وفيه ثلاثة أبواب:
الباب الأول: في أركانها، وهي ثلاثة:
الأول: العاقدان:
ولا يشترط فيهما إلا أهلية التوكيل والتوكل. فإن كل واحد متصرف لنفسه ولصاحبه بإذنه.
الثاني: الصيغة الدالة على الإذن في التصرف، أو ما يقوم مقامها في الدلالة على ذلك، ويكفي قولهما: اشتركنا، إذا كان يفهم المقصود [منه] عرفًا.
الثالث: المحل، وهو المال أو الأعمال.
(فأما المال) فعقد الشركة فيه بيع من البيوع، لأن كل واحد منهما باع نصف متاعه بنصف متاع صاحبه، وهو بيع لا يقع فيه مناجزة لبقاء يد كل واحد منهما على ماله بسبب الشركة، لكن الإجماع منعقد على إجازة الشركة بالدنانير من كلا الجانبين، أو الدراهم من كليهما، وهو إجماع على غير قياس. وفي القياس عليه خلاف، وأجازه ابن القاسم. وقال بجواز الشركة بالطعامين إذا اتفقا في الكيل والصفة قياسًا على الدنانير. ومنع ذلك في الدنانير من عند أحدهما والدراهم من عند الآخر، وفي الطعامين المختلفين.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
وأما الشركة بالعرضين من صنف واحد فهي جائزة قولًا واحدًا، ومنع مالك من الشركة بالطعامين من صنف واحد في إحدى الروايتين عنه، واختلف في تعليل ذلك، فقيل: إنه يؤدي إلى بيع الطعام قبل قبضه، وقيل: لبعد الاستواء في الكيل والقيمة جميعًا.
ويشترط في الذهبين، أن يكونا متفقي الصرف، وإن اختلفت سكتاهما. ولا يضر اختلاف العرضين، وفي الجنس ولا في القيمة، ورأس مال كل واحد منهما ما قوم به عرضه.
ولو وقعت الشركة بالعرضين فاسدة لكان رأس مال كل واحد منهما ما بيع به عرضه.
وتصح الشركة عند حضور المالين، وفي صحته مع غيبته أحدهما خلاف.
وكذلك الخلاف في الشركة بالعرض من جانب والعين من جانب على حسب قيمة العرض، لكن المشهور ها هنا الجواز.
ولا بد من خلط المالين مشاهدة أو حكمًا، بأن يكونا في صندوق واحد (أو خرج واحد، وأيديهما عليه، أو يجمعا تحت يد أحدهما أو يشتريا بهما).
أما الأعمال فتجوز الشركة فيها، بشرط اتحاد العمل والمكان. وقيل: لا يشترط اتحاد المكان. ومهما احتاجا إليه من أداة كانت بينهما بالنسبة، وإن كانت لأحدهما، فله على الآخر حصته من أجرتها، إلا أن يتطوع ربها بها، وتكون تافهة فيجوز.
وكذلك إن كان بعض الآلات من عند أحدهما وبعضها من عند الآخر، إذا تساويا في الأجرة.
ولا تصح شركة الوجوه، وهو في تفسير بعض أهل العلم: أن يبيع الوجيه مال الخامل بزيادة ربح ليكون له بعضه.
وقال القاضي أبو محمد في تفسير شركة الوجوه: «هي مثال أن يشتركا على الذمم بغير مال ولا صنعة، حتى إذا اشتريا شيئًا كان في ذمتهما، وإذا باعاه اقتسما ربحه، (والشركتان) على الصورتين (باطلة).
[ ٢ / ٨٢١ ]
الباب الثاني: في أحكامها، وهي خمسة:
الحكم الأول: تسلط كا واحد منهما على التصرف، إما بأن يكون العمل منهما جميعًا ولا يستبد أحدهما دون الآخر، وتسمى شركة العنان، وإما بإطلاق كل واحد منهما للآخر التصرف، غاب صاحبه أو حضر في البيع والشراء والضمان والكفالة والتوكيل والقراض، فما فعل أحدهما من ذلك لزم الآخر إذا كان عائدًا إلى تجارتهما. ولا يكونان شريكين إلا فيما يعقدان عليه الشركة من أموالهما دون ما يتفرد به كل واحد من ماله. وسواء كانا شريكين في كل ما يملكانه أو في بعض أموالهما وتكون يد كل واحد منهما كيد صاحبه، وتصرفه كتصرفه، ما لم يتبرع فلا يلزم شريكه، إلا أن يكون شيئًا يسيرًا يقصد به الاستيلاف، ويكون نظرًا للتجارة، فيجوز (عليهما)، وتسمى شركة المفاوضة.
الحكم الثاني: (في) توزيع الربح، وهو في شركة الأموال تابع لها، فيقسم على قدر رؤوس الأموال من مساواة أو مفاضلة، وليكن العمل التابع للمال على نسبته.
فإن وقعت الشركة على التفاضل بين الأرباح وبين الأعمال ورؤوس الأموال سقط الشرط وفسد العقد، وكان الرابح والخسران على قدر رؤوس الأموال، ولزم التراد في العمل، فيرجع من قل رأس ماله على صاحبه بأجرة المثل في نصف الزيادة لأنه عقد جائز. فلو فضل أحدهما الآخر في قيمة ما يخرجه فإنما يسمح بذلك رجاء بقائه على الشركة معه، وذلك لا يلزم فيصير غررًا. وقيل: لأنه من باب الخطار والقمار.
فعلى تقدير وجود الربح يغبن صاحب المال القليل، وعلى تقدير عدمه بغبنه صاحب المال الكثير فيمنع لذلك.
[ ٢ / ٨٢٢ ]
الحكم الثالث: تأمين كل واحد منهما، فيكون القول قوله أيضًا فيما يدعيه من تلف أو خسران ما لم يظهر كذبه.
فإن اتهم استحلف، فلو قال: ابتعت سلعة وهلكت، صدق والقول قوله في ما اشترى، قصد به نفسه أو مال الشركة، فإن قال: كان هذا المال من مال الشركة فخلص لي بالقسمة، فالقول قول شريكه في إنكار القسمة.
الحكم الرابع: إلغاء نفقتهما، كانا في بلد أو [في] بلدين وإن اختلفت الأسعار فيهما.
وقيل: ذلك إذا كانا في غير أوطانهما، كانا ذوي عيال أو لا عيال لهما، فإن كان لأحدهما عيال وولد دون الآخر حسب كل واحد نفقته. وما ابتاع أحدهما مما يلغى من طعام أو كسوة له أو لعياله، فللبائع أن يتبع الثمن أيهما شاء، إلا ما لا يبتذل من الكسوة، كوشي أو قصبي ونحوه، فهذا لا يغلى.
الحكم الخامس: انقطاع التصرف بموت أحدهما إلا بإذن وارثه لانقطاع الشركة بموته.
الباب الثالث: في النزاع، وفيه فصلان:
الفصل الأول: في النزاع بين الشريكين.
والأصل في المتفاوضين أن جميع ما بأيديهما على ما تشهد به البينة من الأجزاء، فإن لم تعين جزءًا حمل على النصف، حتى يثبت خلافه. فلو تنازعا شيئًا بيد أحدهما، فقال صاحب اليد: هو لي؛ وقال شريكه: بل هو للمال الشركة؛ كان القول قول مدعي الشركة فيه، حتى يقيم صاحب اليد بينة أنه له، بإرث أو هبة أو صدقة عليه، أو كان له قبل التفاوض ولم يفاوض عليه، فيكون له حينئذ خاصة؛ والمفاوضة في ما سواه قائمة.
ولو ابتاع أحدهما عبدًا معيبًا فكرهه الآخر [لزمهما]، وكذلك لو رد أحدهما عبدًا معيبًا ورضيه الآخر لزمهما جميعًا، كابتداء شراء عبد معيب.
ولو اشترى أحدهما من المال جارية لنفسه وأشهد على ذلك، خير شريكه بين أن يجيز له ذلك أو يردها في الشركة، ومن فعل ذلك منهما فهو كمقارض أو مبضع معه إذا تعدى في الشراء، لا كمودع.
ولو وطئ أحدهما جارية من مال الشركة، فقال ابن القاسم: «يخير الشريك بين التقويم وبقائها بينهما». وقال محمد: يتقاومان، إذا أراد الوطء.
[ ٢ / ٨٢٣ ]
(فأما إذا وطئ) أحدهما فقد لزمته القيمة إن شاء شريكه. وأما إن حملت فلا بد من القيمة، شاء شريكه أو أبى.
وليس لأحدهما الدخول مع الآخر فيما اشتراه لأهله من مؤونة أو كسوة وعليه دخلًا.
ولكل واحد منهما أن يبيع ويبتاع بالدين. ولا كلام للآخر في ذلك ما لم يحظر عليه.
الفصل الثاني: في نزاعهما مع غيرهما
ومهما قضى الغريم أحدهما برئ وإن كان غير الذي عامله، وكذلك إذا رد له ما أودعه شريكه من مال الشركة. وللبائع أن يتبع أيهما شاء بالثمن أو بالقيمة في (فوت) البيع الفاسد، وله ذلك وإن افترقا قبل حلول أجل دينه عليهما إذا حل يتبع أيهما شاء، من عامله أو غيره، ولإن قضى أحدهما بعد الافتراق، وهو عالم به، لم يبرأ من حصة الآخر، ولو لم يكن عالمًا لبرئ منهما جميعًا.
ولو ابتاع من أحدهما عبدًا، فظهر على عيب قديم، فله الرد بالعيب على الآخر، إن كان الذي باع منه غائبًا بعيد الغيبة، بعد البينة أنه ابتاع منه بيع الإسلام، وعهدته.
قال أبو بكر بن اللباد: وأنه نقده الثمن. وإن كانت غيبته قريبة لانتظر، لعل أن تكون له حجة. ولو أقر أحدهما بعد الافتراق بدين لزمهما في أموالهما، عند سحنون. ولزم المقر حصته عند ابن القاسم. ولو أقام الحي منهما بينة أن مائة من المال كانت بيد الميت فلم توجد، ولا علم مسقطها، فإن قرب موته قبضها بحيث لا يظن به إشغالها في المال فهي في صحته، وإن تطاول ما بين قبضه لها وموته فلا تلزمه.
قال محمد: ولو أشهد شاهدين على نفسه بأخذه المائة لم يبرأ منها إلا بشاهدين أنه ردها، طال ذلك أو قصر.
وأما إن كان إقرارًا من غير قصد الإشهاد، فكما ذكر ابن القاسم من طول المدة وقصرها.
[ ٢ / ٨٢٤ ]