والنظر في الصوم والفطر.
أما الصوم، فالنظر في سببه وركنه وشرط وسنن.
أما السببن، فاثنان:
الأول: رؤية الهلال، وتحصل بالخبر المنتشر، وهو الكمال فيها، ولا يفتقر ذلك إلى شهادة، وتثبت بشهادة عدلين على الإطلاق، وقيل: إن كانت السماء مصحية والمصر كبيرا، فلا يكفي الشادان، ويعزى هذا إلى سحنون. والحكم في هلال شوال كمال ذكرنا.
ولا يثبت الهلال برؤية واحد، إلا في حق الرائي خاصة، لكن يجب عليه أن يرفع شهادته إلى الحاكم إن كان ممن تقبل شهادته، رجاء أن ينضاف إليه غيره فيثبت الحكم. وقيل: يرفع وإن كان لا يرجى قبول شهادته، لجواز الاستفاضة.
وإذا رؤي الهلال في بلد لزم غيرهم الصوم بذلك، والقضاء إن فاهم من غير تفصيل.
وحكى القاضي أبو إسحاق عن ابن الماجشون، أنه رأى: إن كانت ثبت بأمر شائع، فالحكم كذلك، وإن كان ثبت عند الحاكم بشهادة شاهدين كسائر الأحكام، لم يلزم من خرج من ولايته، إلا أن يكون أمير المؤمنين، فيلزم القضاء جماعتهم إذا كتب بما عنده من شهادة أو رؤية إلى من لم يثبت عنده.
وإذا رؤي هلال شوال بعد الزوال أو قبله، لم يجز الإفطار إلا بعد الغروب، لأنه لليلة.
[ ١ / ٢٥٠ ]
الركن الأول: النية
المستقبلة. وقال ابن وهب وابن حبيب وعيسى بن دينار: إن رئي الهلال قبل الزوال، فلا يجوز الإمساك، لأنه لليلة الماضية.
السبب الثاني: العدد، وإنما يعتبر عند عدم الرؤية، وهو عبارة عن إكمال عدة الشهر المنقضي ثلاثين يوما، فيجب صوم اليوم الحادي والثلاثين في أول الشهر، وفطره في آخره.
فرع: ولا اعتماد على ما ذهب إليه بعض الناس من اعتبار المفارقة في الهلال، ولا التفات إليه، لأنه إن كان فاسدا فلا دلالة له، وإن كان صحيحا، فلم يعتبره الرسول ﷺ، بل حصر السبب فيما ذكرنا، فكان ما سواه غير معتبر في الشرع، فلا يجوز الاعتماد عليه بوجه.
القول في ركني الصوم، وهو النية والإمساك.
الركن الأول: النية، فعليه أن ينوي نية معينة مبنية جازمة، فلا يصح صيام من غير نية.
وحكى القاضي أبو محمد " عن عبد الملك بن الماجشون وصاحبه أحمد بن المعذل أنهما يقولان: إن أصبح ولم يأكل ولم يشرب، ثم علم أن اليوم من شهر رمضان مضى على إمساكه، وأجزأه من صيامه، ولا قضاء عليه ".
والتعيين: أن ينوي أداء فرض رمضان.
ومعنى التبييت: أن ينوي لكل يوم من كل نوع من ليلته، ويستثني من ذلك شهر رمضان، فله أن يجمعه بنية واحدة من أوله، ولان صوم الشهر عبادة واحدة، ولا يتخلل بين أجزائها إلا ما يتخلل بين النية وبين افتتاحها، فلا يضر تخلله كاليوم الأول، هذا ما لم يقطعه أو يكن على حالة يجوز له الفطر، فيلزمه استئناف النية.
ويستثنى أيضا شهر التتابع، وكذلك من شأنه سرد الصوم. قال الشيخ أبو بكر: " وهذا القول من مالك في الصيام النفل يبه أن يكون استحسانا. فأما القياس فإن عليه أن ينوي كل ليلة، لجواز أن يفطر بدل الصوم، ويصوم غير الذي عود نفسه، فهو مخالف لصوم رمضان. وقيل: لا يستثنى من ذلك رمضان ولا غيره، وحكاه القاضي أبو بكر رواية. واختار الأخذ بها.
والمعنى بالجازمة أن لا تكون مترددة، فإن النية المترددة باطلة، فمن نوى ليلة الشك
[ ١ / ٢٥١ ]
صيام غد إن كان من رمضان، لم يجزئه، لأنها غير جازمة، نعم، لا يضر التردد بعد حصول الظن بشهادة أو استصحاب كما في آخر رمضان أو اجتهاد في حق الأسير وشبهه.
(ثم إن غلط الأسير بالتأخير لم يلزمه القضاء، وإن غلط بالتقديم لزمه القضاء إن كان شهرا واحد). وكذلك إن استمر ذلك شهورا في سنين متوالية، فإنه يقضي الجميع على المشهور. وقال ابن الماجشون: يقضي الأخير فقط.
الركن الثاني: الإمساك عن المفطرات.
وهي: الجماع، والاستمناء، والاستقاء على خلاف فيه خاصة، ودخول الداخل، وضبط الدخول، كل عين يمكن الاحتراز منه غلابا، وصل من الظاهر إلى المعدة والحلق من منفذ واسع كالفم والأنف والأذن، وفي إلحاق الحقنة بالمائعات بذلك خلاف. وكذلك في إلحاق غير المغذي من ذلك به، أو القصر عليه، فيفطر بالحقنة بالمائع على قول، وبالسعوط أيضا إذا وصل إلى حلقه، وقال أشهب: رأى عليه القضاء؛ إذ لا يكاد يسلم، قال: وأما المحتقن فلا شك فيه، وليقضيا في الواجب والتطوع.
ولا يفطر بالكحل إذا لم يكن يتحلل منه شيء، وإن أن مما يتحلل منه شيء إلى الحلق أفطر به، وقال أبو مصعب: " لا يفطر به ". وكره ابن القاسم الكحل من غير تفصيل.
ولا يفطر بما يقطر في الإجليل، ولا بالفصد أو الحجامة. ولا بتشرب الدماغ الدهن بالمسام، إلا أن يجد طعم ذلك في حلقه، قاله في السليمانية. ولا بالحقنة بما لا ينماع، ولا بوصول ما تعالج به الجائفة إلى الجوف؛ لأنه لا يصل إلى مدخل الطعام؛ إذ لو وصل إليه لمات.
أما تعذر الاحتراز غالبا، فنعني به إذا طارت ذبابة إلى جوفه، أو وصل غبار الطريق إلى بأنه.
وأما غبار الدقيق فقال أشهب في مدونته: عليه القضاء، وقال القاضي أبو محمد: " لا شيء عليه ". واختلف أيضا في غبار الجباسين، وأولى بعدم الإفطار.
[ ١ / ٢٥٢ ]
ولا يفطر من سبق إلى جوفه فلقة حبة بين أسنانه، وقال أشهب: أحب إلي أن يقضي، قاله عنه ابن عبد الحكم. وأما ذلك فليقض، قال الشيخ أبو محمد: " يريد أن أمكنه طرحها. وأما لو أوجز بغير اختيار، فإنه يفطر.
ولو استقاء عامدا أفطر، ووجب عليه القضاء، ورأي الشيخ أبو القاسم: " أنه مستحب ".
ولو ذرعه القيء لم يفطر إلا أن يرد شيئا من ذلك إلى جوفه بعد إمكان طرحه. وروى ابن أبي أويس أن عليه القضاء، وإن لم يزدرده. ويفطر بابتلاع الحصاة والنواة عامدا، وقال بعض المتأخرين: لا يفطر.
ولو ابتلع دما خرج من سنه أو سنا أفطر إن كان قادرا على طرح ذلك. وقيل: لا يفطر.
ولو كان مغلوبا لم يفطر. وإن سبق الماء في المضمضة إلى باطنه أفطر وإن لم يبالغ.
والجماع واستدعاء المني بالاستمناء أو باستدامة الفكر، أو النظر بمجردهما من غير استدامة سبب لوجوب القضاء والكفارة، ولو لم يخرج بهما إلا المذي كان سببا للقضاء إن كان استدامهما.
ويختلف في جوبه أو استحبابه، فإن لم يستدمهما فلا شيء عليه، وكذلك ما دون الإمذاء من الفكر والنظر والقبلة، وإن كره الإقدام على تعمد ذلك.
والغالط الذي يظن غروب الشمس أو عدم طلوع الفجر، يفطر، يلزمه القضاء.
ويرحم الأكل عند الشك في غروب الشمس أو في طلوع الفجر، وقيل: يكره عند الشك في الطلوع. وقال ابن حبيب: يباح له الأكل عند الشك في الطلوع، ثم إن تبين أنه أفطر بد الطلوع أو قبل الغروب وجب القضاء على كل حال، وإن لم يتبين له الأمر بعد الأكل جرى وجوب القضاء واستحبابه على الخلاف المتقدم.
ولو طلع الفجر وهو يجامع، فعليه القضاء إن استدام، فإن نزع ففي إثبات القضاء ونفيه خلاف بين ابن الماجشون وابن القاسم، سببه أن النزع هل يعد جماعا أم لا؟
القول في شرائط صحة الصوم:
وهن أربع: ثلاث في الصائم وهي: الإسلام، والنقاء عن دم الحيض، والعقل.
فعدم الإسلام وعدم النقاء يمنعان الصحة، وكذلك زوال العقل بالجنون، أما استتاره بالنوم فلا يمنع الصحة.
[ ١ / ٢٥٣ ]
وكذلك انغماره بالإغماء إن طرأ بعد الفجر، ودام أيسر النهار. ويمنع إن كان قبل الفجر وتمادى إلى غروب الشمس، وفي منعه إذا برأ قبل الفجر وزال بعده بيسيره أو بعد الفجر ودام نصف النهار أو أكثره خلاف.
الشرط الرابع: الوقت القابل للصوم، وهو جميع الأيام، ويستثني من ذلك يوما العيدين باتفاق. وفي أيام التشريق خلاف وتفصيل، فإن نذر صومها لم يصم اليومين الأولين، وقيل: يصومهما، وصام اليوم الثالث. وقيل: لا يصومه، ويصوم جميعها المتمتع. وقيل: هو كغيره.
وصوم يوم الشك جائز إن وافق وردا أو قضاء أو نذرا. وكذلك لو لم يكن له سبب على المشهور، وقال محمد بن مسلمة بكراهية صومه ابتداء من غير سب. ونصوص المذهب على النهي عن صيامه حوطة. ويوم الشك هو يوم ثلاثين من شعبان إذا كانت السماء متغيمة.
القول في السنن: وهي تعجيل الفطر بعد اعتقاد الغروب، فول أراد الوصال، فحكى أبو الحسن اللخمي قولين في جواز ذلك ونفيه، ثم اختار جوازه إلى السحر، وكراهيته إلى الليلة القابلة.
وتأخير السحور مستحب، وكذلك كف اللسان عن الهذيان، وترك السواك بالرطب، وترك المبالغة في المضمضة والاستنشاق.
القسم الثاني من الكتاب، في مبيحات الإفطار وموجباته.
أما المبيح فهو المرض والسفر الطويل، وهو سفر القصر. وطارئ المرض في أثناء النهار مبيح، وطارئ السفر لا يبيح، فإن أفطر بعد شروعه في السفر، وقد كان بيت في الحضر، فإن كان متأولا فظاهر المذهب أن لا كفارة عليهن وإن لم يتأول، ففي وجوبها وسقوطها قولان.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وإن أفطر قبل الشروع في السفر، فقال أشهب في كتاب ابن سحنون: لا كفارة عليه، سافر أو لم يسافر. وقال سحنون: يكفر سافر أو لم يسافر، ثم رجع فقال: إن سافر لم يكفر، وإن لم يسافر كفر. وقال ابن الماجشون وابن القاسم في كتاب ابن حبيب: إن أفطر قبل أن يأخذ في أهبة السفر كفر، وإن أفطر بعد أن أخذ في أهبة السفر متأولا ثم سافر لم يكفر. قال ابن الماجشون: وإن عرض له ما حبسه عن السفر كفر. وإذا زال المرض والسفر وهو غير مفطر لم يبح الإفطار.
والمسافر إذا أصبح على نية، فليس له أن يفطر، إلا أن يطرأ عليه عذر يقتضي الفطر، ومنه التقوى للقاء العدو؛ كما فعله الرسول ﷺ. وقال مطرف: له أن يفطر (من) غير طروء عذر.
وإذا فرعنا على منع الفطر فأفطر، ففي وجوب الكفارة وسقوطها ثلاثة أقوال: الوجوب للمغيرة وبن كنانة. والسقوط رواية. والتفرقة لابن الماجشون، فيوبجها في الجماع دون الأكل والشرب.
والصوم في السفر أحب من الفطر لتبرئة الذمة. وقال عبد الملك بن الماجشون: " الفطر أفضل، وري أنهما سيان.
وأما موجبات الإفطار فخمسة:
الأول: القضاء، وهو يتنوع إلى قضاء رمضان، وإلى قضاء غيره، وقضاء غير رمضان يذكر عند ذكره.
فأما قضاء رمضان فواجب على كل مفسد للصوم أو تارك له بسفر أو مرض أو إغماء أو حيض أو سهو، وكذلك الحيوان. وقيل: مما لم تكثر السنون. وقيل: ما لم يبلغ مجنونا.
ولا يجب على من ترك بصبا أو كفر، ولا على المفند الذي لا يستطيع صومه إلا بخوف التلف، ولا يجب التتابع في قضاء رمضان، ولكن يستحب.
الثاني: الإمساك تشبها بالصائمين، وهو واجب على كل متعد بالإفطار في شهر رمضان، أو ظان للإباحة مع عدمها. وغير واجب على من أبيح له الفطر إباحة حقيقية كالمريض يصح، والمسافر يقدم، والحائض تطهر في بقية النهار.
ومن أصبح يوم الشك مفطرا، ثم تبين أنه في رمضان، أمسك.
أما الصبا والجنون والكفر، فإذا زال شيء منها لم يجب الإمساك. وقيل: يجب في الكفر خاصة.
[ ١ / ٢٥٥ ]
ومن نوى التطوع في رمضان لم ينعقد، وإن كان مسافرا لتعين الوقت. وحكى القاضي أبو بكر فيه رواية بالانعقاد، واستضعفها كثيرا.
فأما لو صامه قضاء عن رمضان آخر عليه، فقال ابن القاسم في العتبية وأشهب في مدونته: " لا يجزيه عن واحد منها ". وفي الكتاب: " أرى أن يجزيه، وعليه قضاء رمضان الآخر "، روي بكسر الخاء وفتحها، فحصل من ذلك قولان آخران عن ابن القاسم.
الثالث: الكفارة، ولا تجب إلا في رمضان دون غيره من أنواع الصوم، وتجب بالخروج عن صومه على وجه الهتك من كل معتقد لوجوبه من رجل أو امرأة، لكل يوم كفارة لا يسقطها عن ويم وجوبها في آخر، من غير اعتبار بالأنواع التي يخرج عن الصوم بها من جماع أو أكل أو شرب أو غر ذلك، ولا بالوجهة الذي يخرج عن الصوم من اعتماد تركه أو بعد عقده بقطع نية أو إمساك، ولا بطروء عذر بعد ذلك أو عدمه، كمعتمد الفطر يمرض، أو يسافر، أو يجن، أو تحيض المرأة على المشهور نظرا إلى الحال شيء وقيل: بإسقاط الكفارة عند طروء العذر نظرا إلى المآل.
وكذلك الخلاف في القائل: اليوم نوبتي في الحمى، فيفطر ثم تأتيه. وفي القائلة: اليوم أحيض. فأفطرت ثم حاضت، وأولى بالإسقاط ها هنا وفي المستقيء خلاف. وكذلك مبتلع ما لا يغطي قصدا.
ولا تجب على الناسي، لأنه لم ينتهك، وقيل: تجب عليه في الجماع خاصة، والمكره كالناسي.
وتجب بالزني [وبجماع] الأمة، ووطء البهيمة، والإتيان في غير المأتي. ولا تجب على من ظن أن الصبح غير طلاه، فجامع. وتجب على المنفرد برؤية الهلال. وقال أشهب: إن تأولا فلا تجب عليه، وعلى من جامع مرارا في أيام، لكل يوم كفارة كما تقدم.
ولا تتكرر بتكرر الانتهاك في اليوم الواحد، وقيل: تتكرر إن كان الانتهاك الثاني عبد التفكير.
[ ١ / ٢٥٦ ]
ولو أكره امرأة لم يجب عليها أن تكفر بحال، ووجبت عليه كفارتان عنه وعنهما في المشهور. وقيل: لا كفارة عليه عنها.
ثم اختلف الأصحاب، هل هذه الكفارة متنوعة أم تختص بالإطعام خاصة؟ وسبب اختلافهم احتمال لفظ الكتاب، وصيغته: " قلت: وكيف الكفارة في قول مالك؟ قال: الطعام لا يعرف غير الطعام، لا يأخذ مالك بالعتق ولا بالصيام " هذا نص لفظه.
فمن نوع حمله على الأولى، ويجزي غيره. ومن خصص حمل اللفظ على ظاهره، والصحيح التنويع، ورد ظاهر هذه الرواية إلى مذهبه في الموطإ، وإلى ما رواه ابن الماجشون عنه، وهو أن الإطعام أفضل.
وإذا فرعنا على التنويع، فأنواعها ثلاثة: عتق وصيام و‘طعام، وهي على التخيير ككفارة الأيمان. وقيل على الترتيب ككفارة الظاهر.
النوع الأول: العتق، فيعتق رقبة كاملة غير ملفقة، مؤمنة، سليمة، محرر، وتحريرها أن (يبتدئ) إعتاقها من غري أن يكون مستحقا بوجه.
النوع الثاني: الصيام، وهو صوم شهرين متتابعين.
النوع الثالث: الإطعام، هو إطعام ستين مسكينا، مدا، لكل مسكين، بمد النبي ﷺ، وقال أشهب: مدل لكل مسكين أو غداء وعشاء، والإطعام أحب إلينا من الغداء والعشاء.
وإذا فرعنا على المشهور، فالإطعام يعمها. وقيل: تتنوع: فتكون إطعاما إن كانت بفير جماع، وعتقا أو صياما إن كانت عن جماع.
ثم إذا قلنا بالتسوية مع اختلاف الموجب، فالإطعام أفضل لأنه الأمر المعمول به في الحديث، ولأنه أعم نفعا؛ إذ الصيام لا يتعدى نفعه المكفر، والإعتاق وإن تعدى نفعه المكفر، فلا يتجاوز المعتق، ويتعدى نفع الطعام إلى ستين مسكينا، فيحيا به مثل هذا العدد، لا سيما في أوقات الشدائد والمجاعات. وقيل: العتق أفضل. وقال المتأخرون: يختلف ذلك بالأوقات والبلاد، فالأول في ارتفاع الأسعار، والثاني في انخفاضها.
وتستقر الكفارة في الذمة عند العجز عن جميع الخصال وقت الإفساد، ثم المعتبر حالة التكفير على القول بالترتيب.
[ ١ / ٢٥٧ ]
الموجب الرابع: قطع التتابع والنية.
أما قطع التتابع، فهو أن يفطر بغير عذر، أو بعذر يمكنه دفعه، كالسفر، فأما ما لا يمكنه دفعه من سهو أو مرض، أو خطأ عدة أو حيض، فيجزي البناء معه.
وأما قطع النية، فهو إفساد الصوم أو تركه على الإطلاق لعذر أو غير عذر، أو بحصول الوجه الذي يسقط معه الانحتام، وإن آثر الصوم معه كالسفر والمرض، ولا يقطع استدامتها، وإنما يقطع استصحاب ابتدائها.
الخامس: الفدية، وهي مد من طعام لمسكين عن كل يوم، وتجب ثلاثة أمور:
أحدها: ما يجب لفضيلة الوقت وهو في حق الحامل والمرضع.
فأما الحامل إذا خافت على ولدها، فروى ابن وهب: أنها تفطر وتطعم. وقال أشهب: تطعم استحبابا من غير إيجاب. وقال في الكتاب: " تفطر وتقضي، ولا إطعام عليها لأنها مريضة ". وقال ابن الماجشون: إن خافت على حملها وجبت عليها، وإن خافت على نفسها لم تجب عليها. وقال أبو مصعب: " إذا خافت على ولدها قبل مضي ستة أشهر أطعمت، وإن دخلت في الشهر السابع لم تعم لأنها مريضة ".
وأما المرضع إن احتاجت إلى الفطر لولدها إذ لم يقبل غيرها، (أو) لم يقدر على الاستئجار له، فقال في الكتاب: " تطعم ". وقال في المختصر: لا إطعام عليها.
ومنشأ الخلاف: أنها مطيقة في نفسها، وغير مطيقة لضرورة الولد.
الثاني: كل من لا مرض به، ويعلم أنه لا يمكنه إكمال صوم اليوم، كالمتعطش والشيخ الكبير، فيطعم استحبابا. وقيل بوجوب الإطعام عليه. وقال أبو الحسن اللخمي: " الصواب سقوط الإطعام عنه ".
الثالث: ما يجب لتأخير القضاء، فلكل يوم أخر قضاؤه عن السنة الأولى مع الإمكان مد، ولا ي تكرر بتكرر السنين، ويخرجها عند الأخذ في القضاء، وقال أشهب: عند تعذر القضاء واستقرارها في الذمة، لأنه سبب الوجوب، فكلما مضى يوم من شعبان قد تعين للقضاء أطعم عن يوم، لأنه صار مفرطا.
[ ١ / ٢٥٨ ]
وأما صوم التطوع، فيلزم إتمام ما شرع فيه منه، (وكذا) القضاء، ولو لم يكن على الفور، فإن أفطر في التطوع متعمدا من غير عذر، فعليه القضاء، وإن أفطر في القضاء متعمدا، فهل يجب عليه قضاء الأصل فقط، أو قضاؤه وقضاء القضاء؟ قولان.
ولو أفطر في التطوع لمرض أو حض أو غيره من الأعذار المبيحة للفطر، لم تجب عليه قضاء. ولو أفطر ناسيا أتم، ولا شيء عليه.
فأما إن سافر فيه، فأفطر من غير ضرورة، فقال في الكتاب: " عليه القضاء ". وقال ابن حبيب: لا قضاء (عليه).
وأما الفطر في المنذور، فإن كان عمدا عصا ووجب عليه القضاء، وإن كان [نسيانا] أو لعذر، فإن كان النذر غير معين وجب القضاء، وغن كان معينا فقيل: يجب. وقيل: لا يجب، وقيل: يجب في النسيان، ولا يجب في الحيض والمرض. وقيل: يجب إن كان المقصود صوم يوم، ولا يجب إن كان المقصود هو اليوم لمعنى فيه.
وعلى ذلك يخرج الخلاف في مسألة ناذر الصوم يوم يقدم ف لأن، فيقدم نهارا، مذهب الكتاب " سقوط القضاء ". وقال أشهب: يلزمه القضاء.
ولنختتم الكتاب بذكر صوم التطوع المرغب فيه.
وهو في السنة صوم يوم عرفة لغير الحاج وعاشوراء وتاسوعاء ويوم التروية، ففي الحديث «إن صيام يوم عرفة يكفر السنة الماضية والباقية، وصيام يوم عاشوراء يكفر السنة الماضية». وروى أيضا أن صيام يوم التروية كصيام سنة.
ومن المرغب فيه صوم الأشهر الحرم وشعبان وعشر ذي الحجة، فقد روى أن صيام كل يوم منها يعدل صيام سنة.
وورد في الصحيح: " صيام ستة أيام من شوال "، إلا أن مالكا أتقى أن يلحق الجاهل بالفرائض ما ليس منها على أصله في كراهية التحديد، واستحب صيامها في غل ذلك الوقت لحصول المقصود به من تضاعف أيامها وأيام رمضان حتى تبلغ عدة العام؛ كما قال
[ ١ / ٢٥٩ ]
[النبي] ﷺ: «صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بشهرين، فذلك صيام سنة».
ومحمل تعيين محلها في شوال (عقيب) الصوم على التخفيف في حق المكلف لاعتياده الصيام، ولا لتخصيص حكمها بذلك الوقت فلا جرم لو فعلها في عشر ذي الحجة مع ما روي من فضل الصيام فيه لكان أحسن لحصول المقصود مع حيازة فضل الأيام المذكورة.
والسلامة مما أتقاه مالك ﵁. وقال مطرف: إنما كره مالك صيامها لئلا يلحق أهل الجهل ذلك برمضان، وأما من رغب في ذلك لما جاء فيه، فلم ينهه.
وأما في الشهر، فقال ابن حبيب: روي أن صيام الأيام البيض صيام الدهر، قال: وكذلك " صيام ثلاثة أيام من كل شهر ": أول يوم منه هن ويم عشرة ويوم عشرين. قال: وبلغني أن هذا صوم مالك بن أنس. واختار الشيخ أبو الحسن المبادرة بالثلاثة أول الشهر، وعلل بأنه لا يدري ما يقطعه عن ذلك.
فأما صوم الدهر، فقال الشيخ أبو الطاهر: " هو مستحب "، وكرهه أبو القاضي أبو بكر.
ونص مالك ﵁ على كراهية توقيت منذور من صيام أو غيره. قال: " ولكن يفعل متى أحب ". [تم كتاب الصيام والحمد لله].
[ ١ / ٢٦٠ ]
الركن الأول: استمرار الإقامة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[صلى الله على سيدنا محمد]