وفيه فصول:
الفصل الأول: في الالتقاط
هو عبارة عن أخذ مال ضائع ليعرفه الملتقط سنة، ثم يتصدق به أو يتملكه إن لم يظهر مالكه، بشرط الضمان إذا ظهر المالك. وليس بواجب إلا أن يكون بين قوم غير مأمونين والإمام غير عدل، لكن إن وثق بأمانة نفسه فالأخذ مستحب له.
وروي تخصيص الاستحباب بما له بال، فإن علم الخيانة من ننفسه خذ محرم عليه، وإن خافها كره له الأخذ.
وروى ابن القاسم: "كراهية التقاطها، إلا أن يكون لها قدر". وروى أشهب: "أما الدنانير وشيء له بال، فأحب إلى أن يأخذه، وليس كالدرهم وما لا بال له، ولا أحب أن يأخذ الدرهم.
وحكى القاضي أبو بكر عن مالك الكراهة مطلقًا، وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق.
[ ٣ / ٩٨٨ ]
الفصل الثاني في ذات اللقطة
وهي عبارة عن مال لمعصوم معرض للضياع، [كان] في عامر البلاد أو غامرها، وذلك جار فيكل جماد وحيوان صغير. (ويدخل) فيه الغنم على تفصيل يأتي بيانه.
وأما ما كان أكبر من الغنم. فمنه الإبل، وحكمها أنها إن وجدت في الصحراء لم تلتقط لورود الخبر. ومنه البقر، وقد رأى مالك إلحاقها بالغنم في ضعفها عن الامتناع عند انفرادها. ورأى ابن القاسم إلحاقها بالإبل إذا كانت بمكان لا يخاف عليه فيه من السباع. (ومنه الخيل والبغال والحمير. وظاهر قول ابن القاسم أنها تلتقط. وقال أشهب وابن كنانة: لا تلتقط، وإلحاقها بالإبل إذا أمن عليها من الجوع والعطش والسباع والناس. وإن وجدت في العمران وخيف امتداد أيدي الناس إليها كان أخذها ورفعها إلى الإمام ينظر فيها أفضل له وآمن عليها). ومن وجد كلبًا التقطه إن كان بمكان يخاف عليه. وما (وجد) من المتاع بساحل البحر فهو لربه ولا شيء عليه لمن وجده.
وقال مالك في الكتاب فيمن وجد متاعًا (بفلاة)، فحمله إلى بلد، فأتى ربه، فله أخذه بعد دفع كراء حمله.
وفي الزاهي للشيخ أبي إسحاق: ومن هلكت راحلته بفلاة، فألقى متاعه فاحتمله
[ ٣ / ٩٨٩ ]
محتمل إلى نفسه أخذه ربه، وغرم أجرة الحمل. وفيه إذا طرحت الأمتعة خوف الغرق فأخذها آخذ فوق الماء، نضب الماء عنها مكان ذلك، فهي لأربابها. وفيه: وفي الخشبة يطرحها البحر قولان.
أحدهما: إن تركها أفضل
والآخر: إن واجدها يأخذها، فمتى جاء ربها غرم له قيمتها. وفيه إذا وقعت السمكة في سفينة فيها جماعة، فهي للذي سقطت إليه، كان رب السفينة أو غيره.
الفصل الثالث: في أحكام اللقطة، وهي أربعة:
الحكم الأول: حكم الضمان
وهي أمانة في يد من قصد بأخذها أن يحفظها لمالكها ما دام على ذلك القصد. ومغصوبة مضمونة في يد من أخذها بقصد الاختزال.
وأما من أخذها ليعرفها سنة ثم يتصدق بها أو يتملكهأ، فهي في يده أمانة في السنة، فإذا انقضت السنة فتصدق بها، فهي مضمونة عليه، إلا أن يختار ربها إمضاء الصدقة على نفسه. وإن أبقاها بعد السنة على التعريف، فهي باقية على الأمانة. ولو أخذها بنية الحفظ ثم ردها ضمنها إن تلفت، ولو ادعى ربها أن الملتقط أخذها ليتمولها لا ليعرفها وادعى الملتقط قصد التعريف، كان القول قوله.
الحكم الثاني: التعريف.
وهو واجب سنة عقيب الالتقاط فيما له بال، ينشدها في المواضع التي يجتمع الناس إليها. ودبر الصلوات على أبواب المساجد والجامع، وحيث يظن أن ربها هناك أو خبره، يعرفها كل يومين أو ثلاثة، ولكما تفرغ، لا يجب عليه أن يدع التصرف في حوائجه ويعرفها، وفي ذكر الجنس في التعريف خلاف. ثم له أن يعرفها بنفسه، أو يدفعها إلى الإمام يعرفها إذا كان عدلًا أو يدفعها لمن يثق به ممن يقوم مقامه فيها يعرفها أو يستأجر عليها من يعرفها، ثم الأجرة في التعريف منها إن كان ممن لا يعرف مثله. ولا يجوز له أن يسافر بها إلى بلد آخر ليعرفها به. ولو وجدها في صحراء بين مدينتين لعرفها بينهما.
ثم وجوب التعريف سنة بتخصيص بالمال الكثير الذي لا يفسد، فأما القليل الذي لا يفسد، فإن كان من القلة بحيث يعد تافهًا لا قدر له، ويعلم أن صاحبه في العادة لا يتبعه لقلته فلا يعرف أصلًا.
[ ٣ / ٩٩٠ ]
وإن كان على قلته له قدر ومنفعة، وقد يشح به صاحبه ويتبعه، فهذا يعرف، لكن اختلف في حده، فقيل: سنة كالذي له بال، وهو ظاهر رواية ابن القاسم في الكتاب. وفي العتبية من رواية عيسى عن ابن وهب: "أنه يعرفه أيامًا"، وهو قول ابن القاسم من رأيه في الكتاب.
ولا تتحدد عدة الأيام بعدد معين، بل (بحسب) ما يظن أن مثله يطلب فيها، [وهذا] كالمخلاة والحبل والدلو. ومن سماع أشهب: "إذا وجد العصا والسوط إن أخذهما عرفهما، وإن لم يعرفهما فأرجو أن يكون خفيفًا".
وأما ما يفسد وإن كان كثيرًا كالطعام وشبهه، فقد قال ﵇: "من التقط طعامًا فليأكله". وفي معناه الشاة الملتقطة بالبعد عن العمران حيث يعسر جلبها، ويخشى عليها إن تركها، فإنها طعام ويحتاج إلى العلف، ولقوله ﷺ: "هي لك أو لأخيك أو للذئب".
فأما الجحش وصغار الحيوانات التي لا تؤكل، فينبغي أن تؤخذ خشية هلاكها. ولا شيء عليه في أكل الطعام بالفلاة، إلا أن يكون في رفقه وجماعة، فيكون له حكم الحاضرة.
وإن وجد بقرية فقال ابن حبيب في الواضحة: إن تصدق به فلا غرم عليه لصاحبه، لأنه يؤول إلى فساد. وأن أكله غرمه لانتفاعه به.
وظاهر قول أشهب أنه يغرمه لصاحبه تصدق به أو أكله. وظاهر ما في الكتاب أنه لا ضمان عليه فيه، أكله أو تصدق به.
فروع: في أحكام غلات اللقطة ومنافعها في مدة التعريف، قال ابن حبيب: ذكرت امرأة لعائشة ﵂ أنها وجدت شاة، فقالت لها: عرفي واعلفي واحلبي واشربي.
[ ٣ / ٩٩١ ]
قال سحنون، فيمن وجد شاة اختلطت بغنمه: "فهي كاللقطة يتصدق بها، ثم إن جاء ربها ضمنها له"، قال: "ولد شرب لبنها، وهذا خفيف. وقال ابن نافع: قال مالك في الرجل يكون في غنمه وباديته فيجد شاة بفلاة من الأرض، فأرى أن حبسها مع غنمه لا يأكلها سنة أو أكثر منها، وله حلابها لا يتبع به إن جاء ربها إلا بها وبنسلها، فإن ذبحها قبل السنة ضمنها لربها، وإلا أن يخاف موتها فيذكيها، فلا شيء عليه إلا أن يقدر على بيع لحمها. وقال مطرف في ضالة البقرة والغنم: الصدقة بثمنها أحب إلي من الصدقة بها، والاستيناء بالثمن أحب إلي من الاستيناء بها وليس بواجب، ونسلها مثلها.
وأما اللبن والزبد فأما بموضع لذلك ثمن فليبع ويصنع بثمنه ما يصنع بثمنها، وإن كان له بها قيام وعلوفة، فله أن يأكل منه بقدر ذلك، وأما (بموضع) لا ثمن له فليأكله.
ولا بأس أ، تكري البقر في علوفتها كراء مأمونًا من العطب. وأما الصوف والسمن فليتصدق به، أو بثمنه. قال ابن حبيب: وضالة الدواب له أن يركبها من موضع وجدها إلى موضعه، فأما في حوائجه فلا، فإن فعل ضمنها. وله كراؤها في علفها كراء مأمونًا لا يجر إلى [عطب]. ما بينه وبين أن يبيعها ويتصدق بثمنها، أو يأتي صاحبها وليس لقدر حسبه إياها، هي والمواشي حد إلا على اجتهاده وصبره.
وقال أشهب: إذا أنفق الملتقط على الدواب والإبل والبقر، فربها مخير بين غرم النفقة وأخذها أو إسلامها فيها، فإ، أسلمها فيها ثم بدا له أن يطلبها ويؤدي النفقة فليس له ذلك.
الحكم الثالث: (في) (التملك)
وهو جائز بعد انقضاء التعريف ومدته، والأحسن له بعد انقضاء ذلك أن يبقيها أو يتصدق، بها فإن اختار تملكها ثبت ملكه عليها.
قال القاضي أبو الوليد: "هذا عندي حكم لقطة كل بلد سوى مكة"، فأما مكة
[ ٣ / ٩٩٢ ]
فلا تتملك لقطتها لقوله ﷺ: "لا تحل لقطتها إلا لمنشد" معناها على الدوام، وإلا لم تظهر فائدة (للتخصيص).
وهذا قاله ﵁ هو اختيار القاضي أبي بكر والداودي، والمذهب أنها كغيرها، ومستنده العمومات الواردة في [اللقطة].
فأما ما ورد من قوله ﷺ: "إن لقطتها لا تحل إلا لمنشد" ومن قوله ﷺ: "لا تحل لقطة الحاج فمحمول على أنها لا تحل لمن يريد أن يتملكها دون تعريف، بل لا تؤخذ إلا لصاحبها أي لتعرف له.
وسبب تنبيه الشارع: على هذا الحكم وتخصيصه بلفظ مكة، وهو عام فيها وفي غيرها، هو أن اللقطة توجد كثيرًا ي الحرم لاجتماع الناس فيه من كل فج، وأنه موضع نسك، وأن الغالب منه أن الحاج لا يعود لطلب اللقطة، إن كان من أهل الآفاق، فيصير الآخذ لها آخذًا لنفسه لا محالة، فخص النبي ﷺ الحرم لهذا المعنى، وغلظ فيه.
ونحن (كذلك) نقول: سبيل من وجد لقطة في الحرم وليس هو من أهله أن يدفعها للحاكم أو لثة في الموضع، فإن لم يفعل وخاف أن تكون لمن هو من أهل الآفاق، فأخذها على شرط اللقطة، جاز ذلك.
الحكم الرابع: وجوب الرد.
والنظر في ظهور المالك وفي قيام اللقطة وفواتها.
أما الأول فيعرف بقيام البينة أو بالإخبار بالوصف، فإذا أقام البينة أنها له، أو أخبر بعفاصها، وهو ما تشد فيه، ووكائها وهو ما تشد به، وجب الردد له. ويقوم الوصف مقام البينة لقوله ﷺ: "فإن جاءك أحد يخبر بوكائها وعفاصها وإلا فاستنفقها". أخرجه البخاري.
وفي اعتبارمعرفة العدد إن كانت دنانير أو دراهم خلاف، اعتبره ابن القاسم ولم يعتبره أصبغ.
[ ٣ / ٩٩٣ ]
وسبب الخلاف: ذكره في حديث أبي والإضراب عنه في حديث زيد بن خالد، ولا يلزمه يمين مع الصفة. وقال أشهب: تلزمه اليمين معها.
واختلف في وقوع ردها على إتيان ناشدها بهذه الصفات التي عددناها بجملتها، أو يجتزأ ببعضا:
(فقال محمد بن عبد الحكم: لو أصاب تسعة أعشار الصفة، وأخطأ (العشر) لم يعطها إلا في معنى واحد، وهو أن يصف عددًا (فيصاب) أقل. وقال أشهب: إن عرف منها وصفين ولم يعرف الثلاث دفعت إليه. وقال أصغ: "إن عرف العفاص وحده فليستبرأ، فإنه جاء أحد وإلا أعطيها".
ولو عرف رجل عفاصها أو وكاءها وحده، وعرف آخر عدد الدنانير ووزنها كانت لمن عرف (العفاص أو الوكاء)، قاله أصبغ في العتبية، وزاد ابن حبيب عنه أنه قال: ولقد استحسن أن تقسم بينهما، كما لو اجتمعنا على معرفة العفاص والوكاء، ويتحالفان، فإن نكل (أحدهما) دفعت إلى الحالف.
قال القاضي أبو الوليد: "وهذا جنوح منه إلى إلحاق معرفة العدد بمعرفة العفاص والوكاء) ..
[ ٣ / ٩٩٤ ]
وإن وصفها رجلان تحالفا ثم قسمت بينهما إن حلفا، فإن نكل أحدهما انفرد بها الحالف عن النكال.
ولو دفعت إلى من انفرد بوصفها، ثم ظهر واصف آخر لم يكن له شيء إلا أن يأتي بينة فيكون حينئذ أحق بها، إلا أن يأتي الأول، أيضًا، ببينة، وتتكافأ البينتان ولم تؤرخا، فيقضى بها لأعدلهما، فإن تكافأتا سقطتا وبقيت للأول بالصفة. ولو اختار لكاتب لأولهما تاريخًا.
قال ابن القاسم: "وإذا وصفها الثاني وأقام بها بينة فلا شيء له على الملتقط، دفعها بقضية أو بغير قضية، لأنه فعل ما يجوز له". وقال ابن الماجشون: يضمن إذا قال: دفعتها لم وصفها ولا أعرفه، ولم يشهد لتفريطه.
وأما النظر الثاني: في قيامها وفواتها. فإن وجدها قائمة أخذها، كانت بيد الملتقط في نوى تملكها أو ينو، [أو) كانت بيد المساكين المتصدق بها عليهم، كانت الصدقة بها عن نفسه أو عن ربها. وكذلك إن وجدها قائمة بيد المبتاع من المساكين.
وإن وجدها المبتاع من الملتقط، فقال ابن القاسم: إذا باعها بعد انقضاء التعريف ومدته، فلا رجوع لربها فيها، وإنما يأخذ الثمن لا غير. قال: وسواء باعها بأمر السلطان أو بغير أمره".
وقال أشهب: إن باعها بغير أمر السلطان فلربها نقض البيع وأخذها. قال: وإن وجدها بيد المساكين ناقصة وقد تصدق بها عن ربها، فله الخيار في أخذها أو أخذ قيمتها من الملتقط يوم تصدق بها. ثم إن أخذها فلا شيء له عليه، وإن أخذ قيمتها أخذها الملتقط من المساكين ولا شيء له عليهم لنقصها. قال: وإن كان تصدق بها عن نفسه، فربها بالخيار بين أن يأخذها على نقصها ولا شيء له على الملتقط، وبين أن يأخذها بقيمتها ثم لا شيء لملتقطها على المساكين. قال: وإن لم تفت عندهم بشيء فليس له سواها.
وإن وجدها المالك فائتة العين، فإن كان الملتقط أكلها أو أتلفها غرم للمالك قيمتها يوم أتلفها، وإن كان تصدق بها فأكلها المساكين. فكذلك أيضًا عند ابن القاسم تصدق بها عن المال أو عن نفسه. وقال أشهب: إذا تصدق بها عن نفسه، فأكلها المساكين، فلربها تضمينهم مثلًا أو قيمة.
[ ٣ / ٩٩٥ ]
وإن تلفت بعد بيع الملتقط لها، فإن كان بيعه لها قبل تمام التعريف فعليه قيمتها في ذمته إن كان حرًا، وإن كان عبدًا ففيه رقبته كالجناية.
وإن كان البيع بعد انقضاء التعريف ومدته، فليس عليه سوى الثمن في ذمته حرًا كان أو عبدًا، (كان ذلك) بأمر سلطان أو بغيره أمره. وقال أشهب في بيع الدواب بغير أمر السلطان: إن باعها الملتقط خوفًا من الضيعة عليها، فليس لربها إلا الثمن. قال: وأما إن باع الثياب وما لا مؤونة في بقائه فربه أحق به إن وجده بيد المبتاع، فإن لم يجده فله الخيار في أخذ الملتقط بالثمن أو بالقيمة يوم بيعه إذ لم يبعه بأمر [سلطان] ولا بضرورة إلى ذلك.
[ ٣ / ٩٩٦ ]