وهو الحمالة. ومعناها: شغل ذمة أخرى بالحق. وفيه ثلاثة أبواب:
الباب الأول: في أركانها، وهي خمسة:
الركن الأول: المضمون عنه:
ولا يشترط رضاه، لأنه يجوز لغيره أن يؤدي دينه بغير إذنه، ويصح الضمان عن الميت والمفلس.
الركن الثاني: المضمون له.
ولا يشترط معرفته، بل لو مات من عليه (ديون) لا يدري (لمن) هي، وترك مالًا لا يدري كم هو، فتحمل بعض ورثته لجميع دينه إلى أجل على أن يخلى بينه وبين ماله على أنه مهما فضل كان بينه وبين سائر الورثة على فرائض الله تعالى، وما نقص فعليه، فذلك جائز لأنه منه على وجه المعروف، وطلب الخير للميت والورثة، كان الذي تحمل به عن الميت نقدًا أو إلى أجل.
ثم إن طرأ غريم لم يعلم به الابن فعليه أن يغرم (له)، ولا ينفعه قوله: لم أعلم به، وإنما تحملت بما علمت.
[ ٢ / ٨١٤ ]
الركن الثالث: الضامن.
ويشترط فيه صحة العبارة وأهلية التبرع. ويصح ضمان الزوجة دون إذن الزوج في الثلث فدون. ولا (يصح) ضمان عبد، مأذون ولا غير مأذون، ولا مدبر، ولا مكاتب، ولا أم ولد، بغير إذن السيد، فإن أذن السيد جاز، إلا في المأذون إذا كان مديانًا قد أحاط الدين به.
وقيل في المكاتب: لا يجوز فيه، وإن أجازه لأن داعية إلى رقه. وما رده السيد من ذلك لم يلزمهم وإن اعتقوا، فإن لم يرد ذلك حتى عتقوا لزمهم.
الركن الرابع: المضمون.
وشرطه أن يكون حقًا يمكن استيفاؤه من الضامن، أو ما يتضمن ذلك كالكفالة بالوجه لمن عليه مال، وأن يكون ثابتًا مستقرًا، أو مآله إلى ذلك، «فلا تصح الحمالة بالكتابة، لأنها ليست بدين ثابت مستقر، ولا تؤول إلى ذلك، ولأن العبد إن عجز رق وانفسخت الكتابة».
ولا يجوز ضمان الجعل في الجعالة إلا بعد العمل. ويجوز ضمان إبل الدية، كما يجوز الإبراء عنها.
وتجوز كفالة البدن، ممن وجب عليه الحق، وممن ادعى عليه، وإن لم تقم عليه البينة بالدين، إذ الحضور مستحق عليه.
ومعناها: التزام إحضاره وما اتبعت بعينه لم يجز أن تأخذ به كفيلًا، كان حاضرًا أو غائبًا، على صفة قريب الغيبة أو بعيدها، كما لا يجوز للبائع ضمان مثله أن هلك، ويخرج الكفيل عن العهدة في ضمان البدن بتسليمه في المكان الذي شرطه، وإن كان عديمًا، أراده المستحق أو أباه، إلا أن يكون دونه يد غالبة مانعة، فلا يكون تسليمًا، ويلزمه اتباعه في غيبته إن عرف مكانه، فإن هرب أو اختفى لزمه غرم المال، إلا أن يقول: لست من المال في شيء. وقيل: لا يلزمه شيء.
وإن مات المتكفل به لم يلزم الكفيل شيء، شرط أو لم يشرط.
وروي عن ابن القاسم في غير الكتاب: «أنه يضمن إن مات الغريم، والحق حال، إذا
[ ٢ / ٨١٥ ]
مات غائبًا بغير البلد». وقال أشهب: لا يضمن شيئًا إذا مات الغريم، مات بالبلد أو بغيره.
قال ابن القاسم: «وإن كانت حمالة مؤجلة فمات بغير البلد، فإن كان موته قبل الأجل بأيام كثيرة لو خرج وراءه لجاء به قبل الأجل، فلا حمالة له عليه، ولا شيء عليه. وإن كان لو طلب فخرج لم يأت به إلا بعد الأجل فهو ضامن».
ثم قال عنه عيسى: «وإذا مات بعد الأجل ضمن، قربت الغيبة أو بعدت. قال ابن القاسم: وإن كنت قلت غير هذا فأطرحوه».
فروع: الأول: «قال ابن وهب: وإذا (غاب) الغريم قضى على حميل الوجه بالغرم، ولا يضرب له أجل ليطلبه.
وقال أصبغ: يضرب له أجل خفيف في قريب الغيبة، كقول ابن القاسم»
الفرع الثاني: إذا أخذ بالغرم، فلم يقض عليه به حتى أحضره برئ، ولو كان قد حكم عليه بالمال بعد التلوم للزمه. وقال سحنون: إن لم يغرم حتى أحضره برئ.
الفرع الثالث: إذا غرم بالحكم، ثم أصاب بينة بموت الغريم قبل الحكم رجع بما أدى على الطالب، وسقطت الحمالة. وإذا أخذ من الكفيل كفيل لزمه ما لزم الكفيل. قال غيره: وكذلك إن أخذ من كفيل بالوجه كفيل بوجهه.
ولو حضر المكفول بنفسه، وأشهد: إني قد دفعت نفسي إليك براءة للحميل، لم يبرأ بذلك الحميل، وإن كان بموضع تنفذ فيه الأحكام حتى يرفعه الحميل بنفسه أو وكيله إلى الطالب، أو يوكله الحميل بذلك، فإن لم يفعل الطالب أشهد عليه، وكان له ذلك براءة.
ولو دفعه إليه في السجن في دم أو دين أو غيره برئ، ويكفيه أن يقول: قد برئت [إليك] منه، وهو في السجن فشأنك به.
ولا يشترط كون الدين معلومًا ولا متقدم الوجوب، بل لو كان قال لرجل: داين فلانًا وأنا ضامن لما تعطيه جاز ذلك، ولزمه ضمان ما يداين به مثله: وذلك مبني على أصول ثلاثة:
[ ٢ / ٨١٦ ]
جواز ضمان الحق قبل وجوبه، وجواز ضمان المجهول: وحمل الإطلاقة (في) ذلك على العادة دون ما يخرج عنها.
الركن الخامس: الصيغة.
وهي قوله: تحملت أو تكلفت أو ضمنت، وكل ما ينبني على اللزوم كقوله: أنا حميل لك أو زعيم أو كفيل أو ضامن أو قبيل، أو هو لك عندي أو علي أو إلي أو قبلي، فذلك كله حمالة لازمة، إن أراد الوجه لزمه أو المال لزمه ما شرط.
وشرط الأجل في ضمان المال الحال جائز، إن كان الغريم موسرًا بجملة الحق أو معسرًا به، إذا أخره إلى أجل يرى أنه يوسر إليه أو لا يوسر، وإن كان مما يرى أنه يوسر في مثله فمنعه ابن القاسم، وأجازه أشهب.
وإن كان موسرًا بالبعض، فدفع الحميل ليؤخره بالجميع لم يجز، ويجوز على أن يؤخره بما هو معسر به، ويقضيه ما هو موسر به. وكذلك إن كان بما هو موسر به خاصة ليؤخره به.
ولو ضمن المؤجل حالًا جاز إن كان الدين عينًا أو عرضًا من قرض، ولو كان من بيع لجاز أيضًا، إلا إذا قصد إسقاط الضمان. ولو علق الضمان بالموت لم يلزمه شيء إلا بعد الموت. ولو علقه بعدم الوفاء من الأصيل تلوم السلطان له، ثم ألزمه المال، إلا أن يكون حاضرًا مليًا.
ولو تكفل بعضو من بدنه فقال بعينه أو بوجهه، فهي كفالة بالبدن. ولو قال: أنا حميل بطلبه، أو على أن أطلب، فليس عليه سوى ذلك، فإن أعجزه أو غاب عنه إلى موضع بعيد وليس من شأنه السفر إلى مثله لم يكن عليه شيء.
ولو قال: أنا حميل لك ولم يذكر وجهًا ولا مالًا جاز، فإن قال بعد ذلك: إنما أردت الكفالة بالوجه، كان القول قوله. وقيل: قول خصمه.
الباب الثاني: في حكم الضمان الصحيح، وله أحكام:
الأول: تجدد مطالبة الكفيل.
وله أن يطالبه من غير انقطاع الطلبة عن المضمون عنه، وهو حاضر مليء فيتخير في طلب أيهما شاء، على الرواية الأولى. وأما على الرواية الأخيرة وهي رواية ابن القاسم في الكتاب فلا يؤخذ الحميل بالغرم إذا كان عليه الدين حاضرًا مليًا. وإنما يغرم إذا غاب أو فلس، ورأى فيها الكفالة توثقه كالرهن.
[ ٢ / ٨١٧ ]
ولو كان غائبًا مليًا أو حاضرًا مديانًا يخاف إن قام عليه المخاصة، قال غير ابن القاسم: أو ملدًا ظالمًا، فله اتباع الحميل، إلا أن يكون للغائب مال حاضر يعدي فيه، فلا يتبع الضامن. وقال غيره: ما لم يكن في تثيبت ذلك بعد فيؤخذ من الحميل. ومهما أبرأ الأصيل برئ الكفيل، ولا يبرأ الأصيل بإبراء الكفيل.
فرع: فإن كان الدين مؤجلًا، فمات الأصيل تعجل الطالب حقه من ماله. فإن لم يدع مالًا لم يطلب الكفيل به، حتى يحل الأجل. ولو مات مليًا والطالب وارثه، برئ الحميل، لأنه إن غرم للطالب شيئًا رجع بمثله عليه في تركة الميت وهي في يديه، فصارت كمقاصة. وإن مات معدمًا ضمن الكفيل. وإن مات الكفيل قبل الأجل فللطالب تعجيل الدين من تركته، ثم لا رجوع لورثته على الغريم حتى يحل الأجل، أو يموت فيرجع في تركته، وله محاصة غرماء الحميل أيضًا.
وروى ابن وهب أنه يؤخذ من تركة الحميل ويوقف إلى الأجل، فإن كان الأصيل يومئذ مليًا رجع ذلك إلى ورثة الكفيل، وإن كان عديمًا أخذ الغريم. قال يحيى: هذه رواية سوء.
وقالها عبد الملك. وقال أشهب مثل قول ابن القاسم، وروايته.
الحكم الثاني: إن للكفيل إجبار الأصيل على تخليصه إذا طولب، وليس له ذلك قبل أن يطالب. ولا يلزم تسليم المال إليه ليؤديه، إذ لو هلك لكان من الأصيل.
الحكم الثالث: الرجوع. ومن أدى دين غيره رجع عليه، كان الأداء بإذنه أو بغير إذنه.
هذا إذا كان الدين لازمًا للغير لا بد له من أدائه، وكان قصد الدافع بذلك فعل الخير والرجوع به، فإن فعل ذلك ليتسلط عليه أو ليحبسه لعداوة بينهما أو لغير ذلك من الأمور الشبيهة بهذا لم تكن له مطالبته ولم يمكن منه. ولو دفع عنه على وجه الحسبة لم يرجع عليه بشيء.
وحيث ادعى قصد الرجوع فالقول قوله، إلا أن يظهر خلاف ذلك، كما لو تحمل عن ميت مفلس يعتقد فلسه ثم ظهر له مال أو نحو ذلك.
فرع: إذا صالح الكفيل رجع بالأقل من الدين أو قيمة ما صالح به، وكذلك لو سومح بحط قدر من الدين أو صفة لم يرجع إلا بما بذل. هذا كله إذا أشهد المصالح على الأداء عن الغريم، فإن قصر في الإشهاد ولم يصدق لم يرجع (وإن صدقه) المضمون عنه، ويرجع إن صدقة المضمون له، لأن إقراره أقوى من البينة مع إنكاره، فإن أشهد رجلًا وامرأتين رجع، وكذلك في شاهد (واحد) يحلف معه.
[ ٢ / ٨١٨ ]
وبالجملة: فكل ما أثبت الوفاء أثبت الرجوع.
الباب الثالث: في حمالة الجماعة بعضهم عن بعض وتراجعهم.
ومقصوده: (بيان) رجوع بعضهم على بعض.
وعقده: أن من غرم ثم لقي غيره أخذه بحصته من الدين، ثم أخذ منه شطر ما بقي على من بقي، إذ هو شريكه في الحمالة عنه، ثم إن لقي الثاني ثالثًا أخذه بما ينوبه مما بقي من الدين، ثم بنصف ما بقي بعد ذلك لشركته له في الحمالة عمن بقي، وحيث لقي أحدهم من ساواه في الغرم بالدين والحمالة لم يأخذ منه شيئًا، وإن كان أدى بالحمالة أكثر مما إذا رجع عليه بنصف الزائد. وهكذا أبدًا حتى يستووا في الغرم.
ولنمثل بمسألة الكتاب وهي: إذا اشترى ستة نفر سلعة بستمائة درهم، على أن بعضهم حميل عن بعض، وشرط أن يأخذ منهم من شاء بجميع حقه، فلقي البائع أحد الستة فأخذه منه جميع المال، ثم لقي الغارم أحد الخمسة الباقين أخذه بنصيبه من الدين، وهو مائة، وبنصيبه من الحمالة بما بقي بعد حصتهما (وهو) أربعمائة، وذلك مائتان إذ هي بينهما، فإن لقي أحدهما ثالثًا أخذه بما أدى عنه، وهو ما يخصه من المائتين اللتين أداهما بالحمالة وذلك خمسون، ثم يأخذ بنصف المائة والخمسين الباقية لأنهما حميلان بها، ثم إن لقي الثالث رابعًا أخذه بالخمسة والعشرين التي أداها عنه بالحمالة، ثم بنصف الخمسين الباقية لأنهما حميلان بها، فإن لقي الرابع خامسًا أخذه باثني عشر درهمًا ونصف درهم، وهي التي أدى عنه بالحمالة، ثم يأخذ منه نصف ما بقي، وهو اثنا عشر درهمًا ونصف لأنهما حميلان بها، فإن لقي الخامس السادس أخذه بستة وربع، وهي التي أدى عنه بالحمالة، فإن لقي الأول هذا السادس أخذه بخمسين وهي التي تنوبه، لأن الباقي له مائتان على أربعة، هذا أحدهم، ثم أخذه بنصف ما بقي على الثلاثة، إذ هو (شريكه) في الحمالة عنهم، ثم على هذا السبيل يجري الحكم في لقاء بعضهم لبعض.
[ ٢ / ٨١٩ ]