والنظر في وجوبه، وكيفيته، وتركه بالأمان، فنعقد بابا في كل واحد.
الباب الأول: في وجوبه، والنظر في طرفين:
الأول: في وجوبه على الكفاية أو العين. والثاني: في المعاذير المسقطة.
الأول: في وجوبه على الكفاية أو العين.
والأصل في وجوبه على الكفاية، قال القاضي أبو محمد: " ووجه القيام به أن تحرس الثغور وتعمر، وتحفظ بالمنعة والعدد، ولا تجوز المهادنة إلا لضرورة تدعوا إليها ". وقال الشيخ أبو عمر بن عبد العزيز: " يجب على الإمام إغزاء طائفة إلى العدو في كل سنة مرة يخرج معهم بنفسه، أو يخرج معهم من يثق به ليدعوهم إلى الإسلام، ويرغبهم، ويكف أذاهم، ويظهر دين الله عليهم، ويقاتلهم حتى يدخلوا في الإسلام، أو يعطوا الجزية ".
ثم الإمام يرعى النصفة في المناوبة بين الناس، وقد يتعين الجهاد في بعض الأحيان ولتعينه سببان.
أحدهما: أمر الإمام بالخروج (إلى الغزو)، فمن عينه بأمهر تعيهن عليه الخروج.
الثاني: أن يفجأ العدو قوما هلم قوة على مدافعته، فيتعين عليهم دفعه ومقاتلته.
[ ١ / ٣١٥ ]
فإن لم يستقلوا بدفعه، لزم من قاربهم أن يخرج إليهم.
فإن لم يستقل الجميع، وجب على (كل) من علم بضعفهم، وطمع في إدراكهم وغوثهم المضي إليهم حتى يندفع العدو عنهم.
الطرف الثاني: في مسقطات الوجوب.
ويسقط الجهاد بالعجز الحسي، وبالموانع الشرعية. أما العجز الحسي فكالصبا والجنون والأنوثة والمرض والعمى والعرج والفقر، أعني العجز عن السلاح، والركوب عند الحاجة إليه، ونفقة الذهاب والإياب.
ولا يسقط بالخوف في الطريق من المتلصصين؛ لأن قتالهم أهم. قال الشيخ أبو إسحاق: وقطعة الطريق مخيفوا السبيل أحق بالجهاد من الروم.
وأما الموانع الشرعية فكالرق دون أمر سيده، وليس لرب الدين المنع بالدن المؤجل عن الجهاد، ولا عن سائر الأسفار.
فإن كان يحل في غيبته، وكل من يقضيه، وإن كان حالا، ولا يقدر على قضائه، فله السفر بغير إذن رب المال، وللوالدين المنع، ولا يبلغ الجد والجدة أن يلحقا بهما.
وسفر العلم الذي هو فرض عين، ليس لهما منعه منه، فإن كان فرض كفاية فليتركه في طاعتهما. ولهما المنع من ركوب البحار والبراري المخطرة للتجارة. وحيث لا خطر لا يجوز لهما المنع.
والأب الكافر كالمسلم، فيما عدا الجهاد من ذلك.
وقال سحنون: وكذلك في المنع من الجهاد، إلا أن يعلم أن منعهما ليوهن الإسلام ولا يعين على الكفار لا لحاجتهما إليه، فليخرج، وإن كرها.
فإن وطئ الكفار دار المسلمين تعين على كل من له منة قتالهم كما تقدم، حتى العبد والمرأة، فيجب على كل واحد منهما الدفع والمعاونة بغاية الإمكان. وانحل الحجر عن العبد أن لم يستغن عنه، فإن استغنى عنه لم يلزمه. ولو خرج قوم فيهم كفاية، سقط بهم الواجب.
[ ١ / ٣١٦ ]
الباب الثاني: في كيفية الجهاد
والنظر في تفصيل ما يجوز أن يعامل الإمام به الكفار
أما في أنفسهم فبالقتل والقتال والاسترقاق. وأما في أموالهم فبالإهلاك والاغتنام.
النظر الأول: في معاملتهم بالقتال. وفيه مسائل:
الأولى: أنه ينبغي أن يدعى الكفار قبل أن يقاتلوا، ولا تؤخذ غرتهم إلا أن يكونوا ممن بلغتهم الدعوة، فيجوز أن تؤخذ غرتهم، وأن يبيتوا.
وصفة الدعوة: أن يعرض عليهم الإسلام، فإن أجابوا كف عنهم، وإن أبوا عرض عليهم أداء الجزية، فإن أبوا قوتلوا، وإن أجابوا طولبوا بالانتقال إلى حيث ينالهم سلطاننا، فإن أجابوا كففنا عنهم، وإن أبوا قوتلوا، هذه كله مع الإمهال، فلو أعجلوا عن الدعوة قوتلوا دونها.
المسألة الثانية: فيمن تجوز الاستعانة به في القتال.
والأصل فيه الأحرار المسلمون البالغون، ولكن تجوز الاستعانة بالعبيد إذا أذن السادة، وبالمراهقين إن كان فيهم منة.
ولا تجوز الاستعانة بأحد من المشركين ولا ببعضهم على بعض، قال ﷺ: «لن أستعين بمشرك».
قال ابن حبيب: هذا في الزحف والصف وشبهه، فأما في هدم حصن أو رمي مجانيق أو صنعة أو خدمة فلا بأس به. وقال أيضا: ولا بأس أن يقوم منه سالمه من الحربيين على من لم يسالمه منهم بالسلاح ونحوه، ويأمرهم بنكايتهم.
الثالثة: الجعالة (للمسلم) على الجهاد جائزة، يجعل القائد للخارج إن كانا من أهل ديوان واحد، وللإمام أن يرغبهم ببذل الأهبة والسلاح.
ويجوز استئجار العبيد، وكذلك أهل الذمة إذا أجزنا الاستعانة بهم أو استؤجروا للخدمة.
الرابعة: فيمن يمنع قلته، وهم: الصبي والمرأة.
فإن شك في بلوغ الصبي كشف عن مؤتزره، واعتبر نبات شعرة العانة. وقبل: لا يقتل حتى يحتلم.
والشيخ الفاني لا يقتل، إلا أن يكون ذا رأى وتدبير. وأهل الصوامع والديارات خارج
[ ١ / ٣١٧ ]
المدينة، إلا أن يخاف منهم أذى أو تدبير. وقيل: يجوز قتلهم.
وإذا فرعنا على المشهور، فهل يترك النساء إذا تبرهن؟ حكى الشيخ أبو الطاهر في ذلك قولين: " أحدهما: أسرهن إذ الرهبانية تختص بالرجال.
والثاني: تركهن لانقطاعهن عن أهل الكفر ".
ثم حيث قلنا: لا يقتل الرهبان، فتترك لهم أموالهم، إلا أن تكون كثيرة، فيؤخذ ما يزيد على قدر كفايتهم.
ولا يقتل المعتوه، ولا يقتل الأعمى ولا الزمن، إلا أن يكون ذوي رأى وتدبير، تخشى أذيتهما، وقيل: لا يقتلان بوجه.
ولا يقتل المسلم أباه المشرك إلا أن يضطره إلى ذلك، بأن يخافه على نفسه.
فرع: من قتل من لا يباح له قتله من صبي أو امرأة أو شيخ بعد أن صار مغنما، فعليه قيمته، تجعل في المغنم.
وإن قتله في دار الحرب قبل أن يصير مغنما، فليستغفر الله سبحانه، ولا شيء عليه.
الخامسة: يجوز نصب المجانيق على قلاعهم، وإن كان فيهم نسوة وصبيان، (وكذا) إرسال الماء عليهم، وقطعه عنهم، وفي إضرام النار عليهم خلاف، ما لم يكمن فيهم أسارى مسلمون، فلا يجوز إذن إحراقهم، ولو تترسوا بالنساء والذرية تركناهم، إلا أن (نخاف)، تركهم على المسلمين فنقاتلهم، وإن اتقوا بهم.
ولو تترس كافر بمسلم لم يقصد الترس، وإن خفنا على أنفسنا، فإن دم المسلم لا يباح بالخوف. فإن تترسوا في الصف، ولو تركناهم لانهزم المسلمون وعظم الشر، وخيف استئصال قاعدة الإسلام [أو] جمهور المسلمين وأهل القوة منهم، وجب الدفع، وسقطت مراعاة الترس.
السادسة: لا يجوز الانصراف من صف القتال إن كان فيه انكسار المسلمين.
وإن لم يكن، فيجوز أن قصد به ما قال الله سبحانه في المتحيز إلى فئة، أو المتحرف لقتال. ولا يجوز الانهزام، إلا إذا زاد الكفار على ضعف المسلمين.
وهل المعتبر في النظر إلى صورة العدد، لأنه مقتضى الظاهر، أو إلى القوة والجلد.
[ ١ / ٣١٨ ]
لأنه المقصود والمعول عليه في المدافعة؟ قولان. وعلى الأول جمهور الأصحاب، وبه قال ابن القاسم، والثاني رواه ابن الماجشون.
فرع: هذا [إن] علمت القوة والجلد، فإن جهل ذلك اعتبر العدد بلا خلاف.
ولا يجوز الاستبداد بالمبارزة دون إذن الإمام إذا كن عدلا. (ولا يجوز حمل رؤوس الكفار من بلد إلى بلد، ولا حملها إلى الولاة. وقد كرهه أبو بكر الصديق ﵁، وقال: هذا فعل العجم).
التصرف الثاني: الاسترقاق.
ويجوز استرقاق الكافر إذا كان نظرا، ولا يمنع من ذلك كون المرأة حاملا من مسلم، لكن لا يرق الولد، إلا أن تكون حملت به حال كفره، ثم سيبت بعد إسلامه، فالحمل فيء.
وإذا سبي الزوجان معا، أو سبي الزوج أولا انقطع النكاح بينهما عند أشهب. وقال ابن المواز: النكاح على حاله، ولو سبيت أولا القطع النكاح. وقال ابن المواز: إن استبرئت بحيضه، فوطئها السيد قبل أن تصلح لزوجها حرمة، فقد انهدم النكاح، وإن حصلت له حرمة قبل ذلك، فهو أولى بها.
فرعان الأول: (إذا سبيت المرأة وولدها الصغير، لم يفرق بينهما في البيع والقسمة، والصغير ها هنا من لم يثغر. وروي من لم يحتلم). ولو بيع مع الجدة، وقطع عن الأم، لم يجز. وليست الجدة في معنى الأم ولا الأب، فتجوز التفرقة بينه وبينها.
الفرع الثاني: حكم الأساري.
وينحصر نظر الإمام فيهم بين خصال خمس، وهي: القتال، والاسترقاق، والمن، والفداء، وعقد الذمة، فيفعل من ذلك ما أدى اجتهاده إلى أن المصلحة للمسلمين فيه.
التصرف الثالث: إهلاك أموالهم غيظا لهم.
وذلك جائز؛ لم يتمكن من تملكها بتحريق الأراضي والزروع والعلوفات، وقطع النخيل والشجر، وعقر الدواب، وإخراب البلاد، ولا تمس النخل إلا أن تكون من الكثرة والاجتماع بحيث يؤثر إتلافها، ويجب إهلاك كتبهم التي لا يحل الانتفاع بها.
[ ١ / ٣١٩ ]
التصرف الرابع: الاغتنام.
والغنيمة: كل ما أخذته الفئة المجاهدة على سبيل الغلبة، دون ما يختلس ويسرق، فإنه خاص بملك المختلس والسارق، وفيه الخمس إذا كان آخذه مسلما. وفي اشتراط كونه حرا خلاف، اشترطه سحنون وابن المواز، ولم يشترطه ابن القاسم. ودون ما ينجلي عنه أهله بغير قتال، فإنه فيء. وللغنيمة أحكام:
الأول: أنه يجوز التبسط في أطعمتها قبل القسمة ما داموا (في دار) الحرب، لأجل الحاجة. ويجري ذلك في القوت والحم والتبن والشعير.
ويجوز ذبح الأنعام لأكل، وقيل: لا يجوز.
ثم إذا ذبحها فله الانتفاع بجلودها إن احتاج عليها، فإن لم تكن له بها حاجة، أو استغنى عنها، ردها للمغانم. ويباح الأكل لمن معه طعام، ومن ليس معه، ولكن قدر الحاجة.
ولو فضل منه شيئا بعد الدخول إلى دار الإسلام، وتفرق الجيش لتصدق به إن كان كثيرا، فإن كان يسيرا فله الانتفاع به.
الحكم الثاني للغنيمة: أنه لا يستقر ملك الغانمين عليها بنفس الغنيمة، وإنما ملكوا بذلك أن يملكوا، وقيل: بل ملكوا بالقهر والاستيلاء وتقضي الحرب.
وقد خرج بعض علمائنا على القولين ما نذكره الآن من الفروع، وهي:
لو وقع في المغنم من يعتق على بعض الغانمين، فإنه يعتق عليه، ويغرم نصيب أصحابه.
وكذلك لو أعتق عبدا من المغنم، لكمل عليه، قاله سحنون فيهما. وقال ابن القاسم وأشهب: إذا أعتق أمة من المغنم، فلا عتق له. ولو وطئ جارية من المغنم حد، ولم تكن له أم ولد.
وقال عبد الملك: لا حد عليه.
وكذلك يقطع إن سرق منه، وقال عبد الملك: لا قطع عليه. وقال سحنون: إن سرق ما يزيد على حصته ثلاثة دراهم قطع، وإلا فلا.
وأما الوطء فلا حد فيه، والاستيلاد ثابت. ثم إن كان سهمه من الغنيمة يستغرق الأمة، أخذ منه قيمتها يوم الحمل. وإن لم يف سهمه كمل من ماله، فإن كان عديما فمصابته منها بحساب أم (ولد) يباع (باقيها) فيما لزمه من (القيمة)، ويتبع من قيمة اللود بقدر ذلك.
[ ١ / ٣٢٠ ]
الحكم الثالث: إن أرضى الكفار المأخوذ بالاستيلاء قهرا أو عنوة، تكون وقفا يصرف خراجها في مصالح المسلمين، من أرزاق المقاتلة والعمال، وبناء (القناطر) والمساجد، وغير ذلك من سب الخبر، ولا تقسم. وروي أنها تقسم كسائر أموال الغنيمة من العين والعروض. وفي بعض روايات المدونة ما يقتضى التخيير، فيصرف الأمر فيها إلى اجتهاد الإمام.
وإذا فرعنا على المشهور، فلا يجوز بيع ما كان كذلك من (أرض) العراق والشام ومصر، بل تؤخذ إجارتها، وتصرف في الوجوه التي ذكرناها من المصالح. وكذلك دور مكة، لا يجوز بيعها.
فروع ثلاثة: الأول: ما حصل في أيدي العدو من أموال المسلمين، فأسلموا عليه، كان لهم.
وإن عاد شيء من ذلك إلى الغنيمة، فهو لمن كان يملكه من المسلمين، يأخذه قبل القسم بغير ثمن، وهو أحق به بعده بالثمن. ولا يجوز قسمه إن علم به.
ولو وقع لأحد الغانمين أم ولد مسلم لعدم العلم بها، ثم علم بها بعد القسم، وجب ردها إلى سيدها، ولزمه فداؤها بما اشتريت به، وإن كان أكثر من قيمتها، فإن كان عديما قبضها، واتبع بقيمتها، قاله في الكتاب. وقال في الموطإ: " يفديها الإمام لسيدها، فإن لم يفعل، فعلى سيدها أن يفديها ".
وقال أشهب والمغيرة وعبد الملك: على سيدها الأقل من قيمتها، أو الثمن الذي اشتريت به، وإن كان معدما اتبع به. قال عبد الملك: ومشتريها أحق بما في يد سيدها من غرمائه.
وما ذكرناه عن الكتاب من حكم أم الولد إذا وقعت في المغنم، وهو حكمها فيه إذا اشتريت من دار الحرب. وأما لو فدى حرا مسلما من دار الحرب، لرجع علبيه بما فداه به، أحب أو كره.
الفرع الثاني: إذا أسر العدو حرة مسلمة، فولدت عندهم أولادا، ثم غنمها المسلمون، فولدها الصغار بمنزلتها، لا يكونون فيئا. وأما الكبار بلغوا وقاتلوا نف هم فيء.
[ ١ / ٣٢١ ]
(قال في ثمانية أبي زيد وكتاب ابن حبيب: ما سبيت به الحرة من ولد صغيرا أو كبير، تبع لها في الحرية والإسلام، لا يباعون ولا يسترقون، ويكرهون على الإسلام. فمن أبى أجبر.
فإن تمادى فهو كالمرتد يقتل قال أبو الحسن اللخمي: " يريد إن تمادى الصغير على الكفر بعد عن بلغ ". وقال أشهب في كتاب محمد: حملها وولده الكبير فيء. وذكر ابن سحنون عنه قولين، أحدهما: مثل ما حكى عنه محمد، والآخر: أنهم كلهم أحرار).
قال ابن القاسم: ولو كانت أمة لرجل، كان كبير ولدها وصغيرهم لسيدها. وقال ابن الماجشون: صغارهم وكبارهم في فيء، وقال أشهب: هم فيء، إلا أن تكون تزوجت، (فيكونون) لسيدها.
وأما الحرة الذمية، فقال الشيخ أبو إسحاق: هي مردودة إلى ذمتها وصغارها ولدها، أما كبارهم الذين قد بلغوا وأطاقوا القتال، فهم فيء.
الفرع الثالث: إذا أسلم الحربي، ثم خرج إلينا فغزا المسلمون بلاده فغنموا أهله وولده وماله. فِأما أهله أعني زوجته، فلا يختلف المذهب في أنها فيء، لاستقلالها بحكم نفسها، حكى ذلك الشيخ أبو الطاهر.
وأما ولده فمذهب الكتاب أنهم فيء، وهو تغليب الحكم الدار. وقال أشهب وسحنون: هم تبع لأبيهم، فأثبتا لهم حكم التبعية. قال سحنون وقال بعض الرواة؛ إن كان ولده صغارا كانوا تبعا له.
واختلف في ماله على ثلاثة أقوال أيضا، فقال في الكتاب: " هو فيء "، كما قال في الولد والزوجة، وقال: " من حكم بتبعية صغار ولده له، وكذلك ماله هو له، فإن أدركه قبل أن يقسم أخذه، وإن كان قد قسم، كان أحق به الثمن ". وقال ابن حارث: إن كانوا أحرزوا ماله وضموه إلى أملاكهم من حين إسلامه وخروجه من عندهم، كان فيئا. وإن تركوه كان له، وإن دخل في المقاسم أخذه بالثمن. قال أبو الحسن اللخمي: " القول بأن ماله وولده له أحسن "، هذا كله إذا خرج إلينا بعد إسلامه.
[ ١ / ٣٢٢ ]
فإن بقي في دار الحرب، ثم دخل المسلمون، فغنموا ما فيها، فللمتأخرين قولان: أحدهما: أنه بمنزلة الأول، وهو على تغليب حكم الدار، والثاني: أنه لا ينقطع ملكه على ماله، ويتبعه ولده الصغار، وهو نظر إلى بقاء يده على ماله، وعدم انفصال ولده عنه.
الباب الثالث: في ترك القتل والقتال بالأمان
والأمان مصلحة في بعض الأحوال ومكيدة من مكائد القتال في المبارزة.
وينقسم إلى: عام لا يتولاه إلا السلطان: وإلى خاص يستقل به الآحاد، وهو المقصود بيانه الآن.
والنظر في أركانه وشروطه وحكمه.
أما أركانه فثلاثة:
الأول: العاقد.
وهو كل مؤمن مميز، حتى العبد والمرأة والشيخ الهرم والصبي إن عقل الأمان.
وروى معن بن عيسى: أنه لا يصبح أمان العبد. وقال سحنون: إن أذن له سيده في القتال جاز أمانه، وإلا لم يجز. وقيل: إن قالت صح أمانه، وإلا فلا. وقيل أيضا بعدم صحة أمان المرأة. وقال سحنون: في الصبي إن أجازه الإمام في المقاتلة صح أمانه، وإن لم يجزه لم ي صح. [وقيل] في الكافر أيضا: يصح أمانه؛ لأن له ذمة، فكان تابعا للمسلمين.
وكل من أجزنا أمانه غير أمير الجيش، فلا يتوقف أمانه على تنفيذ الأمير له. وقال ابن الماجشون: لا يلزم تأمين غير الإمام، فإن أمن غيره، نظر فيه الإمام، فإن رأى إمضاءه وإلا رده.
ولا يصح الأمان من غير المميز لصغر أو جنون، ويشترط في المؤمن أن يكون آمنا، فلا يصح أمان الخائف.
الركن الثاني: المعقود له، وهو الواحد أو العدد المحصور، أما العدد الذي لا ينحر كأهل ناحية، فلا يصح أمان الآحاد فيه، بل ذلك إلى السلطان.
الركن الثالث: نفس العقد.
[ ١ / ٣٢٣ ]
وينعقد الأمان بصريح اللفظ، وبالكنانة، والإشارة المفهمة، فإن رد الكافر ارتد، وإن قبل صح، ولا بد من قبول ولو بالفعل، ولو أشار عليه مسلم في صف الكفار فانحاز إلى صف المسلمين، وتفاهم الأمان فهو أمان، ولو ظل الكافر أن المسلم أراد الأمان، والمسلم لم يرده، فلا يغتال، ومن دخل لسفارة لم يفتقر إلى عقد أمان، بل ذلك القصد يؤمنه.
ولو قال الوالي: أمنت من قصد التجارة، صح. ولا يصح من الآحاد. فإن ظن الكافر صحته فلا يغتال، وليوف له بالأمان، بل لو ظن ما أوهم به مما ليس بتأمين تأمينا، كان تأمينا له.
وقال مالك في العلج يلقاه الرجل ببلد العدو مقبلا فيأخذه، فيقول: جئت للأمان، إنه أمر مشكل، فليرد إلى مأمنه.
قال ابن القاسم: " وكذلك الذي يوجد، وقد نزل تاجرا بساحلنا فأخذ، فقال: ظننت أنكم لا تعرضون لمن جاء تاجرا حتى يبيع ".
وروى ابن وهب في قوم من العدو نزلوا بساحلنا بغير إذن، فأخذوا، فزعموا أنهم تجار لفظهم البحر، ولا يعلم صدقهم، وقد تكسرت مراكبهم ومعهم السلام أو ينزلون للماء بغير إذن، فهم فيء لا يخمسون والإمام يرى فيهم رأيه. وشرط اومان ألا يكون على المسلمين ضررا، فلو أمن جاسوسا أو طليعة، أو من فيه مضرة، لم ينعقد. ولا تشترط المصلحة، بل يكفي عدم المضرة للصحة.
وحكمه: أنه إذا انعقد كففنا عنه، وعن ما يتبعه من أهل ومال إن شرط ذلك في الأمان، فإن اقتصر على قوله: أمنتك، فلا يسري اومان إلى ماله من أهل ومال في الحصن الذي نزل منه. ويصح عقد الأمان للمرأة مقصودا للعصمة عن الاسترقاق، وإذا أمن الأسير آسره، صح ولزمه ذلك، إلا أن يكون مكرها له عليه.
[ ١ / ٣٢٤ ]
فلو أمنهم وأمنوه، بشرط أنه لا يخرج من ديارهم، فليقم ولا يهرب عنهم. قال أبو الحسن اللخمي: " هذا إذا عاهدوه، فأما إن استحلفوه بالطلاق أو العتاق، لم يلزمه الوفاء، وجاز له الهرب ". قال: " ثم لا يلزمه كطلاق ولا عتاق، لأنه مكره ".
ويجب على المبارز مع قرنه الوفاء (بشرطه)، فلو أثخن المسلم وقصد تدفيفه، منعناه على أحد القولين.
ولو خرج جماعة لإعانة (الكافر) استنجاده، قتلناه معهم، وإن كان بغير إذنه، لم نتعرض له.
ولو خرج جماعة لمثلهم، ففرغ بعضهم من قرنه، جازت إعانة من ظفر لمن لم ي ظفر في القتل والدفع، كما فعل علي وحمزة ﵄ مع عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب.
ويتم النظر في مشارطات الكفار برسم مسائل.
الأولى: إذا أخل ببضع الأركان، كما إذا أمن من قلنا: لا يؤمن، أو ظن العلج الأمان ولم يرده المؤمن، أو أوهمه الأمان بغير أمان. ففي جميع ذلك يرد المؤمن إلى مأمنه ولا يغتال، فأما لو فقد الشرط، بأن كان عينا أو جاسوسا لقتل، ولم يرد.
الثانية: إذا قال رجل من الصحن: أفتح لكم على أن تؤمنوني على عشرة أرؤس من الرقيق، أو عشرة أفراس من الكراع هن أعطاه ذلك المسلمون، وكذلك على ألف درهم.
الثالثة: المستأمن رع إلى داره، فما خلفه عندنا من وديعة أو يدن، بعث به إليه.
وإن مات فغلى ورثته إن عرفوا، وإن لم يعرفوا فإلى طاغيتهم، إلا أن يجاهد، فيقتله المسلمون عبد الأسر، فيكون ماله للجيش الذي أسره، لأنه ملك رقبته، بخلاف ما إذا قتل دون أسره.
الرابعة: إذا حاصرنا أهل قلعة، فنزلوا على حكم رجل صح إذا كان ذلك الرجل عاقلا عدلا بصيرا بمصالح القتال، وإن حكم بقبول الجزية، أجبروا عليه، ولو حكموا فاسقا، صح.
ثم إذا حكم تعقب الإمام حكمه، فإن رآه نظرا للإسلام، وإلا رده، وولي هو الحكم بما يراه نظرا، ولا يردهم إلى مأمنهم.
ولو حكم العدو ذميا أو امرأة أو صبيا أو عبدا وهم عالمون به، لم يجز حكمهم، وليحكم الإمام بما يراه، لأنهم رضوا بأقل المسلمين، أو بمي فرددناهم إلى حكم من هو أعلى وأفضل، فلا حجة لهم.
[ ١ / ٣٢٥ ]
العقد الأول: عقد الذمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ