والتماس الغرماء أو بعضهم الحجر بالديون الحالة على المديان الزائدة على قدر ماله سبب لضرب الحجر عليه بدليل الحديث.
وأم الديون المؤجلة فلا حجر فيها، إلا أن تحل عليه ديون تستغرق ما بيده ويطلبها أربابها، فيطلب المؤجلة ديونهم الحجر فلهم ذلك، لأنهم يقولون: أخليتم ذمته ولم يبق لنا ما نأخذ منه ديوننا، وكذلك إن ظهر منه إتلاف يخاف معه ألا يجد عند الأجل قضاء، فيحجر عليه ويحل دينه إلا أن يضمن له، أو يجد ثقة يتجر له فيه ويحال بينه وبينه.
ومتى حجر على المفلس حلت الديون المؤجلة عليه دون الديون المؤجلة له، والميت كالمفلس في ذلك كله.
ولو قام الغرماء على الغريم فمكنهم من ماله فباعوه، واقتسموه، ثم داين آخرين، فليس للأولين دخول في ما بيده، إلا أن يكون فيه فضل ربح، ويكون هذا بمنزلة تفليس السلطان، رواه ابن القاسم في العتبية. ولو كان الغريم غائبًا، فروى محمد عن ابن القاسم وأشهب في البعيد الغيبة لا يعرف ملأه من عدمه: أنه يفلس ويحل المؤجل من دينه. (قال ابن القاسم: وإن عرف ملأه لم يفلس، ولا يقضي إلا لمن حل دينه، قال أشهب: بل يفلس، إذ لا يدري ما حدث عليه. قال ابن القاسم: وأما القريب الغيبة على مثل الأيام، فليكتب في كشف أمره حتى يعلم ملؤه من عدمه، فيفلس أو لا يفلس.
[ ٢ / ٧٨٤ ]
الحكم الأول: منع التصرف في المال الموجود
ثم للحجر أربعة أحكام:
الحكم الأول: منع التصرف في المال الموجود عن ضرب الحجر بوجوه التبرع كالعتق والهبة والوصية، والبيع بالمحاباة في معنى التبرع، أما ما كان من غير محاباة فهو موقوف على إجازة الغرماء.
واختلف في (عتقه) أم ولده فأمضاه ابن القاسم في الكتاب. ورده المغيرة في كتاب ابن سحنون وقال: ليس هو كطلاقه لزوجته، بل هي كرقيقة في ارتفاقه بها.
ثم إذا قلنا: يمضي عتقها، فقال مالك في كتاب محمد: يتبعها مالها. وقال ابن القاسم: لا يتبعها إلا أن يكون يسيرًا.
فأما ما لا يصادف المال من تصرفه كالطلاق والخلع واستيفاء القصاص، وعفوه، واستلحاف النسب ونفيه باللعان واختطابه واتهامه وقبول الوصية فهو صحيح. (وكذلك) شراؤه على أن يقضي الثمن من غير ما حجر عليه فيه.
(وأما إقراره بالدين فإن (كان استحقاق غير) المقر له من الغرماء بغير بينة، بل بإقراره، فيجوز ذلك لمن أقر له في ذلك المجلس وبلفظ واحد أو قرب بعض ذلك من بعض. قاله مالك في كتاب محمد).
وإن كانت الديون الأولى تثبت ببينة فلا يجوز إقراره لمن لم يثبت دينه من الغرماء في وقت الحجر عليه، لأنه يدخل نقصًا على من ثبت دينه بالبينة بمجرد قوله، وذلك غير جائز له مع الحجر عليه.
ثم حيث قلنا: لا يقبل إقراره في المال المحجور عليه فيه فما أقر به من ذلك واجب في ذمته. فإن أفاد مالًا غير ما حجر عليه فيه قضى مما أفاد ما أقر به.
وأما لو قال: هذا قراض فلان أو وديعته، وعلى أصلها بينة، فأجاز ابن القاسم إقراره، ولم يجزه أشهب إلا ببينة على التعيين، ورواه عن مالك.
[ ٢ / ٧٨٥ ]
(وقال أصبغ: يقب في ما عين من وديعة أو قراض، كان عينًا أو عرضًا، كان على أصله بينة أو لم تكن، لأنه (إقرار) بأمانة ولم يقر بدين إذا أقر لمن لا يتهم عليه بالتأليج إليه).
فأما إن لم يفسر ذلك، وإنما قال له: في مالي وديعة كذا وكذا أو قراض كذا، فلا يجوز لأن هذا إقرار بدين، وقاله ابن حبيب.
والمال الذي يتجدد بعد الحجر لا يتعدى إليه الحجر، بل يحتاج في إلى استئناف حجر ثان، وأجرة الكيال والحمال وما يتعلق بمصلحة الحجر تقدم على جميع الديون.
وإذا كان له دين وله به شاهد فليحلف، وكذلك إذا رد عليه اليمين. فإن نكل فللغرماء أن يحلفوا، قاله ابن حبيب.
وإن أراد سفرًا فلمن بقي له دين حال منعه، وليس لمن له دين مؤجل منعه ولا طلب الكفيل، ولا طلب الإشهاد، إلا أن يكون مما يحل في غيبته، فليوكل من يقضيه عند استحقاقه.
الحكم الثاني: بيع ماله وقسمته.
وعلى القاضي أن يبادر إلى بيع الحيوان، ولا يطيل مدة الحجر، بل يبيع ويقسم الثمن على أرباب الديون، إلا أن يكون المحجور عليه معروفًا بالدين (فليستأن) به في الموت.
واختلف في (الاستيناء) في الفلس.
قال ابن حبيب: قال أصبغ: وإذا فلس الغريم أو مات رجل وعليه دين فليأمر القاضي من ينادي على باب المسجد في مجتمع الناس: إن فلان بن فلان قد مات أو فلس، فمن كان له عليه دين أو عنده قراض أو وديعة أو بضاعة فليرفع ذلك إلى القاضي، وكذلك فعل عمر ﵁ في الأسيفيع.
ويبيع الحاكم بحضرة المفلس، ويباع متاعه بالخيار إلى ثلاثة أيام طلبًا للزيادة.
وفي رواية مطرف: يستأنى في بيع ربعه، يتسوق به الشهر (والشهرين).
فأما الحيوان فلا يؤخر إلا اليسير. قال مطرف: ويشترط السلطان فيما يبيع الخيار ثلاثًا.
وفي كتاب محمد: (أما) الحيوان والعروض فيتسوق اليسير، والحيوان أسرع بيعًا، وأما
[ ٢ / ٧٨٦ ]
الدور والأرضون الشهر والشهرين ثم تباع. ولا يكلف الغرماء حجة على ألا غريم سواهم، ويعول على أنه لو كان لظهر مع استفاضة الحجر، إما مطلقًا وإما بعد الاستيناء على ما تقدم.
ثم يقسم ثمن ما يبيع من ماله على نسبه الديون، فإن اختلفت أجناسها من العين والعرض والطعام المسلم إليه فيه، قوم لكل واحد قيمة دينه بقيمة يومه حين الفلس أو الموت وقسم ماله بينهم على تلك الحصص، واشترى لكل واحد (منهم) بما صار له من المحاصة سلعته أو ما بلغ منها، ولا يدفع إلى أحد من أرباب الطعام ثمن، وكذلك (أرباب) العروض إلا أن يكون أسلم عرضًا في عرض، ويعزل لمن كان غائبًا من الغرماء نصيبه، فإن هلك بعد العزل فهو منه. ثم إن ظهر بعد القسمة غريم لم يشعر به فلا ينتقص، بل يرجع على كل واحد بما ينوبه مما يخصه على ما يقتضيه الحساب. ولا يرجع على مليء بمعدم، ولا على حي بميت.
وكذلك لو خرج المبيع مستحقًا لرجع على كل واحد بجزء من (الثمن) يقتضيه الحساب.
هذا إن كان الميت غير مشهور بالدين، فإن كان مشهورًا بالدين أو علم الورثة أن عليه دينًا ثم باعوا وأقبضوا بعض الغرماء، فلمن بقي أن يرجع على الورثة بما يخصه، ثم للورثة أن يرجعوا على من أخذ أولًا بما يغرمونه. وفي الكتاب أيضًا أن له أن يرجع على من أخذ فيأخذ منه ما يخصه.
وحيث قلنا: يرجع على الورثة، فإنه يأخذ من الملي عن المعدم ما لم تجاوز حصته ما قبض الوارث، بخلاف الغرماء.
فرع: اختلف في مال المفلس ممن يكون ضمانه إذا تلف. فروى أشهب أن مصيبته من المفلس، كان عينًا أو عرضًا. وروى ابن الماجشون أن ما أوقف من عين أو عرض مصيبته من الغرماء، العرض بقيمته والعين بوزنه، وبه قال، وشبهه بالثمن يهلك في المواضعة فيكون ممن تكون له الأمة.
وروى ابن القاسم: أنه منه إن كان عرضًا أو ما يشبهه، ومنهم إن كان عينًا، وجد في التركة أو بيع به من العروض، [وقال بما روى]. وقال أصبغ: مصيبته منه إن كان حيًا فلس، وإن كان ميتًا فمصيبته منهم.
وإذا حيل بين المفلس وبين ماله وقبض الغرماء، تركت عليه كسوته المعتادة إلا أن يكون
[ ٢ / ٧٨٧ ]
فيها فضل عن لباس مثله، ولا ينزع رداؤه إذا كان نزعه يزري بمنصبه.
وروى ابن نافع أنه لا يترك له إلا ما (يوارى به). وبه قال ابن كنانة.
واختلفوا في بيع [كتب] العلم (عليه) على قولين، بناء على كراهية بيعها. وقال محمد بن عبد الحكم: بيعت كتب ابن وهب بعد موته بثلاثمائة دينار، وأصحابنا متوافرون فما أنكروا ذلك. وفي ترك كسوة زوجته له تردد.
وقال سحنون: لا يترك له كسوة زوجته ولا يترك مسكنه ولا خادمه ولا غير ذلك من سرجه وخاتمه وثوبي جمعته ما لم تقل قيمتها، ويترك عيشه وعيش زوجته وولده الصغير الأيام نحو الشهر، وإن لم يجد له غيره ترك، وكذا ينفق عليه في مدة الحجر، ثم إن بقي شيء من الدين فلا (يستكسب)، ولا تؤاجر مستولدته، ويؤاجر مدبره، ولا يلزمه أن ينتزع لقضاء دينه مالهما ولا مال معتقه إلى أجل. فإن اختار هو ذلك جاز على المستحسن من القولين. (وتباع كتابة مكاتبه).
ولا يجبر على اعتصار ما وهب لولده، ولا على الأخذ بشفعة له فيها فضل، إذ هو ابتداء الملك ولا يلزمه. وكذلك لو بذل له السلف لم يجبر على قبوله. وليس عليه العفو عن دم أبيه ليأخذ الدية، ولا له أن يعفو عن دية وجبت له. قال مطرف: ولا أن يجيز وصية أبيه بماله كله.
وإن ورث أباه فالدين أولى به، ولا يعتق عليه منه إلا ما يفضل عن الدين. ولو وهب له (لعتق) وقدم عتقه على حق الغرماء، إذ لذلك وهب.
ثم إذا لم يبق له مال واعترف بذلك الغرماء انفك الحجر عنه، ولا يحتاج إلى فك القاضي.
[ ٢ / ٧٨٨ ]
وقال القاضي أبو محمد: «لا ينفك حجر عن محجور عليه بحكم أو بغير حكم إلا بحكم الحاكم».
الحكم الثالث: حبسه إلى ثبوت إعساره.
وفي الكتاي: قال (مالك): لا يحبس الحر ولا العبد في الدين ولكن يستبرأ أمره، فإن اتهم بأنه قد حبأ مالًا أو غيبه حبسه، فإن لم يجد له مالًا ولم يخبئ شيئًا لم يحبسه وخلى سبيله، إلا أن يحبسه قدر ما يتلوم به من اختياره ومعرفة ماله، أو يأخذ عليه (حميلًا).
وللقاضي إطالة حبسه إن ظهر عناده بإخفاء المال.
قال مالك في رواية ابن القاسم ومطرف: وإذا تبين لدده حبسه، مثل أن يتهم بمال أخفاه، ومثل هؤلاء التجار الذين يأخذون أموال الناس، ثم يقولون: ذهبت، ولا يعرف ذلك، والرجل في السوق وفي موضعه لا يعلم أنه سرق له شيء ولا احترق منزله ولا أصيب بشيء، فهؤلاء يحبسون حتى يوفوا الناس حقوقهم أو يتبين أنه لا شيء لهم فيطلقهم ولا يلازمهم أحد.
قال مالك في الدين يتفالسون ويقولون: ذهب لنا، ولا يعرف ذلك، فإنهم يحبسون، وإن شهد ناس: أنه لا شيء لهم، فهذا لا يعرف ولا يعجل سراحهم حتى يستبرأ أمرهم.
قال في كتابي محمد وابن حبيب: وأرى في الذين يتفالسون في السوق، ولا يعرف ما يأتون به أن يخرجوا من السوق.
وقال عنه مطرف: فإنه لا يزال يفعل ذلك الرجل منهم، ثم يظهر له مال ومتاع فلينف هؤلاء من السوق.
فأما من حبس للاستبراء من التهمة أو للجهل بحاله، فإن أقام بينة على إعساره خلي في الحال، وانظر إلى ميسره، ويشهد من يخبر باطن حاله.
[ ٢ / ٧٨٩ ]
وقال القاضي أبو الوليد: «ويشهد له» الشهود أنهم لا يعلمون له مالًا ظاهرًا ولا باطنًا، ثم يحلفه مع الشهادة. [قال]: لأن شهادتهم على الظاهر، ويحلف هو على الباطن». فإن لم يجد من يشهد له، وقد طال حبسه أخرج، والطول يختلف بالنسبة إلى كثرة الحق وقلته، وليس له أمد محدود.
(وقد روى ابن حبيب عن ابن الماجشون: لا يحبس في الدريهمات أكثر من نصف الشهر. ويبلغ في الكثيرة أربعة أشهر، وفي ما بين ذلك الشهرين ونحوهما (بالنسبة).
ويحبس في دين والده.
قال مطرف: ولا يحبس في دين ولده، لأن مالكًا قال: «لا يحلف القاضي الأب لولد، (إن طلب يمينه، فاليمين أيسر)، ولكن يأمره الإمام فيما ثبت له عليه أن يقضيه».
وقال ابن القاسم: فإن شح الابن في استحلاف أبيه أحلف له، وكانت جرحة على الابن.
وقال محمد بن عبد الحكم: أصحابنا لا يرون حبس الوالد لولده في الدين يداينه.
قال محمد: ويحبس الوالد لولده (في) دينه إذا امتنع من دفعه وشح الابن على ماله، ويحبس الوالد في امتناعه من الإنفاق على ولده، ويحبس أيضًا فيما على الولد من دين إذا كان له بيده مال.
وكذلك الوصي يحبس في ما على الأيتام من الدين إذا كان لهم بيده مال. ويحبس النساء في الدين وغيره، هن كالرجال في ما يحبس فيه الرجال، ويكن بموضع لا يكون فيه رجل، والمؤتمن عليهن امرأة مأمونة لا زوج لها، أو لها زوج مأمون معروف بالخير.
(قال سحنون: «ومن سجن في دين لامرأته أو لغيرها فليس له أن تدخل إليه امرأته، لأنه
[ ٢ / ٧٩٠ ]
إنما (يسجن) للتضييق عليه، فإذا لم يمنع لذته لم يضيق عليه.
وقال محمد بن عبد الحكم: إذا حبس الحاكم الزوجين في حق وجب عليهما جميعًا أو كفالة تكفلا جميعًا بها، فقالا: نحبس جميعًا، وقال صاحب الحق: بل يفرق بينهما، فذلك للزوجين إذا كان المحبس خاليًا، فإن كان فيه رجال غيرهما حبس (الزوج) مع الرجال (والمرأة) مع النساء. (وإذا حبس) الأب والابن في دين عليهما حبسًا جميعًا لا يفرق بينهما.
قال: ولا يمنع من حبس بالحقوق من زيادة المسلمين ممن يسلم. ويترك مع المحبوس من يخدمه، وإن مرض مرضًا احتاج فيه إلى جارية (لتوضئه) وتطلع على عورته، لم أر بأسًا أن تصير معه جارية حيث يجوز ذلك.
فرع: (من حل عليه دين فسأل أن يؤخر ووعد بالقضاء، فحكى ابن حبيب عن ابن الماجشون أن الإمام يؤخره حسبمًا يرجو له ولا يعجل عليه. وقال في كتاب ابن سحنون: إن سأل أن يؤخره يومًا أو نحوه آخر، ويعطي حميلًا بالمال).
الحكم الرابع: في الرجوع إلى عين المال. لقوله ﷺ: «أيما رجل أفلس فأدرك رجل
[ ٢ / ٧٩١ ]
مال بعينه فهو أحق به (من غيره» فجعل رب المال أحق، وذلك عند اختياره الأخذ، وله الضرب. ويتعلق الرجوع بثلاثة أركان.
- العوض.
- والمعوض.
- والمعاوضة.
(أما العوض وهو الثمن) فشرطه أن يتعذر استيفاؤه بالإفلاس، فلو وفى المال به، فلا (رجوع).
ولو دفع الغرماء إليه الثمن من مال المفلس، (قال ابن الماجشون: أو من أموالهم فلا رجوع أيضًا. وقال ابن كنانة: ليس لهم أن يدفعوا من مالهم، بل من مال المفلس إن كان له مال.
وقال أشهب: ليس لهم أخذها بالثمن حتى يزيدوا على الثمن زيادة يحطونها عن المفلس من دينهم، ويكون نماء السلعة ونقصانها لهم وعليهم).
فرعان: الأول: لو قبض بعض الثمن ثم وجد السلعة، خير في رد ما قبض وأخذ سلعته أو الضرب بما بقي له من الثمن.
الفرع الثاني: لو قبض البعض ثم وجد من السلعة بعضها، فإما ضرب ببقية الثمن وإما رد ما قبض. مما يخص ما وجد وأخذ ما وجد وضرب ببقية ثمن ما فات بعدما أخذ. وأما المعوض فله شرطان:
أحدهما: أن يكون قائمًا في ملك المفلس، فلو (هلك) (لم يكن) للبائع إلا المضاربة بالثمن والخروج عن ملكه (مثل الهلاك والكتابة كزوال الملك).
الشرط الثاني: ألا يكون متغيرًا تغير انتقال، فإن تغير كالحنطة تزرع أو تطحن أو يخلط جيدها برديء، أو مسوس أو معلوث، أو يعمل الزبد سمنًا، أو يقطع الثوب قميصًا أو الخشبة بابًا، أو يذبح الكبش، فقد فات الرجوع. ولو لم ينتقل ولكن أضيف إليه صناعة أو عين
[ ٢ / ٧٩٢ ]
أخرى: كالعرصة يبتني فيها بيت أو الغزل ينسج، فلا يمنع (الرجوع). ثم يكون له أن يشارك الغرماء بقدر قيمتها من قيمة البنيان، وكذلك الغزل وغيره. وكذلك لو خلط السلعة بجنسها المماثل لها كالزيت على مثله والحنطة على مثلها، وغير ذلك، فله من ذلك قدر مكيلته.
ولو ولدت الأمة (أو) الماشية فله أخذ الولد معها، بخلاف الثمرة والغلة إلا أن يكون الصوف على ظهورها واللبن في ضروعها والثمرة قد أبرت واشترطها المبتاع، فإنه يرد ما كان قائمًا من ذلك ويضرب بمثل ماله مثل وقيمة ما لا مثل له. وقيل: إن جد الثمرة، وجز ذلك الصوف فهما كالغلة.
وفي الرجوع في تمر بعد أن يبس من مبتاعه (منه) في رؤوس النخل إذا فلس روايتان: بالإجازة والمنع. وبالأولى أخذ أشهب. وإلى الثانية ذهب أصبغ.
والروايتان مبنيتان على أصلين: أحدهما أن البائع إذا أخذ السلعة في الفلس، هل هو ناقض للبيع الأول، (أو هو مبتدئ بيع ثان؟).
فعلى الأول يصح أخذه، وأما على الثاني فيختلف فيه بناء على (أصل أخر)، وهو أن ما كان من الذرائع إذا ألجأ (إليه) الحكم هل يعتبر في المنع أم لا؟
فرعان: الأول: إذا وجد بعض المبيع كأحد العبدين أخذه وضارب بما يخص الفائت من الثمن.
ولو ولدت الأمة ثم مات أحدهما، فليس له إلا أخذ الباقي بجميع الثمن أو الترك.
ولو بيع الولد وبقيت الأم أخذها بجميع الثمن في رواية ابن القاسم.
وروي أنه يأخذها بحصتها ويحاص بما أصاب الولد من الثمن. ولو بيعت الأم وبقي الولد أخذه بحصته من الثمن كسلعتين في صفقة. قال يحيى: روى هذا ابن وهب وقال سحنون: ما أدري هذا. قال أبو الحسن: يريد أن القياس فيهما سواء. وقال الشيخ أبو القاسم: أخذ الباقي منهما بحسابه.
(الثاني): إذا وجد العبد الذي باعه مرهونًا، فهو بالخيار بين أن يدعه ويحاص بالثمن،
[ ٢ / ٧٩٣ ]
أو يفديه ويأخذه بالثمن كله، زاد أو نقص، ويحاص بما فداه به. بخلاف ما لو وجده جانبًا ففداه وأخذه بالثمن، فإنه لا يرجع بشيء مما فداه به، لأنه في الجناية لم يتعلق بذمة المشتري شيء يلزمه.
وأما المعاوضة فشرطها أن تكون معاوضة محضة، فلا يثبت الفسخ في النكاح أو الخلع أو الصلح، بتعذر استيفاء العوض، لكن لو طلقها قبل البناء وفلست، فإن عرف المهر بيدها فهو أحق به حتى يأخذ نصفه. (فإن لم يوجد إلا نصفه) فإن كان ما هلك بغير سببها فليس له إلا نصف ما وجد ولا محاصة له بما بقي، وإن كان بسببها خاص بنصف ما ذهب.
ويثبت الفسخ في الإجارة والسلم ويثبت الرجوع إلى رأس المال عند الإفلاس، إن كان باقيًا عينًا كان أو عرضًا، وإلى المضاربة بقيمة المسلم فيه إن كان تالفًا، ثم يشتري بالقيمة جنس حقه، وأشهب لا يرى الرجوع في العين وبجه.
وإذا أفلس المستأجر بالأجرة رجع المكري إلى عين الدابة أو الدار المكتراة.
وإن كان قد زرع الأرض فربها أحق بالزرع من الغرماء حتى يأخذ كراءه في الفلس دون الموت.
وقال ابن القاسم: هو أحق فيهما، ولو أقرضه سلعة لم يكن أحق بها. قال أبو محمد الأصيلي: هو أحق بها كالبيع.
ولو وهب للثواب لكان له الرجوع في هبته، وإن تغيرت، إلا أن يبذل له الغرماء القيمة.
والأجير. في سقي زرع أو نخل أو أصل إذا سقاه كان أحق به، بخلاف من استؤجر على رحيل إبل أو رعايتها أو علفها أو على رحى الماء والصباغ شريك بقيمة الصبغ، وكذلك النساج والبناء. وأما من دفع ثوبه إلى الصباغ ثم قبضه قبل دفع الأجرة، ثم فلس، فالصباغ أحق بما زاد الصبغ إن زاده، ثم يضرب بما فضل له.
وقيل: يكون شريكًا بقيمة الصبغ زاده أو نقصه).
وجميع الصناع أحق بما أسلم إليهم للصنعة، وكذلك مكري دابته لحمل متاع، فهو أحق بما حمل عليها وإن لم يكن معها.
[ ٢ / ٧٩٤ ]
والمكتري أحق بالدابة المعينة في العقد، وإن لم يقبضها دون الكراء المضمون إلا أن يقبضها فيه.
وأرباب الحوانيت والدور أسوة غرماء مكتريها فيما فيها. ورب الأرض المكتراة أحق بما فيها من الزرع حتى يقبض كراءه لا يشاركه أحد من الغرماء، سوى من استؤجر للسقي فإنه يحاصه، ويقدمان على مرتهن الزرع. وقيل: رب الأرض أولى، ثم أجبر السقي، ثم المرتهن.
فروع: الأول: (من ابتاع سلعة بيعًا فاسدًا، ثم فلس البائع، فقال سحنون: هو أحق بالسلعة التي في يده وإن فسخ بيعها حتى يستوفي ثمنه. وقال محمد: لا يكون أحق بها. وقال ابن الماجشون: هو أحق بها في النقد دون الدين).
(الثاني): قال ابن القاسم في المشتري يرد العبد بعيب، فلم يقبض ثمنه من البائع حتى فلس والعبد بيده، فلا يكون الراد له أولى به.
(الثالث): قال مالك في المشتري للسلعة يفلس وقد نقد بعض ثمنها ورد البائع ما قبض وأخذها، ثم وجد بها عيبًا، يرد مما حدث عند المبتاع، فله ردها ويحاص (أو يحبس ولا شيء له. قال محمد: لأنه لا يعرف ما كان رد من الثمن بعينه، ولو عرف بعينه مثل أن يكون طعامًا أو كتابًا أو غيره لكان أحق به ويحاص) بما بقي له من ثمنها فيها وفي غيرها.
(الرابع): (قال ابن القاسم في العتبية: «إذا فلس المشتر بعد بيعه للسلعة وحاص البائع الغرماء، ثم ردت بعيب، كان للبائع أن يرد ما أخذ في الحصاص، ويأخذ سلعته».
قال أبو الحسن اللخمي: «ويصح أن يقال: ذلك حكم مضى فلا لا يرد».
[ ٢ / ٧٩٥ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا محمد النبي الكريم وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كبيرًا