وفيه أربعة أبواب:
الباب الأول: في أركانه، وهي ثلاثة:
الأول: المرضعة، وهي المرأة، فلا حكم للبن البهيمة، ولا لبن الرجل. وحكى الشيخ أبو إسحاق رواية كراهية نكاح من أرضعه الذكور.
ويحرم لبن الميتة. وقال الشيخ أبو إسحاق: المص عن ثدي الميتة يحرم، وفحله أبوه. وقد قيل: لا يحرم، ولا فحل له.
ويحرم لبن البكر واليائسة من الحيض، وغير الموطوءة، والصبية. وقد قيل: ما لم ينقص سن الصبية عن سن من توطأ.
الركن الثاني: في اللبن، والمعتبر وصول عينه، سواء كان صرفًا أو مخلوطًا بمائع، ما لم يصر مغلوبًا فلا يعتبر. وروي عن عبد الملك بن الماجشون ومطرف أنه يعتبر، وسواء في إيصاله الرضاع والوجور.
وهذا إذا كان ما يخرج من الثدي لبنا، فلو كان ماء أصفر أو غيره مما ليس بغذاء، ولا يغني عن الطعام، فلا يحرم، قاله ابن القاسم في كتاب ابن سحنون.
الركن الثالث: المحل، وهو جوف الصبي المحتاج للرضاع. فلا أثر للإيصال إلى جوف الكبير، أعني بعد الحولين بمدة بعيدة، وإن كان بمدة قريبة، والطفل مستمر الرضاع حرم.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
وفي تحديد المدة القريبة خلاف، قال في المختصر: إلا أن يكون بعد الحولين بأيام يسيرة. وقال في الحاوي: مثل نقصان الشهور. وإليه ذهب سحنون. وقال القاضي أبو الحسن: «واستحسن مالك أن يحرم ما بعدهما إلى الشهر». وقال في الكتاب: «إنما ينظر إلى الحولين والشهر والشهرين بعد الحولين». وروى الوليد بن مسلم في مختصر ما ليس في المختصر، أنه يحرم إلى ثلاثة أشهر.
ولا أثر للإيصال إلى جوف المستغني، فلو ارتضع في الحولين بعد استغنائه بالغذاء عن اللبن، لم تنتشر الحرمة، إلا أن تكون زمن الرضاع قريبًا من زمن الاستغناء، فيكون حكمه حكمه.
«وقال مطرف وابن الماجشون وأصبغ في كتاب ابن حبيب: تنتشر ما دام في الحولين».
وأما الحقنة والسعوط، وما يدخل من غير منفذ الطعام من المنافذ، ففيه خلاف، يرجع إلى أنه يحرم إذا تحقق وصوله إلى المعدة.
وليس من شرط تحريم الرضاع العدد، بل تحرم المصة الواحدة بظاهر القرآن.
الباب الثاني: فيمن يحرم من الرضاع
ويحرم بالرضاع أصول وفروع.
فالأصول الثلاثة: المرضعة وهي الأم. وزوجها وهو الأب. والمرتضع وهو الولد. ومنهم تنتشر الحرمة إلى الأطراف. ثم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
بيانه، (أنه) إذا حرمت المرضعة على الرضيع، حرم عليه أمهاتها نسبًا ورضاعًا، فإنهن جدات، وأخواتها نسبًا ورضاعًا، فإنهن خالات، وأولادها من (الجهتين) إخوة. وكذلك
[ ٢ / ٥٩١ ]
أولاد الإخوة. وكذلك أولاد الرضيع أحفاد المرضعة.
ولا تحرم المرضعة على أب المرتضع، ولا على أخيه. وكذلك زوج المرضعة أبو المرتضع وأبوه جده، وأخوه عم، وولده أخ، وعلى هذا القياس. ولا يعتبر أن يكون اللبن من وطء حلال على أشهر الروايتين.
والقول الضابط في ذلك أن كل وطء يلحق فيه الولد، ويدرأ الحد، فالحرمة تنتشر به، وإن كان الحد واجبًا، والولد غير لاحق فلا (ينشر).
وحيث لا يلحق ولد، ولا يجب حد، فهل ينشر الحرمة أم لا؟. روايتان الأخيرة منهما: أنها ينشر. وهذا كله في حق الواطئ. أما المرضعة، فهي أمه على كل حال.
ولو وطئت المنكوحة بالشبهة، وأتت بولد يحتمل أن يكون منهما فأرضعت صغيرة، فهي ولد من يثبت له نسب الولد. وقال محمد: تحرم عليهما.
ولو كان لبن المطلقة دارًا، فرضيعها ابن المطلق ولو بعد عشر سنين إلى أن ينقطع لبنها، ثم يحدث لها لبن آخر، فإذ ذاك ينقطع نسبه عنه. وقيل: ينقطع الوطء زوج ثان، وإن دام لبن الأول.
وإذا فرعنا على الأول فولدت، أو حملت، فقيل: ينقطع بالحمل. وفي مختصر الوقار: بالولادة ينقطع حكم الأول. وفي كتاب محمد: لا ينقطع إلا بانقطاعه. ثم حيث لم يحكم بانقطاعه، فالولد لهما.
الباب الثالث: في الرضاع القاطع للنكاح، وحكم الصداق
ويشتمل على أصلين: أحدهما: في حكم الصداق، والثاني: في التفاف المصاهرة بالرضاع.
الأول: في حكم الصداق. وإذا كان تحته صغيرتان، فأرضعتهما أمه أو أخته حرمتا.
ولو أرضعتهما أجنبية حرم عليه الجمع بينهما لأنهما أختان، ولا يجب عليه صداق لهما على المشهور.
أما إذا كان تحته صغيرة وكبيرة، فأرضعت أم الكبيرة الصغيرة حتى صارتا أختين، حرم الجمع بينهما، فيفارق إحداهما، ولا يكون لها صداق. وقيل: يكون لها نصف الصداق.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
وقيل: ربعه. وهو كالخلاف في حكم الكافر يسلم على أختين. ثم لا غرم على المرضعة وإن تعدت على المنصوص.
واستقرأ أبو الحسن اللخمي ما استحق من الصداق على من تعمد الإرضاع.
ولو نامت، فدبت إليها الصغيرة فارتضعت، انتشرت الحرمة بذلك ولا غرم، قولًا واحدًا.
الأصل الثاني: في التفاف المصاهرة بالرضاع.
فمن نكح رضيعة حرم عليه مرضعتها، لأنها أم زوجته. كذلك لو أبان صغيرة، حرم عليه من أرضعها بعد طلاقه، ولا نظر إلى التاريخ في ذلك.
ولو نكحت المطلقة صغيرًا وأرضعته بلبان الزوج، حرمت المرضعة على المطلق، لأنها صارت زوجة الرضيع، وهو ابن المطلق. وكذلك المستولدة.
ولو نكح زيد كبيرة، وعمرو صغيرة، ثم نكح كل واحد زوجة صاحبه، فأرضعت الكبيرة الصغيرة، حرمت الكبيرة عليهما، لأنها أم الصغيرة التي كانت زوجتهما، وأما الصغيرة فربيبته، فينظر إلى الكبيرة أمدخول بها أم لا؟
فروع: الأول: إذا كان تحته كبيرة وصغيرة، فأرضعتها الكبيرة بلبانه، حرمتا أبدًا، لأن الكبيرة أم زوجة، والصغيرة بنت. فإن كان بلبان غيره لم تصر الصغيرة بنتًا، بل ربيبة، فإن كانت الكبيرة مدخولًا بها حرمتا عليه، الكبيرة لكونها من أمهات نسائه، والرضيعة لأنها ربيبة مدخول بأمها، وإن كانت غير مدخول بها حرمت لكونها من أمهات نسائه، ولم تحرم الصغيرة بكونها ربيبة إذ لم يدخل بأمها.
الثاني: لو كان مع الكبيرة ثلاث صغائر، فأوجرتهن لبنها المحلوب في دفعة، وكان اللبن لغيره، فإن كانت الكبرى مدخولًا بها، حرم الجميع على التأبيد، إذ الكبرى من أمهات نسائه، والأصاغر من الربائب المدخول بأمهن، وإن كانت غير مدخول بها حرمت، وحرم الجمع بين الأصاغر للأخوة بينهن، فيختار منهن من شاء واحدة فقط.
ولو كان اللبن له، لحرمن على التأبيد، دخل بها أو لم يدخل.
الثالث: تحته كبيرة، وثلاث صغائر، وللكبيرة ثلاث بنات، أرضعت كل واحدة صغيرة، صارت الكبيرة جدة الصغائر، وحرمت على التأبيد.
وأما الصغائر فصرن ربائب، فيحرمن على التأبيد إن كان ذلك بعد الدخول بالكبيرة.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
الباب الرابع: في النزاع والنظر في الدعوى والشهادة
أما الدعوى، فإن توافقا على الرضاع، أعني الزوجين، اندفع النكاح ولا مهر، إلا أن يكون دخل بها.
وإن ادعى الزوج وأنكرت، اندفع النكاح ولا صداق، إن كان ذلك سمع منه قبل العقد، وإن كان إنما سمع منه بعد العقد، فعليه جميع الصداق إن كان بعد الدخول، وإن كان قبله فنصفه.
وإذا ادعت هي وأنكر الزوج، لم يندفع النكاح، إلا أن يشهد بسماع ذلك منها قبل العقد، أو يصدقها، ولا تقدم على طلب المهر، إلا أن يكون دخل بها.
وإقرار أبوي الزوجين قبل النكاح كإقرارهما، ويفسخ النكاح بجميع ذلك. قال ابن حبيب: اجتمع على هذا مالك وأصحابه. قال: فأما بعد النكاح، فلا يقبل، إلا أن يتنزه عنها، إلا في قول الزوج وحده، فإنه يقر على نفسه.
وأما الشهادة، فتثبت بقول شاهدين، ويمنع من النكاح ابتداء، ويفرق بين الزوجين إذا تناكحا. فإن شهدت امرأتان، وفشا ذلك من قولهما كان كالأول، فإن لم يفش من قولهما، لم يستقل بذلك الحكم، كما يستقل بالشاهدين.
وقال ابن حبيب: ذهب مطرف وابن الماجشون وابن نافع وابن وهب إلى أنه يستقل بشهادة المرأتين، أو الرجل والمرأة الواحدة إذا قاموا حين علموا بالنكاح، ولم تأت عليهم حال يتهمون فيها. وقاله أصبغ: وعليه جماعة الناس.
وإن شهدت واحدة، فإن لم يفش من قولها لم تنتشر الحرمة، وإن فشا، فهل تنتشر أم لا؟ فيه خلاف.
ثم حيث قلنا: لا تنتشر الحرمة بالشهادة، فإنه يستحب التنزه، ولو في شهادة المرأة الواحدة وإن لم يفش ذلك من قولها.
واختلف أيضًا في أن أم أحد الزوجين كالأجنبية، أو أرفع منها، فتقع التفرقة بقولها لنفي التهمة، وأن ذلك إنما يعلم من قولها.
وكذلك أبو الزوجة أو الزوج، هل هو كالأجنبي، إذا لم يتول العقد أم لا؟ فإن كان هو متوليه، كان الزوج أو الزوجة. وإذا أخبر ثم تولاه فسخ، فإن لم يفسخ حتى كبر الولد وصار الحكم إليه، فهل يفسخ نظرًا إلى تولية أو لا يفسخ، ويكون شاهدًا نظرًا إلى الحال؟ فيه خلاف.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
السبب الأول: النكاح
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ