وفيه فصلان:
الفصل الأول: في أركانها، وهي ثلاثة
المرتجع: وسبب الرجعة. ومحلها.
الأول: المرتجع. وكل من له أهلية النكاح فله الرجعة، ولا يمنع منها المرض و(لا) الإحرام، وإن منعا من ابتداء النكاح. ولا (تقف) على إذن السيد في العبد ولا في الأمة.
الركن الثاني: السبب، وهو الصيغة، وما يجري مجراها.
فالصيغة كقوله: رجعت، وراجعت، وارتجعت. وقوله: رددتها إلى النكاح. وكذلك لفظ يحتمل الإمساك. وكل لفظ (يحتمل) الارتجاع إذا نواه به أفاده، كقوله: أعدت الحل، ورفعت التحريم، وشبهه.
ويجري مجرى الصيغة الفعل المقترن بالنية، كالوطء والاستمتاع وشبهه. فإن عري عن النية، فلا تحصل به الرجعة. وقيل: تحصل.
وفي حصولها بمجرد القول من غير نية قولان مبنيان على صحة نكاح الهزل، وهذا أولى بالصحة لأنه رد لما انثلم من النكاح، بخلاف ابتدائه.
ولا يشترط الإشهاد فيها. وإن استحب. وقال القاضي بكر بن العلاء: يجب.
[ ٢ / ٥٤١ ]
وتأوله أبو القاسم بن محرز على أن معناه أن لا تثبت الرجعة إلا بالبينة عليها.
قال أبو القاسم: وقال أشهب عن مالك: إذا قال: إذا كان غد فقد راجعتك، لم تكن هذه رجعة. قال أبو القاسم: مراده لا تكون رجعة الآن، لكن تكون رجعة في غد، وعلل بأنها حق له، فكان له تنجيزه وتعليقه بما شاء من مجيء غد، أو قدوم غائب، أو غيره.
ثم ذكر الخلاف في الشفعة، إذا علق أخذها بشرط بعد معرفته بالثمن، ثم قال: وفيه نظر، أنها معاوضة.
الركن الثالث: المحل، وهو المعتدة بعد الدخول بوطء جائز في نكاح صحيح عن طلاق تقاصر عن نهاية ما يملك منه الزوج، ابتدأ إيقاعه مجردًا عن العوض، وعن قصد البينونة، ولفظ يقتضيها على خلاف فيهما. ولم يشترط ابن الماجشون جواز الوطء.
فروع: حيث أوجبنا العدة بالخلوة ثبتت الرجعة إن تصادقا على الوطء. وإن ادعاه وأنكرته، ففي ثبوت الرجعة خلاف.
وإذا ادعت انقضاء العدة بوضع الحمل ميتًا أو حيًا، (ناقصًا) أو كاملًا، صدقت إذا كان ذلك ممكنًا. وإذا وضعت المعتدة انقضت العدة بوضعها. ويستوي في ذلك العلقة، والمضغة المخلقة، وغير المخلقة، وكل ما تعرف النساء أنه حمل. وإنما تقبل دعواها مع الإمكان.
وإمكان الولد الكامل إلى ستة أشهر من وقت إمكان الوطء. وإمكان انقضاء الإقراء إذا طلقت في الطهر مختلف فيه على الاختلاف في أقل الحيض، وأقل الطهر في العدد والاستبراء.
وروي عن سحنون في الحرة تقول: انقضت عدتي في شهر، قال: أقل ما تصدق فيه أربعون يومًا، ويقبل قولها في مدة الإمكان، على خلاف عادتها إذا لم يكن نادرًا.
وفي قبوله في النادر خلاف.
وقال القاضي أبو بكر: «عادة النساء عندنا مرة واحدة في الشهر، وقد قلت الأديان في الذكران، فكيف بالنسوان؟ فلا أرى أن تمكن المرأة المطلقة من التزويج إلا بعد ثلاثة أشهر من يوم الطلاق، ولا يسأل عن الطلاق. كان في أول الطهر، أو آخره».
وإذا وطئها بعد قرءين، استأنفت قروء ولا رجعة إلا في الأول منها.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
الفصل الثاني: في أحكام الرجعية
وهي محرمة الوطء على المشهور، لكن لا حد في وطئها، وتصح مخالعتها، ويصح الإيلاء منها، والظهار، واللعان، والطلاق، ولا خفاء بجريان التوارث، ولزوم النفقة.
ولو قال: زوجاتي طوالق، اندرجت تحته.
وإذا ادعى أنه راجعها قبل انقضاء العدة وأنكرت، فالقول قولها، إذ الأصل عدم الرجعة، إلا أن تقوم له أمارة تصدقه من إقراره بذلك قبل انقضاء العدة، أو تصرفه إليها، أو مبيته عندها. فإن لم يكن ما يصدقه لم يقبل قوله وإن صدقته المرأة.
ثم (تمنع) إذا صدقته من الأزواج لإقرارها بثبوت العصمة، ولا يمكن من وطئها، وتجب لها النفقة عليه لأنها محبوسة بسببه. فإن قامت بحقها في الوطء، ففي تطليقها عليه بسبب ذلك قولان، سببهما أن حقها ثابت في الوطء، وهو ممنوع منه بالشرع.
قال أبو الحسن اللخمي: «وإن أحب الزوج أن يعطيها ربع دينار ويحضر الولي جاز وله جبرها على ذلك».
قال: «وإن كانت أمة واعترف سيدها بارتجاع الزوج بعد انقضاء العدة، لم يصدق السيد، ولم يملك الزوج الرجعة.
قال أشهب في كتاب محمد: إلا أن يشاء الزوج أن يدفع ثلاثة دراهم فتكون امرأته، شاء السيد أو أبى، لأنه اعترف أنها امرأته. ويجبر السيد على أن يعقد نكاحها منه».
ولو قال: راجعتك الآن، فقالت: انقضت عدتي بالأمس، فأنكر. أو قالت: انقضت عدتي، فقال: راجعتك بالأمس، فأنكرت، فالقول قولها.
وقال القاضي أبو بكر: «لا يقبل قولها: انقضت عدتي، بعد قوله راجعتك، ويقبل قبل ذلك». ولو ارتجع وأشهد، فلما علمت قالت: أسقطت مضغة، فهي مصدقة.
ولو قالت: كنت حضت ثلاث حيض، فقال أشهب: تصدق في الأولى، وفي متى حاضتها، ثم يحسب ما بقي للحيضتين، فما أشبه صدقت فيه بغير يمين، وإن لم يشبه فرجعته رجعة.
فرع: لو صدقناها في انقضاء عدتها بالحيض بعد دعواه الرجعة، فتزوجت، فاستمرت حاملًا، ووضعت لأقل من ستة أشهر، فلترد إلى الأول، وتكون رجعته رجعة، والولد ولده، وقد تبين كذبها، أو حاضت مع الحمل. ولا تحرم على الثاني، لأنه إنما وطئ ذات زوج.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ