والضحية: سنة مؤكدة لكل قادر عليها، إلا الحاج بمنى، وليست بواجبة، هذا قول مالك على الحقيقة، وهو الذي حكاه العراقيون عنه. وكذلك الأستاذ أبو بكر لم يحك عنه سواه، وهو نصه في الموطأ والمختصر. قال يحيى بن يحيى: قال مالك: «الضحية: سنة، وليست بواجبة». وقال عبد الله بن عبد الحكم: قلت له: أرأيت الضحية أسنة هي؟
قال: نعم، قال رسول الله ﷺ: «أمرت بالنحر، وهو لك سنة»، فذكر الحكم والدليل، وهذا كله نص، وقوله في كتاب ابن المواز: هي سنة واجبة، لفظ محتمل، يرد معناه إلى النص المتقدم. «والمعنى بذكر الوجوب مع لفظ السنة التأكيد. وقد قال القاضي أبو محمد وغيره: المعني بإطلاق مثل هذا اللفظ أنها سنة مؤكدة». وربما عبر بعض الأصحاب عنها بوجوب السنن.
فأما ما نقل عن ابن القاسم وابن حبيب من تأثيم تاركها، فرأى لهما لا رواية.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
والنظر في أركانها وأحكامها:
النظر الأول: في الأركان، وهي ثلاثة.
الأول: الذبيح: وهو النعم فقط، ولا يجزئ من الضأن ما دون الجذع ولا من المعز ما دون الثني، وكذا من البقر، وهو سن المسنة. ولا يجزئ من الإبل ما دون السنة السادسة.
ويجزئ الذكر والأنثى. وجملة من الصفات تمنع الأجزاء. فلا تجزئ المريضة البين مرضها وفي معناها الجرباء الكثيرة الجرب، دون الجرب اليسير، ولا العرجاء التي تمتنع بالعرج عن اللحاق بالغنم، ولا العوراء، وإن كانت الحدقة باقية. ولا بأس بالبياض في العين ما لم يكن على الناظر، ولا العجفاء التي لا نقي لها، ولا المجنونة جنونًا لازمًا، ولا المقطوع من أذنها ما يزيد على الثلث، وفي الثالث خلاف. أما المقطوعة قدرًا يسيرًا من الأذن، أو المخروقة الأذن أو المشقوقة، فقد ورد النهي عن التضحية بها. وقال القاضي أبو الحسن: «لا يمنع شيء من ذلك الإجزاء». قال الشيخ أبو الطاهر: «هذا على القول بقصر العيوب المانعة من الإجزاء، على ما ورد في الحديث من العيوب الأربعة».
ويجزي المنزوع الخصية، والمنكسر القرن إذا كان لا يدمى، والتي لا قرن لها، وفي إجزاء ما سقطت أسنانه، لا لإثغار، خلاف. ويجزئ الفحل، وإن كثر نزواته، والأنثى وإن كثرت ولادتها.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
ولا شركة في الدم، فلا تجزئ الشاة عن أكثر من واحد، وكذلك البقرة والبدنة، فلا يجوز أن يشترك جماعة في شاة أو بقرة أو بدنة، فيخرجون الثمن ثم يضحون بها عن جماعتهم.
إلا أن الرجل يجوز له أن يضحي عنه، وعن أهل بيته شاة واحدة، أو بقرة أو بدنة وإن كان الأفضل له أن يضحي عنهم بكبش كبش.
أما السنة: فالأحب الأسمن، والفحل أفضل من الخصي، والأقرن أفضل من الأجم.
وأما الجنسية: فالغنم أفضل من البقر، والبقر أفضل من الإبل. وقال الشيخ أبو إسحاق: الإبل أفضل من البقر، ثم الضأن أفضل من المعز، وفحول كل جنس أفضل من إناثه.
الركن الثاني: الوقت:
وهو يوم النحر، يومان بعده. وأول الوقت فراغ الإمام من الصلاة والنحر، إن أبرز ذبيحته إلى المصلى، وينبغي له أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله ﷺ ليقتدي به الناس، فيذبحون بعده.
وإن لم يبرزها، ففي نفي إجزاء من ذبح قبله وإثباته قولان لابن القاسم وأبي مصعب.
ومن كان بمكان لا إمام به، تحرى ذبح أقرب الأيمة إليه، ثم إن تحرى فوقع قبله أجزأه.
وقيل: لا يجزئه.
ويتحرى في اليوم الثاني والثالث الوقت الذي يذبح فيه الإمام في اليوم الأول، ولا يتقدم عليه، فلو ذبح بعد الفجر وقبل وقت ذبح الإمام بالأمس أجزأه، قاله أصبغ.
وآخر الوقت غروب الشمس ثالث يوم النحر. (ولا يجزئ بالليل). وحكى القاضي أبو الحسن رواية بالإجزاء، ولا يجزئ في اليوم الثالث من أيام التشريق.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
الركن الثالث: الذابح:
والأولى أن يتولى الذبح المضحي بنفسه اقتداء بالرسول ﷺ، فإن لم يمكنه ذلك وكل غيره، ولا ينبغي له أن يوكل مع القدرة، لما قلناه من الاقتداء.
فإن كل كتابيًا، لم يجزئه في رواية ابن القاسم؛ إذ ليس من أهل القرية. وروى أشهب: القول بالإجزاء. وإذا صححنا فلينو بنفسه، ولو وكل مسلمًا بالتضحية والنية جاز.
وأجزأت إذا نوى بها الذابح عن المالك، فلو نوى بها عن نفسه لأجزأت عن المالك أيضًا، وقال أصبغ: لا تجزئه.
النظر الثاني: في أحكام الضحايا.
وهي قسمان: قبل الذبح، وبعده.
القسم الأول: ما قبل الذبح.
فإذا قال: جعلت هذه الشاة أضحية تعينت. وحكى القاضي أبو الوليد في المذهب قولًا بأنها لا تجب إلا بالذبح، ثم على ملا القولين إن ماتت، فلا شيء عليه. ولو عينها من نذر سابق لزم إبدالها، ولو أتلفها أجنبي فليشتر بقيمته أخرى، وقيل: له أن يصنع بالقيمة ما شاء.
وكذلك لو لم تف القيمة بشاة تصدق بها، أو صرفها فيما شاء على الخلاف المتقدم.
وحيث لا يلزمه شيء بالتلف، فلا يلزم شيء بالتعيب. فإن كان التعيب مانعًا من الصحة خرجت عن الضحية.
ولو قال ابتداء: جعلت هذه أضحية، وهي متعيبة، فهل تصرف إلى مصارف الضحية، أو يعوض بها سليمة؟ فيه الخلاف المتقدم في الهدي.
وكذلك لو قال: لله علي أن أضحي بعرجاء، فهل تلزمه سليمة، أم لا يلزمه إلا العرجاء؟
الخلاف المتقدم.
والضلال كالهلاك، ولكن حيث وجب البدل ووجد ثم وجدها قبل ذبح البدل، ذبحها دونه.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
ولو ولدت قبل الذبح، فروى ابن القاسم: يذبح معها. وقال أشهب: لا يضحى به ولا يحل.
ومن مات قبل ذبح أضحيته فإنها تورث، واستحب ابن القاسم أن تذبح عنه، ولم يره أشهب.
القسم الثاني: أحكامها بعد الذبح.
ولا خلاف في وجوبها بالذبح، فلا يجوز التصرف فيها، ولا في شيء من أبعاضها بالمعاوضات، بل يتصرف فيها بالإطعام والأكل، والانتفاع.
ولو مات بعد ذبحها، لم تورث ميراث الأموال، ولم تبع في دينه، لكن لورثته فيها من التصرف مثل ما كان له. وهل لهم قسمة اللحم؟ قولان: أجازه مالك في رواية مطرف وابن الماجشون، ورواه عيسى عن ابن القاسم. وفي كتاب محمد: المنع، وخرج القاضي أبو الوليد الخلاف في ذلك على اختلاف قول مالك وأصحابه في القسمة: هل هي تمييز حق أو بيع؟ قال: «ويحتمل أن يريد إذا وقعت على وجه كانت بيعًا، فلم تجز في الأضحية. وإذا وقعت على وجه كانت تمييز حق، فجازت فيها».
قال الشيخ أبو الطاهر: «وإشارته بهذا إلى أن قسمة التراضي بيع، وقسمة الأسهام مختلف فيها على قولين: هل هي بيع، أو تمييز حق؟».
وإذا تصدق أو وهب شيئًا من الأضحية فهل للمعطى أن يبيعه أم لا؟ روايتان في كتاب ابن حبيب وكتاب ابن المواز. ولا تجوز إجارة جلدها، وأجازها سحنون.
فإذا تعدى فباع شيئًا من الأضحية، نقض بيعه، فإن فات، فقال ابن القاسم: «يتصدق بالثمن، ولا ينتفع به، وقال به ابن حبيب، وقال سحنون: يجعل ثمنه إن كان لحمًا في طعام، وإن كان جلدًا ففي طعام أو ما ينتفع به». وقال محمد بن عبد الحكم: يصنع به ما شاء من إمساك أو غيره.
ولو غصب شيئًا من أضحيته، أو تعدى عليه، أو تلف عند صانع فضمنه، فهل له أن
[ ٢ / ٣٧٦ ]
يغرمهم قيمة ذلك؟ استحب ابن القاسم أن لا يغرم وكأنه رآه بيعًا. وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون وأصبغ: له أخذ القيمة، ويصنع بها ما شاء، وكذلك قيمة الجلد.
(واختلف في اختلاط الرؤوس عند الشواء، هل لصاحب الرأس طلب القيمة أم لا؟).
وقال يحيى بن عمر في رجلين أمرًا رجلًا أن يذبح لهما، فذبح واختلطا بعد الذبح، يجزيان من الأضحية، ويتصدقان بهما، ولا يأكلان منهما شيئًا.
واعترض هذا أبو محمد عبد الحق، وقال: «ما أرى المنع من أكلهما، وهي شركة ضرورية في أضحية مات صاحبها».
والأفضل الأكل والتفرقة، فلو اقتصر على أحدهما أجزأ وكره. وقال ابن المواز: لو اقتصر على الصدقة لكان أفضل. قال ابن حبيب: وليس لما يأكل ويتصدق حد يندب إليه، والاختيار عند الشيخ أبي القاسم أن يأكل الأقل، ويقسم الأكثر. قال: «ولو قيل: يأكل الثلث ويقسم الثلثين، لكان حسنًا.
ولنختم الكتاب بباب العقيقة، وهي كالضحية في أحكامها وأصنافها وصفاتها، وكذلك هي في أجناسها على المشهور. وقال الشيح أبو إسحاق: «لا يعق بشيء من الإبل ولا البقر، وإنما العقيقة بالضأن والمعز». وروي مثله في العتبية.
وأما وقتها فاليوم السابع من ولادة المولود إذا ولد قبل الفجر، ويسقط يوم الولادة إذا ولد بعد الفجر. وروي أنه يحتسب به، ولا يسقط.
ولا يذبح في السابع الثاني أو الثالث، إذا فات الأول. وروى ابن وهب أن الأسابيع الثلاثة في العقيقة كالأيام الثلاثة في الضحايا. وفي مختصر الوقار: يعق عنه في الأسبوع الأول، فإن فات ففي الثاني، فإن أخطأه ذلك فلا عقيقة.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
وتذبح ضحى، وقت ذبح الضحايا رواه محمد. (وقال ابن حبيب: لا تذبح العقيقة ليلًا ولا بالسحر، ولا بالعشي، إلا من الضحى إلى الزوال. وفي المبسوط: ومن ذبحها قبل الأوان الذي تذبح الأضحية فيه، لم أرها مجزئة).
ولا يكره كسر عظامها، ويعق عن الذكر والأنثى بشاة شاة.
والإطعام فيها كما هو في الأضحية، وهو أفضل من الدعوة. قال ابن القاسم: ولا يعجبني أن يجعله صنيعًا يدعو إليه. وقال ابن حبيب: وحسن أن يوسع بغير شاة العقيقة لإكثار الطعام، ويدعو الناس إليه.
(وفي المبسوط: قال مالك: عققت عن ولدي، فذبحت من الليل ما أريد أن أدعو إليه إخواني وغيرهم، وهيأت طعامهم، ثم ذحبت ضحى شاة العقيقة، فأهديت منها للجيران، وأكل منها أهل البيت، وكسروا ما بقي من عظامها، فطبخنا فدعونا إليها الجيران، فأكلوا وأكلنا. قال مالك: فمن وجد سعة، فأحب [إلى] أن يفعل هذا، ومن لم يجد فليذبح عقيقته، ثم ليأكل وليطعم منها).
وتلطيخ رأس المولود بدم الشاة مكروه، لكن يستحب أن يسمى في السابع، قال ابن حبيب: ويحلق شعره. (قال الشيخ أبو إسحاق: وهو معنى قوله ﷺ: «وأميطوا عنه الأذى».
وهل يتصدق بوزن شعره ذهبًا؟ كرهه مالك مرة وأجازه أخرى.
[وتم كتاب الضحايا والعقيقة والحمد لله].
[ ٢ / ٣٧٨ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا]