وفيه بابان:
الباب الأول: في السبق
وهو: عقد لازم كالإجارة، ويشترط في السبق ما يشترط في عوض الإجارة، وليس من شرطه استواؤه من الجانبين. وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في صوره:
وهي (ثلاث):
الأولى: أن يجعل الوالي أو غيره مالًا للسابق.
والثانية: أن يخرجه أحد المتسابقين.
والثالثة: أن يخرج كل واحد منهما شيئًا، فمن سبق منهما أخذهما.
الفصل الثاني: في أحكام هذه الصور الثلاث
ولا يختلف في إباحة الأولى، وأما الثانية فإن كان المخرج لا يعود إليه المخرج بوجه، بل إن سبق أخذه السابق، وإن سبق كان لمن يليه، أو لمن حضر إن لم يكن معهما غيرهما، فذلك جائز أيضًا. قال الأستاذ أبو بكر: وهذا إنما يتصور على قوله: إن مخرج السبق لا يحرز سبقه أبدًا، وهو قوله المشهور. فهذا إذا سبق يكون طعمه لمن حضر، سواء شرط ذلك أم لا، ومثال ذلك أن يكون فرسان لا أكثر، فيخرج أحدهما سبقًا. (فأما) على قوله الثاني، الصحيح أنه إذا شرط أن السبق لمن سبق، من مخرجه أو غيره جاز، على ما رواه ابن وهب عنه، فها هنا لا يكون طعمه لمن حضر، وإنما يكون للسابق.
فلو شرط في هذه الصورة أن يكون طعمة لمن حضر، لم يجز في قول معظم العلماء.
قال: وهكذا يجيء على قول مالك.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
وإن كان الشرط أن يرجع السبق إلى مخرجه إن سبق، فرويت الكراهية في ذلك، وأخذ بها ابن القاسم. وروى ابن وهب الجواز، وأخذ به أيضًا أصبغ. قال القاضي أبو محمد: «وهو الصحيح عندي».
وأما الصورة الثالثة: فإن لم يكن معهما غيرهما، فلا يجوز قولًا واحدًا، وإن كان معهما من لا يأمنان أن يسبقهما، يغنم إن سبق، ولا يغرم إن سبق. فالمشهور عن مالك منع ذلك.
وأجازه سعيد بن المسيب وابن شهاب. قال ابن المواز: وهو الذي نختاره، وهو قياس قول مالك الآخر: إنه يجوز سبقه.
الفصل الثالث: في شروطه
وهي إعلام الغاية، وتبيين الموقف، إلا أن يكون لأهل المكان سنة في ذلك، فيستغنى بها. ومعرفة أعيان الخيل، ولا يشترط معرفة جزئها، ولا من يركب عليها من صغير أو كبير، ولا يحمل عليها إلا محتلم، وكره مالك حمل الصبيان عليها.
فرع: كل ما ذكرنا من أحكام السباق، فهو بين الخيل أو الركاب أو بينهما، (وهما) المراد بقوله ﷺ: «في خلف أو حافر»، ولا يلحق بهما غيرهما بوجه، إلا أن يكون بغير عوض، فتجوز فيه المسابقة، إذا كان مما ينتفع به في نكاية العدو ونفع المسلمين، فتدخل في ذلك المسابقة بين السفن وبين الطير، إذا كان لإيصال الخبر بسرعة للنفع به. وأما لطلب المغالبة فقمار، من فعل أهل الفسق.
وتجوز المسابقة على الأقدام، وفي رمي الحجارة ويجوز الصراع.
كل ذلك إذا قصد به الانتفاع والارتياض للحرب، جاز بغير عوض في جميعه.
الباب الثاني: في الرمي
وهو كالسبق بين الخيل والإبل، فيما يجوز ويكره، وما يختص الرمي به من كونهما يشترطان رشقًا معلومًا، ونوعًا من الإصابة معينًا، من خسق أو إصابة من غير خسق وسبق إلى عدد مخصوص من الإصابة، أو يشترط أن أحدهما لا يحتسب له إلا بما أصاب في الدائرة
[ ٢ / ٣٤١ ]
خاصة. ويحتسب للآخر ما أصاب في الجلد كله، وغير ذلك مما يشبهه، فجميعه صحيح لازم، ويختص بالرمي عن القوس دون غيره.
فرع: لو عرض للسهم نكبة من بهيمة عرضت، أو انكسر السهم أو القوس، فلا يكون بذلك مسبوقًا.
وأما الفارس يسقط عن فرسه، أو يسقط الفرس فينكسر، فإن كان السباق بين جماعة، خرج هذا عنه، وإن لم يكن إلا هو وقرينه، فحكى محمد بن المواز أن الذي رأى أهل الخيل عليه أن يعدوا الذي بلغ الغاية سابقًا، ثم قال: وما لهذا عندي وجه.
واختار هو أن كل ما كان من قبل الفارس من تضييع السوط، وانقطاع اللجام، وحرن الفرس، فلا يعذر به، وكذلك لو نفر من السرادق، فلم يدخله ودخله الآخر، سبق الممتنع.
قال: وإن كان ذلك من غيره، كما لو نزع سوطه، أو ضرب وجه فرسه عذر [به]، ولم يكن مسبوقًا.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ