم يقرأ
[ ٢ / ٣٥٠ ]
كتابه، لم يحنث، وإن قرأه، فقال ابن القاسم: يحنث. وقال أيضًا هو وأشهب: لا يحنث». ولو حلف: ليكلمنه لم يبر بالكتاب.
وإن حلف: ليعلمنه أمرًا، فعلمه من غيره، فقد نصوا على أنه لا يبر حتى يعلمه.
ولو أسر إلى رجل سرًا، وحلف على كتمه، ثم أسر إلى غيره، فتحادث الحالف مع من أسر إليه ثانيًا، فأخبره بالسر، فقال الحالف: ذكر لي ذلك، وما ظننته ذكره لغيري، لحنث.
ولو حلف: لا فارق غريمه إلا بحقه، ففر منه، فقال في الكتاب: «إن كان إنما غلبه غريمه، وإنما نوى أن لا يفارقه مثل ما يقول: لا أخلي سبيله، ولا أتركه إلا أن يفر، فلا شيء عليه». وإن غصب نفسه أو فرط، فهذا يحنث، إلا أن يقول: نويت إلا أن أغلب أو أغصب.
وفي كتاب محمد: لا يحنث، وكذلك في المستخرجة لابن القاسم.
ولو كان لفظه: لا فارقني، لحنث قولًا واحدًا.
ولو حلف أن لا يدخل دار فلان، فانتقلت عن ملكه، لم يحنث بدخولها. فإن قال: هذه الدار، حنث.
ولو انهدمت وخرجت حتى صارت طريقًا، ودخلها، فقال ابن القاسم: أرى أن لا يحنث، قال: ولو بنيت بعد ذلك دارًا، فلا يدخلها لأنها حين بنيت بعد فقد صارت دارًا.
ولو حلف: لأتناول طعام إنسان، فتناوله بعد أن ملكه آخر ممن يتصرف لنفسه، ولا نقص في ملكه، فلا حنث، فإن كان المتصرف له الحالف كابنه الصغير يأخذ من طعام المحلوف عليه شيئًا، فأكله الحالف حنث. وقال سحنون: لا يحنث لأن ابن الحالف ملك ذلك الطعام، وزال ملك المحلوف عليه عني. قال أبو إسحاق التونسي: لم يجعل ملك ابنه تقرر على ما أعطاه، فيصير الأب أكل مال ابنه لا مال المحلوف عليه. قال: ولعله أراد أن ذلك يصير للأب، إن يرده، فلما كان له أن يرده لم يتقرر للابن عليه ملك، إلا برضا الأب، فلهذا حنث. قال: وأما لو (وهبه) هبة كثيرة لها بال لا يقدر الأب على ردها، فأكل منها الأب لانبغى أن لا يحنث لأنه مال لابنه لا يقدر الأب على رده على الواهب.
[ ٢ / ٣٥١ ]
وحكى الشيخ أبو الطاهر في هذه الصورة قولين، وكذلك حكى القولين فيما إذا كان الآخذ غير كامل الملك كعبد الحالف، وعلل عدم الحنث بالنظر إلى وجود الملك الآن، وعلل الحنث يكونه قادرًا على الانتزاع منه، فكأنه غير ملك.
ولو حلف أن لا تخرج زوجته إلا بإذنه، فأذن لها بحيث لا تسمع، فإنه لا ينتفع بذلك.
قال أبو الجسن اللخمي: «ولو قال: لا خرجت إلا أن آذن، لم يحنث قياسًا على من حلف: ليقضين فلانًا حقه لأجل سماه إلا أن يؤخره، فأخره ولم يعلم».
ولو حلف: ليأكلن طعامًا غدًا، فبادر لأكله الآن، حنث، إلا أن يكون مقصوده تعجيل أكله.
ولو حلف: ليقضين غريمًا له حقه الغد فقضاه اليوم، لبر؛ لأن المقصود التعجيل إلا أن يريد المطل.
ولو حلف: لا آكل، فشرب سويقًا أو لبنًا، حنث إذا قصد التضييق على نفسه بترك الغداء. ولو كان قصده الأكل دون الشرب، لم يحنث.
ولو دفن مالًا فنسي مكانه، فبحث عنه، فلم يجده، فحلف على زوجته أنها أخذته، ثم وجده، لم يحنث لأن قصده: إن مر فهي آخذته.
ولو حلف: ليضربن عبده عشرة أسواط، فجمعها وضربه بها ضربة واحدة، لم يبر.
ولو حلف: أن لا يتكفل بمال، فتكفل بوجه، حنث على المنصوص أيضًا. ورأى أبو الحسن اللخمي أن القياس عدم الحنث.
ولو حلف: ليقضنه حقه إلى أجل، فقضاه فوجد نقصًا أو زيوفًا أو عيبًا، حنث.
قال أبو الحسن اللخمي: «وهذا مراعاة للفظ، وأما على النظر إلى المقاصد، فلا يحنث».
ولو حلف: أن لا يفارق غريمه إلا بحقه، لم يبر بالرهن ولا بالكفيل ولا بالحوالة. وإن كانت (يمينه): إلا بثقة [من] حقه، بر بالرهن والكفيل والحوالة أيها كان. وإن حلف: أن
[ ٢ / ٣٥٢ ]
لا يفارق، وبينه وبينه معاملة، بر بالحوالة دون الكفيل والرهن.
وإن حلف: (ليقضينه) حقه إلى شهر كذا، أو حين انقضاء الشهر، أو عند انسلاخه، أو بحلوله، فقيل: يكون له يوم وليلة من الشهر الثاني. وقيل: يجب الوفاء قبل انقضاء الأول، فإذا انقضى وقع الحنث. ولو قال: في الهلال، لكان له يوم وليلة.
النوع الثالث: الالتفات على النظر إلى الأغراض أو إلى مقتضى الألفاظ في اللغة أو في الشريعة، كما لو حلف: لا كلم فلانًا، أو ليهجرنه الأيام، فالمنصوص أنه يهجره أبد الدهر.
قال الشيخ أبو الطاهر: «وألزم أبو الحسن اللخمي أنه يبر بهجرانه أيام الجمعة من الخلاف.
فمن حلف ليهجرنه الشهور، ففي قول: يهجره الدهر، وفي قول يهجره شهور السنة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾.
قال: «وهذا من أضعف ما يعول عليه من الألفاظ الشرعية».
(ولو حلف: ليهجرنه، غغي العتبية والواضحة: أنه يبر بهجران ثلاثة أيام، لأنها نهاية الهجران الجائز شرعًا. وفي كتاب محمد: لا يبر إلا بالشهر، لأنه الزمان المحدود في العقود، وكثيرًا ما تقع الأيمان عليه، فكأنه المعتاد.
ولو قال: لأطلبن هجرانه، فقال محمد: يهجره سنة. وقيل: شهر يجزيه. قال أبو الحسن اللخمي: «وقول محمد احتياط، ليس أنه لا يجزي دون ذلك»، قال: «فإن كان بينهما مصادقة ومصافاة فالشهر طويل، وتلحق فيه المشقة، وإن لم يكونا على ذلك، فالشهر قليل.
ولو قال: لأهجرنه أيامًا أو شهورًا أو سنين، للزمه أقل الجمع، وهو ثلاثة.
ولو حلف: لا كلمه أو لا فعل حينًا، فالمنصوص أنه يكون مقتضى يمينه سنة؛ لقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾. ورأي أبو الحسن اللخمي أنه ينطلق على اليسير من الزمن والكثير؛ لقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾.
[ ٢ / ٣٥٣ ]
قال الشيخ أبو الطاهر: «لكن الحين ها هنا مفترق بالمساء والصباح، والحين الذي وقع الكلام فيه مطلق».
ومما سلك به مسلك الحين: الدهر والزمان والعصر، إذا كان منكرًا، فإنه ينصرف إلى السنة. لو (عرفه) بالألف واللام، فقيل: (هو) كالأول، (ينصرف) إلى السنة. وقال الداودي: الأكثر في الزمان والدهر مدة الدنيا. قال أبو الحسن اللخمي: «يريد الأكثر من القول». وروي في كتاب ابن حبيب في الدهر أنه أكثر من سنة. قيل لمطرف: فسنتان؟ قال: قريب، وما أوقت فيها وقتًا.
النوع الرابع: يلتفت على النظر إلى العرف، أو أصل التسمية في اللغة، كالحالف أن لا يأكل لحمًا، فإنه يحنث بأكل لحم الحوث. وأشهب: لا يحنثه إلا بأكل لحوم الأنعام الأربع خاصة، دون الوحش وغيره.
وكذلك لو حلف: أن لا يأكل بيضًا، فابن القاسم يحنثه حتى ببيض الحيتان، وأشهب: لا يحنثه إلا ببيض الدجاج، وما العادة تناوله كثيرًا، واستحسن تحنيثه بأكل بيض سائر الطير، والقياس عنده الاقتصار على ما العادة أكل بيضه، كالدجاج وما في معناها.
وكذلك الحالف لا أكل رؤوسًا، فأكل رؤوس الطير والحيتان، يحنث عند ابن القاسم، ولا يحنثه أشهب إلا بأكل رؤوس الأنعام الأربعة.
وكذلك لو حلف: لا آكل خبزًا، هل يحنث بأكل ما يصنع من الحنطة كالإطرية والهريسة والكعك، أم لا؟ قال الشيخ أبو الطاهر: «والكعك أقرب إلى الحنث، لأنه ملحق بالخبز قطعًا». قال: «ولو بدا ما يدل على التخصيص، لم يختلف فيه، وكذلك لو بدا ما يدل على التعميم، بأن يقصد التضييق على نفسه لحنث».
ولو حلف: لا آكل عسلًا، فأكل عسل الرطب، فالمنصوص لابن القاسم تحنيثه، إلا أن تكون له نية. (وأجرى الشيخ أبو محمد على مذهب أشهب نفي الحنث).
[ ٢ / ٣٥٤ ]
ولو حلف: لا آكل أدامًا، لجرى على الخلاف: هل يحنث بكل ما يؤتدم به، أو يجري الأمر على ما يؤتدم به في العادة؟
وكذلك لو حلف: لا آكل فاكهة، ففي الرواية يحنث بالباقلي الخضراء، وما أشبهها وهو يرجع إلى ما تقدم.
وكذلك لو حلف: لا كلم إنسانًا، فسلم عليه، فإن كان في غير الصلاة حنث، وإن كان في الصلاة، فهل يحنث أم لا؟ مذهب الكتاب: نفي الحنث، إذا كان مأمومًا والمحلوف عليه هو الإمام فرد عليه. وفي كتاب محمد: أنه يحنث. ولو كان الإمام هو الحالف فسلم تسليمتين حنث، قاله في كتاب محمد. ورأى أبو الحسن اللخمي نفي الخلاف في التسليمة التي يخرج بها من الصلاة، قال: «وإنما الخلاف فيما عدا ذلك، وقد أحنثه ابن القاسم إذا حلف على نفي الكلام، فصلى وراءه ففتح عليه». قال الشيخ أبو الطاهر: «وعلى النظر إلى المقاصد لا يحنث».
ولو حلف: لا «أكلمه»، فكلمه بحيث لا يسمع، لم يحنث. وإن كلمه بحيث يسمع، فلم يسمع لشغل أو غيره، أو كان نائمًا فصاح به فلم يستيقظ، فهل يحنث لأنه قصد كلامه، أم لا يحنث إذ لم تحصل المواصلة بذلك؟ قولان لابن القاسم.
النوع الخامس: النظر إلى التمادي على الفعل، هل يكون كابتدائه في البر والحنث، وقد قالوا فيكم حلف على ركوب دابة أو لباس ثوب، وهو راكب ولابس: أنه ينزع وينزل، فإن تمادى كان كما لو ابتدأ، وقد تقدم ما في السكنى.
ولو حلف: لا يدخل دارًا، وهو فيها، فهل يلزمه الخروج حينئذ؟ قولان. قال ابن القاسم: لا شيء عليه إن لم يخرج. وقال أشهب في كتاب محمد: إن لم يخرج مكانه حنث.
قال الشيخ أبو الطاهر: «ومقتضى ما قالوه في اللباس والركوب ما قاله أشهب». قال: «والفرق عند ابن القاسم حصول التسمية في اللابس والراكب بالدوام، وعدم حصول اسم الدخول بالبقاء في الدار».
وأما لو قال للحائض: إذا حضت، أو للطاهر: إذا طهرت، (أو) للحامل: إذا حملت،
[ ٢ / ٣٥٥ ]
فأنت طالق. فقال سحنون: هو على وجود هذه في المستقبل. قال الشيخ أبو الطاهر: «ولا شك أنها تتصف بهذه الأسماء في الحال، لكن من حملها على الموجود في الاستقبال رأى أن المقصد وظاهر اللفظ يقتضي وجودًا مستأنفًا، لا ما هو حاصل الآن». قال: «ومبنى هذا النظر على مراعاة الألفاظ والمقاصد، لكن الخلاف: هل يعجل بالطلاق، أو يستأنى به حتى توجد هذه الأفعال؟ على أصل ثان، وهو من علق بيمينه على ما الغالب وجوده، (هل) يعد كالموجود أم لا؟».
ويلاحظ هذا الأصل أن يحلف: لا دخل على إنسان بيتًا، فدخل المحلوف عليه على الحالف، ففي تحنيثه بذلك خلاف، وفيه قال مالك: لا يعجبني. قال الشيخ أبو الطاهر: «ومقتضى لفظه نفي الحنث، إلا أن يريد أن لا يجتمع معه». قال: «ولم يحنثوه باجتماعه معه في المسجد، سواء حلف: لا دخل عليه، أو لا اجتمع معه في بيت، وفيه قال مالك: ليس على هذا حلف». قال: «وأحنثوه بالحمام. وفرق ابن المواز بأن الحمام لا يلزم دخوله، بخلاف المسجد، وتعقبه أبو الحسن اللخمي بأن له مندوحة أيضًا عن المسجد، بأن يصلي في غيره». قال أبو الحسن اللخمي: «قول مالك ليس على هذا حلف، حسن. وليس القصد المسجد والحمام».
ولو (دخل عليه (في بيت)، وهو ميت، فروى أشهب أنه يحنث. وقاله عبد الملك. وقال سحنون: لا يحنث.
الركن الثاني: في التنبيه على خلافهم في الحمل على مقتضى اللفظ إذا عدم ما قبله من المحامل، ويشتمل على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: إذا حلف على فعل ما، فهل يحمل على أقل ما يحتمله اللفظ بناء على الأصل في براءة الذمة، أو على الأكثر بناء على عمارتها به؟ وهذا هو المشهور من المذهب.
وعليه الخلاف فيمن حلف: لا آكل رغيفًا، فأكل بعضه، فإنه يحنث في المشهور.
ولو حلف: ليأكلنه، لم يبر إلا بأكل جميعه قولًا واحدًا، لأن كل جزء منه محلوف عليه.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
ولو حلف بطلاق زوجته إذا وضعت ما في بطنها، فوضعت ولدًا وبقي ثان، لجرى على القولين.
وكذا لو علق الطلاق على الوطء، لحنث بمغيب الحشفة على المشهور، وعلى القول الآخر: لا يحنث بدون الإنزال.
وكذا لو حلف: لا هدم حائطًا أو بئرًا، فهل يحنث بفعل البعض أم لا؟ القولان، ولو حلف: لا آكل خبزًا وزيتًا، فأكل أحدهما، جرى على الخلاف عند فقد النية.
النوع الثاني: أن يحلف على فعل شيء فينتقل.
فإن انتقل إلى ما ليس هو معدًا للانتقال إليه، كمن حلف ليأكلن طعامًا، ففسد فأكله، فقيل: لا يحنث لأنه قد أكله، وقيل: يحنث، لأنه لم يأكله طعامًا.
ولو انتقل إلى ما هو معد للانتقال إليه، وقد ذكر في يمينه لفظه من كقوله: لا أكلت من هذا القمح أو اللبن، فإن قرب تغيره ولم يبعد، فالمذهب كله على أنه يحنث، وإن أكله منتقلًا، وإن بعد تغيره، كمن حلف أن لا يأكل من هذا الطلع، فأكل من بسره أو رطبه أو ثمره، فالمشهور أنه يحنث أيضًا. وقال محمد: استحسن أشهب أن لا حنث عليه، لبعد ما بينهما في الطعم والمنفعة والاسم.
فلو كان المتناول ما يتولد من الشيء تولدًا لا يكون جزءًا منه؛ كقوله: لا أكلت من هذه الشاة، فشرب من لبنها، لم يحنث، إلا أن يريد ترك الانتفاع منها من كل وجه.
وفي حنثه بأكل ولدها خلاف حكاه ابن ميسر، سببه النظر إلى أنه ليس بجزء حقيقة فأشبه اللبن، أو النظر إلى أنه مشبه لها، فأشبه الجزء.
ولو لم يذكر لفظة: «من» فإن نكر، فالمذهب أنه لا يحنث فيما يتولد من ذلك الشيء، إلا أن يقرب جدًا، كالسمن من الزبد، ففيه قول بالحنث. وإن عرف، فأشار إلى معين وبعدت الاستحالة، فلا حنث، وإن قربت جدًا، وكان الغالب أن ذلك الشيء لا يؤكل إلا بعد أن يصنع فيه ما صنع، حنث. قال ابن المواز: ولم يره ابن القاسم إلا في خمسة.
من حلف: لا آكل هذا القمح فأكل خبزه، أو هذا اللحم، فأكل مرقته. وكذلك أجرى حكم من قال: لا أكلت هذا العنب، فأكل عصيره، أو الزبيب أو التمر، فأكل نبيذهما، لأن أجزاء هذه المعتصرة هي بعينها التي أكل، ولم تبعد الاستحالة، أو هذا اللحم، فأكل شحمه؛ لأن الاسم ينتظمه.
ووقع لابن المواز: من حلف لا آكل هذا القمح، فأكله (خبزًا)، أنه لا يحنث. قال
[ ٢ / ٣٥٧ ]
الشيخ أبو الطاهر: «ولعل هذا لبعد الاستحالة، أو يكون قولًا في أن ما انتقل إليه لا يحنث به». قال: «ولا يحلق بذلك السمن والزبد والجبن واللبن، والرطب من البلح والبسر عند ابن القاسم. وقال ابن وهب: إنه يلحق به».
النوع الثالث: إضافة المحلوف عليه إلى غيره، فإن لم يستهلك بالإضافة حنث بأكله، وإن استهلك جدًا كالخل، يحلف لا أكله، فيأكله مطبوخًا، لم يحنث. وقيل: (يحنث).
فإن لم تبعد استحالته كالسمن يلت به السويق، فإن لم تكن نية ولا بساط ووجد طعم السمن حنث بأكله قولًا واحدًا، وإن لم يجد طعمه، فظاهر الكتاب أنه يحنث. وقال ابن ميسر:
لا حنث عليه.
وقد سئل الشيخان أبو عمران وأبو بكر بن عبد الرحمن عن الفرق بين مسألتي الخل يطبخ به، والسمن يلت به، فرأى الشيخ أبو عمران: أن السمن لا يستهلك مع اللت بل يبقى معه جزء قائم وإن قل، فيحنث بأكله. ورأى أبو بكر: أن السويق لو عصر لخرج منه سمن). ويتم الغرض من الكتاب بذكر أربع مسائل:
الأولى: أن كل من حلف أن لا يفعل فعلًا حنث بحصول الفعل منه سهوًا وعمدًا وخطأ وقصدًا.
قال الشيخ أبو الطاهر: «ورأي أبو القاسم السيوري ومن اتبعه من محققي الأشياخ: نفي الحنث إذا سها عن اليمين، ففعل ناسيًا لها كمذهب الشافعي». قال: وراموا تخريجه من مسألتين:
[ ٢ / ٣٥٨ ]
إحداهما: من حلف بالطلاق ليصومن يومًا سماه، فأفطر فيه ناسيًا، أنه لا شيء عليه». ثم ضعف هذا الاستقراء بأنه يحتمل أن يريد: لا قضاء عليه. قال: «وهو أحد القولين فيمن أفطر في النذر المعين ناسيًا».
والأخرى: من حلف أن لا يبايع إنسانًا، فباع ممن هو من سببه، أو ممن اشتراه للمحلوف عليه، ولم يعلم، أنه لا حنث عليه. قالوا: وهذا قد باع ممن حلف عليه ناسيًا، ثم قال: «وهذا الاستقراء أضعف من الأول، لأن مقتضى اللفظ نفي الحنث ولا قصد؛ إذ لا علم، فلا يحنث ولا بمقصود اللفظ ولا بمقتضى القصد. ثم رد المسألة إلى الخلاف في عمارة الذمة بالأكثر أو بالأقل، وما عزاه إلى المتأخرين من نفي الحنث للنسيان»، وهو اختيار القاضي أبي بكر.
ولو فعل المحلوف عليه جهلًا حنث، كما لو حلف أن لا يسلم على زيد، فسلم عليه في ظلمة وهو لا يعرفه. وأما لو أكره، كما لو حلف أن لا يدخل، فحمل قهرًا وأدخل، لم يحنث، لكن إن قدر على الخروج فلم يخرج حنث. وكذلك إن حمل بإذنه حنث، وإن سكن مع القدرة على الامتناع حنث أيضًا.
ولو حلف لا أكلم زيدًا، ثم سلم على قوم فيهم زيد، فاستثناه بقلبه أو بلفظه، لم يحنث؛ وإن لم يستثنه ولا حاشاه حنث، وإن لم يعلم به، ولو قال: لا أدخل على زيد، فدخل على قوم هو فيهم، حنث.
المسألة الثانية: أن كل حالف فإما أن يحلف على ترك الفعل، أو على الإقدام عليه، فالأول على بر حتى يقع منه الفعل فيحنث، والثاني على حنث حتى يقع منه الفعل فيبر.
وهذا يعتزل زوجته حتى يقع منه الفعل، إلا أن يكون قد ضرب للفعل أجلًا، هل يلزمه الاعتزال.
المسألة الثالثة: من حلف على شيء ليفعلنه، فحيل بينه وبين فعله، فإن أجل أجلًا فامتنع الفعل لعدم المحل وذهابه، كموت العبد المحلوف على ضربه، أو الحمام المحلوف على ذبحها، فلا حنث عليه، بلا خلاف منصوص. وإن امتنع الفعل بسبب منع الشرع، كمن حلف ليطأن زوجته أو أمته فوجدها حائضًا، فقيل: لا شيء عليه، وقيل: إن وطئ أثم وبر، لأنه وطئ؛ وقيل: لا يبر لأنه إنما قصد وطئًا مباحًا. وإن كان الامتناع بمنع مانع كالسارق والغاصب والمستحق، فإنه يحنث، لأن المحل باق، وإنما حيل بينه وبين الفعل فيه. وقال
[ ٢ / ٣٥٩ ]
أشهب: لا يحنث، ورأى ذلك كالموت.
وإن كان الفعل غير مؤقت بأجل، فإن فرط حتى تعذر الفعل حنث، وإن لم يفرط حتى عدم المحل فلا يحنث. وإن تعذر بغيره من الأعذار المتقدمة فالخلاف كما تقدم، وسببه: عمارة الذمة بالأكثر أو بالأقل.
المسألة الرابعة: إن الحنث لا يتكرر الفعل، إلا إذا أتى بصيغة تقتضي التكرار، كقوله: كلما، ومتى ما، وشبه ذلك، أو يقصد التكرار، قاله في كتاب محمد.
وعليه تخرج مسألة الحالف بصدقة دينار من ماله إن نام عن وتره، فنام فتصدق ثم نام بعد ذلك، أن التصدق يجب عليه كلما فعل، فإنه حمل الأمر على أن القصد دوام اليمين.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
النظر الأول في الأركان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم تسليمًا]