والنظر في حقيقته وأحكامه
أما حقيقته فقال الإمام أبو عبد الله: هو نقل الملك بعوض. قال: وهذا الرسم يشمل الصحيح والفاسد، إن قلنا: إنه ينقل الملك، فإن قلنا: إنه لا ينقله، لم يشمله من جهة المعنى، لكن العرب قد تكون التسمية عندهم حقيقة، لاعتقادهم أن الملك قد انقتل على حكمهم في الجاهلية، وإن كان لم ينتقل على حكم الإسلام.
وأما أحكامه فالنظر فيها يتعلق بخمسة أقسام:
الأول: في صحته وفساده.
الثاني: في لزومه وجوازه.
الثالث: في حكمه قبل القبض وبعده.
الرابع: فيما يقتضيه مطلق ألفاظه في الثمار والأشجار، واستتباع الأصول، الفروع.
الخامس: في [مداينات] العبيد والتحالف.
[ ٢ / ٦١٣ ]
القسم الأول: في صحته وفساده، وفيه خمسة أبواب
الباب الأول: في أركانه، وهي ثلاثة:
الأول: ما ينعقد في البيع، وهي صيغة الإيجاب والقبول، أو ما (يشاركهما) في الدلالة على الرضى الباطن من قول أو فعل قصد به ذلك.
(فيكفي) المعاطاة والاستيجاب والإيجاب، وهو قوله، يعني يدل قوله: اشتريت، كما في النكاح.
فرع: فإن تنازعا وجود قصد الدلالة به عليه، فقد روى أشهب في العتبية فيمن قال لرجل: بعني سلعتك هذه، فيقول: (نعم) بكذا، فيقول: قد أخذتها، فيقول ربها: لم أرد بيعها، إنما أردت اختيار بيعها، أنه قال: أما من وقف سعلته بالسوق يتسوق بها فذلك يلزمه، وإن لم يفترقا، وأما الذي يعلم أنه لاعب لا يريد بيعها، فلا يلزمه.
وفي الكتاب من روياة ابن القاسم فيمن وقف بسلعته في السوق، فيقول له الرجل: بكم سلعتك هذه؟ فيقول: بمائة دينار فيقول: قد أخذتها، فيقول ربها: لا أبيعك وقد كان أوقفها للبيع إنه يحلف ما ساومه على إرادة البيع، وما مساومته إلا لأمر يذكره غير الإيجاب، ويكون القول قوله.
وإن لم يحلف لزمه البيع. قال ابن القاسم: «وكذلك إذا قال: بعني سلعتك بكذا، فيقول: قد بعتك فيقول الراغب: لا أرضى».
الركن الثاني: العاقد.
وشرطه: التمييز، فلا ينعقد بيع غير المميز لصغر أو جنون أو إغماء، وكذلك السكران إذا كان سكره متحققًا.
قال الشيخ أبو إسحاق: ويحلف بالله مع ذلك، ما عقل حين فعل، ثم لا يجوز عليه.
وقال ابن نافع: ينعقد بيع السكران. والجمهور على خلافه.
[ ٢ / ٦١٤ ]
قال الإمام أبو عبد الله: «وهو بسكره يقصر ميزه في معرفة المصالح عن السفيه، والسفيه لا يلزمه بيعه، وإن كان يقام الحد عليه كما يقام على السكران». ولا يشترط التكليف في الانعقاد، لكن يقف اللزوم عليه.
أما إسلام العاقد فلا يشترط في شراء غير العبد المسلم والمصحف. ويشترط في جواز الإقدام على شرائهما.
واختلف في اشتراطه في صحته. فروى ابن القاسم في الكتاب صحة شراء الذمي العبد المسلم والإجبار على بيعه، وإن لا ينفسخ. ثم قال: «وكذا يجبر النصر على بيع المصحف، ولا يرد شراؤه على قول مالك في العبد المسلم».
قال الشيخ أبو محمد فيهما: «وقال غيره: ينقض بيعه». وقاله سحنون: وهو قول أكثر أصحاب مالك.
وحكى الإمام أبو عبد الله رواية الفسخ أيضًا، وعزاها إلى مختصر ما ليس في المختصر للشيخ أبي إسحاق، وإلى كتاب ابن حبيب.
فروع: إذا اشترى المسلم عبدًا نصرانيًا من نصراني، فأسلم في يد المسلم ثم اطلع على عيب فيه يقتضي الرد فهل له رده، أو يتعين الرجوع إلى الأرش؟ قولان لابن القاسم وأشهب.
وخرج الإمام أبو عبد الله هذا الخلاف على الخلاف في الرد بالعيب: هل هو نقض للبيع من أصله، أو هو كابتداء بيع؟
ثم إذا رده على قول ابن القاسم أجبر النصراني على إزالة ملكه عنه، وطولب ببيعه من مسلم، كما إذا كان إسلامه في يد النصراني، فإنه يجبر على إزالة ملكه عنه، ويطالب ببيعه من مسلم، فإن أزال أحدهما الملك بالعتق كفى. وكذلك إن تصدق به على مسلم، أو وهبه منه.
وحكى الإمام أبو عبد الله خلافًا بين المتأخرين في المرأة الذمية يسلم عبدها، فتهبه
[ ٢ / ٦١٥ ]
لولدها الصغير من زوجها المسلم: هل يكتفي بذلك منها أم لا؟ ثم بنى اختلافهم في ذلك على الخلاف في من ملك أن يملك هل يعد مالكًا أم لا؟
ولا يكفي الرهن بل يباع بعد الرهن ويعجل الدين، إلا أن يأتي برهن ثقة. وقال سحنون: يعجل ثمنه للمرتهن، وإن أتى برهن آخر. قال أبو الحسن اللخمي: «وقول ابن القاسم أحسن» يعني الأول.
ثم حيث أمرناه بإزالة الملك، فمات قبل إزالته انتقل الحكم إلى الوارث، وأمر بإزالة ملكه عنه كموروثه، ولا يؤخر المأمور منهما إلا بحسب الإمكان.
قال الإمام أبو عبد الله: «ويبقى النظر في أنه هل يجوز أن (يبيعه) على أن الخيار له أيامًا أم لا؟». ثم قال: «وهذا مما ينظر فيه».
ولو باع النصراني عبده النصراني على الخيار أيامًا، فأسلم العبد، فإنه إن كان الخيار للمشتري وهو نصراني استعجل استعلام ما عنده من رد أو إمضاء ولم (نمهله) إلى تمام مدة الخيار، لئلا يدوم ملك الكافر على المسلم.
وإن كان المشتري مسلمًا فظاهر الكتاب أنه يمهل إلى أن تمضي أيام الخيار.
ولو كان العبد نصرانيًا والمشتري كذلك، فأسلم العبد والخيار للبائع وهو مسلم فهل يجوز للبائع المسلم إمضاء البيع للنصراني أم لا؟
قال الإمام أبو عبد الله: «هذا قد يجري على القولين في بيع الخيار إذا أمضي هل يقدر أنه إنما عقد من حين إمضائه فيقتضي هذا منع المسلم البالغ من إمضاء البيع، أو يقدر البيع كأنه لم يزل ماضيًا من حين العقد، فيكون لهذا إمضاؤه، ولا يكون كمبتدأ بيع مسلم من كافر إذا عقد البيع في حال يجوز فيه العقد. وزمن العقد هو المعتبر على هذا القول، لأنه من إمضاء الخيار».
هذا حكم شراء الذمي للعبد المسلم وما اتصل به. فأما شراؤه للعبد الذي ليس بمسلم، فيختلف حكمه باختلاف صوره، وهي ثلاث:
الأولى: أن يشتري بالغًا على دينه، فلا يمنع من شرائه إذا كان يسكن به بلد المسلمين،
[ ٢ / ٦١٦ ]
ولا يباع لمن يخرج به عن (بلاد) المسلمين، لما يخشى من إطلاعه أهل الحرب على عورة المسلمين.
الصورة الثانية: أن يكون هذا العبد صغيرًا، ففي الكتاب وغيره: منعه لما يرجى من إسلامه، وسرعة إجابته إذا دعي إلى الإسلام، لكونه لم يرسخ في نفسه الكفر، بخلاف الكبير.
قال في العتبية: (فإن بيع منه فسخ البيع».
وقال محمد: لا يمنع من شرائه، لأنا لسنا على يقين من إسلامه إذا اشتراه مسلم».
الصورة الثالثة: أن يكون العبد بالغًا على غير دين مشتريه، وفيها مسألتان:
الأولى: أن يكونا كتابين، كيهودي يباع من نصراني، أو نصراني بياع من يهودي، فقال (ابن وهب) وسحنون بالمنع من شرائه (له) لما بينهما من العداوة والبغضاء فيكون إضرارًا بالمملوك وإيجادًا للسبيل على أذيته.
وقال محمد: لا يمنع لأنه ليس المنع لحق الله سبحانه، بل لمحض حق العبد، إذ لو رضي بذلك لجاز، ويمكن تدارك حقه بالمنع من أذيته دون فسخ البيع.
المسألة الثانية: أن يكون العبد من المجوس أو الصقالبة أو السودان فأراد الكتابي شراءه،
[ ٢ / ٦١٧ ]
فحكى الإمام أبو عبد الله في ذلك ثلاثة مذاهب.
الأول: الجواز مطلقًا قال: «وهو ظاهر الكتاب إذ قال فيه: ما علمته حرامًا، وغيره أحسن منه». قال: «وأطلق الجواب في الصغير منهم والكبير».
الثاني: المنع مطلقًا في الصغير والكبير، وعزاه إلى ابن عبد الحكم.
الثالث: التفرقة بينهما، فيمنع في الصغير ويجوز في الكبير وأسنده إلى العتبية. ثم قال: «وقال فيها: فإن اشترى الصغير فسخ البيع»، قال: «واشترط فيها في فسخ البيع أن لا يكون الصغير قد دان بدين».
ثم خرج الإمام الخلاف في منع بيعهم من النصارى واليهود على الخلاف في إجبارهم على الإسلام إذا سبيناهم، (ثم) حكى أن ظاهر المذهب على ثلاثة أقوال، (يفرق) في الثالث، فيجبر الصغير دون الكبير.
الركن الثالث: المعقود عليه.
ويشترط فيه أن يكون طاهرًا، منتفعًا به، مقدورًا على تسليمه، معلومًا، واختلف في اشتراط كونه مملوكًا للعاقد أو لمن عقد له.
الأول: الطهارة:
والمذهب أن الأعيان النجسة لا يصح بيعها، إلا أن في بعضها خلافًا يتبين بذكر آحاد الصور: فمنها العذرة والزبل، وقد روى ابن القاسم في الكتاب المنع من بيع العذرة، وخرج (عليها) بيع زبل الدواب، ورأى هو في نفسه أن لا بأ بيع الزبل، فأخذ أبو الحسن
[ ٢ / ٦١٨ ]
اللخمي من قوله هذا أنه يرى جواز بيع العذرة.
وقال ابن الماجشون: لا بأس ببيع العذرة، لأن ذلك من منافع الناس. وقال أشهب في الزبل: «المشتري أعذر فيه من البائع يقول في اشترائه».
وقال ابن عبد الحكم: لم يعذر الله سبحانه أحدًا منهما وهما سيان في الإثم.
ومنها الزيت النجس. فقال ابن حبيب: لا يباع الزيت النجس. قال: وعلى ذلك مالك وأصحابه إلا ابن وهب فإنه أجاز بيعه إذا بين. قال الإمام أبو عبد الله: وشرط غير ابن وهب أن لا يباع من مسلم.
واختلف في جواز الاستصباح به، فقال مالك: «يجوز في غير المساجد للمتحفظ من نجاسته، ويعمل منه الصابون».
وقال عبد الملك: لا ينتفع به في شيء أصلًا، ولو طرحه في الكرياس يريد الانتفاع به لكرهته. ونحوه قال يحيى بن عمر.
واختلف أيضًا هل يطهر بالغسل أم لا؟. فروى ابن نافع أنه يطهر. وروى ابن القاسم في الواضحة والمستخرجة نحوه.
وروى أصبغ عن ابن القاسم فيمن فرغ عشر جرار سمن في زقاق ثم وجد في جرة منها فأرة ديابسة، ولا يدري في أي الزقاق فرغها: إنه يحرم أكل جميع الزقاق، وبيعها. قال: الأستاذ
[ ٢ / ٦١٩ ]
أبو بكر: وظاهر هذا يقتضي أن لا يغسل. قال: فيصير في الغسل قولان، يعني لمالك وابن القاسم.
وعلى ذكره خلاف ابن القاسم لمالك مسألة وقعت في المستخرجة. وروى عيسى عن ابن القاسم في اللحم يطبخ في الماء النجس قال: «يغسل اللحم ويؤكل».
وروى أشهب عن مالك: «لا يؤكل».
ومنها: عظام الميتة. وفي الكتاب من رواية ابن القاسم: «لا أرى أن تشتري عظام الميتة ولا تباع، ولا أنياب الفيل، ولا يتجر فيها، ولا يتمشط بأمشاطها، ولا يدهن بمداهنها»، وعلل بنجاستها. فقال: «وكيف يجعل الدهن في الميتة، ويمشط لحيته بعظام الميتة، وهي مبلولة؟». وأجاز مطرف وابن الماجشون بيع أنياب الفيل مطلقًا. وأجازه ابن وهب وأصبغ، إذا أغليت.
ومنها بيع جلود الميتة. وروى ابن القاسم في الكتاب أيضًا المنع من بيعه اوإن دبغت.
ورأى الإمام أبو عبد الله أن هذا القول هو مقتضى القول بأنها لا تطهر بالدباغ. قال: وأما إذا فرعنا على أنها تطهر بالدباغ طهارة كاملة فإنا نجيز بيعها لإباحة جملة منافعها. ولنقتصر على هذا القدر في هذا الشرط.
الشرط الثاني: أن يكون المبيع منتفعًا به
فلا يصح بيع ما لا منفعة فيه، لأنه من أكل المال بالباطل، بل لا يصح تملكه.
وفي معناه ما كانت فيه منافع، إلا أنها كلها محرمة، إذ لا فرق بين المعدوم حسًا والممنوع شرعًا.
فأما ما تنوعت منافعه إلى محلله ومحرمه، فإن كانت المنافع المقصودة من العين في أحد النوعين خاصة، كان الاعتبار بها (الحكم) تابعًا لها، فاعتبر نوعها وصار الآخر كالمعدوم. وإن توزعت في النوعين لم يصح البيع، (لأن ما) يقابل ما حرم منها من أكل المال بالباطل، وما سواه من بقية الثمن يصير مجهولًا. وهذا التعليل يطرد في كون
[ ٢ / ٦٢٠ ]
المحرم منفعة واحدة مقصودة، كما يطرد في كون المنافع بأسرها محرمة. وهذا النوع وإن امتنع بيعه لما ذكرناه من الوجهين، فملكه صحيح لينتفع مالكه بما فيه من منفعة مباحة.
فرع: لو تحقق وجود منفعة محرمة، ووقع الالتباس في كونها مقصودة، فمن الأصحاب من يقف في حكم جواز البيع، ومنهم من يكره ولا يمنع ولا يحرم. ويكفي من أمثلة هذا الأصل على اتساعها مسألة بيع كلب الصيد، فإذا بني الخلاف فيها على هذا الأصل، قيل: في الكلب من المنافع كذا وكذا، وعددت جملة منافعه، ثم نظر فيها. فمن رأى أن جملتها محرمة، منع ومن رأى جميعها محللة أجاز. ومن رآها متنوعة نظر: هل المقصود المحلل أو المحرم، ثم جعل الحكم للمقصود. ومن رأى أن منفعة واحدة منها محرمة وهي مقصودة منع أيضًا على ما تبين. ومن التبس عليه كونها مقصودة وقف أو كره كما تقدم.
ثم إذا (تقرر) اشتراط المنفعة فيكفي مجرد وجودها وإن قلت، ولا يشترط كثرة القيمة فيها ولا عزة الوجود، بل يصح [بيع] الماء والتراب والحجارة لتحقق المنفعة وإن كثر وجودها وقلت قيمتها.
ويجوز بيع لبن الآدميات، لأنه طاهر منتفع به. قال الشيخ أبو الطاهر: «وأجاز الأصحاب بيع السباع لأخذ جلودها». ثم قال: «وهو إما بناء على القول بالكراهة فيها فتطهر جلودها بالذكاة، إما لأن الدباغ يبيح استعمالها». وقال ابن حبيب: بيع جلود السباع والصلاة عليها حرام.
الشرط الثالث: أن يكون مقدورًا على تسليمه
فلا يصح بيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، والأجنة والآبق والشارد والمغضوب، إلا أن يباع الآبق والشارد ممن [قد] وجدهما وحصلا تحت قبضته، والمغضوب من غاصبه ولم تبعد غيبة هذه عن مالكها، أو ثبت عنده بقاؤها على صفاتها، أو عرف ما انتقلت إليه، فيصح حينئذ بيعه لها.
ولا يجوز شراء الإبل المهملة في الرعي وإن رآها المبتاع، لأنه لا يدري متى تؤخذ وهي تستصعب. قال ابن القاسم: وأخذها خطر. وكذلك المهاري والفلا الصعاب بالبراءة، وهي كبيع الآبق.
وفي العتبية من رواية أصبغ عن ابن القاسم: «أنه لا يجوز بيع الصعاب من الإبل وما لا
[ ٢ / ٦٢١ ]
يؤخذ إلا (بالأوهاق) ولا يعرف ما فيها من العيوب، وربما عطبت في أخذها».
قال ابن حبيب: بيعت بالبراءة أو بغير البراءة.
وفروع: هذا الشرط كثيرة، إلا أن الضابط لها أن كل ما عجز عن تسليمه حسًا فلا يصح بيعه، فأما ما عجز عن تسليمه شرعًا لحق آدمي، فيصح البيع فيه، لكن يقف اللزوم على اختيار من تعلق حقه به، كالمرهون فإنه يصبح بيعه، ويقف اللزوم فيه على إجازة المرتهن إذ الحق له.
فيكون اشتراطه في اللزوم لا في الصحة، إذ هي حاصلة بدونه.
وكذلك العبد الجاني إذا تعلق برقبته أرش الجناية ثم باعه سيده بعد علمه صح البيع أيضًا، ووقف اللزوم، فإن دفع الأرش لأهل الجناية لزم البيع إن كان أعلم المبتاع بجنايته، وإن أبي أن يغرم الأرش أحلف ما أراد حمل الجناية، فإن حلف فالخيار لأهل الجناية في إمضاء البيع وأخذ الثمن أو في فسخه وأخذ العبد لهم.
قال غير ابن القاسم: إلا أن يشاء المبتاع دفع الأرش إليهم فذلك له، ويرجع بالأقل من الأرش أو الثمن.
قال ابن القاسم: «ولو فداه البائع فللمبتاع رده بهذا العيب إلا أن يكون بينه له البائع».
قال غيره: «هذا في العمد، فأما الخطأ فلا، وهو كعيب ذهب».
فروع جرى ذكرها في الكتاب تناسب ما نحن فيه
فمنها أنه أجاز بيع عمود عليه بناء للبائع. قال الإمام أبو عبد الله: والذي ذكره من جواز هذا يفتقر إلى شرطين:
أحدهما: أن يكون هذا البيع لا يتضمن إضاعة مال وفساده، مثل أن يكون البناء الذي على العمود كبيرًا مقداره كثيرًا ثمنه، بحيث يعلم أن هدمه وإفساده لأخذ ما يتعوضه في العمود من ثمن نزر لا يفعله إلا السفهاء ومن لا ميز له ولا يحسن تدبير المال.
والشرط الثاني: أن يكون يؤمن على العمود إذا قلع ونقل من مكانه من فساده وكسره، فإنه إذا لم يؤمن ذلك عليه صارت المعاوضة على ذلك غررًا، إذ لا يعلم المشتري هل
[ ٢ / ٦٢٢ ]
يحصل له ذلك أم لا، وعلى أي صفة يحصل.
واعتبار هذا الشرط لإمكان التسليم حسًا، واعتبار الشرط الأول يرجع إلى إمكان التسليم شرعًا لما فيه من إتلاف المال.
وأجاز أيضًا أن يشتري هواء فوق هواء، ويلزم (الأسفل) بالبناء ليتوصل صاحب الأعلى إلى بناء ملكه.
قال الإمام: ويحتاج إلى معرفة صفة هذا البناء في القوة والضعف لينتفي بذلك الغرر.
وأجاز أيضًا شراء غرر جذوع في حائط.
قال الإمام: وذلك ينقسم إلى ما تذكر فيه مدة فيكون حكمه حكم الإجارة فينفسخ العقد بانهدام الجدار، وإلى ما لا تعين فيه مدة. بل يجعل على التأبيد، فيكون كالمضمون، فإن انهدم الحائط لزمه أن يعيده، ليغرز صاحب الخشب خشبه فيه. كما أن على صاحب السفل إذا انهدم أن يبنيه ليحمل صاحب العلو عليه علوه، فبناء الحائط هو تمكينه من التسلم. وكذلك بناء الهواء الأسفل.
الشرط الرابع: أن يكون البيع معلومًا للمتعاقدين، ثم يتعلق العلم بعين المبيع وقدره وصفته.
أما العين فالجهل بها مبطل، (ونعني) به: أنه، إذا قال: بعت منك عبدًا من عبيدي أو شاة من هذا القطيع بطل.
وأما إذا قال: بعت منك صاعًا من هذه الصبرة، فإن البيع يصح إذ أجزأه الصبرة متساوية، وليس المقصود من الحبوب أعيان آحادها. ويستوي في ذلك كون الصبرة معلومة الصيعان أو مجهولتها.
وأما القدر، فالجهل به فيما في الذمة ثمنًا كان أو مثمونًا مبطل إذا جهل جملة وتفصيلًا كقوله: بعت (بزنة) هذه الصنجة وهي مجهولة الوزن.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
وإن علمت جملة الثمن وجهل تفصيله، ففي الكتاب في صحة هذا البيع: قولان.
ومثاله أن يشتري عبدين لرجلين في صفقة واحدة بثمن واحد، ولم يعين ما لكل واحد منهما منه، فلا يصح في أشهر قولي ابن القاسم لجهالة الثمن المختص بعبد كل واحد منهما عنده.
ورأى في قوله الآخر، وهو قول أشهب وسحنون، صحة البيع فيهما لأن كل واحد منهما يحدس قدر ثمن سلعته، فلا يكون التفاوت إلا يسيرًا مما لا يفسد البيع، بل يقع معفوًا عنه.
أما إذا جهلت جملة الثمن وعلم تفصيله فلا يمنع ذلك صحة البيع كما لو قال: بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم، فإنه يصح وإن كانت مجهولة الصيعان، لأن تفصيل الثمن معلوم فينتفي الغرر عنه، وإن لم تعلم جملته.
وإذا تعين المعقود عليه لم يشترط فيه كيل ولا وزن، بل يكفي عيان صبرة الحنطة وسائر الحبوب، وكذلك كل ما المطلوب منه مبلغه وتتساوى الأغراض في آحاده.
قال الشيخ أبو الطاهر: «وعلى هذا يجوز بيع المكيلات والموزونات جزافًا».
قال: «وأما المعدودات فإن قلت أثمانها جاز بيعها جزافًا، وإن كثرت أثمانها واختلفت آحادها اختلاف بينا كالثياب والجواهر وما في معنى ذلك لم يجز بيعها جزافًا».
قال: «لأنها إذا طلبت آحادها وجملتها كان الغرر فيها من وجهين، فيمنع البيع لكثرة الغرر، بخلاف ما إذا كان المطلوب الجملة دون الآحاد فإن الغرر من وجه واحد، فيكون قليلًا، فلا يمنع صحة البيع». قال: «وأما العين فإن كان مكسورًا أو مصوعًا فهو بمنزلة العروض يرجع إلى الحصر قدمناه. وينظر هل المطلوب آحاده أو مبلغه.
وإن كان مسكوكًا فها هنا جل أهل المذهب يرون أنه إذا كان التعامل فيه بالوزن جاز بيعه جزافًا، لأن المطلوب مبلغه، وإن كان التعامل فيه بالعدد لم يجز بيعه جزافًا، لأن المطلوب حينئذ آحاده ومبلغه». قال: «وحكى القاضي أبو الحسن الكراهية. قال: «ولعل الغرر قل عنده لما تماثلت الآحاد».
قال: وانفرد أبو الوليد الباجي، فرأى أنه إن كان التعامل به بالعدد لم يجز الجزاف
[ ٢ / ٦٢٤ ]
قولًا واحدًا، وإن كان التعامل به وزنًا جرى على القولين، وهما على الخلاف في الدنانير والدراهم هل تتعين أو إنما تتعلق بالذمة؟ فإن قلنا: إنها تتعين، جاز بيعها جزافًا، وإن قلنا: لا تتعين، وإنما تتعلق بالذمة، فلا يجوز بيع ما يتعلق بالذمة جزافًا».
فروع: إذا اشترى (صبرة)، وتحتها دكة تمنع من تخمين القدر، فإن تبايعا على ذلك لم يصح البيع للغرر، وإن اشترى فظهرت ثبت له الخيار.
ويستوي في صحة بيع المشتري جزافًا كونه ملقى بالأرض أو في ظروفه فيجوز شراء ما في الظروف جزافًا، وإن لم يعلم مبلغه إلا بالحدس.
قال محمد: ولا يجوز شراء ملء الظرف الفارغ، وإن عين ما يملأ منه أو وصفه فلا يجوز. شراء ملء الغرارة الفارغة من قمح أو غيره مشاهدًا كان أو موصوفًا، أو ملء قارورة من زيت أو غيره مشاهدًا كان أو موصوفًا، بل لو اشترى ما في الظرف ففرغه له لم يصح أن يشتري منه ملته دفعة أخرى، وإنما يصح أن يشتري منه ما في الظرف بعد أن يملأ». ووجه هذا أن المقصود تغير العقود.
فإذا كان الظرف مملوءًا صار البيع جزافًا مرئيًا (فالقصد) العقد على مرئي يحدس مبلغه. وإذا كان الظرف فارغًا فالمبيع غير مرئي والقصد العقد على مكيل بمكيال غير معلوم النسبة من المكيال المعتاد.
واختلف الأصحاب إذا وقع التبايع بمكيال مجهول، هل يفسخ البيع أم لا؟. فقال أشهب: لا يفسخ، وقال غيره: يفسخ.
ويشترط في بيع الجزاف مساواة المتابعين في عدم العلم، بمقدار المبيع جزافًا، فإن انفرد البائع بعلم المقدار عن المشتري فإن كان ذلك بعلم المشتري فسد العقد لأنه خطار وإن كان بغير علمه، لكن ظهر له بعد التبايع أنه كان يعلم كيل الصبرة، وكتمه عنه، ثبت للمشتري الخيار في التزام البيع ورده.
وأما الصفة فلا تشترط معرفتها بالعيان، بل يقوم استقصاء الوصف مقامه على تفصيل نبيه، وهو أن العين الغائبة إن كانت بعيدة جدًا كإفريقية من خراسان شوبه ذلك، لم يصح بيعها على الصفة بوجه لكثرة الخطر والغرر فيه، كذلك إن كانت قريبة جدًا مع إمكان الاطلاع عليها من غير مشقة، ولا فائدة في بيعها على الصفة، (فإن المعروف من المذهب أنه لا يجوز بيعها
[ ٢ / ٦٢٥ ]
على الصفة)، لأنه عدول عن المعاينة إلى الخبر من غير مقتض لذلك، فيلحق بالمخاطرة والتغرير. فإن كان في رؤيتها كلفة ومشقة جاز بيعها على المشهور من المذهب.
ونزل الأصحاب ما وقع في الكتاب من تجويز العقد بالسوق على سلعة في البيت على ما إذا كان في رؤيتها مشقة وكلفة. وأجازوا في المشهور أيضًا بيع ما كان على مسافة يوم، وبيع ما في الأعدال على البرنامج، وبيع الساج المدرج في جرابه لمشقة الحل والنشر.
وروي في كتاب محمد المنع من العقد بالسوق على سلعة في البيت. وقال في مختصر ما ليس في المختصر: لا تباع سلعة حاضرة ولا غائبة على مسيرة يوم على الصفة، ولا على البرنامج.
وقال ابن حبيب: يجوز بيع الأعدال على البرنامج، ولا يجوز بيع الساج مدرجًا في جرابه. وفي المبسوط قال مالك في الساج المدرج في جرابه والثوب القبطي المدرج في طيه: لا يجوز بيعهما حتى ينشرا، وينظر إلى ما في أجوافهما، وقال: إن بيعهما من الغرر، وهو من الملامسة.
قال مالك: «بيع الأعدال على البرنامج مخالف لبيع الساج في جرابه، والثوب في طيه، وما أشبه ذلك. فرق بين ذلك الأمر المعمول به، ومعرفة ذلك في صدور الناس، وما مضى من عمل الماضين فيه، وأنه لم يزل من بيوع الناس (الجائزة) بينهم التي لا يروزن بها بأسًا بيع الأعدال على البرنامج ولا ينشرونها، لأن ذلك لا يراد به الغرر، وليس يشبه الملامسة».
قال الشيخ أبو الطاهر: وسبب الخلاف النظر إلى (أن) اشتراط الرؤية في هذه المواضع المختلف فيها، هل فيه مشقة أم لا؟
قال: وهو خلاف في حال، فإن اقتضت ضرورة أو حاجة بيعه على الصفة جاز، وإلا لم يجز. هذا حكم طرفي البعد والقرب.
فأما ما قصر على البعيد وارتفع عن القريب فكان بين ذلك، فجائز بيعه على الصفة أو الرؤية المتقدمة.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
ووقع في الكتاب ما يقتضي جواز العقد على السلعة الغائبة من غير رؤية ولا صفة، ولكنه اشترط خيار الرؤية. وذهب القاضيان أبو الحسن وأبو محمد إلى منع هذا العقد.
وأنكره أيضًا الشيخ أبو بكر، وقال: «إنه خلاف الأصول».
فأما البيع على الصفة فتشترط في صحته شروط تتبين برسم فروع متتالية، وهي: حيث قلنا بجواز البيع على الصفة فيجب أن نذكر الصفات المقصودة التي تختلف الأغراض بسببها والأثمان باختلافها. إذ لا يرفع الغرر إلا ذكرها.
ثم إذا ذكرت ففي كتاب محمد والعتبية أن الشرط في الصفة أن يصف غير البائع لأنه قد لا يوثق بصفته إذ قد يقصد الزيادة في الصفة لينفق سلعته.
قال أبو الحسن اللخمي: ويكون المشتري ممن يعرف ما وصف له. ثم إذا وافق المبيع الصفة فلا خيار لأحدهما، فإن اختلفا في الصفة التي وقع العقد عليها فالقول قول المشتري، وإن اتفقا في الصفة واختلفا في كون المبيع عليها رجع في ذلك إلى أهل المعرفة.
ويصح بيع الأعمى وشراؤه لضرورة التعامل، ويعتمد على الصفة سواء طرأ عليه العمى أو ولد أعمى.
وقال أبو جعفر الأبهري: لا يصح بيع من ولد أعمى ولا شراؤه، لأنه لا يقف على حقائق المدرك بمجرد الوصف.
وأما البيع على رؤية متقدمة فيشترط في صحته أن لا تطول مدة الرؤية طولًا يتوقع (فيه)؟ تغير المبيع عادة.
فرع: لو تبايعا على رؤية سابقة من مدة غير طويلة، ثم تنازعا في كون المبيع باقيًا على الصورة المرئية، ففي الرجوع إلى قول البائع أو المبتاع قولان لابن القاسم وأشهب.
وخرج الشيخ أبو الطاهر خلافهما على الخلاف في تبعيض الدعوى.
ثم في معنى رؤية المبيع سابقة على عقد البيع أو مقارنة له رؤية بعضه إذا دل على الباقي لكونه من جنسه أو كان صوانًا له خلقة كقشر الرمان والبيض وشبهه.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
فروع: الأول: في ضمان الغائب.
والظاهر من المذهب (أن) ضمان المبيع الغائب من بائعه إلا أن يشترطه على المشتري.
وروي أنه من المشتري إذا أدركته الصفقة سالمًا.
وروي أن الضمان من البائع إلا في الديار والعقار.
وقال ابن حبيب: الديار والعقار من المشتري، وما كان سوى ذلك قريب الغيبة يجوز اشتراط النقد فيه، فمصيبته من البائع. وما كان بعيد الغيبة لا يجوز النقد فيه، فمصيبته من المشتري.
الفرع الثاني: وهو مرتب:
حيث قلنا: إن الضمان من المشتري، فتلفت السلعة فتنازعا في سلامتها حين العقد ففي تعيين المدعي منهما قولان لتعارض [أصلي] السلامة والضمان.
الفرع الثالث: في النقد:
ويجوز النقد في بيع الغائب من غير شرط، (فإذا) كان بشرط فسد العقد، لأنه (خطار)، ويؤدي إلى أن يكون المنقود تارة سلفًا وتارة ثمنًا، إلا فيما قربت غيبته من غير الحيوان للأمن من ذلك فيه غالبًا، وكذلك في المأمون كالعقار ونحوه، وإن بعدت غيبته عند ابن القاسم.
وسوى أشهب بين العقار وغيره، فمنع النقد في ما بعدت غيبته من جميع ذلك، وأما ما قربت غيبته من الحيوان فقيل: يجوز النقد فيه كغيره مما قربت فيبته، وقيل: لا يجوز ذلك فيه لسرعة تغيره بخلاف غيره.
فرع: حيث اعتبرنا: قرب المادة وبعدها، فاختلف في تحديد القرب فيها على خمسة أقوال:
اليوم - واليومان - ونصف اليوم - والبريد - والبريدان.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
الشرط الخامس: وهو المختلف في حكمه. كون المبيع مملوكًا للعاقد أو لمن عقد له.
ومقتضى ما حكاه الشيخ أبو إسحاق أنه من شروط الصحة أيضًا كالتي تقدمت عليه، إذ حكى رواية بأن من باع ملك الغير من غير إذن لم يصح بيعه، وإن أجازه المالك.
وأما على المشهور من المذهب أن البيع يصح ويقف اللزوم على إجازة المالك، فهو شرط في اللزوم والانبرام لا في الصحة والانعقاد.
فرع: إذا باع الغاصب المغصوب فلم يجز المالك، لكن باعه من الغاصب، لم يكن للغاصب نقض البيع الذي باعه أولًا لأنه كمن عمل في إمضاء ما عقد فليس له أن يتسبب في نقضه، بخلاف المودع يتعدى على الوديعة فيبيعها ثم يرثها، فإن له نقض البيع إذ لا تسبب له في الميراث.
الباب الثاني: في الفساد بجهة الربا
قال رسول الله: الذهب بالذهب مثلًا بمثل، والفضة بالفضة مثلًا بمثل، والثمر بالثمر مثلًا بمثل، والبر بالبر مثلًا بمثل، والملح بالملح مثلًا بمثل، والشعير بالشعير مثلًا بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى. (بيعوا) الذهب بالفضة كيف شئتم يدًا بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدًا بيد، (وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يدًا بيد).
ومقتضى هذا الحديث أن من باع شيئًا من هذه الأعيان الستة بجنسه، فليرع المماثلة فيه بالمعيار الشرعي أو العادي إن لم يكن، والحلول أعني ضد النسيئة، والتقابض، فلا يتأخر القبض عن العقد، ولا يقبل في ذلك حوالة ولا حمالة ولا نظرة، بل لو طال بينهما المجلس من غير قبض لبطل لقوله ﷺ: «إلا هاء وهاء، يدًا بيد». فإن باعه بغير جنسه سقطت رعاية المماثلة في القدر.
ثم في معنى الأعيان المنصوص عليها ما شاركها في المقتضى لحكمها. وقد اتفق أهل المذهب على اتحاد المقتضى في النقدين دون تحقيقه، واختلفوا في اتحاده في الأعيان الأربعة وفي تعيينه على ما سنبينه إن شاء الله [تعالى].
وقد اشتمل الحديث على بيان جنسي الربا، أعني ربا النسيئة وربا التفاضل في الأعيان
[ ٢ / ٦٢٩ ]
الستة، واندرج تحتها ما في معناها. ولنفرد كل جنس بالكلام عليه.
أما الجنس الأول: وهو ربا النساء فعلة تحريمه ووجوب التقابض الطعم، فتطلب المناجزة في كل ما ينطلق عليه إسم طعام، ربويًا كان أو غير ربوي. ويدخل في ذلك رطب الفواكه والخضر والبقول.
وإذا تقرر تعلق الحكم بالطعام لم يعم سائر ما يتطعم غذاء كان أو دواء، بل يخص منه الغذاء دون الدواء. وقد انقسم ما يتطعم بالإضافة إلى هذا الحكم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما اتفق على أنه طعام يجري فيه هذا الحكم كالذي ذكرناه من الفواكه والخضر والبقول والزرارع التي تؤكل غذاء، أو يعتصر منها ما يتغدى به من الزيت كحب القرطم وزريعة الفجل الحمراء، وما أشبه ذلك.
والثاني: ما اتفق على أنه ليس بغذاء، بل هو دواء وذلك كالصبر والزعفران والشاهترج وما (يشبهها).
والثالث: ما اختلف فيه للاختلاف في أحواله وعادات الناس فيه، فمنه الطلع والبلح الصغير، ومنه التوابل كالفلفل والكزبرة، وما في معناهما من الكمونين والرازيانج والأنيسون، ففي إلحاق كل واحد منهما بالطعام قولان، سببهما ما تقدم ذكره.
ومنها الحلبة، وفي إلحاقها بالطعام ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث فتلتحق به الخضراء دون اليابسة.
ورأى بعض المتأخرين هذا التفصيل تفسيرًا، وأن المذهب على قول واحد في إلحاق الخضراء بالطعام واليابسة بالدواء.
ومنها الماء العذب، قيل بإلحاقه بالطعام لما كان مكما يتطعم وبه قوام الأجسام والحاجة إليه أشد من الحاجة إلى القوت. وقيل بمنع إلحاقه به، لأنه مشروب وليس بمطعوم.
وأما الجنس الثاني، وهو ربا الفضل، فالكلام عليه يتنوع إلى الكلام في النقدين وفي الأطعمة.
النوع الأول: (في) بيان حكم الربا في النقدين، وهو: باب الصرف. والعلة في تحريم الربا في النقدين الثمينة.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
وهل المعتبر في ذلك كونهما ثمينين في كل الأمصار، أو جلها وفي كل الأعمار، فتكون العلة بحسب ذلك قاصرة عليهما، أو المعتبر (تطلق) الثمينة، فتكون متعدية إلى غيرهما؟ في ذلك خلاف ينبني عليه الخلاف في جريان الربا في الفلوس إذا بيع بعضها ببعض أو بذهب أو بورق.
ويعم جميع أنواع بيع النقد بالنقد طلب المناجزة ويخص بيع الصنف بعضه ببعض طلب المساواة والمماثلة. ولهذا انحصر مقصودنا من هذا الباب في ثلاثة أركان:
الأول: في تحصيل المناجزة وذكر ما ينافيها.
والثاني: في تحصيل المماثلة وما تصح به والاحتراز من فسادها.
والثالث: النظر في خواص كل واحد من المبادلة والمراطلة وما يتعلق بذلك من أحكام الاقتضاء.
الركن الأول: في أحكام المناجزة. وتنحصر في ثلاثة فصول:
الأول: فيما يجري مجرى المقدمات، وينحصر في ثلاثة مسائل:
الأولى: حكم المواعدة. وفيه ثلاثة أقوال: المنع والجواز والكراهة. فالمنع لأصبغ في كتاب أبي زيد. قال: ويفسخ إن وقع، وقاسه على المواعدة (في العدة).
والجواز لابن نافع في السليمانية قال: وما سمعت أن أحدًا كرهه، وقطع افلحاق بأن المنع ثم خشية إتمام العقد وهو المطلوب ها هنا.
والكراهة لمالك وابن القاسم. وهو قول من أجاز، وراعى الخلاف).
وحكى أبو محمد عبد الحق أن الكراهة للنهي عن اختلاف الوعد، فكأنها لهذا تشبه العقد، وأما (التعريض) فلا يمتنع.
(المسألة) الثانية: الخيار.
وفيه قولان: المشهور منعه. وحكى القاضي أبو الوليد وغيره جوازه.
[ ٢ / ٦٣١ ]
وحكى الشيخ أبو إسحاق في زاهيه روايتين، وهما على الخلاف في حقيقة بيع الخيار، وهل ملك مستثنيه حل العقد فيكون عقدًا متراخيًا، أو ملك إبرامه (فيكون منحلًا؟).
المسألة الثالثة: الوكالة على الصرف.
وهي جائزة إن تولى الوكيل العقد والقبض، وأما إن تولى أحدهما خاصة. فأما القبض فإن غاب الموكل حين القبض فسد الصرف، وإن كان بحضرة الموكل صح. وقد روي المنع مطلقًا. وحمله القاضي أبو الوليد على إطلاقه وجعل المذهب على قولين في اشتراط قبض الموكل بنفسه في صحة الصرف.
وأما العقد فحكم الوكيل فيه حكم الموكل في المسألة الأولى.
الفصل الثاني: فيما يجري مجرى (الصورة)
وله حالتان: حالة كمال، وحالة إجزاء.
فحالة الكمال أن يبرز النقدين ويتناجزا سريعًا. وحالة الإجزاء أن يكون النقدان أو أحدهما في كم المصرف أو تابوته الحاضر ويتناجزا.
فإن كان النقدان أو أحدهما غائبًا يؤتى به من موضعه بطل الإجزاء. واختلف في ست مسائل:
الأولى: صرف ما في الذمة.
فالمشهور صحته إن كان حالًا. وحكى المتأخرون عن أشهب الإبطال، وأحالوه على المولدات.
ولو تصارفا على ما في ذمة كل واحد منهما وقد حلا، جرى على القولين أيضًا.
وإن كان مؤجلًا فالمشهور منعه، وأجازه القاضي أبو إسحاق. قال بعض المتأخرين: وهذا هو الأقيس.
وإنما (قدر) في المشهور أن المعجل مسلف، (فإن) حل الأجل قبض من نفسه،
[ ٢ / ٦٣٢ ]
وهو بناء على تقدير الممنوع كوجوده. قال: وعلى هذا الأصل بناء كثير من (بيوعات) الآجال.
الثانية: الصرف على الذمة.
ومثاله: أن يعقد صرفًا ثم يتسلف ما عقد عليه، ولا شك في منعه إن طال. وإن قرب، فإن تسلفا جميعًا منع، وإن تسلف أحدهما فقولان، صحح ابن القاسم، وأبطل أشهب قياسًا على تسلفهما، وفرق للتصحيح بأنه مبني على علم أحد المتبايعين بالفساد وفيه قولان.
فإذا عقد على ما ليس (عندهما)، فقد علما فيبطل، وباتهام المتسلف أن يظهر ذلك ليبطل العقد فصحح نقضًا لغرضه، وبأنه متى كان التسلف منهما طال، بخلاف ما إذا كان من أحدهما.
ويخرج على هذه التعاليل أن علمهما بتسلف أحدهما يبطل على التعليل الأول قولًا واحدًا، وأن المتسلف إذا علم أنه محق أن لا شيء معه بطل على التعليل الثاني، وأنهما لو تسلفا معًا وكان كقدر تسلف أحدهما لصح على مقتضى التعليل الثالث. وكذلك هو عند ابن القاسم، وهو رأي أبي الحسن اللخمي.
الثالثة: صرف المغصوب. وله ثلاث صور:
الأولى: أن يكون مصوغًا قائم العين. فالمنصوص أنه لا يجوز صرفه حتى يحضر.
والصورة الثانية: أن يكون مصوغًا غير قائم العين. فإن ذهبت عينه جملة فقد ضمن، وهل تضمن قيمته أو وزنه؟ قولان.
التفريع: إن قلنا بضمان القيمة صرفت قيمته، وهذا هو المشهور.
وإن قلنا بضمان الوزن صرف وزنه، وكان في القيمة أو في الوزن صرف ما في الذمة.
وإن لم تذهب عينه حتى يكون لصاحبه الخيار في الأخذ أو التضمين، فيجري صرف القيمة على الخلاف في من خير بين شيئين فاختار أحدهما، هل يعد منتقلًا من كل واحد منهما إلى الآخر فلا يجوز صرف أحدهما، أو يعد كأنه لم يستحق غير ما اختار، فيجوز له صرف القيمة، وإن أراد صرف العين فيجري على ما قدمناه إذا كانت العين قائمة.
الصورة الثالثة: المسكوك، والمنصوص جواز صرفه. قال القاضي أبو الوليد: «وهذا مبني على أن الدنانير والدراهم لا تتعين في الغصب».
[ ٢ / ٦٣٣ ]
قال: «وقد ذكر القاضي أبو الحسن أن هذه رواية عن مالك». قال الشيخ أبو الطاهر: وإشارته إلى أن من غصب مسكوكًا فطلب ربه أخذ عينه، فأراد الغاصب أن يعطيه غيره، قال: وهذا إن كان بينهما فرق في الحل والتحريم أو الشبهة، فلصاحبه أخذ العين بلا خلاف، وإن لم يكن بينهما فرق فقولان، والمشهور أن له أخذ عين شيئه.
قال: فيقال: كأن على هذا يكون المشهور منع صرف المغصوب، وإنما رأى أن ربه إذا رضي بالصرف، والأصل التعلق بالذمة، إذ لا يعرف المسكوك بعينه، فأشبه صرف ما في الذمة.
المسألة الرابعة: صرف المرهون.
فإن كان مصوغًا ففيه قولان: المنع حتى يحضر، والجواز نظرًا إلى إمكان التعلق بالذمة.
وإن كان مسكوكًا فأجيز في رواية محمد، ومنعه ابن القاسم، والجواز لإحدى علتين حصول المناجزة بالقبول، والالتفات إلى إمكان التعلق بالذمة، فأشبه المغصوب إذ هو على الضمان إن لم تقم بينة بتلفه، وقولان إن قامت. والمنع نظرًا إلى الحال، وهو على ملك ربه، وإنما يقبضه لنفسه عند حضوره فأشبه صرف الغائب.
الخامسة: صرف الوديعة. وفي الكتاب: «المنع منه».
«وروى أشهب الجواز في المسكوك منها، واختلف في تعليله على (طريقين): أحدهما أنه مبني على أن يعتقد المودع التسلف ثم يصارف، قاله القاضي أبو الوليد».
قال: «ويجب على هذا أن لا يجوز في الحلي قولًا واحدًا».
والطريق الثاني النظر إلى حصول المناجزة بكمال القول والشيء تحت يده، فعلى هذا يجري الخلاف في المصوغ. وقد ظهر تعليل المنع مما قدمناه في المرهون.
فرعان: أحدهما: العارية، «وحكمها حكم الرهن. قاله القاضي أبو الوليد».
قال بعض المتأخرين: وهو ظاهر.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
الثاني: المستأجر، حكمه حكم الوديعة.
المسألة السادسة: الصرف على التصديق في الوزن أو الصفة أو فيهما. والمشهور: أنه لا يجوز، وأجازه أشهب.
والخلاف في ذلك مبني على الخلاف في مراعاة الطوارئ. فمن راعاها لا سيما وهي قريبة هنا منع، ومن لم يراعها ونظر إلى أن القول قول الدافع في الوزن والعدد أجاز.
الفصل الثالث: فيما يجري مجرى الطوارئ وهي ثلاثة أقسام:
مفارقة. ووجود نقص - واستحقاق.
القسم الأول: المفارقة قبل التقابض، فإن بعدت اختيارًا أبطلت، وهذا هو الحكم في طول المجلس وإن لم يفترقا كما تقدم. وإن قربت فالمشهور الإبطال أيضًا، والتصحيح في كتاب محمد.
وإن كانت غلبة فقولان: الإبطال والتصحيح، وهما على الخلاف في التناجز، هل هو ركن في عقد الصرف فيبطل مع التراخي كيفما تصور، أو هو شرط فلا يبطل مع الغلبة؟.
التفريع: إن قلنا بالتصحيح في غلبتهما فأحرى به في غلبة أحدهما. لأنه قد يقصد إبطال الصرف فيقابل بنقيض قصده وإن أبطلتا فقولان. والتصحيح في الصورتين هو اختيار القاضي أبي بكر.
مسائل ثلاث:
إحداهما: أن يعقد على جملة فيجد بعضها. فإن كان الموجود الأكثر فظاهر الكتاب إبطال الجميع، وقاله محمد وأصبغ.
وحكى محمد عن ابن القاسم أنه قال: ينتقض ما يقابل المتأخر خاصة. ونزل بعض المتأخرين الخلاف على أن التناجز شرط فيبطل ما فقد فيه خاصة، أو هو ركن فإذا فقد بطل العقد جملة. وإن كان الموجود الأقل أو النصف، فقولان أيضًا:
أحدهما: النقض للكل، وسواء رضي الثاني بما وجد وتأخر الباقي أو لم يرض. وهو مذهب الكتاب. وقاله محمد وأصبغ كما قدمنا.
والثاني: أن النقص بين المتعاقدين. فإن رضي أحدهما بما أخرجه الثاني من البعض
[ ٢ / ٦٣٥ ]
وإتباع الباقي انتقض صرف المتأخر. وإن لم يرض انتقض صرف الجميع.
المسألة الثانية: أن يدخلا من الأول على قبض البعض دون البعض. فأما ما يقبض فلا شك في نقضه.
وأما المقبوض فيجري على القولين في الصفقة إذا جمعت حلالًا وحرامًا، والمشهور نقضها، والشاذ إمضاء الحلال.
ومثار الخلاف: النظر إلى انحاد العقد أو إلى اختلاف حكم المعقود عليه.
المسألة الثالثة: أن يدخلا على قبض الجميع ثم يؤخران شيئًا. فإن آخرا الجل أو ماله قدر بطل الجميع على المشهور. وإن آخرا الأقل فقولان: الصحة والفساد. وقال أصبغ: لو عجز الصرف حبة فأخره بها انتقض الصرف كله.
فرع: لو صارفه بشيء ثم أودعه عنده بعد القبض، فإن كان مما يعرف بعينه كالمصوغ، أو كان مطبوعًا عليه، ولو كان مما لا يعرف بعينه صح الصرف. وإن كان مما لا يعرف بعينه غير مطبوع عليه فيفسد الصرف نظرًا إلى حماية الذرائع.
القسم الثاني: في وجود النقص
وهو نوعان: نقص في المقدار، ونقض في الصفة.
أما النوع الأول: وهو النقص في المقدار. فإن قام به بطل الصرف على المنصوص. وقد تقدم الخلاف إذا قبض البعض دون البعض، فيجري عليه. وإن لم يقم به ورضيه، فإن كان كثيرًا فقولان: النقض والصحة، ويتخرجان على ما تقدم. وإن كان يسيرًا فقولان مرويان.
والمنع مأخوذ مما تقدم. والنظر إلى اليسارة إعطاء لها حكم التبعية. والمشهور أن الأتباع لا تراعى. وإن جمعت قلت: ثلاثة أقوال: الصحة مطلقًا. والإبطال مطلقًا. والتفرقة: فإن كان النقص يسيرًا صح، وإن كان كثيرًا بطل.
فرع: وكم مقدار اليسير؟
أما إن كان الصرف في دينار واحد فقولان: أحدهما أنه الدانق والثاني: أنه النقص الذي تختلف فيه الموازين.
وإن كان الصرف في أكثر من دينار (أو) النقص في (الدراهم)، فقالوا: هو أن
[ ٢ / ٦٣٦ ]
تنقص المائة درهمًا، وهذه شهادة باليسارة ما هي.
فرع مرتب عليه: وهو: إذا قلنا بالنقض، فقال مالك وابن القاسم: «ينتقض صرف دينار واحد».
وقال ابن القاسم أيضًا في العتبية: «ينتقض الجميع». وقيل: ينتقض ما قابل النقص خاصة.
وقال الشيخ أبو القاسم: «إن كان سمى لكل دينار منها ثمنًا انتقض صرف دينار واحد أو دينارين (إن زاد) النقص على دينار».
وإن لم يسم لكل دينار منها ثمنًا انتقض الصرف كله. وبهذا قال القاضي أبو إسحاق وابن أبي زمنين، ومن المتأخرين القاضي أبو الوليد وأبو القاسم بن محرز.
قال بعض المتأخرين: فأعروا التسمية من الخلاف، وأجروه في الإجمال.
هذا إذا وجد النقص بعد المفارقة أو الطول، فإن وجد بالحضرة، فإن رضي بالنقص تم الصرف، وإن لم يرض ولكن أتم ناجزًا تم أيضًا. وإن اتفقا على التمام وافترقا قبل قبضه فقال أصبغ: ينتقض الصرف كله. وقال ابن القاسم: ينتقض صرف دينار خاصة.
وأما النوع الثاني، وهو النقص في الصفة، فهو أن يجد ما يرد لعينه، ولا يخلو من أن يكون مما ليس فيه من النقدين شيء كنحاس ورصاص وشبههما، أو يكون مغشوشًا.
فأما الأول فاختلف المتأخرون في إلحاقه بالمغشوش أو بالنقص في المقدار على قولين.
وأما المغشوش فإن رضي واحده به صح الصرف. وإن رده فهل يجوز البدل أو ينتقض الصرف؟ قولان: المشهور: النقض. وقال ابن وهب وجماعة من المتقدمين بجواز البدل.
ومثار الخلاف: الاختلاف في الرد بالعيب، هل هو نقض العقد من أصله فينتقض، أو نقض له عند القيام فيصح البدل؟
فروع: إذا قلنا بالنقض، فهل يختص بغير المعين؟ وأما المعين فيجوز فيه البدل بلا
[ ٢ / ٦٣٧ ]
خلاف، أو يجري في المعين وغيره؟ قولان.
(والأول): رأى أبي الحسن اللخمي، وأصله لأبي بكر بن عبد الرحمن، وهو مستند إلى رواية أشهب.
والثاني: رأى جل المتأخرين، وأصله لأبي القاسم بن الكاتب، وهو مستند إلى رواية ابن القاسم.
وقد اختلف في هذا الأصل، وهو تعين النقدين بالتعيين، وفيه ثلاثة أقوال:
التعيين مطلقًا. ونفيه. والتفرقة: فيتعين إن شاء (دفعه)، ولا مشيئة لقابضه.
وخرجه المتأخرون على الخلاف في شرط ما لا يفيد. قالوا: إلا أن يكون اختصاص العين بكونه حلالًا أو خاصة لا توجد في غيره، فيتعين بلا خلاف.
الفرع الثاني: إذا قلنا بالبدل، وأراد أن يعطيه به سلعة أو غيرها. أو قلنا بالفسخ، وأراد تأخير ما دفع، فهل له ذلك؟ فيه خلاف جار على (احتياج) الفسخ إلى حكم أو ثبوته برد المتعاقدين.
الفرع الثالث: إذا قلنا بالنقض، فهل ينقض جميع الصرف، أو صرف ما يقابل الزائف إلى كمال دينارًا وأكثر منه، أو ما يقابله خاصة، أو يكون القول الأول إن كان لم يسم لكل دينار ثمنًا، أو الثاني إن كان سمى لكل دينار ثمنًا على ما تقدم.
فإن اختلف الدنانير نقض ما يقابل الزائف إلى كمال أقلها، فينتقض الجميع بناء على نقض العقد من أصله. والاقتصار على دينار واحد التفات إلى القول بالبدل، ونظر إلى أن النقدين لا يراد بعضها لبعض بخلاف العروض. والاقتصار على قدر الزائف بناء على القول بجواز الصرف في بعض دينار.
ووجه التفرقة ظاهر، والاقتصار على الأقل لأنا لا ننقض إلا ما تدعو الحاجة إلى نقضه، وذلك يحصل بنقض الأقل.
الفرع الرابع: وهو مرتب على هذا:
لو كان في الدنانير كسور أنصاف، وما في معناها، فقال في الرواية: (ينقض) كسر منها إن كان الزائف يقابله فأقل.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
وقال القاضي أبو الوليد: «إن كان أقل منه فيجري على القولين في جواز كسر القطع، فمن منع جاء منه ما في الرواية، ومن أجاز قطع بقدر الزائف».
الفرع الخامس: أن يكون المختلف حليًا ويكون الزائف فيما يقابله، فإن قلنا بنقض الجميع في المسكوك فأحرى ها هنا، وإن قلنا بنقض البعض فها هنا قولان، لابن القاسم: نقض الجميع، لأن هذا مما يقصد بعضه لبعض، ونقض الواحد إلا أن يكون معه أخوة فيتبعه. وسبب القولين: النظر إلى اتحاد العقد أو إلى تعدد المبيع.
الفرع السادس: إذا تساوت الدنانير وسموا لكل دينار منها مقداره من الدراهم، فرأى العراقيون أن هذه الصورة لا يختلف فيها أنه لا ينتقض الكل (بوجود) التسمية وتساوي الأغراض، فيكون بخلاف التسمية في السلع.
ورأى المتأخرون من المغاربة تساوي التسمية وعدمها. قال بعضهم: وهو مقتضى الروايات. وعلله بأن المعتبر إما بالتسمية بانفرادها، وأما تساوي الأغراض، والأول باطل بالتسمية في السلع فيتعين اعتبار الثاني، ثم يلزم عليه إن يكون وجود التسمية كعدمها.
الفرع السابع: إذا قام بالرد فأرضاه عنه، فقال سحنون: القيام كالرد. والمشهور: التصحيح، بخلاف الرد.
والقولان على الخلاف في الملحق بالعقود هل يعد كالمقارن فيجوز، أو لا يعد كذلك فيمنع، ويصير كتأخير بعض العوض؟
الفرع الثامن: مرتبع عليه، وهو: بأي شيء تجوز المصالحة؟ وقد أجازها أشهب مطلقًا، نقدًا وإلى أجل، ورأى ذلك شراء نزاع.
وخص ابن القاسم الجواز بما إذا أعطاه من جنس ما دفع أولًا وعجله، وهو حكم الإلحاق بالعقد الأول.
الفرع التاسع: لو قال له بعد الصرف: استرخصت فزدني، فزاده، فهل تعد الزيادة هبة محضة، أو تعد ملحقة بالأصل، فيعتبر فيها ما يجوز في الصرف؟ قولان، وهما على ما تقدم من إلحاق ما بعد العقود بها أو قطعه عنها.
الفرع العاشر: وهو مرتب عليه:
لو وجد في هذا المزيد زائفًا، فهل يده أم لا؟ قولان منزلان على إعطائه حكم العوض أو حكم الموهوب؟
[ ٢ / ٦٣٩ ]
قال بعض المتأخرين: وقد يقال: إذا أعطيناه حكم العوض فيختلف في جواز البدل أو النقض به، وهو تركيب خلاف على خلاف.
قال: وهذا كله إذا وجد (الزيف) بعد المفارقة أو التراخي، فإن وجد بالحضرة صح الرضى باطراحه، وصح البدل إن تراضيا عليه، فإن لم يتراضيا وكان الصرف على غير معين أجبر من امتنع إن لم يطل. وإن كان على معين فقولان:
إجبار من أبى، وهو بناء على نفي التعيين. ونفي الإجبار، وهو بناء على التعيين.
القسم الثالث: في الاستحقاق. ويقع في المسكوك والمصوغ:
فأما المسكوك فإن استحق بعد العقد، وكان بالحضرة لم ينتقض الصرف إلا أن يعين، فيجري على ما تقدم. وإن كان بعد المفارقة أو التراخي، فإن كان الصرف على غير معين فسخ، قاله في الكتاب. وهو بناء على أن ما بعد العقود ملحق بها. والاستحقاق يقتضي كون الصرف لم تكمل مناجزته.
وقال أشهب: يأتي بالمثل، ويصح الصرف. وهو بناء على إلحاق ذلك بالمقارن، أو على أنهما كالمغلوبين على التراخي، وقد تقدم الخلاف في انتهاض الغلبة عذرًا.
قال أشهب: وإن كان معينًا انتقض الصرف، وهذا على أصلخ في (التعيين).
وأما المصوغ فإذا استحق انتقض الصرف مع عدم التراضي وطلب المستحق أخذ عين شبيه. فإن رضي بالتمام. فإن كان المصوغ حاضرًا والمتعاقدان لم يفترقا، ففيه قولان:
تصحيح الرضى، قاله في الكتاب. وإبطاله. قال أشهب: هو القياس. والذي في الكتاب: استحسان عنده. وهذا الخلاف جار على تنزيل الخيار الحكمي منزلة الشرطي.
فروع: أحدها: لو غاب أحد المصطرفين والمصوغ حاضر، لجرى فيه قولان: الإجازة والمنع.
وعد في الأول كالمبتدي صرفًا من الحاضر، وألحق في الثاني بالموكل يغيب.
الفرع الثاني: لو فات المصوغ حتى يتعلق بذمة من كان في يده، فقد قالوا: له أن يأخذ ما صرف به، لأنه يكون كالمصرف لما في ذمته.
قال بعض المتأخرين: هذا ظاهر إذا قلنا بضمان المثل، قال: وإن قلنا بضمان القيمة فإن جعل ما أخذ قيمة صح.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
[الفرع]: الثالث: أنه لو صرف مسكوكًا تعديًا كالغاصب والمودع، فإن صرف لنفسه فإنما عليه مثل ما تعدى فيه، (فلصاحب) الشيء تغريمه المثل. فإن تراضيا على أخذ ما صرف به صح، ويكون صرف ما في الذمة، وكأنه إنما صرف من المتعدي. وصرف لربه فإن أخبر من صرف منه بذلك، فهذا صرف فيه خيار فيجري على حكمه. وإن لم يخبره فللمستحق إجازة الصرف. هذا مقتضى الكتاب. وقال محمد: ليس له ذلك.
وسبب الخلاف: هل الخيار الحكمي كالشرطي أم لا؟ وأيضًا، فمن خير بين شيئين هل يعد منتقلًا أو آخذًا ما وجب له.
تكملة:
إذا تقرر اشتراط المناجزة (وحكمها)، فلنكمل المقصود منها بذكر فصلين: أحدهما: في بيان ما ذكره بعض المتأخرين، في ترتيب ما تطلب فيه المناجزة.
قال: أضيق العقود فيها الصرف، وفي معناه بيع أحد النقدين بمثله، ثم يليه بيع الطعام بالطعام، لأنه في الحديث مقرون بالصرف.
ثم تليه الإقالة من الطعام، إذ يحذر فيها من شيئين: بيع الطعام قبل قبضه، وفسخ الدين في الدين.
ثم يليها فسخ الدين في الدين، أعني المحاذرة منه، وفي معناه الإقالة من السلم في العروض. ثم يليه بيع الدين إذا كان غير طعام من أجنبي، وفيه قولان:
أحدهما: أنه كابتداء الدين بالدين فيجوز فيه من التراخي ما يجوز في رأس مال السلم.
والثاني: أنه كالبيع ممن هو عليه، فيكون كفسخ الدين في الدين لا يجوز فيه تراخ. ثم يليه ابتداء الدين وهو عقد السلم، وفيه قولان: المشهور جواز تأخير رأس ماله بشرط ثلاثة أيام. والشاذ منع التأخير.
فإن تأخر بغير شرط ففيه تفصيل يأتي بيانه. وتوجيه القولين في موضعه من السلم.
الفصل الثاني: في توقع عدم المناجزة
هل يكون كتحققه أم لا؟ وهو كإضافة البيع إلى الصرف، وفيه خلاف وتفصيل يتبين برسم الفروع. وقد اختلف في ضم ستة عقود إلى البيع، وهي: الصرف، والنكاح، والجعل، والقراض، والمساقاة، والشركة. فالمشهور: منع الضم.
[ ٢ / ٦٤١ ]
والشاذ جوازه، وهو قول أشهب: واستقرأه أبو الحسن اللخمي من كتاب محمد.
وقد اختلف في تعليل منع ضم العقود الستة إلى البيع على طريقين:
أحدهما: أن البيع يختص بأحكام تخالف ما تختص به فتنافيا.
والطريق الثاني: النظر إلى كل عقد هلى انفراده، فيعلل منع الجمع بين الصرف والبيع بمحاذرة الاستحقاق، وهو ينقض الصرف كما تقدم، ولا ينقض البيع مطلقًا.
وأما النكاح والبيع، فلأن البيع مبني على المشاحة ولهذا يتقدر فيه العوضان، ويمنع من الجهالة فيهما، والنكاح بخلاف ذلك، فإن الاستمتاع بالبضع غير محدود بإجماع.
وأما الجعل وما ذكر بعده ففيه من الإغرار والخطار ما لا يجوز في البيع لمصالح اقتضته.
وإذا فرعنا على المشهور فليس ذلك مطلقًا، بل يجوز إذا كان أحدهما يسيرًا.
وتفصيل ذلك يعلم من فروع:
أحدها: أن يكون ذلك في دينار واحد. واختل فيه: هل يطلب أن يكون أحدهما تبعًا للآخر: الصرف أو البيع؟
(و) المشهور أن ذلك لا يعتبر ليساره الدينار، وهو اعتبار لليساره في نفسها، وقيل: يعتبر، وهو اعتبار لليسارة بالنسبة.
الثاني: مرتب عليه: وهو أن اليسارة متى اعتبرت، فكم مقدارها؟ قال في كتاب محمد: الثالث فما دونه، (وهو) اعتبار اليسارة بالنسبة.
وقال القاضي أبو محمد: «الدرهم فما دونه يعجز فيدفع إليه عوضًا بقدره أو يزيد الدينار أو الدرهم، وكسرة غير جائز، فيجوز دفع قدر ذلك للضرورة». وهذا منع الصرف والبيع إلا عند الضرورة إلى جمعها في القدر اليسير جدًا.
قال المتأخرون: وكذلك يجري الحكم في بلد يتعامل فيه بالرباعية كصقلية ونحوها.
وكذلك حكاه القاضي أبو الوليد عن بعض فقهاء الصقليين.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
الثالث: أن يكون الصرف في أكثر من دينار، فيجوز إذا كان البيع يسيرًا .. وكم مقداره؟.
حكى أبو القاسم بن محرز عن بعض الأشياخ أنه يعتبر الثلث فدون. وقال أبو موسى بن مناس: يعتبر في العرض أن تكون قيمته أقل من صرف دينار، كما يعتبر في الدراهم قدر ذلك). فالنظر إلى الثلث قياس على قولهم في مراعاة الثلث في الأتباع، واعتبار بعض الدينار قياس على ما لو كان البيع الأكثر والصرف الأقل، فلا خلاف ها هنا أنه لا يجوز أن يكون الصرف إلا فيما دون دينار.
وينخرط في سلك البيع والصرف أن يتعاقدا على سلطة بدينار إلا درهمًا أو درهمين، فإن كان الجميع نقدًا، فإنه جائز إلا على ما قاله القاضي أبو محمد، فإن لم يكن ذلك نقدًا، فله أربع صور:
إحداها: أن يتأجل الجميع وهو ممنوع لأنه الدين بالدين.
الثانية: أن تتعجل السلعة ويتأجل الدينار والدرهم.
فالجمهور على جوازه، اطراحًا لحكم الصرف، فإن الدينار والدرهم لما تأجلا ظهر أنهما غير مقصودين. وقال محمد بن عبد الحكم: لا يجوز. قال بعض المتأخرين: وهو القياس، لا سيما إن راعينا الأتباع في أنفسها.
فرع: إذا صححنا فما الذي يقضي به عند الأجل؟ قولان للمتأخرين: أحدهما: أنه يقضي على كل واجد بإخراج ما سمى، وهو ظاهر الكتاب.
والثاني: أنه يقضي على من في ذمته الدينار بدراهم، ويتقاضان.
ويتخرج الخلاف على حكم جزء الدينار: هل هو ذهب أو ورق.
الثالثة: أن يتعجل الدينار والدرهم وتتأجل السلعة.
فالمنع في الكتاب. والجواز لأشهب.
فالمنع لأن التعجيل يشعر بالقصد إلى الصرف، فإذا قصد إليه وجب إلحاق ما معه (به) في التناجز.
والإجازة قياس على ما لو تأجل الدينار والدرهم ونظر إلى اليسارة، فكان الورق كالعدم.
الرابعة: أن تختلف حال الدينار والدرهم بالتعجيل والتأجيل. فالمشهور: المنع.
[ ٢ / ٦٤٣ ]
وروى ابن عبد الحكم الجواز.
(فالمنع) نظر إلى تأخير عوض الصرف. والجواز اطراح لحكمه لليسارة.
فروع: أحدها: في مقدار اليسير.
وقد اختلف فيه، فروى الدرهمان، وروي الثلاثة. وقال الشيخ أبو بكر: مقدار ثلث دينار.
(الفرع) الثاني: أن تكون دنانير، فيستثني من كل دينار منها مقدار اليسير من الدراهم، وفيه ثلاثة أقوال:
أحدها: منعه، ولو كان الكل نقدًا، وهذا بناء على اعتبار جملة الدراهم، وهي كثيرة.
والمشهور: منع الصرف، والبيع مع الكثرة.
والثاني: الجواز مطلقًا، وهو إما بناءً على جواز الصرف والبيع، وإما على اعتبار كل دينار في نفسه والدرهم بالنسبة إليه يسير.
والثالث: جوازه في النقد خاصة، وهو بناء على ما تقدم في القول الثاني.
ثم يحاذر من التأخير تردد الأمر: هل يعتبر صرف يوم القضاء، فيؤدي إلى الجهالة بما ينوب كل درهم، وذلك كثير لكثرة الدراهم إذا جمعت، أو يعتبر صرف يوم العقد، فيستعجل تحويل الدراهم في ذهب، فيكون صرفًا مستأخرًا وصرف ما في الذمة قبل حلوله؟
الفرع الثالث: أن يستثني جزء من الدينار كالسدس وما في معناه، ففيه قولان:
أحدهما: أنه كاستثناء الدراهم.
والثاني: الجواز مطلقًا.
وهما على (خلاف) في جزء الدينار، هل يحكم له بحكم الدراهم إذ بها يقضي عند المشاحة، أو بحكم المسمى وهو ذهب، حتى يقع القضاء.
الفرع الرابع: أن يجد بالدرهم المدفوع زيفًا، فهل يتفق ها هنا على البدل لليسارة، أم
[ ٢ / ٦٤٤ ]
يكون حكم الصرف؟ قولان: وهما على الخلاف في الأتباع: هل هي مقصودة أم لا؟
فرع: يعم حكم البيع والصرف:
وهو أن تستحق السلعة أو يوجد بها عيب يقتضي الرد، فإنه ينتقض الجميع. ولهذا منع في المشهور الاجتماع كما تقدم، هذا حكم ما يمكن فيه الإفراد. فأما ما لا يمكن ذلك فيه إلا بفساده، كالمحلى المباح للاتخاذ فينظر: هل العين تبع للمضاف إليه أم لا؟. ثم هو يقع على وجهين:
أحدهما: البيع بالصنف، وهو ملحق بالركن الثاني إذ المحاذرة فيه من عدم المساواة.
والوجه الثاني: البيع بغير الصنف، وهو ملحق بما نحن فيه، وله صورتان:
إحداهما: أن يقع نقدًا فلا خلاف عندنا في جوازه، كان تبعًا أو غير تبع.
والصورة الثاني: أن يكون تبعًا، فيباع إلى أجل، وفيه قولان: المنع وهو المشهور، والجواز وهو لسحنون وغيره.
وهما على الخلاف في الأتباع: هل لها قسط من الثمن أم لا؟
فروع أحدها: ما هو التبع؟. ثلاثة أقوال:
أحدها: الثلث.
والثاني: أنه دون الثلث. وهما على ما تقدم في عد الثلث كثيرًا أو يسيرًا.
وحكى القاضي أبو الوليد عن بعض أصحابنا العراقيين أن النصف تبع، وبالزيادة عليه يخرج عن حد التبع.
الفرع الثاني: اختلف المتأخرون في اعتبار التبعية، وهي ها هنا القيمة، وقد قال المتأخرون: فيه قولان: أحدهما: اعتبار القيمة. والثاني: اعتبار الوزن.
وهذا إنما يصح بالنسبة إلى قيمة المحلى، لا إلى جوهره.
الفرع الثالث: إذا منعنا التأخير فوقع. فهل يفوت بالعقد أو بما يفوت به البيع الفاسد؟ قولان:
وتفويته بالعقد هو قول محمد، وهو مراعاة للخلاف. وإلحاقه بالبيوع الفاسدة نفي للمراعاة.
الفرع الرابع: إذا فات، فهل (يقضى) متى وجب الرد، بالقيمة أو بالمثل؟ قولان، وقد تقدما.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
تنبيه:
أفات في الرواية بانكسار الجفن، والجفن تبع، وأصلهم أن فوات التبغ لا يؤثر، لكن اعتذر أبو القاسم بن محرز عن ذلك بأن مراد ابن القاسم أن الجفن ملتصق بالنصل، والنصل محتاج إليه، فكان الكل في حكم الشيء الواحد.
الركن الثاني: في تحصيل المماثلة، وما تصح به، والاحتراز من فسادها.
ولا خلاف في اعتبارها، وقد بالغ في مراعاتها في الحديث. حتى قال ﷺ: «مثلًا بمثل ووزنًا بوزن ولا تشفوا بعضها على بعض». ولهذا نجعل توهم الربا كتحققه، فلا نجيز أن يكون مع أحد النقدين أو مع كل واحد منهما غير نوعه، أو سلعة، لأن ذلك يوهم القصد إلى التفاضل، ولهذا منع الدينار والدرهم بالدينار والدرهم.
فرع: فإن كان المبيع حليًا مختلطًا فله حالتان:
إحداهما: أن يكون الاختلاط من النقدين، كالمختلط من ذهب وورق. إما على مذهب من أجاز ذلك في السيف والمصحف، وإما أن يكون من حلي النساء فله صورتان: إحداهما أن لا يكون أحد الصنفين تبعًا، فلا يجوز بيعه بالعين. حكى بعض المتأخرين: أنه لا يختلف المذهب في ذلك.
الصورة الثانية: أن يكون أحدهما تبعًا، فلا يجوز البيع بنصف الأكثر، وهل يجوز بنصف التبع؟ في الكتاب قولان:
المنع، لأن التساوي لم يحصل وإلحاقًا له بحكم المتميز. والجواز نظرًا إلى أن الأتباع تعطى حكم المتبوعات.
فرع ثان مرتب على ما قبله، وهو:
هل تعتبر اليسارة في القيمة أو في الوزن؟ قولان: والنظر إلى القيمة لأنها المقصودة.
وإلى الوزن لأنه المعتبر في جوهر النقدين. قال بعض المتأخرين: والصحيح الأول.
الحالة الثانية: أن يكون الاختلاط بين أحد النقدين وبين غيرهما من السلع، كالسيف المحلى بفضة يباع بفضة. ولا يخلو أن تكون فضته تبعًا أو نصله. فإن كانت فضته تبعًا
[ ٢ / ٦٤٦ ]
فالمشهور أنه جائز. ومنعه محمد بن عبد الحكم.
والقولان على (الخلاف) في الأتباع: هل تعطى حكم متبوعاتها أم لا؟
فروع أربعة: أحدها: إنا إذا أجزنا البيع، فهل يجوز التأجيل؟ قولان:
المنع، وهو المشهور، وهو على إعطاء التبع قسطًا من الثمن. والجواز، وهو رأي سحنون، فلم يعطه قسطًا من الثمن.
ثم إذا منعنا، فهل منع تحريم أو كراهة؟ قولان: وفي الكتاب: «التحريم». وعند محمد: الكراهة، وهو حكم بالجواز لكن راعى الخلاف.
الفرع الثاني: أن يكون النصل تبعًا للحلية، فهذا لا يجوز أن يباع بنصف ما فيه.
فإن بيع: فهل يفوت بما يفوت به البيع الفاسد؟ قولان: والمشهور فواته بذلك.
ورأى سحنون: أنه لا يفوت بشيء، وتنقض فيه البياعات، وترد مع فوات عينه قيمة عروضه ووزن فضته. وهذا أصله في البيع الحرام المتفق على تحريمه (لأنه) لا يفوت بشيء وتنقض فيه البياعات.
الفرع الثالث: أن تكون الحلية مختلطة من الذهب والفضة على الوجه المتقدم، فهذا يجري على ما تقدم في المختلط، ولا سلعة معه، وأحرى ها هنا بالمنع لزيادة السلعة إلا أن يكون جميع ذلك تبعًا للعروض، فأحرى بالجواز.
الفرع الرابع: حكم الثياب تكون فيها الأعلام، وهي على قسمين:
أحدهما: ما تخرج منه عين عند السبك، وهذا بمنزلة المحلى، فيجري على حكمه.
والقسم الثاني: ما لا يخرج منه شيء.
قال بعض المتأخرين: وهذا هو المنطار. وقد تردد أبو الحسن اللخمي في حكمه: هل يلغى لأنه لا تحصل منه عين، أو يلتفت إليه لأن المقصود الذهب. ذكر غير أبي الحسن اللخمي عن المتأخرين قولين، وسببهما ما تقدم.
قال بعض المتأخرين عقيب الكلام في هذه المسألة: وقد كنت سألت بعض أشياخي عن
[ ٢ / ٦٤٧ ]
حكم السكة الجارية ببعض مدن إفريقية: هل تكون بمنزلة المختلط، فيختلف: هل تباع بالأقل؟ وهل ينظر إلى الوزن أو القيمة؟
قال: فكان جوابه عن هذا أنها بخلاف المختلط، لأن ذلك يقصد ذهبه وفضته جميعًا، والمسكوك إنما يقصد ذهبه لا غير.
ثم قال: وهذه شهادة وأظنها لا تطرد فإن هناك ذهبًا يسمى اللواتية يقصد ذهبه وفضته.
قال: وأما ما لا يخرج منه شيء، فلا شك أنه كالمنطار.
ولنختم هذا الركن بذكر خمس مسائل:
إحداهما: هل يمنع الاختلاط بالغش من جواز بيع الشيء بصنفه؟ وفيه قولان:
حكى الشيخ أبو إسحاق: المنع. قال بعض المتأخرين: ومقتضى الروايات الجواز.
وسبب الخلاف: النظر إلى صورة المماثلة، والحكم للغش بأنه تبع، فيطرح، أو ينظر إلى الحاصل من المغشوش، وهو دون ما في مقابلته، فيقع التفاضل.
ولا يمكن أن يقال: ينظر إلى قدر الخالص فتقع المعاملة بمثله، إذ الغش سلعة وقد لا تتحصل حقيقة الخارج، فيبطل التماثل من كل وجه.
فرع: وحكم المغشوش أن يكسر متى خيف المعاملة به. وإن لم يذهب الخوف كسره، فيبالغ في إذهاب ذلك. وإن لم يحصل إلا بالسبك سبك وأخرج خالصه.
المسألة الثانية: حكم المسافر يأتي إلى دار الضرب بتبر وهو مضطر إلى الرحيل وخائف من المطل. فهل يجوز أن يدفع فضة أو ذهبًا ويأخذ وزن ذلك من صنفه مسكوكًا، ويدفع الأجرة؟ قولان: الجواز والمنع.
وقال أشهب في كتاب محمد: قال مالك: وهذا إنما كان حين كانت الذهب لا تنقش والسكة واحدة. وأما اليوم فلا، قد صار في كل بلد سكة يضربون فيها فليعطه جعله، وليضرب له ذهبه. وقال محمد: لما اتسع الناس بالضرب وزالت الضرورة لم تجز.
وينخرط في هذا السلك مسألة دار الإسقالة وهي المعاصر: يأتيها من معه زيتون، فيقدر قدر ما يخرج فيأخذه زيتًا ويعيطهم الأجرة.
ومسألة السفاتج وهي سلف الخائف من غرر الطريق، يعطى بموضع ويأخذ حيث يكون متاع الآخذ، فينتفع الدافع والقابض.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
ومسألة السلف طعامًا مسوسًا في الشدة يأخذ جديدًا عند الرخص. وفي معناه مسف الأخضر يأخذ يابسًا. والكل بشرط، وفي (كل) ذلك قولان.
ولا يخفى ما فيها من مخالفة الأصول وحصول الربا، ومنفعة الدافع، لكنها ضرورات.
وسبب الخلاف: في جميعها القياس على الرخص، فمن قاس أجاز، لأنها بمنزلة العرايا، ومن منع لم يجز.
المسألة الثالثة: هل يطلب حكم المناجزة والمماثلة بين السيد وعبده، حتى لا يجوز له أن يرابيه؟ قولان. والمشهور: المنع. وأجازه ابن وهب.
وسبب الخلاف، النظر إلى الصورة، وهي معاملة، والربا محرم، أو النظر إلى قدرته على الانتزاع، فلا يعطى حكم المعاوضة. وهذا يلتفت أيضًا على من ملك أن يملك هل يعد مالكًا حقيقة أم لا؟
قال الأصحاب: إلا أن يكون على العبد دين فلا تجوز مراباته بلا خلاف، لتعلق حق من له الدين، فلا يقدر على الانتزاع.
المسألة الرابعة: قال مالك في الواضحة: نهى عمر الأعاجم أن يبيعوا في أسواقنا، حتى يتفقهوا في الدين.
قال مطرف وابن الماجشون: يعني من لا يعرف تحريم الربا وكراهة الصرف من غير مناجزة، والدرهم بالدرهم بالدرهم، وبيع الطعام قبل استيفائه. وشبه ذلك من كبيرات الأمور وظاهر الفقه. فأما خفيات الفقه فلم يرده.
وقال ابن القاسم في الكتاب: «إن مالكًا كره أن تكون النصارى في أسواق المسلمين لعملهم بالربا واستحلالهم له». قال: «وأرى أن يقاموا من الأسواق».
وقال أبو الحسن اللخمي (عقب) هذا الكلام: «قد تغير أمر الناس اليوم، وكثر العمل بالربا من غير النصارى، وإذا كان ذلك كذلك، وكان رجلان يعملان بالربا أحدهما مسلم والآخر نصراني كان الصرف من النصراني أخف، لأنه لو أسلم لحل له ما في يديه كان ذلك عن ربا أو عن ثمن خمر ولو تاب المسلم لم يحل له إمساك ما في يديه من ذلك».
المسألة الخامسة: النظر في اختصاص المناجزة والمماثلة بالعين، وجواز التفاضل والنساء في الفلوس، أو جريان ذلك في الفلوس وتحريم التفاضل والنساء فيها أو الكراهة
[ ٢ / ٦٤٩ ]
للمعاملة بها دون رعاية المناجزة والمماثلة. وفي المذهب ثلاث روايات: فأما الأوليان في الجريان ونفيه، فقد تقدم ذكر سببهما في أول باب الصرف.
وأما الكراهة فسببها القول بالجواز مع مراعاة الخلاف.
فرع: لو كان التعامل بالفلوس ثم قطعت، فهل يقضي فيها بالمثل، أو بالقيمة؟
المشهور المعروف من المذهب: القضاء بالمثل، وإن فسدت إذا وجدت.
وحكى بعض المتأخرين عن كتاب ابن سحنون القضاء بالقيمة. ورآه أبو إسحاق التونسي وغيره قياسًا. وهو نظر إلى كونها عادت إلى ما لا ينتفع به إلا منفعة لا كبير فائدة فيها، وقد دخلا على المنفعة، فالعدل القضاء بالقيمة، واختلاف الأحوال كاختلاف الأعيان في هذا.
ونظر في المشهور إلى الأصول، وهي تقتضي القضاء بالمثل فيما يوجد مثله.
فرع مرتب عليه: قال الأصحاب: فلو انقطعت فلم توجد، فله قيمتها يوم انقطعت إذا كان الدين حالًا. وإن كان إلى أجل، فيوم حلوله أن انقطعت قبله إذا لم يتوجه قبل الحلول طلب، ولو آخره بعد الحلول كانت القيمة يوم الحلول.
ورأى بعض المتأخرين أنه إنما ينبغي أن تجب القيمة ها هنا يوم القضاء لا يوم توجه الطلب.
الركن الثالث: فيما يخص المراطلة والمبادلة وحكم الاقتضاء
فأما المراطلة فتجوز في سائر الأصناف، وإن اختلفت أشخاصها، كما إذا كان المسكوك في مقابلة المصوغ، وأو أحدهما في مقابلة المكسور أو التبر. وهل تعتبر فيها السكة والصياغة؟
ثلاثة أقوال:
* الاعتبار كما في الاقتضاء، لأنهما مقصودتان.
* ونفيه، لأن المقصود تساوي الوزن، إذ هو المعتبر في الحديث. ولا تعتبر السكة ولا الصياغة، ولو اعتبرنا لكانتا كسلعتين ضمتا إلى العين فيجب المنع. وهذا لم يقله أحد.
والتفرقة، فتعتبر الصياغة لأنها صناعة مقصودة، ولا تعتبر السكة لأنها علامة، وهي كالختم في العين.
ثم المراطلة لا تخلو من حالتين.
[ ٢ / ٦٥٠ ]
إحداهما: أن تتحد أشخاصها، مثل أن يكون كل واحد من العوضين ذهبًا واحدًا، فهذا تجوز فيه المراطلة مطلقًا، إلا أن يكون مسكوكًا في مقابلة مصوغ، فيجري على ما تقدم من النظر إلى مراعاة السكة والصياغة أو أطراحهما، فإن راعيناهما امتنع التساوي إلا أن يكون الفضل في طرف واحد وتتساوى الكفتان، وإن لم نراع ذلك نظرنا إلى عدم الغش فأجزنا على ما تقدم.
الحالة الثانية: أن تختلف أشخاص العين، فذلك في مقصودنا ثلاث صور:
إحداها: أن يكون الجيد كله في جهة، فهذا تجوز فيه المراطلة قولًا واحدًا.
والثانية: أن يكون أحد الذهبين مثلًا أفضل من المنفرد والثاني أدنى، فهذا يمنع المراطلة قولًا واحدًا، لأنه قد اغتفرت رداءة الرديء لجودة الجيد، فخرج عن باب المساواة، وقدر ذلك بأن أحدهما زاد في مراطلة الجيد ونقص من مراطلة الرديء.
والصورة الثالثة: (أن يكون المنفرد مساويًا لأحد المختلطين والآخر أدون منه أو أجود، ففيه خلاف: الجواز لابن القاسم لأن الفضل في جهة واحدة.
والمنع لسحنون حماية للذريعة، وتوهما لقصد الزيادة للجيد، أو النقص للرديء، ولولا قصد ذلك لم يخلط بل يراطل المخالط ويبقى المساوي لنفسه.
فروع ثلاثة: أحدها: أن ما تقدم من الخلاف في مراعاة السكة والصياغة، هل يختص باتحاد العوضين أو يجري مع الاختلاط؟ قولان للمتأخرين.
قال بعضهم: «والظاهر أنه لا يجري لوجود القصد إليه، فيتفق على اعتبارهما مع الاختلاط، ويختص الخلاف بالانفراد».
الفرع الثاني: المراطلة بالمسكوك قبل أن يعلم وزنه. وللمتأخرين في ذلك قولان:
المنع لأنه من باب الجزاف. والجواز لأن التساوي حاصل. وأجرى القاضي أبو الوليد هذا على الخلاف في جواز بيعها جزافًا.
قال بعض المتأخرين: وقد يكون اختلاف المتأخرين في هذا مبنيًا على حالين. فإن كان التعامل بها عددًا لم يجز، وإن كان وزنًا جاز.
[ ٢ / ٦٥١ ]
الفرع الثالث: أن يكون المتراطلان شريكين في حلي أو نقره، فيبيع أحدهما حصته بمثل وزنها من صنفها، فقولان: الجواز والمنع، وعلل المنع بأن الكسر يقتضي تحيفًا، وإن قل فلا تقع المساواة. وعلل أيضًا بأن المراطلة يطلب فيها أن يكون كل واحد من العوضين في كفه.
(قال بعض المتأخرين: وعلى هذا لا يجوز أن يتراطلا بصنجة يوزن بها كل واحد من العوضين ويلزم عليه أن لا تجوز مراطلة ما في الذمة إلا أن تجعل قضاء.
قال: وهذا هو مقتضى لفظ المراطلة. وهذه الصورة التي ذكرها في المراطلة بصنجة يوزن بها كل واحد من العوضين قد ذكر الإمام أبو عبد الله أنها اختيار بعض المتأخرين من شيوخه، قال الإمام: «وهو احتياط منه على التحفظ من الربا، وحسم مادة الشكوك في التفاضل لأن الميزان قد (يكون) لا يتساوى الوزن في كفتيه جميعًا (كما يشاهد) في بعض الموازين، فبين الإمام أن اختيار هذه الصورة احتياط للتساوي، كما أن اختيار الصفة الأخرى احتياط للتناجز».
وأما المبادلة فتختص بالمسكوكين، ويطلب أيضًا فيهما التساوي، إلا أنهم أجازوا أن يبدل اليسير بأوزان منه إذا كان القصد المعروف والتعامل بالعدد. ولذلك ثلاث صور:
إحداهما: أن يكون الأنقص أجود، فهذا لا يجوز قولًا واحدًا لخروجه عن باب المعروف.
والثانية: أن تتساوى السكتان، فيجوز قولًا واحدًا أيضًا لأن الفضل في أحد الطرفين.
والثالثة: أن يكون الأرجح أفضل، فقولان: الجواز لابن القاسم، وهو الأصل لأنه أبلغ في المعروف. والمنع لمالك، وعلل بوجهين: أحدهما ما قاله الشيخ أبو الحسن من أن الشرع منع جواز التفاضل بين الذهبين، فحصل الاتفاق على جواز بدل الناقص بالوازن من سكة واحدة، وبقي ما سواه على أصله. قال الإمام أبو عبد الله: وهذا يقوى على القول بمنع القياس على الرخص.
الثاني ما قاله (أبو الطيب بن خلدون من أن السكك يختلف نفاتها عند الناس، فتنفق مرة سكة ومرة غيرها. فمن التفت إلى الحال أجاز، ومن التفت إلى المآل منع).
[ ٢ / ٦٥٢ ]
وهذا سبب منع اقتضاء السمراء من المحمولة، واقتضاء القمح من الشعير إذا كان ذلك قبل الأجل وهو من قرض.
فرعان: الأول: في مقدار ما يجوز ذلك فيه في المبادلة. أما الثالثة فيجوز قولًا واحدًا، كما يمنع ما فوق الستة قولًا واحدًا أيضًا. وأما ما بين ذلك ففيه قولان: المنع والجواز، وهما خلاف في شهادة باليسارة.
الفرع الثاني: في مقدار ما يغتفر من النقص، وأبلغ ما قيل فيه: السدس في كل دينار، وقيل: الدانقان، وهو خلاف في شهادة أيضًا.
وأما الاقتضاء فنعقد له أصولًا ونذكر ألفاظًا استعملها أهل المذهب في النقدين تختلف أحكامها.
فأما أصول الاقتضاء، فنقول: إن الأمة أجمعت على جواز القرض وإن كان مخالفًا للأصول في أن المقرض شيئًا لا يعلم هل يرجع إليه عين شيئه أو مثله، إلى غير ذلك من عدم التناجز، وسننبه عليه عند الكلام على أحكام القرض. والذي نذكره الآن أن القضاء لا يخلو من أن يكون قبل الأجل أو عنده، وفي معناه مع بعد الأجل. ولا يخلو من أن يكون القضاء أكثر أو أقل أو مساويًا. والكثرة لا تخلو من أن تكون في المقدار أو في الصفة. فإن قضى مساويًا أو أفضل صفة جاز مطلقًا، وإن قضى أفضل مقدار فقد اختلف المذهب في ذلك على ثلاثة أقوال:
١ - المنع، إلا في اليسير جدًا، وهو مذهب الكتاب.
٢ - والجواز على الإطلاق، وهو (رأي) عيسى بن دينار وابن حبيب.
٣ - والجواز ما لم يكثر، وهو رأي أشهب.
وسبب الخلاف: القيا سعلى الرخص إذ ثبت عن النبي ﷺ أنه قضى جملًا عن بكر.
ووقع الإجماع على جواز الأفضل في الصفة. فمن استعمل القياس عليها أجاز، ومن لم يستعمله منع إلا في اليسير، لأن ما قارب الشيء أعطي حكمه، والتفرقة مراعاة للخلاف. فمن قضى أقل منه قبل الأجل منع، لأنه: ضع وتعجل.
ويستوي في ذلك النقص في الصفة وفي المقدار، ويجوز بعد الحلول مطلقًا. هذا حكم القرض.
فإن كان العين في الذمة من بيع فهو كالقرض إلا في قضاء الأكثر مقدارًا فإنه جائز مطلقًا.
هذا إذا كان الفضل في إحدى الجهتين.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
فإن دار من الطرفين منع قولًا واحدًا، إذ خرج من باب المكارمة إلى باب المكايسة.
وأما الألفاظ فهي قولهم: القائمة، وهي الدنانير التي تزيد آحادها في الوزن.
وقولهم: الفرادى، وهي التي تنقص. وقولهم: المجموعة، هي المجموع من ذهوب، ومن وازن وناقص. فللقائمة فضل الوزن والعيون. وللمجموعة فضل العدد ونقض الصفة.
وللفرادى نقص الوزن، وقد تكون خالصة أو دون ذلك.
ومن استعمالهم أيضًا الدراهم السود، وقد جعلها في بعض الروايات أفضل من البيض، وفي بعضها بالعكس، ومنها المحمدية واليزيدية، والمحمدية أفضل. ويتم المقصود من هذا النوع بفصلين.
أحدهما: في تنزيل اقتضاء بعض هذه السكك من بعض على الأصول التي تقررت، وقد منع في الكتاب اقتضاء المجموعة من القائمة والفرادى وأجاز اقتضاء القائمة منهما، وأجاز أيضًا اقتضاء الفرادى من القائمة دون المجموعة.
ووجه تنزيل هذا على ما تقدم من الأصول: أن المجموعة إذا اقتضيت من القائمة قابلت فضيلتا الوزن، والجودة فضيلة العدد، وكذلك في اقتضائهما من الفرادى تقابل فضيلة الجودة فضيلة العدد.
وأما اقتضاء القائمة من الفرادى، فإن فضيلة الوزن انفردت من مقابل لها.
وكذلك في اقتضائهما منها.
وأما اقتضاء الفرادى من المجموعة فلمقابلة فضيلة الجودة لفضيلة الوزن.
وأما اقتضاء القائمة من المجموعة فكان مقتضى ما علل به منع اقتضاء المجموعة منهما من مقابلة فضيلتي الجودة والوزن لفضيلة العدد المنع، لكن ما كانت المجموعة هي الثابتة في الذمة والاعتبار فيها بالوزن سقط اعتبار العدد، فتجردت فضيلنا الجودة والوزن عن مقابل لهما، فجاز الاقتضاء.
الفصل الثاني: في اعتبار السكة والصياغة في الاقتضاء
وقد قال الشيخ أبو الطاهر: لا خلاف في المذهب أن السكة والصياغة معتبرتان في الاقتضاء.
ثم حكى عن أبي الحسن اللخمي أنه يجري ذلك على قولين: إذ أجرى الخلاف في الاقتضاء: هل بابه باب المراطلة أم لا؟، وعول على روايات منها قولهم: إذا أسلف قائمة
[ ٢ / ٦٥٤ ]
بمعيار، أو باع بقائمة وزنها كذا، فإنه يجوز أن يقتضي مجموعة بمثل ذلك الوزن، وإن كانت أكثر عددًا. قال: وهذا أحد القولين أن الاقتضاء كالمراطلة.
قال الشيخ أبو الطاهر: وليس كما ظنه، الأصل أن العدد إنما يعتبر إذا لم يكن التعامل بالوزن. وإن تعاملا بالوزن فالعدد مطرح. هذا تمام باب الصرف، وقد نجز بنجاز أركانه.
النوع الثاني: في بيان أحكام الربا في المطعومات. والكلام فيه يتعلق بأطراف:
الطرف الأول: فيما يجري فيه الربا من الأطعمة.
وهو كل ما تحققت فيه علته. وقد اختلف أهل المذهب في أن الأعيان الأربعة المنصوص عليها هل تنفرد كل عين منها بعلة تختص بها، ويلحق بها ما شاركها فيها، أو تشترك كلها في علة متحدة شاملة لجميعها.
فأما من قال باختصاص كل عين بعلة، فقال: علة البر الاقتيات مع التوسع، علة الشعير الاقتيات مع ضيق الحال، وعلة التمر التفكه، وفيه معنى القوت، وعلة الملح إصلاح الأقوات، وهو أيضًا كالأدام فيها، فإن الخبز واللحم إذا لم يكن فيهما ملح نافرتهما الطباع. وهذه العل الأربع لا تنفك عن الإدخار.
وأما القائلون باتحاد العلة فإنهم اختلفوا في تحقيقها. فمنهم من قال: هي الاقتيات، وهو اختيار القاضي أبو إسحاق. ومنهم من قال: هي الإدخار. ومنهم من جمع بين الوصفين فاعتبر مجموعهما. قال بعض المتأخرين: وهذا هو المعول عليه في المذهب.
وأضاف القاضيان أبو الحسن وأبو محمد إليهما وصفًا ثالثًا، وهو كونه متخذًا للعيش غالبًا.
وأنكر أبو الحسن اللخمي هذا، وقال: «إنما يحسن هذا التعليل لوجوب الزكاة، فإنها متعلقة بما هو أصل في العيش غالبًا، ولهذا لم يوجبها في الجوز واللوز، وإن كان يحرم فيهما الربا، لأنهما وإن ادخرًا فلا يدخران لأنهما أصل في العيش غالبًا». وأنكر أيضًا تعليل التمر بكونه متفكهًا به لأجل أنه كان في زمن رسول الله ﷺ قوتًا.
هذا تخليص طريق الأصحاب في تحقيق علة الربا، فيجري حكم الأطعمة على اختلافهم في تحقيق العلة.
وينقسم الطعام بحسب ذلك ثلاثة أقسام: قسم اتفق أهل المذهب على أنه ربوي، وهو ما اجتمع فيه الأوصاف الثلاثة فكان مقتاتًا مدخرًا متخذًا للعيش غالبًا، كالحنطة والشعير والسلت
[ ٢ / ٦٥٥ ]
والعلس والأرز والدخن والذرة والقطاني والتمر والزبيب واللحم والملح إلى ما في معنى ذلك.
وقسم اتفق على أنه ليس بربوي لخلوه عن جملة الأوصاف المذكورة، فليس متخذًا للعيش غالبًا ولا مدخرًا ولا مقتاتًا، وهذا كالبقول مثل الخس والهنديا) والقطف، وما أشبه ذلك، كالفواكه التي لا تقتات ولا تدخر.
وقسم اختلف فيه لاتصافه ببعض الأوصاف المذكورة وخلوه عن بعض، الجوز واللوز والفستق والبندق، وغيرها مما يدخر من الفواكه ولا يقتات. فمن اعتبر مجرد الادخار أجرى فيها الربا، ومن اعتبر الادخار (والاقتيات) لم يجره فيها.
(قال الشيخ أبو الطاهر: «وينخرط في سلك هذا الاختلال أيضًا الفواكه التي تدخر في قطر دون قطر كالخوخ والرمان والإجاص والكمثري والموز ونحوها».
قال الإمام أبو عبد الله: «ورما كان سبب هذا الاختلاف منازعة في المختلف فيه هل هو مما يدخر، أو لماذا يدخر هل للدواء وما في معناه أو للأكل والائتدام».
قال: «والنكتة التي تدور عليها فروع هذا الباب هي اعتبار الغرض في مقتضى العادة في الطعام هل يدخر للدواء والعلاج أو للاقتيات والأدم وإصلاح القوت».
فروع: من هذا القسم. الأول: في البيض. والمشهور من المذهب كونه ربويًا. وعند الشيخ أبي إسحاق قولان.
وروى أبو الحسن اللخمي: «أن كونه ربويًا أبين، لأنه مما يدخر، وإنما يسرع إليه التغير في بعض أزمنة الصيف».
قال الشيخ أبو الطاهر: «وهذا يقتضي كون الخلاف عنده على النظر إلى ما يدخر في قطر دون قطر أو في زمن دون زمن، وليس كذلك بل الخلاف على أن العلة هي الإدخار للأكل،
[ ٢ / ٦٥٦ ]
فيكون هذا ربويًا، أو للقوت فلا يكون ربويًا».
الفرع الثاني: في اللبن. قال الشيخ أبو الطاهر: «ولم يختلف (أهل) المذهب في كون اللبن ربويًا على اختلاف أصانفه، وهو إن كان لا يدخر على حالته فإنه يستخرج منه ما يدخر كالسمن والجبن».
وقال أبو الحسن اللخمي: «يختلف في بيع المخض بالمخيض والمضروب بالمضروب متفاضلًا، لأنهما لا يدخران. فمن منع التفاضل بينهما منع أن يباع شيء منه بحليب أو سمن أو زبد أو ما في معناه لأنه كالرطب باليابس. ومن أجاز التفاضل أجاز بيعه بأي ذلك أحب من الحليب وغيره».
قال: «وقال مالك في المدونة: «لا بأس بالسمن» باللبن الذي قد أخرج زبده».
وهذا لا يصح إلا على القول بأن التفاضل بينهما جائز، لأنه كالرطب باليابس، وأرى أن يجوز التفاضل في المخيض والمضروب، لأنه مما لا يدخر».
ومن مع (من) ذلك حمله على الأصل.
قال الشيخ أبو الطاهر: «وهذا الذي ذكره وما عول عليه من المدونة فيه نظر، لأنه لا خلاف في المذهب أن لبن الإبل ربوي، وإن كان لا يدخر، ولا يستخرج منه ما يدخر للإقتيات (أو) للأكل وليس ذلك إلا لأنه مقتات، وهو غالب أقوات الأعراب الذين خوطبوا بمبتدأ الشرع».
والمخيض والمضروب فيه نوع من هذا المعنى. ولعل إجازته في الكتاب اللبن الذي قد أخرج زبده بالسمن بناء على أن السمن نقلته الصنعة والنار فصار كجنس ثان، وإذا احتمل ذلك فكيف لا يصح إلا على القول بجواز التفاضل؟
الفرع الثالث: في جريان الربا في الماء:
قال الإمام أبو عبد الله: لا ربا فيه عندنا، هذا هو المعروف من مذهبنا. قال: «وذكر
[ ٢ / ٦٥٧ ]
القاضي أبو محمد: أن رواية ابن نافع بأن بيع الماء بالطعام إلى أجل لا يجوز، يخرج منها إثبات الربا فيه».
قال: «وهذا التخريج فيه نظر، فإن من المطعومات ما يحرم بيعه بالطعام إلى أجل، ويحرم بيعه قبل قبضه كالفاكهة التي لا تقتات ولا تدخر، ومع هذا المنع يجوز الربا فيها».
قال: «فإن قلنا بتصحيح تخريج القاضي أبي محمد، وأثبتنا الربا فيه، فيبعث دار بدار، وفي كل دار منهما بئر حلوة، أو كان فيها عينان كذلك، فإن قلنا بأن الأتباع مقصودة في العقود منعنا هذا البيع، وإن قلنا: إن الأتباع لا حصة لها من الثمن، وإنها غير مقصودة في العقود جاز البيع وإن كان فيه الربا، لكون الماءين تبعًا في الدارين».
فرع من القسم الأول: وهو حكم العنب الذي لا يجف زبيبًا، والرطب الذي لا يثمر، والتين الذي لا ييبس.
وفي إجراء الربا (فيها) قولان، سببهما النظر إلى أنها أنواع من أجناس الغالب إدخارها، فتعطى أحكام أجناسها، أو النظر إليها في أنفسها، وهي لا تدخر فتعطي أحكام أنفسها. والنظران على مراعاة النوادر.
ومما يعد من القسم الثالث التوابل: وفي جريا الربا فيها وعدمه قولان، لابن القاسم وأصبغ. فابن القاسم نظر إلى أنها مصلحة للقوت. وعلل أصبغ بأنها أكثر ما تستعمل على وجه التداوي.
وأما البصل والثوم فمخالفان للبقول: إذ الغالب فيهما اليبس والادخار، فلا يجوز التفاضل، لا في رطبها ولا في يابسها.
قال بعض المتأخرين: وبالجملة فالرجوع في هذا الفصل إلى العوائد، وحق المفتي أن يحيل في كل نازلة على أرباب العوائد، وإن حكم في شيء مطلقًا خرج عن باب الفتوى إلى باب، الشهادات.
الطرف الثاني: في طريق الممثلة.
وهي في الحبوب الجافة، ما اعتبره فيها من كيل (أو) وزن، وما لم يكن له فيه منها اعتبار اعتبر فيه العادة العامة إن كانت. فإن اختلفت العوائد فيه قدر بعادة أهل بلدة، ولا يخرج عن العادة، فإن جرت العادة فيه بالوجهين قدر بأحدهما أيهما كان.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
فرع: اختلف في بيع القمح بالدقيق، فقيل بالجواز مطلقًا، وقيل بنفيه كذلك: وقيل بجوازه بالوزن لا بالكيل.
ومثار الخلاف: النظر إلى التساوي وقد وجد، أو النظر إلى أن الدقيق له تخلخل، والقمح أزيد منه.
وأما التفرقة فبناء على أن الوزن يؤمن من الزيادة بخلاف الكيل. وبعض المتأخرين يرى أن هذا تفسير القولين ويجعل المذهب على قول واحد.
وبعضهم ينكر ذلك ويقول: هذه التفرقة قد توقع في جهالة إذا كانت العادة فيهما الكيل دون الوزن. فإن كانت العادة جارية فيهما بهما صح هذا القول.
والمحاذرة عند الجميع من الخروج عن العادة لأنه انتقال من العلم إلى الجهالة، والجهالة حالة العقد بالمماثلة كتحقق المفاضلة. ولذلك لا يجوز بيع صبرة بصبرة جزافًا، وإن خرجتا متساويتين، ولا بيع مد ودرهم بمد ودرهم، لأن حقيقة المماثلة غير معلومة إذ لو وزع ما في أحد الجانبين على ما في الجانب الآخر باعتبار القيمة أفضى إلى المفاضلة.
واختلف في فرعين: أحدهما: مد قمح ومد دقيق بمدي قمح أو بمدي دقيق، فالمشهور المنع. وأجازه محمد.
وسبب الخلاف: هل يعد الدقيق كذهب مع ذهب أو كفضة أو سلعة مع ذهب؟
ولهذا شرط محمد في الإجازة أن يكون الفضل في أحد الجانبين كما تقدم في المراطلة بذهب مختلط. وكذلك الخلاف لو كان قمح ودقيق بقمح ودقيق.
الفرع الثاني: مد قمح ومد شعير بمدي قمح أو بمدي شعير.
والخلاف فيهما على ما تقدم. وأحرى ها هنا بالمنع كما صار إليه في المشهور، لأن الشعير كالنصف الآخر، والخلاف في عده صنفًا قائمًا بنفسه أشهر منه في عد الدقيق صنفًا قائمًا بنفسه.
قال بعض المتأخرين: ولهذا لم يذكروا خلافًا إذا كان مد قمح ومد شعير بمد قمح ومد شعير، بل منعوا.
فروع في التحري: الأول حيث فقدنا الميزان فيما يقدر بالوزن جاز التحري فيه إذا كان يسيرًا.
وقيل: لا يجوز كالكثير على المنصوص.
واستقر الشيخ أبو الوليد جوازه في الكثير من جواز الشاة بالشاة مذبوحتين.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
وحكى بعض المتأخرين جواز التحري مطلقًا من غير تقيد بوزن ولا يسارة، وهو بعيد جدًا.
الفرع الثاني: وهو مرتب هو مما بعده من الأول:
وهو أن اللحوم متى تحريت أو وزنت، وبيع بعضها ببعض، فهل تعتبر نقية من العظم فيتحرى ما فيها منه حتى يسقط أو لا يلتفت إلى ذلك؟ قولان:
المشهور: نفي الالتفات إليه، لأنه موجود في أصل الخلقة، وبه قوام اللحم، فأشبه النوى في التمر.
والقول الثاني أنه شيء غير مقصود وهو مزال، فترك النظر فيه يؤدي إلى التفاضل. ذكره ذلك الشيخ أبو إسحاق.
(الفرع) الثالث: من سلكه. وهو أن البيض إذا قلنا بأنه ربوي، فأجزنا بيع بعضه ببعض تحريًا، فإن كان فيه بيض نعام فهل تتحرى ويسقط قشره، حتى لا يجوز بيعه، إلا أن يستثنيه بائعه؟ قولان.
والاستثناء لأنه كسلعة مع ربوي فلا يجوز بيعه وهي معه بصنفه. ونفى الاستثناء، لأنه غير مستقبل إلا بالقشر، ولا يمكن بقاؤه مفردًا، فهو من ضرورته، فيعطى حكم العدم أو حكم ما هو حافظ له.
الرابع: بيع الشاة بالشاة مذبوحتين:
وفي جواز ذلك تحريا قولان: وهما على ما تقدم من جواز التحري ومنعه، وفيه قول آخر أنه لا يجوز حتى يستثني كل واحد منهما جلد شاته، لأنه سلعة مع ربوي يقابل بمثله.
ولم يلتفت إلى هذا في القولين الأولين، لأن الجلد حافظ كما قيل في القشر، أولًا لأنه تبع، أو لأنه لحم، إذ يؤكل مسموطًا. وعلى هذا عول القاضي أبو الوليد.
الخامس: بيع الخبز بالخبز، ورطوبتهما مختلفة. وقد أجازوه تحريًا. واختلف في الذي يتحرى فيه:
فرواية المتقدمين تحري دقيقه. وقال بعض المتأخرين: إنما يتحرى الدقيق إذا كان الخبزان مما لا يجوز فيه التفاضل، فأما إن كان مما يجوز التفاضل بينهما كالقمح والذرة مثلًا، فلا يلتفت إلى الدقيق، ولكن تحرى الرطوبة في الخبز.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
ورأى الشيخ أبو الوليد أن النظر إلى تماثل الخبز في نفسه وزنًا دون الالتفات إلى تحري الدقيق.
السادس: إذا قلنا بأن الألوان كلها صنف واحد على ما سيأتي الخلاف فيه، فبيع بعضها ببعض، فهل يعتبر اللحم فيتحرى أو يعتر هو والمرقة؟ قولان للمتأخرين.
ورأى بعضهم أن اعتبار المرق يخرج على الاختلاف في الأتباع هل تعطى أحكام أنفسها (أو أحكام) متبوعاتها؟. قال غيره: وهذه شهادة بأن الأمراق تابعة.
الطرف الثالث: في الحالة التي تعتبر المماثلة فيها.
وقد سئل رسول الله ﷺ عن بيع الرطب بالتمر؟ فقال: «أينقص الرطب إذا جف؟ فقيل: نعم. فقال: فلا إذن».
فقد نبه ﷺ على اعتبار حالة الكمال. فإذا كان المبيع لا يقع فيه التماثل عندها منع بيعه بكامل.
وعلى هذا نقول: لا يخلو الرطب من أن تكون رطوبته أصلية، وله كمال بعدها هو المقصود من نوعه، أو يكون كماله المقصود هو حال الرطوبة، وجفافه إنما يراد لمعنى آخر أو تكون رطوبة طارئة بعد الكمال. فهذه ثلاثة أقسام.
أما القسم الأول: فلا يجوز بيعه (بكامل)، وقد نص في الحديث على منع بيع الرطب بالتمر ويلحق به ما في معناه من الفواكه والحبوب.
ولمنعه سببان: توقع الربا، كما نبه عليه [النبي ﷺ] في الحديث، والمزابنة، وهي تجري في الربوي وغيره.
وهل يجوز الرطب بالرطب؟
أجازه في المشهور نظرًا إلى الحال وهو مقصود. ومنع ابن الماجشون التفاتًا إلى حال الكمال.
قال بعض المتأخرين، وكأنه (يرى) أن الرطوبة ماء إنضاف إلى التمر، وهو غير متساو
[ ٢ / ٦٦١ ]
في الرطبين، وإذا لم يحصل متساويًا كان ذلك ربا في التمر.
فروع: أحدها: بيع الحليب بالحليب. والمشهور: جوازه كالرطب بالرطب.
وحكى القاضي أبو الفرج رواية بالمنع. قال بعض المتأخرين: وهو التفات إلى ما يخرج منهما.
الثاني: إن السمن بالسمن والزبد بالزبد والجبن بالجبن، وما يتولد من اللبن كل واحد منها بصنفه جائز.
وأما الجبن بالحليب، وبالجملة كل واحد بغير صنفه، فإنه لا يجوز، لأنه من باب الرطب باليابس. والتماثل على مراعاة المآل معدوم. قال بعض المتأخرين: وينبغي أن يختلف في الزبد بالزبد، لأن بعدهما حالة يبس، وهي السمنية.
هذا حكم ما اتفقت الرطوبة فيه إذا بيع بصنفه، فأما إن اختلفت الرطوبة فإن جواز بيعه يجري على تحري المساواة على (كما) تقدم في الخبز.
الفرع الثالث: البلح الكبير.
والمشهور من المذهب إلحاقه بالربويات. ومال الشيخ أبو إسحاق إلى أنه غير ملحق بها، لأنه مما لا يدخر على حالته فأشبه الخضروات.
قال بعض المتأخرين: (وقد يجري هذا الخلاف على الخلاف فيما لا يتمر، إلا أن ذلك يلحق بغالبه، وهذا لم يحصل في حد له غالب، ويمكن أن يلحقه في المشهور بالربويات احتياطًا.
قال: وقد يكون في مبدأ البسرية، ولا خلاف في البسر أنه ربوي، وإن لم يمكن ادخاره).
القسم الثاني: أن يكون كماله حالة الرطوبة كالزيتون، فأما بيع رطبه برطبه فجائز قولًا واحدًا، إذ المقصود حاله لا مآله.
وأما بيع رطبه بيابسه على تحري النقص ففيه خلاف ينبني على أن التحري يحيط بحقيقة النقص أم لا؟ وفي سلكه ببيع اللحم باللحم، فإن كانا رطبين فهو جائز وإن كان الرطب أحدهما فعلى ما قلناه.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
قال بعض المتأخرين: إلا أن يكون الجاف إنصاف إليه من التوابل ما ألحقه بصنف آخر فسيأتي حكمه.
فرع المشهور جواز بيع الجاف بالجاف، وقال ابن حبيب: لا خير في القديد بالقديد لأن يبسه يختلف، ولا في الشواء بالشواء، لأنه لا يعتدل، ولا بيع أحدهما بالآخر.
قال بعض المتأخرين: وهذا اختلاف في شهادة بالتساوي أو بعدمه، ويختلف هل يجوز تحريًا على ما تقدم.
القسم الثالث: أن تكون الرطوبة طارئة، كالقمح المبلول مثلًا بمثله. فالمشهور المنع، لأن البلل يختلف.
وقيل بالجواز قياسًا على الرطب بالرطب.
الطرف الرابع: معرفة الجنسية.
وقد ثبت في الحديث أن اختلاف الأجناس يبيح التفاضل. فالجنشية مشترطة بلا خلاف، والمعول فيها على تشابه المنافع أو تقاربها، فإن وقع التباين والتباعد انتفى التجانس. وقد انقسمت الربويات بحسب هذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما اتفق على عده جنسًا واحدًا كأصناف الحنطة وأصناف التمر على اختلافها وأصناف الزبيب، وما أشبه هذه.
وأما اللحمان، فلحم ذوات الأربع جنس واحد، وحشيها وإنسيها، صغيرها وكبيرها.
ولحم ذوات الريش جنس واحد، داجنها وشاردها، صغيرها وكبيرها.
ودواء الماء جنس واحد. والجراد صنف رابع.
قال الإمام أبو عبد الله: «والمعروف من المذهب أن بيع بعضه ببعض متفاضلًا جائز.
وهكذا ذكر محمد عن أشهب. قال: وذكر ابن حارث عن سحنون أنه يمنع بعضه ببعض متفاضلًا. وإلى هذا مال بعض المتأخرين ورآه مما يدخر.
وأما الألبان فما يتشابه في وجود الزبد وما يعمل منه جنس وغيره مختلف فيه، يأتي بيان حكمه».
القسم الثاني: ما اتفق على أنه مختلف كالبر والتمر والزبيب والملح والشعير واللحم.
وهذا لا يخفى حكمه، ولا يحتاج إلى التطويل في تمثيله.
القسم الثالث: ما اختلف فيه نصًا أو تخريجًا، وينحصر المقصود منه برسم مسائل.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
إحداها: القمح والشعير. والمنصوص في المذهب أنهما صنف ويلحق بهما السلت. وقال الإمام أبو عبد الله: «ولا يختلف المذهب في كون القمح والشعير والسلت صنفًا واحدًا».
ورأى ابو القاسم السيوري أن القمح والشعير جنسان. ووافقه على ذلك بعض من تأخر عنه تمسكًا بحديث عبادة بن الصامت. ورأوا أيضًا أن المنفعة متباعدة.
وتمسك أهل المذهب بما روي في الموطأ أن سعد بن أبي وقاص فني علف حماره، فقال لغلامه: «خذ من حنطة أهلك فابتع بها شعيرًا، ولا تأخذ إلا مثله».
وعن عبد الرحمن بن الأسود ومعيقب الدوسي مثله. وروى مسلم عن معمر بن عبد الله أنه أرسل غلامه بصاع قمح فقال: «بعه، ثم اشتر به شعيرًا. فذهب الغلام فأخذ به صاعًا وزيادة بعض صاع. فما جاء معمرًا أخبره بذلك، فقال له معمر: لم فعلت ذلك؟ انطلق فرده، ولا تأخذ إلا مثل بمثل».
وهذا دليل على أن الأمر كان عندهم فاشيًا بأنهما جنس واحد.
وأما حديث عبادة فقال القاضي أبو الوليد: «ليس بالثابت». ثم إن صح سنده ففيه وهن الانفراد إذ أكثر الطرق عارية عنه.
وأما ما ذكروه من تباعد المنفعة فنظر منهم إلى الرفاهية الحاصلة بالحنطة، وهي غير مقصودة قصدًا شرعيًا، إنما المقصود من الصنفين الاقتيات.
وتكلم مالك ﵀ على عادة أهل الحجاز، لأن الأحكام عليهم أنزلت أولًا، والناس
[ ٢ / ٦٦٤ ]
تبع لهم، فيها فينبغي أن يلتفت إلى عوائدهم، ومطلوبهم القوتية من الجميع.
المسألة الثانية:
إذا ثبت أن القمح والشعير صنف واحد، فإن السلت يلحق بهما بلا خلاف منصوص في المذهب. وهل يلحق بهما العلس، وهو الاشقالية، وهو حب إلى الاستطالة مصوف عليه زغب، بين القمح والشعير في الصفة؟
ظاهر المذهب أنه غير ملحق بها، وألحقه في كتاب ابن حبيب بها.
الثالثة: الأرز والذرة والدخن:
والمشهور أنها لا تلحق بالقمح والشعير وما معهما. وألحقها ابن وهب بها.
وسبب الخلاف: النظر إلى التباين في الخلقة والمنفعة أو إلى أن العادة اختيارها للقوت.
فرع: إذا قلنا: إنها لا تلحق بها فهل تكون جنسًا واحدًا أو أجناسًا؟.
المشهور أنها أجناس. وألزم المتأخرون على مذهب ابن وهب أن تكون جنسًا. ونقل القاضي أبو الوليد ذلك عنه من رواية زيد بن بشر.
الرابعة: القطاني:
وقد اختلفت (الرواية) في عدها جنسًا واحدًا أو أجناسًا، وهو خلاف في شهادة، كما تقدم.
فرع: إذا لنا: إنها أجناس، فهل ذلك جار في جميعها أو يستثني عن ذلك الحمص واللوبيا [فيعدان] جنسًا واحدًا، والبسيلة والجلبان أيضًا كذلك؟
في ذلك خلاف منشؤه التعويل على الشهادة (بالتقارب) أو التباين، وعلى ذلك أيضًا الاختلاف في الكرسنة، هل هي من القطاني أو هي صنف قائم برأسه؟
الخامسة: التوابل:
إذا قلنا بأنها ربوية، هل هي جنس أو أجناس؟ قولان. والمشهور أنها أجناس. وكذلك اختلف في الأنيسون والشمار وفي الكونين.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
(فحكى محمد عن ابن القاسم، أن الكمونين جنس، وأن الأنيسون والشمار جنس).
وقال القاضي أبو الوليد: «الأظهر عندي أن تكون أجناسًا مختلفة لاختلاف منافعها وتباين الأغراض فيها، وأنها لا تتمازج في منبت ولا محصد، ولا يجزي بعضها عن بعض في شيء ولا تتقارب في صورة، وإنما يجمع الكمونين إسم الكمون. (قال): وليس بظاهر في الكمون الأسود، لأن اسم الشونيز أظهر فيه وأكثر استعمالًا». وهذا كله راجع إلى الشهادة كما تقدم.
السادسة: أخباز القطاني:
هل هي أصناف مختلفة أو صنف واحد مع تسليم كون أصولها أصنافًا؟ قولان لابن القاسم وأشهب. وهما على الشهادة بالتباين أو التقارب.
تقرير:
نص أشهب على أن أخباز القمح والشعير والسلت والأرز وما ذكر معه (صنف)، وإن اختلفت الأصول. واختلف المتأخرون في الجاري على رأي ابن القاسم. فجعله أبو الحسن اللخمي وغيره موافقًا لأشهب لتقارب المنفعة في الأخباز. قالوا: وقد كره في العتبية خبز البر بخبز الأرز متفاضلًا. وهذا نص منه على تساوي الأخبار إذا جعلنا الكراهة بمعنى التحريم.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
وجعله غيرهم مخالفًا له، واستشهدوا بقوله في أخباز القطاني.
وقال يحيى بن عمر: قال أبو إسحاق البرقي: كل ما أصله مختلف فخبزه أيضًا مختلف تبعًا لأصله. وكل هذا جار على الشهادة كما تكرر تقريره.
السابعة: نبيذ التمر والزبيب: هل هما صنف واحد أو صنفان؟. والمشهور: أنهما صنفان تبعًا لأصولهما. وعند الشيخ أبي الفرج: أنهما صنف واحد، وهو شهادة بتقارب المنفعة.
تقريرات:
أحدها: إن المذهب على أن الأمراق واللحوم المطبوخة صنف، ولا يلتفت إلى اختلاف اللحوم، ولا إلى اختلاف ما يطبخ به.
وتعقب هذا بعض المتأخرين ورأى أن الزيرباج مثلًا مخالف للطباهجة مخالفة لا يتمارى فيها. وكذلك ما يعمل من لحم الطير مخالف لما يعمل من لحم المعز مثلًا.
الثاني: أنه (قال في كتاب محمد: الهريسة بالأرز المطبوخ لا بأس بها مثلًا بمثل، فاشترط المثلية وجعلها صنفًا واحدًا.
قال أصبغ: وهو مثل عجينها يتحرى، ولا يصلح إلا بذلك.
قال بعض المتأخرين: فإن أراد أن الهريسة عملت من الأرز فالذي قاله ظاهر على ما تقدم من الروايات، وإن أراد أنها عملت من القمح فهو بناء على أن المعمول من هذه الحبوب
[ ٢ / ٦٦٧ ]
وإن كانت أصنافًا يعد صنفًا واحدًا). وقد تقدم الكلام على أخبازها فلتجر على ذلك.
الثالث: أنه قد يصنع من الصنف الواحد ما يدخله صنعة أو معنى، فيختلف كالخبز بالكعك الذي فيه الأبزار، فقد أجازوا التفاضل بينهما. قال بعض المتأخرين: وانظر في هذا مع قولهم: إن الألوان كلها صنف.
ومقتضى هذا أن يجعلوا الكعك والخبز صنفًا واحدًا، قال وهذا مما يبين أن مبنى أقوالهم على الشهادات.
الرابع: فيما ينقل من الصنعة والطول.
قال الشيخ أبو الطاهر: «وقد اتفق أهل المذهب على أن طحن هذه الحبوب لا يخرجها عن أصولها، وكذلك العجن بعد الطحن. لأن الطحن تفريق أجزاء، والعجن إضافة. ماء فإن خبزت انتقلت فصارت كصنف ثان».
وهكذا جعلوا القلي في الحبوب. قال: وقد غمزه مالك حتى (يطحن).
وأجازه ابن القاسم، وإن كان القلي لييس بصنعة (كبيرة)، لكن قد أعده ذلك لمعنى غير ما يتخذ له اليابس، والضابط أن الصنعة متى كثرت جدًا أخرجت عن الأصل، ومتى (قلت) فهي على وجهين:
أحدهما: أن يصير المصنوع معدًا لغير ما أعد له الأصل فينتقل عن الأصل.
والآخر: أن لا يتغير بالصنعة، والمقصود الأول منه كبير تغير، (فلا) ينتقل عن الأصل.
وحيث اختلف في الشهادة بالتغيير اختلف في حكم النقل. ومن هذا يعلم أن التجفيف في اللحم بنار أو شمس لا يعد ناقلًا، وأن الطبخ أو التجفيف بإبراز يعد ناقلًا، وأن الاتخاذ من الحبوب سويقًا يعد ناقلًا. واختلف المتأخرون في الصلق على قولين: هل يعد ناقلًا أم لا؟.
وعلى قياس ما تقدم ينبغي أن يعد ناقلًا. والتفت من لم يعده ناقلًا إلى خفة الصنعة.
وقال بعض المتأخرين هو في الترمس: ناقل بطول أمده بخلاف الفول». واختلف
[ ٢ / ٦٦٨ ]
هل يكون الطول من غير صنعة منع الانتقال عن مقصود الأصل ناقلًا أم لا، وهذا كالخل بالزيت أو العنب أو التمر، والمشهور أنه ناقل. وفي ثمانية أبي زيد: أنه لا يعد ناقلًا، وراعى فيه حكم المزابنة.
ومقتضى ما تقدم عده ناقلًا، لكن نظر في القول الشاذ إلى قلة الصنعة، وأنه ليس فيه إلا تفريق أجزاء، فأشبه الدقيق.
الباب الثالث: في فساد العقد من جهة نهي الشارع [عنه]:
وعندنا أن مطلق النهي عن العقد يدل على فساده، إلا أن يقوم دليل. هكذا حكى القاضي أبو محمد عن أهل المذهب.
فمن العقود المنهي عنها: بيع الحيوان باللحم. ومحمله عندنا عن الجنس الواحد من مأكول اللحم.
قال ابن القاسم: «ولم أر عند مالك تفسير حديث النبي ﷺ في الحيوان باللحم إلا من صنف واحد لموضع الفضل والمزابنة»، وهو عام في كل حي.
وخصصه الشيخ أبو بكر والقاضيان أبو الحسن وأبو محمد بالحي الذي لا يراد إلا للذبح.
واختلف فيما لا تطول حياته ولا تدخر لمنفعة فيه إلا اللحم هل هو كالذي يقتني لمنفعة التفاتًا إلى وجود الحياة وتعلقًا بظاهر الحديث أو كاللحم؟ والأول قول أشهب، والثاني قول ابن القاسم، وهو يأخذ بالأحوط، فيجعله مع الحي كاللحم، ومع اللحم يلتفت إلى حياته،
[ ٢ / ٦٦٩ ]
وهو نظر إلى تقدير المنع على تفصيل الأوجه وهو (أصله) في تقدير التهم فمتى أمكن توجهها حكم بها.
قال بعض المتأخرين: والقولان مرويان.
وإذا فرعنا على قول ابن القاسم، فكان الحيوان مما لا منفعة فيه إلا اللحم إلا أنه تطول حياته، فهل يلحق بما لا تطول حياته مما لا منفعة فيه سوى اللحم أم لا؟ قولان.
وأما ما تطول حياته من الوحشي فهو كالإنسي في ذلك.
وقال ابن حبيب: هو كالذي لا تطول حياته، ولو كانت المنفعة المستفادة من الحيوان يسيرة كالصوف في الكبش الخصي، فقال ابن القاسم مرة: هو كالحي. وجعله مرة كاللحم وروى في العتبية في التيس الخصي إن كان لا منفعة فيه ناجزة ولا منتظرة، فهو مثل ما ذكرنا. يريد في المنع.
قال: «وأرى أن يجوز، لأن العرب ترغب فيه لشعره، وغيرهم لزقه». ويتنزل على الخلاف فيما لا تطول حياته الخلاف في بيعه بغير جنسه أو الطعام نسيئة.
فرع: اختلف في اللحم المطبوخ هل هو مخالف في الحكم للنبي لدخول الصنعة فيه، فصار كجنس آخر، أو هو جار مجراه في المنع، لعموم الحديث على قولين لابن القاسم وأشهب.
ومن العقود المنهي عنها بيع الطعام قبل قبضه. وسيأتي حكمه مفصلًا إن شاء الله.
ومنها: بيع الكالئ بالكالئ، وهو الدين، بالدين لا خلاف في فساده.
ومنها بيع الغرر. قال القاضي أبو الوليد: «ومعناه ما كثر فيه الغرر وغلب عليه حتى صار البيع يوصف ببيع الغرر».
قال: «فهذا الذي لا خلاف في المنع منه. وأما يسير الغرر فإنه لا يؤثر في فساد (عقد). بيع لأنه لا يكاد يخلو عقد منه، وإنما يختلف العلماء في فساد أعيان العقود لاختلافهم فيما فيه من الغرر، هل هو في حيز الكثير الذي يمنع الصحة، أو في حيز القليل الذي لا يمنعها؟».
[ ٢ / ٦٧٠ ]
وعبر الإمام أبو عبد الله عن هذا المقصود بأمان ما كان من الغرر نزرًا يسيرًا غير مقصود، وتدعو الضرورة إلى العفو عنه فلا يؤثر في فساد البيع، ورأى أن هذا هو المتفق عليه، وأن (الخلاف) بين العلماء في المسائل المشتملة على الغرر راجع إلى هذا الأصل، فمن أجاز قدر أن الغرر فيما يسأل عنه غير مقصود، ومن منع قدر أن الغرر مقصود.
إذا قرر هذا فقد ورد النهي عن بياعات بسبب اشتمالها على الغرر. فمن ذلك: بيع المضامين والملاقيح حبل وحبلة.
(وفي الموطأ «أن المضامين ما في بطون إناث الإبل، والملاقيح ما في ظهور الجمال».
وقال ابن حبيب: المضامين ما في ظهور الفحول، والملاقيح ما في بطون الإناث، ولا يضر اختلاف التفسيرين، فإن البيعين فاسدان.
وأما حبل حبلة، ففي الموطأ أنه كان بيعًا يتبايعه أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها.
وقال ابن حبيب: حبل الحبلة بيه نتاج نتاج الناقة، ورواه عن مالك).
فالتفسير الأول يرجع إلى جهالة الأجل، والثاني يرجع إلى أن المبيع ليس بمملوك ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه. وكذلك المضامين والملاقيح إلا أن وصف الملوكية لا ينتفي عما في البطن إذ ملكه تابع للملك أمه.
ومنه: بيع الملامسة، وهو أن يلمس الثوب، فليزمه البيع بلمسه وإن لم يتبينه. ومنه: بيع المنابذة، وهو أن ينبذ ثوبه إلى الآخر، وينبذ الآخر ثوبه إليه، فيجب البيع بذلك. ومنه: بيع الحصاة، وصفته أن تكون بيده حصاة فيقول: إذا سقطت من يدي فقد وجب البيع. وقيل: تكون ثياب عدة، فيقول على أيها سقطت الحصاة فقد تعين.
قال الإمام أبو عبد الله: لو كان المراد إسقاط الحصاة باختياره لكان كبيع خيار إذا قدر في ذلك أجلًا يجوز الخيار إليه. قال: وكذلك إذا أراد إن سقطت الحصاة على ثوب بعينه، فقد
[ ٢ / ٦٧١ ]
عينت ذلك للبيع، وكانت الثياب متساوية، فإن هذا أيضًا كبيع ثوب من ثوبين بخيار البائع، فيكون محمل النهي على غير الصور التي ذكرناها. ومنه بيع عسب الفحل.
ومحل النهي فيه على استئجار الفحل على عقوق الأنثى، وهو فاسد لأنه غير مقدور على تسليمه.
فأما إن استأجره على أن يحمله عليها دفعات معلومة فذلك جائزة، إذ هو أمر معلوم في نفسه ومقدور على تسليمه.
ومنه بيعتان في بيعه. كقوله: بعتك هذا الثوب بعشرة نقدًا أو خمسة عشر إلى أجل، على أنه قد وجب بأحد الثمنين.
ومما نهي عنه من العقود: بيع وشرط. ومحمل النهي فيه على شرط يناقض مقصود العقد أو يعود بغرر في الثمن.
فالأول: كشرط أن لا يبيع ولا يهب، ونحو ذلك من منع التصرف، ويستثنى من هذا شرط تنجيز العتق للسنة الواردة.
والثاني: كشرط السلف من أحد المتابعين، إذا شح مشترطة في اقتضائه ولم يسمح بإسقاطه. فأما إن نزل عنه وأسقطه فالمشهور أنه يمضي. وقيل: يفسخ. قال سحنون: ويمضي إلا أن يقبض السلف ويغيب عليه، فيرد وينقض البيع ويرد السلعة إذ تم الربا.
وسبب الخلاف: في القولين الأولين: هل يعد الممنوع من منفعة السلف موهوبًا، فإذا سمع مشترطة بإسقاطه تبين أن ما توهم من ذلك غير صحيح أو يعد معلومًا، فيكونان قد دخلا على الفساد، فيفسخ على كل الأحوال.
فروع: الأول: لو رد السلف بعد القبض فهل يصح البيع برده؟، على القول بأن إسقاطه قبل القبض يصح به البيع أم لا؟ قولان.
وسبب الخلاف: ما تقدم من عد المانع موهوبًا، فإذا رد السلف بطل الموهوم، أو عد المانع معلومًا لا سيما أن القبض قد حقق ما كان موهومًا على النظر الآخر.
الفرع الثاني: إذا فاتت السلعة في الصورة الأولى، وهي ما إذا أسقط السلف قبل القبض، فما الذي يكون فيها؟ هل القيمة مطلقًا، أو بنظر، فإن كان البائع هو المسلف كان فيها الأقل من القيمة أو الثمن، وإن كان المشتري هو السلف كان فيها الأكثر منها.
والتفصيل هو المشهور، فنظر في الشاذ إلى قياس البيع الفاسد، ونظر في المشهور إلى ما وقع التراضي به مع الالتفاف إلى أن البيع ليس بفاسد إذا رضي مشترط السلف بإسقاطه.
الفرع الثالث: وهو مرتب: إذا قلنا بالتفصيل على المشهور، وكان المسلف هو المشتري، قيل: يكون له الأكثر من القيمة أو الثمن مطلقًا أو يشترط أن لا تزيد القيمة على
[ ٢ / ٦٧٢ ]
الثمن وجملة السلف. قولان: والإطلاق هو المشهور، والاشتراط شاذ.
الفرع الرابع: إذا فاتت السلعة في الصورة الثانية، وهي ما إذا رد السلف بعد قبضه، فأما على القول الشاذ، فلا خفاء بوجود القيمة مطلقًا.
وأما (على) المشهور قولان:
أحدهما كالشاذ، وهو بناء على أن الفساد قد (تحقق) بالقبض.
والثاني: وجوبها على التفصيل المتقدم، وهو بناء على القول بأن إسقاط السلف في هذه الصورة يقتضي تمام البيع. هذا محمل النهي.
فأما شرط لا يناقض مقصود العقد ومقتضاه بل هو من مصلحته كشرط الرهن والكفيل والأجل المعلوم والخيار الصحيح، فكل ذلك خارج عن محمل النهي، ويصح البيع مع اشتراطه.
ومنها بيع العريان: وصفته. أن يشتري سلعة بثمن معلوم ويعربن شيئًا على أنه إن رضي كان ذلك العربون من الثمن، وإن كره لم يعد إليه، وهو من أكل المال بالباطل. ومنها بيع الكلب.
ولا شك في دخول المنهي عن اتخاذه تحت النهي والمنع من بيعه وعدم صحته. فأما المأذون في الانتفاع به فالنص على كراهة بيعه. واختلف الأصحاب في تنزيله على التحريم أو حمله ظاهرة. وقال القاضي أبو الحسن: «يكره بيعه، فإن بيع لم يفسخ». وقال القاضي أبو بكر: «الصحيح عندي جواز بيعه».
ومنها: إفراد الأم بالبيع عن ولدها الصغير أو إفراده به عنها. واختلف في حد الصغر المانع من التفرقة.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
فالمشهور عن مالك وابن القاسم: «أنه ما لم يستغن عن أمه، والعلم على ذلك الإثغار، ما لم يعجل.
قال مالك في تفسير الاستغناء: هو أن يستغني عن أمه في طعامه وشرابه وقيامه ومنامه». وقال ابن حبيب: يفرق بينهما إذا بلغ سبع سنين.
(وأشار في) كتاب محمد إلى العشر، لأنه علقه بوقت الأدب على الصلاة.
وروى ابن غانم: لا يفرق بينهما (قبل) البلوغ، لأن التفرقة عنده إذا بلغ الاحتلام.
ونقل عن (محمد بن عبد الحكم أنه ذهب إلى أنه لا يفرق بين الأم وولدها طول ما عاشا).
فرعان: الأول: إذا وقع البيع على التفرقة المنهي عنها، فحكى ابن حبيب أن البيع يفسخ ويعاقبان. حكى ذلك مطلقًا من غير تقييد.
وإليه ذهب القاضي أبو محمد فقال: «إنه باطل كبيع الخمر والخنزير، ويفسخ ولو رضيا بالجمع بينهما».
واختار محمد إمضاء البيع على كل حال وإزالة سبب النهي بالبيع عليهما، إذا لم يتراضيا بالجمع طوعًا منهما. وقال ابن القاسم: إن تراضيا بالجمع لم يفسخ، وإن لم يتراضيا فسخ.
وسبب الخلاف: هل النهي لحق الله تعالى فيخرج عليه القول الأول، أو لحق الأم في توليها، أو الولد في فقد رفق أمه على القولين فيهما، فيخرج على ذلك القولان الآخران.
ثم سبب الخلاف بينهما تصور زوال سبب النهي من غير أن يتراضيا بالبيع عليهما، وعدم تصوره شرعًا، إذ يؤول إلى الوقوع في منهي عنه أيضًا، وهو جمع السلعتين لمالكين في عقد واحد.
الفرع الثاني: إذا كانت الأم بيد مالك وولدها بيد غيره، وعلم أن ذلك عن بيع أو جهل كونه عن بيع أو هبة، فإن الحكم أن يجمع بينهما في ملك واحد، فإن كانا في أيديهما من غير
[ ٢ / ٦٧٤ ]
عوض كهبة أو صدقة، أو كان أحدهما بعوض والآخر بغير عوض، فقال مالك: «إن جمعاهما في حوز جاز». وقال في كتاب محمد: يجمعان في ملك أو يباعان.
وقال مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إذا كان شملهما واحدًا ومسكنهما واحدًا كالوالد والولد والزوج والزوجة والإخوة يكون شملهم واحدًا ودارهم واحدة فإن الجمع في حوز يكفي. وإن لم يكن شملهما واحدًا فلا بد من جمع الأم وولدها في ملك واحد. ومنها بيع الإنسان على بيع أخيه.
ومحمل النهي فيه (على ما) إذا ركن البائع إلى المبتاع وقرب اتفاقهما.
بيع النجش. وهو أن يزيد في (ثمن) السلعة، وهو غير راغب فيها ليغر المشتري بالترغيب.
فروع: أحدها: (إذا وقع البيع على وجه النجش ففي المدينة من رواية عيسى عن ابن القاسم: (إن) علم بذلك المبتاع فله أن يرد ما لم يفت، فإن فاتت فله أن يأخذها بقيمتها ما لم تكن أكثر مما ابتاعها به فلا يزاد عليه).
وقال الإمام أبو عبد الله: المشهور من المذهب أنه ليس بمفسوخ، كبيع المصراة.
قال: وحكى القزويني عن مالك: أن البيع مفسوخ للنهي الوارد عن النجش، والنهي يدل على فساد المنهي عنه. قال: وهكذا قال ابن الجهم. قالا ولا اعتبار بكون النهي لمعنى خارج عن معنى البيع كالنكاح في العدة والإحرام.
الفرع الثاني: قال الإمام أبو عبد الله: ولو كان التغرير بالزيادة من جهة البائع لكان للمشتري مقال في رد البيع، مثل أن يقول البائع للمشتري اشتريت هذه السلعة بمائة، فاغتر المشتري بقوله ثم ثبت بالبينة أو الإقرار أن البائع إنما اشتراها بتسعين.
الفرع الثالث: ما سئل عن مالك (من ثلاثة أشراك في سلعة أرادوا التفاضل فيها، فقال أحدهم لآخر منهم: أخرج منها إذا (تقاومناها) ليقتدي بك الثالث وتكون بيني وبينك
[ ٢ / ٦٧٥ ]
نصفين. فنهى مالك عن هذا، ورأى ذلك تغريرًا وتدليسًا على الثالث فصار في معنى النجش.
وقال ابن حبيب: لم يأخذ بها أصبغ، ولم يره من النجش؛ وبه أقول، لأن صاحبه لم يرد أن يقتدي بزيادته، وإنما أمسك على الزيادة، ليرخصه على نفسه، وعلى صاحبه، فلا بأس بذلك).
وبيع الحاضر للبادي. ويلحق به شراؤه على إحدى الروايتين.
فروع: الأول: هل يتخصص النهي بالبيع للأعراب أهل العمود الذين يجهلون الأسعار أو يجري في كل وارد على مكان، ولو كان من أهل مدينة، روايتان:
الأولى: مذهب الموطأ.
والثاني: رواية محمد، إذ قال: لا يبع مدني لمصري، ولا مصري لمدني.
وحمل الإمام أبو عبد الله هذه الرواية في حق المدني على ما إذا ورد على مدينة وهو جاهل بأسعارها يمكن غبته، وينتفع أهل المدينة بوروده عليهم كونه في الغالب ربح فيما أتى به، فلم يمنع استرخاصه.
الفرع الثاني: وهو مرتب: إذا قلنا برواية محمد، فلو أرسل قريب أو صديق بضاعة من بلد آخر لقريبه أو صديقه ليبيعها له ببلده فلا يفعل.
الفرع الثالث: إذا قدم البدوي المدينة فاستشار الحضري في البيع، فإن مالكًا قال: لا يشار على البادي فأجرى مشورته عليه مجرى بيعه له، لأنها تقوم مقام السمسرة له والنيابة عنه في البيع، وكره أيضًا أن يخبره عن السعر فرأى إخباره بالسعر كالمشورة، والمشورة كالبيع.
قال محمد: هذا فيما أتوا به للبيع.
ومنها: البيع يوم الجمعة بعد النداء الموجب للسعي ممن تلزمهما أو أحدهما الجمعة.
فروع: أحدها: إذا وقع البيت على الوجه المنهي عنه فإنه يفسخ على المشهور.
[ ٢ / ٦٧٦ ]
وفي المجموعة: لا يفسخ.؟
وفي ثمانية أبي زيد عن ابن الماجشون قال: يفسخ في حق من اعتاد ذلك وتكرر منه، ولا يفسخ في حق غيره.
الفرع الثاني: إذا فات البيع فقال ابن عبدوس: يمضي بالثمن، إذ لا فساد فيه.
وقال ابن القاسم: يمضي بالقيمة لئلا يتم ما دخلا عليه.
الفرع الثالث: إذا (قلنا): يمضي بالقيمة، فهل يقوم بعد انقضاء الصلاة إذ لا قيمة في ذلك الوقت شرعًا، أو يقدر خلو الوقت عن النهي، ثم يقوم؟ فيه قولان: لأشهب وابن القاسم.
ثمرتهما: تعين إحدى القيمتين عند اختلاف الأسواق بين هذين الوقتين.
ومنها تلقي السلع قبل أن تورد الأسواق: فلا يجوز التلقي.
فإن وقع البيع على وزجه التلقي فروى ابن القاسم: «ينهى فإن عاد أدب، ولا ينتزع منه شيء، وهو اختبار أشهب.
(وروى ابن وهب: ينتزع منه ما ابتاع، فيبتاع لأهل السوق، فما ربح فهو بينهم والوضيعة على المتلقي.
قال ابن القاسم: «أرى أن يشترك فيها التجار وغيرهم ممن يطلب ذلك، ويكون كأحدهم». وقاله ابن عبد الحكم بالحصص بالثمن الأول. وقال أصبغ بقول مالك الأول، إن عاد أدب ونفي من السوق. واختار محمد أن يرد شراؤه وترد السلعة على بائعها. وبه قال
[ ٢ / ٦٧٧ ]
ابن حبيب. وروى أيضًا يؤدب المتلقى. قال ابن القاسم: إلا أن يعذر بجهل، وكذلك في الحاضر يبيع للبادي. وقال ابن وهب: يزجر ولم يبلغ به الأدب.
فرع: اختلفت الروايات في حد التلقي، فروي: الميل، وروي: الفرسخان. وفي الواضحة: «لا تتلقى السلع، وإن كانت على مسيرة يوم أو يومين».
خاتمة لهذا الباب:
يذكر ما يترتب على العقد الفاسد، وما يتصل به من قبض أو فوات. والمقصود النظر في نقل الضمان، وفي نقل الملك.
النظر الأول في نقل الضمان:
ولا يحصل بمجرد العقد الفاسد، فإن مكن البائع المبتاع من قبض المبيع فتركه اختيارًا، أو نقد المبتاع ثمن للبائع، فقال أشهب: ينتقل الضمان بكل واحد منهما.
وقال ابن القاسم: لا ينتقل إلا بالقبض.
ويتخرج خلافهما على أن تبدل النية مع بقاء اليد هل يؤثر في حكم الضمان أم لا؟ فإن اتصل بالعقد الفاسد القبض انتقل الضمان انتقالًا تقتضيه شبهة الملك لا حقيقته.
وقال سحنون: إن كان البيع مجمعًا على فساده لم ينتقل الملك ولا شبهته ولا يضمنه المبتاع لا ضمان الرهان.
ثم حيث أو جبنا عليه القيمة عند التلف تحت يده، فالمعتبر قيمته يوم القبض لا يوم العقد.
فرع: لو عثر على العقد قبل الفوت ففسخ بعد أن استغل أو استعمل لم يلزمه عوض عن ذلك إذ الخراج بالضمان.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
النظر الثاني: في نقل الملك.
ولا ينتقل بمجرد العقد. ولا باتصال القبض به على المعروف من المذهب. وذكر محمد بن سلمة أن الفسخ بعد القبض استحسان.
وهذا القول منه يشير إلى أن القياس منع الفسخ بمجرد القبض. ومقتضى هذا أن العقد الفاسد إذا اتصل به القبض نقل الملك. فأما إن تعقب القبض الفوات فإن الملك ينتقل، ويجب المثل في ما له مثل، والقيمة فيما لا مثل له.
ثم النظر في الفوات يتعلق بحكمه وأسبابه.
أما حكمه فنقل الملك كما بينا، وإيجاب المثل أو القيمة. لكن اختلفت الرواية في تعميم هذا الحكم في جميع البياعات الفاسدة ما اتفق على فساده منها. وما اختلف فيه، أو تخصيصه بما كان من الحرام البين، من الربا وغيره. فأما ما كرهه الناس إذا فات فيمضي بالثمن.
والتعميم رواية ابن نافع، والتخصيص رواية ابن القاسم. قال القاضي أبو محمد: والأول أقيس.
وأما أسباب الفوات فأربعة: تغير الذات، وتغير السوق، والخروج عن اليد بالبيع، وتعلق حق آخر بها.
فأما السبب الأول وهو تغير الذات، فهو عامل في جميع أنواع المبيعات الأربعة: العقار، والعروض، والحيوان، وذوات الأمثال: (من) المكيلات والموزونات والمعدودات.
فيفوت العقار بذهاب عينه واندراسه الذي يقوم مقام ذهاب عينه، إذ يستحيل رد العين بعد تلافها.
وتفوت الدور منه بالهدم والبناء، والأرض بالغرس فيها، وقلعه منها، وحفر الآبار، وشق العيون، وما في معنى ذلك، لكون هذه الأحوال يتحول معه الغرض المقصود من العقار.
وتفوت العروض أيضًا بذهاب عينها وتغيرها في (ذاتها)، وكذلك الحيوان وذوات الأمثال.
وأما السبب الثاني فهو تغير السوق، فيختص عمله في المشهور بالنوعين المتوسطين: العروض والحيوان. وأعمله ابن وهب في الأنواع الأربعة.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
قال الإمام أبو عبد الله: ومقتضى كونه مفيتًا في المكيل والموزون أن تؤخذ عنه القيمة إذا وقع الفسخ. وإنما كان تغير السوق مفيتًا للمعادلة بين المتبايعين لنفي الضرر عنهما، إذ لو قضينا بالرد بعد تغير السوق لخصصنا أحدهما بالضرر، مع اشتراكهما في سبب الفسخ ودخولهما فيه دخولًا واحدًا. وبهذا يفارق الرد بالعيب.
وأما السبب الثالث، وهو خروج المبيع عن اليد بالبيع، فهو عامل في أنواع المبيعات بأسرها، فمن اشترى شيئًا منها شراء فاسدًا فقبضه ثم باعه بيعًا صحيحًا، فإن بيعه له ينفذ، ويكون فوتًا يمنع من الرد لكون البائع سلم المبيع للمبتاع، وقد أذن له في التصرف فيه، ومن التصرف في بيعه. ولو قدر أن الملك لم ينتقل ولا شبهته لكان ينبغي أن ينفذ هذا العقد الثاني لكون البائع أذن فيه وسلط عليه.
قال الإمام أبو عبد الله: ومقتضى ما تقدم لسحنون في البيع المتفق على فساده من أنه يضمن ضمان الرهان، لا لشبهة الملك فيتقضي أن ينقض هذا البيع الثاني، لأنه عنده كبيع المرتهن، فأما البيع المختلف في فساده لاختلاف طرق الاجتهاد فيه فلا يخالف فيه. هذا حكم البيع بعد القبض.
فأما لو باع ما اشتراه شراء فاسدًا قبل قبضه، فقد رأى المتأخرون أن المذهب في نفوذ بيعه له وهو في يد بائعه منه، وكونه قوتًا على قولين.
قالوا: وكذلك عكسه، وهو أن يبيع البائع ما باعه بيعًا فاسدًا بعد قبض من اشتراه الشراء الفاسد له، وجعلوا سبب الخلاف كون البيع الفاسد نقل شبهة ملك أم لا؟
وأما السبب الرابع، وهو تعلق حق غير البائع والمبتاع بهذا المبيع بيعًا فاسدًا، وذلك كرهن السلعة وإجارتها، وإخدامها إن كانت حيوانًا ووقعت الخدمة إلى أجل محدود، حتى تجري مجرى الإجارة في حكم الفوت، فهو عامل أيضًا في الأنواع الأربعة.
هذه الأسباب العامة للفوت. وقد وقع للأصحاب النص على أسباب آخر، بعضها يرجع إلى هذه الأربعة، وبعضهل يؤخذ من تعليلها ويقرب منها، فذكرناها لتكمل الفائدة بذكرها.
منها: مجرد طول زمان يمر على الحيوان ولم يتغير في ذاته ولا سوقه، فاختلف فيه هل يكون فوتًا أم لا؟
ورأى الإمام أبو عبد الله أن المعتبر تغير البدن أو السوق. وإنما اعتبر طول الزمن لأنه لا يخلو عنه في العادة وصار الاختلاف في حد الزمن الدال بالعادة على ذلك.
ومنها نقل العروض أو المكيلات والموزونات من بلد إلى بلد لا يتأتى رده منه إليه في غالب العادة إلا بتكلف سفر وإجازة على حملها.
وهذا السبب يقرب من تغيير الأسواق بما يلحق من الغرامة في نقله وفي إعادته، فيقع
[ ٢ / ٦٨٠ ]
الضرر على أحدهما لا محالة، ويختص به كما أشير إليه في تغير الأسواق.
ومنها: مجرد وطء الأمة. ففي كتاب محمد أنه فوت، وهو قريب مما قبله، إذ يفتقر إلى إيقافها للاستبراء، ويمنع السيد من التصرف فيها الوطء والبيع، وغيره من وجوه نقل الملك خوف الحمل، فيلحق السيد أعني البائع الأول الضرر لا محالة.
ومبنى هذا الباب على خمسة، كما تقدم.
فرع: إذا تحقق السبب المفيت للبيع الفاسد، وحكم بموجبه لم يرتفع الحكم بارتفاع السبب ولو حصل السبب فلم ينظر فيه حتى زال، فهل يرتفع حكم الفوت بارتفاع السبب؟
اتفق ابن القاسم وأشهب على أن الفوت إذا كان بحوالة السوق لم يرتفع حكمه بعود السوق الأول. واختلف إذا كان الفوت بالبيع. فرآه أشهب كحوالة السوق. ورأى ابن القاسم أن حكم الفوت يرتفع برجوعه إلى يد بائعه.
قال الإمام أبو عبد الله: وبقية هذا الباب تجري على (هذا) الخلاف كالعتق والتدبير يرده الغريم، والعيب يزول بعد حدوثه. قال: وكذلك لو أجره أو رهنه ثم أفتكه بالقرب، فإن هذا كله يجري على القولين.
الباب الرابع: في الفساد من جهة تفريق الصفقة:
وإذا اشتملت الصفقة على حلال وحرام، وكان الحرام مما لا يقبل البيع كالعقد على سلعة وخمر أو خنزير أو حر ونحو ذلك فالصفقة كلها باطلة.
وقيل: يصح البيع فيما عدا المحرم بقسطه من الثمن. فأما لو باع الرجل ملكه وملك غيره في صفقة واحدة لصح البيع فيهما على المشهور كما تقدم، ولزمه في ملكه، ووقف اللزوم في ملك غيره على إجازته ورده. ثم إن كان ملك الغير وجه الصفقة كأحد العبدين أو الثوبين، وشبه ذلك، ثبت الخيار للمبتاع في أخذ الباقي بقسطه من الثمن أو فسخ البيع فيه، وقد تقدم الحكم الجمع بين عقدين مختلفين في صفقة واحدة، وأن المشهور فساد الصفقة وتتعدد الصفقة بتعدد البائع، وفي تعددها بتعدد المبتاع أو بتعدد المعقود عليه خلاف.
وحيث جرى العقد بوكالة فالاعتماد على الموكل في تعدده واتحاده [والله أعلم].
[ ٢ / ٦٨١ ]
الباب الخامس: في الفساد من جهة تطرق التهمة إلى المتعاوضين:
بأنهما قصدا إظهار فعل ما يجوز ليتوصلا به إلى ما لا يجوز وتذرعًا بشيء جائز في الظاهر إلى باطن ممنوع في الشريعة، حسمًا للذرائع وحماية لها.
وقد أجمعت الأمة على جواز كل واحد من البيع والسلف بانفراده، وعلى المنع من جمعهما ولا سبب إلا الحماية. وذلك أن الأغراض لو صحت لأفرد كل واحد منهما. (فلما) جمعا اتهم المتبايعان أن يقصدا الزيادة في السلف، فإذا كان البائع هو المسلف فكأنه أخذ الثمن في مقابلة السلعة والانتفاع بالسلف. وإذا كان المبتاع هو المسلف فكأنه أخذ السلعة بما دفعه من الثمن وبالانتفاع بالسلف. وهذا إنما اعتبر اتهامًا لا تحقيقًا، فإذا منع الجمع بين جائزين محاذرة من الوقوعت في الممنوع أو التطرق إليه فكذلك تحمى الذرائع مما نذكره بعد محاذرة من الوقوع في الممنوع أو التطرق إليه.
إذا ثبت هذا فلا يختلف المذهب في مراعاة ذلك وفسخ العقد إذا كان مما يكثر القصد إليه وتظهر التهمة عليه كبيع وسلف أو سلف حر منفعة، فإن بعدت التهمة بعض البعد وأمكن القصد إليها كشيء تختلف العوائد في القصد إليه، كدفع الأكثر مما فيه الضمان وأخذ أقل منه إلى أجل، فهذا فيه قولان مشهوران.
فأما مع ظهور ما يبرئ من التهمة جملة لكن فيه صورة المتهم عليهم وهو من جنسه، كما لو تصور العين بالعين غير يد بيد، لكن تظهر البراءة من التهمة بتعجيل الأكثر وتأجيل ما هو دونه، فذلك جائز لأن المعول على التهمة وقد فقدت. وقيل: لا يجوز نظرًا إلى حماية الباب جملة.
وأصل هذا الباب وهو المعروف عند أهل المذهب ببيوع الآجال اعتبار ما خرج من اليد وما رجع إليها، فإن جاز التعامل عليه مضى وإلا بطل.
فإذا كان المبيع ثوبًا مثلًا أو غيره فجعله ملغى كأنه لم يقع فيه عقد أولًا ولا آخرًا ولا تبدل فيه الملك، واعتبر ما خرج من اليد خروجًا مستقرًا انتقل الملك به، وما عاد إليها وقابل أحدهما بالآخر، فإن وجدت في ذلك وجهًا محرمًا لو قرأ بأنهما عقدا عليه لفسخت عقدهما، فأمنع من هذا البيع لما تقدم من وجوب حماية الذريعة. وإن لم تجد أجزت البياعات، ثم تتهم مع إظهار القصد إلى المباح وتمنع إن ظهر القصد إليه حماية أن يتوسلا أو غيرهما إلى الحرام.
وعقد الباب: أن من باع سلعة تعرف بعينها إلى أجل، ثم اشتراها فلا يخلو أن يكون الثمنان من جنس واحد أو من جنسين مختلفين، ولا يخلو أن يكونا عينًا أو طعامًا أو عرضًا.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
فإن كانا من جنس واحد وهما عين، فلا يخلو أن يتفق النوعان كما إذا كانا ذهبًا أو فضة، أو يختلفا كذهب وفضة. فإن تساويا في النوع فلا يخلو أيضًا من أن يتساويا في (الصفة) أو يختلفا. وقد حصل من هذا أقسام.
القسم الأول: أن يتفقا في العين والصفة، ويتصور في هذا القسم اثنتا عشرة صورة، وذلك أن الثمن الثاني لا يخلو من أن يكون مساويًا للثمن الأول أو أقل أو أكثر. ولا يخلو من أن يكون البيع الثاني نقدًا أو إلى أجل، والأجل إما (مساو) للأجل الأول، وإما أقل منه وإما أكثر. لكن ثلاث صور منها تدخل في مثلها لتساوي الأحكام، وهي أن يكون البيع إلى اقرب من الأجل، فإنها بمنزلة النقد. ويمنع من هذا القسم صورتان، ويجوز سبع، إحدى الصورتين أن يشتري السلعة نقدًا بأل من الثمن. والثانية أن يشتريها إلى أبعد من الأجل بأكثر من الثمن.
والمحاذرة في الصورتين من سلف جر منفعة بتقدير السلعة لغوًا، إلا أن يشترط المقاصة فتجوز الصور التسع لارتفاع التهمة. هذا هو أصل المذهب.
وقال أبو القاسم بن محرز: إذا اشتراها بمثل الثمن أو أقل منه إلى أبعد من الأجل وقد أقامت عند مشتريها ينتفع بها، فقد كان القياس أن لا يجوز ذلك أيضًا لأنه إن اشتراها بمثل الثمن إلى أبعد من الأجل فقد أسلف المشتري مائة في مائة، وازداد ما انتفع به من ركوب السلعة أو استخدامها أو لباسها، وإن اشتراها بأقل من الثمن إلى أبعد من الأجل كان بيعًا وسلفًا، وكان قدر ما يرجع إلى المشتري سلف، وما زاد على ذلك يكون ثمنًا للإجارة فيما انتفع بالسلعة وصار بيعًا وسلفًا. وكذلك إن اشتراها بأقل من الثمن إلى أقرب من الأجل لأنه يكون إجارة وسلفًا.
قال أبو القاسم: ولم أر أحدًا يذهب إلى هذا، وإنما يعتبرون بصورة الحال عند العقد الثاني، إلا أن أبا الفرج ذكر في كتابه عن عبد الملك بن الماجشون أنه قال: لا يجوز أن يبيع الرجل سلعة بثمن إلى أجل، ثم يشتريها بذلك الثمن أو بأكثر منه إلى أبعد من الأجل. قال أبو القاسم: ولا أعلم له وجهًا إلا ما ذكرت من الانتفاع بالسلعة.
القسم الثاني: أن يختلف نوعا الثمنين كذهب وفضة.
فإن كان البيع الثاني مؤجلًا منع مطلقًا، لأنه تعاقد على صرف بتأخير، وإن كان نقدًا فإن كان المنقود أقل من صرف المتأخر منع قولًا واحدًا، وإن كان مثله فأكثر فقولان منصوصان: المنع مطلقًا، قاله أشهب، لأنه صرف مستأخر. والمنع إن كان المنقود مثل صرف المتأخر أو
[ ٢ / ٦٨٣ ]
مقاربًا له، والجواز إن كثر المنقود جدًا حتى يسلما من التهمة، وهو مذهب الكتاب.
ومثاله: من باع سلعة بأربعين درهمًا إلى شهر، ثم اشتراها بدينارين، وصرف الدينارين أربعون درهمًا، إنه لا يجوز. فإنه اشتراها بعشرين دينارًا جاز، لأنهما سلما من التهمة.
واستقرأ أبو الحسن اللخمي قولًا ثالثًا، أنه يجوز وإن كان الشراء بدينارين. قال: وهو أحسن، لأنه يخسر الصبر، ولا يعود إلى يده أكثر مما خرج منها».
القسم الثالث: أن يتساوى نوع الثمن وقدره في العقدين وتختلف عينه بالجودة والدناء، فإن تعجل الأفضل وتأجل الأدنى جاز على مقتضى المعروف من المذهب لبعد التهمة، وإن كان بالعكس منه لأن محصول أمرهما دفع أقل ليأخذ أكثر مع ما يدخله من المبادلة بالتأخير.
وكذلك إن تساوى الأجلان فالمذهب أيضًا المنع، لأن المقاصة ها هنا لا تمكن، وتصير الذمتان مشغولتين بذهبين مختلفين، فهو تعاقد على مبادلة ذهب بخلافه إلى أجل. وكذلك إن كان أجل الثمن الثاني أبعد من أجل [الثمن] الأول فأحرى بالمنع، لأنه تعاقد على مبادلة بتأخير.
القسم الرابع: أن يكون الثمنان طعامًا، ولا يخلو أيضًا أن يكونا من نوع واحد أو من نوعين. فإن كانا من نوع واحد تصورت فيهما الصور التسع. ومنع منها صورتان وهما: أن يكون البيع الثاني نقدًا بأقل من الثمن الأول، أو إلى أبعد من الأجل بأكثر منه. وتجوز خمس صور بلا خلاف: ثلاث منها أن يكون البيع إلى الأجل الأول بمثل الثمن أو أكثر أو أقل، واثنتان: أن يكون البيع بمثل الثمن نقدًا أو إلى أبعد من الأجل، ويختلف في الإثنين الباقيتين، وهما أن يكون البيع بأكثر من الثمن نقدًا أو بأقل منه إلى أبعد من الأجل.
وإنما سبب الخلاف في هاتين: المحاذرة من الضمان بالجعل هل يقصد في الغالب أم لا؟. وإن كان الطعامان من نوعين مختلفين فحمهما حكم العينين المختلفين.
القسم الخامس: أن يكون الثمنان عروضًا، ولا يخلو أيضًا من أن تكون من جنس واحد أو من جنسين مختلفين. فإن كانت من جنس واحد فإذا تصورت الصور التسع منع منها اثنتان قولًا واحدًا وجازت خمس كذلك. واختلف في اثنتين كما تقدم لأن العروض كإطعام في الضمان. وإن كان الثمنان من جنسين فلا خلاف ها هنا في الجواز، إذ لا ربا في العروض.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
فروع: الأول: أن يشترطا المقاصة بين الثمنين فلا يبقى للمنع وجه إذ لا يخرج أحد شيئًا يرجع إليه أكثر منه.
الثاني: أن يشترطا في العين عدم المقاصة، فإن كان الثمنان من جنس واحد منع مطلقًا إذا كان البيع الثاني إلى الأجل نفسه، لأنه يقتضي إخراج كل واحد منهما ما في ذمته من الذهب فيكون اشتراط التبادل (بذهبين) غير يد بيد، فيدخله التأخير إن كانا متساويين، فإن كانا مختلفين دخله التأخير والربا.
الثالث: في تصور اشتراط السلف من كل واحد من المتبايعين، وهو الذي يعبر عنه أهل المذهب بأسلفني وأسلفك. ومثاله أن تكون البيعة الأولى بمائة مثلًا إلى شهر، والثانية بخمسين نقدًا وخمسين إلى شهرين. (فالمشهور) جواز هذا إذا استوى الثمنان في النوع والصفة، إذ لا يخرج أحدهما شيئًا فيرجع إليه أكثر منه.
وقال بالمنع عبد الملك بن الماجشون، وعد مخرج الخمسين مسلفًا لها، يأخذ عنها عند الشهر خمسين بشرط أن يسلفه الآخر خمسين يأخذ عوضها عند تمام الشهر الثاني. وهذا على مراعاة التهم البعيدة، وربما عبر عنه بحماية الحماية أيضًا. هذا مع استواء الثمنين، فأما مع اختلافهما فيمنع عندهما جميعًا.
فلو كانت البيعة الثانية بخمسين نقدًا وأربعين إلى الشهر بعينه لمنع عندهما جميعًا، وعند معجل الخمسين مسلفًا لها يأخذ عنها ستين، وتكون أربعين بأربعين. وهذا سلف جر منفعة.
ولو اشتراها بخمسين نقدًا وستين إلى الأجل نفسه لجاز عندهما لإخراجه الأكثر وأخذه الأقل.
ولو اشتراها بخمسين نقدًا وستين إلى شهرين لمنع باتفاقهما، لأن مخرج المائة عند الشهر دفع خمسين عن خمسين، وأعطى خمسين يأخذ عنها بعد شهر ستين. وكذلك لو اشتراها بخمسين نقدًا وأربعين إلى شهرين لمنع عندهما أيضًا، لأن مخرج الخمسين يأخذ عنها ستين عند الشهر، ويدفع أربعين يأخذ عنها عند الشهر مثلها.
الرابع: لو كان المبيع طعامًا أو شبهه مما يكال أو يوزن، ثم استرد بعينه أو مثله صفة ومقدارًا، جاز بشرط مراعاة الثمن على ما تقدم. وإن استرد خلافه فهذا بيع حادث. ولو استرد من صنفه لكنهما اختلف في الصفة فالجودة مثل كثرة الكيل، والدناءة مثل قلته، وإن كان من
[ ٢ / ٦٨٥ ]
غير صنفه كالشعير أو السلت مع القمح أو المحمولة مع السمراء فحكى أبو محمد عبد الحق عن أشياخه القرويين جوازه مطلقًا، لاختلاف ما بينهما. وإن اتفقا في الصفة واختلفا في المقدار، فإذا تصورت فيها الصور التسع جعلت الزيادة في المردود أو النقص منه بمنزلة الزيادة والنقص منه بمنزلة الزيادة والنقص في الثمن يمنع منه ما تقدم.
وبيانه: أن البيعة الثانية إن كانت بأقل من الثمن نقدًا فيمنع أن يكون المردود أقل كيلًا، لأنه يكون رد إليه بعض الطعام، وأخذ بعضه ببعض الثمن، وأخذ المنقود سلفًا، فيصير بيعًا وسلفًا.
فأما إن رد إليه أقل من المكيلة بمثل الثمن، فإن كان إلى أقرب من الأجل أو نقدًا فلا تهمة. وإن كان إلى الأجل فقال في الكتاب: «في من باع طعامًا بثمن إلى أجل فلما حل أخذ منه أقل من مكيلته بجميع الثمن، لا يعجبني ذلك». وروى عيسى عن ابن القاسم: «لا بأس به». وقال عبد الحق: «إنما يعتبر وجهان، أن يشتري بأقل من الثمن، يريد نقدًا، فلا يجوز البتة، كان الذي اشترى مثل ما باع أو أقل أو أكثر، أو يشتري أكثر من كيل الطعام فلا يجوز، كان شراؤه بمثل الثمن أو أقل أو أكثر». قال: «وما عدا هذين الوجهين فهو جائز».
قال الشيخ أبو الطاهر: وهذا إنما تكلم به على الشراء نقدًا، قال وأما إذا اشترى إلى أبعد من الأجل فتراعى فيه كثرة الثمن أو كثرة الطعام، فلا يجوز لأن أقل من الثمن نقدًا بمنزلة أكثر إلى أبعد من الأجل.
الفرع الخامس: لو كان المبيع عروضًا فردها بعينها، فقد تقدم حكمها. ولو كان إنما استرد من المشتري منه خلافها فلا شك في الجواز مطلقًا، ويعد كل واحد من البيعين مستقلًا بنفسه.
وإن كان المردود مثلها فرآها ابن القاسم بمنزلة المختلفة لكون العروض تختلف الأغراض فيها. ورآها ابن المواز بمنزلة العين.
واختلف إذا استرد السلعة بعينها بعد أن تغيرت تغيرًا كثيرًا، هل هي كسلعة أخرى فيجوز ذلك فيها مطلقًا؟ أو كالعين فيجري على ما تقدم.
[ ٢ / ٦٨٦ ]
ولو باع عبدين بمائة إلى سنة، ثم اشترى منه أحدهما بدينار لم يز، لأنه باعه دينارًا وعبدًا بمائة إلى سنة. وكذلك لو اشترى أحدهما بتسعة وتسعين نقدًا ما جاز، ولو كان ما يشتري به على شرط المقاصة لجاز.
ولو باع ثوبًا بعشرة إلى شهر، ثم اشتراه منه بخمسة وثوب من نوعه أو (من) غير نوعه لم يجز، لأن البائع يخرج الآن خمسة عوضًا عن عشرة، يأخذها إذا حل الأجل بخمسة من هذه العشرة التي يأخذها إذا حل الأجل قضاء عن الخمسة التي كانت مع الثوب، والثوب الذي مع الخمسة مبيع بالخمسة الباقية من العشرة.
الفرع السادس: أن يشتري البائع الأول السلعة بوكالة لغيره بأقل من الثمن نقدًا، وفيه قولان: (قال ابن القاسم): لا يعجبني. وقال أشهب: يكره ولا يفسخ إذ نزل، وكان على الصحة. وكذلك قال لو اشتراها لولد له صغير. وكذلك قولان لو اشتراها عبد البائع، وكان يتجر لنفسه، المشهور جوازه.
وكرهه أشهب. وإن كان يتجر لسيده لم يجز.
الفرع السابع: إذا وقعت بياعات الآجال على الصفة المنهي عنها، كما إذا اشترى السلعة بأقل من الثمن نقدًا أو بأكثر إلى أبعد من الأجل، فإن أدركت السلعة قائمة بيد المشتري الثاني فسخ البيع الثاني قولًا واحدًا، ثم يقتصر على فسخه خاصة عند ابن القاسم وسحنون.
وقال ابن الماجشون: تفسخ البيعتان سواء كانت السلعة قائمة أو فائته، إلا أن يصح أنهما لا يتعاملا على العينة، إنما وجدها تباع فابتاعها بأقل من الثمن. فهذا تفسخ فيه البيعة الثانية، وتصح الأولى.
وسبب الخلاف: النظر إلى صحة البيع الأول، وأن الفساد إنما دخل من الثاني، فإذا أبطلناه بقي الأول على الصحة، أو النظر إلى أنا نجعل العقدين كالعقد الواحد، كأنهما إنما دخلا من الأول على الفساد، ويلتفت (في) هذا إلى مراعاة التهم البعيدة.
وأما إن فاتت السلعة فالمشهور أنهما يفسخان جميعًا. وقال محمد بن مسلمة: يفسخ البيع الآخر إن كان قائمًا، فإن فات مضى بالثمن.
قال الشيخ أبو الطاهر: ولعل هذا مراعاة للخلاف.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
وذكر ابن أبي زمنين تفصلًا، فقال: «إن تضمن اختصاص الفسخ بالبيعة الثانية حصول الربا، وهو دفع قليل في كثير سرى الفسخ إلى الأولى، وإن لم يتضمن ذلك اختص بالثانية».
قال القاضي أبو الوليد: «يعني أنها فاتت بعد أن قبضها المبتاع الثاني، وأما لو هلكت بيد المبتاع الأول، فعندي أن الثاني يبطل خاصة ويثبت الأول». قال: «ولم أر فيه نصًا».
وفصل إذا فاتت بيد المبتاع الثاني، فقال: لا يخلو أن يكون الثمنان قبضا أو لم يقبضا أو قبض أحدهما، قال: «فإن قبضا وفاتت فعلى قول محمد وابن عبدوس يلزم البائع الأول أن يرد الزيادة. وإن لم يقبضا تتاركا. وإن قبض الأول فقال محمد: يرد المبتاع الأول على البائع الأول الذي قبض منه». ونحو ذكر ابن عبدوس.
قال القاضي أبو الوليد: «ولم يذكر معجلًا ولا مؤجلًا قال: ونحو ذلك ذكر ابن عبدوس في المجموعة». قال: «والذي عندي أنه يكون معجلًا أو إلى أقرب من أجل الثمن الآخر».
«وحكى عن شيوخه الأندلسيين ما ذكره ابن أبي زمنين من التفصيل، وهو أنه إذا باعه ثوبًا بعشرة مؤجلة، ثم اشتراه منه بخمسة معجلة، فقبض المبتاع الخمسة، وفات الثوب عند المبتاع الأول فإنك تنظر إلى قيمة الثوب، فإن كانت عشرة فصاعدًا غرم البائع الأول للمبتاع الأول تمام القيمة يقاصه منها بالخمسة التي قبض. وإن كانت قيمته أقل من عشرة فسخ البيع الأول والثاني، ورد المبتاع الأول الخمسة التي قبض منه».
قال الشيخ أبو الطاهر: «فنظر ابن المواز وابن عبدوس إلى أن موجب الفساد هو العقد الثاني [فإذا] نقض زال الموجب».
ونظر الأندلسيون إلى أن القيمة متى كانت مثل الثمن الأول فأكثر ضعفت التهمة في أنهما عملا على ذلك فلم يفسخ إلا العقد الثاني.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
وإن كانت القيمة أقل من الثمن فسخ البيع الأول أيضًا، لأنه الأصل، فيكون العقدان كالعقد الواحد فيفسخان.
الفرع الثامن: في بيان أحكام بياعات قد عرفت بأهل العينة.
فمنها أن يقول الرجل لأحدهم: اشتر لي هذه السلعة وأربحك فيها، فإن سمى الثمن وأوجب البيع إلى أجل منع، لأن يؤول إلى سلف جر منفعة، وإن كان على النقد، فهل يجوز ويكون له جعل المثل أو يمنع؟ فيه قولان. وإن لم يسم الثمن ولم يوجب البيع كره ولا يفسخ إن نزل، ويكون له جعل المثل.
ومنها أن يشتري من أحدهم سلعة بعشرة نقدًا وبعشرة إلى أجل، فيمنع منهم خاصة، ويقدر كأنه اشتراها ليبيع منها بعشرة يدفعها نقدًا ويبقى له باقي السلعة يبيعه لينتفع بثمنه معجلًا، ثم يدفع عنه عشرة مؤجلة، والغالب أن السلعة لا تساوي العشرين فيؤول إلى ذهب في أكثر منها.
ومنها أن يكون الإنسان منهما يشتري ليبيع، لا ليأكل، فيبيع منه إنسان طعامًا مثلًا بعشرة إلى أجل، فيقول المشتري: بعته بثمانية، فحط عني من الربح قدر الدينارين، فيمنع إذا كان المقصود البيع، وكانا أو أحدهما من أهل العينة.
قال: لأن أهل (العينة) يتراضون على ربح العشرة اثني عشرة أو غيره، فإذا باعها فنقص ذلك عن تقديرهما حطه حتى يرجع إلى ما تراوضا عليه. وقد كرهه ابن هرمز.
وبالجملة: فهؤلاء قوم علموا فساد سلف جر منفعة، وما ينخرط في سلكه من الغرر والربا، فتحيلوا على جوازه بأن جعلوا سلعًا حتى تظره فيها صورة الحل، ومقاصدهم التوصل إلى الحرام، وقد قمنا أن أصلنا حماية الذرائع وسحب أذيال التهم على سائر (المتعاملين) متى بدت مخايلها، أو خفيت وأمكن القصد إليها من المتعاملين.
وقد قال الأصحاب: إذا كانت البيعتان الأولى منهما إلى أجل، اتهم في ذلك جميع الناس، فإن خرج ذلك إلى شيء من المكروه فلا تجزه.
وإن كانتا نقدًا فلا يتهم في الثانية إلا أهل العينة فقط. وكذلك إذا كانت الثانية هي المؤجلة. وقيل: بل يتهم في هذه جميع الناس.
قال أصبغ: وإذا كان أحدهما من أهل العينة فاعمل على أنهما جميعًا من أهلها.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
نجز الجزء الأول من كتاب: عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة تأليف الشيخ الفقيه الإمام العالم جلال الدين وقدوة المهتدين أبي محمد عبد الله بن نجم ابن شاس ﵁.
يتلوه في أول الثاني، القسم الثاني من الكتاب في لزوم العقد وجوازه، والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.
القسم الثاني من الكتاب: في لزوم العقد وجوازه
والأصل في بيع اللزوم، والخيار عارض. ثم هو متنوع إلى خيار التروي وإلى خيار النقيصة.
النوع الأول: خيار التروي:
وهو ما لا يقف على فوات وصف، وسببه الشرط دون المجلس، بل لا يثبت خيار المجلس بالعقد ولا بالشرط.
وحكى القاضي أبو الوليد عن ابن حبيب إثباته تمسكًا بظاهر الحديث الذي رواه مالك في موطئه، وقد قال في عقب روايته: «وليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به فيه».
قال القاضي أبو بكر: «يريد أن فرقتهما ليس لها وقت معلوم». قال: «وهذه جهالة يقف البيع عليها، فيكون كبيع الملامسة والمنابذة أو كبيع على خيار إلى أجل مجهول، وما كان كذلك فهو فاسد قطعًا. ولا يعارض هذا الأصل بظاهر لم يتحصل المراد منه مفهومًا، إذ تفسير ابن عمر ليس بحجة، ولهذا عدل عن ظاهره الفقهاء السبعة وغيرهم من السلف، وأولوه على أنه قد روي في بعض طرقه: «ما لم يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار»، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله». رواه الليث عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن
[ ٢ / ٦٩٠ ]
أبيه عن جده عبد الله بن عمر، وقال: قال رسول الله ﷺ، فذكره.
وظاهر هذه الزيادة مخالف لظاهر أول الحديث، فإن تأول من أخذ بظاهر الحديث لفظ الاستقالة باختيار الشيخ، تأولنا لفظ الخيار باختيار الاستقالة، وإذا تقابل التأويلان وقف الحديث والقياس في جانبنا.
ثم النظر في خيار الشرط في مدته، وفي حكم الطوارئ فيها.
النظر الأول: في مدته.
وهي محدودة الأول بزمن العقد، وليست بمحدودة الآخر بزمن واحد، وإن كان لابد من تحديده في الجملة، بل تختلف الحال فيها باختلاف السلع المبيعة بحسب ما يشبه من الحاجة إلى التروي، ويطول ويقصر بحسب الحاجة إلى زيادة التروي نقصه والاختيار للمبيع والسؤال عنه مع سرعة استحالته وإبطاء ذلك فيه.
هذا عقد التأصيل، ولنسرد الروايات في تفصيله:
(ففي الكتاب: «هو في الدار الشهر ونحو». وفي الواضحة عن ابن الماجشون: الشهر والشهران.
ووجهه أنه (يحتاج) النظر إلى حيطانها وأساسها ومرافقها واختيار جيرانها (ومكانها)، مع كونها مأمونة لا تسرع إليها الاستحالة.
وفي الكتاب: «في الرقيق الخمسة الأيام والجمعة وما أشبه ذلك». وقال محمد: الأربعة الأيام والخمسة، ولا أفسخه في عشرة أيام، وأفسخه في الشهر.
وأجاز ابن القاسم في العبد عشرة أيام. وروى ابن وهب: (إجازته) في الشهر. وأبى ذلك ابن القاسم وأشهب.
[ ٢ / ٦٩١ ]
ووجه رواية ابن وهب أن الرقيق ذو ميز، وربما ستر ما فيه من الأخلاق والعيوب التي تزهد فيه، ويستعمل ما يرغب فيه مدة (فيفسخ في مدة خياره) ما لا يكاد أن يستر فيه أمره غالبًا، وإن أراد ستره.
وأما الدابة، ففي الكتاب. «تركب اليوم وما أشبهه». ولا بأس أن يشترط (المسير) عليها البريد والبريدين ما لم يتباعد ذلك.
والفرق بينهما وبين الرقيق، أنها لا تميز فتكتم (أحوالها)، وفي [مثل] هذه المدة يختبر (جنس سيرها وخلقها).
قال القاضي أبو الوليد: «ويحتمل أن يريد (بركوب) اليوم في المدينة: على حسب ما يركب الناس في تصرفاتهم، وسير البريد والبريدين (إن) خرج عن المدينة ليختبر بذلك بقاء سيرها وصبرها في حالها». قال: «ويحتمل عندي أن يضاف إلى ذلك الليلة ليختبر أكلها وحالها في وقوفها ووضع آلتها عليها، ونزعها عنها ولا يشترط من ذلك أكثر مما يحتاج إليه (فإنها) يسرع التغيير إليها».
وقال أبو محمد عبد الحق: «يشترط) في الدابة اليومين والثلاثة، كالثوب من غير ركوب، وإنما شرط في المدونة اليوم في الركوب».
وأما الثوب، ففي الواضحة: يشترط فيه اليومين والثلاثة. ولا يشترط لباس الثوب، وإن اشترط استخدام الرقيق وركوب الدابة، لأن استخبارهما إنما يحصل باستعمالها بخلاف الثوب.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
وأما الفاكهة كالبطيخ والقثاء والتفاح والرمان والخوخ فقد قال ابن القاسم في الكتاب: «إن كان الناس يستشيرون في مثل هذا ففيه الخيار بقدر الحاجة».
ولا يغيب المبتاع على شيء مما لا يعرف بعينه من الفواكه وغيرها. وقاله ابن القاسم وأشهب لأنه يصير تارة سلفًا إن رده، وتارة بيعًا إن أبى رده).
ولا يجوز في شيء من السلع أن تكون مدة الخيارفيه مجهولة، فإن عقدا على ذلك كقولهما: إلى قدوم زيد، ولا أمارة عندهم على قدومه، أو إلى أن يولد لفلان، ولا حمل عنده أو إلى أن ينفق سوق السلعة، ولا أوان يغلب على الظن عرفًا أنها تنفق فيه، إلى غير ذلك مما يرجع إلى الجهل بالمدة، فالبيع فاسد. لكن إن وقع العقد على أنه بالخيار ولم يعين مدة مجهولة ولا معلومة فالعقد صحيح، ويحمل على خيار مثل السلعة كما تقدم بيانه.
ولو زاد في مدة الخيار على ما هو أمد خيارها في العادة فسد (العقد).
قال القاضي أبو محمد: «ولا يصح العقد بإسقاط مشترطه له، بخلاف مشترط السلف يسقطه»، إذ إسقاطه تمسك بالسلعة، وهو مقتضى الشرط الفاسد لأنه إنما اشترط أن يكون بالخيار بين الإمساك والرد طول هذا الأمد فإذا اختار الإمضاء فقد عمل بمقتضى الشرط الفاسد».
قال الإمام أبو عبد الله: وعندي أنه يد يختلف فيه تخريجًا من مسألة: من أسلم في تمر سلمًا فاسدًا، فلما فسخ عليه وقضي له برأس ماله أراد أن يأخذ تمرًا مثل الذي منع منه، فقيل: ذلك لا يجوز، لأنه تتمة للفساد الذي منع منه، فكأن الفسخ لم يفد.
وقيل: له ذلك.
وإذا اشترط الخيار على الوجه السائغ فلا يتوقف الفسخ به على حضور الخصم أو قضاء القاضي.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
ويجوز البيع على خيار غيره أو رضاه أو مشورته. وكذلك الشراء.
فرع: قال في الكتاب: «إذا اشترى على مشورة فلان أو باع على ذلك (فلمشترط) الخيار أن يأخذ أو يرد وإن لم يشاور».
وقال في مشترط الرضى: «إن كان بائعًا فله الاستبداد بالرد والإمضاء دون رضى من اشترط رضاه، وإن كان مشتريًا وقف فعله على رضى من اشترط له ذلك».
واختلف المتأخرون في إبقاء التفرقة على ظاهرها، وهو رأي الأكثر، أو المساواة بينهما.
وحمل افتراق الجواب على افتراق السؤال. وهو رأى الشيخ أبي محمد.
وقال بعض المتأخرين: «إنما ينبغي أن ينظر، فإن كان اشتراط الرضى منهما جميعًا، ولهما في ذلك غرض، فهو كالوكيل لهما، ليس لأحدهما أن يمضي أو يرد دونه، وإن كان اشتراط الرضى لأحدهما فله أن يسقط رضاه إذا كان له الخيار».
قال غيره منهم: وهذا الذي قاله هو الأصل، لكن إن لم يظهر أحد القصدين فظاهر الكتاب أن له إسقاط الرضي. وقال ابن حبيب: ليس له ذلك.
قال بعض المتأخرين: وهذا إنما ينبغي أن يكون في حق المشتري، وأما البائع فالأصل بقاء ملكه، فلا ينتقل عنه إلا بدليل يدل على أن واقف الأمر على رضى الآخر. وهذا المعنى هو سبب التفرقة بين البائع والمشتري كما وقع في الكتاب.
(ولا يجوز اشتراط النقد في بيع الخيار بوجه لئلا يكون تارة ثمنًا وتارة سلفًا فإن نقد بغير شرط جاز).
فرع: لو عقدا على البت ثم جعل أحدهما الخيار لصاحبه، فقد أجازه في الكتاب.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
قال المتأخرون: وإنما يجوز إذا انتقد، لئلا يعطى فيما عليه من الثمن سلعة بالخيار، ولا يثبت خيار الشرط في الصرف. فأما السلم فيجوز فيه خيار اليومين والثلاثة، وعلل بأنه يحتاج إلى السؤال والمشورة مع أن المعقود عليه لا يلحقه بذلك تغير، وإنما منع بعيد (الأجل) لما في ذلك من مشابهته للكالئ بالكالئ، وذلك مما عفي عن يسيره دون كثيره».
والملك في زمن الخيار للبائع حتى ينقل بالإمضاء، والخيار موضوع لتمام البيع واستقراره، لا للفسخ. وقيل: بل هو للمشتري حتى يرد بالفسخ، فموضوع الخيار على هذا للفسخ لا للإمضاء.
النظر الثاني: في حكم الطوارئ في المدة.
وحدوث الغلة في أيام الخيار للبائع، كما أن عليه ضمان المبيع. فأما لو اشترى كبشًا وعليه صوف فأمضى البيع لكان الصوف للمبتاع، لأنه مشترى.
ولو ولدت الأمة في مدة الخيار، فإن فسخ البيع رجع الولد مع أمه إلى البائع، وإن أمضى البيع فهل يتبع أمه كالجزء من المبيع أو يبقى للبائع كالغلة واللبن؟ قولان لابن القاسم وأشهب.
التفريع: إن بنينا على قول ابن القاسم أن الولد للمشتري فلا تفريع. وإن قلنا: إنه للبائع كقول أشهب، فهو بيع حصلت فيه تفرقة، فهل ينفسخ أو يجبران على الجمع بينهما؟. قولان: سببهما هل ما أوجبته الأحكام كالمدخول عليه أم لا؟
ثم إذا قلنا: إنهما يجمعان (بينهما)، فهل يكفي الجمع في حوز أم لابد منه في ملك؟ قولان أيضًا.
قال الشيخ أبو الطاهر: «والأصل أن يجمعا في ملك». قال: «وقد اعترض فضل بن سلمة هذه المسألة وقال: إنما أجاز ابن القاسم وأشهب البيع ها هنا، وإن كانت أشرفت على الولادة، لأن البائع لم يخبر المشتري بذلك، ولو أخبره لكان البيع فاسدًا». وحكى الفساد
[ ٢ / ٦٩٥ ]
إذا جاوزت ستة أشهر عن ابن الماجشون.
قال أبو القاسم بن محرز: [و] هذا الذي قاله غير صحيح، لأن المشهور أن علم أحد المتبايعين بالفساد يوجب فساد البيع. قال: وإنما المسألة مبنية على أن البيع صحيح لأن المريض والحامل وإن بلغا إلى حد الخوف عليهما لا يمنع بيعهما، إلا أن يكونا في السياق.
قال الشيخ أبو الطاهر: «وقد أنتج قوله وقول فضل أن الأصلين مختلف فيهما، وهما: علم أحد المتبايعين بالفساد، والخلاف فيه معروف في المذهب، والثاني أن المريض إذا بلغ حد الخوف ولم يبلغ السياق مختلف فيه هل يجوز بيعه أم لا؟».
قال: «ويمكن بناء المسألة على كل واحد من الأصلين».
وإذا وهب للعبد مال في أيام الخيار، فقال: في الكتاب: «هو للبائع». قال أبو بكر بن عبد الرحمن: إلا أن يكون المشتري قد استثنى ماله، فالمال الذي وهب له للمشتري.
بخلاف ما وهب للعبد الرهن، فإنه لا يدخل في الرهن.
قال: والفرق أن المشتري ملك العبد وماله والمرتهن ليس حقه، إلا فيما جعل رهنًا خاصة. هذا حكم التغيير بزيادة.
فأما النقص فلا يخلو أن يكون جناية أو غيرها. فإن كان جناية فلا تخلو أن تكون من البائع، أو من المبتاع، أو من أجنبي. فإن كانت من البائع، فإما أن يكون الخيار له أو للمشتري، فإن كان له (وكان) عمدًا فقولان، أحدهما: أن جنايته رد للبيع، وهو أصل ابن القاسم. والثاني: أنها ليست برد له، وهو مذهب أشهب.
التفريع: إن قلنا: إنها رد، فإن كانت مثلة في الرقيق عقت عليه.
وإن قلنا: إنها ليست برد، فيكون المشتري بالخيار أيضًا في القبول بذلك العيب أو الرد.
وإن كانت الجناية خطأ فلا شك أنها ليست برضى، ويخير المشتري كما قلناه.
وإن كان الخيار للمشتري فجنى البائع عمدًا، فإن أتلف المبيع ضمن للمشتري الأكثر من الثمن أو القيمة، لأن له أن يأخذه بحكم التعدي، وإن لم يتلف المبيع كان للمشتري أن يغرم البائع قيمة الجناية، ويأخذه معيبًا ويدفع الثمن أو يرده. وإن كانت الجناية خطأ فإن أتت على النفس أنفسخ البيع، وإن كانت دونها خير المشتري بين أخذه ناقصًا ولا شيء له، أو رده.
وإن كانت الجناية من المشتري والخيار للبائع، فسواء كانت عمدًا أو خطأ، البائع
[ ٢ / ٦٩٦ ]
مخير بين أخذه بحكم الغرامة أو إمضاء البيع. وإن كان الخيار للمشتري فإن جنى عمدًا فقد تقدم الخلاف هل يعد ذلك رضى بالبيع أم لا. ولو كان المبيع من الرقيق لنظرت هل ما فعله مثله فيعتق عليه أو ليس بمثله فلا يعتق؟ وإن كانت جناية خطأ فقال في الكتاب: «يرده إن شاء وما نقص. وإن كان عيبًا مفسدًا ضمن الثمن كله». وقال سحنون: إنما يضمن بالقيمة.
وأجرى أبو القاسم بن محرز هذا الخلاف على الخلاف فيمن استهلك سلعة وقفت على ثمن، هل يضمن ثمنها أو إنما يضمن قيمتها؟
وإن كانت الجناية من أجنبي استوى الخطأ والعمد في الغرامة، وخير من له الخيار. فإن اختار إمضاء البيع فالأرش للبائع. وقال ابن حبيب: هو للمشتري.
قال الشيخ أبو الطاهر: «وهو على الخلاف في المترقبات متى بعد حصولها أيوم ترقبت أو يوم تحققت؟ فإن قيل: بماذا ينقطع الخيار؟ قلنا: بأن ينطق وينص على أحد الوجهين، أو يكون منعه على ما يدل على ذلك وهو على وجهين: ترك وفعل. فأما الترك فمثل إمساكه عن القول والفعل الدالين على تعيين أحد الوجهين إلى أن تمضي مدة الخيار، ولا يكون ممن له الخيار نطق ولا إحداث فعل، فإنه يستدل بتركه على قصده، فإن كان الخيار للبائع والسلعة في يده كان ذلك دليلًا على أنه اختار الفسخ، وإن كانت في يد المبتاع كان ترك ارتجاعها واستدعاء البائع لردها دليلًا على اختياره الإمضاء، كما أن تركه لها في يد بائعها دليل على اختيار الفسخ، فتبقى السلعة في يد من هي بيده».
وأما الفعل، فإن أحدث المشترط للخيار فعلا في المبيع لم يخل من أحد أمرين: إما أن يدل في العادة على الإمضاء أو الرد. وإما أن يكون محتملًا ليس بظاهر الدلالة. فإن كان دالًا عمل بمقتضاه، وإن كان محتملًا بقي من له اختيار على حقه منه، ولم يسقط بالاحتمال إذ الأصل بقاؤه حتى يتحقق إسقاطه، فإن اتهم على أنه قصد الإسقاط استظهر عليه باليمين.
وقد قسم بعض المتأخرين الأفعال في ذلك على ثلاثة أقسام:
الأول: متفق على أنه يعد رضى كالعتق والكتابة والاستيلاد، وتزويج الأمة وأمثالها.
فهذه من المشتري تدل على الإمضاء، ومن البائع تدل على الفسخ.
القسم الثاني: لا يعد رضى باتفاق كاختبار الأعمال وشبهه فوجوده كعدمه.
القسم الثالث: مختلف فيه، وهو كرهن المبيع وإجارته وإسلامه للصنائع، وتزويج العبد والسوم بالسلعة، وشبه ذلك من المحتملات.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
فمذهب ابن القاسم أن ذلك يقطع الخيار. ومذهب أشهب (أن ذلك) ليس بقاطع له.
قال بعض المتأخرين: وهو خلاف في شهادة هل ذلك دال على قطع الخيار فيكون قاطعًا أو هو محتمل فلا يكون قاطعًا؟
والاعتماد في هذا القسم على ما يظهر من قرينة الحال. قال سحنون: وكل ما يعد من المشتري قبولًا فهو من البائع إذا كان له الخيار فسخ.
قال أبو الحسن اللخمي: «ولا يجري ذلك مطلقًا، لأن الغلات للبائع، فإذا آجر أو أسلم للصناعة فإنما فعل بملكه ما يملكه». قال الشيخ أبو الطاهر: وهذا الذي قاله أبو الحسن يختلف الأمر فيه، فإن طول الإجارة ومدة التعليم، فيظهر مع هذا أنه قصد الرد.
فرع: لو ابتاع عبدًا بأمة بالخيار، ثم أعتقهما معًا في مدة الخيار تعين العتق في الأمة، لأنها باقية على ملكه، ويلزم من عتقها رد العبد، فلا ينفذ عتقه.
فإن قيل: ما حكم من طرأ عليه في أيام الخيار ما يمنعه من الاختيار بالإمضاء أو الرد؟.
قلنا: قد تقدم أن بانقضاء المدة من غير إحداث ما يقتضي الاختيار يلزم البيع وينتهي الخيار.
وهذا مع سلامة من شرط له الخيار إلى انقضاء أمده. فأما إن طرأ عليه ما يمنعه من الاختيار فلا يخلو أن يطرأ عليه ما لا يرجى زواله كالموت أو ما يرجي زواله كالجنون والإغماء.
فإن مات في المدة فإن الحق ينتقل إلى وارثه، فإن اختلف الوارث فليس لمن أجاز التمسك إلا بالجميع. وأما إن جن فالسلطان ينظر له في الإجازة والفسخ.
واختلف إذا أغمي على المشتري. فقال ابن القاسم: «يوقف حتى يفيق. وليس للسلطان أن يأخذ للمغمي عليه لكون الإغماء مرضًا يرجى زواله عن قرب، فلم يكن له الشراء لرشيد حال بينه وبين النظر لنفسه حائل يرجى زواله عن قرب. فإن طال به الإغماء فسخ البيع للضرر الذي يلحق الآخر في إيقاف صفقته».
وقال أشهب: له أن يقيم له من يجيز أو يرد في مدة الخيار قياسًا على من جن. إلا أن تمضي مدة الخيار قبل أن يعثر على ذلك فلا بد من فسخ البيع.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
النوع الثاني: خيار النقيصة، وهو ضربان:
الأول: ما ثبت بفوات أمر مظنون، نشأ الظن فيه من التزام شرطي أو قضاء عرفي أو تغرير فعلي.
والثاني: ما ثبت عن غبن فاحش.
فأما الضرب الأول فالنظر فيه في الأسباب المثبتة والموانع المبطلة.
النظر الأول: في الأسباب.
السبب الأول: الالتزام الشرطي، وهو الأصل، وما عداه ملحق به، فمهما شرط وصفًا يتعلق بفواته نقصان مالية ككونه تاجرًا أو صانعًا أو غير ذلك من الصفات المقتضية لزيادة الثمن في العادة، فإذا فقد ثبت الخيار للمشتري.
ولو شرط ما لا غرض فيه ولا مالية لغا الشرط ولم يثبت له خيار.
وقال الشيخ أبو الطاهر: يمكن تخريج الخلاف فيه من الخلاف في إلزام الوفاء بشرط ما لا يفيد.
وإن شرط ما فيه غرض ولا مالية فيه، فقولان منصوصان في (إلزام) الوفاء به.
فرع: لو ظهر المبيع أعلى مما شرط، كعبد شرط فيه جنسًا فوجد من جنس أعلى منه، فلا خيار للمشتري بذلك، إلا أن يتعلق له بذلك الجنس غرض يظهر، فيثبت له حينئذ الخيار.
السبب الثاني: القضاء العرفي.
وهو العيب، لأنه دخل على السلامة (فيه). والمثبت للخيار منه ما أثر نقصًا في المبيع أو الثمن أو في التصرف أو خوفًا في العاقبة. ثم يكون ذلك بنقصان وصف أو زيادته، وقد يكون بنقصان عين. ثم منها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه. ومنها ما يخص ومنها ما يعم، على ما يأتي تفصيل ذلك وبيانه في نقل الروايات، وذلك كالعمى والعور والقطع ونحوه. وكالخصاء فإنه عيب، وإن زاد في القيمة، لأن النقص محقق ولا يجبر بما زاد لأجل غرض آخر. وسقوط ضرسين فأكثر عيب، وكذلك الضرب [الواحد] في العلي دون الوخش، وكالحمل فإنه عيب في النوعين في رواية ابن القاسم. وروى أشهب تخصيصه بالعلي دون الوخش.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
ونزل أبو بكر بن عبد الرحمن رواية أشهب على المجلوبة من العجم. قال: لأن المقيمة بالبلد يكون حملها من زوج أو زنا وكلاهما عيب.
وأطلق في الكتاب: أن كون الأمة زلاء صغيرة الكفل والردف ليس بعيب، وقيده كثير من المتأخرين بالنقص اليسير الذي بفاحش ولا خارج عن العادة.
وقد أشار في كتاب محمد إلى هذا التفسير، فقال: إلا أن تكون ناقصة الخلق.
وفيه أيضًا من رواية أشهب أن المشتري إذا اطلع على أن الأمة صغيرة القبل إنه لا رد له به إلا أن يكون فاحشًا. وهذا يعضد التأويل المتقدم في مسألة الزلاء.
والشيب الكثير في الرائعة عيب، والقليل منه فيها مختلف فيه. وليس الشيب بعيب في الوخش إذا لم ينقص الثمن.
والإستحاضة عيب في العلي والوخش جميعًا. والبول في الفراش عيب في العبيد والإماء إذا كانوا في سن من يستنكر منه ذلك في العادة.
وفي الكتاب: «إن التخنث في الذكران والفحولة في النساء عيب. وشرط في الأمة أن تشتهر بذلك».
(وذكر ابن حبيب: أن ذلك إنما يكون عيبًا إذا كان الذكر يؤتى، والأنثى فحلة لشرار النساء. وأما التأنيث من جهة التكسر في المعاطف والنطق [فإنه ليس] بعيب.
واختلف المتأخرون: هل كلام ابن حبيب هذا خلاف لما في الكتاب أو تفسير له؟ على قولين:
[ ٢ / ٧٠٠ ]
الأول: للشيخ أبي محمد. والثاني: لغيره. ورد الشيخ أبو عمران قول ابن حبيب بأنه قد ذكر في الكتاب كون الأمة اشتهرت بذلك. قال: فلو كان المراد ما قال، لم يحتج إلى التكرار. قال: وإنما قيد في الأمة بالاشتهار لكون فحولتها لا تضعف شيئًا من أعمالها، لكن اشتهارها بهذا نقص وعيب. وقد جاء في الحديث أنها ملعونة.
وأما الذكر فإنه يستدل بتخنثه في حركاته وألفاظه على ضعف قوته وعمله. وذلك عيب وإن لم يشتهر.
والثيبوبة في الأمة ليست بعيب، ولا رد للمبتاع بوجودها ما لم يشترط البكارة، إلا أن تكون الأمة في سن من لا تفتض في العادة، فتكون البكارة كالمشتركة عادة.
وكذلك نداء المنادي عليها أنها بكر يقوم مقام الاشتراط والعسر عيب، والأعسر هو الذي لا يعمل إلا بيساره.
فأما الأضبط، وهو الذي يعمل بكلتي يديه، فليس بمعيب إلا أن ينقص عمل اليمين به عن المعتاد لأجل مشاركة الشمال لها في القوة، فيكون عيبًا، ولا يجبر ضعف اليمين بقوة الشمال.
ومن العيوب العامة في العبيد والإماء الزنا والسرقة وشرب الخمر والبخر في الفم والزوج.
ومنها الاطلاع على أن لأحدهما قرابة قريبة كالوالدين أو الأولاد، فإنه عيب، لأن قوة
[ ٢ / ٧٠١ ]
الألفة لهم والحنين إليهم تبعث على الإباق إليهم وإيثارهم بما في يده من القوت وغيره، فأما غير هؤلاء من الأقارب كالأعمام والأجداد والإخوة، فلا يرد بالاطلاع عليهم. ومال بعض المتأخرين إلى أن الجدة للأم في الحنين إليها كالأم. ورأى الإمام أبو عبد الله أن هذا ينبغي أن يرجع فيه إلى العادة. ومنها: الاطلاع على أن في آباء العبد أو الأمة مجذومًا، فإنه عيب لما يتقى من غائلته في النسل، إذ قد يكون فساد في النطف، فيتعدى في النسل.
وكذلك الجنون إذا وجد بأحد الآباء من فساد الطباع. وأما إن كان من مس الجان فلا رد به، إذ لا يخشى منه التعدي في النسل.
وأما كون أحدهما ولد زنا فإنه عيب في العلي من الذكور والإناث. واختلف في كونه عيبًا في الوخش.
ولو اطلع على أن في آباء الأمة أسود لم يكن عيبًا في الوخش. واختلف في كونه عيبًا في العلية لما يتوقع من كون الولد أسود.
(ولو وجد العبد أقلف والأمة غير مخفوضة لاختلفت الحال، فإن كانت مجلوبة من رقيق العجم، ولم تطل إقامتها ببلدنا فلا رد للمشتري به، لأنه على ذلك دخل. فإن كانوا ممن طالت إقامتهم عندنا، أو ولدوا عند المسلمين فذلك عيب في العلي منهم، واختلف في كونه عيبًا في الوخش).
ولو قالت الأمة: ولدت من الذي باعني، فروى ابن القاسم أنها لا تحرم على المبتاع إلا أنه عيب.
قال ابن القاسم: «يريد إذا باعها هذا فليبين، إذ لا يقدم أهل الورع على هذا».
فروع: الأول: إن مقتضى ما تقدم من كون وجود العيب يقتضي ثبوت الخيار للمشتري في الرد ثبوته له إذا وجد بحائط الدار صدعًا ينقص من ثمنها، لكن قال في الكتاب: «إن كان يخاف على الدار أن تنهدم بسببه كان له الرد به، وإن كان لا يخاف ذلك فلا رد له به».
[ ٢ / ٧٠٢ ]
ووقف في الجواب عند هذا وتممه محمد فقال: لا يرد به، ولكن يرجع بقيمة العيب إذا كان يسيرًا. قال: وكذلك في كل عيب.
قال الإمام أبو عبد الله: وهذا الذي ذكره محمد هو الظاهر. والمراد بما أطلقه في الكتاب، فقد قال في كتاب القسم منه: «إن أحد الشريكين إذا اطلع فيما صار إليه بالانقسام في الربع على عيب يسير قضى له بقيمته». قال الإمام: وقد أكثر المتأخرون القول في الفرق بين الديار وما سواها من المبيعات. وذكر عنهم فروقًا عديدة، وقدح فيها. ثم قال: والنكتة التي يحوم الجميع عليها اعتبار الضرر بالعيب وحصوله والنظر في مقداره فيما يخف ويكثر. قال: وقد ذهب بعض الأندلسيين إلى أن الدور ترد بالعيب اليسير كسائر السلع. قال: وهذا هو مقتضى القياس والظاهر، وإنما سلك الآخرون ذلك لما تقدم من اختلاف أحوال المبيعات في حكم الضرر بالعيب ومقداره.
فرع مرتب:
إذا اعتبرنا الفرق بين اليسير والكثير، وقلنا: إنها لا ترد باليسير فما هو اليسير؟.
اختلف المتأخرون في مقداره قال بعضهم: هو ما كان لا يأتي على معظم الثمن. وقال غيره: اليسير فيه ما نقص عن الثلث.
وأشار غيرهما إلى اعتبار كون العيب شاملًا لجميع الدار من جهة التأثير والقصد، كبطلان بئرها بطلانًا لا ينصلح أو (مأجلها) أو سقفها أو قناتها. ورأى أن ما كان كذلك يوجب الرد، لأنه (كعيب) استولى على الكل.
الفرع الثاني: في حكم العيوب التي لا يمكن أن يطلع عليها إلا بعد تغير هيئة المبيع كخشبة تشق فيوجد باطنها عفنًا أو مسوسًا. وكذلك الجوز والتين وشبه ذلك. وكذلك جلود اشتريت فلم يمكن الاطلاع على ما فيها من عيب إلا بعد دباغها. فما كان من هذا الجنس فلا يثبت للمشتري خيار الرد به في الرواية المشهورة.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
قال فيها: لأنه أمر ثابت، عليه يدخل البائع والمشتري والتبايع عليه وقع. وروى أنه يرد به كغيره من العيوب».
وفرق ابن حبيب فلم يثبت الخيار من ذلك بما كان في أصل الخلقة، وأثبته بما طرأ منها بعد السلامة منه فيها لسبب اقتضاه.
واختلف المتأخرون: هل هذا قول ثالث في المسألة أو هو خارج عن محل الخلاف؟ إذ يمكن الاطلاع على السبب الحادث وعلم البائع به، كوضع الخشبة في موضع ندي، وشبه ذلك.
ووقع في كتاب محمد لأشهب وغيره: أن ما يمكن اختياره من ذلك والاطلاع عليه حال العقد كالجوزة والجوزتين والقثاءة والقثاءتين، فللمشتري الرد إذا وجد باطنه رديئًا.
وفي كتاب محمد أيضًا: أن الأحمال لا يرد ما وجد منها فاسدًا إلا أن يكون الحمل بكماله فاسدًا، فإن ذلك لا يكاد يخفى على بائعه.
الفرع الثالث: في اعتبار حالة حدوث العيب.
والضابط فيه أن كل حالة يكون ضمان المبيع فيها باقيًا على بائعه لم ينتقل إلى المبتاع بعد. فحدوث العيب فيها يقتضي الخيار للمبتاع في الرد به. وكل حالة انتقل الضمان فيها على المبتاع فلا رد له بما يحدث فيها من العيوب.
السبب الثالث: التغرير الفعلي.
وفيه فصلان: الأول في حد السبب، والثاني في حكمه.
الفصل الأول: في حده
وهو أن يفعل البائع في المبيع فعلًا يظن به المشتري كمالًا فلا يوجد كذلك. والأصل في اعتبار هذا السبب قوله ﷺ: «ولا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر».
ومعنى التصرية: جمع اللبن في الضرع وترك حلابه حتى يعظم، فيظن المشتري لذلك غزارة اللبن، فنزل ذلك منزلة اشتراط الغزارة المظنونة، فوجب الخيار لفقدها وصار ذلك
[ ٢ / ٧٠٤ ]
بمنزلة من اشترط في الشاة أنها تحلب قسطا من اللبن، فوجدها على خلاف ذلك فإن له الرد.
أما لو ظن غزارة اللبن لكبر الضرع، فكان ذلك لحمًا، لم يثبت له بذلك خيار. وكذلك (إذا) اشترى غير مصراة فوجد حلابها قليلًا فلا رد له إلا أن يكون البائع يعلم مقدار حلابها، فباعها له في إبان الحلاب، ولم يعلمه ما لم يعلم منها، فله الخيار، لأن البائع صار كبائع طعام يعلم كيله، والمشتري لا يعلم، فله رده، ولو كان في غير إبان لبنها فلا رد له وإن علم البائع منها ما لم [المبتاع] وقال أشهب: بل يردها.
وإن اشتراها في غير الإبان إذا حبسها حتى جاء الإبان وأقر (البائع) أنه كان عالمًا بحلابها، حلب المشتري أو لم يحلب، إذا كانت شاة لبن. وقال محمد: إن زيد في ثمنها لمكان اللبن، كان المشتري مخيرًا، لأن على البائع أن يعلمه إذا كان المقصود منها اللبن. ثم حكم الإبل والبقر حكم الغنم، إذا كان المقصود منها اللبن.
وفي معنى التصرية تلطيخ ثوب العبد بالمداد ليخيل بذلك أنه كاتب. وكذلك كل ما أشبهه من التغرير بالفعل.
الفصل الثاني: في حكم السبب
وهو الخيار، فإذا علم المشتري أن الشاة مصراة قبل أن يحلبها كان له أن يردها قبل الحلاب، وأن يمسكها ويحلبها ثم يختبرها، وينظر كيف عادتها، ومقدار ما تنقص عن التصرية.
وكذلك لو لم يعلم بالتصرية إلا بعد أن حلب، لكان له الخيار بين أن يرد أو يمهل حتى يحلب ثانية ويعلم عادتها. فإن احتلبها الثالثة فقال محمد: «ذلك رضى».
وفي الكتاب من رأى ابن القاسم أنه إذا جاء من ذلك ما يعرف أنه (كان) قد اختبرها قبل ذلك فما حلب بعد ذلك فهو رضى منه بالشاة ولا يكون له ردها. وقال مالك في كتاب محمد: له أن يرد ولو حلب [الثانية]. وهو مقتضى الحديث. والظاهر أن الثانية لا توقف على العادة لقربها من زمن التصرية.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
ثم حيث كان له الخيار فاختار ردها فليرد معها صاعًا من التمر للحديث وهو بدل عن اللبن كائن في الضرع لدى العقد لعسر تمييزه، ولدفع الخصومة فيه. فلو أراد أن يرد اللبن بعينه عوضًا عن الصاع المأمور به لم يكن له ذلك، لأن الصاع لم يجب لفوات اللبن، بل لما ذكرناها. بدليل أنه لم يضمن بالمثل. قاله ابن القاسم. ثم قال: «ولو وافق البائع المشتري على ذلك لم يصح إذ يدخله بيع الطعام قبل قبضه». وقال سحنون: إذا رده بعينه فهي إقالة.
والإقالة في الطعام جائزة.
ثم قدر الصاع متعين، فلا يزاد عليه لكثرة اللبن وغزارته، ولا ينقص منه لقلته ونزارته، ولا يلتفت إلى غلائه ورخصه، بل قد قال بعض المتأخرين: إن كانت قيمته تساوي قيمة الشاة أو تزيد عليها، فظاهر المذهب أن عليه الإتيان به.
وأما جنس المخرج فقال القاضي أبو الوليد: «روى ابن القاسم (أنه يكون من غالب قوت البلد).
ووجهه: أنه قد ورد في بعض ألفاظ هذا الحديث في رواية ابن سيرين: صاعًا من طعام فيحمل تعيين صاع التمر في المشهورة على أنه كان غالب قوت ذلك البلد.
فرعان: الأول: إذا تعددت الماشية المصراة، فقال أحمد بن خالد الأندلسي فيما ذكر عنه: يكتفي فيه بصاع واحد لجميعها، كما اتخذ في لبن الناقة، وإن ساوى لبن عدة من الشاء. وقال أبو القاسم بن الكاتب: تتعدد الصيعان بتعدد الماشية. واعتبر ذلك بغرة الجنين، واعتذر من اتخاذ الصاع في لبن الناقة بأن الكثرة في لبنها مقابلة بالجودة في لبن الشاة.
الفرع الثاني: لو رضي بعيب التصرية، ثم رد بعيب آخر غيره، فقال محمد: لا يرد عوض ما حلب، ورأى قصر الحديث على ما ورد فيه. وذكر عن أشهب أنه يرد الصاع. ومال إليه بعض المتأخرين.
النظر الثاني: في مبطلات الخيار وموانعه. وهي صنفان:
الأول: ما يبطل الرد على الإطلاق. وذلك أمور أربعة.
الثاني: شرط البراءة من العيب. والمشهور من المذهب: جوازه والانتفاع به. وروي أنه لا ينتفع بالبراءة مطلقًا.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
قال الإمام أبو عبد الله: من المتأخرين من يحكي هذه الرواية عن مالك حكاية مقيدة، فيقول: لم يختلف قلوه في جواز البراءة من العيب اليسير، ولا في ثبوت البراءة في بيع السلطان، ولا في سقوط عهدة الثلاث وعهد السنة في البيع الثابت فيه البراءة.
قال: وسبب هذا الاختلاف أن النهي ورد عن بيع الغرر واشتراط البائع على المشتري ألا يرد عليه بعيب يطلع عليه يتضمن عقد الشراء على مبيع غير معلوم ولا محاط به، وبيع ما لا تعلم حقيقته لا يختلف في منعه كبيع الإنسان ما في يده أو ما في نهره من الحيتان، لكون المشتري دخل على العبد المشتري إن وجده أعمى أصم أبكم لزمه الشراء بالثمن الذي بذل، وإن وجده على صفة كمال سالمًا من العيوب كان ذلك له.
وأما وجه الجواز في الجملة فما أشار إليه ابن حبيب من حكم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄ بإمضاء البيع المشترط فيه البراءة، ومن كون الضرورة قد تمس إلى ذلك وتدعو إليه الحاجة والمصلحة، فعفي عنه كما يعفى عن عقود تضمنت غررًا للضرورة الداعية إلى العفو عن ذلك.
وإذا فرعنا على المشهور، فهل يعم الانتفاع بشرط البراءة جميع المبيعات أو يتخصص ببعضها؟
ذكر ابن حبيب عن مالك أنه يعم جميع البياعات عرضًا كان المبيع أو حيوانًا. وحكاه أيضًا عن ابن وهب، وحكاه غيره عن ابن كنانة.
وروي تخصيص حكم البراءة ببعض المبيعات. واختلف في تعيينه، فروي تخصيصه بالحيوان خاصة صامتًا كان أو ناطقًا، وهو مذهب الموطأ. وروي تخصيصه بالحيوان الناطق خاصة، وهو مذهب الكتاب.
وسبب هذا الاختلاف أن بيع البراءة إنما عفي عنه لاستواء البائع والمبتاع في الجهل
[ ٢ / ٧٠٧ ]
بالعيب. ومقتضى ذلك جواز بيع البراءة في العروض وسائر التملكات، لكن من قصر ذلك على الحيوان رأى أن الحيوان تتلون أحواله بالصحة والسقم، ولا يكاد يحاط بعيوبه، فيقوى تصديق البائع بأنه جهل العيب الذي فيه، حتى يعتقد أنه استوى علمه وعلم المشتري في العيب، بخلاف العروض.
وأما قصر ذلك على الحيوان الناطق فعلل بأمرين متقابلين: أحدهما أن الرقيق يخبر عن نفسه، لكونه من ينطق ويعرب عن نفسه، فإذا لم تقع منه شكوى لما أصابه من المرض لم يعلم سيده ما به، فعذر بكونه جاهلًا بالعيب وصدق فيما قال.
والأمر الثاني أن الرقيق يكتم عيبه ويستره عن سيده مخافة أن يزهد فيه فيبيعه، فعذر سيده في جهله بعيبه، وصدق في أنه لم يعلم، بخلاف البهائم التي لا تكتم عيبها.
فروع: الأول: إذا قلنا: إن (بيع) شرط البراءة ينفع فبيع السلطان وبيع الميراث إذا علم أنه ميراث جار مجرى بيع البراءة وإن لم يشترط.
الفرع الثاني: حيث قلنا: إن البراءة تنفع، فإنما منفعتها في دفع الرد بعيب لم يعلم به البائع دون ما علم به كما تقدم، فلو ادعى على البائع العلم فاعترف رد عليه.
وكذلك إن طلب باليمين حين توجهت عليه فنكل عنها. وإن حلف فلا رد عليه به.
واختلف إذا باع الإنسن مال نفسه، هل يسوغ له أن يبيعه بالبراءة وإن لم يختبر المبيع وإنما باعه بحدثان ملكه، أو لا يسوغ له ذلك إلا بعد اختبار المبيع؟ فالمشهور أنه لا ينفعه التبري من العيوب إلا بعد اختبار المبيع.
قال في الكتاب، في التجار يقدمون بالرقيق فيبيعونه بالبراءة ولم تطل إقامة الرقيق عندهم: «هؤلاء يريدون أن يذهبوا بأموال الناس باطلًا، لا تنفعهم البراءة».
وقال عبد الملك وغيره: تنفعهم البراءة في ذلك.
الفرع الثالث: إذا تبرأ البائع من عيب، وذكره في جملة عيوب ليست موجودة في المبيع لم تنفعه البراءة، حتى يفرده بالبراءة منه، ويعين موضعه، ويعلمه جنسه ومقداره ظاهرًا وباطنًا، فلا يبقى للمبتاع فيه قول، وكذلك لو اقتصر به على مشاهدة لا تقتضي الإحاطة به، أو تبرأ إليه منه بخبر ولفظ فيه احتمال لم يبرئه ذلك، كما لو باعه بعيرًا وتبرأ إليه من دبرته، وهي منغلة مفسدة فأراه إياها، ولم يذكر ما فيها من نغل وغيره، فلا يبرأ حتى يذكره.
وكذلك لو تبرأ في العبد من إباق أو سرقة، والمبتاع يظن إباق الليلة، أو إلى مثل العوالي
[ ٢ / ٧٠٨ ]
من المدينة، أو سرقة الرغيف، فيوجد بنقب، أو قد أبق إلى مثل مصر أو الشام من المدينة، فلا يبرأ حتى يبين أمره.
تقرير: قال أبو القاسم بن الكاتب: لم يختلف قول مالك في أن بيع السلطان على المفلس أو لقضاء ديون من تركة ميت بيع براءة وإن لم يشترطها. قال: وإنما كان كذلك لأنه حكم منه بالبيع، وبيع البراءة مختلف فيه، فإذا حكم السلطان بأحد أقوال العلماء لم ترد قضيته عند من يرى خلاف رأيه فيما حكم به.
قال الإمام أبو عبد الله: قول أبي القاسم بن الكاتب فيه نظر عندي، فإن السلطان لم يتعرض في البيع إلى خلاف ووفاق، ولا قصد إلى حكم بإنفاذ بيع على البراءة، فينفذ حكمه، وإنما فعل في نفسه فعلًا أوجبه الشرع عليه. ثم حكى عن بعض أشياخه أنه يرى إثبات الخلاف في بيع البراءة، ولو كان السلطان هو الذي يتولى البيع، وأنه تعلق في ذلك بقول سحنون، وكان قوله القديم أن بيع السلطان وبيع (المواريث) لا قيام فيه بعيب ولا بعهدة. قال: فقوله: كان قوله القديم، إشارة منه إلى أن له قولًا آخر، ويتعلق أيضًا بقول ابن القاسم؛ إذا بيع عبد على مفلس، فللمشتري أن يرد بالعيب. قال: ففي هذا أيضًا إثبات الخلاف في بيع السلطان.
قال الإمام: وأما بيع الورثة لقضاء ديون وتنفيذ وصايا، فإن فيه الخلاف المشهور.
قال: فاقتصر مرة على ثبوت البراءة في بيع السلطان خاصة. وأضاف مرة إلى ذلك بيع أهل الميراث، ومراده من ذلك ما باعوه لقضاء دين أو نفاذ وصية. وأما ما باعوه لأنفسهم للانفصال من شركة بعضهم لبعض فلا حق ببيع الرجل مال نفسه بالبراءة. وكذلك من باع للإنفاق على من في ولايته.
فرع مرتب: إذا قلنا بأن بيع السلطان بيع براءة، فظن المشتري أن البيع واقع ممن لا تنفذ أحكامه، بل هو بيع رجل مال نفسه، فإنه لا يسقط مقاله في العيب، ويكون بالخيار بين أن يتمسك بالمبيع على البراءة من العيوب أو يرده. وقيل: لا مقال له في العيوب.
وحمل هذا القول على أن قائله ادعى ما لا يشبه لكونه بيع السلطان مما لا يخفى لكونه في غالب العادة إنما يكون في مجمع واحتفال، وإنما حمل بيع الورثة لقضاء دين أو إنفاذ وصية على بيع البراءة لكون الديون كالوصايا يجب إنفاذها، ومن حق أهلها أن [تعجل] لهم حقوقهم إذا طلبوها، والسلطان والورثة والوصي غير عالمين بأحوال المبيع وهو مطالبون
[ ٢ / ٧٠٩ ]
باستعجال البيع فحمل بيعهم على البراءة لأجل ذلك، بخلاف بيع الإنسان مال نفسه.
المانع الثاني: فوات المعقود عليه حسًا بالتلف، أو حكمًا بالعتق ونحوه من الاستيلاد والكتابة والتدبير. فلو اطلع على عيب بالعبد بعد فواته فلا رد إذ لا مردود. وإذا عجز عن الرد فله الأرش، وهو الرجوع إلى جزء من الثمن يعرف قدره بمعرفة نقصان العيب من قيمة المعيب، فيرجع من الثمن بمثل نسبته.
فرع: فإن كان العذر رد عين المبيع مع بقاء الملك فيه لتعلق حق به، كالمستأجر والمرهون، فقال ابن القاسم: يرده متى عاد إلى يده.
وقال أشهب: إذا لم يخلصه من الرهن معجلًا ولا من الإجارة، حكم له بقيمة العيب.
واختار ابن حبيب مذهب أشهب إذا بعد زمن تخليصه من الإجارة والرهن. ومذهب ابن القاسم: إذا قرب ذلك كالشهر ونحوه.
وإذا كان تعذر الرد لعقد انتقل به الملك إلى غيره، فإن كان بغير معاوضة كالعطايا رجع بقيمة العيب، وإن كان بمعاوضة كالبيع وما في معناه، فإن كان من البائع وقد أخذ منه فيه الثمن الأول فلا كلام له، وإن أخذ منه دونه استتم ما بقي منه.
وإن باعه له بأكثر منه فإن كان مدلسًا، أعني البائع الأول، فلا رجوع له، وإن كان غير مدلس رد على البائع الثاني، ثم رد عليه ليرجع له ما زاد على الثمن الأول.
وإن كان البيع من غير البائع فروى ابن القاسم بلاغًا أنه لا يرجع بشيء.
قال ابن القاسم: لأنه في بيعه على وجهين: إن باع بمثل الثمن فقد عاد إليه ثمنه. وإن باع بأقل فإن النقص لم يكن لأجل العيب.
وقال أشهب: إذا باع ذلك ولم ينقص منه لم يرجع بشيء، وإن نقص منه شيئًا كان له أن يرجع (عليه) بالأقل مما نقص أو من قيمة العيب.
وروي أيضًا أنه إن كان لم ينقص من الثمن في البيع لم يرجع بشيء، إذ ماله عند الرد إليه. وإن نقص من الثمن الذي اشترى به كان البائع مخيرًا بين أن يكمل له الثمن أو يعطيه قيمة العيب من الثمن الذي قبض منه.
وكأنه في هذه الرواية قدر المبيع فائتًا في حق البائع خاصة، فخيره إن شاء جعله قائمًا فأكمل له ما نقص من الثمن إذ ليس له سواه، وإن شاء جعله فائتًا فأعطاه قيمة العيب.
وما قاله في هذه الرواية هو مذهب أشهب، وهو اختيار ابن حبيب. وقال مالك في المختصر: يقضي للمشتري بقيمة العيب، وهو تقدير للفوت في حقهما جميعًا، كالحكم في
[ ٢ / ٧١٠ ]
الموت وهو اختيار محمد بن عبد الحكم، وأضاف ذلك إلى الموطأ، فقال: قد قال مالك ﵁ في موطئه: «إذا فات المبيع بشيء من وجوه الفوت كان فيه قيمة العيب».
قال: والبيع أحد وجوه الفوت. وهذا المذهب هو اختيار القاضي أبي محمد.
فرع: فإن عاد المبيع إلى البائع المبتاع، فإن كان (الرد) من المبتاع الثاني لأجل العيب فله الرد على البائع الأول، لأن العائد هو المالك الأول. وإن عاد إليه بملك مستأنف فله رده على الأول أيضًا.
وقال أشهب: هو بالخيار، إن شاء رده على من اشتراه منه، وإن شاء رده على البائع الأول. فإن رده على المشتري كان المشتري بالخيار بين أن يتمسك به أو يرده عليه، فيرده هو على البائع الأول إن شاء.
وسبب الخلاف: أن الزائل العائد كالذي لم يزل أو كالذي لم يعد؟
المانع الثالث: ظهور ما يدل على الرضى بالعيب من قول أو سكوت أو فعل. أما القول فظاهر، وأن السكوت فهو التقصير عند الاطلاع على العيب، فإذا تمكن من رد المعيب فسكت عنه من غير عذر بطل خياره، ولم تبق له مطالبة بالأرش لتقصيره. وترك التقصير أن يرد مع التمكن وعدم العذر إن كان البائع حاضرًا، فإن كان غائبًا استشهد شاهدين بالرد، فإن عجز حضر عند القاضي فأعلمه، ثم القاضي يكتب إلى البائع إن قربت غيبته، وإن كانت غيبة بعيدة تلوم له إن رجا قدومه، فإذا لم يرج قدومه قضى عليه إن أثبت المشتري أنه اشترى على بيع الإسلام وعهدته.
وأما الفعل فهو أن يتصرف في المبيع أو يستعمله بعد علمه بالعيب تصرفًا أو استعمالًا لا يقع في العادة إلا رضى من المشتري بالتمسك بالمبيع، وما كان من التصرف مشكلًا لم يقض عليه بكونه علمًا على الرضى. هذا هو الأصل المعتبر في أمثال هذا.
فأما اختلاف الرواية في تصرف المضطر فإن ابن القاسم روى أن المسافر إذا اطلع على عيب بالدابة فركبها إلى أن قدم بها على صاحبها فإن ذلك لا يسقط حقه في الرد [قال] وليس عليه أن يقودها، ويكري غيرها. وروى أشهب: أن ذلك رضى منه.
وسبب الخلاف: هل يعد كالمكره أم لا؟
فرع: الاستعمال المأمور بتركه هو الاستعمال المنقص، كاستعمال الثوب يلبسه، فأما
[ ٢ / ٧١١ ]
ما لا ينقصه الاستعمال كالدار وشبهها، فلا يلزمه إخلاؤها، بل يبقى على استعمالها، وهو يخاصم لأن ذلك غلة وخراج، والخراج بالضمان، وضمانها منه.
وأما الحيوان فإن كان جارية (فيترك) وطأها، لأن الوطء إنما يباح فيما يستقر ملكه فليس له وطؤها وهو يرد نقض البيع فيها.
وأما الحيوان غير الجارية من عبد أو دابة فالمشهور أنه يترك استعمالها. وذهب ابن حبيب إلى أنه لا يمنع من استخدام العبد وركوب الدابة قياسًا على (العقار)، لأن الخراج له والنفقة عليه، فلا يمنع من الانتفاع بالمبيع.
وإذا فرعنا على المشهور فلينزل على الدابة إن كان راكبًا، إلا أن يتعذر عليه القود، فيعذر في الركوب إلى مصادفة الخصم أو القاضي، على الخلاف المتقدم.
المانع الرابع: زوال العيب قبل القيام به، فيسقط به حق الخيار. إلا إذا بقيت علقته كطلاق الزوج الأمة قبل علم المشتري به، فإن ذلك لا يسقط حقه من الرد إذ تبقى علاقة الزوج بها وتعلق قلبها به. وكذلك كل ما تبقى له علقة أو لا تؤمن عودته، فإن أمنت عودته ولم تبق له علقة، فلا خيار للمبتاع في الرد به.
الصنف الثاني: ما يمنع (من) الرد على وجه دون وجه. وهو تغير ما يحدث في المبيع. وليس كل تغير يمنع.
فلنفصل ضروب التغير، وهو على ثلاثة أضرب:
الأول: ما يؤثر في المبيع تأثيرًا بغير المقصود منه حتى يصيره كأنه ليس بالعين المبيعة.
وهذا يلحق بالعيوب المفيتة للرد على الإطلاق إذ ذلك في معنى تلف العين لأن المقصود من الأعيان المنافع.
الضرب الثاني: ما لا يؤثر تأثيرًا له بال فيسقط حكمه ويكون وجوده كعدمه.
الضرب الثالث: ما يؤثر تأثيرًا له بال إلا أنه لا يغير المقصود من العين. وهذا هو المقصود بالكلام عليه الآن فيكون المبتاع فيه بالخيار بين أن يتماسك بالبيع ويأخذ أرش العيب القديم، أو يرده مع أرش العيب الحادث عنده، إلا أن يقبل البائع المبيع بالعيب الحادث بغير أرش فلا يلزمه دفع الأرش إن تمسك المبتاع بالمعيب وطلب الأرش.
وحكى ابن مزين عن عيسى بن دينار أنه لا يسمع من البائع ذلك بل يبقى المبتاع على خياره.
[ ٢ / ٧١٢ ]
واعلم أن هذا هو الأصل المعتبر في هذا الباب وما وقع في المذهب من الخلاف في آحاد العيوب فراجع إلى الاختلاف في دخولها تحت أي ضرب من هذه الضروب الثلاثة.
ولنذكر أمثلة لما وقع (فيه) الخلاف من ذلك وما نقل فيه من الروايات، فنقول:
قد ذكر في الكتاب من أمثلة الضرب الثاني الرمد والحمى والوعك. ورأى أشهب أن الحمى والوعك من الضرب الثالث. وذكر من أمثلة الضرب الثالث العمى والشلل. ورآهما ابن مسلمة من الضرب الأول. وكذلك وأي قطع ذنب البلغة المركوبة والفرس المركوب.
واختلف في عجف الدابة وهرم العبد أو الأمة، فالمشهور أن ذلك من الضرب الثالث، ورآه ابن مسلمة من الضرب الأول. وقيل في سمن الأمة الهزيلة: أنه من الضرب الثالث.
وقيل: من الثاني.
وذكر في الكتاب في كبر الصغير أنه من الضرب الأول. وذكر أيضًا أنه من الضرب الثالث.
والوطء في الثيب من الضرب الثاني على المشهور. ولو كان في البكر افتضاض لكان من الضرب الثالث، يردها وما نقصها الافتضاض.
وذكر ابن حبيب عن ابن نافع وابن وهب وأصبغ أنهم يرون الوطء في الثيبات من الضرب الأول.
وتزويج الأمة من الضرب الثالث في المشهور. وقيل: من الضرب الثاني. [ورآه] ابن مسلمة: من الأول.
فإذا قلنا: إنه من الضرب الثالث تفريعًا على المشهور فولدت من الزوج. [فإنه] يجبر نقص النكاح بزيادة الولد وقيل: لا يجبر.
فرع: ما مضى من لزوم أرش العيب الحادث عند المبتاع إذا اختار الرد، وهو في حق غير المدلس. أما إذا كان البائع مدلسًا بالعيب فإن المبتاع يرد المبيع من غير أرش للعيب الحادث عنده، إلا أن يفوت (فواتًا) يمنع من الرد، كهلاكه أو (فوات) أكثر منافعه، فيتعين أخذ أرش العيب القديم. وكذلك لو تصرف المبتاع في السلعة غير التصرف المعتاد بأن
[ ٢ / ٧١٣ ]
أتلفها أكثر من منافعها، كمن قطع ثوبًا نفيسًا قلانس أو خرفًا صغارًا أو شبه ذلك.
فأما لو تصرف فيها التصرف المعتاد، كما إذا فصلها أقمصة ونحوها مما جرت به عادة مثله في مثلها، فله الرد بغير أرش لما صنع فيها، إذ هو سلطة على هذا الفعل فيها.
ولو كان الهلاك بسبب العيب المدلس [به] لرجع المبتاع بجميع الثمن كمن دلس في عبد بالسرقة فسرق عند المبتاع فقطعت يده، فله رده بغير أرش للقطع.
وكذلك من دلس بالإباق، فأبق العبد عند المبتاع، فكان إباقة سبب هلاكه، مثل أن يخشى أن يدركه الطلب فيتردى من جبل فيهلك، أو يتوارى في غار، فيكون ذلك سبب هلاكه فإنه يرجع بجميع الثمن.
ولو باعه المبتاع فأبق عند المبتاع الثاني، فهلك بسبب إباقه، لرجع الثالث على الأول بجميع الثمن، إلا أن يزيد على ما دفع الثالث للثاني، فيكون له أو ينقص عنه، فيكمله الثاني.
قاله ابن القاسم، وكأنه قدر أن الثالث، وإن لم يدلس عليه من باشر البيع له، فإن المدلس على من باع منه يقدر مدلسًا عليه، لأنه يقول: لو (أعلمت) الأوسط بالإباق لأعملني به فلم اشتره منه، أو كان مدلسًا علي، فأنت سبب إتلاف الثمن علي.
وقال أصبغ: يؤخذ الثمن من الأول، فيدع للثالث منه قيمة العيب [التي] يستحقها على الثاني لو انفرد به، ويسلم بقيته للأوسط.
وقال محمد: لا تأثير لتدليس الأول على الثاني إذا لم يضره، وليس له عليه شيء إلا أن يرجع عليه الثالث بالأرش، فيكون (على الأول للأوسط) الأقل مما غرم للثالث، أو إكمال الثمن الذي دفعه أو قيمة العيب من الثمن الذي دفعه أيضًا.
وكذلك يجب أن يكون للثالث أن يرجع ها هنا على الأول المدلس بما كان يرجع به عليه الثاني، إذا طالبه الثالث بالواجب عن الأرش. ويتم الغرض من هذا القسم بذكر فروع.
الأول: إذا ابتاع حليًا بخلاف جنسه نقدًا فوجد به عيبًا فما دفع البائع للمشتري في الأرش من جنس المبيع أو من سكة الثمن جاز عند ابن القاسم وأشهب.
وإن دفع ما يخرج عن جنس المبيع وسكة الثمن لم يجز عند ابن القاسم، وأجازه أشهب.
وقال سحنون: لا يجوز أن يأخذ منه شيئًا من جنس المبيع، وهي مسألة سوء لا يجوز الصلح فيها بوجه.
[ ٢ / ٧١٤ ]
وسبب الخلاف: أن ابن القاسم رأى أن المبيع ما حصل في يد المبتاع من الحلي، وما أخذ منه من جنسه، وأن البيع إنما وقع بما بقي من الثمن. وعد ما أخذ كالمقبوض حالة العقد ما لم يدخلا على التأخير.
وجرى أشهب على أصله في أن الصلح إنما وقع على أن لا يرد الحلي بالعيب.
وأما سحنون فرأى أنه كصرف تأخر، لأنه دفع حليًا بالأمس مثلًا ودفع اليوم شيئًا من جنسه وأخذ عنهما جميعًا بالأمس خلاف جنسهما، وتأخر بعض الصرف لا يجوز.
الفرع الثاني: إذا كانت الزيادة الحادثة صبغًا في الثوب، ثم اطلع على العيب، فله حبس المبيع وأخذ قيمة العيب أو رده ويكون شريكًا بما زادت (الصبغة) لا بقيمة (الصبغة) ولا بما ودى فيها، وسواء دلس في هذا أم لا. ولو كان الصبغ منقصًا لكان له ردها بغير مغرم، إن كان البائع مدلسًا أو الحبس وأخذ الأرش. فإن كان غير مدلس كان كعيب حدث، وقد تقدم حكمه.
الفرع الثالث: حيث تعين الأرش للمبتاع أو اختاره إذا ثبت له الخيار، وافتقرنا في ذلك إلى معرفة القيمة، فإنها إنما تعتبر يوم دخول المبيع في ضمان المبتاع وإن كان البيع صحيحًا.
وكذلك لو أراد المبتاع الرد مع أرش العيب الحادث لكان التقويم يوم العقد فيما يضمن بالعقد.
وقال أحمد بن المعذل: إنما يضمن ها هنا بالقيمة يوم الرد، بخلاف المسألة الأولى.
الفرع الرابع: في تبعيض العقد من ناحية تعدد من باع أو من اشترى. وتعدد البائع لا يمنع من رد المشتري على أحد البائعين ما يخصه من المبيع والتمسك بحصة غيره، (فتتعدد) الصفقة بتعدد البائع. وأما تعدد المشتري فاختلفت فيه (الرواية):
فقال مالك في رواية: إن أحد المشتريين يتمكن من رد نصيبه على البائع، وإن للبائع لمقالًا. وقال في رواية أشهب: إنه لا يمكن من ذلك.
وسبب الخلاف: النظر إلى أن هذه الصفقة هل تكون في حكم الصفقتين وتتعدد بتعدد المشتري، كما تتعدد (الصفقة) بتعدد البائع أم لا؟.
فأما تعدد المبيع، فإن كان مما لا يفترق في العادة كالخفين والمصراعين وشبه ذلك فليس له تخصيص أحدهما بالرد وإن اختص بالعيب، بل إما ردهما جميعًا وإما أمسكهما جميعًا.
[ ٢ / ٧١٥ ]
وأما ما ليس بأخ لصاحبه من العروض والحيوان والسلع وغير ذلك، فله رد المعيب منها بحصته من الثمن، وليس له رد السالم ولا هو عليه، إلا أن يكون المعيب وجه الصفقة فليس له إلا الرضى بالعيب بجميع الثمن أو رد جميع الصفقة. والمراد بوجه الصفقة ها هنا: ما زاد ثمنه على النصف من جملة الثمن.
الفرع الخامس: في النزاع في العيب، وهو في صورتين:
الأولى: في وجوده، ولا تقبل دعوى المبتاع أن بالسلعة عيبًا دون أن يثبته بالمشاهدة إن كان مشاهدًا أو بالبينة إن كان غير مشاهد.
الصورة الثانية: النزاع في قدمه وحدوثه. ولا يخلو أن يكون مما لا يحدث عند المشتري أو أن يكون مما يعلم أنه لم يكن عند البائع. والقول في الموضعين قول من قوي سببه منهما مع يمينه. أو أن يكون محتملًا، فيثبته المبتاع بالبينة إن وجدت.
ثم حيث كان العيب أو قدمه وحدوثه مما ينفرد أهل المعرفة بعلمه، «فإن كان العدول من أهل المعرفة قهو أتم، وإن لم يوجد من يعرف ذلك من أهل العدل قبل فيه قلو غيرهم ولو كانوا على غير دين الإسلام. حكاه القاضي أبو الوليد وقال: «لأن طريق هذا الخبر عما ينفردون بعلمه».
فإن لم توجد البينة فالقول قول البائع مع يمينه، إذ الأصل لزوم العقد فيحلف إني لبعته.
ويزيد فيما فيه حق توفية: وأقبضته وما به عيب. وهل يحلف على البت في الظاهر وعلى العلم في الخفي أو على العلم فيهما؟ في ذلك قولان لابن القاسم وأشهب. فإن نكل البائع حلف المشتري.
الفرع السادس: إنه إذا رد وقد كان انتفع أو استغل، فلا شيء عليه لأجل الغلة والانتفاع. وكذلك ثمرة (النخل) إذا كان حدوثها عنده، أو اشترى النخل وهي غير مأبورة.
وفي المأبور منها خلاف، وكذلك في صوف الغنم. وأما الأولاد والنتاج فيرد ذلك مع الأمهات.
الفرع السابع: حيث كان له أن يرد، فصرح بالرد، ثم (هلك) المبيع قبل وصوله إلى يد البائع فهل يكون ضمانه من البائع أو من المبتاع؟ ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث فيجعله على البائع إن حكم به حاكم، وإلا فمن المبتاع.
قال الشيخ أبو الطاهر: والخلاف في هذا على ما يقوله المتقدمون على الخلاف: هل
[ ٢ / ٧١٦ ]
الرد بالعيب (نقض بيع) فيكون الضمان من البائع على كل حال أو هو ابتداء بيع فيختلف فيه على الخلاف في اشتراط مضي قدر التسليم.
وعلى ما يقوله المتأخرون: هل هو نقض للبيع من أصله، فيكون الضمان من البائع، أو نقض له الآن، فلا يتحقق النقض إلا بوصول إلى يد بائعه؟.
قال: ولعل الخلاف مع وجود الحكم نظر إلى صفته، فإن كان الحاكم حكم بتخيير المشتري فالضمان منه، وإن حكم بالرد فهو من البائع.
الفرع الثامن: إن العهدة في الرد على البائع، إلا أن يكون وكيلًا مصرحًا بالوكالة في العقد، فتكون العهدة في الرد على الموكل لا عليه. وفي معنى الوكيل المصرح بالوكالة في العقد الطوافون في المزايدة والنخاسون، ومن يعلم أنه يبيع للناس فلا عهدة عليهم.
الضرب الثاني: من خيار النقيصة:
ما ثبت بمغابنة في البيع خارجة عما يتغابن بمثله. وقد قال القاضي أبو محمد: «اختلف أصحابنا في ذلك، فمنهم من يرى أن يثبت الخيار للمغبون منهما، ومنهم من قال: لا خيار إذا كان من أهل الرشاد والبصر بتلك السلعة، وإن كانا أو المغبون منهما بخلاف ذلك، فللمغبون الخيار». وقال الإمام أبو عبد الله: ليس الخلاف في الغبن على الإطلاق، وإنما هو مقيد بأن يكون المغبون لم يستسلم لمن بايعه، ويكون أيضًا من أهل المعرفة بقيمة ما اشتراه، وإنما وقع في الغبن غلطًا يعتقد أنه غير غالط. فأما إذا علم القيمة فزاد عليها فهو كالواهب، أو فعل ذلك لغرض له فلا مقال له.
وكذلك إن استسلم (لمبايعه) وأخبره أنه غير عالم بالقيمة، فذكر له البائع ما غره به، مثل أن يقول: أعطيت فيها كذا، وقيمتها كذا، ويسمي له بائعها منه. قال الإمام أبو عبد الله: فهذا ممنوع باتفاق، غبن المستسلم لا يجوز، فإن وقع كان للمغبون مقال، كما يكون له في النجش.
ثم ذكر الإمام تعلق المثبت للخيار بقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ وعد الاستثناء منقطعًا، وبنهيه ﷺ عن إضاعة المال، وإضاعته إتلافه بغير عوض صحيح يقتضيه
[ ٢ / ٧١٧ ]
العقل. قال: وأما ما اقتضاه رأي لغرض صحيح أخطأ فيه أو أصاب فغير مراد بهذا الحديث.
وأشار إلى غير ذلك، ثم نبه على سبب الخلاف بأن قال: قد تقرر أن المستسلم وإن لم يشترط ألا غبن، فإن استسلامه لمن باع منه كالشرط عليه ألا بغبنه، فاتفق على أن للمغبون مقالًا، كما أن من علم القيم فزاد عليها لا مقال له لأنه كالواهب. والمغبون غلطًا على نفسه، هل يقدر أنه كمشترط في رضاه ألا يكون غبن، فيكون له الرد أو لا يقدر اشتراطه بل يكون راضيًا بما عقد عليه كيف كان فيلزمه ذلك.
فرع: إذا قلنا بإثبات الخيار بالغبن الفاحش، فقد اختلف الأصحاب في تقديره، فمنهم من حده بالثلث فأكثر، ومنهم من قال: لا حد له وإنما المعتبر فيه العوائد بين التجار فما علم أنه من التغابن الذي يكثر وقوعه بينهم ويختلفون فيه فلا مقال فيه للمغبون باتفاق، وما خرج [عن] (المعتاد) فللمغبون فيه الخيار.
خاتمة للنظر (في) خيار النقيصة:
[تشتمل] على ذكر العهدتين، وهما صغرى في الزمان كبرى في الضمان، وكبرى في الزمان صغرى في الضمان.
فالأولى هي عهدة الثلاث من جميع الأدواء، مما يطرأ على الرقيق من نقص في بدن أو [فوات] عين في مدة ثلاثة أيام، وكأن هذه المدة مضافة إلى ملك البائع ولذلك تكون النفقة والكسوة عليه إلا أن الغلة ليست له. ورأى بعض المتأخرين أنها له، لأن الخراج بالضمان.
والعهدة الثانية الكبرى في الزمان الصغرى في الضمان هي عهدة السنة من الأدواء الثلاثة: الجنون، والجذام، والبرص.
وإنما قال بها مالك ﵁ لجريان العمل بهما في المدينة بلد الرسول ﷺ، وتناقل الخلف (عن) السلف لهما قولًا وفعلًا إلى زمانه، كما نقل في كتابه.
وروى فيه عن أبان بن عثمان وهشام بن إسماعيل أنهما كانا يذكران في خطبهما عهدة الرقيق في الأيام الثلاثة من حين يشتري العبد والوليدة، وعهدة السنة.
[ ٢ / ٧١٨ ]
والأمراء أيضًا يذكرون ذلك في المدينة على رؤوس الناس ولا ينكره أحد لكونه متقررًا في الشرع مشهورًا عندهم.
ثم تختص عهدة الثلاث بما رواه الحسن عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «عهدة الرقيق ثلاث ليال».
وروي أيضًا عن سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ قال: «عهدة الرقيق ثلاث».
وبأن الرقيق يكتم عيبه، فيستظهر عليه بثلاثة أيام حتى يتبين للمشتري ما كتم عنه. وبأنه يختص بذكر عيبه، بخلاف غيره، فيمكن أن يكون ذكر ذلك لسيده، فبادر ببيعه خوفًا أن يتبين مرضه، فجعل الثلاث أمدًا لبيان ارتفاع تدليسه، كما جعلت في التصرية التي دلس بها البائع، ولأن هذه المدة هي أمد حمى الربع.
وتختص عهدة السنة بأن هذه الأدواء تتقدم أسبابها ويظهر ما يظهر منها في فصل من فصول السنة دون فصل بحسب ما أجرى الله تعالى العادة باختصاص تأثير ذلك السبب بذلك الفصل، فانتظر بذلك الفصول الأربعة، وهي السنة كلها، حتى يؤمن من هذا العيب، ومن التدليس به.
فروع في أحكام العهدة: نذكرها متتالية، فنقول:
اختلف في محلها من الأماكن. (فروى المصريون أنه لا يقضى بها حيث لم تجر بها عادة حتى يحملهم السلطان عليها.
وروى المدنيون أنه يقضى بها (بكل) بلد، وإن لم يعرفوها ولا جرت فيهم، ويحملهم السلطان على ذلك ويحكم بها على من عرفها أو جهلها قبل التقدم بها (أو) بعده).
واختلف أيضًا في تداخل العهدتين:
فقيل: «عهدة الثلاث تدخل في عهدة السنة». وقيل: «بل يبتدئ من حين انقضائها».
[ ٢ / ٧١٩ ]
واختلف أيضًا في ابتداء عهدة الثلاث. فمذهب ابن القاسم: أن الابتداء أول النهار التالي لزمن العقد، ليلًا كان أو نهارًا.
قال القاضي أبو الوليد: «مقتضى مذهب سحنون الاحتساب من حين العقد من ليل أو نهار فتنقضي العهدة بالانتهاء إلى مثله بعد انقضاء الثلاث أو السنة».
هذا حكم بيع البت، فأما بيع الخيار فينزل انقضاء الخيار منزلة العقد في البت.
وإذا طرأ على المبيع أمر، فأشكل وقت حدوثه، ولم يدر أفي العهدة أو بعدها، فهل يكون ضمانه من المبتاع أو من البائع؟ مذهبان لتقابل أصلي السلامة والضمان:
(فقال ابن القاسم في العبد يأبق في العهدة، وقد تبرأ بائعه من الإباق، فلم تعلم صحته ولا هلاكه: «إن ذلك من المبتاع، حتى يعلم أنه أصابه في العهدة». وروى ابن نافع أن ذلك من البائع حتى يعلم أنه سلم في العهدة. وللمبتاع أن يسقط العهدة بعد ثبوت العقد، ويسقط عن البائع الضمان والنفقة، ويبرم العقد.
ولو لم يسقط العهدة، ولكنه أحدث في العبد ما يمنع رده أو يقتضي الرضى به كالعتق، ثم حدث بالعبد عيب في عهدة الثلاث: ففي كتاب محمد: تسقط بقية العهدة. وقال أصبغ وسحنون: العهدة ثابتة، وينفذ العتق ويرجع بقيمة العيب. وروى ابن حبيب عن ابن القاسم في عهدة السنة مثل هذين القولين، وقولًا ثالثًا، وهو رد العتق. قال القاضي أبو الوليد: «وهذا في عهدة الثلاث أولى».
القسم الثالث من الكتاب: في حكم العقد قبل القبض وبعده.
ولابد من بيان حكم القبض وصورته ووجوبه.
أما الحكم فهو انتقال الضمان إلى المشتري فيما لا يضمن بمجرد العقد، إما مطلقًا وإما
[ ٢ / ٧٢٠ ]
بشريطة مضي زمن يتسع للقبض على الخلاف فيهما.
وذلك ما فيه حق توفية من كيل أو وزن أو عدد، وما كان غائبًا عن مرأة المتعاقدين حالة العقد عليه، على التفصيل المتقدم. وما بيع من الثمار على رؤوس النخل قبل كمال الطيب.
وبالجملة، فكل ما لا يضمن قبل القبض فإنه يضمن بالقبض. ويستثني من ذلك ما بيع من الرقيق، حتى يخرج من عهدة الثلاث، وما بيع من الإماء مما فيه المواضعة حتى يخرج منها.
وما سوى الرقيق من الحيوان والعقار والعروض المقصود أعيانها فالعقد عليه كاف في نقل الضمان فيه إذا كان متعينًا متميزًا.
وقال الإمام أبو عبد الله: هكذا يورد أصحابنا نقل المذهب إيرادًا مطلقًا. والذي تحقق من مذهبنا أن البائع إذا أمكن المشتري من قبض المبيع فتركه اختيارًا سقط الضمان عن البائع.
ويقدر بقاء المبيع في يده بعد التمكين، كقبض المشتري له ورده إليه على جهة الوديعة. قال: ومن المتأخرين من يحكي عن المذهب الاختلاف في الضمان مطلقًا، ولو كان البائع لم يمنع المشتري من القبض.
فإن قيل: هل يشترط القبض في التسليط على التصرف بالبيع وغيره؟ قلنا: أما سائر وجوه التصرفات سوى البيع فلا يقف على القبض، وأما البيع فيختلف حكمه باختلاف الأعيان المبيعة وهي ضربان: طعام وغير طعام، فغير الطعام والشراب من سائر المبيعات من العروض والعبيد والحيوان والعقار، وما ينقل ويحول أو لا ينقل ولا يحول فبيعه جائز قبل قبضه في الجملة ما لم يعرض فيه ما يمنع منه.
وأما الطعام فقد ورد النهي عن بيعه قبل قبضه، فلا يجوز فيما تعلق به منه حق توفية من كيل أو وزن أو عدد أن يباع قبل قبضه أو يعاوض عليه، إلا أن يكون على غير وجه المعاوضة كالقرض والبدل فيجوز. ثم لا يجوز لمن صار إليه ذلك أن يعاوض عليه قبل قبضه.
وأما ما ابتيع منه جزافًا أو مصبرًا فبيعه جائز قبل نقله إذا خلى البائع بينه وبينه.
والمشهور من المذهب: أن المنع من بيع الطعام قبل قبضه خاص بجنس الطعام وعام فيه، فلا يعدوه إلى غيره ولا يقتصر على بعضه. ورأى ابن حبيب أنه يتعدى إلى كل ما فيه حق توفية. وأشار ابن وهب في روايته إلى تخصيصه بما في الربا من الأطعمة خاصة.
[ ٢ / ٧٢١ ]
ثم حيث اشترطنا القبض، فليس لأحد أن يقبض من نفسه لنفسه، إلا من يتولى طرفي العقد كالأب في ولديه والوصي في يتيميه.
فرع: إذا تقرر هذا، فقد أرخص في الشركة والتولية والإقالة، وينزل المشترك والمولي منزلة المشتري سواء. ولا يجوز أن يكون بين العقدين افتراق في مقدار ولا أجل ولا غيره.
وذكر القاضي أبو الفرج رواية بأن الشركة في الطعام قبل القبض لا تصح، والدين الثابت في الذمة كالعين الحاضر في جواز الاستبدال عنه في الجملة، لكن حيث أجزناه اشترطنا قبض البدل عنه في المجلس.
ويشترط في جواز بيعه من غير من هو عليه أن يكون من هو عليه حاضرًا مقرًا.
فروع: في حكم ضمان المبيع:
حيث قلنا: إن الضمان من البائع فتلف المبيع انفسخ العقد. وإتلاف المشتري قبض منه، وإتلاف البائع والأجنبي لا يفسخ العقد، بل يوجب القيمة.
وإذا تعيب المبيع بآفة سمائية، وكان ضمانه من البائع فللمبتاع الخيار، فإن أجاز فبكل الثمن ولا أرش له. ولو كان التعيب بجناية جاز، لكان له مطالبته بالأرش، كان البائع أو أجنبيًا.
ولو كان التعيب والضمان من المبتاع لم ينفسخ العقد أصلًا.
وتلف بعض الطعام يوجب الانفساخ في ذلك القدر فقط، وسقوط قسطه من الثمن، إلا أن يكون التالف جل الصفقة، فيكون للمشتري الخيار في فسخها بكمالها. وإن استوى التالف والباقي، ففي ثبوت الخيار له في الباقي قولان. هذا حكم عقد البت.
أما عقد الخيار فالضمان فيه من البائع، إلا أن يكون المبيع (بيد) المبتاع، ويدعي هلاكه من غير بينة تصدقه، والمبيع مما يغاب عليه، فضمانه منه.
قال ابن نافع: إلا أن يكون الخيار للبائع خاصة، فيكون الضمان منه لاختصاص المنفعة به.
ثم إذا قلنا بالضمان، فهل يضمن بالثمن أو بالقيمة؟
أما إن كان الخيار للبائع، فعند ابن القاسم: أنه يضمن الثمن إلا أن تكون القيمة أكثر، فيطلب بها ما لم يحلف، فلا يضمن إلا الثمن. وعند أشهب: يضمن الأكثر من الثمن أو القيمة.
[ ٢ / ٧٢٢ ]
وأما إن كان الخيار للمشتري، فقال ابن القاسم: يضمن الثمن. وقال أشهب: يضمن الأقل من الثمن أو القيمة، إلا أنه يحلف إذا كانت القيمة أقل وأراد أن يغرمها: لقد ضاع. فإن نكل غرم الثمن.
وسبب الخلاف: تغليب حكم البيع، أو تغليب حكم التعدي.
فرع: من أخذ ثوبين على أن المشتري منهما واحد، فضاعا أو ضاع أحدهما: فإما أن يكون مخيرًا في العقد [أو] التعيين بأن يكون بالخيار فيهما جميعًا، يأخذ أيهما شاء، أو يردهما. وإما أن يكون مخيرًا في تعيين ما لزمه العقد فيه دون التخيير في العقد، بأن يكون أحدهما لازمًا للمبتاع على كل حال ولكنه يرد الآخر. وإما أن يكون مخيرًا في أحدهما في العقد والتعيين، وفي الآخر في التعيين خاصة دون العقد، بأن يكون قد لزمه أحد الثوبين، وهو بالخيار في أخذ الآخر.
فهذه ثلاث صور. أما الصورة الأولى فإن ادعى ضياعهما جميعًا، فها هنا ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يضمن واحدًا خاصة، وهو في الآخر أمين. قاله ابن القاسم، نظرًا إلى المآل، وهو كون أحدهما مردودًا بلا بد، فهو أمانة.
والقول الثاني: أنه يضمنها جميعًا، قاله أشهب، نظرًا إلى الحال دون المآل، إذ وقع العقد على أنه لن التنقل من أحدها إلى الآخر بحكم مقتضى الخيار، والمبيع بالخيار مضمون، فكأن كل واحد منهما عقد عليه بانفراده على خيار.
والقول الثالث: وهو لابن القاسم أيضًا: التفرقة، فإن كان البائع متطوعًا بدفع الآخر ابتداء منه لم يضمن المشتري إلا أحدهما، وإن سأله [المبتاع] في تسليمهما ليختار منهما ضمنهما. وأشار محمد إلى أنه لا فرق بين أن يقبضه المبتاع بسؤال منه، أو يتطوع من البائع لكونه إنما دفعه حرصًا على البيع.
ومعتمد ابن القاسم في التفرقة اعتبار حصول المنفعة لأحدهما، وترتيب الضمان عليه واستدل على حصولها لأحدهما بما صدر منه من ابتداء أو استدعاء.
ثم حيث قلنا بالضمان، فالواجب فيما ضمنه منهما عند ابن القاسم الثمن، على قوله في الثول الواحد إذا اشتري بالخيار، سواء كان الخيار له أو للبائع، لأنه قادر إذا كان له الخيار على أن يقبل أو يرد، وله القبول في قيامه وتلفه، كانت قيمته أقل من الثمن أو أكثر.
وكذلك إن كان الخيار للبائع، فإن المشتري يضمنه بالثمن، لكون البائع سلمه إليه على أن عوضه الثمن الذي اتفقا عليه. فإن كانت القيمة أكثر من الثمن حلف المشتري على الضياع
[ ٢ / ٧٢٣ ]
ودفع الثمن فقط. وأما على قول أشهب فيضمن أحدهما بالقيمة إذ لا بد من رده، والآخر بالأقل من الثمن أو القيمة، إذ هو قادر على أن يلتزمه بالثمن وعلى أن لا يسلتزمه فيرد القيمة، لكن إن كانت القيمة أقل حلف: لقد ضاع، ودفعها، لأنه أقر بأنه لم يختر الإمضاء.
وذهب ابن حبيب إلى طريقة أشهب في كون المبتاع ضامنًا للثوبين جميعًا، وذكره عن أصحاب مالك. وقال: إنه ليس بأمين في واحد منهما لما أخذهما ليختار أحدهما، لكنه إنما ضمنه إياهما بالثمن. وإن ادعى ضياع أحدهما جرى حكم ضمانه على ما تقدم.
فعلى قول ابن القاسم يضمن نصف ثمن التالف، لتردده بين أن يكون هو المشتري بالخيار فتلزمه جملة ثمنه، أو يكون هو الذي على حكم الأمانة فلا يزمه فيه شيء، فقسم الثمن لاعتوار حالتي الثبوت والسقوط عليه. وعلى قول أشهب: يضمن الضائع كله، (لأنه) يضمنهما جميعًا إذا ضاعا. قال أشهب في غير كتاب محمد، فإن أخذ الباقي كان عليه بالثمن والتالف بالقيمة، وإن رده فعليه التالف بالأقل من الثمن أو القيمة.
وإذا فرعنا على قول ابن القاسم أنه يغرم نصف التالف، فله عنده أن يختار كل الباقي.
وقال محمد: ليس له أن يختار إلا نصفه.
وسبب القولين: تغليب حكم التلف أو تغليب حكم الإمساك.
وأما الصورة الثانية فتجري على الخلاف المتقدم. فعلى قول ابن القاسم: يضمن واحدًا.
وعلى قول أشهب وابن حبيب: يضمن الاثنين. وعلى قول ابن القاسم الآخر: يضمن الراغب منهما، على ما تقدم.
فإن شهدت البينة بالضياع فلا بد من ضمان واحد، لأنه لازم للمبتاع، ويحلف في الثاني. على قول ابن القاسم: لا ضمان فيه.
وأما على أصل أشهب القائل بأن ما أخذ على الضمان لا يرتفع ضمانه بقيام البينة فيضمن، وإن ضاع أحدهما فقولان.
أحدهما: أن التالف منهما، والسالم بينهما، وعليه نصف ثمنها.
والقول الثاني: إنه يلزمه نصف التالف، وله أن يرد الباقي. فجعله بمنزلة ما إذا أخذهما، ليختار في العقد والتعيين.
وأما الصورة الثالثة: فإن ضاعا ضمنهما إن لم تقم بينة. فإن قامت بينة بضياعهما ضمن واحد بغير خلاف في المذهب. وعلى مذهب ابن القاسم يسقط عنه ضمان الآخر. ويضمنه على مذهب أشهب. فإن ضاع أحدهم جرى الأمر في ضياعه على ما تقدم.
[ ٢ / ٧٢٤ ]
ويشترط في هذه الصور الثلاث، إذا كان قد وجب عليه أخذ أحد الثوبين تساوي الثمنين.
فإن اختلفا كان من بيعتين في بيعة، فيضمن حينئذ ضمان المبيع بيعًا فاسدًا.
وأما صورة: القبض فتحكم فيه العادة، وهو فيها متنوع. بتنوع المبيعات. فأما المكيل والموزون فيعتبر فيهما الكيل والوزن.
وفي اعتبار قدر المناولة في انتقال الضمان خلاف، سببه: هل المطلوب مجرد معرفة المقدار، وقد حصل، أو التوفية للمشتري، ولم تحصل؟
وثمرته: الحكم باستصحاب الضمان أو انتقاله إذا هلك المبيع بعد امتلاء المكيال واستواء الميزان.، وقبل التفريغ في وعاء المشتري، إذ فيه قولان مبنيان على الخلاف المتقدم.
والمعتبر في المعدود العد.
وأما في العقار فتكفي التخلية. وكذلك في ما بيع على الجزاف. وما سوى ذلك، فعلى حسب العادة فيه.
وأما وجوب التسليم فيعم الطرفين، لكن بأيهما يكون الابتداء؟
قال القاضي أبو الحسن: «يقوى في نفسي على المذهب أحد أمرين: إما أن يجبر المبتاع على التسليم، ثم يؤخذ من البائع الثمن، أو يقال لهما: أنتما أعلم: إما أن يتطوع أحدكما على الآخر، فيبدأ بالتسليم، أو تكونا على ما أنتما عليه». قال: وأن يجبر المبتاع أقوى.
القسم الرابع من الكتاب: في موجب الألفاظ المطلقة في البيع، وتأثيرها فيه بمقتضى اللغة أو العرف.
وهي ثلاثة: الأول: ما يطلق في العقد.
فمن اشترى شيئًا بمائة، فقال لغيره، قبل القبض أو بعده في الطعام أو غيره. وليتك هذا العقد، فقد انتقل الملك إليه بالمائة. وهو ملك متجدد، وتسلم الغلات المستجدة للأول، وتتجدد الشفعة بجريان هذا البيع. وهو حط عن المولي بعض المائة لحق الحط المولى، لأنه في حق الثمن كالبناء وفي حق نقل الملك كالابتداء.
ولو قال: أشركته في هذا العقد على المناصفة، كان تولية في نصف المبيع. ولو لم يذكر المناصفة لنزل على الشطر على المنصوص لابن القاسم.
الضرب الثاني: ما يطلق في الثمن من ألفاظ المرابحة.
فإذا قال: بعتك بربح للعشرة أحد عشر أو اثني عشر أو أكثر من ذلك، على هذا النسق،
[ ٢ / ٧٢٥ ]
فلا خلاف أنه يحتسب لكل عشرة وزنها في الثمن أحد عشر أو اثني عشر بحسب ما يقوله.
فإن باع بوضيعة: للعشرة أحد عشر أو أكثر من ذلك فللمتأخرين قولان: أحدهما: أنه يأخذ عن كل أحد عشرة عشرة وبحسب ما سمي.
والثاني: أنه يقسم العشرة على أحد عشرة جزءًا فيحط ذلك الجزء من الثمن. وعلل ذلك بأنها لفظة فارسية، تفسيرها بالعربية ما ذكرناه من التقدير. وإن باع بوضيعة للعشرة عشرين، فكل عشرين وزنها يأخذ عنها عشرة، ويحط نصف الثمن باتفاق المتأخرين.
وإن قال: بعتك بما قامت علي، استحق مع الثمن ما بذله من أجرة القصارة والكماد والطراز والخياطة والصبغ، وشبه ذلك مما له عين قائمة، ويستحق له قسطه من الربح إن سمى لكل عشرة ربحًا. فأما ما ليس له عين قائمة إلا أنه يؤثر في السوق زيادة فيه وتنمية للثمن، فإنه يستحقه. لكن لا يستحق له قسطًا من الربح وذلك كالإنفاق وكراء الحمولة.
ولا يستحق ما خرج عن القسمين كأجرة الطي والشد وكراء البيت ونفقة البائع على نفسه، مالكًا للمال كان أو مقارضًا فيه، وأجرة السمسار كذلك.
وقال بعض المتأخرين: أجرة السمسار لا بد منها، فكان القياس أن تحسب ويحسب لها الربح وإن لم تكن عينًا قائمة.
ويشترط معرفة المبتاع بما اشترى به أو ما قامت به عليه. فإن كان مجهولًا عنده لدى العقد بطل عقده، ويجب على البائع حفظ الأمانة بالصدق في قدر ما اشترى به، وبالإخبار عما طرأ في يده من عيب منقص أو جناية، ويلزمه الإخبار عن الغبن بالعقد [ويقدم] تاريخ الشراء، وعن كل ما لو علم به المبتاع لقلل علمه به رغبته في الشراء. ولو نقد غير ما عليه عقد وجب عليه التبيين. ويجب ذكر تأجيل الثمن.
وأما إن اغتل من ذلك ماله غلة من ربع أو حيوان فليس عليه أن يبين ذلك إذا لم يطل زمان ولا حالت الأسواق. وأما إن طال زمان أو حال سوق، فليبين.
وأما الصوف يجزه فليبين، لأنه إن لم يكن يوم التبايع نابتًا فقد طالت مدة البيع وإن كان نابتًا فله حصة من الثمن، فلا بد من البيان على كلا الوجهين. فإن قيل: فلو كذب البائع في الثمن؟.
قلنا: أما في قيام السلعة، فيخير المبتاع بين أخذها بجميع الثمن أو ردها إلا أن يحط البائع الكذب وربحه فالتزم المبتاع. فإن أبيا ما جعل لكل واحد منهما انفسخ البيع بينهما.
وفي المبسوط عن عبد الملك بن الماجشون: لا يلزمه البيع بحطيطة الكذب وربحه.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
وأشار إلى أن الإطلاع على كذبه يشعر بخبث مكسبه، والمشتري يكره معاملة من كان كسبه خبيثًا.
وفرق بعض المتأخرين فقال: إن اطلع على كذبه من غير أن يأتي متنصلًا كان كما قال عبد الملك، وإن أتى متنصلًا فلا يكون للمبتاع مقال.
وأما في الفوت فعلى المبتاع قيمتها يوم قبضها، إلا أن يكون ذلك أكثر من الثمن بالكذب وربحه فلا يزاد عليه، أو يكون أقل من الثمن الصحيح وما قابله من الربح فلا ينقص منه.
وروى علي: أن البائع مخير بين أخذ الربح على ثمن الصحة، وبين أخذ قيمتها، إلا أن يشاء المبتاع أن يثبت على ما اشتراها به، فإن أبى فعليه القيمة يوم ابتاعها، إلا أن تكون القيمة أكثر من الثمن بالكذب وربحه، فلا يزاد عليه، أو أقل من الثمن الصحيح وما قابله من الربح فلا ينقص منه.
وقيل: أن الواجب مع فوت السلعة طرح الكذب وربحه من غير التفات إلى القيمة.
وقدر قائل ذلك أنه العدل بين هذين المتبايعين.
ثم فوت السلعة يكون بالزيادة والنقصان. وفي كون حوالة الأسواق فوتًا قولان: سببهما النظر إلى صحة البيع فيلحق بالعيوب الموجبة للرد أو النظر إلى أن المآل في هذا فساد، فيلحق بالبيوع الفاسدة.
وعلى هذا أيضًا القولان في القيمة متى تكون؟ هل يوم البيع إلحاقًا له بالبيع الصحيح أو يوم القبض إلحاقًا له بالبيع الفاسد؟
ولو كانت السلعة مما يكال أو يوزن لكانت كالقائمة يرد مثلها صفة ومقدارًا إن لم يرض بها بجميع الثمن إلا أن يحط عنه البائع الكذب وما قابله من الربح، فيلزمه على المشهور كما تقدم.
ولو غلط في الثمن بنقصان، وصدقه المشتري على ذلك أو قامت به بينة لخير المبتاع بين أخذها بما صدفقه عليه مع ربح ذلك، أو تركها. إلا أن يتركها له البائع بالثمن الأول وما يقابله من الربح. وإن تراضيا على غير ذلك جاز، فاعلم.
الضرب الثالث: ما يطلق في المبيع. وهو في غرضنا ستة ألفاظ.
الأول: لفظ الأرض، (وتندرج) تحتها الأشجار والبناء، كما تندرج هي تحت البناء والأشجار، ولا يندرج الزرع إن كان ظاهرًا، كمأبور الثمار، ويندرج إن كان كامنًا، على إحدى
[ ٢ / ٧٢٧ ]
الروايتين. والحجارة إن كانت مخلوقة في الأرض اندرجت، وإن كانت مدفونة فلا، إلا على القول بأن من ملك ظاهر الأرض ملك باطنها.
اللفظ الثاني: البستان. وفي معناه الحديقة والجنان، وهو يستتبع الأشجار.
اللفظ الثالث: الدار. ولا تندرج تحته المنقولات. وتندرج الثوابت، وما أثبت من مرافق البناء كالأبواب والأشجار والرفوف والسلالم المثبتة بالمسامير.
اللفظ الرابع: العبد. ولا يتناول مال العبد، وإن كان المذهب أنه يملك، ويتناول ثيابه التي عليه، إذا كانت تشبه مهنته.
فرع: قال الشيخ أبو إسحاق: ولو شرط في الأمة تسليمها عريانة، لم ينفعه شرطه، وعليه مواراتها.
اللفظ الخامس: الشجر. وتندرج تحته الأغصان والأوراق وكذلك العروق. ويستحق الإبقاء مغروسًا. فإن كان عليها ثمرة مأبورة لم تندرج تحته. وغير المأبورة [تندرج]. وفي معنى المأبورة كل ثمرة انعقدت وظهرت للناظرين.
فرع: لو تأبر شطر الثمار حكم بانقطاع التبعية فيه دون الشطر الذي لم يؤبر. وإن تأبر أكثرها حكم بانقطاع التبعية في الكل.
وروي أن غير المؤبر يتبع، وإن كان الأقل.
وقال عبد الملك ما بيع من النخل التي لم تؤبر وفيه طلع، فإن كان حين باعه قد تبلح طلعه وظهر إريضه وبلغ مبلغ الإبار في غيره، فثمره في عامة ذلك للبائع، إلا أن يستثنيه المبتاع، وإن (كان) لم يبلغ هذا المبلغ فهو للمبتاع استثناه أو لم يستثنه.
وليس لمشتري الأشجار أن يكلف البائع قطع الثمار، بل له الإبقاء إلى أوان القطاف، ولكل واحد أن يسقي الأشجار إذا كان يحتاج إليه إن لم يتضرر صاحبه بذلك.
اللفظ السادس: بيع الثمار في رؤوس النخل.
وموجب إطلاقه بعد الزهو استحقاق الإبقاء إلى أوان القطاف كما تقدم. وأما قبل الزهو
[ ٢ / ٧٢٨ ]
فيصح العقد بشرط القطع ويبطل شرط التبقية، لأنها تتعرض للعاهات، فلا يوثق بالقدرة على التسليم حال القطاف.
واختلف في صحة العقد، إذا وقع عريًا عن الشرطين على قولين سببهما الخلاف في إطلاق العقد: هل يقتضي التبقية فيبطل كما في اشتراطها، أو القطع فيصح كاشتراطه؟
والأول: رأي البغداديين في حكايتهم عن المذهب، وتابعهم عليه الشيخ أبو محمد وأبو إسحاق التونسي ومن وافقهما من المتأخرين.
والثاني: هو ظاهر الكتاب عن أبي القاسم بن محرز وأبي الحسن اللخمي ومن وافقهما من المتأخرين استقراء من قوله في كتاب البيوع الفاسدة من اشترى ثمرة نخل قبل أن يبدو صلاحها فجدها قبل بدو (صلاحها)، البيع جائز إذا لم يكن في أصل البيع شرط أن يتركها حتى يبدو صلاحها.
ووجه هذا القول صرف الإطلاق إلى العرف الشرعي كما بعد الزهو، ولأن التبقية انتفاع بملك آخر لم يشترط ولم يقع البيع عليه.
فرعان: الأول: إذا اشترى الثمرة والشجرة في صفقتين، فبدأ بالشجرة ثم اشترى الثمرة قبل الزهو، صح البيع، وكان كما لو اشتراهما معًا وكانت الثمار معها في حكم البيع. وقيل: لا يصح، وبه أخذ ابن عبد الحكم والمغيرة وابن دينار.
وإذا فرعنا على المشهور، فله أن يبقيها عليها، ولا يجب القطع ولا يفسد به البيع.
ولو باع الشجرة وبقي الثمرة لم يجب اشتراط القطع، لأن المبيع هو الشجرة، ولا خوف فيها، وكذلك لو باع الشجرة مع الثمرة لم يشترط القطع لفقد العلة المذكورة.
الفرع الثاني: بدو الصلاح في البعض كاف، لكن يشترط اتحاد الجنس، ولا يشترط
[ ٢ / ٧٢٩ ]
اتحاد النوع، ولا البستان بل يباع بطيب الحوائط المجاورة له، لأن الكل في معنى الحائط الواحد (إذا) هدم الجدار الفاصلة يجعل الكل حائطًا واحدًا. وقيل: بل يشترط اتحاد البستان.
وقال القاضي أبو الحسن: «إذا بدا الصلاح في جنس من الثمار في بستان في نخلة أو في بعضه ولو عدق في نخلة منه، جاز بيعه كله بطيب البعض، وجاز بيع ثمرالنخل الذي في البساتين حولها كلها وفي ذلك البلد، وإن لم يطب فيها غير الذي طاب في ذلك البستان إلا أن يكون الذي طاب في ذلك البستان من الجنس المبكر الذي يتقدم فلا يباع غيره بطيبه».
وهذا القول يرجع إلى إقامة وقت بدو الصلاح مقام نفسه.
ولو كانت الأشجار مما يطعم بطنين في سنة، ففي جواز بيع البطن الثانية يبدو صلاح الأولى قولان، المشهور منهما المنع.
وصلاح الثمار بأن يطيب أكلها، ويأخذ الناس في الأكل، وتظهر مبادئ الحلاوة.
(وليحذر) من الربا، فلا تباع الثمار بجنسها. فلو باع الحنطة في سنبلها بالحنطة، فهي المحاقلة المنهي عنها، وهي ربا. ولا يمكن الكيل في السنابل. وفي معنى الحنطة كل ما لا يجوز بيعه بها متفاضلًا. وكذلك لو باع الرطب بالتمر فهي المزابنة المنهي عنها.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
[كتاب العرايا]
وقد استثنى عنها العرايا.
ووجه استثنائها وبيان محل الرخصة يتضح بالنظر في حقيقتها وقدرها ومحلها وكيفية بيعها وعلتها.
فأما حقيقتها، فقال القاضي أبو محمد: «هي أن يهب الرجل ثمرة (نخلة) أو نخلات من حائطه». قال القاضي أبو الوليد: «وهذا الحد إنما يجري على مذهب أشهب وابن حبيب، دون مذهب ابن القاسم». وسنبين وجه ما ذكره عند الكلام على الزكاة والسقي:
وأما قدرها، فلا يزاد على خمسة أوسق. وفي الخمسة روايتان:
رواية المصريين: الجواز. وروى القاضي أبو الفرج تخصيص بما دون خمسة أوسق.
[ ٢ / ٧٣١ ]
وسبب الخلاف: شك الراوي. ففي المشهور: جعل الخرص أصلًا إلا في محل تيقنًا فيه المنع. وفي رواية أبي الفرج: بقاء على أصل المنع، حتى يتيقن النقل عنه.
وإذا تقرر المنع فيما زاد عليها، فلو تعدد المشتري أو البائع لجاز، وإن اتحد الشق الآخر، فإن اتحدا وتعددت الحوائط وقد أعراه من كل حائط قدر العرية، فقال الشيخ أبو محمد: «هي كالحائط الواحد لا يشتري من جميعها أكثر من خمسة أوسق». وتابعه على ذلك أبو بكر بن عبد الرحمن.
وقال الشيخ أبو الحسن: يجوز أن يشتري من كل واحد خمسة أوسق. وقال أبو القاسم بن الكاتب: إن كانت العرايا بلفظ واحد فهي كالحائط الواحد، وإن كانت بألفاظ في أزمان متغايرة، فيجوز أن يشتري من كل واحد خمسة أوسق.
وأما محلها من الثمار فالنخل والعنب محل ورودها. واختلفت الرواية في القصر عليها أو التعدية. والرواية المشهورة تعديتها إلى ما ييبس ويدخر من الثمار. وجعلوا ذلك علة الحكم في محل النص، وناطوا الحكم به وجودًا وعدمًا، حتى قالوا: لو كان البسر مما لا يتمر و(العنب) مما لا يصير زبيبًا لم يجز (اشتراء) العرية منه بخرصها، بل تخرج عن محل الرخصة لعدم العلة.
وأما كيفية بيعها، فبيعها جائز بالدنانير و(الدراهم) والعروض ونحو ذلك من المعري وغيره، كانت قليلة أو كثيرة، مما ييبس ويدخر، أو مما لا ييبس ولا يدخر. وإنما محل الرخصة في بيعها مما يختص به المعري أو من ينزل منزلته في ملك بقية ثمن الحائط، ببيع أو هبة أو ميراث من شرائها ممن أعراها أو ممن انتقلت إليه عنه بأحد الأوجه المذكورة بخرصها من جنسها (يقبضها) عند الجداد، فهذا محل الرخصة في بيعها.
وأما علة الرخصة، فقال ابن الماجشون: هي رفع الضرر عن المعري بدخول المعري الحائط وتكراره إليه لأجلها. وقال غيره: العلة قصد المعروف والإحسان. وعلل مالك وابن القاسم بهما جميعًا.
[ ٢ / ٧٣٢ ]
ويتخرج على تحقيق العلة فروع:
الأول: شراء المعري بعض العرية.
الثاني: شراء العرية وإن كانت جملة الحائط، إذا لم تتجاوز جملته خمسة أوسق.
الثالث: إذا أعرى جماعة شركاء في حائط عرية؛ فهل يجوز لأحدهم أن يشتري من المعري ما يخصه من العرية أم لا؟
فابن الماجشون يمنع في هذه الفروع أن يشتري العرية بخرصها، ويراها خارجة عن محل الرهصة. وغيره يجيز ذلك.
فرعان: الأول: في حوز العرية.
ولما كانت عطية تبطل بموت المعطي قبل حوزها، افتقر إلى بيان الحوز فيها.
(وقد روى ابن حبيب: «أن الحوز فيها إنما يتم باجتماع أمرين: أن يكون فيها ثمرة، وأن يقبضها، لا يتم الحوز إلا بمجموعها».
وقال أشهب في كتاب محمد: «إن الحوز يتم بأحد أمرين: الإبار أو تسليم الرقبة».
الفرع الثاني: في الزكاة والسقي.
وقد اختلف فيهما، (فقال ابن حبيب: زكاة العرية والهبة وسقيهما على المعطي.
وقال غيره: بل على المعطى. وقال سحنون: بل على من كانت الأصول بيده.
وفرق ابن القاسم بين العرية والهبة، فجعلها في العرية على المعري، وفي الهبة على الموهوب له). وإلى هذا أشار القاضي أبو الوليد عند ذكره لحد العرية. قال: «ومعنى العرية عنده أن يعطيه الثمرة على وجه مخصوص، وهي أن يكون على المعري ما يلزمها إلى وقت بدو صلاحها، وهو وقت يمكن الانتفاع بها. وإطلاق الهبة عنده لا يقتضي هذا وإنما يقتضي أن ذلك يلزم الموهوب له من يوم الهبة، ففرق في ذلك بين الهبة والعرية. ولذلك قال عن مالك: إن زكاة العرية على المعري، وزكاة الثمار الموهوبة على الموهوب له. (وقال: فرق) مالك بينهما في الزكاة والسقي.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
وقال أشهب: زكاة العرية على المعري كالهبة، إلا أن يعريه بعد الزهو».
قال القاضي أبو الوليد: «ويلزمه مثل ذلك في السقي، قال: وقد قال محمد: إنه لا خلاف بينهم أن السقي على المعري.
ولعله أراد أنه لم ير لهم خلافًا ولا رأى فيها وفاقًا».
وسبب الخلاف: النظر إلى هاتين العبارتين: هل هما مشعرتان عرفا بالتزام ذلك.
فيلزمان المعطي كما قال ابن حبيب، أو هما غير مشعرتين بذلك، فيرجع إلى الأصل في عدم الالتزام كما قال الثاني، أو يختص لفظ العرية بالإشعار بذلك دون لفظ الهبة، فيفترق الحكم فيهما كما قال ابن القاسم؟.
وأما سحنون فرأى أن متولي القيام هو المخاطب بالزكاة لأنه لما وليها مع علمه بوجوب الزكاة فيها، فكأنه التزمها، ويخرج على هذا الخلاف حكم ما إذا كانت العرية جملة ثمر حائط.
فإن قلنا: إنها على المعري، أخرج من الحائط. وإن قلنا: إنها على المعري، أخرج من غيره، لأن ثمرته استحقت بالعطية. وكذلك لو كانت العرية دون خمسة أوسق، فإنه يراعى في وجوب الزكاة فيها كمال النصاب من غيرها في ملك من أوجبنا الزكاة عليه منهما. هذا تمام الكلام على جواز بيع الثمار.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
[كتاب الجوائح]
ثم إذا انعقد البيع فيها فهي بعده من ضمان البائع فيما يطرأ عليها من الجوائح لما روى مسلم في صحيحه عن جابر: «أن رسول الله ﷺ أمر بوضع الجوائح».
وروي عنه أيضًا أنه ﷺ قال: «لو بعت من أخيك ثمرًا فأصابه جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق».
ثم النظر في أحكام وضع الجوائح يتعلق ببيان حقيقتها وقدرها ومحلها.
النظر الأول: في حقيقتها.
(وقد روي عن ابن القاسم: أن الجائحة ما لا يستطاع دفعه وإن علم به. فلا يكون السارق عنده جائحة على هذا القول، وقاله في كتاب محمد.
وأما في الكتاب، فقال: «ولو أن سارقًا سرقها كانت أيضًا جائحة في رأيي». والأول مذهب ابن نافع في الكتاب.
وقال مطرف وابن الماجشون: الجائحة ما أصاب الثمرة من السماء من عفن أو برد أو عطش أو فساد، بحر أو برد أو بكسر الشجر، وأما ما كان من صنع آدمي فليس بجائحة.
[ ٢ / ٧٣٥ ]
ومقتضى هذا أن الجيش ليس بجائحة. وفي الكتاب: من رواية ابن القاسم أن الجيش جائحة.
النظر الثاني: في قدرها المعتبر.
ولا تحديد فيها إن كانت بسبب العطش، بل يوضع قليلها وكثيرها، كانت تشرب من العيون أو من السماء.
فإن كانت غير العطش فالقدر المعتبر فيها الثلث فما فوقه، فلا يوضع ما دونه إلا في البقول على رواية ابن القاسم في الكتاب أن فيها الجائحة، وأن جائحتها يوضع قليلها وكثيرها.
وأما على رواية علي بن زياد وابن أشرس، فتعتبر جائحتها بالثلث كغيرها. وروى غيرهما: أنه لا يوضع منه شيء.
ثم الثلث المعتبر هو ثلث مكيلة الثمرة عند ابن القاسم، ولو كان الثلث المذكور إنما يساوي عشر الثمن. ولا يوضع عنده ما دون ثلث المكيلة، ولو كان يساوي تسعة أعشار الثمن.
وقال أشهب: إنما ينظر في البطون إلى ما أذهبت الجائحة، فإن كان يصير لقيمته ثلث الثمن وضع، وإن كان من الثمر عشرة، وإن كانت قيمة ما أتلفت الجائحة لا يصير لها من
[ ٢ / ٧٣٦ ]
الثمن ثلثه، بل أقل من ثلثه لم يوضع عن المشتري شيء وإن كان من الثمرة تسعة أعشارها.
فنظر ابن القاسم [إلي] أن الثلث إنما اعتبر (ليميز) النقص الذي يكون جائحة من النقص المعتاد الذي لا يكون جائحة، وذلك إنما يكون باعتبار الثمرة.
ونظر أشهب إلى أن المقصود القيمة، وبسببها يزيد الثمن وينقص، ومن أجل نقصه تلحق المضرة، وقد يكون اليسير من الثمرة له معظم الثمن، فإذا أصيب لحق الضرر، كما أنه لو أصيب الكثير من الثمرة ولا قيمة له لم يلحق بسبب ذلك كبير ضرر.
فروع: الأول: (إذا كان المبيع من الثمار في عقد واحد أجناسًا مختلفة عنبًا وتينًا ورمانًا وغير ذلك، فأصيب جنس منها بجائحة وسلم سائرها، فجائحة كل جنس منها معتبرة به، فإن بلغت ثلثه وضعت، وإن قصرت عنه لم توضع. رواه ابن حبيب عن مالك.
وروى محمد عن أصبغ: أن جائحة المصاب معتبرة بالجملة، سواء كان ذلك في حائط واحد أو في حوائط مختلفة).
(فعلى قول أصبغ: ينظر إلى قيمة الجنس الذي أصابته الجائحة. فإن كانت قيمته ثلث الجملة حكم بالجائحة، ولا يعتبر بثلث الثمرة إذا ذهب الجنس كله.
فإن ذهب بعضه فابن القاسم ينظر إلى الجنس الذي أصيب بعضه وإلى القدر المصاب منه ويعتبرهما جميعًا، فإن كانت قيمته بقدر ثلث قيمة الجلمة وأصيب مع ذلك ثلث ثمرته حكم بالجائحة. وإن كان المصاب أقل من ثلث الثمرة لم تجب فيه جائحة. وكذلك إن كان ذلك الجنس أقل من ثلث الجملة في القيمة فلا جائحة فيه وإن أصيب جميعه.
وقال أصبغ: إنما ينظر في ذلك إلى ثلث القيمة فقط، فإن أصيب من الجنس الواحد ما يفي بثلث قيمة الجملة فهي جائحة. وإن كان أقل من ذلك فليس بجائحة.
الفرع الثاني: (إذا كان المبيع جنسًا واحدًا مختلف الأنواع فأصيب نوع منه فالاعتبار بثلث جميع المبيع باتفاق الأصحاب.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
ثم المعتبر في رواية محمد عن مالك و(عن) ابن القاسم وعن عبد الملك ثلث الثمرة.
وفي روايته عن أشهب: ثلث القيمة).
الفرع الثالث: إذا كان المبيع نوعًا واحدًا، وكان يحبس أوله على آخره، كالتمر والعنب وما أشبههما في ذلك فالاعتبار في جائحته بثلث الثمرة. وحكى القاضي أبو الوليد: «أن المذهب لا يختلف في ذلك.
فإن كان مما لا يحبس أوله على آخره كالقثاء والبطيخ والخوخ والتفاح ونحو ذلك، فالاعتبار عند ابن القاسم بثلث الثمرة. وعند أشهب بثلث القيمة».
الفرع الرابع: إذا زادت الجائحة على الثلث حتى أصابت معظم الثمرة لزم المبتاع بقيتها. بخلاف من اشترى صبرة طعام فاستحق معظمها، أو اشترى طعامًا على الكيل، فذهب معظمه قبل الكيل فإنه لا يلزم المبتاع ما بقي.
والفرق أن الجوائح معتادة، فلا تسلم الثمرة من يسيرها في العادة، وكثيرها متكرر فيها، والمشتري قد دخل على الرضى بما بقي منها، بخلاف الاستحقاق فإنه أمر نادر والمشتري لم يدخل عليه).
النظر الثالث: في محل الجائحة.
والثمرة المبيعة على ضربين: أحدهما: (يحتاج إلى بقائه في (أصله) لانتهاء صلاحه (وطيبه)، كثمرة النخل والعنب إذا اشتري عند بدو صلاحه، وكثمرة التفاح والتين والبطيخ والورد والياسمين والفول والجلبان.
[ ٢ / ٧٣٨ ]
والضرب الثاني: يحتاج [إلى ذلك]، لبقاء رطوبته ونضارته كثمرة العنب إذا اشتريت بعد انتهاء طيبها، وكالبقول والقصيل، والأصول المغيبة من الجزر و(السلجم) والبصل والثوم.
فأما الضرب الأول، فلا خلاف عندنا في وضع الجائحة فيه، كما لا خلاف في أن ما لا يحتاج إلى بقائه في أصله لتمام صلاحه ولا لبقاء نضارته، كالتمر اليابس والزرع، لا جائحة فيه لأن تسليمه قد كمل، فصار بمنزلة الصبرة الموضوعة بالأرض.
وأما الضرب الثاني من الضربين الأولين، وهو المحتاج إلى البقاء في أصله لحفظ نضارته كالعنب المشترى بعد تمام صلاحه وما ذكر معه)، فقال القاضي أبو الوليد: مقتضي رواية أصبغ عن ابن القاسم: أنه لا يراعى البقاء لحفظ النضارة وإنما يراعى تكامل الصلاح». قال: «ويجب أن يجري هذا المجرى كل ما كان هذا حكمه، كالقصيل والقصب والبقول والقرظ، فلا توضع جائحة في شيء في ذلك». قال: «ومقتضى رواية سحنون: أن توضع الجائحة في جميعه».
ويتم المقصود من النظر في أحكام الجوائح بذكر فروع:
الأول: أن ما انتقل مما فيه الجائحة على وجه البيع المحض مفردًا عن أصله فالجائحة فيه موضوعة. فأما ما كان مهرًا في نكاح فاختلف فيه أصحابنا:
فقال ابن القاسم: لا جائحة فيه، لأنه عقد لا يقتضي المغابنة والمكايسة، وإنما يقتضي المواصلة والمكارمة، ووضع الجائحة لن يرد في ذلك. وقال ابن الماجشون: فيه الجائحة، وقاسه على البيع بجامع الرد بالعيب).
الفرع الثاني: (من اشترى عريته، فقال مالك وابن القاسم وابن وهب: توضع فيها
[ ٢ / ٧٣٩ ]
الجائحة. وقال أشهب: لا توضع فيها جائحة).
وهذا إذا كانت العرية نخلًا معينة. فإن كانت أوسقًا من حائط، فلا يبقى إلا مقدار تلك الأوسق لزم المبتاع أداؤها، بمنزلة من أوصى بثمرة حائطه لإنسان، ولآخر منه بخمسة أوسق، فتلفت الثمرة إلا خمسة أوسق فإن جميعها له دون من أوصى له بجميع الثمرة.
الفرع الثالث: من باع ثمرة حائطه واستثنى منها أصوعًا مقدرة فأجيحت، فقد روى ابن القاسم وأشهب: يوضع من العدد المستثنى بقدره.
وقال ابن القاسم في الكتاب: «إن قصرت الجائحة عن الثلث لم يوضع عن المشتري شيء، وإن بلغت الثلث وضع عن المبتاع مما استثنى البائع بقدر ما يوضع عنه من ثمن الثمرة.
قال ابن القاسم: وهذا بخلاف الصبرة يبيعها ويستثني منها كيلًا يكون الثلث فأدنى فتهلك الصبرة إلا ما استثنى البائع منها، فإن له ذلك دون المبتاع».
وروى ابن وهب: لا يوضع من العدد المستثنى قليل ولا كثير، أجيح أكثر الثمرة أو أقلها.
قال القاضي أبو الوليد: «وهذا عندي مبني على ما يقتضيه اختلاف قول مالك في المستثنى من الثمرة كيلًا».
(فعلى ما يقتضيه قوله من أن المستثنى تناوله البيع وارتجع، بعد ذلك بعقد الاستثناء فلا جائحة فيه، لأن البائع ابتاع من المشتري ما استثناه من عدد الأوسق، فوجب أن يكون مقدمًا في ثمرة الحائط، ولو لم يبق من الحائط غير ذلك.
وعلى ما يقتضيه قوله: إن المستثنى لم يتناوله البيع، وإنما أبقاه الاستثناء على ملك البائع، وأن ذلك قد صار به البائع شريكًا للمبتاع، فوجب أن تكون الجائحة بينهما على قدر ما لكل واحد منهما من ثمرة الحائط).
الفرع الرابع: إن مشتري الثمرة إما أن يقتصر على شرائها، وإما أن يشتري أصلها أيضًا، فإن اقتصر على شرائها فالحكم في وضع الجائحة (فيها) ما تقدم، وإن اشتراها
[ ٢ / ٧٤٠ ]
واشترى أصلها، فإن كان معها في صفقة واحدة فلا جائحة فيها. وإن كانا في صفقتين، فإن اشترى الأصل ثم الثمرة بعد بدو صلاحها صح العقد، واختلف في وضع الجائحة فيه، وإن كانت لم يبد صلاحها كان شراء مختلفًا فيه، ومن أجازه أسقط فيه الجائحة، وإن اشترى الثمرة ثم الأصل فإن كان بعد بدو الصلاح كان من البائع، والسقي باق عليه، ولو اشترط البائع ألا سقي عليه لم تسقط الجائحة عنه.
ولو اشترى الثمرة قبل بدو صلاحها على الجداد، ثم اشترى النخل جاز للمشتري أن يبقى الثمرة حتى تطيب ومصيبتها منه.
وإن قال المشتري: أنا أجدها حسب ما اشتريت عليه كانت مصيبتها من البائع، إلا أن يتراخى بالجداد عن الوقت الذي كان يجدها فيه.
القسم الخامس من كتاب البيع: في مداينة العبيد والتحالف فيه، وفيه بابان:
الباب الأول: في معاملة العبيد.
والنظر في المأذون له في التجارة وغيره.
أما المأذون فالنظر فيما يجوز له وفي العهدة، وفيما تقضى منه ديونه.
أما ما يجوز له من التصرف فهو كل ما يدخل تحت اسم التجارة، أو كان من لوازمها مما يعود بنماء المال.
وحكمه في ذلك حكم الشريك المفاوض والوكيل المفوض إليه. وليس له أن يضع من المال عمن عامله ولا أن يؤخره به، ولا أن يعمل طعامًا يجمع عليه التجار، إلا أن يكون جميع ذلك منه استيلافًا للتجارة، أو يعلم من أهله أنهم لا يكرهون ذلك. وله أن يتصرف فيما اكتسبه بوصية أو هبة أو نحو ذلك. وله أن يعامل سيده.
واختلف إذا أذن له في التجارة فأخذ قراضًا أو أعطاه فأجازه ابن القاسم.
ومنعه أشهب. ورأى أن أخذه منه لنفسه ودفعه إيداع منه للمال، وليس له ذلك.
ويقبل إقراره بالدين [فيما بيده]، ثم لا يتهم عليه قبل قيام الغرماء، وإن حجر عليه سيده. وقال ابن وهب في كتاب محمد: لا يجوز إقرار بعد حجر سيده، وإن لم يقم الغرماء عليه.
وأما العهدة فإنه المطالب بديون معامليه دون سيده فيتعلق بذمته، إن لم يكن بيده ما يوفي منه، لا برقبته ولا بذمة سيده. وإن عتق طولب بها، ثم لا رجوع له بما غرم على السيد.
[ ٢ / ٧٤١ ]
وأما قضاء ديونه فمن مال التجارة لا من رقبته، وتباع فيها أم ولده، ولا يباع فيها ولده، لأنهم ليسوا بملك له، إلا أن يشتريهم وعليه دين فإنهم يباعون فيه، لأنه يتلف أموال غرمائه، وليس له ذلك، وهم في هذا الموضع ملكه.
فروع متتالية: قال أبو الحسن اللخمي: «لا ينبغي للسيد أن يأذن لعبده في التجارة إذا كان غير مأمون فيما يتولاه، إما لأنه يعمل بالربا، أو خائن في معاملته، (أو) نحو ذلك. فإن تجر فربح وكان يعمل بالربا تصدق السيد بالفضل، وإن كان يجهل ما يدخل عليه من الفساد في بيعه ذلك استحسن له التصدق بالربح من غير إجباره». (وقال مالك في الكتاب: «لا أرى للمسلم أن يستتجر عبده النصراني ولا يأمره ببيع شيء لقول الله تعالى: ﴿وأخذهم الربا وقد نهوا عنه﴾.
قال أبو الحسن اللخمي: «فإن أذن له فيتجر مع المسلمين، كان الحكم فيما أتى به كالحكم في العبد المسلم. قال: ويختلف إذا تجر مع أهل دينه فأربى، أو تجر في الخمر، فعلى القول بأنهم مخاطبون بفروع الشريعة يكون الجواب على ما تقدم إذا بايع مسلمًا، وعلى القول بأنهم غير مخاطبين إلابعد تقدم الإسلام يسوغ للسيد ما أتى به من ذلك». قال: «وقد كان لابن عمر عبد نصراني يبيع الخمر.
وهذا كله إذا كان (تجره) لنفسه، فإن كان (تجره) لسيده لم يجز شيء من ذلك، وصار بمنزلة ما لو كان السيد المتولي لذلك البيع، لأنه وكيل له».
وللسيد الحجر على عبده بعد الإذن له، وأن اغترق الدين ما بيده ويمنعه التجارة، ثم يكون ما بيده لغرمائه دون سيده، إلا أن يفضل عنهم شيء، فيكون له أو يكون هو أحدهم فيشاركهم.
وليس للغرماء أن يحجروا على العبد لكن لهم القيام بدينهم فيفلسونه، وهو في هذا كالحر.
(وإذا أراد السيد الحجر عليه فلا يفعل ذلك دون السلطان حتى يكون السلطان هو الذي
[ ٢ / ٧٤٢ ]
يوقفه للناس). «قال مالك: ومن ذلك أن يأمر به السلطان فيطاف به حتى يعلم ذلك منه». فإن حجر السيد عليه دون السلطان فقال ابن حارث: ابن القاسم يقول: «لا يجوز رده إلا عند السلطان»، وغيره يقول: حيث رده السيد فهو مردود.
وقال أبو الحسن اللخمي: «إن لم تطل إقامته فيما أذن له فيه ولم يشتهر أجزأ حجر السيد، ويذكر ذلك عند (من) يخالطه أو يعامله في سفره. وإن طال ذلك واشتهر الإذن له كان الحجر للسلطان يسمع بذلك ويظهره».
وأما غير المأذون فملكه موقوف، لا تجوز فيه أحكامه، معاوضة (كانت) أو معروفًا.
وأحكامه فيها أحكام المحجور عليه، ينعقد بيعه إن باع، ويقف الفسخ على اختيار السيد، ويجوز اتهامه وقبوله للوصية، ولا يقف ذلك على إذن (سيده)، ويخلع زوجته.
ثم المأذون وغيره يملك ملكًا لا يساوي الحر فيه. فملكه غير مستقر، لأن للسيد أن ينتزعه منه متى شاء.
ودليل كونه قابلًا للملك أن الله سبحانه أضاف إليه الغنى والفقر، وأضاف له رسول الله ﷺ المال، ولأنه حي آدمي ويصح منه ملك الأبضاع، وهو أضيق أسبابًا من الأموال.
كيف وقد صح منه تعاطي أسبابه من قبول الوصية ونحوه، وقد اتفقنا على جواز تجارته ببيعه وشرائه بالغبن والدين، إذا كان مأذونًا، مع كون الدين لا يلزم السيد، ولو أتلف أموال الناس لتعلق الدين بذمته دون رقبته، كما تقدم، والدين [من] فروع الملك.
[ ٢ / ٧٤٣ ]
الباب الثاني: في اختلاف المتبايعين
وما يترتب عليه من التحالف وغيره
وللأصحاب في الحكاية عن المذهب طريقان:
أحدهما: التفصيل، وهو طريق المتأخرين، ويحصره النظر في كيفية الاختلاف وأحواله ثم في تنزيل الأحكام على الأحوال.
النظر الأول: في كيفية الاختلاف. وينحصر في الثمن، وصفة العقد.
أما الثمن، فالاختلاف فيه في خمسة أحوال: جنسه ونوعه ومقداره وتعجيله وتأجيله وقبضه.
وأما صفة العقد فالاختلاف فيها في حالين: الخيار والبت، والصحة والفساد.
النظر الثاني: في تنزيل الأحكام على الأحوال.
أما الحال الأول من القسم الأول، وهو الاختلاف في جنس الثمن، مثل أن يقول أحدهما مثلًا: دنانير، ويقول الآخر: ثوب، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان على الإطلاق، إذ ليس أحدهما بتصديق قوله بأولى من الآخر، ولم يقر البائع بإخراج سلعته بما قاله المشتري جملة ولا تفصيلًا.
وأما الحال الثاني منه، وهو الاختلاف في نوع الثمن، مثل أن يقول أحدهما مثلًا: قمح، ويقول الآخر: شعير، فقيل: ذلك يجري مجرى الحال الأول، وهو شهادة بتباعد الأغراض، وقيل: يجري مجرى الحال الثالث، وهو شهادة بتقارب الأغراض.
وأما الحال الثالث منه، وهو الاختلاف في مقدار الثمن ففي المذهب فيه أربع روايات:
إحداها: أنهما يتحالفان ويتفاسخان، وما لم يقبض المشتري السلعة، فإن قبضها صدق في الثمن.
الثانية: أنهما يتحالفان ويتفاسخان وإن قبضها، ما لم يبن بها فيصدق حينئذ. والروايتان لابن وهب.
والرواية الثالثة: أنهما يتحالفان ويتفاسخان وإن قبضها وبان بها، ما لم تفت بتغير سوق
[ ٢ / ٧٤٤ ]
أو بدن، فيكون القول قول المشتري، وهذه رواية ابن القاسم في الكتاب وبها أخذ.
والرواية الرابعة: أنهما يتحالفان ويتفاسخان، وإن فاتت في يد المشتري، ويرد القيمة بدل العين، وهذه رواية أشهب وبها أخذ.
قال الإمام أبو عبد الله: وهذا المذهب الذي كان يفتي به شيخنا ﵀. قال: وأنا فتي به أيضًا.
وسبب اختلاف: هذه الروايات أنه نظر في رواية أشهب إلى أن كل واحد منهما مدعى عليه، إذ البائع يقول: لم أخرج سلعتي إلا على صفة لم يقر بها المشتري، والمشتري يقول: لم أشتر إلا بما سميته. وهذا يقتضي التحالف والتفاسخ مطلقًا.
وأما رواية ابن القاسم فنظر فيها إلى أن بفوات السلعة يفوت ردها، وإنما (تجب) على المشتري قيمة، فصار البائع يدعي عليه عمارة ذمته بشيء وهو منكر له. ونظر في روايتي ابن وهب إلى ترجيح جانب المبتاع، فتارة اقتصر على وجود اليد وتارة أضاف إليها البينونة حتى تتأكد بها.
فروع: الأول: اعتبار الأشبه في الدعوى.
وقد قال الشيخ أبو الطاهر: «إن فاتت السلعة فلا خلاف في مراعاته».
قال: «وأما إن كانت قائمة فقولان، المشهور أنه غير مراعى، لوجود السلعة والقدرة على
[ ٢ / ٧٤٥ ]
ردها، والبيع مظنة التغابن. والشاذ أنه يراعى. قال: «وصوبه الأشياخ. ثم قال: وهذا ينبغي أن يكون خلافًا في حال، فإن ادعى أحدهما أشبه، وأبعد الآخر إلى ما لا يشبه، فينبغي أن لا يختلف أن القول قول من ادعى الأشبه. وإن ادعى الآخر ما هو ممكن، ويتغابن الناس [بمثله]، فلا يلتفت إلى الأشبه».
الفرع الثاني: حيث حكمنا بالتحالف، فالبداية بالبائع.
وروى في المستخرجة أن البداية بالمشتري. وقال بعض المتأخرين: هما سيان، فيقدم بالقرعة.
فنظر في المشهور إلى أن الملك في الأصل للبائع، والمشتري يدعي عليه إخراجه له بغير ما يقول إنه رضي به. ونظر في الرواية الأخرى إلى أن البائع مقر بالبيع ونقل الملك للمشتري ومدع في زيادة ثمن عليه ينكرها، ولما تقابل هذان الوجهان عند المتأخر المشار إليه قال بالقرعة.
الفرع الثالث: وهو مرتب.
إذا قلنا بتبدئة البائع على المشهور، فهل ذلك من باب الأولى أو هو واجب؟
في ذلك خلاف، ينبني عليه الخلاف في ما إذا تناكلا. فمن قال: إن التبدئة من باب الأولى حكم بالفسخ، كما إذا تحالفا، وبه قال ابن القاسم. ومن قال: إنها واجبة، أمضى العقد بما قال البائع. وبه قال ابن حبيب.
التفريع: إذا بنينا على قول ابن القاسم فأراد أحدهما أن يمضي البيع بما قال الآخر وأبى صاحبه، فهل له ذلك أم لا؟ قولان، وإذا بنينا على قول ابن حبيب، فهل يفتقر البائع إلى اليمين؟ قولان أيضًا، أحدهما افتقاره إليها. وإليه ميل القاضي أبو الوليد: والثاني: عدم الافتقار إليها.
قال الشيخ أبو الطاهر: «وعليه حمل هذه الرواية أكثر الأشياخ».
الفرع الرابع: إذا حلفا فمذهب سحنون انفساخ العقد. وقال ابن القاسم وابن
[ ٢ / ٧٤٦ ]
عبد الحكم: بل يفتقر إلى إنشاء الفسخ.
وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا رضي أحدهما قبل الفسخ أن يمضي العقد بما قال الآخر.
(فسحنون يمنع ذلك إذ حصل عنده الانفساخ بالفراغ من التحالف. وقال ابن القاسم في الكتاب: «إلا أن يرضى المبتاع قبل الحكم بالفسخ بما قال البائع فذلك له». وقال ابن عبد الحكم: إذا أراد البائع أن يلزمها المشتري بما حلف عليه المشتري، فذلك له، وإن شاء فسخ البيع).
الفرع الخامس: حيث قلنا بالفسخ، فهل ينفذ ظاهرًا أو باطنًا، أو ظاهرًا لا باطنًا؟ فيه خلاف.
فائدته: حل الوطء والبيع، على القول الأول دون الثاني، لأنه فيه وطئ أو باع ملك الغير، وليس له أخذها عوضًا مما له عليه من الثمن، إذ لابد من البيع قبل ذلك.
الفرع السادس: في صفة اليمين:
وليبدأ الحالف باليمين على إبطال دعوى خصمه، ثم هل يقتصر على ذلك؟ لأن موضوع الأيمان دفع الدعاوي وإبطالها دون تصحيحها، أو يضم إلى ذلك تحقيق دعوى نفسه، لأن أحد الفصلين يتضمن الآخر، ولأنه على تقدير نكول الخصم لا تكفيه اليمين الأولى، ما لم يجدد يمينًا أخرى، فكان له أن يجمع الفصلين في يمينه ليجترئ بها.
ولهذا قال أبو الحسن اللخمي: «له أن يجمعهما إن شاء»، ففوض ذلك إلى خيرته لما رأى أن الحق له لا عليه.
وأما الحال الرابع من القسم الأول في تعجيل الثمن وتأجيله، مثل أن يدعي البائع انعقاد
[ ٢ / ٧٤٧ ]
البيع على كون الثمن حالًا والمشتري يدعي خلافه. فالأصل فيه أنه جار مجرى الاختلاف في مقدار الثمن كما تقدم في الحال الثالث، إلا أنه قد اعتيد الشراء بالنقد في بعض السلع، حتى صار ذلك العرف فيها. فإن ثبتت عادة في مبيع ما تصرف عن الأصل، وإلا فالرجوع إليه.
ولهذا نزل بعض المتأخرين ما وقع من الاختلاف بين الأصحاب في ذلك على شهادة بعادة. وقيل: القول قول البائع، وهو بناء على أن العادة التعجيل. وقيل بالتفرقة بين بعيد الأجل وقريبه، فيكون القول في دعوى الأجل البعيد قول البائع، و[في] دعوى القريب يتحالفان ويتفاسخان، كالاختلاف في قدر الثمن، وكذلك إن اتفقا في أصله واختلفا في قدره فهو كالاختلاف في قدر [الثمن].
وأما إن اتقفا في أصله وقدره واختلفا في انتهائه فالقول فيه قول من أنكر تقضيه.
وأما الحال الخامس منه، وهو الاختلاف في قبض الثمن، فالأصل أن الثمن باق بيد المبتاع والمثمون باق بيد البائع حتى يثبت الانتقال عن يد ذلك بيده، إما بالبينة وإما بعادة مستقرة، وقد استقرت في بعض المبايعات بالقبض كالبقل واللحم وشبههما، يشتري من أصحاب الحوانيت، فإذا قبضها المشتري وبان بها، فالقول قوله في دفع ثمنها. وفي تصديقه إذا قبضها ولم يبن بها، خلاف سببه الشهادة بالعوائد.
وأما الحال الأول من القسم الثاني، وهو الاختلاف في دعوى الخيار والبت، فروي عن ابن القاسم تصديق مدعي البت. وعن أشهب تصديق مدعي الخيار. وبنى المتأخرون هذا (الاختلاف) على القول بتبعيض الدعوى.
وأما الحال الثاني منه، وهو الاختلاف في دعوى الصحة والفساد، ففي الكتاب: «أن القول قول مدعي الصحة مطلقًا من غير تفصيل»، لكن نزل المتأخرون على أن الاختلاف في ذلك لا يؤدي إلى الاختلاف في زيادة الثمن ونقصانه.
فأما إن أدى إلى ذلك فحكمه حكم الاختلاف في قدر الثمن. قالوا: «وأما لو كان لا يؤدي إلى ذلك كقول أحدهم: لم أر المبيع، أو وقع البيع وقت الجمعة، وشبه ذلك، والآخر ينكره، فالمذهب: القول بالصحة». قالوا: «لأنه الأصل في التعامل بين المسلمين.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
وعلى هذا قال أبو محمد عبد الحميد وغيره من المتأخرين: لو كان الغالب التعامل على الفساد لكان القول قول مدعيه». قالوا: «وكذلك وقع لسحنون في المغارسة إذا تداعيا فيها الصحة والفساد، إن القول قول مدعي الفساد، لأنه شهد أن الغالب فسادها في زمانه».
فرع: قال الإمام أبو عبد الله: ذكر المتأخرون من أصحابنا أن كل معنى يؤدي إلى الاختلاف في الثمن فحكمه حكم الاختلاف فيه، ومثلوا ذلك باختلاف المتبايعين في الأجل أو شرط رهن أو حميل أو يقول أحدهما: شرطت الخيار لي، ويقول الآخر: شرطت الخيار دونك، أو عقدنا البيع بتلًا.
قال الإمام: وهذا الذي مثل به مما يؤدي إلى الاختلاف في الثمن صحيح. لكن قوله في اختلافهما في شرط الخيار أو وقوع البيع بتلًا مما يفضي إلى تحقيق، وهو النظر فيما يختاره مدعي الخيار: هل الإمضاء فيوافق مدعي البت، فلا يفتقر إلى يمين، أو يختار رد المبيع فيختلف هل يكون القول قوله أو قول مدعي البت؟ هذا تمام طريق المتأخرين.
أما الطريق الثاني، فقال القاضي أبو الحسن: «إذا تبايعا شيئًا ثم اختلفا في مقدار الثمن أو اتفقا في الثمن ولكن اختلفا في المثمن، فقال البائع: بعتك هذا الثوب بألف درهم، وقال المبتاع: بل هذا الثوب وثوبًا آخر ابتعت بألف. وكذلك إذا اختلفا في الأجل فقال البائع: نقدًا، وقال المبتاع: إلى أجل، عينه. وكذلك لو قال البائع: بعتك على ألا خيار لك، وقال المبتاع: بل لي خيار، أو قال: بعتك على شرط الرهن، وقال المبتاع: لا، بل لا رهن، أو قال: على شرط التضمين، وقال المبتاع: بلا شرط التضمين. فالحكم في هذه المسائل كلها واحد.
ثم ذكر أن المذهب فيها على ثلاث روايات، وترك رواية ابن وهب الثانية باعتبار البينونة مع القبض، فأسقطها وذكر سائر الروايات على ما تقدم في الطريقة الأولى».
وكذلك الأستاذ أبو بكر اقتصر أيضًا على الروايات الثلاث التي اقتصر عليها القاضي أبو الحسن بعد أن حكى قريبًا مما حكى.
[ ٢ / ٧٤٩ ]