وفيه ثلاثة أبواب:
الباب الأول: في أركان صحته، وهي خمسة:
الأول: رأس المال. وشروطه أربعة: وهي أن يكون نقدًا، معينًا، معلومًا، مسلمًا.
احترزنا بالنقد عن العروض (وعن النقرة) (التي) ليست مضروبة، على إحدى الروايتين، إذا كان التعامل بالمسكوك. فأما لو كان التعامل بها لجاز بها القراض قولًا واحدًا. حكى ذلك أبو الحسن اللخمي.
[ ٣ / ٨٩٨ ]
فإن عمل بثمن العرض فله أجر مثله في بيعه، وقراض مثله في العمل بثمنه. ولا يجوز بالفلوس عند ابن القاسم. وأجازه أشهب في إحدى الروايتين عنه. ولا بالدراهم المغشوشة، قاله القاضي أبو محمد.
واستثنى القاضي أبو الوليد المسكوك منها في بلد يكون التعامل فيه بها، واستشهد بأنها صارت هناك أصول الأثمان وقيم المتلفات.
[قال] وقد اتفق الأصحاب على تعلق الزكاة بعينها، وذلك يدل على إعطائها حكم العين لا حكم العرض.
والضابط لهذا الحكم: أن كل ما تختلف قيمته بالارتفاع والانخفاض لا يجعل رأس مال، لأنه إذا رد بالأجرة إليه لم يتميز الربح، إذ ربما ارتفعت قيمته فيستغرق رأس المال جميع الربح أو بضعه، أو تنقص قيمته فيصير بعض رأس المال ربحًا.
واحترزنا بالمعلوم عن القراض على صرة دراهم أو دنانير، فإن الجهل برأس المال يؤدي إلى الجهل بالربح، واحترزنا بالمعين عن القراض على دين في الذمة.
أما لو كان له ألف وديعة في يده فقارضه عليه لكره ابتداء، فإن نزل مضى. ولو كان.
[ ٣ / ٨٩٩ ]
عليه دينًا في ذمته لم يجز كما تقدم. وكذلك لو أحضره حتى يقبضه، فإن نزل فليس له إلا رأس ماله. وروي عن أشهب: إن نزل مضى. وكذلك لو كانت الدنانير عنده رهنًا لم يجز أن يقارضه بها حتى يردها.
وكذلك لو كانت تحت يد أمين، لم يقارض بها (إلا من) حين يردها إلى ربها.
وأردنا بالمسلم أن يكون في يد العامل، فلو شرط المالك أن تكون له يد، أو يراجع في التصرف، أو يراجع وكيله، فسد القراض، لأنه تضييق للتجارة.
ولو شرط أن يعمل معه غلام المالك، على أيكون للغلام نصيب من الربح جاز. وقال أشهب: لا يجوز.
فرع: لو دفع له مالين على جزء متفق، أو جزءين مختلفين جاز، إن كان على أن يخلطهما، لأنه يؤول إلى جزء معلوم؛ وإن كان على أن لا يخالطهما لم يجز مع اختلاف الجزءين. (وإن) كانا بجزء متفق، فأجازه محمد، ومنعه ابن حبيب. قال: فإن نزل كان أجيرًا.
ويستوي فيما ذكرناه دفعهما معًا أو متعاقبين، إذا دفع الثاني (قبل) (شغل الأول، ولو) شغل الأول لجاز، كان الجزء متفقًا أو مختلفًا. وروى في كتاب محمد في المختلف: لا يعجبني ذلك. ولا يجوز أخذ الثاني على الخلط بعد الشغل، كان الجزء متفقًا أو مختلفًا.
ولو لم يشترط الخلط لجاز، ولا يكون على الخلط حتى يشترطه.
ولو نض الأول وفيه خسارة أو ربح لم يجز عند ابن القاسم أن يأخذ منه قراضًا بحال، لا على الخلط ولا على الانفراد، كان الجزء متفقًا أو مختلفًا. وأجازه غيره بثلاثة شروط: وجود الربح، وموافقة الجزء، وعدم الخلط.
الركن الثاني: في العمل.
وهو عوض الربح. وشروطه ثلاثة: وهي أن تكون تجارة غير مضيقة بالتعيين أو التأقيب. احترزنا بالتجارة عن الطبخ والخبر والحرف، فإن عقد القراض على أن يعمل العامل بيده
[ ٣ / ٩٠٠ ]
في السلع كصياغة الفضة، أو خرز الجلود (خفافًا)، أو (نحوها)، فذلك فاسد، والتجارة هي الاسترباح بالبيع والشراء، لا بالحرفة والصناعة.
ثم لو عين صنفًا من الخز خاصًا، أو نوعًا من البز كذلك، أو عين شخصًا للمعاملة فهو فاسد لأنه تضييق.
ولو عين جنس البرز، أو غيره من الأجناس الكثيرة الوجود جاز لاعتياده. ولو ضيق بالتأقيب إلى سنة مثلًا ومنع من التصرف بعدها فهو فاسد، مثل أن يقول: قارضتك سنة.
الركن الثالث: الربح.
وشرطه أن يكون معلومًا بالجزئية، لا بالتقدير، احترازنا عما إذا قال: لك من الربح ما شرطه فلان لفلان. ولا يلزم تخصيصه بالعاقدين، بل ول شرطا جزءًا من الربح للمساكين لجاز. ولا يشترط اشتراكه، بل لو شرط الربح كله للعامل، ولا ضمان عليه في المال، أو لرب المال، جاز.
ولو قال: على أن لك في الربح شركًا، ولم يقل: نصفًا ولا غيره؛ فإن كانت لهم عادة أن يكون على النصف أو على الثلث فهو على ما اعتادوه؛ وإن لم تكن لهم عادة مخصوصة، فقال ابن القاسم: "يكون على قراض مثله. وقال غيره: يكون له النصف".
واحترزنا بالجزئية عما إذا قال: لك من الربح مائة أو درهم، فلا يصح، لأنه ربما لا يزيد الربح على ما ذكر.
وكذلك لو قال: لك درهم أو لي درهم من الجملة والباقي بيننا، فكل ذلك فاسد، إذ ربما لا يكون الربح إلا ذلك القدر.
فأما لو قال: على أن يكون لي دينار من كل عشرة من الربح، والباقي بيننا، على جزء يسميه، لصح، إذ مآله إلى الجزء، لأنه يؤول في قوله: والباقي بيننا نصفان إلى خمسة أجزاء ونصف له، وللآخر أربعة ونصف.
ولو قال: على أن النصف لك وسكت عن نائب نفسه صح. وكذلك لو قال: على أن النصف لي، إذا فهم أن النصف الآخر للجانب الآخر.
[ ٣ / ٩٠١ ]
الركن الرابع والخامس: العاقدان.
ولا يشترط فيهما إلا ما يشترط في الوكيل والموكل. نعم لو قارض العامل غيره بغير إذن رب المال كان متعديًا.
ولو تعدد العامل واتحد المالك، أو بالعكس فلا حرج، غير أنه يشترط في تعدد العامل توزيع الربح بينهم على قدر أعمالهم.
فإن قيل: لو فسد القراض وفات فما المستحق به؟ قلنا: اختلف في ذلك على ثلاث روايات:
(روى ابن عبد الحكم: أنه يرد إلى قراض المثل. وقال به أشهب وابن الماجشون. ورأى القاضي أبو محمد: "أنه الظاهر. وذكر هو أنه روى عن مالك: رد جميع ما فسد من القراض إلى أجرة المثل". وروى أن منه ما يرد إلى قراض المثل، ومنه ما يرد إلى أجرة المثل. حكاها ابن حبيب عنه، وقال بها ابن القاسم وابن عبد الحكم وابن نافع ومطرف وأصبغ).
ثم اختلف في تفصيل ذلك وتعيينه على طرائق.
الأولى: ما قاله ابن القاسم، وهو أن كل ما اشترط رب المال فيه على العامل أمرًا قصره به على نظره، أو شرطه فيه زيادة خالصة لنفسه، أو شرطها العامل كذلك فهو مردود إلى أجرة المثل، وما سوى ذلك كأخذه المال على الضمان أو إلى أجل وشبه ذلك فهو مردود إلى قراض المثل.
الطريقة الثانية:؛ ما حكاه محمد بن حارث: أن كل قراض فسد في أصله لزيادة لا تحل، أو لتحظير لا ينبغي، فحكم العامل فيه أن يكون أجيرًا، وما سوى ذلك فمردود إلى قراض المثل حاشا مسألتين: إحداهما: إذا اشترط الضمان على العامل، والأخرى: إذا اشترط على العامل أن يمسك المال مدة معينة فقط كسنة أو غيرها، فإنه يرد في هاتين المسألتين إلى إقراض مثله.
الطريقة الثالثة: ما ذكره أبو محمد عبد الحق. قال: "الأصل في ذلك أن كل زيادة أو
[ ٣ / ٩٠٢ ]
منفعة شرطها أحد (المتقارضين) هي للمال داخلة فيه ليست خارجة عنه ولا خالصة لمشترطها فو يرد إلى قراض [مثله]، وكل زيادة أو منفعة شرطها أحدهما لنفسه خارجة عن المال وخالصة لمشترطها فهو يرد إلى أجرة مثله؛ وكل خطر وغرر تعاملا عليه خرجا به عن سنة القراض الجائز؛ فهو يرد إلى أجرة مثله".
وروى محمد العامل يشترط عليه الضمان: أن له الأقل من قراض المثل أو مما سمي من الربح.
فرع: (والفرق بين قراض المثل وأجرة المثل أن المستحق بقراض المثل متعلق بربح المال، (وإن لم يكن في المال ربح) فلا شيء له؛ والمستحق بأجرة المثل متعلق بذمة المال، ربح المال أو خسر.
هذا قول أصحابنا إلا ابن حبيب، فإنه قال: له أجرة مثله من الربح، فإن لم يكن في المال ربح فلا شيئي له كالأول).
قال القاضي أبو محمد: "ومن أصحابنا من يجعل قراض المثل مع الربح وعدمه، ويفرق بينهما بأن يجعل حظ العامل بقدر ما يساوي عمله مما رضيه عوضًا لو صح العقد فيكون له بقيمة ذلك".
وسبب الخلاف: في إيجاب قراض المثل وأجرة المثل: الالتفات إلى أصل مختلف فيه في المذهب، وهو أن كل عقد مستثنى عن أصل إذا فسد: هل يرد إلى صحيح (العقد) المستثنى، أو إلى صحيح الأصل المستثنى عنه؟ والخلاف فيه مشهور.
وأما التفصيل فقال القاضي أبو محمد: "تفصيل ابن القاسم استحسان وليس بقياس".
قال: "ووجه (ما رواه محمد) أن قراض المثل إن كان الأقل فقد رضي به العامل، لأنه إذا رضى أن يعمل على أن يكون عوضه على العمل من الربح على الفساد بما ذكر، فقد رضي أن يكون في ما صح بحسابه، إن كان المسمى الأقل فليس له زيادة عليه".
[ ٣ / ٩٠٣ ]
وأما طريقة ابن الحارث وعبد الحق فمستند كل واحد منهما النظر إلى صورة الفساد، فإن أبعدت العقد عن معنى القراض كثيرًا رجع الأمر فيه إلى أنها إجارة وألغى قصدهم (للقراض)؛ (وإن) لم تبعده (عنه) كبير إبعاد، بل كان الخروج عن معنى القراض قريبًا رد إلى قراض مثله.
ثم اختلافهما في الصورة التي (نصا) عليها راجع إلى الاختلاف في الشهادة.
الباب الثاني: في حكم القراض الصحيح، وله خمسة أحكام:
الأول: أن العامل كالوكيل في تنفيذ تصرفه بالنقد، فلا يبيع بالنسيئة إلا بإذن، فإن فعل ضمن الخسارة، ولم يستبد بالريح، بل كان بينهما على شرطهما. ولا يشتري بالنسيئة وإن أذن له فيه، لكن يبيع بالعرض كما يبتاعه.
وله الرد بالعيب وإن أبى ذلك المالك لتعلق حقه به، إلا أن يكون ثمنه جملة المال فاللمالك أن يمضي البيع ويقبله بجملة ماله وإن أبي العامل. ولا يشتري العامل من المالك للقراض خشية أن يتذرع بذلك إلى القراض بالسلع.
ولا يشتري للقراض بأكثر من رأس المال، فإن اشترى لم يقع القراض، وانصرف إليه هو.
فروع: الأول: إذا اشترى العامل بمال القراض من يعتق على رب المال، فإن كان عالمًا موسرًا عتق، وكان ولاؤه لرب المال، وعلى العامل له غرم ثمنه. وإن كان علامًا معسرًا بيع منه بقدر رأس المال وحصة ربحه، وعتق على العامل ما بقي منه. قال سحنون: هذا أحسن ما جاء في ذلك من الاختلاف.
وإن كان غير عالم عتق على رب المال ولا غرم على العامل، بل يرجع العامل عليه بما يخصه فيه من فضله إن كان.
الفرع الثاني: إذا اشترى العامل بمال القراض من يعتق عليه ولا ربح في المال لم يعتق عليه، كان موسرًا أو معسرًا. ولو كان موسرًا وفي المال فضل لعتق عليه بقيمته إن كان غير عالم، وبالأكثر من قيمته أو ثمنه إن عالمًا.
[ ٣ / ٩٠٤ ]
وقال المغيرة: يعتق قدر حظه منه، ويقوم عليه حظ رب المال يوم الحكم خلاف قول ابن القاسم.
قال في الكتاب: "وإن كان موسرًا وقد علم، رأيت أن يعتق عليه، ويدفع إلى رب المال رأس ماله وربحه".
قال الشيخ أبو محمد: "يريد إن كان فيه فضل. وإن كان معسرًا وفي المال فضل، عتق عليه منه مقدار ما خصه منه فقط".
الفرع الثالث: إذا اشترى العامل بمال القراض أمة فوطئها فحملت، فإن كان مليًا كانت أم (ولد)، ولا فرق بين أن يبتاعها لنفسه بمال القراض على وجه الاستسلاف له، وبين أن تكون بيده لمال القراض فيطأها، [قاله] ابن حبيب. ثم اختلف أصحابنا فيالواجب عليه في مقابلتها. ففي كتاب محمد: قيمتها يوم الوطء. وقال ابن حبيب: الأكثر من ثمنها أو قيمتها يوم الوطء. وقال محمد: "الأكثر من الثمن أو قيمتها يوم الوء أو يوم حملت.
وأما إن كان معدومًا، فإن كانت مشتراة للقراض كان رب المال بالخيار بين أن يضمنه إياها بقيمتها يوم الوطء في ذمته، وليس له من قيمة الولد، ولا مما نقصها الوطء شيء، وبين أن يبتاع جميعها إن لم يكن في المال ربح، فإن كان فيه ربح بيع بقدر رأس المال وحصة ربه من الربح وبقي ما يخصه هو من الربح بحساب أم ولد على الخلاف في ذلك. ولو نقص ثمن ما بيع منها على قيمتها يوم الوطء لأتبعه بذلك النقصان مع نصيبه من قيمة الولد، وإن شاء تماسك بنصيبه منها، وأتبعه بما يصيبه من قيمة الولد. قاله عيسى.
قال القاضي أبو الوليد:"وهذا على ما اختاره ابن القاسم. وأما على ما اختاره أشهب، فإن من ضمن قيمة أمة بالوطء من شريك أو مقارض فإنه لا شيء عليه من قيمة ولدها".
وإن كان اشتراها للوطء من فحملت، فقال ابن القاسم: "تكون له أم ولد، ويبتع بالثمن أو
[ ٣ / ٩٠٥ ]
بالقيمة، على اختلاف في ذلك عنه. وقال مالك: تباع".
قال الشيخ أبو الوليد: "هذا إن لم يكن فيها فضل، فإن كان فيها فضل فعلى ما تقدم من الاختلاف".
ثم قال: "والذي عندي أن الخلاف في بيعها بعد حملها إنما هو محمول على ما إذا شككنا هل اشتراها للمال أو للوطء". قال: "فأما لو قامت بينة بشرائه إياها للوطء لا للقراض لوجب ألا تباع، قولًا واحدًا".
(ولو وطئها العامل فلم تحمل، فإن كان مليًا قرب المال بالخيار بين أن يضمنه قيمتها يوم الوطء، أو يلزمه إياها بالثمن)؛ (وإن كان معسرصا بيعت فيما لزمه من قيمة أو ثمن).
الحكم الثاني: أن عامل القراض إذا تعدى، فإن قارض عاملًا آخر بغير إذن المالك، (ثم) كان في المال ربح، فإن [اتفق] الجزءان فالربح بين رب المال والعامل الثاني، ولا شيء للأول؛ وإن اختلفا، فكان الأول أكثر، فالزائد للمالك، وإن كان أقل، فلرب المال شرطه، ويرجع العامل الثاني على العامل الأول. وقيل: للعامل الثاني حصته كاملة، ويرجع رب المال على العامل الأول بباقي حصته.
فرع: لو هلك بعض المال بيد العامل الأول، ثم دفع ما بقي لمن عمل فيه فزاد المال فربحه على ما كان، لأخذ المالك رأس ماله بكماله وحصته مما يزيد عليه.
وقيل: يكون رأس ماله ما قبضه العامل الثاني، ويأخذ حصته من الربح، ويرجع بباقي ما كان يخصه لو قاسم على رأس (ماله) على العامل الأول.
الحكم الثالث: للعامل أن يسافر بمال القراض، إلا أن يحجر عليه، وقال ابن حبيب: السنة ألا يخرج [بالمال]، إلا أن يأذن له صاحبه، فإن سافر به بعد التحجير كان ضامنًا، وله قسطه من الربح.
[ ٣ / ٩٠٦ ]
وإذا سافر بالإذن، أو بمقتضى إطلاق العقد من غير تحجير، فأجرة النقل على مال القراض، وليس على العامل إلا التجارة، وما جرت العادة بفعل مثله له من النشر والطي ونقل الشيء الخفيف. فإن استأجر على ما هو عليه فعليه الأجرة.
ونفقته في الحضر على نفسه، وله في السفر نفقته بالمعروف ذاهبًا وراجعًا بالمال.
قال ابن القاسم: "وله أن يكتسي منه في بعيد السفر، ولا يكتسي في قريبه، إلا أن يقيم إقامة يحتاج فيها إلى الكسوة".
وقال ابن حبيب: من قول مالك إنه ينفق في قريب السفر في ركوبه وطعامه ولا يكتسي إلا في بَعِيِيدِه، وذلك كله في كثير المال، في فأما إن كان المال قليلًا فلا نفقة له، ولا كسوة، ولا ركوب. قال محمد: "وقيل في خمسين دينارًا كثير".
قال ابن القاسم: "وله أن يؤاجر من يخدمه في سفره إن كان المال كثيرًا، وكان مثله لا يخدم نفسه".
ولو قارضه على أن يتجر بالفسطاط وليست ببلده، فلينفق في مقامه، لأن المال حبسه بها إلا أن يوطنها، أو ينتقل لسكانها فلا ينفق وإن لم يكن له بها أهل.
ثم النفقة ملغاة من الفضل، ويقتسمان الباقي على شرطهما، (ولو) لم يحصل ربح لكانت من رأس المال، وهي في ذلك كله كنفقات المال.
[ ٣ / ٩٠٧ ]
لو كان معه مال آخر، له أو لغيره، فخلطهما، توزعت النفقة على المالين؛ وكذلك ما زاد عليهما، ولا يكون متعديًا بالخلط.
الحكم الرابع: في (ملك) العامل للربح.
والمشهور من المذهب: أنه لا يملكه بمجرد الظهور، بل يقف ملكه له على المقاسمة، إلا أن له حقًا مؤكدًا، حتى لو مات لورث عنه.
ولو أتلف المالك أو الأجنبي المال غرم حصته، ولو كان في المال جارية لم يجز للمالك وطؤها لحقه.
وقيل: إن العامل يملك الربح بمجرد الظهور، لكن هو ملك غير مستقر، إذ هو وقاية (لرأس المال عن) الخسران، فلو وقع خسران لانحصر في الربح إلى أن يتجاوزه، بل لا يستقر إلا بالقسمة.
الحكم الخامس: إن مال القراض إذا نقص بتلف أو وضيعة، وتمادى العامل (على العمل) بقيته، جبر رأس المال من الربح، ولو تكرر العمل والإنضاض، ما لم يحضر العامل بقية المال إلى ربه ويفاصله، ويقبضه منه، ثم يعيده إليه، فيكون رأس المال ما قبضه ثانيًا.
"وقال ابن حبيب: لو لقي العامل رب المال (فأعلمه بنقص المال)، وسأله أن يسقط ذلك عنه من رأس المال، فقال: اعمل بما في يديك فقد أسقطت ذلك عنك، لكان قراضًا مؤتنفًا، لأنها محاسبة واستئناف للقراض، حضر المال أو لم يحضر، قبض منه أو لم يقبض.
قال: وكذلك لو ربح فاقتسما الربح وتحاسبا، ثم قال له: اعمل بما في يديك، لكان قراضًا مؤتنفًا وإن لم يقبض منه المال. قال: وهو قول ربيعة ومالك والليث ومطرف وابن الماجشون. وجماعة من لقيته من أصحاب مالك، إلا ابن القاسم فإنه يقول: هما على القراض الأول أبدًا وإن تحاسبا وأحضر المال ما لم يقبضه ثم يدفعه إليه قراضًا مؤتنفًا.
قال عبد الملك: وإذا لم يكن على ما فسرت لك، وإنما لقيه فأخبره بما نقص على حال (الإخبار)، ولم يوقفه على إسقاط ذلك عنه، فهما على القراض الأول.
قال: وكذلك إذا كانا يقتسمان الربح على غير المحاسبة ولا اعتقاد مفاصلة، جبر المال
[ ٣ / ٩٠٨ ]
بالربح الذي اقتسما إن كان فيه نقصان". وروى ابن وهب مثل رواية ابن حبيب.
فروع متتالية: إذا سلم إليه (ألفين)، فتلفا بعد الشراء وقبل النقد، فإن أخلفهما كان رأس المال ما (أخلفه) خاصة، وإن لم (يخلف) كانت السلعة على ملك العامل. وقال المغيرة: يجبر رب المال على أن (يخلفهما). ولو تلف أحدهما قبل أن يشتري به شيءا، ثم عمل في بقية المال فرأس المال ألفان، (ولو) اشترى بألفين فتلف أحدهما قبل النقد فإن عوض عن التالف فرأس المال ثلاثة آلاف، وإن أبي عوض العامل وكان شريكًا بالنصف.
ولو تسلف العامل نصف المال أو (أكله) فالنصف الباقي رأس المال، وربحه على ما شرطا، وعلى العامل غرم النصف فقط، ولا ربح لذلك النصف.
ولو ربح في مائة مائة، فأنفق مائة تعديًا، تم تجر بمائة فربح مالًا، فمائة في ضمانه، وما ربح أولًا وآخرًا فبينهما. ولو ضاع ذلك ولم يبق إلا المائة التى في ذمته ضمنها لرب المال ولا تعد ربحًا، إذ لا ربح بعد رأس المال.
وإن اشترى بمال القراض وهو مائة دينار عبدًا يساوي مائتين، فجني عليه رب المال جناية نقصته مائة وخمسين، ثم بيع بخمسين فعمل فيها فربح مالًا، أو وضع، لم يكن ذلك من رب المال قبضًا لرأس ماله ولربحه، حتى يحاسبه ويفاصله ويحسب عليه، فإذا فعل فذلك دين على رب المال (مضافًا إلى هذا المال)
الباب الثالث: في التفاسخ والتنازع، وفيه فصلان:
الفصل الأول: في التفاسخ
والقراض جائز ينفسخ بفسخ أحدهما قبل الشغل. فإذا عمل وشغل المال لم يكن للعامل أن يرده حتى ينض، ولا لربه أخذه قبل (انضاضه). قال ابن القاسم: "ولرب المال رد المال ما لم يعمل به أو يظعن به.
[ ٣ / ٩٠٩ ]
قال محمد: ولو اشترى مثل الزاد والسفرة لسفره، فإن رضي رب المال (بأخذ) ذلك فذلك له.
قال ابن القاسم: "وليس له أن يقول بعد ظعنه: ارجع فأنا أنفق عليك. فإن شغل المال في سلع، فطلبه المالك بالانضاض، نظر السلطان، فإن كان تأجيرها نظرًا وإلا أمر العامل بإنضاضها، واقتسما ربحها إن كان فيها".
ولو مات العامل، قيل لروثته: تقاضوا وبيعوا السلع؛ فإن لم يؤمنوا أتوا بأمين، وكانوا على سهم (موروثهم). بخلاف موت المستأجر المعين، لأن ذلك لورثته من عمله بحساب ما عمل، بخلاف ورثة العامل، فإنهم لا شيء لهم إلا بتمام العمل. فإن (لم) يأتوا بأمين سلموا ذلك لربه ولم يكن لهم من الربح شيء. ولو كان الوارث مولى عليه نظر وليه، فإن رأى في الاستئجار عنه فائدة استأجر عنه وإلا ترك.
وكذلك في موت العاملين يقوم ورثتهما مقامهما على حسب ما ذكرناه في العامل الواحد.
ولو مات أحد العاملين لقام ورثته مع العامل الآخر، إذا كان الشراء قبل موت موروثهم. وأما إذا مات المالك فإن العامل يبقى على قراضه، فإن أراد الورثة أخذه فذلك لهم إن كان المال عينًا، وليس ذلك لهم إن كان في سلع، وهم كوليهم سوءا.
وإذا كان المال عينًا عند موت ربه لم ينبغ للعامل تحريكه بعد موته، فإن حركة (قبل علمه) بموته مضى على القراض حتى ينض، ولم يرد قبل الانضاض.
وزمن هلك وقبله قراض أو ودائع ولم توجد، فذلك في ماله، ويحاص بذلك غرماؤه.
ولو أقر بقراض بعينه أو وديعة بعينها في مرضه، فمن أقر له أحق بما عين جميع الغرما، كانت ديونهم ببينة أو بإقرار، في الصحة أو في المرض.
الفصل الثاني: في التنازع
وإذا تنازعا في ضاع المال أو خسارته فالقول قول العامل، لأنه أمين؛ وفي إلزامه اليمين عند طلب رب المال لها الخلاف الجاري في أيمان التهم.
وكذلك لو ادعى رده، وكان قبضه بغير بينة، لكان القول قوله أيضًا، ولو كان بالبينة لم
[ ٣ / ٩١٠ ]
يقبل قوله إلا ببينة. وقيل: يقبل قوله بغير بينة، (وإن قبضه بالبينة)، إلا أن اليمين في دعوى الرد متوجهة عليه لا محالة إن طلبها رب المال لأنه يدعي عليه التحقيق لا بمجرد التهمة.
وإن اختلفا في قدر الجزء قبل الشغل، فإما عمل العامل على ما قال رب المال، وإلا رده، فإن كان بعد الشغل كان القول قول العامل إذا أتى بما يشبه وكان المال في يديه؛ فإن كان أسلمه ل ربه ليستوفى رأس ماله ونصيبه من الربح، كان القول قول رب المال، وإن أسلمه إليه ليبقى موقوفًا حتى يسلم رأس المال ثم يقتسمان الربح كان القول قول العامل.
وإن اختلفا في الوجه الذي قبض المال عليه فقال رب المال: بضاعة بغير أجرة، وقال العامل: قراضًا على النصف، فالقول قول رب المال إذا كان مثل المبضع معه لا يستعمل نفسه في القراض، أو كانت البضاعة مما لا يدفع مثلها قراضًا ليسارتها.
فإن كانت مما تشبه أن (تدفع) قراضًا، وكانت الإجازة أقل من نصف الربح، فالقول قول صاحب المال مع يمينه، وقال (محمد): يحلفان جميعًا، ويعطي العامل إجازة مثله.
وإن قال العامل: بضاعة بأجر، وقال صاحب المال: قراضًا، كان القول قول العامل مع يمينه.
ولو قال العامل: قراضًا، وقال رب المال: بضاعة بأجر، فإن استوى الأجر المدعى والحاصل من الجزء المذكور فلا يمين، وقد اتفقا في المعنى ولا يضر اختلافهما في اللفظ؛ وإن كانت الأجرة أقل من نصف الربح حلف العامل وحده وأخذ النصف إذا كان مما يشبه القراض عليه. فإن نكل حلف الآخر ودفع الأجرة.
وإن قال صاحب المال: وديعة، وقال العامل: قراضًا، وقد ضاع المال، فإن ادعى ضياعه قبل أن يحركه لتجارة كانت مصيبته من ربه، لأنهما متفقان أنه كان أمانة؛ وإن تجر فيه فالقول قول صاحبه أنه لم يأذن له في التجر به، ويضمنه. وإن قال أخذ المال: هو في يدي قراض، أو وديعة، فقال ربه: بل أسلفتكه؛ فالقول قول رب المال مع يمينه. وإن قال ربه: قراض قراض، وقال العامل: قرض؛ قال محمد: أو وديعة، صدق العامل لأن ربه مدع للربح.
ولو قال العامل: رأس مال القراض ألف، وقال ربه: ألفان؛ صدق العامل لأنه أمين، ولأن الأصل عدم القبض.
ولو قال العامل: أنفقت في سفري من مالي كذا؛ صدق، ربح أو خسر، ويرجع به في
[ ٣ / ٩١١ ]
المال إذا أشبه ذلك نفقة مثله، وكان قبل المقاسمة، ولا يقبل بعدها.
ولو خسر العامل في البز، فادعى رب المال أنه نهاه عنه فتعدى، فالقول قول العامل أنه لم ينهه.
ولو اختلفا في الصحة والفساد لكان القول قول مدعي الحلال منهما فيما يشبه على أصل المذهب، ويجري فيها قول أبي محمد عبد الحميد.
[ ٣ / ٩١٢ ]