وفيه (ثلاثة فصول)
الفصل الأول: في الصلح.
وهو ضربان: معاوضة كالبيع، فحكمه حكم البيع فيما يجوز ويمتنع، وإسقاط وإبراء.
والصلح على الدين كبيع الدين، وإن صالح على بعضه فهو أبرأ عن البعض. ولو صالح من حال على مؤجل مثله أو أقل منه جاز، ولا يجوز على أكثر منه. وإن صالح من مؤجل على حلول بعضه وإسقاط بعضه لم يجز.
وبالجملة، فهذا القسم من الصلح بيع، وحكمه حكم البيع في العين كان أو في الدين، ويقدر المدعى به والمقبوض كالعوضين فيما يجوز بينهما وما يمنع فتمتنع (الجهالة) والغرر والواحد باثنين من جنسه إلى أجل، والوضع على التعجيل وغيره مما يشبهه.
فأما الصلح على ترك القيام بالعيب كمن اشترى سلعة ثم اطلع على عيب فصالح البائع على ألا يقوم به بشيء دفعه إليه فأصل ابن القاسم في المدفوع: الأخذ بالأحوط وصرف هذا الصلح إلى أنه استئناف مبايعة ثانية بعد تقدير كون الأولى قد انفسخت، فيعتبر ما يحل ويحرم
[ ٢ / ٨٠٢ ]
في المعاوضة الثانية، ويحذر فيه من بيع وسلف وفسخ دين في دين.
وأصل أشهب: أن هذه المعاملة ليست بفسخ للعقد الأول تحقيقًا ولا تقديرًا، وإنما هي معاوضة على ترك منازعة وإسقاط حق عن قيامه بالعيب، فيعتبر ما يجوز أخذه عوضًا عن الإسقاط.
واختلافهم هذا يلاحظ أصلًا مختلفًا فيه في المذهب، وهو أن من خير بين شيئين هل يقدر أنه مالك لما يختاره قبل اختياره أم لا؟ فإن المتمسك بهذا العيب ملك أن يتمسك به وأن يرد، فهل يقدر أنه ملك الرد قبل اختياره فيكون الصلح على ما ملك في هذا العين أو لا يكون مالكًا إلا لما اختاره وهو التمسك.
وبيان الأصلين بالتمثيل: أن من اشترى عبدًا بمائة دينار مثلًا، ثم ظهر على عيب بعد النقد جاز أن يصالحه على الرد بكل شيء يدفعه إليه معجلًا، ويشترط فيما يدفعه من العين أن يكون من سكة الثمن لا من غيرها، فإنه على أصل ابن القاسم يقدر على أن المشتري رد بالعيب، ووجب له على البائع ارتجاع المائة، فإذا أخذ منه عرضًا أو طعامًا صار البائع كأنه دفع عن مائة وجب عليه ردها العبد وما دفع عن (العيب) من عرض أو طعام، وذلك جائز.
ولو صالحه على دراهم كثيرة أكثر من صرف دينار نقدًا، لم يجز على أصل ابن القاسم، لأنه بيع وصرف لا يجوز عنده إلا في ما قل.
وأشهب يجيز ذلك، لأنه لا يمنع الصرف والبيع في عقد واحد، مع أنه لو منع ذلك لجازت المسألة على أصله أيضًا لكونه لا يرى الصلح معاوضة عن الثمن الذي قبضه البائع، وإنما يقدره معاوضة عن إسقاط القيام بالعيب.
ولو صالح على عشرة دنانير يدفعها للمشتري إلى شهر، لكان ممنوعًا عند ابن القاسم لأنه يقدر أن البائع فاسخ المشتري في البيع، ووجب رد المائة بأسرها، وأخذ عبده فقبل المشتري منه تسعين منها معاوضة على العبد الذي أبقاه المشتري في يده بشرط أن يؤخر البائع بالعشرة الباقية إلى أجل، فيصير هذا بيعًا للعبد بتسعين على أن يسلف المشتري البائع العشرة التي وجبت له معجلة فأخرها إلى أجل، وتأخيرها سلف للبائع، والبيع والسلف محرم، وإذا وقع هذا أجري على أحكام البيع والسلف.
ومقتضى أصل أشهب جواز هذا لأن العشرة التي يدفعها البائع إلى شهر ليست معاوضة عن العبد، لكنها معاوضة عن إسقاط القيام، وذلك جائز. وكذلك لو صالحه على دراهم مؤجلة لجاز عند أشهب، ولم يره صوفًا متأخرًا. ومنه عند ابن القاسم.
ولو صالحه قبل النقد على دنانير فنقدها له لم يجز، لأنه أعطاه عبدًا ودنانير في مائة دينار
[ ٢ / ٨٠٣ ]
يأخذها من المشتري، إلا أن يشترط المقاصة بها من الثمن فيجوز، وكأنه هضم بعض الثمن لأجل العيب.
ولو صالحه البائع على تسعين دينارًا يأخذها منه وتبقى عشرة إلى أجل لانعكس حكم التفريع على المذهبين، فيجوز على أصل ابن القاسم لأنه يقدر أن البيع الأول قد انفسخ، وهذا عقد ثان على العبد بتسعين نقدًا وعشرة مؤجلة. ولا يجوز على أصل أشهب، لأنه يرى أن العقد الأول على حاله لم ينحل، وإنما الصلح شراء الرد الذي وجب للمشتري، فصار البائع كأنه وجب له مائة دينار بحكم العقد الأول، فأخذ منها تسعين، وأخره بعشرة إلى أجل، (وجعل) التأخير عوضًا عن إسقاط قيام المشتري عليه بالعيب والتأخير سلف، فصار ذلك سلفًا جر نفعًا.
وكذلك لو صالحه على تسعين دينارًا ودراهم يدفعها المشتري مؤجرة أو عرضًا مؤخرًا لجاز على (أصل) ابن القاسم، ومنع على أصل أشهب، لأنه فسخ العشرة الباقية من المائة في عرض إلى أجل أو في دراهم إلى أجل.
فأما حيث جرى الصلح على الإسقاط والإبراء، فهو وضع بعض الحق المدعى وإبراء منه، مثل أن يسقط بعض الحال ويأخذ باقيه.
وتجوز المصالحة على ذهب من ورق، وبالعكس يشترط حلول الجميع وتعجيل القبض.
والصلح على الإنكار جائز كالصلح على الإقرار، ويحل للمدعي ما يأخذه ويملكه إذا علم أنه مطالب بحق، إذ هو بعض ماله أو عوضه.
والوضيعة في الصلح لازمة لا يجوز الرجوع (بها)، لأن ذمة الغريم قد برئت منها.
وافتداء اليمين بشيء يبذله من لزمته جائز، فإن علم المبذول له أنه مطالب بغير حق لم يجز له أخذه.
فرعان: الأول: إن من ادعى على رجل حقًا فأنكره فصالحه، ثم ثبت الحق بعد الصلح، فإن كان ثوبته بوجه واضح لا مخاصمة فيه كإقرار المطلوب بثبوت الحق الذي أنكره أولًا، فإن الصلح لا يلزم المقر له لأنه إنما التزمه كالمجبر عليه والمغلوب على حقه. قال سحنون: وله ألا ينقض الصلح ويتمادى عليه لأنه محض حقه. وإن ثبت ببينة لم يعلم بها حين
[ ٢ / ٨٠٤ ]
الفصل الثاني: في التزاحم على الحقوق
الصلح، ففي الكتاب: «إن له القيام بها». وفي رواية مطرف: أنه لا يقوم بها.
فإن كانت البينة حاضرة حين الصلح، وهو عالم بها وقادر على القيام بها فالصلح له لازم، ولا قيام له بها إذا كان قد صرح بإسقاطها، فإن لم يصرح بإسقاطها فخرج المتأخرون فيها قولين من مسألة مستحلف خصمه مع علمه ببينته، وإن كانت بينته بعيدة، فإن كان شرط القيام بها متى حضرت وأعلم بذلك فلا يختلف المذهب في أن له القيام بها، وإن كان إنما أشهد سرًا ففي انتفاعه به وتمكينه من القيام بها قولان.
الفرع الثاني: قال سحنون فيمن أقر في السر وجحد في العلانية، وقال للمدعي: أخرني وأقر لك، فأشهد المدعي في السر أنه إنما يصالحه لأجل إنكاره، وأنه متى وجد بينة قام بها، فإن الصلح لا يلزمه إذا ثبت جحوده وثبت أصل الحق. قال: والظالم أحق أن يحمل عليه.
الفصل الثاني: في التزاحم على الحقوق في الطرق والحيطان و[السقوف] وقد روى ابن وهب أن النبي ﷺ قال: «من اقتطع من طريق المسلمين أو أفنيتهم شبرًا من الأرض طوقه الله يوم (القيامة) من سبع أرضين».
وقضى عمر بالأفنية لأرباب الدور.
قال ابن حبيب: وتفسير هذا يعني بالانتفاع للمجالس والمرابط والمصاطب وجلوس الباعة فيها للبياعات الخفيفة في الأفنية، وليس [بأن تحاز] بالبنيان والتحظير.
ويجوز إخراج العساكر والرواشن والأجنحة على الحيطان إلى طرق المسلمين.
قال سحنون في من له داران متقابلتان عن يمين الطريق ويساره فأراد أن يبني على جداري داريه (ساباطا) يتخذ عليه غرفة أو مجلسًا: فذلك له، ولا يمنع من هذا أحد، (وإنما) يمنع من تضييق (السكة)، وأما ما لا ضرر فيه على السكة ولا على أحد من الناس فلا يمنع.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
وليس لأحد أن يدخل شيئًا من طريق المسلمين في داره، فإن فعل هدم ما يضر بالمسلمين من ذلك، وفي هدم ما لا يضر خلاف.
والسكة المنسدة الأسفل كالملك المشترك بين سكان السكة لا يجوز إشراع جناح إليها، ولا فتح باب جديد فيها إلا برضاهم.
ولو فتح باب دار له أخرى إلى داره التي في السكة المنسدة ليرتفق به، لا ليجعله كالسكة (النافذة) للناس يدخلون من باب ويخرجون من آخر لجاز دون جعله كالسكة النافذة. أما فتح الكوة للضوء والرواح فلا يمنع، ولتكن بحيث لا يصلها المتطلع. وأما المتطلع على الجار فيمنع. وأما الجدار بين الدارين، فإن (كان) ملك أحدهما فلا يتصرف فيه الآخر إلا بإذن، فإن استعار لوضع جذعه لم تلزمه الإعارة وإن كان مندوبًا إليها، فإن أعار فليس له أن يرجع عن ذلك إلا لحاجة تعرض له لجداره تلجئه إلى ذلك الأمر لم يرده به الضرر.
وروي أنه ليس له أن ينتزعها طال الزمان أو قصر، احتاج إلى جداره أو استغنى عنه، مات أو عاش، باع أو ورث.
ويلحق بعارية الجدار في الندب كل ارتفاق طلبه جاره منه مما يقف على إذن الجار ولا يضر به فعله من فتح باب أو إرفاق بناء أو مختلف في طريق أو فتح طريق وشبه ذلك.
وأما [الجدار المشترك] بين الجارين، فلكل واحد منع صاحبع من الانتفاع دون رضاه، فإن تنازعا في قسمته أجبر عليها من أباها. وقال أصبغ: لا يقسم بينهما إلا عن تراض منهما.
وإذا حزر بالتراضي أقرع على القسمين، فإذا طلب أحد الشريكين العمارة في ما لا ينقسم، قيل لمن أباها: إما أن تعم معه أو (تقاويه)، أو تبيع ممن يعمل، وإلا بعنا عليك من حقك بمقدار ما به يعمل باقي حقك، ولا يمنع شريكك من النفع بحظه بهذا الضرر. وأما ما ينقسم فيقسم بينهما.
وعلى الجار أن يأذن لجاره في دخول داره لإصلاح حائطه أو طره.
واختلف في الحائط بين الرجلين يحتاج إلى الإصلاح أو ينهدم، فيأبى أحدهما الإصلاح؟. قال سحنون: فمن أصحابنا من قال: يجبر عليه، ومنهم من قال: لا يجبر عليه، ويصلح من أراد في حقه.
وإن هدمه أحدهما، فروى عيسى عن ابن القاسم: «أن عليه أن يرده إن كان هدمه (على
[ ٢ / ٨٠٦ ]
الضرر، وإن كان هدمه) لإصلاح فعجز عنه، أو انهدم من غير أن يهدم فلا يجبر على بنيانه، ويقال للجار: استر (دارك) إن شئت». وقال سحنون من رواية العتبي: «يجبر على بنيانه كما كان».
وروى يحيى عن ابن القاسم «أنه يجبر على بنيانه» كان هو هادمه أو انهدم من غير هادم، إذا كان قويًا على بنيانه، (وإن) كان ضعيفًا عنه لم يجبر».
وإذا انهدم السفل والعلو، فلصاحب العلو إجبار صاحب السفل على أن يبني أو يبيع ممن يبني، حتى يبني رب العلو علوه، وكذلك أن يبيع ذلك من رجل على أن يبنيه فامتنع المشتري أيضًا من البناء أجبر أن يبني أو يبيع ممن يبني.
وكذلك لو كان فرق العلو علو آخر لوجب على (صاحب) العلو الذي دونه البناء حتى يبني الأعلى.
وإن اعتل السفل فإصلاحه على صاحبه، وعليه تعليق العلو حتى يصلح الأسفل لأن عليه أن يحمله على بنيان أو تعليق.
وكذلك لو كان على العلو علو فتعليق الأعلى على صاحب الأوسط في إصلاح الأوسط، وعلى رب السفل الخشب والحديد. وقال أشهب: «وعليه باب الدار». قال ابن القاسم: «والسلم بينهما على صاحب السفل إذا كان له علو إلى أن يبلغ به علوه، ثم على صاحب العلو الأعلى ما أدرك العلو الأول إلى علوه».
وقال الشيخ أبو محمد: «وأعرف لبعض أصحابنا أن على أصحاب السفل بناء السلم إلى حد العلو، فإن كان عليه علو آخر فعلى صاحب العلو الأول من بناء السلم من حد علوه إلى أن يبلغ به سقف علوه الذي عليه علو الآخر».
ومن له حق إجراء الماء على سطح عيره فالنفقة على السطح على مالكه دون من له حق المسيل (والسقف) الحائل بين السفل والعلو لصاحب السفل، ويجوز لصاحب العلو
[ ٢ / ٨٠٧ ]
الجلولس عليه إذ له حق الانتفاع به.
ويجوز بيع حق الهواء (لإشراع) جناح من غير أصل يعتمده البناء، ويجوز بيع حق مسيل الماء ومجراه، وحق الممر، وكل الحقوق المقصودة على التأبيد.
وإذا كان لرجل سفل دار ولآخر علوها، فقال أشهب وابن عبد الحكم على صاحب (السفل) كنس مرحاض السفل دون صاحب العلو وإن كان لصاحب العلو حق الانتفاع به.
وقال ابن وهب وأصبغ: كنسه عليهما على عدد الجماجم. وليس لصاحب العلو أن يزيد في بنيان العلو شيئًا، ولا له أن يرفعه.
وإذا كانت الرحى بين أشراك فانهدمت فأقامها أحدهم إذ أبى الباقون موافقته وعادت إلى حد الغلة، فقال ابن القاسم: الغلة كلها للذي أقامها، وعليه لأصحابه أجرة أنصبائهم خرابًا.
وقال ابن الماجشون: الغلة بينهم على الأنصباء، ويستوفي المنفق من أنصبائهم ما أنفق. قال ابن دينار وابن وهب: يكون شريكًا بما زاد عمله مع جزئه المتقدم في غلة الرحى، ويكون له أجر ما أقام في حصص أصحابه.
قال عيسى: وتفسير ذلك أن تقوم الرحى غير معمولة فيقال عشرة، وتقوم بعد العمل فيقال: خمسة عشر، فيكون ثلث الغلة للعامل وثلثاها بينه وبين شريكه، وعلى الذي يعمل ما ينوبه من أجر العمل في قيامه بغلتها، ثم (إذا) أراد الذي لم يعمل أن يدخل مع الذي يعمل في الرحى أعطاه ما ينوبه من قيمة ذلك يوم يدفع ذلك إليه. وقال يحيى بن يحيى مثل ذلك كله. قال: وقد سمعت ابن القاسم يقول مثل ذلك.
الفصل الثالث: في التنازع، وفيه ثلاث مسائل:
الأولى: إذا ادعى رجل على رجلين دارًا، فكذبه أحدهما وصدقه الآخر فصالحه المصدق على مال، فأراد المكذب الأخذ بالشفعة فله ذلك.
الثانية: تنازعا جدارًا حائلًا بين مليكهما، فصاحب اليد منهما من كان إليه وجه الجدار أو الطاقات ومعاقد القمط، (أو) كان له عليه جذوع دون صاحبه. فإن لم يكن إلى أحدهما
[ ٢ / ٨٠٨ ]
شيء من ذلك، أو كان إليهما جميعًا فهو بينهما لأنه في أيديهما. وكذا راكب الدابة مع المتعلق بلجامها، الراكب مختص باليد. وكذا لو تنازع صاحب العلو وصاحب السفل في السقف لكانت اليد لصاحب السفل، لأنه على ملكه كالحمل على الدابة يدعيه مالكها وأجنبي، ولأن البيت إنما يكون بيتًا بسقفه، وأن الناس لا يسكنونه إلا مسقفًا.
الثالثة: سفل الدار بيد رجل وعلوها بيد آخر، وطريقه في ساحة السفل، فادعى كل (واحد) أن الدار له، فقال أشهب: الدار كلها لصاحب السفل إلا العلة وطريقه فهو لصاحب العلو، بعد أيمانهما أو نكولهما، فإن نكل أحدهما قضي للحالف منهما.
[ ٢ / ٨٠٩ ]