وفيه مقدمة وثلاثة أبواب:
المقدمة: في ما يبيح اللعان، ونفي النسب، فنقول: الزوج كالأجنبي في القذف، إلا في أمور:
منها: أنه قد يباح له ذلك، وقد يجب عليه لضرورة دفع النسب.
ومنها: دفع العقوبة عن نفسه باللعان.
ومنها: إيجاب عقوبة الزنى على المرأة.
قال القاضي أبو بكر: «ولا يمنعه من ذلك وجدان البينة، ولفظ الآية خارج مخرج الغالب، بل مخرج المعتاد، (فإنه) لم يحد أحد في الإسلام ببينة، ولا يحد في وطء أبدًا، لما أراد الله من الستر على الخلق حتى يحكم فيه بحكمه. فذلك من قول الله تعالى صفة للحال، لا شرط في الحكم».
ثم للمرأة الدفع بلعانها. ويباح للزوج القذف إذا استيقن أنها زنت في نكاحه، وإن لم يكن ثم ولد (للتشفي) إذا ادعى الرؤية، فإن اقتصر على مجرد القذف من غير دعوى الرؤية، فروي أنه يلاعن، وروي أنه لا يلاعن، ويحد [للقذف]، وعليه أكثر الرواة.
أما نفي الولد باللعان، فيصبح إذا قال: لم أصبها منذ كذا، لأمد لا يلحق فيه الولد، أو
[ ٢ / ٥٦٣ ]
لم أصبها بعدما وضعت ولدًا كان قبل هذا، مما يعلم أنه بطن ثان، أو يقول: ليس ولدي، أو لم تلديه، أو يجمع بين الاستبراء والرؤية في دعواه، وتأتي به لستة أشهر فصاعدًا بعد الرؤية.
ورأى أبو القاسم السيوري: أنه ليس له نفيه بذلك. وذكر الداودي عن المغيره مثله.
وإذا فرعنا على المشهور فتكفي حيضة واحدة. وقال عبد الملك: ثلاث حيض، ورواه.
فأما لو اقتصر على أحد الأمرين، الاستبراء أو الرؤية، إذا أتت به لستة أشهر فأكثر بعد الرؤية، ففي صحة النفي بذلك روايتان.
واختلف أيضًا، وإن كانت حين الرؤية ظاهرة الحمل، أو لم تكن ظاهرته، وأتت به لأقل من ستة أشهر منها، هل يكتفي بادعاء الرؤية وإن لم يدع الاستبراء أم لا؟
ولو كان يعزل عنها، لم يعول في النفي على العزل.
ولا يجوز النفي بمجرد مشابهة الولد لغيره في الخلق والقبح. ولو كان الأبوان في غاية البياض، والولد في غاية السواد، أو بالعكس، لم يجز النفي بذلك.
وإذا نكح المشرقي مغربية، وأتت بولد لستة أشهر، فلا حاجة إلى اللعان فإنه لا يلحقه إذ لا إمكان. ولو أتت بالولد لزمان الإمكان، ولكن رآها تزني، وأراد اللعان دون نفي الولد فله ذلك.
الباب الأول: في أركان اللعان، وهي أربعة:
القذف، والأهل، واللفظ، والثمرة
الركن الأول: القذف، وهو نسبتها إلى وطء حرام في القبل أو الدبر، فلو نسبها إلى زنى وهي مستكرهة فيه، التعن هو لنفي الولد، ولم تلتعن هي إذا ثبت الغصب، إذ يمكن أن يكون منه. ويشترط أن لا يطأها بعد الرؤية وأن يقول في القذف واللعان: رأيها تزني، على إحدى الروايتين. وكذلك يقول استبرأتها في نفي الولد. وروي أن ذلك لا يشترط فيهما.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
ثم اختلف الرواية في اشتراط ذكر الصفة على رواية اشتراط الرؤية.
الركن الثاني: الملاعن، وله شرطان
أحدهما: أهلية اليمين، فتصح من كل مكلفين، وإن كانا مملوكين، أو فاسقين، أو أحدهما، ويستثني الكافر.
غير أن الذمية تلاعن (لتدفع) العار عنها، وينقطع النكاح بلعانها، فإن أبت فهما على الزوجية، وترد إلى أهل دينها بعد العقوبة، لأجل خيانة زوجها في فراشه، وإدخالها الإلباس في نسبه.
الشرط الثاني: الزوجية، فلا لعان للأجنبي، نعم يلتحق بصحيح النكاح فاسدة. قال في كتاب محمد: وكل نكاح يلحق فيه الولد ففيه اللعان وإن فسخ. والطلاق الرجعي لا يمنع اللعان قبل الرجعة. وإن قذفها ثم أبانها لاعن لدفع النسب إن كان، وإلا (فيلاعن) لدفع الحد. وإن قذف بعد البينونة لاعن إن كان ولد، وإلا فلا، ويحد. وإن قذفها في عدتها من الطلاق البائن بالرؤية لاعن، وإن لم يكن بها حمل. وقال ابن المواز وسحنون: يحد و(لا) يلاعن. وإن قذفها في النكاح لم يلاعن وحد.
فروع: لو لاعن ثم أبانها فقذفها بتلك الزنية فلا حد ولا لعان. وفي الكتاب عن ربيعة: «يحد لها».
وإن قذفها بزنية أخرى، فإن كانت لم تلاعن وحدت، لم يجب الحد لسقوط حصانتها بتلك الزنية بموجب لعانه، وإن لاعنت وجب الحد إذ بقيت حصانتها بلعانها.
وإن كان القذف من أجنبي، فإيجاب الحد أولى، لأن أثر لعان الزوج لا يتعدى إلى غيره.
الثاني: إذا قذف أجنبية، ثم نكحها وقذفها فلاعن، اندفع الحد الثاني. أما الأول فيستوفي، لأن اللعان لا مدخل له في قذف متقدم على الزوجية، لأنه في حالة لا يلحق فيها نسب.
الثالث: لا (ينتفي) نسب ملك اليمين باللعان، (فو اشترى زوجته، ثم ظهر بها حمل،
[ ٢ / ٥٦٥ ]
فإن علم أنها كانت يوم الشراء حاملًا لم ينفه إلا بلعان، إلا أن يكون وطئها بعد رؤيته للحمل، فلا ينفيه.
[وإن] لم يعلم أكانت حاملًا يوم الشراء أم لا؟ حتى ظهر الحمل، وأنت به الأقل من ستة أشهر، فالولد للنكاح، ما لم يطأها بعد الشراء.
قال الشيخ أبو محمد: «قوله: لم يطأها بعد الشراء، يريد إذا أتت به لأكثر من ستة أشهر.
وقد روى (ابن سحنون): أنها إذا لم يطأها بعد الشراء بحيضتين قال: ولو وطئها بعد الشراء فلا ينفيه لعان ولا بغيره، استبرأها بعد الوطء، أو لم يستبرئها. إلا أن يدعي أنه استبرأها بعد أن وطئها فهذا ينظر.
فإن ولدته لأقل من ستة أشهر فهو للنكاح، ولا ينفيه إلا بلعان، وإن ولدته لستة أشهر فأكثر، فله نفيه بغير لعان، وإن ادعى استبراء بعد الوطء الذي هو بعد الشراء. وإن لم يدع استبراء فهو منه.
قال ابن المواز: قال ابن عبد الحكم عن مالك فيمن تزوج أمة ثم لاعنها، ثم اشتراها، قال: لا تحل له أبدًا».
الركن الثالث: اللفظ، والنظر في أصله ثم في تغليظاته، وسنته.
أما اللفظ، فأن يقول أربع مرات في الرؤية: أشهد بالله، قال محمد: يزيد: الذي لا إله إلا هو، لرأيتها تزني. ويصف الزنى كما تصفه شهوده. وروي: ليس عليه ذلك.
وفي نفي الجمل: أشده بالله لزنت. فقط ولفظ ابن القاسم عند ابن المواز: ما هذا الحمل مني. ويقول في الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
والمرأة تشهد أربع مرات تقول في الرؤية: أشهد بالله ما رآني أزني. وتقول في الحمل: ما زنيت، وأنه منه.
وتقول المغتصبة إذا التعنت في نفي الولد: أشهد بالله ما زنيت، ولا أطعت.
وتقول في الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ويتعين لفظ الشهادة، فلا (تبدل) بالحلف، ولا لفظ الغصب باللعان. ويجب الترتيب في تأخير اللعان.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
ويصح لعان الأخرس وقذفه إذا كان يعقل الإشارة، أو يفهم الكتابة.
ولو قال بعد انطلاق اللسان: لم أرد ذلك، لم يقبل (منه).
فلو اعتقل لسان الناطق قبل اللعان، وكان ينتظر زواله على قرب أمهل.
فرع: إذا (بدأت) المرأة باللعان، فقال ابن القاسم: لا يعاد عليها بعد لعان الزوج.
وقال أشهب: يعاد. قال أبو القاسم ابن الكاتب: وهو أحسن.
أما التغليظ، فهو بالزمان والمكان والجمع.
أما الزمان فيلتعنان في دبر الصلوات. وقال في كتاب محمد: وأي ساعة شاء الإمام، وعلى إثر المكتوبة أحب إلي.
(وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: كان عندنا بعد العصر، ولم يكن سنة)، وأي ساعة شاء الإمام لاعن، وبعد العصر أحب إلي قال عبد الملك: لا يكون إلا في مقطع الحق بإثر الصلاة. «قال القاضي أبو الوليد: فكأنه جعل ذلك شرطًا كالمكان».
فأما المكان، فأشرف مواضع البلد، وذلك مقطع الحق، وفي حق الذمية الكنيسة والبيعة. والحائض تؤخر بعد لعان الزوج حتى تطهر كالطلاق. والمريض منهما يبعث الإمام إليه عدولًا.
وأما الجمع فهو أن تحضر جماعة لا تنقص عن أربعة. ولا يصح اللعان إلا في مجلس الحاكم. ثم التغليظ بالمكان واجب.
وأما كونه بعد صلاة العصر فغير واجب. وظاهر قول عبد الملك بن الماجشون: الوجوب.
وأما سنته، فإن يخوفا، فيقال للزوج: تب إلى الله ﷿، تجلد ويسقط عنك المأثم.
ويقال للمرأة أيضًا نحو ذلك. ويقال لكل واحد منهما قبل اللعان بالغضب: اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب.
الركن الرابع: الثمرة، وهي نفي النسب، وقطع النكاح، ورفع العقوبة، ودفع عار الكذب.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
ويجوز للزوج اللعان بمجرد نفي النسب، ويجوز (لمجرد) إسقاط العقوبة وإن لم يكن له ولد، سواء كان حدًا أو تعزيرًا.
الباب الثاني: في فروع متفرقة، وهي أربعة:
الأول: إذا قذفها بأجنبي، وذكره في اللعان، فليس على الإمام أن يعلمه. وروي أن ذلك عليه.
فإن علم المقذوف، وقام بالحد، فإنه يحد له. قال سحنون: ويسقط عنه اللعان، لتداخل حدود القذف. وإن لم يذكر معينًا لم يحد.
الثاني: إذا قذف امرأتين بكلمة واحدة، فقامت عليه إحداهما، فقال: كذبت عليك، (فجلد)، ثم قامت الأخرى، فلا حد عليه للتداخل. فلو قال بعد الحد: صدقت عليكما، حد.
وكذلك لو قال للتي قامت أخيرًا: صدقت عليك.
ولو قال للتي حد لها: صدقت عليك، حد لها ثانيًا عند ابن القاسم. وقال محمد بن المواز وغيره: لا يحد لها ثانيًا.
الثالث: إذا ادعت القذف فأنكر، فقامت الحجة على القذف، حد، إلا أن يدعي رؤية، فيلتعن، ويقبل منه بعد جحوده، بخلاف الأجنبي، لأنه يقول: أردت سترًا، وأنا الآن ألتعن.
وغير ابن القاسم لا يقبل ذلك منه.
ولو أنشأ قذفًا آخر فله اللعان. ولو قامت بينة أنه أقر بولد لاعن منه، وهو منكر، لحق به، وحد.
قال محمد: إلا أن يكون اللعان (على) الرؤية مع نفي الحمل، فلا حد عليه لأنه قد بقي لعان الرؤية.
قال أبو القاسم بن محرز: ولو كانت الزوجة الملاعنة في نفي الجمل كتابية، ثم أكذب الملاعن نفسه، واستلحق الولد، ثم قام الولد يطلب الحد لقطع نسبه، لم يحد الأب بذلك إذ لم يقصد قصده، فيكون كمن صرح بقذفه أو قطع نسبه، وإنما رمى أمه، فكان في ذلك بمثابة من عرض لولده بالقذف فإنه لا يحد له لبعده من التهمة في ولده، فلا يقبل في حقه منه، إلا ما كان غير محتمل، كما في قتله. ولو امتنع الزوج عن اللعان، فلما عرض للحد التعن، فله ذلك.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
واختلف في المرأة هل لها أن تلتعن بعد نكولها، أم ليس لها ذلك، ويتعين الحد عليها؟، على قولين للمتأخرين:
(فالأول لأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي علي بن خلدون، وأبي محمد اللوبي، قالوا: ولا يكون نكولها عن اللعان أشد من إقرارها بالزنى، ثم ترجع عنه، فإن ذلك مقبول منها.
والثاني: رأي أبي القاسم بن الكاتب، وأبي عمران الفاسي، ورأي هؤلاء أن النكول بخلاف الإقرار بالزنى، لما تعلق بالنكول من حق الآدمي، أعني الزوج.
الرابع: إذا قال: زنيت وأنت صغيرة، أو أمة، أو نصرانية. فقال ابن القاسم: يحد، ورآه تعريضًا، وإن أقام بينة بما تقدم من ذلك.
وقال أشهب: إن سمى، فقال: في رقك، أو نصرانيتك، أو صغرك، فإن كان في غير مشاتمة، فلا حد عليه، وإن كان ذلك في مشاتمة حد، إلا أن يقيم البينة.
الباب الثالث: في جوامع أحكام اللعان، ونفي الولد
ويتعلق بلعانه ثلاثة أحكام: سقوط الحد عنه. وانتفاء النسب. ووجوب حد الزنى عليها.
ويتعلق بلعانها هي أيضًا ثلاثة أحكام: سقوط الحد عنها. والفراق. وتأبيد الحرمة. وقيل في هذين: إنهما يتعلقان بلعانه.
وفي (حكم) نفي الولد مسائل:
إحداها: أن اللعان يحتاج إليه إذا أمكن أن يكون الولد من الزوج، فإن لم يمكن، فلا لعان. وذلك إما لقصر المدة عن ستة أشهر، أو لطول المسافة بين الزوجين، أو لكون الزوج صبيًا لا يولد لمثله، أو لكونه ممسوحًا مجبوب الذكر والأنثيين، فلا يلحقه. فأما الباقي الأنثيين، فيلحقه الولد إن (كان) (بولد) لمثله في العادة.
وأما الخصي الباقي الذكر، فلا يلحق به الولد، إلا أن يكون ممن يولد له في العادة، ولو أقر الزوج بالوطء بين الفخذين مع الإنزال لحقه الولد، ولا لعان له.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
وكذلك لو وطئ أمته، ثم وطئ امرأته قبل أن (يبول) وأكسل عنها، لزمه الولد، ولا لعان له، إذ قد يكون في إحليله فضل ماء من الأول.
الثانية: اللعان عن الحمل جائز في صلب النكاح.
وقال عبد الملك: إذا لاعن لنفي النسب لأجل استبرائه ولم يشاهد، فإنه لا يجب أن يلاعن وهي حامل، لجواز أن يكون ريح ينفش. وانفصل عن هذا في المشهور بأن الحمل قد يظهر ظهورًا يكون الغلط فيه نادرًا، وقد علق الشرع عليه أحكامًا، كإيجاب النفقة، والرد بالعيب، واستدله بأن العجلاني لاعن عن الحمل وبعد البينونة له أن يلاعن إذا ادعى رؤية الزنى في العدة، أو نفي حملًا يلحق به إن لم ينفه.
الثالثة: إذا أتت بتوأمين، فنفى أحدهما، لم ينتف، فإن نفاهما، ثم استلحق أحدهما لحقه الثاني، لأنه لا يتبعض، ويغلب جانب الإثنين. ولو نفى الحمل، فأتت بتوأمين انتفيا.
وله أن ينفي أولادًا عدة بلعان واحد. وتثبت بين التوأمين المنفيين أخوة الأب مع أخوة الأم.
الرابعة: إذا مات الولد، فله اللعان، وإن لم يكن للولد ولد حي ولو نفاه، فلما مات استلحقه، قبل إن كان للميت ولد، فإن لم يكن له ولد، لم يقبل، ولم يرث، لأنه يتهم لأجل الميراث.
الخامسة: حق نفي الولد على الفور، ويسقط بالوطء بعد العلم به. ولو لم يعلم به إلا عند الوضع فنفاه، جاز. ولو ترك النفي بعد العلم بالوضع سقط حقه، ولم ينتف عنه.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
الباب الأول: في عدة الحرائر والإماء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ