قال القاضي أبو بكر: "هذا كتاب اخترعه مالك ﵁ في التصنيف، لفائدتين إحداهما أنه خارج عن رسم التكليف المتعلق بالأحكام التي صنفها أبوابًا ورتبها. والأخرى: أنه، ﵁، لما لحظ الشريعة وأنواعها، ورآها مقسمة إلى أمر ونهي، وإلى عادة وعبادة، وإلى معاملات وجنايات، نظمها أسلاكًا، وربط كل نوع بجنسه، وشذت عنه من الشريعة معان مفردة لم يتفق نظمها في سلك واحد، لأنها متغايرة المعاني؛ ولا أمكن أن يجعل لك لمنها بابًا لصغره، فجمعها أشتاتًا، وسمى نظامها كتاب الجامع".
واعلم أنها وإن كانت آحادها في أنفسها كما أشار إليه، إلا أنها يمكن ضبطها وحصرها من حيث الإضافة والنسبة. وإذا أخذت بهذا الاعتبار انحصرت في ثلاثة أجناس: ما يتعلق بالعقيدة، وما يتعلق بالأقوال، وما يتعلق بالأفعال.
الجنس الأول ما يتعلق بالعقيدة:
ويتعين على المكلف أن يكون على عقيدة صحيحة في التوحيد، وفي صفات الله (﷿ وتعالى وتقدس، وتصديق رسله صلوات الله عليهم، فيؤمن بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ملكه، ولا نظير له في صفة من صفات إلهيته، ولا قسيم له في أفعاله، وأن محمدًا ﷺ عبده ورسوله، وأن جميع ما جاء به من حق وجميع ما أخبر عنه وبه صدق.
وأما القيام بدفع [شبه] المبتدعة فلا يتعرض له إلا من طالع علوم الشريعة وحفظ الكثير منها، وفهم مقاصدها وأحكامها، وأخذ ذلك عن الأئمة وفاوضهم فيها، وراجعهم في ألفاظها وأغراضها، وبلغ درجة الإمامة في هذا العلم بصحبة إمام أو أئمة أرشدوه إلى وجه الصواب، وحذروه من الخطأ والضلال، حتى تثبت الحق في نفسه وفهمه ثبوتًا قوي به على رد شبه المخالفين، وإبطال حجج المبطلين، فيكون القيام بدفع الشبه فرض كفاية عليه وعلى أمثاله حينئذ، فأما غيرهم قال يجوز له التعرض (لذلك)، لأنه ربما ضعف عن رد تلك
[ ٣ / ١٢٨٣ ]
الشبهة، وتعلق بنفسه منها ما لا يقدر على إزالته، فيكون قد تسبب إلى هلكته وضلالته ونسأل الله العصمة. وكذلك القيام بالفتوى فرض كفاية أيضًا. وأما مهمات الصلاة والوضوء ففرضين عين. وكذا علم التجارة فرض على التاجر معرفته.
الجنس الثاني: ما يتعلق بالأقوال من مأمور به أو منهي عنه
أما المأمور به فكالتلفظ بالشهادتين، والصلاة على النبي ﷺ، والذكر والدعاء، والتسبيح والتهليل، وقراءة القرآن على الوجه المشروع، فأما التلحين فلا يجوز.
قال القاضي أبو محمد: "والمشروع في قراءة القرآن أن ينزهه عن الألحان المطربة المشبهة للأغاني، إعظامًا له، وتنزيهًا عن الأغاني والمناكر، ولأن ثمرة قراءته الخشية لله (﷿)، وتجديد التوبة عند سماع مواعظه، والاعتبار ببراهينه وقصصه ومثاله، والشوق إلى وعده، والخوف والحذر من وعيده، وذلك ينافي تلحينه واعتقاد الإطراب بطيب سماعه. وينبغي تقسيم قراءته إلى تفخيم وإعظام فيما يليق بذلك منه، وإلى تحزين وترقيق على حسب المواعظ المقروءة والحال المقروء لها. وقد نبه الله سبحانه على هذا التقسيم بقوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ءايته زادتهم إيمانًا) وبقوله: (أفلا يتدبرون القرءان)، وقوله: [ليدبروا ءايته) وقوله: (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع). ولأن الألحان إذا كرهت كانت في القرآن أولى".
قال القاضي أبو محمد: " وكذلك ينبغي تنزيه أذكار القرب كلها عما ذكرناه". وكدراسة العلوم النافعة في الدين، والحث على الخير، من الصدقة والمعروف ونحوه، والقول الذي يصلح بين الناس، ونحو هذا من الأقوال.
وأما المنهي عنه فكالغيبة والنميمة والبهتان والكذب والقذف والتلفيظ بفحش الكلام، وإطلاق ما لا يحصل إطلاقه على الله (تعالى)، أو على رسوله، أو على أحد من رسوله وأنبيائه أو ملائكته أو المؤمنين به.
[ ٣ / ١٢٨٤ ]
الضرب الأول: ما يتعلق بأفعال القلب منها
فرع: قد تقدم حكم من تعرض للنبي ﷺ، فأما من شتم أحدًا من أصحابه، فإن قال: إنهم كانوا على كفر وضلال؛ فقال عيسى بن دينار "يقتل".
وقال سحنون في كتاب ابنه: من كفر عليًا أو عثمان أو غيرهما من لأصحابه فأوجعه جلدًا.
قال الشيخ أبو محمد: ورأيت في مسائل رويت عن سحنون: إن قال في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي: إنهم كانوا على ضلالة وكفر، فإنه يقتل.
ومن شتم غير هؤلاء من الصحابة بمثل هذا فعليه النكال الشديد. فأما من شتم أحدًا من الصحابة بغير ذلك من مشاتم الناس فلا يقتل عند الجميع، لكن عليه النكال.
الجنس الثالث: ما يتعلق بالأفعال.
وفيه يتسع المجال، وهو نوعان:
الضرب الأول: ما يتعلق بأفعال القلب منها. وهي مأمورات ومنهيات: فمن المأمورات: الإخلاص واليقين والتقوى والصبر والرضى والقناعة والزهد والورع والتوكل والتفويض وسلامة الصدر، وحسن الظن، وسخاوة النفس، ورؤية المنة، وحسن الخلق، وما أشبه هذه من أعمال القلوب.
ومن المنهيات الغل والحقد والحسد والبغي والغضب لغير الله والغش والكبر والعجب والرياء والسمعة والبخل والإعراض عن الحق استكبارًا، والخوض فيما لا يعني، ومثل الطمع، وخوف الفقر، وسخط المقدور، والبطر والتعظيم للأغنياء لغناهم، والاستهانة بالفقراء لفقرهم، والفخر والخيلاء، والتنافس في الدنيا والمباهاة والتزين للمخلوقين، والمداهنة، وحب المدح بما لم يفعل، والاشتغال بعيوب الخلق عن عيوب النفس، ونسيان النعمة، والحمية، والرغبة والرهبة لغير الله. ولنقتصر على هذا القدر فيه تنبيه على أمثاله من هذا الضرب.
الضرب الثاني: ما يتعلق بأفعال الجوارح وهو أقسام:
الأول: الطعام والشراب. وليسم الله تعالى الآكل والشارب عند الابتداء، وليحمداه عن الانتهاء. ولا يأكل متكئًا. وسئل مالك عن الرجل يأكل وهو واضع يده اليسرى على الأرض؟ فقال: إني لأتقيه وأكرهه، وما سمعت فيه شيئًا.
[ ٣ / ١٢٨٥ ]
قال القاضي أبو الوليد: "إنما كرهه لما فيه من معنى الاتكاء، وإن كان لم يسمع فيه بنهي يخصه".
وليأكل بيمينه وليشرب بيمينه. وليأكل مما يليه إلا أن يكون الطعام ألوانًا مختلفة، ورخص الشيخ أبو الوليد في أن يتعدى ما يليه وإن لم يكن ألوانًا، إذا كان مع أهله وولده، إذ لا يلزمه أن يتأدب معهم، ويلزمهم أن يتأدبوا معه.
وقال القاضي أبو الوليد: "سئل مالك عن الرجل يأكل في بيته مع أهله وولده، فيأكل مما يليهم ويتناول مما بين أيدهم؟ فقالك لا بأس بذلك".
وقد روي عن أنس بن مالك "أنه أكل مع رسول الله ﷺ عند خياط فقدم قديدًا ودباء، فرأيت النبي ﷺ يتبع الدباء حول القصعة".
وإذا كان جماعة فأدير عليهم ما يشربون من لبن وماء أو غيره، فليأخذه بعد الأول الأيمن فالأيمن.
وينبغي للرجل إذا أكل مع قوم أن يأكل مثلما يأكلون من تصغير اللقم وإطالة المضغ والترسل في الأكل. وإن خالف ذلك عادته.
وينبغي أن لا ينهم في الأكل ويكثر منه. فما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطن.
قال الشيخ أبو الوليد: "فيجعل ثلث بطنه للطعام، وثلثه للماء، ويبقى ثلثه للنفس.
ويغسل يديه من الدسم وفمه، وإن كان لبنًا، فأما تعمد غسل اليد للأكل فقد كرهه مالك.
ولا ينفخ في طعامه أو شرابه، ولا يتنفس في الإناء، ولكن ينحيه عن فيه، فإذا تنفس أعاده كما جاء في الحديث.
ولا يشرب من فم السقاء: ولا بأس بالشرب قائمًا.
[ ٣ / ١٢٨٦ ]
ولا يقرن التمر، إذا لم يقرن من يأكل معه، لنهي النبي ﷺ عن القرآن.
قال الشيخ أبو الوليد: "فعلى هذا لا يجوز له أن يقرن، إذا لم يقرن من يأكل معه، ولو كان هو الذي أطعمهم، ويجوز له ذلك إذا أكل مع من لا يلزمه أن يتأدب معهم من أهله وولده". قال "وقد قيل: إنه إنما نهي عن ذلك لئلا يستأثر في الأكل على من يؤاكله بأكثر من حقه".
قال: "فعلى هذا يجوز له إذا كان هو الذي أطعمهم أن يقرن، وإن كانوا لا يقرنون". ثم قال: "والأظهر أن يكون النهي عن ذلك للمعنيين جميعًا، فلا يقرن الرجل دون أصحابه المؤاكلين له الذين يلزمه أن يتأدب معهم، وإن كان هو الذي أطعمهم.
ومن أكل ثومًا نيئًا، فلا يقرب المساجد للنهي عن ذلك، وكذلك إن أكل البصل أو الكراث، إن كان يؤذي مثله قياسًا عليه".
فرع: الدعوات خمس:
الأولى: وليمة النكاح، ويمؤ بإتيانها إلا من عذر، كما تقدم.
الثانية: ما يفعله الرجل للخاص من إخوانه وجيرانه على حسن العشرة وإرادة الألفة، ويستحب إتيانها.
الثالثة: ما سوى ذلك مما يفعل على جري العادات دون مقصد مذموم: كالخرس، وهو طعام الولادة، والعقيقة، وهو اسم للشاة التي تذبح عن المولود يوم سابعه، والإعذار، وهو طعام الختان، والوكيرة، وهي الطعام لبناء الدار، والنقيعة وهي الطعام للقادم من السفر. قال الشيخ أبو الوليد: "وكل ذلك جائزًا إجابته".
الرابعة: ما يقصد به قصد مذموم، من التطاول وابتغاء المحمدة والشكر وما أشبه ذللك، فلا ينبغي إجابتها، لا سيما لأهل الفضل والهيئات، لأن إجابتهم إلى مثل هذه الأطعمة إضاعة للتصاون وإخلاق للهيئة عند دناءة الناس، وسبب لإذلالهم أنفسهم.
قال الشيخ أبو الوليد: "فقد قيل: ما وضع أحد يده في قصعة أحد إلا ذل له".
[ ٣ / ١٢٨٧ ]
القسم الثاني: اللباس
الخامسة: ما يفعله الرجل لمن يحرم عليه قبول هديته، كأحد الخصمين للقاضي وشبهه، فهذا يحرم إجابته.
القسم الثاني: اللباس. وقد قسمه القاضي أبو محمد إلى أقسام الأحكام الخمسة، ثم وعد من قسم الواجب ما هو لحق الله تعالى كستر العورة، وما هو لحق المخلوفين كالذي يقي الحر والبرد، وما يستدفع به الضرر في الحرب وغيرها من أحوال الخوف.
قال القاضي أبو محمد: ولسنا نريد بأنه يرجع إلى حق المخلوفين أنه يجوز له تركه، لأنه لو كان كذلك لم نصفه بأنه واجب، وإنما نريد أنه يجب لأجل المخلوق لا لعبادة هو شرط في صحتها.
ومن قسم المندوب ما هو لحق الله تعالى، كالرداء في الجماعة، وأن لا يعري منكبيه من شيئ من اللباس في الصلاة، ولبس الثياب الجميلة في الأعياد".
قال القاضي: "ويتبع ذلك الزينة والطيب وما في معناه، وما هو من حقوق الآدميين مما يتجملون به، ويدفع الإزراء عنهم وهدم المروءات.
وينبغي لأهلالعلم أن يكون زيهم حسنًا، لا يستحسن لهم مفارقة ذلك، ففي الموطأ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "إني لأحب أن أنظر إلى القارئ أبيض الثياب.
قال القاضي أبو الوليد: "استحسن عمر ﵁ لأهل العلم والصلاح حسن الزي والتجمل المباح، لأن ذلك مشروع، وقد روى عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله جميل يحب الجمال، والكب رمن بطر الحق وغمط الناس". وسئل مالك ﵁ عن قولهتعالى: (ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك) فقال: "أن يعيش ويأكل ويشرب غير مضيق عليه".
قال القاضي أبو الوليد: "وقد شرع في الصلاة التجمل وحسن الزي والهيئة، ومع الاحتزام وتشمير الكمين، وما جرى مجرى ذلك مما ينافي زي الوقار.
وكذلك شرع في أيام الجمع التجميل بالملبس والتطيب لاجتماع الناس، والعالم يجتمع
[ ٣ / ١٢٨٨ ]
إليه الناس ويردون عليه، فيشرع له التجمل في الملبس دون أن يخرج عن عادة مثله" وكذلك العباد لا يستحسن لهم الخروج عن حسن الزي إلى الملبس الخشن لأن ذلك خروج عن العادة ومدخل فيما يشهره. وقد قال إبراهيم بن أدهم لرجل تنسك فلبس الصوف: رأيته تنسك نسكًا أعجميًا؛ فعاب ذلك عليه لخروجه عن عادة مثله.
وقد سئل مالك ﵁ عن لباس الصوف الغليظ؟ فقال: لا خير في الشهرة، ولو كان يلبسه تارة ويتركه أخرى لرجوت، ولا أحب المواظبة عليه حتى يشتهر، ومن غليظ القطن ما هو بمثل ثمنه.
ومن قسم المحظور ما كان سرفًا زائدًا على قدر المحتاج إليه، مخرجًا فاعله إلى الخيلاء والبطر.
ومنه: اشتمال الصماء والحبوة على غير ثوب يستر العورة، فإن كان ت حته ثوب يستر العورة، غير ما اشتمل به واحتبى. فهو من قسم المباح.
ومن قسم المحظور في هذا ويدخل فيه جميع ما في بابه تشبه النساء بالرجال والرجال بالنساء في اللبس والتختم وغير ذلك؛ ملعون فاعله كالمخانيث ومن جرى مجراهم.
وفي المختصر من رواية أشهب:"سئل مالك عن اكتحال الرجل بالإثمد؟ فقال: ما يعجبني، وما كان من عمل الواس، وما سمعت فيه شيئًا.
قال الشيخ أبو بكر: إنما كره الاكتحال بالإثمد، لأن فيه ضربًا من الزينة التي تشبه زينة النساء، ويكره للرجال التشبه بالنساء.
ومنه أيضًا لبس الحرير للرجلا، ويحرم المتمحض منه عليهم، فلا يلبس الرجل منه ثوبًا. قال ابن حبيب: ولا يلتحف به، ولا يفترشه، ولا يصلي عليه، ولا يجوز إضافة شيئ منه
[ ٣ / ١٢٨٩ ]
إلى الثياب، وإن كان يسيرًا. وقد نص في كتاب ابن حبيب على المنع من اتخاذ الجيب منه.
وقال بعض الأصحاب: يجوز اتخاذ الطوق منه واللبنة، لما وقع في الحديث من استثناء العلم، وقد اختلف فيه، فروى ابن حبيب: أنه لا بأس به، وقال: لا بأس به، وإن عظم، لم يختلف في الرخصة فيه، والصلاة [به].
وروى ابن القاسم: أن مالكًا كره (لباس) الملاحف فيها أصبغ أو أصبعان أو ثلاثة من الحرير. قال ابن القاسم: لم يجز مالك من الحرير في الثوب إلا الخيط الرقيق. فأما ما سداه حرير ولحمته من غيره فمكروه، وليس بمحرم. وأما الخز فذكر عن مالك جوازه. وقال القاضي أبو محمد: "يجوز لبسه، وكرهه مالك، لأجل السرف". وذكر ابن حبيب عن خمسة وعشرين من الصحابة جوازه، منهم عثمان بن عفان، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن عباس وخمسة عشر تابعيًا. وكان عبد الله بن عمر يكسو بنيه الخز. وقال في الواضحة: وأما الخز فلم يختفوا في إجازة لبسه. قال: وليس بين الخز وما سداه حرير ولحمته من القطن وغيره فرق من القطن وغيره فرق إلا الاتباع.
ولا بأس أن يخاط الثوب بالحرير. "قال ابن حبيب: ولا يستعمل ما بطن بحرير أو حشى به مثل الصوف، أو رقم به".
قال القاضي أبو الوليد: "يزيد إذا كان الحرير فيه كثيرًا". ولم ير ابن القاسم بأسًا أن تتخذ منه راية في أرض العدو.
واستخف ابن الماجشون لباس الحرير في الجهاد، والصلاة به حينئذ، للترهيب على العدو. ولم ير ذلك مالك.
وأما الستر تعلق، فقال ابن حبيب: لا بأس به. فأما النساء فيباح لهن لباسه كيف شئن من وجوه اللباس.
[ ٣ / ١٢٩٠ ]
ومن قسم المكروه: ما خالف زي العرب، ودخل في زي العجم جملة بغير تفصيل، (كالتعمم) بغير قناع أو تحنيك غير ذلك.
وفي المحضر من ورواية ابن وهب: "سئل مالك عن الذي يعتم بالعمامة، ولا يجعلها تحت حلقه؟ [فأنكرها] وقال: ذلك من عمل القبط، فقيل له: فإن هو صلى بها كذلك" قال: لا بأس. قال: "وليست من عمل الناس إلا أن تكون عمامة قصيرة لا تبلغ".
ولا يجوز للنساء أن يلبسن ما يصف أو يشف، وفي ذلك ورد "نساء كاسيات عاريات". ويؤمن بسدل أثوابهن من شبر إلى ذراع للستر.
وأما الرجال فلا يحل لهم أن يجاوزوا بثيابهم الكعبين، ويستحب أن تكون من أصناف الساقين إلى ما ف وق الكعبين. وأما جر الثوب خيلاء فمعصية متوعد عليها.
ومما ينخرط في سلك اللباس التختم والانتعال وستر الجدر.
أما التختم فيحرم منه على الرجال ما كان يذهب أو بما فيه ذهب. ولو حبة. وأما ما كان من فضة فلا بأس بالتختم به والأفضل التختم في اليسار، وكره مالك التختم في اليمين. ولا بأس أن ينقش في الخاتم اسم الله تعالى.
قال الشيخ أبو محمد: "ويقال: كان في نقش خاتم مالك (حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكيلِ)
وروى في العتبية: "لا بأس أن يستجني بيساره وفيها الخاتم فيه ذكر الله".
قال القاضي أبو بكر: "قال لي بعض أشياخي: هذه رواية باطلة، معاذ الله أن تجري النجاسة على اسم".
[ ٣ / ١٢٩١ ]
وأما الانتعال فيستحب فيه الابتداء باليمين في اللبس، وباليسار في الخلع. ولا يمشي أحد في نعل واحدة ولا يقف فيه، إلا أن يكون الشيئ الخفيف، في حال كونه متشاغلًا بإصلاح الآخر، وليلبسهما جميعًا أو فلينتزعهما جميعًا.
وأما ستر الجدر فمنهي عنه، لما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: أنهى رسول الله ﷺ أن تستر الجدر إلى جدار الكعبة".
القسم الثالث: (في) دخول الحمام.
وهو جائز للرجال إذا كان خاليًا، فأما مع مستورين فقال ابن القاسم: "لا بأس بذلك، وتركه أحسن". وقال أيضًا: "وقد سئل عن الغسل بالماء السخن من الحمام؛ فقال: والله ما دخول الحمام بصواب، فكيف يغتسل بذلك الماء. وقد حملت كراهيته لدخوله هاهنا على أنه لا يأمن أن تنكشف عورة أحد ممن هو معه فيه، ولا خلاف في تحريم دخوله مع من لا يستتر".
وقال القاضي أبو بكر: "إذا كان الرجال لا يسترون، فقال مالك: لا تقبل شهادة من دخله".
قال القاضي أبو بكر: فإن استتروا فليدخل بعشرة شروط:
الثاني: أن يعتمد أوقات الخلوة أو قلة الناس.
[ ٣ / ١٢٩٢ ]
الثالث: أن يستر عورته بإزار صفيق.
الرابع: أن يطرح بصره إلى الأرض، أو يستقبل الحائط، لئلا يقع بصره على محظور.
الخامس: أن يغير ما رأى من منكر برفق، بقول: استتر، سترك الله.
السادس: إن دلكه أحد لا يمكنه من عورته، من سرته إلى ركبته، إلا امرأته أو جاريته وقد اختلف في الفخذين هل هما عورة أم لا؟.
السابع: أن يدخله بأجرة معلومة بشرط أو بعادة.
الثامن: أن يصب الماء على قدر الحاجة.
التاسع: إن لم يقدر على دخوله وحده اتفق مع قوم، يحفظون أديانهم، على كرائه.
العاشر: أن يتذكر به عذاب جهنم.
فإن لم يمكنه ذلك كله فليدخل وليجتهد (طاقته) في غض البصر. وإن حضر وقت الصلاة فيه استتر وصلي في موضع مطهر.
قال: "وأما النساء فلا سبيل إلى دخولهن، لأن جميع المرأة عورة للرجل والمرأة. أولًا ترى إلى قول النبيبي ﷺ: "أفضل صلاة المرأة في مخدعها"، لما هي فيه من الستر، ولم يؤذن لها في الحج أن تكشف إلا وجهها ويديها. فلتدخله مع زوجها، إذا احتاجت إليه". وقال الشيخ أبو القاسم: "لا تدخل المرأة الحمام إلا من ضرورة". وقال القاضي أبو محمد: "اختلف فيه للنساء في هذا الوقت، فقيل: يمنعن منه، إلا لعلة من مرض أو حاجة إلى الغسل، من حيض أو نفاس أو شدة برد أو ما أشبه ذلك".
وقيل: إن منع ذلك لما لم تكن لهن حمامات منفردة، فأما اليوم من إفرادهن فلا يمنعن. ثم إذا دخلت فلتستر جميع جسدها. وقال الشيخ أبو الوليد: "حكمهن في دخوله الكراهة دون التحريم. قال: "ولا يلزمها من التستر مع النساء إلا ما يلزم لرجل ستره". ورأى أن النساء مع النساء كالرجال مع الرجال، واستشهد على ذلك بإباحة غسلهن لهن.
[ ٣ / ١٢٩٣ ]
فرع: قال ابن وهب في المختصر: "سمعت مالكًا يقول فلي الجلبان والفول وما أشبهه من الطعام: لا بأس به أن يتوضأ منه، ويتدلك به في الحمام. قال مالك: إن الرجل ليدهن بعض جسده بالسمن أو الزيت من الشقوق.
قال: وسئل عن الدقيق يغسل به اليدين؟ قال مالك: وغيره أعجب إلي، ولو فعل لم أر به بأسًا، قد كان عمر بن الخطاب ﵁ يتمندل ببطن رجله".
القسم الرابع: الرؤيا والحلم.
والرؤيا الصالحة: هي ما كانت من رجل صالح، وهي التي تكون جزءًا من أجزاء النبوة. وقد تكون الرؤيا من الشيطان ليحزن الرائي، ولا يضره إذا امتثل ما أمر به.
والمقصود بذكر هذا القسم ذكر ما ورد الأمر به إذا رآها الرائي، وهو أن يستعيذ بالله من شرها، وينفث على يساره. زاد ابن وهب: ويقول: أعوذ بما عاذت به ملائكة الله ورسله من شر ما رأيت، أن يصيبني منه شيئ أكرهه في الدنيا والآخرة. وليتحول على شقه الأيسر. قال ابن وه: فإذا فعل ذلك موقنًا بما روي فيه لم يضره ما رأى.
القسم الخامس: السفر.
قال القاضي أبو بكر: "وهو ضربنا: هرب وطلب. أما الهرب فهو الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، والخروج من دار البدعة، والخروج من أرض غلب عليها الحرام، والفرار من الإذاية في البدن كخروج الخليل ﵇، والخروج من الأرض المغمقة إلى الأرض النزهة عند الاجتواء، والخروج خوفًا على الأهل والمال، لأن حرمة مال المسلم كحرمة دمه.
[ ٣ / ١٢٩٤ ]
وأما الطلب فسفر العبرة، وهو ند. وسفر الحج وهو فرض. وسفر الجهاد، وله حكمه. وسفر المعاش باحتطاب أو احتشاش أو صيد. وسفر التجارة والكسب. والسفر لقصد البقاع الكريمة، وهي إما أحد المساجد الثلاثة، وأما مواضع الرباط. والسفر لقصد طلب العلم. والسفر للقصد إلى الإخوان لتفقد أحوالهم".
ثم من آداب السفر أنه إذا وضع رجله في الركاب أو في الغرز، وبالجملة فإذا بدأ، فليقل: "باسم الله، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم ازو لنا الأرض، وهو علينا السفر، اللهم إني أعوذ بك من عثاء السفر ومن كآبة المنقلب، ومن سوء المنظر في المال والأهل".
ولينظر في الرقيق ففي الحديث: "الراكب شيطان"، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب". وهي أقل الرفقة بحيث إذا ذهب واحد يحتطب أو يسقي بقي إثنان. وقد جاء: "إن خير الرفقاء أربعة".
وإن كانت امرأة فلا يحل لها السفر إلا بالرفيق، وهو إما الزوج وإما المحرم، ف إن عدمتهما واضطرت، كالخروج إلى حج الفريضة وشبهه، فنساء مأمونات أو رجال مأمون لا تخشى على نفسها معهم.
ولا يعلق المسافر الاجراس ولا يقلد الأوتار للدواب، وذلك مكروه.
ويستحب للمسافرين الرفق بدوابهم، وإنزالها منازلها في الخصب والنجاء عليها بتقيها في الجدب، وأن لا يعرسوا على الطريق، لأنها طرق الدواب ومأوى الحيات، وأن يقولوا إذا نزلوا منزلًا: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق؛ فقد ضمن عدم الضرر بها. قال القاضي أبو بكر: "فلعمر إلهكم لقد جربتها أحد عشر عامًا، فوجدتها. وأن يجعل الرجوع إلى أهله إذا قضى نهمته من سفره. وأن يدخل في صدر النهار، ولا يأتي أهله طروقًا، كما جاء في الحديث.
ولا بأس بالإسراع في السير وطي المنازل فيه عند الحاجة إلى ذلك. فقد سار ابن عمر
[ ٣ / ١٢٩٥ ]
وسعيد بن أبي هند وكان من خيار الناس من مكة إلى المدينة في ثلاثة أيام وهي مسيرة عشرة أيام على السير المعتاد. ولا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو.
القسم السادس: فيما يفعله الإنسان في رأسه وجسده.
وهي الخصال التي يعبر عنها بخصال الفطرة. والمراد بها هاهنا الخصال التي يكمل بها المرء حتى يكون على أفضل الصفات، وهي عشرة، خمس في الرأس وهي:
حلق العانة. ونتف الإبطين، وتقليم الأظفار، والاستنجاء، والختان، وهو سنة في الرجال ومكرمة في النساء. ويستحب ختان الصبي إذا أمر بالصلاة من السبع إلى العشر. ويكره أن يختن في السابع من ولادته كما يفعله اليهود، وإن خاف الكبير على نفسه من الختان التلف، فرخص له ابن عبد الحكم في تركه، وأبى ذلك سحنون.
واختلف فيمن ولد مختونًا، فقيل: قد كفى الله سبحانه المؤونة فيه، وقيل: تجرى الموسى عليه، فإن كان فيه ما يقطع قطع.
فرع: تقدم في هذا القسم أن من الفطرة فرق الشعر، والكلام في فرقه فرع لإبقائه على الرأس.
وقد قال القاضي أبو بكر: "الشعر في الرأس زينة، وتركه سنة، وحلقه بدعة وحالة مذمومة، جعلنا النبي ﷺ شعار الخوارج، قال في الصحيح: سيماهم التسبيد وهو الحلق:.
ويجوز أن يتخذ جمة، وهو ما أحاط بمنابت الشعر، ووفره (وهو) ما زاد على ذلك، حتى تبلغ شحمة (الأذنين)، ويجوز أن يكون أطول من ذلك.
وقد ذكر أبو عيسى في صفة النبي ﷺ عن عائشة: "أن شعره كان فوق الجمة ودون الوفرة". قال: وبكره الَزَعُ، وذلك أن يحلق البعض ويترك البعض، شبه بالقرع، وهي قطع السحاب. انتهى كلامه.
[ ٣ / ١٢٩٦ ]
وقال أبو عبيد: يتخصص الفزع بتعدي مواضع الحلق حتى تتعد مواضع الشعر، وبذلك تحصل المشابهة، وهذا مساو لما روي عن مالك.
قال ابن وهب: "سمعت مالكًا يقول: بلغني أن القزع مكروه. والقزع: أن يترك شعرًا متفرقًا في رأسه. قال ابن وهب: وسمعته يكره القزع للصبيان. قال: وهو الشعر المبدد في الرأس".
القسم السابع: في اللعب بالتردد وشبهها.
أما النرد فحرام. وأما الشطرنج وما يضاهيها، كالأربعة وغيرها، فالنص على كراهيتها، واختلف في حمله على التحريم أو إجرائه على ظاهره، ونص على كراهية الشطرنج، وقال: "هي ألهى وأشر"، وقيل: الإدمان عليها حرام.
وقيل: إن لعبت على وجه يقدح ي المروءة، كالمحترم يلعبها على الطريق ومع الأوباش والأطراف، فلا يحل ذلك؛ (فإن) لعبت في الخلوة مع الأمثال والنظراء من غير إدمان، ولا في حال تلهي فيه عن العبادات والمهمات الدينية والدنيوية، فهي مباحة.
القسم الثامن: في التصوير.
والصورة إن كانت تماثيل على صفة الإنسان ل [أو] غيره من الحيوان، فلا يحل فعلها، ولا استعمالها في شيئ أصلًا؛ وإن كانت رسمًا في حائط أو رقمًا في ستر ينشر أو يبسط أو وسائد يرتفق بها ويتكأ عليها، فهي مكروهة، وقيل: حرام.
قال القاضي أبو بكر: "وقد قيل: إن الذي يمتهن من الصور يجوز، وما لا يمتهن مما يعلق فيمنع، لأن الجاهلية كانت تعظم الصور، فما يبقى فيه جزء من التعظيم والارتفاع يمنع،
[ ٣ / ١٢٩٧ ]
وما كان مما يمتهن فهو مباح، لأنه ليس مما كانوا فيه".
القسم التاسع: وسم الدواب وخصاؤها.
وقد أرخص في (الوسم) في الدواب والأنعام لما يحتاج إليه من علامات تعرف بها، لكن نهي عن ذلك في الوجه خاصة، إلا في الغنم فإنه أبيح في آذانها، إذ لا ينتفع بها في أجسادها لستر الشعر له.
وأما الخصاء فأبيح في الغنم لأنه يطيب لحمها، والمقصود منها الأكل. ولا يجوز الخيل لأنه يضعفها في الغزو، وهو المقصود الأعظم منها، ويقطع نسلها، وقد رغب في تربيتها، وحض علىالقيام بها، لحاجتها في الجهاد.
القسم العاشر: قتل الدواب.
وقد روى أبو داود عن عبد الهل بن مسعود قال: "قال رسول الله ﷺ: "اقتلوا الحيات كلهن، فمن خاف ثأرهن فليس مني". وروى مسلم عن أبي لبابة الانصاري قال: "سمعت رسول الله ﷺ ينهي عن قتل الجنان التي في البيوت إلا الأبتر وذا الطفيتين، فإنهما اللذان يخطان البصر ويتبعان ما في بطون النساء.
وفي مسلم أيضًا عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن بالمدينة جنًا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئًا فأذنوه ثلاثة أيام، فإذا بدا لكم فاقتلوه فإنما هو شيطان".
وعموم حديث أبي داود يقتضي قتل حيات الصحارى والطرقات من غير استئذان وتختص حيات المدينة بالاستئذان قبل القتل لحديث مسلم.
[ ٣ / ١٢٩٨ ]
وفي إلحاق حيات البيوت بغير المدينة بحيات بيوتها، في تقديم الاستئذان على القتل، خلاف. قال القاضي أبو بكر: "والصحيح أن سائر البلدان كالمدينة في ذلك. وقال ابن نافع بقصره على المدينة خاصة. ثم حيث قلنا بالاستئذان فهو في غير ذي الطفيتين والأبتر. ويفعل الاستئذان المشروع ثلاثًا في خرجة واحدة. وقيل: في كل خرجة دفعة.
وروي: أرى أن تنذر ثلاثة أيام، كما قال النبي ﷺ ولا ينظر إلى تبديها، وإن تبدت في اليوم الواحد مرارًا.
واختار القاضي أبو بكر القول الأول في أحكام الكتاب له. وقال في كتابه في أحكام السنة:"إن القول الثاني هو الموافق لصحيح الحديث"، فإن قيل: كيف تستأذن؟. قلنا: روى ابن حبيب أن رسول الله ﷺ سئل كيف تنشد الحية؟ فقال: "قولوا أنشدكن العهد الذي أخد. عليكن سليمان ﵇ أن لا تؤذيننا أو تظهرن لنا".
وروى ابن وهب عن مالك، يقول: يا عبد الله، إن كنت تؤمن بالله ورسوله، وكنت مسلمًا فلا تؤذنا ولا تشغلنا ولا تروعنا، ولا تبدون لنا، فإنك إن تبد بعد ثلاث قتلتك. قال ابن القاسم: قال مالك: يحرج عليه ثلاث مرات أن لا تبدو لنا، ولا تخرج. وقال أيضًا عنه: أحرج عليك بأسماء الله أن لا تبدو لنا.
وتقتل الوزع، حيث وجدت، من غير استئذان، لأمره ﷺ بقتلها وتسميته لها فويسقا ونهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد إلا أن يؤذي من ذلك شيئ فيجوز قتله لإذايته. وكذلك يجوز قتل كل ما يؤذي كالبرغوث والقمل وغير ذلك. ولا يقتل بالنار شيئ مما قلنا: إنه يقتل، لأنه من التعذيب والتمثيل.
النوع الثاني: ما يتعلق بالمخالطة والمعاشرة. وهو يشتمل على مأمورات ومنهيات.
[ ٣ / ١٢٩٩ ]
أما المأمورات، وهي خمسة أقسام
القسم الأول: السلام والاستئذان.
أما السلام فصيغة الابتداء به: سلام عليكم. وصيغة الرد: وعليكم السلام. قال الشيخ أبو القاسم والقاضي أبو محمد: "وينتهي في السلام إلى البركات".
ويجوز في سلام المسلم على المسلم أن يزيد الابتداء على لفظ الرد، والرد على لفظ الابتداء إلى أن ينتهي إلى البركات.
قال القاضي أبو محمد: "والابتداء بالسلام سنة، ورده آكد من ابتدائه"، وتسليم الواحد من الجماعة يجزئ عنهم، ورد الواحد كذلك، ثم الراكب يسلم على الماضي، والقليل على لكثير، والصغير على الكبير، فأما الداخل على شخص أو المار عليه فإنه يسلم عليه كان راكبًا أو راجلًا، صغيرًا أو كبيرًا، واحدًا أو أكثر، كان الشخص مستقرًا أو سائرًا. ولا يسلم على المرأة الشابة، ولا بأس بالسلام على المتجالة.
والمصافحة جائزة، بل مستحبة، لقوله ﷺ "تصافحوا يذهب الغل". وكرهها في رواية أشهب.
وتكره المعانقة وتقبيل اليد في الإسلام، ولو من العبد، وينبغي لسيده أن يزجره عن ذلك، إلا أن يكون غير مسلم. ولا يبدأ أهل الذمة بالسلام، وإذا بدأوا رد عليهم: عليكم، بغير واو، وقيل: وعليكم؛ بإثباتها.
وقال القاضي أبو محمد: "وإن رد عليه: السلام، بكسر السين، ونوى به موضوعه في اللغة، جاز". وفي رواية أشهب: لا يسلم عليه، ولا يرد ..
[ ٣ / ١٣٠٠ ]
القسم الثاني: تشميت العاطس
وتأول ذلك على أن المراد به لا يرد عليهم بمثل ما يرد به على المسلمين. ومن بدأ ذميًا لم يحتج إلى الاستقالةز ولا يسن السلام على المصلي، ويكره على من يقضي حاجته.
ولا يسلم على أهل الأهواء، كأهل القدر من المعتزلة والروافض والخوارج وغيرهم. ولا يسلم على أهل الباطل واللهو حال تلبسهم به، بل يستحب هجرة جميعهم: أهل القدر وأهل الباطل على فعلهم، ردعًا لهم، وزجرصا عما هم عليه، وغضبًا لله سبحانه في مواصلة من هذه سبيله.
وروى إباحة السلام على اللاعب بالشطرنج. وقال: هم مسلمون. ومن دخل منزله فليسلم على أهله. وإن دخل منزلًا ليس فيه أحد فليقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
وأما الاستئذان فصفته أن يقول: سلام عليكم، أأدخل؟ أو السلام عليكم، لا يزيد عليه رواه يحيي عن ابن نافع. وروى عيسى عن ابن القاسم: "يسلم ثلاثًا، فإن أذن له وإلا انصرف".
والاستئذان واجب، فلا يجوز لأحد أن يدخل على أحد بيته حتى يستأذن عليه، أجنبيًا كان أو قريبًا، ويستأذن على أمه وأخته. وبالجملة: فيستأذن على كل من لا يحل له النظر إلى عورتها. ويستأذن ثلاثًا ولا يزيد على ذلك، إلا أن يغلب على ظنه عدم السماع.
ثم حيث غلب على ظنه السماع، إن أذن له وإلا انصرف. وإذا استأذن بالسلام فقيل له: من هذا؟ فليسم نفسه باسمه، أو بما يعرف به. ولا يقل: أنا
القسم الثاني: تشميت العاطس، بالشين المعجمة وبالسين المهملة. وهو القول للعاط: يرحمك الله.
وهو مستحب. وكذلك جوابه وهو قوله: يهديكم الله ويصلح بالكم، أو يغفر الله لنا ولكم. وإن جمع بينهما فهو أحسن.
وقال القاضي أبو الوليد: "ظاهر المذهب وجوبه على الكفاية، كرد السلام. وقال ابن مزين: هو فرض على كل واحد ممن سمعه، ولا يجزئ أحد عن غيره.
ويشمت العاطس حتى يحمد الله، لقوله ﷺ في صحيح مسلم: "من عطس فحمد الله فشمتوه، وإن لم يحمد الله فلا تشمتوه". وليرفع صوته بالحمدلة، ليسمع فيشمت. ومن لم
[ ٣ / ١٣٠١ ]
يسمع منه الحمدلة، لكن سمع من هو أقرب إلى سماع صوته منه يشمته، فليشمته. (ومن عطس في الصلاة فلا يحمد الله إلا في نفسه. وقال سحنون: ولا في نفسه.
وإذا عطس فحمد الله تعالى بحضرة جماعة فشمته أحدهم فقال القاضي أبو محمد: يجزئ ذلك عن بقيتهم، (كرد السلام). وقد تقدم قول ابن مزين. ومن توالى عطاسه شمت إلى الثالثة، ولم يشمت فيما بعدها.
القسم الثالث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله يبعث عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم". خرجه أبو عيسى واستحسنه.
وروى جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله ﷺ قال: "ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، هم أعز وأكثر ممن يعمله، فلا يغيرونه إلى عمهم الله بعقاب". وإنما يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر بشروط ثلاثة:
الأول: أن يكون المتولي له عالمًا بما يأمر به وبما ينهي عنه
الثاني: أن يأمن من أن يؤدي إنكاره المنكر إلى منكر أكبر منه. مثل أن ينهي عن شرب الخمر، فيؤول نهيه عنه إلى قتل نفسه ونحوه.
الثالث: أن يعلم أو يغلب على ظنه أن إنكاره المنكر مزيل له وأن أمره بالمعروف مؤثر فيه ونافع.
وفقد أحد الشرطين الأولين يمنع الجواز. وفقد الثالث يسقط الوجوب فقط، فيبقى الجواز أو الندب، ثم مراتب الإنكار ثلاث:
الأولى، وهي أقواها، أن يغير بيده، فإن لم يقدر على (ذلك) انتقل إلى المرتبة الثانية، فيغير بلسانه، إن استطاع، وليكن برفق ولين ووعظ، إن احتاج إليه، فإن لم يقدر على ذلك وخاف عاقبته انتقل إلى لمرتبة الثالثة، وهي الإنكار بالقلب، وهي أضعفها. قال رسول الله ﷺ: "من رأى منكرًا فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه،
[ ٣ / ١٣٠٢ ]
فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. خرجه أبو داود عن أبي سعيد الخدري. وفي صحيح مسلم نحوه.
وقال فيه بعد المرتبة الثالثة: ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل.
القسم الرابع: تعالج المريض.
والتمريض فرض كفاية، فيقوم به القريب ثم الصاحب، ثم الجار، ثم سائر الناس.
ومن المعالجة الجائزة حمية المريض، وقد حمى عمر بن الخطاب ﵁ مريضًا فقال: حماني حتى كنت أمص النوى من الجوع.
قال الشيخ أبو الوليد: "ولا خلاف أعلمه في أن التداوي بما عدا الكي من الحجامة وقطع العرق وأخذ الدواء مباح غير محظور". قال) "وقد احتجم النبي ﷺ وشاور الأطباء. ولا يجوز التداوي بالخمر شربًا، كما تقدم. وفي التداوي بها من غير شرب خلاف.
فأما سائر النجاسات فيجوز التداوي بها إلا بالشرب".
وقال القاضي أبو الوليد: ("يغسل القرحة بالبول والخمر، إذا غسل بعد ذلك بالماء".
قال: "وفي رواية ابن القاسم: أنه كره التعالج بالخمر وإن غسلها بالماء".
قال مالك: إني لأكره الخمر في الدواء وغيره. وبلغني إنما يدخل هذه الأشياء من يريد الطعن في الدين. والبول عندي أخف.
قال مالك: ولا يشرب بول الإنسان للتداوي به، ولا بأس بشرب بول الأنعام، ولا خير في بول الأتن").
قال الشيخ أبو الوليد: واختلف السلف في التداوي بالكي.
قال: والأكثر على إجازته، وقد كوى النبي ﷺ أسعد بن زرارة. ومن حقوق
[ ٣ / ١٣٠٣ ]
القسم الأول: المهاجرة
المريض زيارته. والرقية بالقرآن وبأسماء الله جائزة، وبما رقي به النبي ﷺ وما جانسه.
القسم الخامس: وضوء العائن للمعين:
وهو مأمور به. وصفته: أن يغسل العائن وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزارةه، وهي الطرف الأيسر من طرفيه اللذين يشد بهما، في إناء ثم يصب على المعين.
وأما المنهيات وهي خمسة أيضًا:
القسم الأول: المهاجرة. ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، للحديث، إلا أن يكون مبتدعًا أو فاسقًا فيهجره في ذات الله تعالى، لأن الحب فيه والبغض فيه سبحانه واجب.
قال الشيخ أبو الوليد: "والسلام يخرج من المهاجرة إذا كان متماديًا على إدايته، والسبب الذي هجره من أجله، وأما إن كان قد أقلع عن ذلك فلا يخرج من هجرانه حتى تجوز شهادته عليه، إلا بأن يعود معه إلى ما كان عليه قبل".
قال: "هذا معنى قول مالك. والآثار في الأمر بالتواخي في ذات الله سبحانه، والنهي عن التقاطع والتدابر كثيرة".
والتدابر: هو أن تعرض بوجهك عن أخيك وتوليه دبرك استثقالًا له وبغضًا، بل أقبل عليه وأبسط له وجهك ما استطعت. هكذا فسره عيسى بن دينار. ورواه يحيي بن يحيي عن ابن نافع.
القسم الثاني: تناجي بعض الجماعة دون بعض.
ولا يناجي إثنان دون واحد، للنهي الوارد فيه لأنه يحزنه، وكذلك الجماعة دون الواحد، وهو أشد. وقد قيل: إن ذلك إنما يكره في السفر، وحيث لا يعرف المتناجيان ولا يوثق بهما، ويخشى الغدر منهما.
[ ٣ / ١٣٠٤ ]
القسم الثالث: ما يجري مجرى الغرر والتدليس:
فلا يجوز للمرأة ا، تصل شعرها ولا أن تشم وجهها ولا يديها، ولا أن تشر أسنانها، وبالنهي عن جميع ذلك ورد الخبر. ويجوز أن تخضب يديها ورجليها بالحناء. وهل تطرف؟ أجازه في سماع ابن القاسم. وجاء النهي فيه ععمر.
وفي صبغ الرجل الشعر ولحيته وراسه بما عدا السواد قولان: بالجواز والاستحباب. وأما بالسواد فقولان أيضًا: لكن بالجواز والكراهة.
أما فعله في الحرب، لإبهام العدون، فيؤجر عليه. ويكره نتف الشيب، لما روي من نهي النبي ﷺ عنه. وإن قصد به (التدليس) على النساء فهو أشد في المنع.
القسم الرابع: مخالطة الرجال النساء.
وخلوة الرجل بالمرأة، إذا لم يكن زوجها ولا ذا محرم منها، لا تحل له، فقد قال ﷺ: "إنَّ الشَّيْطَانَ ثَلِثَهُمَا".
ولا يجوز النظر إلى شيئ من بدنها إلا الوجه والكفين من المتجالة، وأما الشابة فلا ينظر إليها أصلًا إلا لضرورة كتحمل شهادة أو علاج أو عند إرادة النكاح كما تقدم.
وأما ذو المحرم فيجوز أن يرى منها الوجه والكفين.
ويباح للعبد أن يرى من سيدته ما يراه ذو المحرم، إلا أن تكون له منظرة فيكره أن يرى ما عدا وجهها، ولها أن تؤاكله إذا كان وغدا دنيا يؤمن منه التلذذ بها، بخلاف من لا يؤمن ذلك منه.
ولا يدخل الخصي على المرأة إلا أن يكون عبدها، واستخف إذا كان عبد زوجها للمشقة الداخلة عليها في استتارها منه. ولا تجتمع امرأتان ولا رجلان في لحاف واحد مع التجرد، وقد نهى رسول الله ﷺ عن المعاكمة وروي المكامعة. "فالمكامعة: من الكميع وهو اضجيع. وزوج المرأة كميعها.
[ ٣ / ١٣٠٥ ]
والمعاكمة: ضم الشيئ إلى الشيئ، تقول: عكمت الثياب أي شددت بعضها إلى بعض". ولذلك يفرق بين الصبيان في المضاجع قيل: لسبع، إذا أمروا بالصلاة، وقيل: لعشر، إذا ضربوا عليها. وهو ظاهر الحديث.
القسم الخامس: في مسائل من المكاسب والورع. والنظر في طرفين:
الطرف الأول: في معاملة مكتسب الحرام، كمتعاطي الربا والغلول وأثمان الغضوب والخمر ونحو ذلك. ولا يخلو إما أن يكون الغالب على ماله الحلال، أو يكون الغالب عليه الحرام، أو يكون جميعه حرامًا: "إما بأن لا يكون له مال حلال، وإما أن يكون قد ترتب في ذمته من الحرام ما يستغرق ما بيده من الحلال.
فإن كان الغالب عليه الحلال فأجاز ابن القاسم معاملته واستقراضه وقبض الدين منه وقبول هديته وهبته وأكل طعامه. وأبى من ذلك كله ابن وهب. وحرمه أصبغ على أصله في أن المال الذي خالطه شيئ من الحرام حرام كله، يلزمه التصدق بجميعه.
قال الشيخ أبو الوليد: "والقياس قول ابن القاسم، وقول ابن وهب استحسان، وقول أصبغ تشديد على غير قياس.
وأما إذا كان الغالب عليه الحرام فيمنع أصحابنا من معاملته وقلول [هبته] وهل على وجه الكراهية، وهو مذهب ابن القاسم، أو على وجه التحريم؟ وهو مذهب أصبغ. إلا أن يبتاع سلعة حلالًا فلا بأس أن تبتاع منه وأن تقبل منه هبته إنعلم أنه قد بقي بيده ما بقي بما عليه من التباعات، على القول بأن معاملته مكروهة. ويختلف في ذلك على القول بأنها محظورة.
وأما إن كان ماله كله حرامًا إما بأن لا يكون له مال حلال، وإما بأن يكون قد ترتب في ذمته من الحرام ما يستغرق ما بيده من الخلا، فاختلف في معاملته وقبول [هبته] وأكل طعامه، على أربعة أقوال:
أحدها: أن ذلك كله لا يجوز، وإن كانت السلعة التي وهب والطعام الذي أطعم قد علم أنه اشترا، وأما إن علم أنه ورثه أو وهب له فيجوز، إلا أن يكون قد ترتب في ذمته من الحرام ما يستغرق ما ورثه أو وهب له فيكون حكمه حكم ما اشتراه، وكذلك ما صاده أيضًا.
والقول الثاني: إن مبايعته ومعاملته تجوز في ذلك المال، وفيما ابتاعه من السلع، وفيما
[ ٣ / ١٣٠٦ ]
وهب له أو ورثه، وإن كان عليه من التباعات ما يستغرقه إذا عامله بالقيمة ولم يحابه، ولا تجوز هبته في شيئ من ذلك ولا محاباته.
والقول الثالث: إن مبايعته لا تجوز في ذلك المال. فإن اشترى به سلعة جاز أن تشتري منه وأن تقبل منه هبة. وكذلك ما ورثه أو وهب له، وإن كان ما عليه من التباعات قد استغرقه، روي ذلك عن سحنون وابن حبيب.
قال ابن حبيب: وكذلك هؤلاء العمال ما استروه في الأسواق فأهدوه لرجل طاب للمهدي له.
والقول الرابع: إن مبايعته وقبول هبته وأكل طعامه يجوز في ذلك المال وفيها اشتراه أو وهب له أو ورثه وإن كان ما عليه من التباعات قد استغرقه".
قال الشيخ أبو الوليد: "فعلى هذا القول يجوز أن يورث عنه ذلك، ويسوغ للوارث بالوراثة.
واختلف على القول بأن معاملته ي ذلك المال وقبول هبته وأكل طعامه لا يجوز، هل يسوغ للوارث بالوارثة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك يسوغ له بالوارثة ولا يسوغ له بالهبة. قاله سحنون.
والثاني: إنه لا يسوغ له بالميراث كما لا يسوغ له بالهبة، ويلزم الوارث من التنحي من هذا المال والصدقة به ما كان يلزم الموروث.
فروع:
الفرع الأول: من اشترى سلعة حلالًا بمال حرام، والثمن عين، فقال أصحابنا وابن سحنون وابن حبيب: إنه لا بأس أن تشتري منه علم صاحبه بخبث الثمن أم لا؟
وأجازه ابن عبدوس مع العلم بخبث الثمن دون الجهل به. وكره سحنون شراءها مع العلم والجهل. فأما شراءها بعرض بعينه حرام فلا يجوز.
الفرع الثاني: قال أحمد بن نصر الداودي من باع شيئًا حرامًا بشيئ حلال، كان ما أخذ في الحرام حرامًا وكان الحرام حرامً بيد آخذه، إن علم بذلك.
الفرع الثالث: قال أحمد: إن وصايا المتسلطين بالظلم المغترقي الذمة غير جائزة، وعتقهم مردود، ولا تورث أموالهم، ويسلك بها سبيل ما أفاء الله.
[ ٣ / ١٣٠٧ ]
الطرف الثاني: في الورع. ويه مسألتان:
المسألة لأولى: في بيان طريق الورع والحث عليه. ولا خفاء بأن المكاسب المجتمع على تحريمها الربا، ومهور البغايا، والسحب، والرشا، وأخذ الأجرة على النياحة، والغناء، والكهانة، وادعاء الغيب، وعلى اللعب والباطل كله.
ومن الكسب الحرام المجتمع عليه، أيضًا، الغصب، والسرقة، وكل ما لا تطيب به نفس مالكه من مسلم أو ذمي. وكل هذه المحرمات يجب تركها، لكن لا ينبغي الاقتصار على تركها فقط، بل يترقى في المكلف إلى ترك المشتبهات.
قال رسول الله ﷺ: "الحلال بين والحرام بين، وبينهما متشبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".
قال الإمام أبو عبد الله: هذا الحديث جليل الموقع عظيم النفع في الشرع حتى قال بعض الناس: إنه ثلث الإسلام. وذكر حديثين آخرين هما الثلثان الباقيان.
قال: وإنما نبه أهل العلم على عظم هذا الحديث لكون المكلف متعبدًا بطهارة قلبه وجسمه، وأكثر المذام والمحزورات إنما تنبعث من القلب، فأشار ﷺ إلى إصلاحه، ونبه على أنه إصلاح لجملة الجسم، وأنه الأصل، والأحكام والعبادات التي يتصرف الإنسان عليها بقلبه وجسمه تقع فيها مشكلات وأمور ملتبسات، التساهل فيها وتعويد النفس الجرأة عليها يكسب فساد الدين والعرض.
فنبه ﷺ على توقي هذه، وضرب لها محسوسًا لتكون النفس له أشد تصورًا والعقل أعظم قبولًا، فأخبر ﷺ أن الملوك لهم أحمية لا سيما، وهكذا كانت العرب تعرف في الجاهلية أن العزيز فيهم يحمي بروجًا وأفنية، فلا يتجاسر عليها، لا يدني منها، مهابة من سطوته، وخوفًا من الوقوع في حوزته. وهكذا محارم الله سبحانه من ترك منها ما قرب فهو من توسطها أبعد ومن تحامى طرف الشيئ أمن عليه أن يتوسط، ومن طرف توسطه، فالمؤمن يكون على حذر. وبجانب كل ما ذكره الله سبحانه من مقال أو أفعال، أو تضييع ما فرض الله ﷿ عليه في قلب أو جارية، ويثبت في جميع الأحوال قبل الفعل والترك من العقد بالضمير أو فعل جارية حتى يتبين له ما يترك ويفعل، فإذا تبين له مال كره الله ﷿ جانبه بعقد قلبه وكف جوارحه عنه،
[ ٣ / ١٣٠٨ ]
ومنع نفسه من الإمساك عن افرض وسارع إلى أدائه. والذي يترك أربعة أشياء: اثنان يجب تركهما:
أحدهما: يتعلق بأفعال القلوب، وهو ما نهى الله ﷿ عنه من العقد بالقلب على الضلال، والبدع، والغلو في القول عليه بغير الحق، ولا يعتقد إلا الصواب.
والثاني: من أفعال الجوارح، وهو ما حرم الله سبحانه عليه من الأخذ والترك.
وأما الثالث: فهو ترك الشبهات خوف مواقعة الحرام، وهو لا يعلم، استبراء للدين، لتمام الورع كما تقدم في الحديث.
وأما الرابع: فترك بعض الحلال الذي يخاف أن يكون سببًا وذريعة إلى الحرام كما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يكون العبد من المتقين حتى يدع ما لا باس به حذرًا لما به بأس".
قال بعض العلماء: وذلك تركه فضول الكلام، لئلا يخرجه ذلك إلى الكذب والغيبة وغيرهما مما حرم الله تعالى، ويترك بعض المكاسب مما تقل فيه السلامة للمكتسبين، ويدع طلب الإكثار من المال خوف أن لا يقوم بحق الله ﷿ فيه.
قال غيره: وترك مجالسة من قد جرب أنه لا يسلم معه، ويقل من معرفة الناس خوفًا أن لا يسلم، ويكف عن بعض المطعم إذا أحس من نفسه أن ذلك يبطرها، ويدع أن يحلف صادقًا، وهو له حلال، مخافة أن يعود لسانه اليمين فيحلف كاذبًا، ويدع النصرة ممن ظلمه مخافة أن يعتدي، فما زال التقوى بالمتقين حتى تركوا (الكثير) من الحلال مخافة الحرام.
المسألة الثانية: في بيان وجوب تصفية القوت وطريق الاجتهاد فيه.
أما الأول فقال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبدوس: قال رسول الله ﷺ: "إن الله ﷿ أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: (يآيها الرسل قلوا من الطيبت واعملوا صلحًا إن بما تعملون عليم). وقال تعالى: (يأيها الذين ءامنوا انفقوا من طيبت ما كسبتم). قال سحنون: الطيب هو الحلال.
قال أبو عبد الله: واعلم أن عماد الدين وقوامه هو طيب المطعم، فمن طاب (مكسبه) زكا عمله، ومن لم يصحح في طيب مكسبه خيف عليه أن لا تقبل صلاته وصيامه وحجه
[ ٣ / ١٣٠٩ ]
وجهاده وجميع عمله، لأن اله ﵎ يقول: (إنما يتقبل الله من المتقين).
قال: وقد أخبرني سحنون بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم عن عبد الله بن عبد العزيز الزاهد، يرفع الحديث إلى عائشة ﵂ قال لرسول الله ﷺ: "يا رسول الله من المؤمن؟ قال: الذي إذا أصبح سأل من أين فرضيه، قلت: يا رسول الله من المؤمن؟ قال: الذي إذا أمسى سأل من أين فرضيه. قالت: يا رسول الله لو علم الناس لتكلفوه، فقال: قد علموا ذلك، ولكنهم غشموا المعيشة غشمًا". قال الشيخ أبو محمد: يقول: تعسفوا تعسفًا.
ونظر عمر إلى المصلين، فقال: لا يغرني كثرة رفع أحدكم رأسه وخفضه، الدين الورع في دين الله، والكف عن محارم الله، والعمل بحلال الله وحرامه. وروي أن النبي ﷺ قال: "من أمسى وانيًا من طلب الحلال بات مغفورًا له".
وقال الحسن: الذكر ذكران: ذكر اللسان فذلك حسن، وأفضل منه ذكر الله عند أمره ونهيه.
وقال ابن عمر: إني لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال ولا أحرمها.
قال أبوعبد الله: فعليكم بالنظر في طيب مكاسبكم، والاجتهاد لأنفسكم، ولا تنظر إليها على الغش، فإنكم تفضون بأعمالكم إلى من لا تخفى عليه ضمائركم، فقد بان لكم أن رأس دينكم الورع، وملاك أمركم طيب الكسب، فإن أتيتم فمن قبل الأهواء الزائفة.
وقد خرج أبو عيسى الترمذي أن رسول الله ﷺ، قال لكعب: "يا كعب بن عجرة، إنه لا يربو لحم نبت من سحب، إلى كانت النار أولى به".
وخرج عن أبي هريرة أيضًا أن رسول الله ﷺ، قال: "إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب. وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين" وذكر الحديث الأول.
قال: ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعت أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك.
وأما بيان طريق الاجتهاد فيه فبسلوك طريق الورع. قال الشيخ أبو عمران: طريق الورع هو أن لا يكون في الشيئ المقتنى مغمز ولا مطعن.
[ ٣ / ١٣١٠ ]
قال: وذلك في وقتنا هذا أمر قد أعرض عنه الناس لشدته عليهم، ولتعذر الصافي الطيب من المكاسب. والنظر في المعيشة أن لا يغشمها العبد واجب.
قال: وتحصيل الثمن الطيب في وقتنا هذا ما ما يتعلق به من الشبه عزيز، لكن الأمر فيه كما قال القاسم بن محمد: لو كانت الدنيا كلها حرامًا أكان لك بد من العيش؟.
ثم قال: فمن حصل له كسب طيب (وأراد) شراء قوته، فليتلطف جهده في شراء أطيب ما يجد، فإذا بذل وسعه واستفرغ طاقته وقع، إن شاء الله، من ذلك على ما تسكن إليه نفسه، فإن تعذرت عليه معرفة أصله فشراء الخبز، وما تقل من بلد إلى بلد من مكيل أو موزون خير من شراء ما يخاف أن يكون الغصب أو الربا أو البيع الفاسد خالطه، ثم بقي قائمًا بعينه إلى حين شرائه إياه، لأن القائم بعينه لربه أخذه، ويجب رده في الفساد، والفائت إنما يلزم من أفاته مثله في ذمته، وشراء ما أفيت بوجه غير مستقيم ليس من الورع بسبيل، إنما هو داخل فيما لا ينقض على من باعه ولا من اشتراه، وإن ذمة من يشتريه ممن أفاته خالية من التباعات.
فأما حقيقة الورع فترك ذلك وإن أفيت. كما كره مالك ﵁، أن يتسلف المسلم من نصراني دينارًا باع به خمرًا، وأن يأكل من طعام اشتراه النصراني بذلك الدينار، يعني باع ذمي من ذمي خمرًا نقدًا، وذمة النصراني خالية، فكيف بمن أفات ما هو مطلوب بمثله لإفاته إياه، وهو غير مالك له، أو لأنه اشتراه شراء فاسدًا.
وقد كره مالك، أيضًا، شراء طعام من مكتري الأرض بالحنطة، هذا ومذهبه أن الطعام كله له، وإنا عليه كراء الأرض عينًا.
قال: وطريق الورع يشق مطلبه، ويعسر في كثير من الأوقت وجوده، إلا بعون الله ﷿، لكن يتجزئ بالأشبه من الموجود، فالأشبه هو الذي يمكن في كل حين واللوم على الكفاف مرتفع. والدين لا حرج فيه، وليس المتحري لحدود الإسلام كالذي يمزح فيه ويلعب.
وقال، في إخبار البائع عما باعه أنه طيب: إن كان ثقة متورعًا يعلم ما يجتنب من المعاملات قبل قوله، وإن كان على خلاف ذلك فقبول قوله ليس هو حقيقة الورع، لكن هو خير ممن يقول: لا أدري شأنه، فهو من باب الأخذ بالأشبه.
وقال في اشتباه الأقوات في الأسواق: ما علم استقامة أصله منها أو ستره عن الحرام حمل على ذلك، إذا جهلت حقيقته وتعذرت معرفته، وما غلبت عليه الريبة عمل على اجتناب ما جهل منه حتى تنكشف صحة أصله ..
[ ٣ / ١٣١١ ]
وإذا لم يجد المتحري ما يتحرى به إلا سؤال الباعة فليجتزئ منهم باحسنهم توقفًا وأصدقهم قولًا.
قال: ولا يقال في الغلة: إنه لا شبهة فيها، إن كانت الأصول ردية، وإن كانت ملكًا لمن اغتلها كما أخبرتك في طعام من يكتري الأرض بالطعام الذي يخرج منها.
وقد منع سحنون، ﵀، رجلًا كسبه من بلد السودان أن يعمل قنطرة يجوز عليها الناس بقر دار سحنون، هذا وكسب بدل السودان لا مطعن فيه علمناه في عينه، وإنما الكراهة في نفس السفر لوجوه أخر، لا في المكسب.
ولو كانت الغلة لا شبهة فيها لجوزنا أن يشتري من طعام من حرث في أرض مغصوبة ببقر مغصوبة، وزريعة مغصوبة ونحن فلا نأمر بهذا ابتداء وإن كان لا ينقض إن وقع، إلا أن الغلة تختار على ما ليس بغلة.
وهكذا هذا الباب كما أشرت لك، إنما يرجع إلى ما كان أمثل فأمثل على قدر الإمكان، وإلى اعتبار الغالب، لئلا يخل بوجه التحري دفعة، وليسلم من أن يكون من الغاشمين الخابطين العشواء في معيشتهم لا يبالون ولا يتحرجون.